Полный текст (873 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
ـ[شرح تفسير ابن كثير]ـ
المؤلف: عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الرحمن الراجحي
مصدر الكتاب: دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية
http://www.islamweb.net
[ الكتاب مرقم آليا، ورقم الجزء هو رقم الدرس - ١١٦ درسا]
стр. 2
مقدمة تفسير ابن كثير [١]
يعد تفسير ابن كثير من أشهر التفاسير المشهورة والمتداولة بين طلبة العلم والعوام، حيث قام ﵀ بتفسير القرآن بالقرآن وبالسنة وبما جاء عن السلف، وهذا هو المنهج الذي يجب على كل من يفسر القرآن أن ينتهجه.
стр. 3
نبذة مختصرة عن تفسير ابن كثير
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
إن تفسير الحافظ ابن كثير رحمة الله عليه تفسير عظيم ومن أحسن التفاسير وأمثلها، وتفسيره يتمشى مع منهج أهل السنة والجماعة في آيات الصفات، وهو تلخيص لتفسير الإمام ابن جرير رحمة الله عليه شيخ المفسرين، والحافظ ابن كثير كان يتعقب اختيارات ابن جرير المرجوحة، ويختار القول الراجح، واختيار الحافظ ابن كثير في الغالب موفق ومسدد.
وينقل كثيراً عن الحافظ العابد العالم أبو عبد الرحمن عبد الرحمن بن أبي حاتم، وينقل أيضاً عن الحافظ ابن مردويه وعن السدي الكبير وهو ثقة، أما السدي الصغير فهو كذاب لا يعتمد عليه، والسدي الكبير دائماً ما يروي عن أبي مالك عن أبي صالح عن ابن عباس وعن عروة عن ابن مسعود عن ناس من أصحاب النبي ﷺ .
وذكر الحافظ ابن كثير رحمة الله عليه في مقدمة هذا التفسير أن أحسن طريقة يسير عليها المفسر هي أن يفسر القرآن بالقرآن، فالآيات المجملة تفسر بالآيات المفصلة، وهكذا، أيضاً بأحاديث رسول الله ﷺ ، فالأحاديث المجملة تفسر بالأحاديث المفسرة، وهكذا، أيضاً بكلام أهل العلم، فحين يأتي كلام مجمل لبعض أهل العلم ويأتي قول آخر مفصل، فيفسر المجمل بالمفصل، هذه هي الطريقة التي ينبغي أن يسلكها المفسر عندما يفسر كتاب الله، وقد ألف العلامة الشنقيطي رحمة الله عليه كتاب (أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن) وهو مبني على هذه الطريقة وهي تفسير القرآن بالقرآن.
ثم بعد ذلك تفسير القرآن بالسنة النبوية؛ فإن السنة شارحة للقرآن وموضحة له، والسنة مع القرآن لها أحوال ثلاثة: الحالة الأولى: أن تأتي مفسرة وموضحة لما أجمل في القرآن الكريم.
الحالة الثانية: تأتي مقيدة لما أطلق في القرآن الكريم ومفصلة لما أجمل.
والحالة الثالثة: تأتي بأحكام جديدة ليست في القرآن العزيز، كتحريم كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير، وتحريم الجمع بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها، فإذا لم يجد المفسر تفسير الآية بالقرآن الكريم رجع إلى السنة المطهرة، فإذا لم يجد في السنة المطهرة رجع إلى أقوال الصحابة، فإن الصحابة أعلم الناس بكتاب الله؛ لأنهم عايشوا التنزيل، وكانوا يسألون النبي ﷺ عما أشكل عليهم، فإذا لم يجد فبعض المفسرين يرجع إلى أقوال كبار التابعين؛ كالإمام مجاهد بن جبر فإنه عرض القرآن على ابن عباس ثلاث مرات يوقفه عند كل آية ويسأله عنها، وكذلك أيضاً مما ينبغي للمفسر معرفته علوم اللغة العربية؛ لأن القرآن نزل بلغة العرب وبلسان عربي مبين.
стр. 4
مقدمة ابن كثير لتفسيره
قال الشيخ الإمام الأوحد البارع الحافظ المتقي عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن الخطيب أبي حفص عمر بن كثير الشافعي رحمه الله تعالى ورضي عنه: [الحمد لله الذي افتتح كتابه بالحمد فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٢ - ٤]، وقال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا * قَيِّمًا لِيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا * مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا * وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا * مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ [الكهف:١ - ٥]، وافتتح خلقه بالحمد فقال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام:١]، واختتمه بالحمد فقال بعد ذكر مآل أهل الجنة وأهل النار: ﴿وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الزمر:٧٥]، ولهذا قال تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الأُولَى وَالآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص:٧٠]، كما قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [سبأ:١] فله الحمد في الأولى والآخرة، أي: في جميع ما خلق وما هو خالق، هو المحمود في ذلك كله كما يقول المصلي: اللهم ربنا لك الحمد ملء السماوات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد، ولهذا يلهم أهل الجنة تسبيحه وتحميده كما يلهمون النفس، أي: يسبحونه ويحمدونه عدد أنفاسهم؛ لما يرون من عظيم نعمه عليهم وكمال قدرته وعظيم سلطانه وتوالي مننه ودوام إحسانه إليهم].
يعني: أن الله تعالى هو المستحق لأنواع المحامد كلها، ملكاً واستحقاقاً، وهو المحمود في فواتح الأمور وخواتمها، ولهذا افتتح كتابه العزيز بالحمد فقال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢]، وقال سبحانه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ [الكهف:١]، وافتتح خلقه بالحمد فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [الأنعام:١]، وختم ذلك أيضاً إذا دخل أهل الجنة الجنة: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الأعراف:٤٣] ﴿وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الزمر:٧٥]، وهو محمود على كل حال محمود على السراء والضراء، وعلى المحبوب والمكروه، حتى أهل النار في دخولهم النار يحمدون الله على ذلك؛ لما ظهر لهم من عدل الله ؛ لأن أحكام الله دائرة بين العدل والفضل، فأهل الجنة في فضله وأهل النار في عدله ، وهو محمود على كل حال، وأهل الجنة يلهمون الحمد والتسبيح كما يلهمون النفس ويكون جزءاً من حياتهم يتنعمون به ليس فيه مشقة ولا تكريب، وإنما هو نعيم يتنعمون به وهذا من فضل الله تعالى وإحسانه بهم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس:٩ - ١٠].
والحمد لله الذي أرسل رسله ﴿مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:١٦٥]، وختمهم بالنبي الأمي العربي المكي الهادي لأوضح السبل، أرسله إلى جميع خلقه من الإنس والجن من لدن بعثته إلى قيام الساعة، كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف:١٥٨]، وقال تعالى: ﴿لِأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام:١٩]، فمن بلغه هذا القرآن من عرب وعجم وأسود وأحمر وإنس وجان فهو نذير له، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [هود:١٧]، فمن كفر بالقرآن ممن ذكرنا فالنار موعده بنص القرآن، كما قال تعالى: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ [القلم:٤٤]، وقال رسول الله ﷺ : (بعثت إلى الأحمر والأسود)، قال مجاهد: يعني: الإنس والجن].
قلت: لقد أخذ بعض العلماء من هذه الآيات أنه لا يعذر أحد بعد بعثة الرسول ﷺ وبعد نزول القرآن، ولا يكون حكمه حكم أهل الفترة؛ لقوله تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام:١٩] أي: هذا القول فيه نذارة لكل من بلغه، وقال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥]، فمن بلغه القرآن وبلغه رسالة الرسول ﷺ فقد قامت عليه الحجة وليس له عذر، ولاسيما في الأمور الواضحة، كالعبادة التي خلق الله الخلق من أجلها، والتوحيد الذي من أجله بعث الله رسله وأنزل كتبه، فلا عذر للمشرك في كونه يذبح لغير الله وينذر لغير الله أو يستغيث بغير الله أو يطوف بغير بيت الله، أو يطلب المدد من غير الله وهو بين المسلمين، وقد بلغه القرآن وبلغته رسالة النبي ﷺ ، ولهذا قال: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام:١٩]، وقال: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥]، أما من لم تبلغه الدعوة ولم يبلغه القرآن وكان لا يتكلم بالعربية ولم يسمع شيئاً عن القرآن فهذا حكمه حكم أهل الفترة حتى تقام عليه الحجة.
стр. 5
واجب المسلمين تجاه كتاب الله تعالى
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فهو صلوات الله وسلامه عليه رسول الله إلى جميع الثقلين: الإنس والجن مبلغاً لهم عن الله تعالى ما أوحاه إليه من هذا الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، وقد أعلمهم فيه عن الله تعالى أنه ندبهم إلى فهمه، فقال تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢]، وقال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [ص:٢٩]، وقال تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤].
فالواجب على العلماء الكشف عن معاني كلام الله وتفسير ذلك وطلبه من مظانه، وتعلم ذلك وتعليمه، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ [آل عمران:١٨٧]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُوْلَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران:٧٧].
فذم الله تعالى أهل الكتاب قبلنا بإعراضهم عن كتاب الله المنزل عليهم، وإقبالهم على الدنيا وجمعها واشتغالهم بغير ما أمروا به من اتباع كتاب الله، فعلينا -أيها المسلمون- أن ننتهي عما ذمهم الله تعالى به، وأن نأتمر بما أمرنا به من تعلم كتاب الله المنزل إلينا وتعليمه وفهمه وتفهيمه، قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ * اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الحديد:١٦ - ١٧].
ففي ذكره تعالى لهذه الآية بعد التي قبلها تنبيه على أنه تعالى كما يحيي الأرض بعد موتها كذلك يلين القلوب بالإيمان والهدى بعد قسوتها من الذنوب والمعاصي، والله المؤمل، وهو المسئول أن يفعل بنا هذا إنه جواد كريم].
стр. 6
أحسن طرق تفسير القرآن العظيم
стр. 7
تفسير القرآن بالقرآن ثم بالسنة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإن قال قائل: فما أحسن طرق التفسير؟ فالجواب أن أصح الطرق في ذلك أن يفسر القرآن بالقرآن، فما أجمل في مكان فإنه قد بسط في موضع آخر، فإن أعياك ذلك فعليك بالسنة، فإنها شارحة للقرآن وموضحة له، بل قد قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله تعالى: كل ما حكم به رسول الله ﷺ فهو مما فهمه من القرآن، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء:١٠٥]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النحل:٦٤]، وقال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل:٤٤]، ولهذا قال رسول الله ﷺ : (ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه) يعني السنة، والسنة أيضاً تنزل عليه بالوحي كما ينزل القرآن، إلا أنها لا تتلى كما يتلى القرآن، وقد استدل الإمام الشافعي رحمه الله تعالى وغيره من الأئمة على ذلك بأدلة كثيرة ليس هذا موضع ذلك].
السنة وحي من الله، والسنة نوعان: النوع الأول: الأحاديث القدسية التي يضيفها النبي ﷺ إلى ربه ويقول فيها: (قال الله)، فهذا من كلام الله لفظاً ومعنى كالقرآن، فالقرآن كلام الله لفظاً ومعنى خلافاً للأشاعرة الذين يقولون: إن كلام الله معنى قائم بالنفس، وخلافاً للمعتزلة الذين يقولون: القرآن مخلوق.
وهذا كفر وضلال، ولهذا كفر الأئمة والعلماء من قال: القرآن مخلوق، وتكفيرهم لقائل ذلك هو على وجه العموم، أما الشخص المعين فلابد من أن تقوم عليه الحجة، فمن قال: إن القرآن مخلوق فهو كافر.
والأشاعرة يقولون: القرآن كلام الله، وكلام الله معنى قائم بنفسه ليس بحرف ولا صوت، أما الحروف والأصوات فهي مخلوقة، وليس في المصحف شيء من كلام الله؛ لأن كلام الله معنى قائم بنفسه، وما في المصحف هو عبارة عن كلام الله، وهذا الذي ذهب إليه الأشاعرة يوافق المعتزلة في نصف مذهبهم؛ لأن المعتزلة يقولون: القرآن لفظه ومعناه مخلوق، والأشاعرة يقولون: لفظه مخلوق ومعناه قائم بنفسه تعالى ليس بمخلوق، وهذا من أبطل الباطل، فالقرآن كلام الله لفظه ومعناه، فيجب على كل مسلم أن يعتني بهذا القرآن العظيم، فإنه سعادة الأمة وفلاحها ونجاحها.
فالنوع الأول من السنة هو الأحاديث القدسية التي يقول فيها النبي ﷺ : (قال الله)، كحديث أبي ذر عن النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه أنه قال: (يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا) فهذا كلام الله لفظه ومعناه وهو كالقرآن، إلا أنه يختلف عن القرآن في الأحكام، فالقرآن يتعبد بتلاوته، والحديث القدسي لا يتعبد بتلاوته، والقرآن لا يمسه إلا المتوضئ، والأحاديث القدسية يمسها غير المتوضئ، والقرآن معجز في لفظه ومعناه، والحديث القدسي ليس كذلك.
