← Джавами‘

Джавами‘ · id 37046

دروس الدكتور عمر عبد الكافي

عمر عبد الكافي

Полный текст (165 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ثانياً: الأدب مع رسول الله ﷺ ثانياً: الأدب مع رسول الله ﷺ ، والأدب معه يندرج تحت عنوان واحد: الانقياد له ولشرعه ﷺ . يعني: إذا قال الله أو قال رسوله، قلنا: سمعنا وأطعنا، سواء فهمت العلة أم لم أفهمها، فهمت المسألة أم لم أفهمها، ما دام أن هذا الكلام من حبيب الله فقد انتهى الأمر. جاء عن ابن مسعود: أنه كان ذاهباً إلى المسجد النبوي فبينما هو في وسط الشارع سمع الرسول ﷺ يقول لمن في المسجد: اجلسوا! فجلس ابن مسعود على قارعة الطريق، فلما خرج النبي ﷺ رأى ابن مسعود جالساً على الطريق فقال له: مالك تجلس هكذا، قال: سمعتك تقول: اجلسوا! فجلست مخافة أن أتقدم خطوة فأكون مخالفاً لأمرك يا رسول الله! وهذا غاية الأدب مع رسول الله ﷺ . لكن إذا أتتنا امرأة قليلة أدب -وكثيرات ما هنّ- تقول لك: الحجاب هذا لم يرد، وتجد إنساناً أيام عبد الناصر كان من أكبر الماركسيين في مصر، فلما كبر قليلاً في السن -والسن عند بعض الناس الذين لا يتقون الله في ماضيهم يصير وبالاً عليهم إذا تقدم بهم- فالشاهد: أن هذا الماركسي طلع على الناس في إحدى المجلات يقول لهم: الحجاب ليس بفرض، كيف هذا يا رفيق؟! ورفيق: تطلق على الشيوعيين في الوقت الحالي، فبئس الرفيق هذا. فهؤلاء الذين يدعون إلى حرية المرأة هم لا يدعون إلى حرية المرأة ولكن يدعون إلى حرية الوصول إلى المرأة، وأنا عندي قناعة بهذه المسألة، وأعرف أناساً كثيرين وأتمنى ألا عرفهم من هؤلاء، فأي حرية مرأة!! وما الذي يغضبك يا أخي في هذا الشيء؟! فإذا لم نأخذها بالفطرة أو بالدين، أو أنه لا توجد آية في النور أو في الأحزاب، أو لا يوجد شيء في أيام رسول الله أو في الإجماع، فهب أنها بالغيرة العربية، هل تحب أن تمشي زوجتك عارية أم مستترة؟! انظر إلى حيوانات الغابة هل هي محجبة أم عارية؟ هل في عمرك رأيت جاموسة منقبة أو مخمرة؟ لم نسمع في عمرنا -أعزكم الله-، بل تمشي عارية كما خلقت، هذه حياتها، لكن الإنسان الذي كرّمه الله يقول الله عنه: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأعراف:٢٦]، وأبونا آدم عندما أكل من الشجرة وبدت له سوءته قال الله: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف:٢٢] أي: يريد أن يغطي سوأته. فالمرأة عورة وإن لم يكن النقاب فرضاً، لكن جزاها الله خيراً من غطت جسدها أمام الرجال، فما الذي يغضب الآخرين سوى أنه يريد أن ينظر إليها؟! وإذا سألته: هل هذه أختك؟ قال: لا. ابنتك؟ قال: لا. وقاسم أمين -رحم الله الجميع- لما أخرج كتاب: (المرأة الجديدة)، و (تحرير المرأة) ذهب إليه أحد أصحابه ممن لم يقتنع بالكلام الذي كتبه قاسم أمين عن خروج المرأة وجلوسها مع الرجال، فلما أتاه قال له: أنا لم آت لأجلس معك، ولكن لأجلس مع امرأتك قليلاً!! فقال: ما قلة الأدب هذه؟! فقال له: ألم تقل أنت هذا! ما المشكلة؟! فلو خرج قاسم أمين من قبره وسمع ما يقال اليوم لظن نفسه عمر بن الخطاب؛ لأن قاسم أمين كان يقول: لا داعي أن تغطي المرأة وجهها؛ لأن جدتي وجدتك من عهد قريب -أربعين أو خمسين سنة- كانت إذا خرجت من البيت غطت وجهها لكي لا يراها أحد؛ من باب الفطرة، ولو سألت جدتك: ما هذا؟ وهل النقاب فرض أم لا؟ لما عرفت الجواب؛ لأنهم لم يكونوا يعرفوا هل السلام على الرجال حرام أم لا؟ لكن إذا جاءت تسلم على الرجل أدخلت يدها في الكم أو الشال الذي معها وسلمت عليه، رغم أنها لم تكن تسلم على الرجال، لكن إذا اضطرت وضعت يدها بالفطرة من غير أن يعلمها أحد، ونحن أتينا لنكسر هذه الفطرة ونكسر الدين، ولو جلست امرأة غير محجبة بجانب امرأة يهودية أو نصرانية أو روسية فكيف ستعرف المسلمة؟! ويقولون: أنتم أيها الإسلاميون! تذهبون بعيداً جداً، امرأة عارية تذهب وتجيء في المسرح!! يقول تعالى: ﴿وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾ [الأنعام:٣٦]، ويقول: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ [الأنفال:٢٢] انظر إلى شر الدواب!! فقد جعل الله الذي لا يفهم في الدين ولا يريد أن يفهم الدين أسوأ من البقرة والجاموسة والحمار، والبقرة والجاموسة والحمار هذه البهائم مجبولة ومفطورة ومسخرة لطاعة الله وتسبيحه وتقديسه طوعاً أو كرهاً. لكن نحن -من أعطانا الله العقل- متمردون على الدين، فأين أدب هؤلاء مع رسول الله ﷺ ؟! يقول تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥]، هذا هو الأدب مع رسول الله ﷺ .

стр. 37

الإحسان إن الله قد أثنى على أهل الإحسان في العمل، وجعلهم من أعلى المراتب، فهي منزلة لا يبلغها إلا المقربون؛ ولذا كان لمن أراد أن يبلغ هذه المرتبة شروط لابد من معرفتها وتطبيقها؛ حتى يبلغ العبد مرتبة الإحسان في الأعمال والأحوال والأوقات.

стр. 38

شروط الإحسان في العمل

стр. 39

موافقة العمل للكتاب والسنة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: فإننا نعلم جميعاً ما سأله جبريل للحبيب المعصوم ﷺ : (ما هو الإحسان يا محمد؟ قال: الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك). نستطيع أن نفهم كلام سيدنا رسول الله ﷺ من زوايا ثلاث: الإحسان في الأعمال، والإحسان في الأقوال، والإحسان في الأوقات. فالإحسان في الأعمال فيه خمسة شروط: الشرط الأول: ألا يكون العمل خارجاً عن الكتاب أو السنة: فلو أن شخصاً أتى وهو متعب بعد سفر وجاء من أسوان، فقلت له: إلى أين أنت ذاهب يا هذا؟ قال: سأذهب لأزور الحسين، فيدخل عند الضريح ويطوف سبعاً أو يطوف حتى مرة، فهذا الطواف لا ينفع إلا حول الكعبة، إذاً: هذا عمل ليس على مقتضى السنة. يصعد الإمام على المنبر يوم الجمعة، ويؤذن المؤذن بين يدي الإمام، وعند: حي على الصلاة! حي على الفلاح! ترى الآباء الكبار يحب أحدهم أطراف أنامله ويمسح على عينيه: يا قرة عيني! يا حبيبي يا رسول الله! ما هذا الكلام؟ أيها الأب الفاضل من أين أتيت بهذا؟ أنت مخطئ! فهذا عمل على غير منهج الكتاب والسنة. وعندما يقف المؤذن، ويقول: أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن (سيدنا) محمداً رسول الله! يا رجل! أذن مثلما كان يؤذن بلال بين يدي رسول الله، يعني: هل رسول الله أحب إليك منه إلى بلال؟ هل يعقل أننا أشد حباً للرسول من صحابة رسول الله؟ فتقول له: لا داعي لهذه الكلمة لكنه يقلق ويغضب، ولو فتحنا المجال لقلنا: أشهد أن سيدنا محمداً رسول الله، وأن علياً ولي الله، وأن آل البيت أهل الله؛ فيكون هذا من التلاعب بالدين، وكأنه فاعله لم يعجبه الكتاب والسنة، فالعمل الخارج عن حدود الكتاب والسنة ليس فيه إحسان. كان سيدنا عمر ﵁ يقول: اللهم إني أسألك من العمل أخلصه وأصوبه، قالوا: ما أخلصه وما أصوبه يا أمير المؤمنين؟ قال ﵁: أخلصه ما كان خالصاً لوجه الله ، وأصوبه ما كان على الكتاب والسنة، أي يمكن أن يكون العمل خالصاً، ولكن ليس صواباً، ويمكن أن يكون صواباً ولكن ليس خالصاً. إذاً: العمل لابد فيه من شروط: أولاً: أن يكون على منهاج الكتاب والسنة، وهنالك أناس يحبون الله ورسوله ﷺ ، لكنهم لا يحسنون العمل، يعني: هناك أناس يحبون أن يجتمعوا كل ليلة جمعة في مسجد من المساجد ويصلون صلاة التراويح أو القيام في غير رمضان هل يصلح هذا الفعل؟ لا يصلح هذا الفعل؛ لأن هذا على غير منهج الكتاب والسنة، يعني: إذا كان الرسول لم يصنعها إلا في رمضان ثلاثة أيام، ثم أصبحت سنة مؤكدة بعد ذلك، وأحياها عمر بن الخطاب ﵁، ثم زاد فيها عثمان فجعلها ستاً وثلاثين ركعة، والبعض يقول: إنها عشرون ركعة، والبعض يقول ثمان ركعات، ولم يجتمع الصحابة على نافلة إلا في رمضان، فعندما تنكر عليه يقول لك: لو صليت سأدخل النار؟! فأقول: النار والجنة هذه ليست إلينا، نحن لدينا كتاب وسنة، فلو وجدت هذه الصلاة في الكتاب والسنة فنحن سنأتي ونصلي معكم، ونصلي بكم، وليس هنالك مشكلة، لكنها صلاة على غير منهاج الكتاب والسنة، ومخالفة لمنهاج صحابة الحبيب المصطفى الذين نقلوا لنا كل حركة من حياة رسول الله. وأنا أتخيل منذ أن نزل على رسول الله ((اقْرَأْ)) إلى نزلت ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر:١] أو: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣] والدين محفوظ مثل شريط الفيديو صوت وصورة، يعني: كل ما ورد عن رسول الله ﷺ في حركته وسكنته في بيته في المسجد في الشارع في الحرب في السلم في السفر، في الحضر في كل خطوة من ليل أو نهار مسجل تماماً عن رسول الله، فمن زاد في الدين شيئاً كان كمن نقص منه شيئاًَ. يعني: أنت لو زدت في الدين شيئاً اتهمت الرسول ﷺ بالتقصير في أنه لم يبلغنا هذا الأمر، فعندما تزيد في الدين تكون قد اتهمت رسول الله أنه نسي شيئاً، وأنك بحذاقتك وعلمك أكملتها، وإن نقصت من الدين شيئاً رأيت أن الرسول ﷺ قد جاء بما لا طاقة لك به، فحذفت من الدين تلك الزيادة بحسب تعبيرك. قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ﴾ [المائدة:٣]، والإكمال أفضل من الإتمام: ﴿أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣]. ويقول ﷺ : (وتركتكم على المحجة البيضاء)، والمحجة: هي الطريق الواضح الممهد، (ليلها كنهارها) يعني: مضيئة واضحة.

стр. 40

أن يكون العمل خالصاً لوجه الله الشرط الثاني: أن يكون العمل خالصاً لوجه الله: (إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه)، أبو موسى الأشعري عندما سلم من الصلاة وجد الحبيب ﷺ جالساً وراءه وهو يصلي تحية المسجد، قال: أوسمعتني يا رسول الله! قال: (منذ أن بدأت يا أبا موسى، والذي بعثني بالحق نبياً لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود)، أي: صوتك طيب وجميل! حتى المصريون ينتقون شخصاً صوته جيد معقول ليصلي بهم، والمؤذن يكون صوته جيداً حتى لا ينفر الناس! (اسمع القرآن ممن إذا سمعته قلت: إنه يخشى الله)، فلا تنكرون عليه قراءته، من أنه لم يقف هنا في هذا الموطن، وأخطأ هنا، هذا ليس مجلس عرض للقرآن، يا أخي إن الله امتن عليهم بحفظ كثير من القرآن والسنن فلا تكن معولاً في هدم البناء، وكن حجراً في إعلاء البناء، يعني: سددوا وقاربوا من أجل أن الله يسد الخلل علينا يوم القيامة، يستمع النبي ﷺ إلى تلاوة أبي موسى فيقول: (لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود، قال: والذي بعثك بالحق نبياً، لو أعلم أنك تسمعني لحبرته لك تحبيراً)، أي: لكنت جملت وحسنت صوتي، فالرسول يسمع. أنت إذا ذهبت إلى الإذاعة تجد أن المقرئ عندما يذهب للامتحان يكون في اللجنة واحد من معهد الموسيقى؛ من أجل أن يرى مقامات الأصوات، المهم أنه لابد أن يكون عضواً في اللجنة، سواء يصلي أو لا يصلي، المهم أن يأتي يسمع صوت هذا الشخص، وكأنه -سبحان الله- كما وصفه النبي ﷺ حيث قال: (يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم) يعني: بالكاد أن القرآن يخرج من اللسان فقط دون العمل بما فيه. ويقول ﷺ : (إن القرآن نزل بحزن، فاقرءوه بحزن، ولا تقرءوه بلحن أهل العشق) أي: لا يمكث طوال الوقت يغني بالقرآن، فيقول آخر: يا سلام عليك يا شيخ ﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا﴾ [الكهف:١٠٠] يا سلام! الله يفتح عليك: ثانية ثاني! ماذا الله يعرض جهنم! يعرض جهنم يا شيخ! لا إله إلا الله، نسأل الله السلامة! انظر إلى الصحابة كان الرسول ﷺ إذا قرأ عليهم القرآن كأن على رءوسهم الطير!