والنوع الثاني: الأحاديث النبوية التي ليست قدسية، وهذه الأحاديث معناها وحي من الله تعالى، ولفظها من النبي ﷺ ، ولهذا تنسب إلى الرسول، مثل قول الرسول ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)، ومعناها من الله؛ لأنها وحي ثان، قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤].
وما ذكره بعض مؤلفي كتب علوم القرآن كـ السيوطي في الإتقان وغيره من أن الحديث القدسي لفظه من النبي ﷺ ومعناه من الله فإنه خطأ يتمشى على مذهب الأشاعرة، والسيوطي ﵀ ليس عنده تحقيق في هذا، فهذا قد يشكل على بعض الطلبة إذا وجده في الإتقان لليسوطي وفي غيره من كتب أصول التفسير، فمن وجد ذلك فليعلم أن هذا يتمشى على مذهب الأشاعرة، والصواب أن الحديث القدسي لفظه ومعناه من الله كالقرآن، إلا أن الأحكام تختلف كما تقدم.
وما قاله النبي ﷺ في شئون الحياة العادية لا يعتبر من الوحي، كأن ينزل في المكان الفلاني، ويبول في المكان الفلاني، ويجلس في المكان الفلاني، ونحو ذلك، فالصواب في هذه المسألة أن هذه من الأمور العادية، ولا يشرع الاقتداء به فيها، وقد كان ابن عمر ﵄ يتتبع الأماكن التي يتنزل فيها النبي ﷺ اجتهاداً منه، فكان ينزل في المكان الذي كان ينزل فيه النبي ﷺ ، وقد ذكر البخاري شيئاً من هذا، فقال: كان ابن عمر يتتبع أماكن كثيرة.
ولكنه خالف في هذا كبار الصحابة كـ الصديق وعمر وغيرهم؛ فإنهم لم يتتبعوا النبي ﷺ في هذه الأماكن، ولهذا لما رأى عمر ﵁ قوماً يأتوا إلى الشجرة التي بايع عندها النبي ﷺ أصحابه أمر بقطعها.
والمقصود أن الأمور العادية التي كان يفعلها النبي ﷺ على سبيل العادة ليست من التشريع.
وأما ما كان يفعله مع زوجاته ﷺ فإنه ينظر فيه، فإن كان على سبيل التشريع فإنه يقتدى به فيه، مثل معاملته لزوجاته ونحو ذلك، ومثله ما كان يفعله في البيت من الطهارة والغسل ونحو ذلك مما نقله إلينا أزواجه ﷺ .
وكلام الله في القرآن يتفاضل، هذا هو الصواب، فسورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تعدل ثلث القرآن، وآية الكرسي أفضل آية في كتاب الله، والفاتحة أفضل سورة في كتاب الله، فكلام الله يتفاضل، وبعضه أفضل من بعض، وإذا كان القرآن كلام الله يتفاضل فالحديث القدسي كذلك يتفاضل.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والغرض أنك تطلب تفسير القرآن منه، فإن لم تجده فمن السنة].
فأول طريقة من طرق التفسير أن يفسر القرآن بالقرآن.
стр. 8
تفسير القرآن بأقوال الصحابة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإن لم تجده فمن السنة، كما قال رسول الله ﷺ لـ معاذ حين بعثه إلى اليمن: (فبم تحكم؟ قال: بكتاب الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: بسنة رسول الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: اجتهد رأيي، قال: فضرب رسول الله ﷺ في صدره وقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله).
وهذا الحديث في المسند والسنن بإسناد جيد كما هو مقرر في موضعه].
هذا الحديث سنده جيد كما ذكر المؤلف ﵀، وجود سنده كذلك شيخ الإسلام وابن القيم، وفيه أن الإنسان يعمل بكتاب الله، فإن لم يجد فإنه يعمل بالسنة، فإن لم يجد فإنه يجتهد، ولما بعث النبي ﷺ معاذاً قال له: (بم تقضي؟ قال: بكتاب الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: بسنة رسول الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي) أما نحن فإننا إذا بحثنا ولم نجد في السنة دليلاً فإننا نأخذ بأقوال الصحابة إذا لم تتعارض، فقول الصحابي إذا لم يعارضه قول صحابي آخر يؤخذ به، فإن عارضه قول صحابي آخر تساقطا، فحينئذٍ يرجع إلى أصول الشريعة وقواعدها.
стр. 9
ذكر بعض أئمة التفسير من الصحابة
стр. 10
عبد الله بن مسعود ﵁
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وحينئذ إذا لم نجد التفسير في القرآن ولا في السنة رجعنا في ذلك إلى أقوال الصحابة، فإنهم أدرى بذلك؛ لما شاهدوا من القرائن والأحوال التي اختصوا بها، ولما لهم من الفهم التام والعلم الصحيح والعمل الصالح، لاسيما علماءهم وكبراءهم كالأئمة الأربعة الخلفاء الراشدين والأئمة المهتدين المهديين وعبد الله بن مسعود ﵃.
قال الإمام أبو جعفر محمد بن جرير: حدثنا أبو كريب حدثنا جابر بن نوح حدثنا الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق قال: قال عبد الله -يعني ابن مسعود -: والذي لا إله غيره ما نزلت آية في كتاب الله إلا وأنا أعلم فيمن نزلت وأين نزلت، ولو أعلم أحداً أعلم بكتاب الله مني تناله المطايا لأتيته].
هذا من حرص الصحابة رضي الله تعالى عنهم على العلم، فـ عبد الله بن مسعود ﵁ يحلف أنه ما من آية إلا وهو يعلم أين نزلت وفيم نزلت وفيمن نزلت، يقول: ولو أعلم أحداً أعلم مني بكتاب الله تبلغه الإبل لركبت إليه حتى أتعلم منه وأستفيد منه.
وجابر بن عبد الله -كما ذكر البخاري في صحيحه- رحل إلى عبد الله بن أنيس من المدينة إلى الشام في طلب حديث واحد، واشترى لهذه المهمة بعيراً، وكانت المسافة شهراً كاملاً.
فهذا هو حرص الصحابة الكرام، ولهذا بلغوا تلك المنزلة، فـ جابر يشتري لهذه المهمة بعيراً مع قلة ذات اليد، والآن الكتب كلها موجودة، والصحاح والسنن كلها مدونة، والحمد لله، وكل شيء الآن متوفر، والمهم هو الحرص والعناية والتفهم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال الأعمش -أيضاً- عن أبي وائل عن ابن مسعود قال: كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن.
وقال أبو عبد الرحمن السلمي: حدثنا الذين كانوا يقرئونا أنهم كانوا يستقرئون من النبي ﷺ ، وكانوا إذا تعلموا عشر آيات لم يخلفوها حتى يعملوا بما فيها من العمل، فتعلمنا القرآن والعمل جميعاً].
وبهذا فضلوا على من بعدهم، فتعلموا العلم والعمل جميعاً، ونحن الآن ينقصنا العمل والتطبيق.
стр. 11
ابن عباس ترجمان القرآن
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومنهم الحبر البحر عبد الله بن عباس ابن عم رسول الله ﷺ وترجمان القرآن ببركة دعاء رسول الله ﷺ له حيث قال: (اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل).
وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار وحدثنا وكيع حدثنا سفيان عن الأعمش عن مسلم قال عبد الله -يعني ابن مسعود -: نعم ترجمان القرآن ابن عباس.
ثم رواه عن يحيى بن داود عن إسحاق الأزرق عن سفيان عن الأعمش عن مسلم بن صبيح عن أبي الضحى عن مسروق عن ابن مسعود أنه قال: نعم الترجمان للقرآن ابن عباس].
مسلم بن صبيح هو غير الربيع بن صبيح.
ومسلم بن صبيح يروي عن أبي الضحى، وأبو الضحى يروي عن مسروق عن ابن مسعود، وفي بعض الطرق: (عن أبي الضحى عن ابن مسعود) وهذا إسناد منقطع؛ لأن أبا الضحى لم يسمع من ابن مسعود، بل بينهما واسطة.
وقوله: [نعم الترجمان للقرآن ابن عباس] هذه شهادة من ابن مسعود لـ ابن عباس ﵄.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم رواه عن بندار عن جعفر بن عون عن الأعمش به كذلك، فهذا إسناد صحيح إلى ابن مسعود أنه قال عن ابن عباس هذه العبارة، وقد مات ابن مسعود ﵁ في سنة اثنتين وثلاثين على الصحيح، وعمر بعده عبد الله بن عباس ستاً وثلاثين سنة، فما ظنك بما كسبه من العلوم بعد ابن مسعود؟!].
يعني: إذا كان ابن مسعود شهد لـ ابن عباس بقوله: [نعم ترجمان القرآن ابن عباس] في حياته ثم توفي وعاش بعده ابن عباس ستاً وثلاثين عاماً وهو يتعلم ويجتهد فكيف سيكون علمه؟! وقد كان عند النبي ﷺ وهو صغير، لكنه كان حريصاً على العلم، وقد أخذ من الصحابة، وكان له زميل من الأنصار في أول الطلب، فقال زميله من الأنصار: يا ابن عباس! تظن الناس يحتاجون إلينا! فتركه ابن عباس وانصرف الأنصاري، وقال: الناس ليسوا بحاجة إلينا، والصحابة كثيرون.
فشمر ابن عباس في طلب العلم، فكان يأتي إلى الصحابة في بيوتهم، وكان إذا بلغه حديث عن بعض الصحابة أو أراد أن يأخذ العلم منه أتى إلى بابه، ثم توسد ذراعه ونام تحت الباب حتى يخرج، فإذا خرج قال: ما لك يا ابن عم رسول الله؟ ألا أخبرتني؟ ألا طرقت علي فأخرج؟ وما زال يجتهد ويحرص ويجد ويجتهد ويستغل الوقت في الأخذ عن الصحابة حتى بلغ شأناً عظيماً في العلم، ومات كثير من الصحابة وبقي، فصار مرجع الناس في العلم، وصار الناس يأتون إليه من كل مكان، وكان يجلس للناس بعد صلاة الفجر، فيأتيه أهل التفسير، ثم يأتيه أهل الحديث، ثم يأتيه أهل اللغة، ثم يأتيه جميع أصحاب الفنون حتى يرتفع الضحى، وذلك الأنصاري الذي تركه لم يكن عنده شيء من العلم، فلما رأى حال ابن عباس ورأى ما أوتي من العلم ومجيء الناس إليه قال لبعض أصحابه: هذا أعقل مني يعني ابن عباس؛ لأنه بقي في طلب العلم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال الأعمش عن أبي وائل: استخلف علي عبد الله بن عباس على الموسم، فخطب الناس فقرأ في خطبته سورة البقرة -وفي رواية سورة النور- ففسرها تفسيراً لو سمعته الروم والترك والديلم لأسلموا، ولهذا غالب ما يرويه إسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير في تفسيره عن هذين الرجلين: عبد الله بن مسعود وابن عباس].
السدي الكبير ثقة يروي عن ابن عباس وعن ابن مسعود، فهو يروي عن أبي مالك عن أبي صالح عن ابن عباس، ويروي عن عروة عن ابن مسعود عن ناس من أصحاب النبي ﷺ ، هذا هو سند السدي الكبير.
وقوله: [استخلف علي عبد الله بن عباس على الموسم] أي: جعل ابن عباس أميراً على الحج في خلافته.
стр. 12
أقسام أحاديث أهل الكتاب وحكم نقلها عنهم
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولكن في بعض الأحيان ينقل عنهم ما يحكونه من أقاويل أهل الكتاب التي أباحها رسول الله ﷺ حيث قال: (بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار) رواه البخاري عن عبد الله بن عمرو].
هذا فيما يروى عن بني إسرائيل مما لم يخالف الكتاب والسنة؛ لأن أقوال بني إسرائيل على ثلاث حالات: الحالة الأولى: أن يكون الخبر عن بني إسرائيل يخالف ما جاء في القرآن العزيز والسنة المطهرة، فهذا باطل مردود.
الحالة الثانية: أن يكون موافقاً لما جاء في الكتاب والسنة، وهذا مقبول.
الحالة الثالثة: أن يكون ذلك الخبر لم يأت في القرآن ولا في السنة ما يخالفه ولا ما يوافقه، وهذا هو الذي يحدث به ولا يصدق ولا يكذب، وهو المقصود في قوله ﷺ : (وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج).
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولهذا كان عبد الله بن عمرو ﵄ يوم اليرموك قد أصاب زاملتين من كتب أهل الكتاب، فكان يحدث منهما بما فهمه من هذا الحديث من الإذن في ذلك].