стр. 41

إن لله عملاً بالليل لا يقبله بالنهار والعكس الشرط الثالث في الإحسان في العمل: أن الله له عمل بالليل لا يقبله بالنهار، وله عمل بالنهار لا يقبله بالليل، مثلما أوصى أبو بكر عمر ﵄ في وصيته، يعني: هل ينفع أن شخصاً يصوم في رمضان بالليل ويفطر بالنهار؟ هل يصح أن أحداً يصلي الصبح بعد صلاة العصر؟ إذاً: ربنا له عمل محدد، الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً، الزكاة لا تخرج صدقة، والصدقة لا تحسب زكاة، والصدقة الجارية شيء، وكفارة الأيمان شيء آخر، والنذر شيء ثالث، وزكاة الفطر شيء رابع إذاً كل هذه الأشياء لها حدود وقانون، وأنا أقول لك دائماً: الذي جعل للكرة قانوناً فهل الدين ليس له قانون؟ أليست الكرة لها ملعب خاص بها، ولها مرمى طوله كذا وارتفاعه كذا فهذه مواصفات عالمية يا كابتن! يعني: الكابتن له مواصفات عالمية، وتلعب بالدين وتقول: أنا قلبي أبيض؟ نعم أبيض، ولكن هذه قوانين، فإذا كانت الكرة فيها قانون أليس لدين الله قانون من باب أولى؟! إذاً: اسأل الحكم أليس كذلك؟ يأتون بحكم من الخارج، أما نحن فالحمد لله العلماء بين أظهرنا فلا نحتاج أن نستورد علماء من الخارج. يجب أن نعلم أن لله عملاً بالليل لا يقبله بالنهار وأن له عملاً بالنهار لا يقبله بالليل.

стр. 42

مراقبة الله تعالى عند القيام بالعمل الشرط الرابع في الإحسان في العمل: أن يعتقد العبد وهو يعمل أن الله يراه: فعندما يستشعر العبد أن الله ينظر إليه يكون عمله متقناً، بل وخالصاً لله. الرجل الذي يقف يصلي بخشوع في المسجد والناس ينظرون إليه، يقولون: ما شاء الله، هذه الصلاة ليست مثل صلاتنا المستعجلة، فنتعلم من هذا الرجل كيف نصلي، انظروا إليه له عشر دقائق وحتى الآن لم يركع! وهذا الرجل عندما يسمع هذا يعجبه فيحاول أن يحسن من الصلاة ويتقنها! للأسف كلنا هذا الرجل، نسمع المدح فنرضى، وعندما ينتقدك أحدهم تحزن، ولكن الذي ينتقد لو نوى نية صادقة لما حزن الذي ينقد، فلو نويت النصح من داخلك لوجه الله فالذي أمامك لن يحزن، لكن أنت نويت أن تجرحه، وتشعره بالهوان والصغر بأنه لا يفهم ولا يعرف. اسمعوا إلى هذه القصة البسيطة التي كلنا نعلمها أولادنا، الحسن والحسين لما رأيا رجلاً كبير السن لا يحسن الوضوء كانا صغيرين عمرهما تسع سنين أو عشر سنين، فلو قالوا للرجل كبير السن: أنت مخطئ لربما غضب؛ لكن الحسن والحسين قالا له: يا عماه! اختلفت أنا وأخي في كيفية الوضوء، فتعال فاحكم بيننا، فتوضأ الاثنان الوضوء الذي رأيا جدهما ﷺ يتوضؤه، فقال لهما: يا أبنائي! أنتما المصيبان وأنا المخطئ، أنا الذي لا أستطيع أن أتوضأ. هذه هي طريقة التعليم، وانظروا إلى الرسول ﷺ كيف علم الرجل الرحمة، وعلم الصحابة كيف تكون الدعوة إلى الله، الأعرابي الذي دخل المسجد -الذي لا يختلف عن الشارع في ذلك الوقت، الشارع فيه رمل وحصى، ومسجد رسول الله ﷺ لم يكن فيه حصير ولا موكيت ولا سجاد ولا كهرباء- فلقي منطقة فارغة في مؤخرة المسجد فأراد أن يتبول، فذهب إلى ركن المسجد ثم شمر، والصحابة جروا خلف الرجل يريدون أن يفتكوا به، فقبل أن يصلوا إليه حجزهم رسول الله، وقال: (لا تزرموه)، يعني: لا تقطعوا عليه بوله، (وبعدما انتهى الرجل، قال ﷺ : أهريقوا على بول أخيكم سجلاً من ماء). أخذوا الماء ونظفوا المكان الذي بال فيه (ووضع يده على كتف الرجل، حتى قال: فما وجدت أحن وأرحم من رسول الله) وضع يده عليه بحنان ولم يدفعه ويقول له: أنت عمرك لن تفهم! بل قال له: (يا أخا الإسلام! هذا مكان لا يصلح لما صنعت) ولم يقل له: أنت جاهل، أو ستذهب في داهية، وإنما قال: هذا المكان لا يصلح للذي عملته، هذا مكان للصلاة والعبادة. نظر الرجل وتعجب فرفع إلى السماء وقال: (اللهم ارحمني ومحمداً، ولا ترحم معنا أحداً) فالرسول ﷺ كان من الممكن أن يسكت عنه، لكن الرسول كلمه مرة أخرى وقال: (لقد حجرت واسعاً) أنت ضيقت الأمر الواسع قل: (اللهم ارحمنا فإنك بنا راحم) انظر إلى طريقة التعليم سبحان الله! انظروا كيف يكون التعليم! عندما ركب عبد الله بن عباس خلف النبي ﷺ كان عمره إحدى عشرة سنة، يعلمه ويقول له: (يا غلام! إني أعلمك كلمات، احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، وإذا سألت فاسأل الله)، يعني: عندما يسأل عن سؤال يجيب عنه بسؤال آخر، من أجل أن يخرج المعلومة من الذي أمامه، ثم بعد ذلك إما أن يؤكد هذه المعلومة له، وإما أن يلغيها، وإما أن يكملها له إن كانت ناقصة، أو يرفع الزيادة إن كان هناك شيء زائد، هكذا كان معلماً ﷺ .