يعني: من الأشياء التي لم تخالف النصوص على حسب اجتهاده، فقد وجد زاملتين من كتب أهل الكتاب في الشام، وكانت تابعة لأهل الكتاب، فوجد الزاملتين فجعل يحدث منهما عنهم، ولهذا فإن أحاديث عبد الله بن عمرو كثير منها عن بني إسرائيل.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولكن هذه الأحاديث الإسرائيلية تذكر للاستشهاد لا للاعتضاد، فإنها على ثلاثة أقسام: أحدها: ما علمنا صحته مما بأيدينا مما يشهد له بالصدق، فذاك صحيح.
والثاني: ما علمنا كذبه مما عندنا مما يخالفه.
والثالث: ما هو مسكوت عنه لا من هذا القبيل ولا من هذا القبيل، فلا نؤمن به ولا نكذبه، وتجوز حكايته لما تقدم، وغالب ذلك مما لا فائدة فيه تعود إلى أمر ديني، ولهذا يختلف علماء أهل الكتاب في هذا كثيراً، ويأتي عن المفسرين خلاف بسبب ذلك، كما يذكرون في مثل هذا أسماء أصحاب الكهف، ولون كلبهم وعدتهم وعصا موسى من أي الشجر كانت، وأسماء الطيور التي أحياها الله لإبراهيم، وتعيين البعض الذي ضرب به القتيل من البقرة، ونوع الشجرة التي كلم الله منها موسى].
ومثله -أيضاً- الشجرة التي أكل منها آدم، فكل هذا لا يترتب عليه فائدة، وإنما العبرة في معرفة أن آدم أكل من الشجرة، أما أن الشجرة هي شجرة كذا أو شجرة كذا فلا فائدة في ذلك، وكذلك كون أهل الكهف كان لون كلبهم أحمر أو غير ذلك، وأن اسم فلان منهم كذا واسم فلان كذا كل ذلك لا عبرة فيه، فالعبرة بالقصة التي حصلت، أما معرفة الأسماء، ومعرفة لون الكلب، ومعرفة عصا موسى من أي الشجر هي، ومعرفة الشجرة التي أكل منها آدم ﵇، كل هذا لا يترتب عليه شيء، وما وجد من مثل هذا فهو من أخبار بني إسرائيل التي لا تصدق ولا تكذب.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [إلى غير ذلك مما أبهمه الله تعالى في القرآن مما لا فائدة في تعيينه تعود على المكلفين في دينهم ولا دنياهم].
ولو كان فيه فائدة تعود علينا في ديننا أو دنيانا لبينه الله تعالى.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولكن نقل الخلاف عنهم في ذلك جائز، كما قال تعالى: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾ [الكهف:٢٢]].
هذا الكلام يعود إلى علماء أهل الكتاب.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولكن نقل الخلاف عنهم في ذلك جائز، كما قال تعالى: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف:٢٢]، فقد اشتملت هذه الآية الكريمة على الأدب في هذا المقام وتعليم ما ينبغي في مثل هذا، فإنه تعالى حكى عنهم ثلاثة أقوال، ضعف القولين الأولين وسكت عن الثالث، فدل على صحته؛ إذ لو كان باطلاً لرده كما ردهما، ثم أرشد على أن الاطلاع على عدتهم لا طائل تحته، فقال في مثل هذا: ((قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ))، فإنه ما يعلم ذلك إلا قليل من الناس ممن أطلعه الله عليه، فلهذا قال: ((فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا)) أي: لا تجهد نفسك فيما لا طائل تحته ولا تسألهم عن ذلك، فإنهم لا يعلمون من ذلك إلا رجم الغيب، فهذا أحسن ما يكون في حكاية الخلاف].
إن الله تعالى ذكر الخلاف في عدة أصحاب الكهف فقال: ((سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ)) فالقول الأول أنهم ثلاثة والرابع الكلب: ((وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ)) وهذا هو القول الثاني، وهو أن عدد أصحاب الكهف خمسة والسادس الكلب، ثم رد الله تعالى ذلك فقال: ((رَجْمًا بِالْغَيْبِ)) أي: أن هذين القولين ما عليهما دليل، ثم قال تعالى: ((وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ)) وسكت عن هذا، فدل على أنه هو القول الصحيح، وهذا استنباط.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فهذا أحسن ما يكون في حكاية الخلاف، أن تستوعب الأقوال في ذلك المقام، وأن تنبه على الصحيح منها وتبطل الباطل، وتذكر فائدة الخلاف وثمرته؛ لئلا يطول النزاع والخلاف فيما لا فائدة تحته فتشتغل به عن الأهم فالأهم، فأما من حكى خلافاً في مسألة ولم يستوعب أقوال الناس فيها فهو ناقص، إذ قد يكون الصواب في الذي تركه].
هذا إذا أراد أن يحكي الأقوال، أما إذا أراد أن يفتي فإنه يختار القول الصحيح.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أو يحكي الخلاف ويطلقه ولا ينبه على الصحيح من الأقوال، فهو ناقص أيضاً، فإن صحح غير الصحيح عامداً فقد تعمد الكذب، أو جاهلاً فقد أخطأ، وكذلك من نصب الخلاف فيما لا فائدة تحته أو حكى أقوالاً متعددة لفظاً ويرجع حاصلها إلى قول أو قولين معنى فقد ضيع الزمان وتكثر بما ليس بصحيح، فهو كلابس ثوبي زور.
والله الموفق للصواب].
стр. 13
مقدمة تفسير ابن كثير [٢]
التابعون الكرام هم أقرب الناس إلى الصحابة رضوان الله عليهم، فقد أخذوا منهم تفسير القرآن الكريم كونهم شاهدوا التنزيل وتعلموا بين يدي رسول الله ﷺ .
والتفسير رواية عن الله لا يجوز الخوض فيه إلا بعلم، ولذلك كان من السلف كالصحابة والتابعين من يقول في تفسير آية: الله أعلم.
وليس معنى ذلك كتم العلم، فمن علم وجب عليه أن يبلغ.
стр. 14
الرجوع إلى أقوال التابعين في تفسير القرآن
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: [فصل: إذا لم تجد التفسير في القرآن ولا في السنة ولا وجدته عن الصحابة فقد رجع كثير من الأئمة في ذلك إلى أقوال التابعين، كـ مجاهد بن جبر؛ فإنه كان آية في التفسير، كما قال محمد بن إسحاق: حدثنا أبان بن صالح عن مجاهد قال: عرضت المصحف على ابن عباس ثلاث عرضات من فاتحته إلى خاتمته أوقفه عند كل آية منه وأسأله عنها].
يعتبر مجاهد ﵀ من أئمة التابعين ومن كبارهم، ولهذا رجع كثير من المفسرين إلى قوله مع أمثاله من كبار التابعين.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال ابن جرير: أنبأنا أبو كريب حدثنا طلق بن غنام عن عثمان المكي عن ابن أبي مليكة قال: رأيت مجاهداً سأل ابن عباس عن تفسير القرآن ومعه ألواحه، قال: فيقول له ابن عباس: اكتب.
حتى سأله عن التفسير كله.
ولهذا كان سفيان الثوري يقول: إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به].
يعني: يكفيك، أي: اعتمده؛ لأن له عناية به لملازمته ابن عباس.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكـ سعيد بن جبير وعكرمة مولى ابن عباس وعطاء بن أبي رباح والحسن البصري ومسروق بن الأجدع وسعيد بن المسيب وأبي العالية والربيع بن أنس وقتادة والضحاك بن مزاحم وغيرهم من التابعين وتابعيهم ومن بعدهم، فتذكر أقوالهم في الآية فيقع في عبارتهم تباين في الألفاظ يحسبها من لا علم عنده اختلافاً فيحكيها أقوالاً، وليس كذلك، فإن منهم من يعبر عن الشيء بلازمه أو بنظيره، ومنهم من ينص على الشيء بعينه، والكل بمعنى واحد في أكثر الأماكن، فليتفطن اللبيب لذلك، والله الهادي].
هذا معروف، وهو أن الغالب أن كثيراً من السلف كانوا يفسرون اللفظ بشيء من معناه، كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة:٣] فيقول بعضهم: يؤمنون بالجنة والنار ويؤمنون بالصراط، ويقول بعضهم: يؤمنون بالميزان، ويقول بعضهم: يؤمنون بالبعث بعد الموت، ويؤمنون بسؤال منكر ونكير، وهذا كله حق، فالسلف كانوا يفسرون اللفظ بجزء من معناه، ولا يقصدون من ذلك الاقتصار على الشيء، بل يريدون أن يذكروا نوعاً مما هو داخل في الآية.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال شعبة بن الحجاج وغيره: أقوال التابعين في الفروع ليست حجة، فكيف تكون حجة في التفسير؟!].
يعني: أن بعض العلماء يرى الرجوع إلى أقوال التابعين، وبعضهم -كـ شعبة - قال: لا يرجع إليها؛ لأن أقوالهم ليست حجة في الفروع، ففي التفسير من باب أولى.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يعني أنها لا تكون حجة على غيرهم ممن خالفهم، وهذا صحيح، أما إذا أجمعوا على الشيء فلا يرتاب في كونه حجة].
وهذا لا شك فيه، حتى الصحابة إذا اختلفوا فإنه لا يكون قول أحدهم حجة على الآخر، وإنما يرجع إلى المرجحات الأخرى، أما إذا أجمع الصحابة على قول أو أجمع التابعون على قول فإنه يكون حجة؛ إذ لا يجمعون عليه إلا لأنه حق، وهذه الأمة معصومة من أن تجمع على خطأ؛ لقول النبي ﷺ : (لا تجتمع أمتي على ضلالة).
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإن اختلفوا فلا يكون قول بعضهم حجة على قول بعض ولا على من بعدهم، ويرجع في ذلك إلى لغة القرآن أو السنة أو عموم لغة العرب أو أقوال الصحابة في ذلك].
وكذلك أصول الشريعة وقواعدها، كل هذه يرجع إليها، وإذا اختلف التابعون فإنه لا يكون قول بعضهم حجة على بعض، ويرجع إلى ما يؤيد أحد الأقوال، فيرجع إلى أقوال الصحابة، ويرجع إلى اللغة العربية، ويرجع إلى أصول الشريعة وقواعدها.
стр. 15
حكم تفسير القرآن بمجرد الرأي
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فأما تفسير القرآن بمجرد الرأي فحرام؛ لما رواه محمد بن جرير رحمه الله تعالى حيث قال: حدثنا محمد بن بشار حدثنا يحيى بن سعيد حدثنا سفيان حدثني عبد الأعلى -هو ابن عامر الثعلبي - عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: (من قال في القرآن برأيه أو بما لا يعلم فليتبوأ مقعده من النار)، وهكذا أخرجه الترمذي والنسائي من طرق عن سفيان الثوري به، ورواه أبو داود عن مسدد عن أبي عوانة عن عبد الأعلى به مرفوعاً، وقال الترمذي: هذا حديث حسن، وهكذا رواه ابن جرير أيضاً عن يحيى بن طلحة اليربوعي عن شريك عن عبد الأعلى به مرفوعاً، ولكن رواه عن محمد بن حميد عن الحكم بن بشير عن عمرو بن قيس الملائي عن عبد الأعلى عن سعيد عن ابن عباس فوقفه، وعن محمد بن حميد عن جرير عن ليث عن بكر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس من قوله.
فالله أعلم].
قوله: (من قوله) يعني: من كلامه.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال ابن جرير: أنبأنا العباس بن عبد العظيم العنبري حدثنا حبان بن هلال حدثنا سهيل أخو حزم حدثنا أبو عمران الجوني عن جندب أن رسول الله ﷺ قال: (من قال في القرآن برأيه فقد أخطأ)، وقد روى هذا الحديث أبو داود والترمذي والنسائي من حديث سهيل بن أبي حزم القطعي، وقال الترمذي: غريب.
وقد تكلم بعض أهل العلم في سهيل، وفي لفظ لهم: (من قال في كتاب الله برأيه فأصاب فقد أخطأ) أي: لأنه قد تكلف ما لا علم له به وسلك غير ما أمر به، فلو أنه أصاب المعنى في نفس الأمر لكان قد أخطأ؛ لأنه لم يأت الأمر من بابه، كمن حكم بين الناس على جهل فهو في النار وإن وافق حكمه الصواب في نفس الأمر، لكن يكون أخف جرماً ممن أخطأ، والله اعلم.
وهكذا سمى الله القذفة كاذبين فقال: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُوْلَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور:١٣]، فالقاذف كاذب ولو كان قد قذف من زنى في نفس الأمر؛ لأنه أخبر بما لا يحل له الإخبار به، ولو كان أخبر بما يعلم؛ لأنه تكلف ما لا علم له به، والله أعلم].
يعني أن من سلك الطريق غير المشروع فهو مخطئ حتى ولو أصاب الحق، فالذي يتكلم عن جهل مخطئ ومتوعد بالوعيد ولو وافق الحق، وكذلك من فسر القرآن برأيه فهو متوعد بالوعيد ولو أصاب.
стр. 16
تحرج السلف عن تفسير ما لا علم لهم به
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولهذا تحرج جماعة من السلف عن تفسير ما لا علم لهم به، كما روى شعبة عن سليمان عن عبد الله بن مرة عن أبي معمر قال: قال أبو بكر الصديق ﵁: أي أرض تقلني وأي سماء تظلني إذا قلت في كتاب الله ما لا أعلم؟! وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: حدثنا محمد بن يزيد عن العوام بن حوشب عن إبراهيم التيمي أن أبا بكر الصديق سئل عن قوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس:٣١] فقال: أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا أنا قلت في كتاب الله ما لا أعلم؟! منقطع].
هذا الإسناد الأخير منقطع لأن إبراهيم التيمي ما أدرك أبا بكر رضي الله تعالى عنه.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال أبو عبيد أيضاً: حدثنا يزيد بن حميد عن أنس أن عمر بن الخطاب ﵁ قرأ على المنبر ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس:٣١] فقال: هذه الفاكهة قد عرفناها فما الأب؟ ثم رجع إلى نفسه فقال: إن هذا لهو التكلف يا عمر].
يعني التكلف في معرفة هذا النبت من أي شجرة هو، وأما كونه نبتاً فمعروف.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال عبد بن حميد: حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن زيد عن ثابت عن أنس ﵁ قال: كنا عند عمر بن الخطاب ﵁ وفي ظهر قميصه أربع رقاع فقرأ: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس:٣١] فقال: فما الأب؟ ثم قال: هو التكلف، فما عليك أن لا تدريه.
وهذا كله محمول على أنهما ﵄ إنما أرادا استكشاف علم كيفية الأب، وإلا فكونه نبتاً من الأرض ظاهر لا يجهل؛ لقوله تعالى: ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا﴾ [عبس:٢٧ - ٢٨] الآية.
وقال ابن جرير: حدثنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا ابن علية عن أيوب عن ابن أبي مليكة أن ابن عباس ﵄ سئل عن آية لو سئل عنها بعضكم لقال فيها فأبى أن يقول فيها.
إسناده صحيح].
يعني أنه توقف ولم يجب حتى يتأمل وينظر.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال أبو عبيد: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن أيوب عن ابن أبي مليكة قال: سأل رجل ابن عباس ﵄ عن يوم كان مقداره ألف سنة، فقال له ابن عباس: فما يوم كان مقداره خمسين ألف سنة؟ فقال له الرجل: إنما سألتك لتحدثني! فقال ابن عباس: هما يومان ذكرهما الله في كتابه الله أعلم بهما.
فكره أن يقول في كتاب الله ما لا يعلم].
يعني بذلك اليوم المذكور في قول الله تعالى: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ * لِلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ * مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ * تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج:١ - ٤]، وظاهر هذا أنه يوم القيامة؛ لأنه تعالى قال بعد ذلك: ﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا * إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا * يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ﴾ [المعارج:٥ - ٩]، وأما اليوم الثاني فهو المذكور في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج:٤٧] قال بعضهم: إنه يوم من أيام الله، وإن المراد بألف سنة العروج والصعود، فإن نزول جبريل مقداره خمسمائة وصعوده مقداره خمسمائة، فما بين السماء إلى الأرض مقدار خمسمائة، كما ذكر الله تعالى ذلك في سورة السجدة فقال: ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة:٥]، وابن القيم ﵀ في القصيدة النونية ذكر الخلاف في ذلك، فإنه لما ذكر قوله تعالى: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج:٤] ذكر قولين: القول الأول: إنه يوم القيامة.
والقول الثاني: إن المراد بخمسين ألف سنة المدة المحسوبة من العرش إلى الأرض السفلى، فاليوم الأول من السماء إلى الأرض، وخمسون ألف سنة من السماء إلى العرش، فبين كل سماء وسماء مسافة، وفوق السماء السابعة بحر، ثم بعد ذلك العرش، يقول: أختار أن المراد النزول من العرش إلى الأرض، فهذا النزول مقداره خمسون ألف سنة، واليوم الأول من السماء إلى الأرض، والقول الثاني أنه يوم القيامة، وهذا هو الأقرب، ثم لما اختار أحد القولين قال في آخر القصيدة الكافية الشافية: إن هذه المسألة لم تحتمل في ذهني، وأنا متوقف فيها، وأعوذ بالله من أن أقول بغير علم، وكلامه جميل في هذا، وقال: من كان عنده علم فليبده.
أو كما قال رحمة الله عليه.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال ابن جرير أيضاً: حدثني يعقوب -يعني ابن إبراهيم - حدثنا ابن علية عن مهدي بن ميمون عن الوليد بن مسلم قال: جاء طلق بن حبيب إلى جندب بن عبد الله ﵁ فسأله عن آية من القرآن، فقال: أحرج عليك إن كنت مسلماً لما قمت عني أو قال: أن تجالسني].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أنه كان إذا سئل عن تفسير آية من القرآن قال: إنا لا نقول في القرآن شيئاً، وقال الليث عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أنه كان لا يتكلم إلا في المعلوم من القرآن، وقال شعبة عن عمرو بن مرة قال: سأل رجل سعيد بن المسيب عن آية من القرآن فقال: لا تسألني عن القرآن، وسل من يزعم أنه لا يخفى عليه منه شيء.
يعني عكرمة].
وذلك لأن عكرمة كان من تلاميذ ابن عباس، وكان مولى لـ ابن عباس، حتى إنه كان يدرسه ويعلمه وهو في القيد، فحصل علماً كثيراً.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال ابن شوذب: حدثني يزيد بن أبي يزيد قال: كنا نسأل سعيد بن المسيب عن الحلال والحرام، وكان أعلم الناس، فإذا سألناه عن تفسير آية من القرآن سكت كأن لم يسمع.
وقال ابن جرير: حدثني أحمد بن عبدة الضبي حدثنا حماد بن زيد حدثنا عبيد الله بن عمر قال: لقد أدركت فقهاء المدينة وإنهم ليعظمون القول في التفسير، منهم: سالم بن عبد الله والقاسم بن محمد وسعيد بن المسيب ونافع.
وقال أبو عبيد: حدثنا عبد الله بن صالح عن الليث عن هشام بن عروة قال: ما سمعت أبي تأول آية من كتاب الله قط، وقال أيوب وابن عون وهشام الدستوائي عن محمد بن سيرين: سألت عبيدة -يعني السلماني - عن آية من القرآن فقال: ذهب الذين كانوا يعلمون فيم أنزل القرآن، فاتق الله وعليك بالسداد.
وقال أبو عبيد: حدثنا معاذ عن ابن عون عن عبد الله بن مسلم بن يسار عن أبيه قال: إذا حدثت عن الله حديثاً فقف حتى تنظر ما قبله وما بعده.
حدثنا هشيم عن مغيرة عن إبراهيم قال: كان أصحابنا يتقون التفسير ويهابونه.
وقال شعبة عن عبد الله بن أبي السفر قال: قال الشعبي: والله ما من آية إلا وقد سألت عنها، ولكنها الرواية عن الله ].
وإبراهيم النخعي وأصحابه هم أهل الكوفة أصحاب ابن مسعود.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال أبو عبيد: حدثنا هشيم حدثنا عمرو بن أبي زائدة عن الشعبي عن مسروق قال: اتقوا التفسير فإنما هو الرواية عن الله].
стр. 17
الجمع بين ما ورد عن السلف من تحرجهم من التفسير وما روي من أقوالهم في التفسير
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فهذه الآثار الصحيحة وما شاكلها عن أئمة السلف محمولة على تحرجهم عن الكلام في التفسير بما لا علم لهم فيه].
الأمر كما ذكر المؤلف ﵀، فكل ذلك محمول على أنهم كانوا يتحرجون عن الشيء الذي لا علم لهم به، أما الذي عنده علم بالشيء الواضح من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ فإنه يتكلم ولا يكتم العلم، فهذه الآثار محمولة -كما ذكر المؤلف- على التحرج عن الشيء الذي لا يعلمه الإنسان، فلا يتكلم بشيء لا يعلمه.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فأما من تكلم بما يعلم من ذلك لغة وشرعاً فلا حرج عليه، ولهذا روي عن هؤلاء وغيرهم أقوال في التفسير ولا منافاة؛ لأنهم تكلموا فيما علموه وسكتوا عما جهلوه].
هذا هو الجمع بين النصوص، فالصحابة جاءت عنهم نصوص فيها المنع من التفسير، ونصوص أخرى فيها جواز التفسير، فالنصوص التي جاء فيها المنع من التفسير محمولة على التفسير الذي لا يستند إلى علم، فلا ينبغي أن يتكلم المرء في شيء لا يعلمه، والنصوص التي فيها أنهم كانوا يفسرون محمولة على أنهم كانوا يفسرون بما يعلمون من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ واللغة العربية.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهذا هو الواجب على كل أحد، فإنه كما يجب السكوت عما لا علم له به فكذلك يجب القول فيما سئل عنه مما يعلمه؛ لقوله تعالى: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران:١٨٧]، ولما جاء في الحديث الذي روي من طرق: (من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار)، وأما الحديث الذي رواه أبو جعفر بن جرير قال: حدثنا عباس بن عبد العظيم حدثنا محمد بن خالد بن عثمة حدثنا أبو جعفر بن محمد بن الزبيري حدثني هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: (ما كان النبي ﷺ يفسر شيئاً من القرآن إلا آياً بعدد علمهن إياه جبريل ﵇، ثم رواه عن أبي بكر محمد بن يزيد الطرسوسي عن معن بن عيسى عن جعفر بن خالد عن هشام به، فإنه حديث منكر غريب، وجعفر هذا هو ابن محمد بن خالد بن الزبير بن العوام القرشي الزبيري، قال البخاري: لا يتابع في حديثه.
وقال الحافظ أبو الفتح الأزدي: منكر الحديث.
وتكلم عليه الإمام أبو جعفر بما حاصله أن هذه الآيات مما لا يعلم إلا بالتوقيف عن الله تعالى مما وقفه عليها جبريل، وهذا تأويل صحيح لو صح الحديث، فإن من القرآن ما استأثر الله تعالى بعلمه، ومنه ما يعلمه العلماء، ومنه ما تعلمه العرب من لغاتها، ومنه ما لا يعذر أحد في جهله كما صرح بذلك ابن عباس فيما قال ابن جرير حدثنا محمد بن بشار قال حدثنا مؤمل حدثنا سفيان عن أبي الزناد قال: قال ابن عباس: التفسير على أربعة أوجه: وجه تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه أحد إلا الله].
أي: أن التفسير منه ما تعرفه العرب من كلامها، ومنه ما لا يعذر أحد بجهالته لوضوحه، مثل قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا﴾ [البقرة:٤٣] وقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾ [الإسراء:٣٢]، وقوله تعالى: ﴿لا تَأْكُلُوا الرِّبَا﴾ [آل عمران:١٣٠] وهناك تفسير لا يعرفه إلا العلماء، وهناك تفسير لا يعلمه إلا الله، فبعض الآيات لا يعلمها إلا الله.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال ابن جرير: وقد روي نحوه في حديث في إسناده نظر: حدثني يونس بن عبد الأعلى الصدفي أنبأنا ابن وهب قال: سمعت عمرو بن الحارث يحدث عن الكلبي عن أبي صالح مولى أم هانئ عن ابن عباس ﵃ أن رسول الله ﷺ قال: (أنزل القرآن على أربعة أحرف حلال وحرام لا يعذر أحد بالجهالة به، وتفسير تفسره العرب، وتفسير تفسره العلماء، ومتشابه لا يعلمه إلا الله ، ومن ادعى علمه سوى الله فهو كاذب)].
هذا الحديث ليس بصحيح، فرواية الكلبي عن أبي صالح ضعيفة جداً.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والنظر الذي أشار إليه في إسناده هو من جهة محمد بن السائب الكلبي، فإنه متروك الحديث، لكن قد يكون إنما وهم في رفعه، ولعله من كلام ابن عباس كما تقدم، والله اعلم].
محمد بن السائب الكلبي متروك، أي: أن حديثه ضعيف جداً وقريب من الوضع، فيكون قد وهم في رفعه إلى النبي ﷺ ، والصواب أنه من كلام ابن عباس.
стр. 18
مقدمة تفسير ابن كثير [٣]
سور القرآن مكية ومدنية، فالمكي منها ما نزل قبل الهجرة، والمدني ما نزل بعدها، وقد اهتم أهل العلم بآيات القرآن وكلماته وحروفه، فعدوها، وقسموا القرآن إلى أحزاب وأجزاء، وذلك حتى يسهل حفظه للحفاظ وتتيسر تلاوته لمن يتلوه آناء الليل وأطراف النهار.