стр. 43

مفهوم الإحسان في الأحوال إن للعبد في العمل أمرين: فرض ونفل، فهنالك أناس يكتفون بالفرض، (جاء رجل إلى رسول الله ﷺ من أهل نجد، ثائر الرأس نسمع دوي صوته ولا نفقه ما يقول، حتى دنا من رسول الله ﷺ فإذا هو يسأل عن الإسلام، فقال رسول الله ﷺ : خمس صلوات في اليوم والليلة، فقال: هل علي غيرهن؟ قال: لا إلا أن تطوع، وصيام شهر رمضان، فقال: هل علي غيره؟ فقال: لا إلا أن تطوع، وذكر له رسول الله ﷺ الزكاة فقال: هل علي غيرها؟ قال: لا إلا أن تطوع، قال فأدبر الرجل، وهو يقول: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص منه، فقال رسول الله ﷺ : أفلح إن صدق). إذاً: الرجل عنده إيجابيات وليس عنده سلبيات، لكن نحن عندنا سلبيات وعندنا قليل من الإيجابيات، وقد شبهنا الفرض والنفل بالبيت الذي له حديقة محيطة به، فالذي يريد أن يدخل البيت لابد أن يدخل أولاً على باب الحديقة، ثم بعد ذلك يدخل على الممر، ثم يصل إلى الباب الأساسي للبيت، ولابد أن يفتح الباب وإن قفز من الجدار إما أن يكون الحرس قد رأوه، أو أصحاب البيت، أو كلب الحراسة، أو جهاز الإنذار أو إلى آخره، فليس بالسهولة أن يدخل مباشرة. هذا مثال الفرض والنفل، الفرض: هو البيت، والنفل: هو الحديقة، فيأتي الشيطان يريد الدخول، يدخل أولاً على الحديقة أي: على النفل، يأتي وأنت تصلي ركعتي العشاء، فيقول لك: أنت متعب هذا النهار لا داعي لهاتين الركعتين، أو الأفضل أن تجعلها قبل الفجر، أصلي الشفع والوتر يقول: لا داعي للشفع والوتر أنت اليوم متعب، لكن لو أنك صليت العشاء فقط، ماذا يقول لك: إنك طوال الليل مرهق فنم وقبل الفجر تصليها. إذاً دخل لك مباشرة على الفرض نفسه. إذاً: يريد منك الشرع أن تحوط الفرض بالحديقة، وهذه الحديقة هي النوافل التي تصليها، وبالعكس تجده في حالات يسمع آية من كتاب الله يخر بكاءً فينفعل في البكاء، ويسمع نفس الآية في اليوم الثاني فلا يتحرك له ساكن أبداً، وتجده كذلك عندما يجلس في مجلس علم من باب أنه يشغل وقت الفراغ، تعود على أنه يذهب إلى هذا الدرس، ويعجبه ذلك الرجل الذي يتكلم، لكن في حالات أخرى يجلس في مجلس العلم منصتاً بكل جوارحه، متشوقاً إلى المعرفة، يتمنى ألا ينتهي هذا المجلس، ويريد أن يستمر، يقول: يا ليت أني لا أخرج من هنا، مرة ثانية، يجد نفسه تواقة إلى الشهادة في سبيل الله، يقول: يا لله! لو أنهم فتحوا باب الجهاد حتى نضمن الجنة، ونضمن أن تغفر ذنوبنا، ونضمن أن الله جل وعلا يمسح لنا الصفحات السود الماضية! ولحظات أخرى ينظر فيها إلى الأولاد والزوجة والأموال والمنصب، فيقول: أنا لو مت سأترك هذا كله؟! هانحن نجاهد أنفسنا على لقمة العيش، ونجاهد في قيمة السيارة، وكل واحد على قدر استطاعته! هكذا الإنسان لا يبقى على حال واحد، يعني: سبحان الله يكون حاله مثل المرتفعات والمنخفضات، يصعد فوق وينزل تحت، وهكذا الحالات الإيمانية! حتى في المنام ترى أحياناً رؤى جميلة طيبة، فتنظر الجنة وما فيها من نعيم وتنظر إلى مجلس العلم وربما تنظر سيدنا الحبيب ﷺ ، وتنظر الصحابة، وفي حالات تنظر إلى كوابيس، فترى البيت أنه حصل له إخلاء إداري، والشارع حصل له كذا وكذا والدرجة الوظيفة التي ستأتي لك من الوزارة أخذها صاحبك! فتقوم مكتئباً. لحظات أخرى تجد -سبحان الله العظيم- زوجتك نفسها معك في الدنيا صالحة مستقيمة ومطيعة تقول: حاضر يا حاج! ربنا يبارك لنا فيك، ربنا يخليك، وتجدها في بعض أيام تقول: اغرب عن وجهي! الله يجازي الذي كان السبب في هذه الزواجة السوء، وهي نفسها الحالات التي تكون عندك أيضاً، مرة تكون راضياً عنها تقول: كثر الله خيرها، متحملة لتصرفاتي، ومتحملة أتعابي أنا وأولادي، وصابرة وساكتة! وسبحان الله! وهاهي محبوسة في البيت شغالة، طباخة، وكناسة، وتهدئ الأولاد، وتعطف على الصغير، وتحن على الكبير، الله يعينها ويقويها وهكذا. فالعبد لا يبقى على حال، وأنا لا أتكلم على رجل آخر، وكلنا هذا الرجل، وكلنا يحصل لنا هذه الأحوال، لابد أن نرصد حركة الإيمان داخل القلب، ولابد للمؤمن أن يكون له نظرة يحاسب نفسه فيها، يقول: لماذا هذا؟ لماذا؟ لماذا؟ لا يكون الإنسان على وتيرة واحدة، ما الذي جعل الصحابة أنهم دائماً يطمحون إلى الأعلى، ونحن نصعد درجة وننزل عشرين درجة، نصعد ثلاث درجات وننزل خمسين درجة، لماذا؟ ما الذي يحصل؟ قلنا من قبل: إن البيئة المحيطة لها أثر على حالة العبد الإيمانية هذا أولاً. يعني: لو عدت من صلاة التراويح إلى البيت منفعلاً، وتبكي على قضية إخواننا في فلسطين، وتتخيل لو أننا نصلي الفجر ثلاثة أو أربعة صفوف منا فقتلوا بأيدي كفار ماذا كنت تصنع؟ وماذا يجب عليك أن تعمل؟ وتخيل الآن أن لك أقارب في طنطا أو الإسكندرية أو في أصوان أو في أي بلد سبحان الله، وبلغك أن إخوانك -يعني: أولاد أمك وأبوك- دخل عليهم مسلم فقتلهم، ماذا يكون شعورك؟! فمن أجل أنهم نزعوا الإخوة منا أصبحنا لا نشعر بالمشكلة، وتصير الحياة أمراً عادياً يقول لك: يا عم! الله يرحمهم هذا مكتوب لهم، ويريد ألا يسمع عنهم شيئاً، ولا يريد أن يتحمل مسئولية، ولا أن يتحمل هم الدعوة، ولا هم الرسالة، ولا هم الإسلام سبحان الله. فالبيئة المحيطة لها أثر على العبد، يرجع من المسجد يفتح التلفاز، إذاً الناس في عالم آخر، يدخل النادي، يمشي في الشارع الله الله الله ما هذا الكلام الذي يقوله الشيخ عمر؟! فإن الناس نائمون ليس في العسل فحسب، يا ليتهم في العسل! الذي ينام في العسل ينام على شيء جميل، لا، هؤلاء نائمون في مجار والله، ينام أحدهم في رائحة عفنة؛ لأن الإيمان قد تبخر، فكانت البيئة الإيمانية للصحابة تشجع على التقوى والقرب من الله، كان سيدنا عمر يمسك بيد أبي موسى الأشعري ويقول: يا أبا موسى اجلس نؤمن بالله ساعة، عجيب! وهل كان عمر ليس مؤمناً قبل ذلك؟! كلا، وإنما مراده: يزيد إيماننا بالذكر وبالعلم إلى غير ذلك، يعني: يريد من يأخذ بيده إلى الخير. هل كان الحبيب ﷺ يحتاج إلى من يقرأ عليه القرآن؟ كلا، ولكن قال: (إني أحب أن أسمعه من غيري)، من أجل أن يسمع ﷺ ويبكي عندما يسمع كتاب الله، انظر إلى رسول الله ﵊ يقوم طوال الليل بآية واحدة يقرؤها ويبكي، وهي قوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء:٤١] تخنقه العبرات ﷺ ، ويعيدها مرة أخرى ويبكي، ويعيدها مرة أخرى حتى يؤذن بلال لصلاة الفجر، وهو مشغول بالله ، وأنت تسمع أزيزاً لصدر رسول الله -وهو يقرأ القرآن- كأزيز المرجل، انظر إلى الوعاء عندما يغلي عليه الماء وقد وضع فيه الخضار أو اللحم وهو على النار. هكذا كان صدره ﷺ من بكائه لله، يقول: (أنا أقربكم إلى ربي، ولكني أشدكم خشية)؛ لأنه قريب إلى رب العباد ، بل ربما في بعض الأوقات يخرج إلى البقيع وإلى شهداء أحد، فيبكي ويقول: (كم وددت أن أوارى معهم في بطن هذا الجبل)، يا ليتني رزقت الشهادة مع إخواني! وكان له حنان حتى على الجبل الأصم، يقول: (أحد جبل يحبنا ونحبه) مع أنك تكره المكان الذي قتل فيه أخوك ولا تحبه. فالرسول عنده حنان؛ لأن الجبل يعتبر وسيلة إلى وصول صحابته ﷺ إلى جنة الرضوان، فالرسول يحب الجبل، وشعر أن الجبل يبادله نفس الحب ﷺ ، فكان في توافق ما بينه وبين الطبيعة من حوله، والطبيعة متوافقة مع خلقة وطبيعة ومع إيمان عظيم موجود في قلب الرسول الرءوف الرحيم بالأمة ﷺ . فالأحوال التي يتقلب فيها الإنسان والبيئة لها أثر في ذلك، وهل نترك أنفسنا إلى البيئة؟! إذا انتشر الوباء فما هو الحل؟ الحل هو: أنني آخذ مصلاً ولقاحاً مضاداً لهذا الوباء، أو أنني لا آخذ أي نوع من العلاج وما يجري على الناس يجري علي! ما الذي سيحصل عندئذ؟ يهلك الشخص ويموت، فإذاً: عندما يحصل الوباء يبدأ الإنسان يقوي جرعته الإيمانية، التي تستطيع أن ترد كيد الميكروبات أو الجراثيم أو الفيروسات التي تتكثف في هذا الجسد، وهكذا الجسد الإيماني أو الطبيعة الإيمانية في قلب العبد كوباء محيط بها، كل شيء مما حولك يريد أن يصل بك الأرض، سواء كان والداً أو زوجة أو جاراً أو كان في العمل، أو في البيئة أو في التلفاز، أو كان في المجلة سبحان الله! يعني: البيئة المحيطة كلها عبارة عن وباء، وأنت قد تصاب بها؛ لأن الإيمان مهزوز، فلابد من تقوية جانب الإيمان؛ كي تتغلب على هذه الأوبئة، لابد من التغلب عليها بتقوية الجسد، فكان العلماء الصالحون يعلموننا، ويقولون: يا ربنا! لا نسألك رفع البلاء، ولكن نسألك تقوية الظهر، يعني: البلاء موجود موجود، ولكننا يا ربنا لا نقول لك: أزل البلاء؛ لأن البلاء هو واقع بنا لا محالة، ولكننا نسألك أن تقوي ظهرنا، وتشرح صدورنا وتقوي إيماننا، اللهم قو إيماننا يا رب العالمين! ثانياً: كما قال سيدنا أبو بكر ﵁ وأرضاه: إني بليت بأربع ما سلطوا إلا لجلب مشقتي وعنائي إبليس والدنيا ونفسي والهوى كيف الخلاص وكلهم أعدائي أبو بكر يقول: تجمع علي إبليس ودنياي وهواي ونفسي، فإذا كان أبو بكر قد اجتمع عليه هؤلاء الأربع، فنحن من الذي اجتمع علينا؟! فعند أن هجم على أبي بكر هؤلاء الأربعة تقوى بطاعة الله ، فهزمهم، فماذا صنعنا نحن للأربعة التي هجمت علينا؟ سبحان الله، فإذا كان هؤلاء الأربعة ضد الصديق، فكيف بضدنا نحن وهم أربعمائة أربعة آلاف أربعون ألفاً؟ أنا أكاد أجزم أنهم أكثر من أربعين مليون، فعلى هذا قلت: إنني أذهب لأصلي الفجر وأسمع درس الصبح، أقسم بالله أن

стр. 44

التواضع التواضع صفة من صفات عباد الرحمن، فبه يسمو المرء عند الله تعالى، ويعظم في أعين الخلق، فينبغي للمسلم أن يتحلى بهذه الصفة العظيمة؛ اقتداء بالنبي ﷺ وصحابته الكرام رضوان الله عليهم.

стр. 45

الحث على التواضع، ونماذج من تواضع النبي وصحابته الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: كتب على باب الجنة أنه لا يدخلها متكبر، فنعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ومن كل خلق لا يرضاه رب العباد سبحانه، ونسأل الله أن يجعلنا من المتواضعين الذين يمدحهم المولى . إن عباد الرحمن لهم ثلاث صفات: أول صفة فيهم هي صفة التواضع، قال ربنا: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان:٦٣]. وسئل ﷺ : (يا رسول الله! الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً، ونعله حسنة؟ فقال: إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس). (بطر الحق) يعني: إنكاره، ولذلك عندما تذهب لخطبة ابنة فلان من الناس أو أخته لشاب صاحب خلق ودين، وقلت: جئنا لنخطب ابنتك لهذا الشاب، فنريد أن تخفف المهر؛ لأن النبي ﷺ قال: (أكثرهن بركة أيسرهن مهراً)، فإنه يقول لك: لا، هذا الكلام في المسجد. فهذا نوع من الكبر جعله يرد حديث النبي ﷺ . (وغمط الناس) أن تعتبر نفسك أهم شخص والناس أمامك لا يساوون شيئاً، وكما قيل: أنت أمير وأنا أمير فمن الذي يسوق الحمير؟ كان سيدنا الحبيب ﷺ مثالاً للتواضع، فقد كان الصحابة يريدون أن يمشوا أمام الرسول ﷺ ووراءه وعن جنبه هكذا، فكان يقول لهم: سيروا أمامي ودعوا ظهري لملائكة ربي؛ تواضعاً منه ﷺ . وصورة من صور التواضع الجم للنبي ﷺ أنه قال: (إني آكل كما يأكل العبد، وأنام كما ينام العبد، وأجلس كما يجلس العبد، ما أنا إلا ابن امرأة كانت تأكل القديد بمكة). وهذا سيدنا عمر بن الخطاب ﵁ بعث لـ سعد بن معاذ ثوب حرير هدية، فسيدنا سعد باع الثوب الحرير واشترى به ستة عبيد وأعتقهم، فسيدنا عمر بلغه الأمر، فأخذ ثوباً ثمنه أقل من الثوب الأول قليلاً وأرسل به إلى سعد، فـ سعد جاء مغتاظاً وقال: يا أمير المؤمنين! ما الذي صنعت؟ قال: أرسلت لك بديلاً لتعطيه لامرأتك أو لابنتك أو للجارية التي عندك، قال: ولكني أقسمت مغتاظاً أن أضرب رأسك بهذا الثوب، فقام سيدنا عمر وقال له: وهذا رأسي فافعل به ما تشاء. ونظر سيدنا عبد الله بن عمر إلى أبيه وهو آخذ قربة ماء على ظهره أيام خلافته، فقال: ما هذا يا أمير المؤمنين؟! قال: رأيت الناس يأتوني من كل حدب وصوب ويقولون: يا أمير المؤمنين! يا أمير المؤمنين! فأرادت نفسي أن تستشرف، فأردت أن أضعها مكانها. ولذلك روي: (أن رسول الله ﷺ كان جالساً في جماعة من أصحابه فذكروا رجلاً وأكثروا الثناء عليه، فبيناهم كذلك إذ طلع عليهم الرجل ووجهه يقطر ماء من أثر الوضوء، وقد علق نعله بيده، وبين عينيه أثر السجود، فقالوا: يا رسول الله! هو هذا الرجل الذي وصفناه، فقال ﷺ : أرى على وجهه سفعة من الشيطان، فجاء الرجل حتى سلم وجلس مع القوم، فقال النبي ﷺ : نشدتك الله هل حدثت نفسك حين أشرفت على القوم أنه ليس فيهم خير منك؟ فقال: اللهم نعم). هذا هو التكبر والعجب، فأين التواضع الذي وصف به عباد الرحمن في قوله: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان:٦٣]. ويقول سيدنا علي: يا بن آدم علام الكبر وأنت الذي تنتنك عرقة، وتميتك شرقة، وتقلقك بقة!! أخي المسلم لقد أكرمك الله بدين عظيم فكن متواضعاً مع عباد الله، والتواضع هذا يجعل نفسيتك طيبة، ويجعلك لا تنافق أحداً؛ لأنك متواضع لله، وجاء في الحديث: (أقربكم مني مجالساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً، والموطئون أكنافاً الذين يألفون ويؤلفون). اللهم اجعلنا من أهل التواضع يا رب العالمين.

стр. 46

الحياء الحياء خلق عظيم، وهو خير كله، ولا يأتي إلا بخير، وهو صفة من صفات نبينا ﷺ ، واقتدى به الصحابة في ذلك، فكانوا المثل الأعلى بعد نبيهم في تحقيق هذا الخلق العظيم قولاً وسلوكاً. والحياء له مراتب عديدة ذكرها علماؤنا الأفاضل رحمهم الله تعالى.

стр. 47

اشتقاق الحياء وفضله الحمد الله رب العالمين، وأصلي وأسلم على سيدنا رسول الله ﷺ . وبعد: فإن من مراتب الهداية: الحياء، والحياء مشتق من الحيا وهو المطر، والمطر يحول الأرض الميتة إلى أرض فيها خير كبير، قال تعالى: ﴿وَتَرَى الأَرْاضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [فصلت:٣٩]، وكما يحيي ربنا الأرض الموات فإنه يحيي القلوب الميتة، لكن القلب الميت لا يحيا إلا بمادة الحياء، وهو زاد الإيمان. رأى النبي ﷺ رجلاً يعظ أخاه في الحياء فقال: (دعه فإن الحياء من الإيمان) يعني: إذا كان عنده إيمان كان عنده حياء، والحياء ثمرة للإيمان، والذي يدخن في نهار رمضان ويتعذر بأنه مريض هذا ما عنده حياء ولا عنده إيمان، بل إنه يتجرأ ويقول: إنه ليس خائفاً من ربنا، فهو لا يستحي من ربنا، فلو كان عنده إيمان لاستحيا.