стр. 19
بيان معنى مكي السور ومدنيها
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: [مقدمة مفيدة تذكر في أول التفسير قبل الفاتحة: قال أبو بكر بن الأنباري: حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي حدثنا حجاج بن منهال حدثنا همام عن قتادة قال: نزل في المدينة من القرآن البقرة وآل عمران والنساء والمائدة وبراءة والرعد والنحل والحج والنور والأحزاب ومحمد والفتح والحجرات والرحمن والحديد والمجادلة والحشر والممتحنة والصف والجمعة والمنافقون والتغابن والطلاق و ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ﴾ [التحريم:١] إلى رأس العشر، و ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ [الزلزلة:١] و ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ [النصر:١] هؤلاء السور نزلت بالمدينة وسائر السور بمكة].
شرع المؤلف رحمه الله تعالى في بيان السور التي نزلت في مكة والسور التي نزلت في المدينة، وهذا الأمر محل خلاف بين أهل العلم، فمن العلماء من قال: إن المكي من السور ما نزل في مكة، والمدني ما نزل في المدينة، ومن العلماء من قال: المكي من السور ما نزل قبل الهجرة، والمدني ما نزل بعد الهجرة، ولو نزل في مكة، كلقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣] فهذه الآية نزلت في مكة في حجة الوداع يوم عرفة، لكنها تعتبر مدنية؛ لأنها نزلت بعد الهجرة.
والصواب أن المكي من القرآن ما نزل قبل الهجرة، والمدني ما نزل بعد الهجرة، حتى ولو نزل في السفر، فما نزل في السفر وما نزل في مكة بعد الهجرة يعتبر مدنياً.
стр. 20
بيان عدد آيات القرآن الكريم وكلماته وحروفه
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فأما عدد آيات القرآن العظيم فستة آلاف آية، ثم اختلف فيما زاد على ذلك على أقوال، فمنهم من لم يزد على ذلك، ومنهم من قال: ومائتي آية وأربع آيات، وقيل: وأربع عشرة آية، وقيل: ومائتان وتسع عشرة آية، وقيل: ومائتان وخمس وعشرون آية أو ست وعشرون آية، وقيل: ومائتان وست وثلاثون، حكى ذلك أبو عمرو الداني في كتابه البيان، وأما كلماته فقال الفضل بن شاذان عن عطاء بن يسار: سبع وسبعون ألف كلمة وأربعمائة وتسع وثلاثون كلمة، وأما حروفه فقال عبد الله بن كثير عن مجاهد: هذا ما أحصيناه من القرآن، وهو ثلاثمائة ألف حرف وأحد وعشرون ألف حرف ومائة وثمانون حرفاً، وقال الفضل بن عطاء بن يسار ثلاثمائة ألف حرف وثلاثة وعشرون ألفاً وخمسة عشر حرفاً، وقال سلام أبو محمد الحماني: إن الحجاج جمع القراء والحفاظ والكتاب فقال: أخبروني عن القرآن كله كم من حرف هو؟ قال: فحسبنا فأجمعوا أنه ثلاثمائة ألف وأربعون ألفاً وسبعمائة وأربعون حرفاً، قال فأخبروني عن نصفه.
فإذا هو إلى الفاء من قوله في الكهف: ﴿وَلْيَتَلَطَّفْ﴾ [الكهف:١٩]، وثلثه الأول عند رأس مائة آية من براءة، والثاني على رأس مائة أو إحدى ومائة من الشعراء، والثالث إلى آخره، وسبعه الأول إلى الدال من قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ﴾ [النساء:٥٥] والسبع الثاني إلى التاء في قوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ﴾ [التوبة:١٧] والثالث إلى الألف الثاني من قوله تعالى في الرعد: ﴿أُكُلُهَا﴾ [الرعد:٣٥]، والرابع إلى الألف في الحج من قوله: ﴿جَعَلْنَا مَنْسَكًا﴾ [الحج:٣٤] والخامس إلى الهاء من قوله في الأحزاب: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ﴾ [الأحزاب:٣٦]، والسادس إلى الواو من قوله تعالى في الفتح: ﴿الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ [الفتح:٦] والسابع إلى آخر القرآن، قال سلام أبو محمد: علمنا ذلك في أربعة أشهر، قالوا: وكان الحجاج يقرأ في كل ليلة ربع القرآن، فالأول إلى آخر الأنعام، والثاني إلى (وليتلطف) في سورة الكهف، والثالث إلى آخر الزمر، والرابع إلى آخر القرآن].
المهم هو التدبر والعمل، بحيث يقرأ المسلم بتدبر وخضوع وخشوع ورغبة ورهبة ثم يعمل، وقد ثبت في حديث ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: (من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: (الم) حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف).
وقوله: (قالوا: وكان الحجاج يقرأ في كل ليلة ربع القرآن، فالأول إلى آخر الأنعام، والثاني إلى ﴿وَلْيَتَلَطَّفْ﴾ [الكهف:١٩] في سورة الكهف، والثالث إلى آخر الزمر، والرابع إلى آخر القرآن) هذا لو صح لكان من الحسنات التي عملها الحجاج، فـ الحجاج فاسق ظالم أسرف في القتل حتى قتل الألوف، وقد قتل سعيد بن جبير، ويقال: إنه رئي في المنام بعد موته فسئل عن حاله فقال: قتلت بكل قتيل قتلة إلا سعيد بن جبير قتلت به سبعين قتلة، وإني بعد ذلك أرجو ما يرجو المحسنون.
وهو موحد لكنه عند أهل العلم فاسق وظالم؛ لأنه أسرف في القتل فقتل خلقاً كثيراً، فإن صح أنه كان يقرأ في كل ليلة ربع القرآن فذلك من حسناته.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد حكى الشيخ أبو عمرو الداني في كتابه (البيان) خلافاً في هذا كله.
فالله أعلم].
стр. 21
ذكر تحزيب القرآن وتجزيئه
قال رحمه الله تعالى: [وأما التحزيب والتجزئة فقد اشتهرت الأجزاء من ثلاثين كما في الربعات بالمدارس وغيرها].
في زمانهم كانت توجد مدارس، ولكن ليست على غرار المدارس الموجودة الآن.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد ذكرنا فيما تقدم الحديث الوارد في تحزيب الصحابة للقرآن، والحديث في مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود وابن ماجة وغيرهم عن أوس بن حذيفة أنه سأل أصحاب رسول الله ﷺ في حياته، كيف تحزبون القرآن؟ قالوا: ثلث وخمس وسبع وتسع وإحدى عشرة وثلاث عشرة وحزب المفصل حتى تختم].
هذا هو المعروف المشهور عن الصحابة، وهو أنهم كانوا يقرءون القرآن ثلاثاً وخمساً وسبعاً وتسعاً وإحدى عشرة وثلاث عشرة والمفصل، فالثلاث: البقرة وآل عمران والنساء، والخمس: المائدة والأنعام والأعراف والأنفال والتوبة، وهكذا، فكانوا يجعلون القرآن سبعة أحزاب: الحزب الأول ثلاث سور، والثاني خمس، والثالث سبع، وبعده تسع، ثم إحدى عشرة، ثم ثلاث عشرة، فيصل الحزب السادس إلى قاف، ثم يكون الحزب السابع هو حزب المفصل من (ق) إلى آخر القرآن الكريم، فيختم المرء القرآن في سبعة أيام على هذا النحو، وهذا هو السنة، كما بين النبي ﷺ لـ عبد الله بن عمرو بن العاص لما بلغه أنه يصوم النهار ويقوم الليل، فقد أنكر عليه وقال له: (صم من الشهر ثلاثة أيام) وأمره أن يقرأ القرآن في كل شهر فقال عبد الله: إني أطيق أقوى من ذلك، فما زال به حتى أوصله في تلاوة القرآن إلى سبع ليال، وجاء في الحديث الآخر: (لا يفقه القرآن من قرأه في أقل من ثلاث) وهذا يدل على أنه قد يقرأ القرآن أحياناً في ثلاث، لكن الأفضل أن يكون في سبع، وقد جاء في الصحيحين أن النبي ﷺ قال لـ عبد الله بن عمرو: (اقرأه في سبع ولا تزد) وفي الصيام أوصاه بأن يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، فقال: إني أطيق أكثر من ذلك، حتى قال له: صم يوماً وأفطر يوماً، فقال: إني أطيق أكثر من ذلك، فقال: (لا صام من صام الدهر)، وفي لفظ: (لا صام من صام الأبد)، وفي لفظ أنه ﷺ قال: (لا صام ولا أفطر)، فلا تجوز الزيادة على نصف الدهر، فالحد هو نصف الدهر، فيصوم يوماً ويفطر يوماً، وللقرآن سبعة أيام، وفي الصلاة كذلك قال له النبي ﷺ : (قم ونم).
وأما ما جاء عن السلف في رمضان من تلاوة القرآن في يوم واحد فإن بعض أهل العلم قال: إن هذا خاص بالأوقات الفاضلة، لكن ينبغي أن لا يكون ذلك في أقل من ثلاث؛ لحديث: (لا يفقه القرآن من قرأه في أقل من ثلاث)، وما فعله بعض السلف فهو اجتهاد منهم.
فالحاصل أن الصحابة حزبوا القرآن إلى سبعة أحزاب على تلك الطريقة، وأما جعله ثلاثين جزءاً فالظاهر أنه ليس من فعل الصحابة رضي الله تعالى عنهم.
стр. 22
بيان معنى السورة واشتقاقها
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فصل: واختلف في معنى السورة مما هي مشتقة، فقيل: من الإبانة والارتفاع، قال النابغة: ألم تر أن الله أعطاك سورة ترى كل ملك دونها يتذبذب فكأن القارئ ينتقل بها من منزلة إلى منزلة، وقيل: لشرفها وارتفاعها، كسور البلدان، وقيل: سميت سورة لكونها قطعة من القرآن وجزء منه، ومأخوذ من أسار الإناء، وهو البقية، وعلى هذا فيكون أصلها مهموزاً، وإنما خففت الهمزة فأبدلت الهمزة واواً لانضمام ما قبلها، وقيل: لتمامها وكمالها؛ لأن العرب يسمون الناقة التامة سورة.
قلت: ويحتمل أن يكون من الجمع والإحاطة لآياتها، كما يسمى سور البلد لإحاطته بمنازله ودوره، وجمع السورة: سور بفتح الواو، وقد يجمع على سورات وسوارات].
هذا كله ليس ببعيد، فقد تشمل السورة هذه المعاني كلها؛ إذ فيها إبانة وفيها ارتفاع وفيها انتقال من منزلة إلى منزلة وفيها إحاطة.
стр. 23
بيان معنى الآية وأصلها
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأما الآية فمن العلامة على انقطاع الكلام الذي قبلها عن الذي بعدها وانفصالها، أي: هي بائنة عن أختها ومنفردة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ﴾ [البقرة:٢٤٨]].
وقال النابغة: توهمت آيات لها فعرفتها لستة أعوام وذا العام سابع وقيل: لأنها جماعة حروف من القرآن وطائفة منه، كما يقال: خرج القوم بآيتهم، أي: بجماعاتهم، قال الشاعر: خرجنا من النقبين لا حي مثلنا بآياتنا نزجي اللقاح المطافلا وقيل: سميت آية لأنها عجب يعجز البشر عن التكلم بمثلها، قال سيبويه: وأصلها أيية، مثل أكمة وشجرة، تحركت الياء وانفتح ما قبلها فقلبت ألفاً فصارت آية بهمزة بعدها مدة، وقال الكسائي: أصلها آيية، على وزن (آمنة) فقلبت ألفاً، ثم حذفت لالتباسها، وقال الفراء: أصلها أيية فقلبت ألفاً كراهية التشديد فصارت آية، وجمعها آي وآياي وآيات].
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وأما الكلمة فهي اللفظة الواحدة، وقد تكون على حرفين مثل (ما) و (لا) ونحو ذلك].
стр. 24
الكلمة في القرآن العظيم
وقد تكون أكثر، وأكثر ما تكون عشرة أحرف مثل: (وليستخلفنهم)، (أنلزمكموها)، (فأسقيناكموه)] هذه عشرة أحرف، كل عشرة منها تكون كلمة واحدة.
قوله: [وقد تكون الكلمة الواحدة آية مثل: (والفجر)، (والضحى)، (والعصر)، وكذلك: (الم)، و (طه)، و (يس)، و (حم) في قول الكوفيين، و (حم عسق) عندهم كلمتان، وغيرهم لا يسمي هذه آيات، بل يقول: هذه فواتح السور].
والمعتمد أنها آية كما هو موجود في المصاحف.
قوله: [وقال أبو عمرو الداني: لا أعلم كلمة هي وحدها آية إلا قوله تعالى: (مدهامتان) بسورة الرحمن.
فصل.
قال القرطبي: أجمعوا على أنه ليس في القرآن شيء من التراكيب الأعجمية، وأجمعوا أن فيه أعلاماً من الأعجمية، كإبراهيم ونوح ولوط، واختلفوا هل فيه شيء من غير ذلك بالأعجمية، فأنكر ذلك الباقلاني والطبري وقالا: ما وقع فيه مما يوافق الأعجمية فهو من باب ما توافقت فيه اللغات].
وهذه المسألة فيها كلام لأهل العلم، منهم من قال في بعض الكلمات كسجيل وأبابيل وغيرها: إنها أعجمية ثم دخلت العربية، ومنهم من قال: هذا مما توافقت فيه اللغات.
стр. 25
تفسير سورة الفاتحة [ ١]
سورة الفاتحة هي أعظم سور القرآن، وقد ورد في فضلها أحاديث كثيرة، ولهذه السورة العظيمة أسماء عديدة منها: الحمد، وأم القرآن، وأم الكتاب، والسبع المثاني، والشفاء، والرقية، والواقية، والكافية وغيرها، وتعدد الأسماء يدل على عظمة المسمى.
стр. 26
بين يدي تفسير سورة الفاتحة
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: [بسم الله الرحمن الرحيم.
يقال لها: الفاتحة، أي: فاتحة الكتاب خطاً، وبها تفتح القراءة في الصلوات، ويقال لها أيضاً: أم الكتاب عند الجمهور، ذكره أنس، والحسن وابن سيرين كرها تسميتها بذلك، قال الحسن وابن سيرين: إنما ذلك اللوح المحفوظ، وقال الحسن: الآيات المحكمات هن أم الكتاب، ولذا كرها أيضاً أن يقال لها: أم القرآن.
وقد ثبت في الصحيح عند الترمذي وصححه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (الحمد لله رب العالمين أم القرآن، وأم الكتاب، والسبع المثاني، والقرآن العظيم).
ويقال لها: الحمد، ويقال لها: الصلاة؛ لقوله ﷺ عن ربه: (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال الله: حمدني عبدي) الحديث].
إن أعظم سورة في القرآن هي فاتحة الكتاب، ولم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها.
стр. 27
أسماء سورة الفاتحة
إن للفاتحة أسماء متعددة منها: الحمد، وفاتحة الكتاب، وأم القرآن، وهي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أنزل على النبي ﷺ ، وتسمى: الصلاة؛ وذلك لما جاء في الحديث القدسي أن الله تعالى يقول: (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين ...)، فسماها صلاة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فسميت الفاتحة صلاة؛ لأنها شرط فيها، ويقال لها: الشفاء؛ لما رواه الدارمي عن أبي سعيد مرفوعاً: (فاتحة الكتاب شفاء من كل سم).
ويقال لها الرقية؛ لحديث أبي سعيد في الصحيح حين رقى بها الرجل السليم، فقال له رسول الله ﷺ : (وما يدريك أنها رقية؟)].
هذا الحديث له قصة، وهي: أن الصحابة استضافوا بعض العرب فلم يضيفوهم، فلما ذهبوا عنهم لدغ سيدهم، فالتمسوا له الأطباء فلم يفد في شيء، ثم جاءوا إلى الصحابة وقالوا: إن سيدنا لدغ، وقد عملنا له كل الأسباب فلم ينتفع بشيء، فهل عندكم من راقٍ؟ فقال بعض الصحابة: نعم أنا أرقي، ولكن لا أرقيه إلا بجعل، فقد استضفناكم فلم تضيفونا، فاتفقوا معه على ثلاثين رأساً من الغنم، فجاء رجل من الصحابة لم يكن معروفاً بحفظ القرآن، فأخذ العضو الذي فيه اللدغة وجعل يقرأ عليه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] ويتفل ويرددها حتى خرج السم، فقال الصحابة: فكأنما نشط من عقال، فاستاقوا الثلاثين رأساً من الغنم، ثم تحرجوا وقالوا: كيف نأخذها ولم نسأل النبي ﷺ ، فسألوا النبي ﷺ قال: (وما يدريك أنها رقية؟! خذوها واضربوا لي معكم منها بسهم)؛ تطييباً لخواطرهم، وسمي اللديغ سليماً تفاؤلاً له بالسلامة، كما تسمى الصحراء مفازة تفاؤلاً بالفوز بالسلامة، فالعرب تستعمل الشيء لضده من باب التفاؤل.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وروى الشعبي عن ابن عباس: أنه سماها أساس القرآن، قال: وأساسها بسم الله الرحمن الرحيم، وسماها سفيان بن عيينة: بالواقية، وسماها يحيى بن أبي كثير الكافية؛ لأنها تكفي عما عداها ولا يكفي ما سواها عنها].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [كما جاء في بعض الأحاديث المرسلة: (أم القرآن عوض من غيرها، وليس من غيرها عوض منها) ويقال لها: سورة الصلاة والكنز، ذكرهما الزمخشري في كشافه].
وذلك لأنها ركن في الصلاة لابد منها؛ فلو اقتصر عليها في الصلاة لصحت صلاته بخلاف غيرها.
стр. 28
بيان أقوال الصحابة والتابعين في مكية سورة الفاتحة ومدنيتها
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهي مكية، قاله ابن عباس وقتادة وأبو العالية، وقيل: مدنية، قاله أبو هريرة ومجاهد وعطاء بن يسار والزهري، ويقال: نزلت مرتين: مرة بمكة ومرة بالمدينة، والأول أشبه؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ [الحجر:٨٧]، والله تعالى أعلم].
الراجح أنها نزلت بمكة، ولا يبعد أن تكون نزلت مرتين: مرة بمكة ومرة بالمدينة؛ لعظم شأنها، فهي أعظم سورة في القرآن، ولم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور مثلها، فجميع ما في الكتب المنزلة من المعاني جمعت في القرآن، وجميع ما في القرآن جمع في الفاتحة، وجميع ما في الفاتحة جمع في قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة:٥].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وحكى أبو الليث السمرقندي: أن نصفها نزل بمكة ونصفها الآخر نزل بالمدينة، وهو غريب جداً، نقله القرطبي عنه].
إذاً: ففي مكان نزولها أقوال، فقيل: نزلت بمكة، وقيل: نزلت بالمدينة، وقيل: نزلت مرتين، وقيل: نزل نصفها بمكة ونزل نصفها الآخر بالمدينة، وهذا قول غريب كما ذكر المؤلف ﵀.
стр. 29
عدد آياتها
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهي سبع آيات بلا خلاف، وقال عمرو بن عبيد: ثمان، وقال حسين الجعفي: ست، وهذان القولان شاذان].
صدق ﵀! فهذان القولان شاذان لا يعول عليهما، والصواب أنها سبع آيات، وهذا كالإجماع من العلماء أنها سبع آيات، والصواب أنها سبع آيات بغير البسملة، فالآية الأولى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:١]، والآية الثانية: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:٢]، والآية الثالثة: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٣]، والآية الرابعة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٤]، والآية الخامسة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٥]، والآية السادسة: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة:٦]، والآية السابعة: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧]، فهذا هو الصواب من أقوال أهل العلم، وقال بعض أهل العلم: إن البسملة هي الآية الأولى، وجعلوا: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧] آية واحدة، أي: جعلوا الآيتين السادسة والسابعة آية واحدة، وهذا قول مرجوح، ويدل على الأول قول الله تعالى في الحديث القدسي: (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فإذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:١]) ولم يقل: فإذا قال العبد: بسم الله الرحمن الرحيم، بل ابتدأ بالحمد.
وهذا على خلاف ما هو موجود الآن في المصاحف، فالموجود الآن في المصاحف هو جعل البسملة الآية الأولى.
والصواب أن البسملة آية مستقلة في أول كل سورة، فليست من الفاتحة ولا من غيرها.
وقال بعضهم: إنها آية من أول كل سورة، وهذا قول مرجوح، وهي بعض آية من سورة النمل بالإجماع، وذلك قوله: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل:٣٠]، فالصواب أنها سبع آيات بدون البسملة، وأما القول بأنها ست أو ثمان فهو قول شاذ لا يعول عليه، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر:٨٧].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإنما اختلفوا في البسملة هل هي آية مستقلة من أولها كما هو عند جمهور قراء الكوفة، وقول جماعة من الصحابة والتابعين وخلق من الخلف، أو بعض آية، أو لا تعد من أولها بالكلية كما هو قول أهل المدينة من القراء والفقهاء، على ثلاثة أقوال سيأتي تقريرها في موضعه إن شاء الله تعالى، وبه الثقة].
стр. 30
كلماتها وحروفها
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قالوا: وكلماتها خمس وعشرون كلمة، وحروفها مائة وثلاثة عشر حرفاً].
أي: لابد من الإتيان بالكلمات والحروف، فإذا أسقط حرفاً منها لم تصح الصلاة، وفيها إحدى عشرة شدة وهي في المواضع التالية: ((لِلَّهِ))، ((رَبِّ))، ((الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ))، ((الدِّينِ))، ((إِيَّاكَ))، ((وَإِيَّاكَ))، ((الصِّرَاطَ))، ((الَّذِينَ))، ((وَلا الضَّالِّينَ))، وفيها شدتان، فلابد من الإتيان بالشدات، ولابد من الإتيان بالحروف، وكذلك إذا قرأ قراءة يلحن فيها لحناً يخل بالمعنى، كما يقرأ بعضهم: إياكِ نعبد بكسر الكاف، فإن الصلاة تبطل، كذلك إذا قرأ: أهدنا الصراط من الهديّة، تغير المعنى وبطلت صلاته، وكذا إذا قرأ: أنعمتُ فأضاف الضمير إلى نفسه، وأما إذا كان اللحن لا يغير المعنى فلا تبطل الصلاة، كما يقرأ بعض العامة: الحمد لله ربَّ العالمين بفتح الباء، أو يقرأ: مالك يومَ الدين، بفتح الميم، أو يقرأ: صراط الذين أنعمتَ عليهُم بضم الهاء، فهذا لحن، لكنه لا يغير المعنى.
وأما الضاد والظاء فسيأتي كلام المؤلف ﵀، وفيه أنه يتساهل فيهما لقرب مخرجهما، فإذا نطق الضاد ظاءً صحت الصلاة كما سينبه المؤلف عليه.
стр. 31
سبب تسميتها بأم الكتاب وأم القرآن ونحوهما
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال البخاري في أول كتاب التفسير: وسميت أم الكتاب؛ لأنه يبدأ بكتابتها في المصاحف، ويبدأ بقراءتها في الصلاة، وقيل: إنما سميت بذلك لرجوع معاني القرآن كله إلى ما تضمنته.
قال ابن جرير: والعرب تسمي كل جامع أمر أو مقدم لأمر إذا كانت له توابع تتبعه هو لها إمام جامع أماً].
يعني: أن العرب تسمي الشيء الذي له أصل وله توابع تسميه أمَّاً، وسميت الأم أماً لأن الطفل يرجع ويئول إليها، فكذلك الفاتحة تسمى أم القرآن؛ لأن معاني القرآن ترجع إليها، ومكة تسمى أم القرى؛ لأن القرى ترجع إليها.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فتقول للجلدة التي تجمع الدماغ أم الرأس، ويسمون لواء الجيش ورايتهم التي يجتمعون تحتها أماً، واستشهد بقول ذي الرمة: على رأسه أم لنا نقتدي بها جماع أمور ليس نعصي لها أمرا يعني: الرمح.
قال: وسميت مكة أم القرى؛ لتقدمها أمام جميعها، وجمعها ما سواها، وقيل: لأن الأرض دحيت منها.
ويقال لها أيضاً: الفاتحة؛ لأنها تفتتح بها القراءة، وافتتحت الصحابة بها كتابة المصحف الإمام، وصح تسميتها بالسبع المثاني، قالوا: لأنها تثنى في الصلاة، فتقرأ في كل ركعة، وإن كان للمثاني معنى آخر غير هذا، كما سيأتي بيانه في موضعه إن شاء الله تعالى.
قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون أنبأنا ابن أبي ذئب، وهاشم بن هاشم عن ابن أبي ذئب عن المقبري عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال في أم القرآن: (هي أم القرآن، وهي السبع المثاني، وهي القرآن العظيم)، ثم رواه عن إسماعيل بن عمر عن ابن أبي ذئب به.
وقال أبو جعفر محمد بن جرير الطبري: حدثني يونس بن عبد الأعلى أنبأنا ابن وهب أخبرني ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: (هي أم القرآن، وهي فاتحة الكتاب، وهي السبع المثاني).
وقال الحافظ أبو بكر أحمد بن موسى بن مردويه في تفسيره: حدثنا أحمد بن محمد بن زياد حدثنا محمد بن غالب بن حارث حدثنا إسحاق بن عبد الواحد الموصلي حدثنا المعافى بن عمران عن عبد الحميد بن جعفر عن نوح بن أبي بلال عن المقبري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (الحمد لله رب العالمين سبع آيات، بسم الله الرحمن الرحيم إحداهن، وهي السبع المثاني والقرآن العظيم، وهي أم الكتاب وفاتحة الكتاب)، وقد رواه الدارقطني أيضاً عن أبي هريرة مرفوعاً بنحوه أو مثله، وقال: كلهم ثقات].
وعلى هذا تكون البسملة أول آية في الفاتحة، لكن الصحيح أنها سبع آيات بدون البسملة كما سبق.