стр. 48

أقسام الحياء الحمد الله رب العالمين، وأصلي وأسلم على سيدنا رسول الله ﷺ . وبعد: فإن من مراتب الهداية: الحياء، والحياء مشتق من الحيا وهو المطر، والمطر يحول الأرض الميتة إلى أرض فيها خير كبير، قال تعالى: ﴿وَتَرَى الأَرْاضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [فصلت:٣٩]، وكما يحيي ربنا الأرض الموات فإنه يحيي القلوب الميتة، لكن القلب الميت لا يحيا إلا بمادة الحياء، وهو زاد الإيمان. رأى النبي ﷺ رجلاً يعظ أخاه في الحياء فقال: (دعه فإن الحياء من الإيمان) يعني: إذا كان عنده إيمان كان عنده حياء، والحياء ثمرة للإيمان، والذي يدخن في نهار رمضان ويتعذر بأنه مريض هذا ما عنده حياء ولا عنده إيمان، بل إنه يتجرأ ويقول: إنه ليس خائفاً من ربنا، فهو لا يستحي من ربنا، فلو كان عنده إيمان لاستحيا.

стр. 49

حياء التقصير قسم العلماء الحياء إلى خمسة عشر قسماً: أول قسم من أقسام الحياء: حياء التقصير، أي: حياء الإنسان المقصر، كحياء أبينا آدم وأمنا حواء عندما أكلا من الشجرة، ﴿بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا﴾ [الأعراف:٢٢]، وشعرا بأنهما مقصران، فكان رد فعلهما: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف:٢٢]؛ حياء من الله. فالمؤمن عندما يذنب فإن عليه أن يستحي، فهذا حياء المقصر أو حياء التقصير.

стр. 50

حياء الأدب القسم الثالث: حياء الأدب، قال سيدنا علي ﵁: كنت رجلاً مذاء -يعني: يخرج منه بعد التبول سائل رقيق لزج يسمى المذي- قال: فاستحييت أن أسأل رسول الله؛ لمكانة فاطمة منه ومني. وهذا من الأدب، فإن الرسول هو الذي رباه في حجره، وزوجه ابنته، قال: فسألت ابن عباس أن يسأل لي رسول الله، فاستحيا ابن عباس، فذهب إلى عبد الرحمن بن عوف فسأل الرسول ﷺ عن ذلك فأجابه رسول الله، فأخبر ابن عوف علياً بالجواب. والرسول ﷺ عاش مع عثمان ﵁ سنة كاملة في بيته فقال: ما سمعت خشخشت مائه في الطست. وهذا حياء وأدب مع رسول الله. وأبو أيوب الأنصاري ﵁ لما شرف بيته باستقبال الحبيب ﷺ يوم الهجرة قال له رسول الله ﷺ : يا أبا أيوب! اجعلني في الدور الأسفل وامكث أنت وزوجك في الدور الأعلى، فقال: يا رسول الله! أيعلو أبو أيوب وزوجه على رسول الله! فأول ليلة بات الرسول ﷺ في الدور الثاني، فلما أتى الفجر قال له: يا أبا أيوب! أيسر لإخواننا أن أكون في الدور الأسفل، وفي يوم شديد البرد بينما كان أبو أيوب يمشي في الظلمة تعثرت رجله بالجرة التي فيها الماء فتسرب منها الماء، فقام أبو أيوب وزوجته بتجفيف الماء سريعاً؛ لكي لا يتساقط على رسول الله وهو نائم، فلما صلى رسول الله ﷺ صلاة الفجر قال له: يا أبو أيوب! قال: نعم، قال: شكر الله صنيعك برسوله الليلة. هذا هو الحياء، فالمسلم يكون عنده حياء العبادة، وحياء الأدب، قال أهل العلم: استحي من الله استحياءك من رجل عظيم في قومك، أي: من رجل له مكانته، أليس إذا دخل الوالد البيت يقوم له الابن احتراماً له ولا يقعد في مجلسه إلا إذا قعد الأب؟ والأخ الصغير يقبل يد الأخ الأكبر، فهذه الأخلاقيات والسلوكيات منبعثة من الإسلام والفطرة، فما هي المشكلة أننا نعلم أبناءنا أن يقبل كل واحد منهم يد والده وأمه قبل أن يذهبوا إلى المدرسة أو الجامعة؟ نريد أن نرجع هذه الأخلاقيات في البيوت؛ من أجل أن الرزق يعود مرة أخرى، والمحبة تعود مرة أخرى، نسأل الله أن يربي لنا أبناءنا على الكتاب والسنة كما ربانا آباؤنا على الكتاب والسنة. اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تجعل بيننا شقياً ولا محروماً. اللهم اجعل أول يومنا هذا صلاحاً، وأوسطه نجاحاً، وآخره فلاحاً. اللهم لا تدع لنا فيه ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا عسيراً إلا يسرته، ولا كرباً إلا أذهبته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا ضالاً إلا هديته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا صدراً ضيقاً إلا شرحته، ولا مسجوناً مظلوماً إلا فككت سجنه. واغفر لنا بالباقيات الصالحات يا رب العالمين! وصلى الله وسلم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 51

حياء العبادة القسم الثاني: حياء العبادة، كما أخبر تعالى عن الملائكة أنهم ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء:٢٠] أي: لا يحصل لهم فتور كما يحصل لنا، فالملائكة في حالة دائمة من العبادة، قال ﷺ : (فإذا حشروا بين يدي مولاهم قالوا: سبحانك! ما عبدناك حق عبادتك)، فهذا حياء العبادة، فالله عصمهم من الزلل: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾ [التحريم:٦]، وهذه الآية هي الحجة الكبيرة للعلماء القائلين إن إبليس لم يكن من الملائكة، لأن من صفات الملائكة: أنهم ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦]، بل إنه من الجن لقوله تعالى: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف:٥٠]، وأنا أميل إلى هذا الرأي. وحياء المؤمنين أنهم يعملون الطاعات ويخافون ألا يتقبل الله منهم، ولما قرأ الرسول ﷺ : ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون:٦٠] قالت عائشة: (أهم الذين يرتكبون الفواحش ويسرقون يا رسول الله؟ قال: كلا يا عائشة، إنهم يصلون ويصومون ويتصدقون ويخافون ألا يتقبل منهم)، فهذا حياء العابد؛ لأنه يفعل الخير ويخاف أنه لا يتقبل منه. وأنت لو أنك زرت وزيراً من الوزراء فإنك ستأخذ له هدية تليق به، وستختار نوع الورقة التي تضع فيها الهدية؛ لأنها ذاهبة إلى عظيم؛ ولذلك قال لنا أهل العلم ﵏: إن الصلاة عبارة عن مهر، وهل يقدم من المهور إلا ما كان كاملاً؟ ومن يخطب الحسناء لم يغله المهر فالذي يخطب امرأة فطلب أبوها مبلغاً باهضاً كمائة ألف جنيه، فإن الخاطب سيدفع ذلك إذا كان راغباً فيها. والشيماء بنت العلاء الحضرمي كان أبوها العلاء الحضرمي من أغنى أغنياء العرب، وكان من ضمن الذين يقولون عليهم: مطاعيم الريح، يعني: إذا ما لقى شخصاً يؤكله فإنه يؤكل الريح، فإنه يضع الحبوب في الريح فلعلها تأخذه إلى أحد يأكله، وكان العلاء الحضرمي والوليد بن المغيرة يسميان: زاد الركب، أي: الركب المسافرين الذين لا يملكون طعاماً ولا كساء، فإنهما يمولان من قبلهما. وكان الوليد يكسو الكعبة عاماً وقريش تكسوها عاماً، وكان يقول: لولا حرجي من قومي لكسوتها كل عام، فقد كان فيه صفات طيبة، مثل صفة الكرم التي هي صفة المؤمن. وفي غزوة الخندق قال رسول الله ﷺ لأصحابه: من يأتني بخبر القوم وأضمن له الجنة؟ وقد كانت الليلة شديدة البرد، فما استطاع أحد أن يقوم من مكانه، فكررها رسول الله ﷺ للمرة الثانية، فما قام أحد، وسيدنا حذيفة ﵁ يقول: كنت ألتحف ورجل جواري بكساء رقيق، فقال رسول الله ﷺ : قم يا حذيفة بن اليمان! فقام في شدة البرد ونزل الخندق في الليل وكان ظلاماً دامساً لو أخرج أحد يده لم يكد يراها، حتى توغل داخل جيش المشركين وجلس يتحسس الأخبار لرسول الله كسرية استطلاع، فإذا بـ أبي سفيان ينادي: ليحدث كل واحد منكم أخاه أو من بجواره وليسأله عن اسمه فإني أرى فتنة، فـ أبو سفيان له حاسة في الحرب، وهو أيضاً رجل زعيم في قومه، فـ حذيفة قال: فأمسكت بيد من بجواري فقلت لكل منهما: من؟ قالا له: فلان وفلان، ثم خرج من بينهم سالماً غانماً فقال رسول الله ﷺ : سيهزم الجمع ويولون الدبر. فقال عمر بن الخطاب: كنت أسأل نفسي: أي جمع سوف يهزم نحن أم هم؟ وتقع الشيماء بنت الحضرمي في الأسر، وقد أسرها جليبيب، وهو رجل كان يخدم الرسول ولا أحد يعرف اسمه، فقال لرسول الله ﷺ : اجعلها لي يا رسول الله! فغبطه الصحابة، أي: تمنوا مثل نعمته، أما تمني زوال النعمة من الغير فهذا حسد، والمؤمن يغبط والمنافق يحسد. فالصحابة قالوا له: سوف تصير من الأغنياء يا جليبيب، فإنك لو طلبت من مال العلاء بن الحضرمي إلا وأعطاك؛ فإنه أغنى أغنياء العرب وابنته في الأسر. فجاء العلاء بن الحضرمي ليفك أسر ابنته، فقال له: يا جليبيب! كم تريد؟ قال جليبيب: أريد ألف دينار، قال: يا جليبيب! أما تطلب شيئاً أكثر من هذا؟ قال: وهل هناك أكثر من الألف؟ فقالت الشيماء: يا أبتي! زوجني جليبيباً.

стр. 52

الخوف من العبادات القلبية الجليلة عبادة الخوف من الله ، وهو الخوف المحلى بالرجاء المحفز للعمل والطاعة، الذي باعثه العلم حيث يصيره خشية. والخوف مرتبة متقدمة، ومنزلة عالية من مراتب الهداية التي ينبغي أن يتحلى بها السالك إلى الله .

стр. 53

معنى الخوف من الله تعالى، والفرق بينه وبين الخشية أحمد الله رب العالمين، وأصلي وأسلم على سيدنا رسول الله ﷺ . وبعد: فإن من مراتب الهداية الخوف، وقد أشرنا إليه كثيراً من قبل، وهنا سنتحدث عن مسألة الخوف مضيفين إليه معنيين جديدين، ألا وهما: الخشية والرهبة، مبينين الفرق بين الخوف والخشية والرهبة، وهل هي ثلاثة معان لشيء واحد -أي: مترادفة-، أم أنها مرتبة، أو متباينة، أو متصاعدة؟ من أجل أن نوضح معنى الخوف ومعنى الخشية سنضرب هذا المثال: لو حصل زلزال فلا شك أن الناس عندما يقع سيهربون من المكان مستخدمين كافة الوسائل السريعة الممكنة للهرب: من مصاعد وغيرها، أو يفرون إلى الدور الأرضي؛ باعتباره مكاناً آمناً من خطر الزلزال. فالحاصل في هذه الحالة يسمى: خوفاً، ثم بعد ذلك لو أن الزلزال أخذ يتصاعد، وقد وقف الفارون في مكان بعيد عن مرمى سقوط الحجارة أو البنيان أو الطوب على الناس، فهاتان حركتان متباينتان مختلفتان، فالحركة الأولى هي التي نستطيع أن نسميها: الخوف، وهي مرحلة البعد أو الهرب، والحركة الثانية وهي بعد أن يكون المرء في مكان بعيد عن مرمى الحجارة وفي مأمن من شرها، وهي التي نستطيع أن نسميها: الخشية. فالخوف أن يوقف العبد نفسه عند محارم الله، تاركاً لها، مجافياً لطرقها ومسالكها، لكن أن يحصن العبد نفسه بالفقه والعلم، أو بمجالس العلم، أو بالأخوة الصادقة وغيرها من أعمال البر التي تبعد عن الغواية فحالته حينها هي الخشية، ولذلك قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨]؛ لأن العالم يخاف بعلم، يخاف من الذي علمه، لذلك قال ﷺ : (أنا أقربكم إلى ربي ولكني أشدكم خشية)، فكان الرسول ﷺ أشدنا خشية؛ لأنه أكثرنا علماً، ولذا كلما تعلم الإنسان كلما زادت خشيته. والخوف إذا زاد عند العبد ينقلب إلى رهبة، والرهبة توصل إلى الرغبة. تقدم أن الخوف: هو أن العبد لا يدخل فيما حرم الله، (ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه)، فمثلاً: هناك أشياء تكون محمية تحميها الحكومة أو غيرها، فقد تكون تعمل بسيارتك أو بالدراجة النارية أو بالعجلة فيقال لك: لا تدخل هذا الشارع؛ لأن الحكومة لها شوارع والشعب له شوارع، يعني: هذا الشارع ممنوع الدخول فيه. فإذا كان لكل شخص فقير حمى فما بالك بحمى الله؟ (ألا وإن لكل ملك حمى، إلا وإن حمى الله محارمه)، أي: لا تدخل محارم الله، فما دام أن هذا حرام حرمه الله إذاً: فأنا أخاف من الدخول في الحرام، ولذلك جاء في الحديث القدسي: (لا أجمع على عبدي أمنين ولا خوفين، من خافني في الدنيا أمنته في الآخرة، ومن أمنني في الدنيا خوفته في الآخرة). وعندما يتكلم العلماء عن الآخرة وما في الآخرة، وعن ذكرها في القرآن، فالقرآن مثلاً كما تكلم الله فيه عن الرحمة تكلم فيه عن العذاب كذلك، والقرآن ذكرت فيه الدنيا مائة وثمانية وخمسين مرة والآخرة ذكرت مائة وثمانية وخمسين مرة، وفيه أن آيات الرحمة بمقدار آيات العذاب، فلا تكاد تقرأ آية في القرآن فيها ذكر للعذاب إلا وفيها ذكر الرحمة، وغيرها من الحكم والدلائل التي يتغافل عنها من يريدون القرآن لتصدير الحفلات والمهرجانات، فلو عرض القرآن على أحدهم لصار هكذا: بسم الله الرحمن الرحيم صدق الله العظيم، هذا هو القرآن الذي يريدونه، لكن الله يقول: ﴿سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر:٨٧]، أي أن الله أنزله مثاني على رسول الله، يتكلم عن الرحمة، ويتكلم عن العذاب، ويتكلم عن الخير، ويتكلم عن الشر، يتكلم عن الإيمان، ويتكلم عن الكفر، ويتكلم عن الاستقامة، ويتكلم عن الانحراف، ويتكلم عن الطغاة، ويتكلم عن أهل العدل، وهكذا.

стр. 54

ما الذي ينبغي أن يخاف منه العبد ؟ يخاف العبد من ستة أمور: الأول: يخاف العبد من ربه ألا يقبل منه عملاً، فهو سبحانه لا يسأل عما يفعل في ملكه سبحانه حتى إن أهل البادية يقولون: إن الوحيد الذي لا يمنع من شيء هو الله؛ لأن كل منا مقيد بحدود يتحرك فيها فحسب، لكن الله لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. ولذا ينبغي أن تخاف من الله أن يرد عليك عملك؛ لأن العمل قد لا يخلو من علة من عجب أو رياء، أو لا يوجد فيه إخلاص، أو لا يوجد فيه نية صادقة، أو يتخلله قليل من الكبر. ولذلك هناك مراحل للعمل صعبة جداً، فإن من دلائل خوفك أن تكون مرعوباً وأنت تصلي: يا ترى أتقبل الصلاة أم لا؟ فتخرج باكياً، وهكذا سائر الطاعات والقرب قال تعالى: ﴿يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون:٦٠]. الثاني: أن تخاف من الملائكة أن تكتب عليك سيئات لم تستغفر منها؛ لأنني يمكن أن أتذكر السيئات التي عملتها قبل ساعة أو ساعتين وربما قبل يوم أو يومين، أو قبل شهر على مشقة! لكن أن أتذكر سيئات قبل عشر سنين، أو خمس عشرة سنة، أو قبل عشرين سنة!! فهذا قد يكون مستحيلاً، ولكن هل نسي رب العباد سيئاتنا؟ ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم:٦٤]، كما أن الله جعل علينا شهوداً عشرة منها: الجوارح والأرض والسماء والليل والنهار والملائكة، وملك الحسنات وملك السيئات، ولذا عندما يتوب الله على العبد سوف ينسى الحفظة؛ لأن الحفظة هم الذين يكتبون أعمال العباد، وينسي الأرض التي عملت عليها المعصية، وينسي الجديدين: الليل والنهار. إذاً: فالله يُنسي كل من يستطيع أن يشهد عليك، وبقي أن يشهد عليك خير الشاهدين، وهو أرحم الرحمين، وفي الحديث: (ما من عبد إلا ويقربه الله منه يوم القيامة، ثم يضع عليه كنفه -أي: ستره- ويذكر العبد ببعض غدراته في الدنيا، -عملت كذا وكذا وكذا في يوم كذا وكذا-، فيقول العبد: يا رب ألم تغفر لي؟). والرجل في الدنيا إن كان مظلوماً فإن الله سوف يبرئه، وإن لم يبرئه في الدنيا فسوف يبرئه يوم القيامة، فيوقفه على رءوس الأشهاد فيقول: خذ من الظالمين الذين ظلموك حتى ترضى، فيقول العبد: أنا لن أرضى حتى آخذ كل حسناتهم وأعطيهم كل سيئاتي، فيقول: لك ما تشاء، وأفضل ما يوضع في الميزان يوم القيامة كظمة غيظ يتجرعها المؤمن وهو قادر على إنفاذها، فالمؤمن يوقن بانتصار الله له، وهو يقول: حسبي الله ونعم الوكيل، وأفوض أمري إلى الله، قال تعالى: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى﴾ [آل عمران:١١١]، فطالما أنني أمشي وفق كتاب الله وسنة رسوله ﷺ فلا يهمني كيد كائد، أو حسد حاسد. الثالث: أن يخاف من سوء الخاتمة، وسوء الخاتمة يأتي من شيء وحيدن هو إدمان الذنوب، فالناس الذين لا يعملون خيراً في الدنيا، وهم طوال حياتهم يؤذون أنفسهم ويؤذون غيرهم، وجل عملهم إدخال النكد والحزن على بيوت المسلمين، فهؤلاء يخاف عليهم من سوء الخاتمة. يذكر أنه كان هناك شخص أيام أبي حامد الغزالي دعي إليه الإمام ليلقنه الشهادة، وكان الرجل يعالج سكرات الموت، فذهب إليه الإمام الغزالي وأخذ يقول له: قل لا إله إلا الله، فيقول الرجل: شاه مات شاه مات؟ فلم يفهم أبو حامد الغزالي معنى قوله: شاه مات، -والشاه: في لعبة الشطرنج- فسأل: ماذا كان يعمل هذا الرجل؟ قالوا: إنه كان طول وقته يلعب الشطرنج. وامرأة أخرى يذكر أنها قبل وفاتها بثلاثة أيام قالت لمن حولها: ائتوا بطبل، فظلوا يطبلون لها؛ لأنها كانت من أهل اللهو والغناء، فخرجت روحها على أنغام الطبلة. هذا من سابقات الأعمال. وفي الجهة المقابلة لسوء الخاتمة حسن الخاتمة، فهذا عامر عثمان ﵀ الذي علم كل المقرئين في مصر، كان شيخ المقارئ المصرية، وكان مشرفاً على طباعة المصحف، عمر ثمانين سنة، وكان كل من يتتلمذ على يديه يكون له شأن، وكان طوال حياته ليس في لسانه إلا كتاب الله، وأنت تجلس معه وهو يقرأ، ويمشي في الطريق وهو يقرأ، وكان يجلس ليعلم، فلما بلغ من العمر (٨٢) سنة كان صوت الحبال الصوتية قد تأثر لا يتضح كلامه، وهو في المستشفى المرضي، وكان الذين هم في الحجرات المجاورة يشتكون من شدة صوته وهو يقرأ القرآن، ولما دخلوا حجرته وجدوا الرجل وبأعلى صوته يرتل كتاب الله مبتدأ بالفاتحة ثم البقرة ثم آل عمران، فأرادوا إيقاف الرجل وتهدئته، وهو فاقد الوعي وظل حاله هكذا يومين متواصلين حتى أنهى سورة الناس، ثم نطق بالشهادتين وفاضت روحه إلى بارئها. الرابع: أن تكون على خوف من هجوم ملك الموت عليك فجأة، وقد ينزل عليك فجأة أو بعد إنذار، ولذلك عندما بعث ملك الموت إلى سيدنا موسى ﵇ قال: يا رب! أترسل لي ملك الموت قبل أن ترسل إلي وتنذرني، قال: أرسلت إليك يا موسى! قال: وما أرسلت؟ قال: شاب شعرك بعد سواده، ووهن عظمك بعد قوته، واحدودب ظهرك بعد استقامته، أليست تلك رسل؟ ولذا عندما يكون هنالك رجل كبير أو امرأة كبيرة في العائلة ويكون كلامهم غير متزن فإنه يخشى عليه، ولذا قيل: من بلغ الأربعين من عمره ولم يغلب خيره شره فليتجهز للنعش؛ لأن الشخص عندما يبلغ الأربعين ينتكس خلقه، ولذا ينبغي أن يكون دعاءه: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ [النمل:١٩]، ثم إنه لا يفهم من ذلك أن الذي بلغ الأربعين فقط أو الذي هو أقل من الأربعين لا عليه ألا يكون خائفاً، لا، أو أن الموت لا يعرف إلا كبير السن، أو لا يعرف إلا المريض فقط، لا ليس الأمر كذلك، فالصغير يموت، والشباب يموت، وصحيح البدن يموت، والكل يموتون، ولذا ينبغي على كل واحد منا أن يخاف من هجوم ملك الموت عليه. الخامس: أن أخاف فأبحث في أموالي لئلا يكون فيها حرام، ولئلا يكون فيها مال مغتصب، أو يكون فيها مال ملت أنا عن الحق فيه وأكلته بدون وجه حق، وهنا لابد من مسألة التفتيش. السادس: أن أخاف ألا يشفع لي رسول الله ﷺ يوم القيامة، وأعرف أنه سيشفع لي من كثرة الصلاة والسلام عليه، ﵊. فهذه مخاوف ستة إذا عاش العبد في حيطانها فعلاً فلا يجمع الله عليه خوفاً ثانياً يوم القيامة. وإذا كان خوف العبد لابد أن يكون في هذا الإطار، فإنه إذا قرن بالعلم تحول الخوف إلى خشية، والخشية تتحول إلى رهبة، والرهبة تتحول إلى رغبة؛ لأن الرهبة: هي الفرار مما تخاف منه، والرغبة: هي سريان القلب وجريانه نحو المعروف، فطالما أحببت ربك فأنت تسرع إلى مرضاته ليل نهار، والله يحب الذي يحب الصلاة، ويحب الجماعة، ويحب صلة الرحم، ويحب الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس، ويحب المحسنين، ويحب المتقين، ويحب الخائفين، ويحب أهل الخشية، ويحب أهل الرفق، ويحب أهل العفة وغيرها من الفضائل، فأنت تصنع ما يحبه رب العباد سبحانه. كما ينبغي التنبيه على نقطة مهمة جداً، ألا وهي: أن نخاف أن نكون ظالمين لأحد من العباد، وهنا ينبغي أن يقف المرء ويسأل نفسه: يا ترى من الذي ظلمته؟ الزوج لزوجته والزوجة لزوجها، هل ظلمت أولادي؟ أو ظلمت أبي؟ أو ظلمت أمي؟ أو ظلمت جاري؟ أو ظلمت مديري في العمل؟ أو ظلمت العمال الذين هم تحت يدي؟ أو ظلمت الموظفين الذين أنا رئيس عليهم؟ وهكذا. فإن وجد أنه قد ظلم أحداً سأل نفسه: ما الذي ينبغي أن أعمله حتى أستطيع أن أستسمحه في الدنيا، لكيلا يطالبني بحسنات يوم القيامة؛ وما يدريني لعلي أكون يوم القيامة محتاجاً لحسنة واحدة، فلا أجد من يعطيني إياها.

стр. 55

الأسئلة

стр. 56

حكم من فاتته صلاة العصر حتى دخل وقت المغرب السؤال تأخرت في أحد الأيام على أداء صلاة العصر وأديتها بعد صلاة المغرب، وحينما كنت في الركعة الأولى دخل خلفي أخ يصلي جماعة معتقداً أني أصلي المغرب، فهل أطيل صلاة العصر، وفي هذه الحالة سوف يصلي المغرب أربع ركعات؟ الجواب هناك عادة غريبة عند المصريين وهي أنه لو فاتته صلاة الظهر إلى أن تدخل وقت صلاة العصر، فإنه يصلي العصر، فتقول له: يا أخي لمَ لم تصل الظهر؟ فيقول لك: لا لن أصلي، لماذا؟ لابد أن تصلي الظهر أولاً، فإن قلت له: صل معنا العصر بنية الظهر، وعندما نسلم نحن تقف أنت وتصلي العصر، يقول لك: لا، أبي علمني أنه مادام أن صلاة الظهر فاتتني فإنها تقضى من الغد سبحان الله! أبوك علمك؟! إنني أقول لك: قال أبو حنيفة ومالك وتقول لي: قال أبوك!! فهذا الأخ الذي لم يصل العصر حتى دخل المغرب، فأخذ يصلي العصر، ثم دخل أحد المصلين فقام يصلي المغرب وراءه، مادام أنه دخل وراءه فيكمل الإمام صلاته عادية مثل صلاة العصر، والمأموم لو أنه أدرك الإمام في الركعة الأولى فإن الإمام سيفارقه في الركعة الثالثة، فيأتي بالركعة الرابعة، إذاً: فالمأموم يجلس ويقرأ التشهد ويسلم، وصلاتك وصلاته صحيحة.