وعلى هذا من قال: إن البسملة ليست آية من الفاتحة تكون قراءتها عنده سنة وليست بواجبة، فمن تركها صحت الصلاة، وأما على القول بأنها آية من سورة الفاتحة فإنها تكون واجبة.
والمعروف عند العلماء أن الاستفتاح والتعوذ والبسملة من سنن الصلاة، والواجب هو قراءة الفاتحة فقط.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وروى البيهقي عن علي وابن عباس وأبي هريرة ﵃ أنهم فسروا قوله تعالى: ﴿سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ [الحجر:٨٧] بالفاتحة، وأن البسملة هي الآية السابعة منها، وسيأتي تمام هذا عند البسملة، وقد روى الأعمش عن إبراهيم قال: قيل لـ ابن مسعود: لم لم تكتب الفاتحة في مصحفك؟ فقال: لو كتبتها لكتبتها في أول كل سورة، قال أبو بكر بن أبي داود: يعني: حيث يقرأ في الصلاة، قال: واكتفيت بحفظ المسلمين لها عن كتابتها.
وقد قيل: إن الفاتحة أول شيء أنزل من القرآن، كما ورد في حديث رواه البيهقي في دلائل النبوة، ونقله الباقلاني أحد أقوال ثلاثة، وقيل ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر:١] كما في حديث جابر في الصحيح، وقيل: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق:١]، وهذا هو الصحيح كما سيأتي تقريره في موضعه والله المستعان].
هذا هو الصواب كما ثبت في البخاري أن أول ما نزل: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق:١]، ثم نزل بعد ذلك: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ﴾ [المدثر:١ - ٢]، فبنزول (اقرأ) صار ﷺ نبياً، وبنزول (المدثر) صار رسولاً ﵊، ولهذا قال العلماء: نبئ باقرأ، وأرسل بالمدثر.
стр. 32
فضلها
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر ما ورد في فضل الفاتحة.
قال الإمام أحمد بن محمد بن حنبل رحمه الله تعالى في مسنده: حدثنا يحيى بن سعيد عن شعبة حدثني خبيب بن عبد الرحمن عن حفص بن عاصم عن أبي سعيد بن المعلى ﵁ قال: (كنت أصلي فدعاني رسول الله ﷺ فلم أجبه حتى صليت، قال: فأتيته فقال: ما منعك أن تأتيني؟ قال: قلت: يا رسول الله إني كنت أصلي، قال: ألم يقل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال:٢٤]، ثم قال: لأعلمنك أعظم سورة في القرآن قبل أن تخرج من المسجد، قال: فأخذ بيدي فلما أراد أن يخرج من المسجد، قلت: يا رسول الله! إنك قلت: لأعلمنك أعظم سورة في القرآن، قال: نعم ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته)، وهكذا رواه البخاري عن مسدد وعلي بن المديني كلاهما عن يحيى بن سعيد القطان به، ورواه في موضع آخر من التفسير، وأبو داود والنسائي وابن ماجة من طرق عن شعبة به].
هذا صريح في أن الفاتحة أعظم سورة في القرآن، وأعظم آية هي آية الكرسي.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ورواه الواقدي عن محمد بن معاذ الأنصاري عن خبيب بن عبد الرحمن عن حفص بن عاصم عن أبي سعيد بن المعلى عن أبي بن كعب فذكر نحوه.
وقد وقع في الموطأ للإمام مالك بن أنس ﵀ ما ينبغي التنبيه عليه، فإنه رواه مالك عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب الحرقي أن أبا سعيد مولى ابن عامر بن كريز أخبرهم: (أن رسول الله ﷺ نادى أبي بن كعب وهو يصلي في المسجد، فلما فرغ من صلاته لحقه، قال: فوضع النبي ﷺ يده على يدي، وهو يريد أن يخرج من باب المسجد، ثم قال ﷺ : إني لأرجو ألا تخرج من باب المسجد حتى تعلم سورة ما أنزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في القرآن مثلها، قال أبي ﵁: فجعلت أبطيء في المشي رجاء ذلك، ثم قلت: يا رسول الله! ما السورة التي وعدتني؟ قال: كيف تقرأ إذا افتتحت الصلاة؟ قال: فقرأت عليه: ((الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)) [الفاتحة:٢] حتى أتيت على آخرها، فقال رسول الله ﷺ : هي هذه السورة، وهي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أعطيت)، فـ أبو سعيد هذا ليس بـ أبي سعيد بن المعلى كما اعتقده ابن الأثير في جامع الأصول ومن تبعه، فإن ابن المعلى صحابي أنصاري، وهذا تابعي من موالي خزاعة، وذاك الحديث متصل صحيح، وهذا ظاهره أنه منقطع إن لم يكن سمعه أبو سعيد هذا من أبي بن كعب، فإن كان قد سمعه منه فهو على شرط مسلم والله أعلم، على أنه قد روي عن أبي بن كعب من غير وجه، كما قال الإمام أحمد: حدثنا عفان حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم حدثنا العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: (خرج رسول الله ﷺ على أبي بن كعب وهو يصلي، فقال: يا أبي! فالتفت ثم لم يجبه، ثم قال أبي: فخفف أبي، ثم انصرف إلى رسول الله ﷺ ، فقال: السلام عليك أي رسول الله! فقال: وعليك السلام، ما منعك أي أبي إذ دعوتك أن تجيبني؟ فقال: أي رسول الله! كنت في الصلاة، قال: أولست تجد فيما أوحى الله تعالى إلي: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال:٢٤]، قال: بلى يا رسول الله! لا أعود، قال: أتحب أن أعلمك سورة لم تنزل لا في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها؟ قلت: نعم أي رسول الله! قال رسول الله ﷺ : إني لأرجو ألا أخرج من هذا الباب حتى تعلمها، قال: فأخذ رسول الله ﷺ بيدي يحدثني وأنا أتبطأ مخافة أن يبلغ قبل أن يقضي الحديث، فلما دنونا من الباب قلت: أي رسول الله! ما السورة التي وعدتني؟ قال: ما تقرأ في الصلاة؟ قال: فقرأت عليه أم القرآن، قال: والذي نفسي بيده ما أنزل الله في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها إنها السبع المثاني)].
وما بلغت هذه السورة هذه المنزلة إلا لما اشتملت عليه من الإلهيات، وإثبات النبوة، والتوحيد والمعاد، وإخلاص العبادة لله ، والرد على أهل البدع، وتقسيم الناس إلى الذين أنعم الله عليهم، والمغضوب عليهم، والضالين.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ورواه الترمذي عن قتيبة عن الدراوردي عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ فذكره، وعنده: (أنها من السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أعطيته)، ثم قال: هذا حديث حسن صحيح].
المعروف في الأحاديث: (أنها السبع المثاني) ولعل (من) زائدة.
وفي الحديث السابق: أن النبي ﷺ قال له: (ألم يقل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال:٢٤])، ففيه دليل على إجابة الرسول ﷺ ولو في الصلاة، وهذا مستثنى بنص الآية.
وكذلك إذا كان في صلاة النفل ودعاه والداه أو أحدهما وكان يعلم أنهما لا يغضبان ولا يتأثران بذلك فيكمل صلاته، وأما إذا كان يعلم أنهما يتأثران فيجيبهما ويقطع الصلاة؛ لأنها صلاة نفل وإجابة الوالدين واجبة، وأما الفريضة فلا.
ومعروف قصة جريج كما في الصحيحين: (كان جريج راهباً عابداً في صومعة، فجاءت أمه تناديه، فقال: رب! أمي وصلاتي، فلم يجبها، ثم جاءت مرة أخرى ونادت: يا جريج! فقال: رب! أمي وصلاتي، فاشتغل بالصلاة وقدم الصلاة ولم يجبها، ثم نادت في الثالثة قالت: يا جريج! قال: رب! أمي وصلاتي، فلم يجبها، فدعت عليه قالت: اللهم لا تمته حتى ينظر إلى وجوه المومسات -يعني: الزانيات والعياذ بالله-، فاستجاب الله دعاء أمه، فجاءت امرأة بغي حول صومعته ومكنت نفسها من راعي غنم حتى حملت، فلما ولدت جاءوا إليها، فقالت: إنه ابن جريج، فجاءوا وأنزلوه من صومعته وهدموا صومعته، قال: ما شأنكم؟ قالوا: زنيت بهذه البغي وجاءت بهذا الولد منك، قال: أين الغلام؟ فأتوا بالغلام، فتوضأ وصلى ثم طعن في بطن الغلام بأصبعه وقال: يا غلام من أبوك؟ فقال: فلان الراعي، فاعتذروا إليه وقالوا: نبني صومعتك من ذهب، فقال: لا، أعيدوها كما كانت من طين)، فالمقصود أن الله استجاب دعوة أمه، فنظر إلى وجه المومسة المرأة البغي هذه، وهذا يدل على أن حق الوالد عظيم وأنه لا ينبغي أن يفرط فيه.
وإجابة الرسول ﵊ أولى من إجابة الوالد؛ لأن الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال:٢٤].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وفي الباب عن أنس بن مالك، ورواه عبد الله بن الإمام أحمد عن إسماعيل بن أبي معمر عن أبي أسامة عن عبد الحميد بن جعفر عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ عن أبي بن كعب ﵁ فذكره مطولاً بنحوه أو قريباً منه، وقد رواه الترمذي والنسائي جميعاً عن أبي عمار حسين بن حريث عن الفضل بن موسى عن عبد الحميد بن جعفر عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ : (ما أنزل الله في التوراة ولا في الإنجيل مثل أم القرآن، وهي السبع المثاني، وهي مقسومة بيني وبين عبدي نصفين)، هذا لفظ النسائي، وقال الترمذي: حديث حسن غريب].
ومعنى كونها نصفين أن نصفها الأول ثناء، ونصفها الأخير دعاء وسؤال، فنصفها الأول لله ونصفها الثاني للعبد.
стр. 33
أقوال العلماء في تفاضل سور القرآن وآياته
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن عبيد حدثنا هاشم -يعني ابن البريد - حدثنا عبد الله بن محمد بن عقيل عن ابن جابر قال: (انتهيت إلى رسول الله ﷺ وقد أهراق الماء، فقلت: السلام عليك يا رسول الله! فلم يرد علي، قال: فقلت: السلام عليك يا رسول الله! فلم يرد علي، قال: فقلت: السلام عليك يا رسول الله! فلم يرد علي قال: فانطلق رسول الله ﷺ يمشي وأنا خلفه، حتى دخل رحله، ودخلت أنا المسجد، فجلست كئيباً حزيناً فخرج علي رسول الله ﷺ وقد تطهر، فقال: عليك السلام ورحمة الله وبركاته وعليك السلام ورحمة الله وبركاته وعليك السلام ورحمة الله، ثم قال: ألا أخبرك يا عبد الله بن جابر بأخير سورة في القرآن؟ قلت: بلى يا رسول الله! قال: اقرأ الحمد لله رب العالمين حتى تختمها)، هذا إسناد جيد، وابن عقيل هذا يحتج به الأئمة الكبار].
هذا الحديث ضعيف، سببه عبد الله بن محمد بن عقيل وهو سيء الحفظ، وفي متنه غرابة من جهة كون النبي ﷺ لا يرد السلام على عبد الله بن جابر من أجل أنه لم يكن على طهارة، فقد جاء في حديث آخر: (أن النبي ﷺ سلم عليه مهاجر بن قنفذ فاستقبل الجدار وحكه وتيمم ثم رد ﵇، وقال: حرصت ألا أذكر الله إلا على طهر)، وهذا من باب الاستحباب، وكذلك كون الرسول ﷺ يرد السلام ثلاث مرات: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، وعليك السلام ورحمة الله، وهذا غير معروف في الأحاديث.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وعبد الله بن جابر هذا الصحابي، ذكر ابن الجوزي أنه هو العبدي والله أعلم.
ويقال: إنه عبد الله بن جابر الأنصاري البياضي فيما ذكره الحافظ ابن عساكر.
واستدلوا بهذا الحديث وأمثاله على تفاضل بعض الآيات والسور على بعض كما هو المحكي عن كثير من العلماء منهم: إسحاق بن راهويه وأبو بكر بن العربي وابن الحصار من المالكية].
الصواب أن القرآن يتفاضل، فبعضه أفضل من بعض، ومما يدل على ذلك أن آية الكرسي أفضل آية في القرآن، وسورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن، وسورة ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون:١] تعدل ربع القرآن، وسورة الزلزلة تعدل ربع القرآن، فكلام الله يتفاضل، وبعضه أفضل من بعض.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وذهبت طائفة أخرى إلى أنه لا تفاضل في ذلك؛ لأن الجميع كلام الله، ولئلا يوهم التفضيل نقص المفضل عليه، وإن كان الجميع فاضلاً، نقله القرطبي عن الأشعري وأبي بكر الباقلاني وأبي حاتم بن حبان البستي وأبي حيان ويحيى بن يحيى، ورواية عن الإمام مالك أيضاً].