стр. 57

الرجاء إن طريق الوصول إلى الله متمثل في ثلاثة أشياء: الخوف والرجاء والمحبة، فالمحبة رأس الطائر، والخوف والرجاء جناحاه، ولا يكون المؤمن متعبداً لله إلا بهذه الثلاثة، فمن تعبد الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن تعبد الله بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن تعبده بالخوف وحده فهو حروري.

стр. 58

معنى الرجاء، والفرق بينه وبين التمني الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: فإن كل شخص يظن أن الرجاء هو التمني، وكل واحد منا يأمل في رحمة الله، ولا يأملن إنسان أن يدخل الجنة بعمله، هذا ما قاله رسول الله ﷺ : (لا أحد يدخل الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟! قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته). فهناك فرق بين الرجاء والتمني، فالتمني: رجاء مع الكسل، والرجاء: تمن مع العمل، فالطالب الذي يلعب طوال السنة ثم إذا جاء وقت الامتحان تمنى أن يكون من الأوائل صاحب أماني، ومن الصعب أن تتحقق أمنيته، وأما الطالب الذي يجتهد طوال السنة ثم يتمنى أن يكون من الأوائل فإن أمنيته من الممكن جداً أن تتحقق، فالأول صاحب تمني، والثاني صاحب رجاء، وهذا هو الفرق بين التمني والرجاء. كذلك الفلاح الذي يهتم بزرعه فيسقيه ويسمده وينميه ثم يأمل أن يأتي المحصول جيداً هذا العام، فهذا من باب الرجاء، وأما المتمني فقط فهو الذي يغرس زرعاً ثم لا يعبأ به ولا يهتم به، ثم يتمنى أن ينبت له الزرع، ويجمع المحصول.

стр. 59

أنواع الرجاء، وبيان المحمود منها والمذموم والرجاء أنواع ثلاثة: رجاءان محمودان، ورجاء مذموم: فالرجاء الأول: رجاء إنسان مسلم أو مسلمة يعمل الصالحات ويبتعد عن المحرمات، فيرجو عفو الله تعالى ورحمته، فهذا رجاء محمود. والرجاء الثاني: رجاء مسلم أو مسلمة مذنب قد تلطخ بالمعاصي، لكنه يتوب ويئوب ويرجع دائماً إلى رب العباد ﷻ ، فهذا يرجو الله أن يغفر له وأن يتقبل توبته، فهذا رجاء محمود أيضاً. أما الرجاء الثالث: فهو رجاء إنسان مقيم على المعاصي مصر عليها في عفو الله ورحمته ومغفرته، فهذا الرجاء المذموم.

стр. 60

طرق التوصل إلى الله جل وعلا والخوف والرجاء كجناحي الطائر، ورأسه محبة الملك ، يقول تعالى: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤]، ويقول: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة:١١٩]، ويقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم:٩٦]، وقد وصف الله تعالى حشر المؤمنين إلى الجنة بأنهم كالوفود، فقال: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ [مريم:٨٥]. وهم في اللغة: علية القوم، فيساق أهل الجنة إلى الجنة كالزعماء والملوك، والحشر في الآية دال على كثرة من يدخل الجنة من المؤمنين، قال ﷺ : (لكظيظهم) يعني: ازدحامهم، أي: أمته، قال: (لكظيظهم على أبواب الجنة أحب إلي من شفاعتي). وقد بشر النبي أمته بأنهم أكثر أهل الجنة فقال: (كيف بكم وأنتم ربع أهل الجنة! فكبر الصحابة)، وهذا إكرام الله لأمة محمد ﷺ ، ثم قال: (كيف بكم وأنتم ثلث أهل الجنة! فكبر الصحابة) وفي هذا دليل على أن الصحابة كانوا عندما يعجبهم الشيء يكبرون ولا يصفقون، فإنما جعل التصفيق للنساء، حتى إن الإمام إذا أخطأ في الصلاة أو سها سبح الرجال وصفقت النساء. ثم قال ﷺ : (كيف بكم وأنتم شطر أهل الجنة! فكبر الصحابة)، وقد حج مع رسول الله ﷺ في حجة الوداع مائة وثلاثة عشر ألفاً من المؤمنين. قال ﷺ : (كيف بكم وأنتم ثلثا أهل الجنة)، وقال في حديث آخر: (أهل الجنة مائة وعشرون صفاً، أمتي ثمانون منها)، وانظر إلى حب رسول الله لأمته، أخرج الإمام الترمذي وصححه الدارقطني، قال: (يا محمد! أأجعل إليك حساب أمتك؟ قال: لا يا رب! أنت أرحم بهم مني) فصدق من سماك الرءوف الرحيم؛ لأن الله يقول: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨]، فأرحم الناس بهذه الأمة هو رسولها ﷺ . قال ﷺ : (يا رب! أنت أرحم بهم مني)، هذا بالنسبة لحشر المتقين، أما حال المجرمين فقد قال تعالى: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مريم:٨٦]، السوق عادة ما يطلق على الأنعام، تقول: ساق فلان الحمير أو الغنم أمامه. فيوم القيامة يكشف فيه عن المستور، فلا يستطيع أحد أن ينكر شيئاً مما عمله في الدنيا، ولن يستطيع الظالم أن يغطي على ظلمه بالرشاوي ونحوها، بل في يوم ينتصر المظلوم انتصاراً مؤزراً، والله تعالى قد تكفل أن يعطيه حقه كاملاً، فقال على لسان حبيبه ﷺ : (وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين)، فدعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب. ثم ينبغي للمظلوم ألا يدعو على ظالمه، يقول الله تعالى في الحديث القدسي: (عبدي! أنت قد ظلمت وتدعو على من ظلمك، وظلمت آخر فهو يدعو عليك، فإن شئت أجبت لك وأجبت عليك، وإلا أخرتكما حتى يسعكما عفوي يوم القيامة). فينبغي للمسلم ألا يشاحن أو يباغض إخوانه المسلمين، بل يجب عليه أن يكون كلامه وفعله برداً وسلاماً على إخوانه، وألا يكون هو الشعلة والوقود للمشاحنة والمباغضة، يقول الشاعر: لا تكن عود ثقاب في حريق ولكن كن دلو ماء في هذا الحريق وسيدنا الحبيب ﷺ عندما قاتله عكرمة بن أبي جهل وخالد بن الوليد وصناديد قريش في أحد سمع جماعة من الصحابة يتحسرون لأنهم لم يقتلوا خالداً أو عمرو بن العاص، فتبسم تبسم المنشرح ﷺ وهو الذي أوذي في أحد، وكسرت رباعيته، وشج رأسه، بل إن خالداً كان من أسباب هزيمة المسلمين يوم أحد، فكان النبي يدعو لقومه بالمغفرة والهداية، ولم يدع عليهم كما فعل نوح عندما قال: ﴿وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا﴾ [نوح:٢٨]. إذاً: فطريق الوصول إلى الله يكون عبر هذه الطرق الثلاثة: الخوف، والرجاء، والمحبة.

стр. 61

الرضا من مراتب الهداية الرضا باختيار الله للعبد، والصبر على المصائب، فكم من ضال هداه الله في آخر حياته وأرشده، وكم من مهتدٍ أضله الله في آخر حياته، فالإنسان وهو جنين في بطن أمه يرسل الله له ملكاً يكتب رزقه وعمله وأجله وشقياً أو سعيداً.

стр. 62

الرضا بقضاء الله سبحانه وقدره أحمد الله رب العالمين، وأصلي وأسلم على سيدنا رسول الله ﷺ . وبعد: فإن من مراتب الهداية: الرضا باختيار الله لك في صغير الأمر وكبيره، وكلنا يثق أن رغبة رسول الله ﷺ كانت شديدة في إيمان عمه أبي طالب، ولم يسلم من أعمامه العشرة إلا اثنان، واحد أسلم مبكراً، والآخر أسلم قبل الفتح بعام أو عام ونصف. فعمه حمزة أسلم في بداية الدعوة، وهو أسد الله وأسد رسوله ﵁، وأخو الرسول ﷺ من الرضاعة، وكان عمره يقارب عمر سيدنا رسول الله ﷺ ؛ لذلك كان عماً وأخاً وصديقاً، وقد تأثر النبي ﷺ تأثراً شديداً عندما رأى بطنه قد بقرت، وكبده قد ليكت، وأنفه قد جدع، وجثته قد مثل بها. العم الثاني: العباس، وكان كبير مكة وحكيمها بعد أخيه أبي طالب، ولم يسلم إلا قبل فتح مكة. وسوف نعمل مقارنة بسيطة ونتحدث عن مراتب الهداية، وأنه لا يختار مع اختيار الله. فسنجري مقارنة بين عم النبي ﷺ أبي طالب وسلمان الفارسي ﵁. ومن أعمام النبي ﷺ أبو لهب، واتفقنا من قبل أن اسمه عبد العزى، وكنيته أبو لهب، وكني بذلك لأن وجهه كان أبيض بحمرة شديدة، فكأن الشرر يتطاير منه. وسنقارن بين أبي لهب وبلال الحبشي. وسوف نقارن بين أبي جهل وسيدنا صهيب الرومي الله ﵁.

стр. 63

مقارنة بين أبي طالب وسلمان الفارسي فالرسول ﷺ كان يريد أبا طالب، لكن الله لا يريد أبا طالب، وكأن لسان القدر يقول: يا محمد! أنت تريد عمك ولكننا نريد سلمان. وإن سئل أبو طالب: ابن من؟ قال: ابن عبد مناف، وإذا قيل له: ماذا تملك؟ قال: أملك الإبل والضياع والأرض والعبيد، وإن قيل له: ما مكانتك؟ قال: زعيم قريش، فإن قيل: طريقك مع من؟ قال: مع قومي. واسأل هذه الأسئلة لسيدنا سلمان: ابن من؟ فسيقول: ابن الإسلام. أبي الإسلام لا أب لي سواه إذا افتخروا بقيس أو تميم فأنا لست من قيس ولا تميم، أنا ابن الإسلام، وما أحلاه من أب. وكان هناك رجل شاعر تاريخي اسمه: مهيار الديلمي، قال قصيدة جميلة جداً، قال فيها: أعجبت بي بين نادي قومها أم سعد فمضت تسأل بي يعني: تسأل عنه. قال: لا تخالي نسباً يخفضني أنا من يرضيك عند النسب قوميَ استولوا على الدهر فتىً ومشوا فوق رءوس الحقب وأبي كسرى على إيوانه أين في الناس أب مثل أبي قد قبست النبض من خير أب وقبست الدين من خير نبي وضممت الفخر من أطرافه سؤدد الفرس ودين العرب يعني: هو موفق أنه أخذ السلالة من فارس، وأخذ الدين من سيدنا رسول الله ﷺ . فلو سئل سلمان لقال: أنا ابن الإسلام، وإن قيل له: ما مالك؟ لقال: مالي عند الله كثير، فإن قيل: وإلى أين الطريق يا سلمان؟ قال: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم:٤٢]. وإن قيل: بم تفخر يا أبا طالب؟ لقال: أنا من بني عبد المطلب، وإن قيل: وبم تفخر يا سلمان؟! لقال: (سلمان منا آل البيت). إذاً: فـ سلمان الذي أتى من آخر أطراف الأرض انضم للأسرة الشريفة، أسرة رسول الله ﷺ ، إذ قال: (سلمان منا) وذلك عندما قال المهاجرون: سلمان منا، فقد جاء مهاجراً مثلنا، وقال الأنصار: بل سلمان منا، فهجرته جاءت من بلاد فارس إلينا، فتبسم الحبيب ﷺ وقال: (سلمان منا آل البيت)، فأعطاه النبي ﷺ أعلى نسب. إن من أعمام النبي ﷺ أبو لهب، وهو العم الوحيد الذي كانت عداوته شديدة لرسول الله ﷺ ، وما كانت عداوة أبي جهل إلا من أجل العصبية القبلية، فقد كانت قبيلته تنازع بني عبد مناف في الرئاسة في قريش. قال أبو جهل: تسابقنا نحن وبنو عبد مناف، فأطعموا وأطعمنا، وكسوا وكسونا، وقاتلوا وقاتلنا، حتى إذا كنا كفرسي رهان قالوا: منا نبي! ومن أين نصل إلى هذا السؤدد؟ والله لا نؤمن به أبداً! فـ أبو جهل كانت عداوته لرسول الله ﷺ عصبية، لكن أبا لهب كان عمه، وكان يؤذي النبي ﷺ ، فدعا الرسول ﷺ عليه. فكان هناك سبعة يؤذون النبي ﷺ في الحرم، ومن ضمنهم: أبو لهب وأبو جهل وعقبة بن أبي معيط، وكان عقبة هذا -والعياذ بالله- يقلد النبي ﷺ ويسخر بتقليده منه، وكان يقول: إن محمداً يتكلم هكذا، ويصنع بعينه هكذا، وقد كان النبي ﷺ إذا داهمه الهواء يغمض عينيه اتقاء التراب، فكان يقلده ويقول: هذه حركة عينه دائماً، فنظر الرسول ﷺ إليه وقال: (دائمة إن شاء الله)، فما زالت عينه تختلج إلى أن مات.

стр. 64

مقارنة بيت أبي لهب وصهيب بن سنان ابتلي أبو لهب في آخر حياته بمرض معد، فلما مات حملوه على خشب بعيداً، وأخذوا يرشون عليه الماء، وقد كان العرب قبل الإسلام يغسلون الميت ويغتسلون من الجنابة، وهذه أيضاً فضيلة فيهم، ويذكر أن أبا سفيان لما هزم في بدر أقسم ألا يغتسل من جنابة حتى يهزم محمداً. ولما أرادوا دفن أبي لهب رموا عليه الحجارة وما استطاعوا أن يقتربوا منه؛ لرائحته النتنة. أما صهيب فقد أتى من بلاد الروم فقيراً لا أهل له إلى مكة، فأراد أن يلحق بالرسول ﷺ ، فلما أراد الخروج إلى المدينة لقيه نفر من قريش فقالوا له: يا صهيب! جئتنا فقيراً وعشت بيننا، أو تريد الآن أن تهاجر؟! قال: والله إنكم لتعلمون أني أجيد الرمي، ولن تقتربوا مني إلا وقد قتلت منكم ستة أو سبعة، فماذا تريدون؟ هذا بيتي خذوه بما فيه، فأخذوا بيته وتركوه يهاجر، فوصل إلى المدينة بعد أربعة أيام وقد أوشك أن يموت جوعاً، فدخل المسجد، فرأى بين يدي رسول الله ﷺ تمرات فأخذها، فقال رسول الله ﷺ : (ربح البيع أبا يحيى، ربح البيع أبا يحيى)، أي: لقد بعت البيت واشتريت الجنة والدار الآخرة. وأما أبو جهل فقد كانت عداوته شديدة للرسول ﷺ ، حتى إنه لما قتل قال رسول الله ﷺ : (قتل فرعون هذه الأمة). ففي غزوة بدر قال أبو سفيان: إن القافلة نجت ولا حاجة لنا إلى قتال محمد وأصحابه، فقال أبو جهل: والله لنقيمن هناك عند ماء بدر، وننخر الجزر، وترقص القيان لنا، ونمكث لنشرب الخمر ثلاثة أيام، فتسمع العرب بنا، فما تزال تهابنا أبداً، فحاول الوليد بن المغيرة إقناعه بالرجوع -وكان رجلاً عاقلاً- فأبى، فقتل في هذه الغزوة. ولننتقل إلى بلال، وهل هناك أحد في العالم الإسلامي لا يعرف بلالاً؟ هو ليس من مكة ولا من المدينة وليس له مركز اجتماعي، وإنما هو عبد حبشي أتى من الحبشة خادماً لرجل من قريش، فعذبوه فرق له أبو بكر وأعتقه؛ ولذلك يقول عمر بن الخطاب: أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا. وسيدنا بلال بكعبه الأسود يقف فوق الكعبة ويؤذن، فانظر إلى إرادة العبد وإرادة الله سبحانه أيهما تغلب؟! إذاً: فمن مراتب الهداية أن ترضى بإرادة الله سبحانه فيما أراد.

стр. 65

إرادة الله سبحانه في نجاة الرسول ﷺ من قريش أثناء هجرته يقول ابن القيم ﵀ التلميذ النجيب لشيخ الإسلام ابن تيمية: جاءت العنكبوت فنسجت على منوال الستر، والمنوال: هو اللون الذي ينسجه عليه، يقال له باللغة العربية: اللون أو منوال. قال: جاءت العنكبوت فنسجت على منوال الستر، فأظلت المطلوب -أي: رسول الله ﷺ -وأضلت الطالب- أي: من يبحث عنه ﷺ . ولما لحق سراقة بالركب الكريم أرسل الرسول ﷺ سهماً من سهامه فغارت أقدام فرسه في الرمال، والقصة معروفة، وعندئذ قال الرسول ﷺ : يا سراقة! ما بالك بسواري كسرى، يبشره بسواري كسرى إن كتم عنه وهو مطارد من مكة إلى المدينة؛ لأن الله أراه ما لم يرنا نحن، وهذه إرادة الله سبحانه. إذاً: من مراتب الهداية أن ترضى بإرادة الله لك، اللهم اجعلنا من الراضين بما أردت لنا يا رب العالمين!

стр. 66

أسباب الرضا بقضاء الله والتسليم لأمره إن الرضا له أسباب، والعبد يرضى بإرادة الله لأنه مسلم، ولأنه سلم أمره لمولاه وخالقه، فيفعل الله به ما يريد، ولأن الله محب للعبد فلن يختار له إلا الخير، والعبد ملك لمولاه، والمالك يتصرف فيما يملك. فالرضا يكون عن الله وبالله وعما يريد الله ، والعبد ليس له اختيار في أي أمر قضاه الله سبحانه، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ [القصص:٦٨]، وإنما لك التفويض والتسليم؛ لأنك مفوض، ويجب أن تفوض الأمر لصاحب الأمر، ولو فوضت الأمر لصاحب الأمر لقلت الأسباب عندك، فلو كان لديك ولد صغير عمره سنة ويريد أن يصعد فوق الطاولة، فيرفع يديه للصعود فإذا بأبيه يأخذه ويضعه فوق الطاولة، لكن لو كان عمره أربع سنوات ويريد أن يصعد فوق الطاولة فإن الأب يقول له: اصعد أنت بنفسك فأنا متعب، فإذا بالابن يضع الكرسي ويصعد فوقه ويمسك الطاولة، وبذلك يكون قد عمل مجهوداً. لكنه لما كان صغيراً اعتمد على أبيه أو على أمه أو على من هو أكبر منه فقلت الأسباب، فما بالك بمن يعتمد على رب الأسباب؟! فقد تنصح أخاك للصلاة فيرفض، ويستمر على ترك الصلاة عشرين سنة، وفجأة مشى فلقي زحاماً، فأخذ يقول: ما لهؤلاء المجانين؟ فيقال له: إنهم يصلون، فقال: وهل المصلون يشكلون زحاماً! سأدخل وأقول كلاماً أؤدب به إمامهم، فدخل عليهم فوجد الكلام برداً وسلاماً في قلبه، فأصبح أول المؤمنين. فالله له في الكون يد تعمل، ولكن العبد يتعجل عمل يد الله، فإذا ظلمك ظالم فإنك تريد أن يعاقبه الله لتشفي غليلك، لكن لله أمر آخر وإرادة أخرى. فأنت تتمنى أن تنزل على الظالم كارثة، أو تأتي عليه مصيبة فتمحقه، لكن لله أمر آخر، فمن الممكن أن يهديه الله ويجعله من الناصرين لك، ومن الممكن أن يهديه الله على يديك، فلو سلمت أمرك لله لرضيت بقضائه، واعلم أن السخط دليل على عدم الرضا، والسخط يأتي بالهم والغم وضيق في الصدر، ويأتي بالاكتئاب؛ لأن الذي لا يرضى بقضاء الله يقول: انظروا أصحاب المناصب: هذا مدير مجلس إدارة، وهذا رئيس شركة، وهذا موظف في الوزارة، وهذا رئيس وزراء. فاعلم أن المناصب لن تشفع لابن آدم؛ لأنه كشارب البحر لا يزيد بالشرب إلا عطشاً.

стр. 67

ذكر بعض آثار الصالحين في الرضا بقضاء الله سبحانه ويذكر أن سيدنا علياً زين العابدين ﵀ لقيه سفيه عند الحرم بذيء اللسان، فقال له: يا فاجر، فقال له زين العابدين: جزاك الله خيراً، فقال له: يا منافق! قال: بارك الله فيك، فقال له: يا فاسق، قال: هداني الله وإياك، فأراد الرجل أن يذهب، فقال زين العابدين: لقد أخبرتني عن ثلاث صفات سيئة فقط، وفيَّ صفات كثيرة أكثر مما ذكرت، أتريد أن تعرفها؟! فنظر الرجل إليه وقال: أشهد أن هذا ابن رسول الله. إذاً: فمسألة الرضا مسألة تعود على العبد بانشراح الصدر، وعدم الرضا يجعل العبد يتسخط؛ ولذلك تجده جالساً في مكتبه وهو يفكر في طعام أبنائه، أو كيف يحل مشاكله مع أقسام الشرطة وغير ذلك.

стр. 68

الأمور الأربعة التي كتبها الله سبحانه للجنين وهو في بطن أمه إن الإنسان المسلم لا بد أن يرضى بما كتب له، فالعبد منذ أن كان جنيناً في بطن أمه كتب له أموراً أربعة: العمر أولاً، وسواء ينتهي العمر بسبب أو بغير سبب، فقد كتب الله الموت على كل إنسان. الأمر الثاني: الرزق، فالعبد قد تكفل الله برزقه، والإيمان رزق، والزوجة رزق، ونعمة السكن رزق، والهدوء رزق، والعلم هذا من أكبر أنواع الرزق، فيجب على الإنسان أن يحمد رب العباد عليه، لكن الشيطان يعظم في وجه الإنسان مسألة الفقر، ومسألة الصلاة، ويزين له النوم، والله سبحانه يقول: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [البقرة:١٦٨]. ومن رزق الله عليك أن يعطيك ولداً طائعاً يعرف ربه، وبنتاً مطيعةً تعرف ربها، وزوجة تصبر عليك وتعاملك بالتي هي أحسن، فكل هذه أنواع الرزق وهو مكتوب في الأزل، لكن هناك أناس يشترك أحدهم في عطاءات ومناقصة، ويجهد نفسه ويخسر، ويرجع متعباً وفي فمه سيجارة، ولا يريد امرأته أن تكلمه وهكذا، فهذا المسكين لو كان واعياً لعلم أن هذا الرزق ليس مكتوباً له، فيرضى بقضاء الله وإرادته، فأسباب الرزق بيد مسبب الرزق، والرزاق هو الله ، فالعمر والرزق ليس فيهما نقاش. يحكى أن الحسن البصري رأى رجلاً واضعاً كفه على خده وعليه علامات الهم، فسأله الحسن: مالك؟ فأشاح الرجل في وجه الحسن، فقال له: يا بني! هل يجري شيء في هذا الكون على غير مراد الله؟ قال له: لا، قال له: يا بني! هل يأتيك ملك الموت لينقص من عمرك؟ قال له: لا، قال: أو ينقص درهماً من رزقك؟ قال له: أبداً، قال: فعلام الحزن إذاً؟ فاعمل واطرق الأسباب، واترك الأمور لمقدر الأقدار . الأمر الثالث: السعادة أو الشقاوة، فإن الملك يكتب للجنين وهو في بطن أمه رزقه وعمله وأجله وشقي أم سعيد. فقد يرسل الله إلى من ﵁ في أواخر أيامه ملكاً يقومه ويرشده ويهديه، فيموت على خير حال، فيقول الناس: رحم الله فلاناً لقد مات على خير حال. اللهم اجعلنا من أهل الرضا، واجعلنا من الذين رضيت عنهم ورضوا عنك، اللهم اجعلنا من الذين يرضون بكل شيء قدرته لهم يا رب العالمين. اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تجعل بيننا شقياً ولا محروماً. واجعل أول يومنا هذا صلاحاً، وأوسطه نجاحاً، وآخره فلاحاً. ولا تدع لنا ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا عسيراً إلا يسرته، ولا كرباً إلا أذهبته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا ضالاً إلا هديته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا مسافراً إلا غانماً سالماً لأهله رددته. وصلى الله وسلم على سيدنا محمد، وآله وصحبه وسلم.

стр. 69

الشكر لله الشكر لله تعالى من أجل العبادات، ومما يزيد النعم ويديمها على العبد، وله جوانب كثيرة فمنها: حب الله ، والثناء عليه بما هو أهله، والانقياد والخضوع له، وعدم استعمال نعمه فيما يغضبه.

стр. 70

تعريف الشكر لغة واصطلاحاً بسم الله الرحمن الرحيم أحمد الله رب العالمين، وأصلي وأسلم على سيدنا رسول الله ﷺ وبعد فإن من مراتب الهداية: الشكر لله ، والشكر له معنى في اللغة ومعنى في الاصطلاح، وهو على أنواع ثلاثة: فإذا ظهر على الدابة أثر النعمة فامتلأت أو اكتنزت باللحم سميت دابة شكوراً، فتعريف الشكر في اللغة العربية أتى من هذا المعنى. فالدابة الشكور هي: الدابة التي ظهرت عليها آثار النعمة. والشكر في الاصطلاح قريب من هذا المعنى، فالعبد عندما يشكر ربه يظهر نعمة مولاه عليه، فعندما تظهر نعمة الله عليك ولا تخفيها فهذا هو الشكر.

стр. 71

جوانب الشكر الشكر له جوانب وهي: حب المشكور، والثناء عليه، والخضوع له، وعدم استعمال نعمه فيما يغضبه. أول جانب من جوانب الشكر: أن تخضع لصاحب النعمة. فقد أنعم الله علينا بصغير الأمر وكبيره، وأعطانا مثلاً: الصحة، فإن هناك أناساً آخرين ليس عندهم صحة، قال الشاعر: لا تعجبين من سقمي صحتي هي العجب يعني: من كثر البلاء الذي رآه في جسده قال: لا تستغربين من المرض الذي عندي ولكن استغربي من الصحة المتبقية لدي. فالإنسان منا عندما يُنعم عليه بالصحة يراها نعمة لا يتساوى فيها كل الناس، فليس كل إنسان عنده صحة، وليس كل إنسان ظهره سليم ويستطيع أن يقف في المسجد نصف ساعة، هناك أناس يبكون بكاءً مراً في الهاتف ويقولون: نتمنى أن نصلي معكم مثل زمان، لكن لا نستطيع أن نمشي ولا أن نأتي إليكم، ادعوا لنا، الهم اشفهم واشف كل مريض. فأنت في نعمة الصحة يجب أن تحمد الله عليها، وهذه نعمة أنت متفرد فيها، ولا تظن أن جميع الناس أصحاء، فلو كشفت الغطاء أو حللت بعض التحاليل لجميع الناس لوجدت في الألف رجلاً واحداً صحيحاً والباقي مرضى، والرجل المسكين الذي كان يحكي عنه الشيخ كشك ربنا يبارك فيه، عندما ذهب ليمتحن فصعبوا له الامتحان حتى لا يتم تعيينه، لأنهم لا يريدون تعيينه. فقال الرجل: هم يتعذرون بأن البول فيه شيء ما، فأخذ قليلاً من ماء الحنفية وأعطاها لصاحب المعمل، وهم في نيتهم ألا يعينوه، فقال صاحب المعمل: البول فيه سكر وبلهارسيا وغير ذلك، فقال له: اذهبوا فاشتكوا أصحاب الصرف الصحي هؤلاء، ولا تشتكوني أنا. وعندما تذهب لعمل رسم القلب وأشعة مقطعية وغير مقطعية فإنك تسمع صوت الدم وهو يندفع بين حجرات القلب مثل شلالات نياجرا، فهو صوت رهيب، وحركة القلب رهيبة. وامرأتك عندما تحمل وتقول للطبيب أو الطبيبة: هل الجنين ولد أم بنت؟ فإنك تسمع الولد يتنفس بالدقة ويتهيأ لك أنه يتنفس وهو لا يتنفس، بل هو صوت الجنين وهو في بطن أمه. ولو ظهرت أصوات حركة الدم داخل جسمك وصارت جلية لما طابت لنا الحياة لحظة، لكن كل شيء مكتوم، فنعمة الصحة نحن متفردون فيها، ثم إنها نعمة من المنعم سبحانه. والحمد لله أن الصحة لا توزعها وزارة الصحة، ولو أن الصحة كانت توزع من قبل الوزارة بالبطاقة لخسرنا الكثير من الصحة، والحمد لله على نعمة هذا الهواء وأنه لا توجد وزارة للهواء. فالنعم التي جعل الله قيام الحياة بها لم يجعل لأحد فيها يداً أو سبيلاً، فلم يجعل حنفية الهواء عند أحد، وإلا لو جعلها عند أحد لاغتاظ منك ولقفل عليك حنفية الهواء، فمن رحمة الله علينا أن النعم التي لا نحيا إلا بها أنها بيد المنعم . فلا تستخدم نعمة الصحة فيما يغضب الله، فربنا أنعم علينا بالرئتين فلا ندخل إليه الدخان، فإن الدخان فيه إهدار لنعمة الله، وأعطانا نعمة المال فلا نهدره في شراء الدخان، وأعطانا نعمة الصحة فلا نهدرها بشرب الدخان، فإن هذا ليس بشكر.

стр. 72

الخضوع للمشكور فأول جانب من جوانب الشكر: خضوعك للمشكور، بأن يكون عندك خضوع لله، قال سيدنا داود: يا رب! كيف أشكرك وشكري لك نعمة تستوجب الشكر؟ وهذا من أدب النبوة! فإنه يقول: يا رب! كيف أشكرك والشكر نفسه نعمة رزقتني إياه، فيجب أن أشكرك عليه؟ قال: يا داود! الآن شكرتني. وقال داود أيضاً: الحمد لله ملء السماوات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد، فأخذت الملائكة تقلب في دفتر الحسنات فلم يجدوا مثل هذه الكلمات فيه، فقالوا: يا ربنا! لقد قال عبدك داود كلمة لم نجد له ثواباً، يعني: على هذه الصيغة، فالذي يقول: سبحان الله يعطى عشر حسنات، والذي يقرأ حرفاً من القرآن يعطى له قدراً من الحسنات، والذي يصلي ركعتين كذلك يعطى له قدراً محدوداً من الحسنات، فمعروف الحد الأدني والحد الأقصى عند الله ، فقال الله لملائكته: (اكتبوها كما هي وأنا أجازي عبدي داود عليها يوم القيامة). صلى الرسول ﷺ صلاة الصبح بالناس وجلس في المسجد حتى طلعت الشمس، ثم صلى ركعتي الضحى، ثم دخل بيته فوجد السيدة جويرية ﵂ قد عملت كوماً من النوى وتسبح الله وتحمده، فتقول مثلاً: سبحان الله وتنقله من ناحية إلى الناحية الأخرى، ثم تقول: الحمد لله وتنقله من الناحية الأخرى إلى الناحية الأولى، وهكذا عندما تكبر وتهلل، فقال النبي ﷺ : (ماذا تصنعين؟ قالت: أسبح وأحمد وأكبر وأهلل يا رسول الله! قال: أما أنا فقد قلت كلمة تعدل ما قلت، سبحان الله وبحمده عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته). فعدد خلقه لا يحصيهم إلا الله، قال تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر:٣١]، والله تعالى يرضى عن العباد وليس لرضاه منتهى، ولا يعلم زنة العرش إلا الله، وكذلك مداد كلماته. قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان:٢٧]، فعليكم بالجوامع الكوامل. وقال رسول الله ﷺ : (كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان للرحمان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم) والرسول ﷺ كان يعلم الصحابة، وسيدنا معاذ بن جبل كان أستاذ الحفظ خلف رسول الله، لذلك فإن سيدنا معاذ يحمل راية العلماء يوم القيامة، فسيدنا بلال كانت حفيظته على قدر حاله، وكان لا يحفظ، فقال: يا رسول الله! أنا لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ بن جبل، فسمى الذكر: دندنة، وأهل زماننا يسمونه نكد، فيقولون: الجماعة الهبل يعملون درساً بعد صلاة الفجر! وهل هناك أحد يعمل درساً في الفجر؟!! فابتداء اليوم عندهم من الساعة العاشرة! وهذا نوم غير شرعي، إنما اليوم يبتدأ من صلاة الفجر، قال رسول الله ﷺ : (بورك لأمتي في بكورها). قال علماء الطبيعة: هناك أشعة اسمها الأشعة الكونية إذا تعرض الجسد لها وقي من سبعة وثلاثين نوعاً من أنواع المرض، وأن وقتها قبل وأثناء وبعد أذان الفجر. فالعلماء لا يعرفون تركيب هذه الأشعة الكونية إلى هذا اليوم، وهي تقي من سبعة وثلاثين نوعاً من أنواع المرض، وتعطي مناعة للجسد، وهذا الفضل لا يكون إلا للمواظب على صلاة الفجر. والعسكري المسكين الذي يقف في الدرك أو الضابط الذي في القسم أو الرجل الذي في المطار في برج المراقبة إذا صبح الصبح وجدت وجهه أصفر، أما الذي يصلي الفجر ويمكن أنه نام ساعة أو ساعتين فترى وجهه منيراً، مع أن هذا سهران وهذا سهران، وهناك من سيقول: يا أستاذ! العمل عبادة، وأنا لا أتكلم من هذه الناحية بتاتاً، ولا أقول لك: لا تعمل، لكن أقول لك: انظر إلى الفرق بين من يعبد الله ومن يغفل. فقال رسول الله ﷺ لـ بلال: (فماذا تقول يا بلال؟ قال أقول: اللهم إني أسألك رضاك والجنة، وأعوذ بك من سخطك والنار، فقال: يا بلال! إنما حولهما ندندن) فلم يقل له: تريد أن تعمل رأسك برأس معاذ بن جبل الذي جالس يحفظ، أو أنت غير فالح، أو لا تنفع، وإنما قال: (إنما حولهما ندندن) ثم في اليوم التالي مباشرة حتى يزيل من قلب بلال الحزن الذي أصابه من عدم القدرة على الحفظ قال له: (يا بلال ماذا تصنع فإني ما دخلت الجنة إلا وسمعت دبيب نعليك أمامي؟) فيعطي له تصريحاً أخضر، وكرت دخول. وكان الرسول ﷺ يرى في النوم أنه يدخل الجنة ويرى فيها ما يرى، فقال له: (ما دخلت الجنة مرة إلا وسمعت دبيب نعليك، فماذا تعمل؟ قال: ما توضأت وضوءاً من ليل أو نهار إلا وصليت ركعتين، وما أذنبت ذنباً إلا وأعقبته باستغفار) يعني: أنه كان يخلص حسابه أول بأول. وأنت أيضاً قم بتخليص حسابك أول بأول، ولا تؤخر التوبة إلى سن أربعين سنة ثم تقول: هل لي توبة؟ نعم لك توبة، فالتوبة مفتوحة وهل نحن معنا المفاتيح حتى نعقدها على الناس؟ والمرأة في البيت عندما تطبخ الطبيخ وتترك الطبق لمدة يومين أو ثلاثة أيام في الحوض بدون تنظيف فإنه ييبس ولا يتنظف، لكن إذا غسلته مباشرة بعد الأكل يكون سهلاً، وهكذا الذنب في القلب، فعندما تمسحه مباشرة ينتهي بسهولة، فإذا تراكم كان من الصعب إزالته؛ لأنه قد تعود على الذنب. فموضوع الشكر موضوع قائم عليه الدين كله، قال تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ:١٣] أي: ليس كل أحد يشكر الله. فالخضوع للمشكور أول جانب من جوانب الشكر.

стр. 73

الثناء على المشكور والجانب الثاني: الثناء عليه سبحانه، لأنه أهل للثناء وأهل للمدح، ومن أدب النبوة في الدعاء أن النبي ﷺ كان قبل أن يدعو يقول: (سبحانك اللهم وبحمدك) ويسن للذي يدعو أن يقول قبل ذلك: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، ثم يبدأ في الدعاء، ثم عندما ينتهي من الدعاء يصلي على رسول الله ﷺ . وثق تماماً أن أي صيغة من الصلوات على رسول الله مقبولة عند الله، فالله تعالى يقبل الصلاة الأولى وقبل الصلاة الأخيرة، وهو أكرم من أن يدع ما بينهما ما دام الدعاء ليس بإثم ولا قطيعة رحم. والثناء على الله لا يستوجب الثناء اللساني فقط، وإنما يستوجب أيضاً الشكر من جنس النعمة، فشكر الأموال الكثيرة الصدقة، وشكر العالم الذي أعطاه الله علماً أن يزكي عن العلم، فشكرك من جنس النعمة التي أنعم الله عليك بها، وهكذا ونحن بفضل الله أهل علم ولو علماً قليلاً، فالله ربنا أعطانا الفاتحة وبعض من آيات الله، وهناك من أكرمه ربنا بحفظ القرآن، وهناك من أفهمه ربنا القرآن، وهكذا، وقد قال الحكيم العربي: قال حمار الحكيم توما لو أنصف الدهر كنت أَركب فإنني جاهل بسيط وصاحبي جهله مركب أي: لو أن الدنيا تمشي بشكل صحيح كان من الواجب أن الحمار يركب فوق راكبه، والراكب يصير مركوباً، لأن الحمار جاهل بسيط، فجهله على قدره، وصاحبه جاهل جهلاً مركباً، فالجاهل الجهل المركب جاهل ويجهل أنه جاهل، فإذا أتيت تكلمه في الدين مثلاً قال لك: أنا فاهم كل شيء، وأنا عارف كل شيء، فهذا جاهل جهلاً مركباً، فهو لا يدري ولا يدري أنه لا يدري.

стр. 74

حب المشكور الجانب الثالث: حبك للمشكور ، فيجب أن يكون هناك حب، لأن النفوس جُبلت على حب من أحسن إليها، فالواجب أن تحب عمك الحنون وخالك الحنون، وتكره عمك الجاحد، ولا تحب خالتك التي لا تحن عليك بعد موت أمك، فالواجب أن تحب من أحسن إليك. ولذلك سيدنا عمر كان له دعاء غريب فكان يقول: (اللهم لا تجعل لفاجر علي نعمة حتى لا أحبه) أي: يا الله! لا تجعل فاجراً يعمل معي معروفاً؛ حتى لا أضطر إلى حبه، لأني مجبول على هذا. فالإنسان مجبول على حب من أحسن إليه. الجانب الرابع: لا تستخدم النعمة في إغضاب صاحب النعمة، فالإنسان لا يستخدم المال في إسراف ولا في إنفاق غير ما يرضي الله، ولا يستخدم الصحة فيما لا يرضي الله، ولا يستخدم الجاه فيما لا يرضي الله، وإلا لم يصر من الشاكرين.

стр. 75

الفرار إلى الله الدنيا مليئة بالأحزان والأكدار، والضيق والضنك، فلا سعيد فيها إلا من فر منها إلى خالقها، فيفر المؤمن من شهواتها وزخارفها وتضليلها إلى الله سبحانه. وأما الشقي فيفر من الله، ومن مظان رحمته وعفوه، إلى حبائل الدنيا وشياطينها. فشتان ما بين الفرارين، وما أعظم البون بين الطائفتين!
следующие страницы →