هذا القول ضعيف، وهو خلاف النصوص، والصواب الذي دلت عليه النصوص هو القول الأول: أنه يتفاضل.
стр. 34
تابع ما ورد في فضل سورة الفاتحة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حديث آخر: قال البخاري في فضائل القرآن: حدثنا محمد بن المثنى حدثنا وهب حدثنا هشام عن محمد عن معبد عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (كنا في مسير لنا فنزلنا، فجاءت جارية فقالت: إن سيد الحي سليم، وإن نفرنا غيب، فهل منكم راقٍ؟ فقام معها رجل ما كنا نأبنه برقية)].
(سليم) يعني: لديغ، وهذا من باب التفاؤل له بالسلامة.
(وإن نفرنا غيب) أي: ما عندنا أحد من الرجال، فهي تطلب منهم أن يعالجوه.
(فقام معها رجل ما كنا نأبنه برقية) أي: ما كان يعرف أنه قارئ، أو ما يعرفون أنه يحفظ شيئاً من القرآن.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [(فرقاه فبرأ، فأمر له بثلاثين شاة، وسقانا لبناً، فلما رجع قلنا له: أكنت تحسن رقية أو كنت ترقي؟ قال: لا، ما رقيت إلا بأم الكتاب، قلنا: لا تحدثوا شيئاً حتى نأتي ونسأل رسول الله ﷺ ، فلما قدمنا المدينة ذكرناه للنبي ﷺ ، فقال: وما كان يدريه أنها رقية؟! اقسموا واضربوا لي بسهم)].
يعني: فعل النبي ﷺ ذلك من باب تطييب خواطرهم نفوسهم؛ ليعلموا أنها حل وأنها مباح، فقد شكوا وتوقفوا، فبين لهم أن هذا لا بأس به.
وفيه أيضاً دليل على أنه لا بأس بأخذ الأجرة على القراءة في الرقية، وهنا أمر مهم وهو أنه لا ينبغي التوسع في هذا؛ لأن الأصل هو أن يقرأ على المريض وينفث، أو يقرأ في ماء كما جاء في سنن أبي داود، وأما ما يفعله بعض القراء من قراءته في زجاجات الصحة ويأخذ عليها أجرة كبيرة أو ما أشبه ذلك فهذا غلط، وبعضهم يقرأ في خزان وهذا توسع لا وجه له.
لكن إذا قرأ على المريض وأخذ أجرة معقولة فهذا لا بأس به إن احتاج إلى ذلك، وأما كونه يستغل حاجة الناس ويقرأ في زجاجات، أو خزان، أو يقرأ على جماعة كثيرين، أو يقرأ بمكبرات الصوت فكل هذا توسع لا أصل له.
فإن قيل: هل يشترط على القارئ ألا يأخذ أجرة على القراءة حتى يشفى المريض الذي قرأ عليه، ويستدل على ذلك بهذا الحديث؟ أقول: لا أعرف في هذا مانعاً، لكن هذا الحديث ليس فيه أنهم اشترطوا أن يشفى.
وكذلك التمائم التي تكتب في ورقة ثم يصورها من يكتبها ويبيعها، فهذا من الشرك ولو كانت من القرآن؛ لحديث: (من تعلق تميمة فلا أتم الله)، إذاً: فالصواب أن التميمة ممنوعة حتى ولو كانت من القرآن؛ لعموم النصوص.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال أبو معمر: حدثنا عبد الوارث حدثنا هشام حدثنا محمد بن سيرين حدثني معبد بن سيرين عن أبي سعيد الخدري بهذا، وهكذا رواه مسلم وأبو داود من رواية هشام، وهو ابن حسان عن ابن سيرين به، وفي بعض روايات مسلم لهذا الحديث: أن أبا سعيد الخدري هو الذي رقى ذلك السليم -يعني: اللديغ- يسمونه بذلك تفاؤلاً.
حديث آخر: روى مسلم في صحيحه والنسائي في سننه من حديث أبي الأحوص سلام بن سليم عن عمار بن زريق عن عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: (بينا رسول الله ﷺ وعنده جبرائيل إذ سمع نقيضاً فوقه، فرفع جبريل بصره إلى السماء فقال: هذا باب قد فتح من السماء ما فتح قط، قال: فنزل منه ملك فأتى النبي ﷺ فقال: أبشر بنورين قد أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، لم تقرأ حرفاً منها إلا أوتيته)، وهذا لفظ النسائي ولـ مسلم نحوه].
стр. 35
تفسير سورة الفاتحة [٢]
قراءة الفاتحة ركن في كل ركعة في الصلاة فرضاً كانت أو نافلة، وسواء أكان المصلي منفرداً أو إماماً أو مأموماً، ولا تصح صلاة لا تقرأ فيها فاتحة الكتاب.
في الراجح من أقوال الفقهاء.
стр. 36
حكم قراءة الفاتحة في الصلاة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حديث آخر: قال مسلم: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي -هو ابن راهويه - حدثنا سفيان بن عيينة عن العلاء يعني ابن عبد الرحمن بن يعقوب الحرقي عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج ثلاثاً غير تمام، فقيل لـ أبي هريرة: إنا نكون خلف الإمام، فقال: اقرأ بها في نفسك، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: قال الله : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل، فإذا قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢]، قال الله: حمدني عبدي، وإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:٣]، قال الله: أثنى عليّ عبدي، فإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤] قال الله: مجدني عبدي، وقال مرة: فوض إلي عبدي، فإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٦ - ٧] قال الله: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل).
وهكذا رواه النسائي عن إسحاق بن راهويه، وقد روياه أيضاً عن قتيبة عن مالك عن العلاء عن أبي السائب مولى هشام بن زهرة عن أبي هريرة، وفي هذا السياق: (فنصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل)، وهكذا رواه ابن إسحاق عن العلاء، وقد رواه مسلم من حديث ابن جريج عن العلاء عن أبي السائب هكذا، ورواه أيضاً من حديث ابن أبي أويس عن العلاء عن أبيه وأبي السائب كلاهما عن أبي هريرة، وقال الترمذي: هذا حديث حسن، وسألت أبا زرعة عنه فقال: كلا الحديثين صحيح، من قال: عن العلاء عن أبيه وعن العلاء عن أبي السائب، وقد روى هذا الحديث عبد الله ابن الإمام أحمد من حديث العلاء عن أبيه، عن أبي هريرة عن أبي بن كعب مطولاً.
وقال ابن جرير: حدثنا صالح بن مسمار المروزي حدثنا زيد بن الحباب حدثنا عنبسة بن سعيد عن مطرف بن طريف عن سعيد بن إسحاق عن كعب بن عجرة عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : (قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين وله ما سأل، فإذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] قال: حمدني عبدي، وإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:٣] قال: أثنى علي عبدي، ثم قال: هذا لي وله ما بقي)، وهذا غريب من هذا الوجه].
стр. 37
الكلام على ما يتعلق بحديث (قسمت الصلاة) مما يختص بالفاتحة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [الكلام على ما يتعلق بهذا الحديث مما يختص بالفاتحة من وجوه: أحدها: أنه قد أطلق فيها لفظ الصلاة والمراد: القراءة، كقوله تعالى: ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء:١١٠] أي: بقراءتك كما جاء مصرحاً به في الصحيح عن ابن عباس].
قلت: جاء في الصحيح أنها نزلت والنبي ﷺ بمكة قبل الهجرة، وكان إذا رفع صوته بالقراءة سب المشركون القرآن ومن أنزله، وإذا خفض صوته بالقراءة لم يسمعه أصحابه، فأنزل الله: ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ﴾ يعني: بقراءتك؛ لئلا يسب المشركون الرب، ﴿وَلا تُخَافِتْ بِهَا﴾؛ لئلا تخفي ذلك عن أصحابك، ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ يعني: بين الجهر وبين الإخفاء.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهكذا قال في هذا الحديث: (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فنصفها لي ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل)، ثم بين تفصيل هذه القسمة في قراءة الفاتحة، فدل على عظمة القراءة في الصلاة، وأنها من أكبر أركانها إذا أطلقت العبادة وأريد بها جزء واحد منها وهو القراءة، كما أطلق لفظ القراءة والمراد به الصلاة في قوله: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء:٧٨]].
والمراد بقوله تعالى: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ يعني: وقت صلاة الفجر، وسمى صلاة الفجر قرآناً؛ لأن أعظم أركانها القراءة، وكذا العكس نطلق الصلاة على القرآن، كما في حديث: (قسمت الصلاة) يعني: القراءة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والمراد صلاة الفجر كما جاء مصرحاً به في الصحيحين: (أنه يشهدها ملائكة الليل وملائكة النهار) فدل ذلك كله على أنه لابد من القراءة في الصلاة، وهو اتفاق من العلماء، ولكن اختلفوا في مسألة نذكرها في الوجه الثاني؛ وذلك أنه هل يتعين للقراءة في الصلاة غير فاتحة الكتاب أم تجزئ هي أو غيرها؟ على قولين مشهورين: فعند أبي حنيفة ومن وافقه من أصحابه وغيرهم أنها لا تتعين، بل مهما قرأ به من القرآن أجزأه في الصلاة].
وهذا القول ضعيف، والصواب أنه لابد من قراءة الفاتحة ولا يقوم غيرها مقامها، وأما ما زاد عليها فغير واجب.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [واحتجوا بعموم قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل:٢٠]، وبما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة في قصة المسيء في صلاته، أن رسول الله ﷺ قال له: (إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن) قالوا: فأمره بقراءة ما تيسر ولم يعين له الفاتحة ولا غيرها، فدل على ما قلنا.
].
قلت: هذا الاستدلال يجاب عنه: بأن قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل:٢٠] مجمل، وحديث المسيء في صلاته مجمل، وقد بينتهما الأحاديث الصحيحة: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب).
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والقول الثاني: أنه تتعين قراءة الفاتحة في الصلاة ولا تجزئ الصلاة بدونها، وهو قول بقية الأئمة: مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وأصحابهم وجمهور العلماء، واحتجوا على ذلك بهذا الحديث المذكور حيث قال صلوات الله وسلامه عليه: (من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج)، والخداج هو الناقص كما فسر به في الحديث: (غير تمام).
واحتجوا أيضاً بما ثبت في الصحيحين من حديث الزهري عن محمود بن الربيع عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ : (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)، وفي صحيح ابن خزيمة وابن حبان عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن)، والأحاديث في هذا الباب كثيرة، ووجه المناظرة هاهنا يطول ذكره، وقد أشرنا إلى مأخذهم في ذلك ﵏.
ثم إن مذهب الشافعي وجماعة من أهل العلم أنها تجب قراءتها في كل ركعة، وقال آخرون: إنما تجب قراءتها في معظم الركعات، وقال الحسن وأكثر البصريين: إنما تجب قراءتها في ركعة واحدة من الصلوات أخذاً بمطلق الحديث: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)].
قلت: الصواب أنها ركن في كل ركعة للإمام والمنفرد، فأما المأموم ففيه خلاف، لكن الإمام والمنفرد يجب عليه أن يقرأ الفاتحة في كل ركعة، ولا تصح الصلاة إلا بقراءتها في كل ركعة، فهذا هو الصواب الذي تدل عليه النصوص.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري والأوزاعي: لا تتعين قراءتها، بل لو قرأ بغيرها أجزأه؛ لقوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل:٢٠]، والله أعلم.
وقد روى ابن ماجة من حديث أبي سفيان السعدي عن أبي نضرة عن أبي سعيد مرفوعاً: (لا صلاة لمن لم يقرأ في كل ركعة بالحمد وسورة في فريضة أو غيرها) وفي صحة هذا نظر، وموضع تحرير هذا كله في كتاب (الأحكام الكبير)، والله أعلم].
كتاب (الأحكام الكبير) هو للمؤلف ﵀.
فحديث: (لا صلاة لمن لم يقرأ في كل ركعة بالحمد وسورة في فريضة أو غيرها) هو كما قال المؤلف: في صحته نظر؛ لأنه لا يتعين إلا الفاتحة.
وأما بالنسبة للإمام والمنفرد فإنه يجب قراءة الفاتحة عليهما، وأما المأموم ففيه خلاف، وهناك عدة أقوال: الأول: ذهب الجمهور إلى أن المأموم تسقط عنه، وأن قراءة الإمام قراءة له.
وقيل: إنها مستثناة، ويستدلون بقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف:٢٠٤]، قال الإمام ابن حجر: أجمع العلماء على أنها نازلة في الصلاة، وبما ثبت في صحيح مسلم: (وإذا قرأ فأنصتوا)، قالوا: فهذا يدل على أن المأموم لا يقرأ الفاتحة.
القول الثاني لأهل العلم: أن المأموم يقرؤها وأنها لا تسقط عنه، فإن كان للإمام سكتات قرأها في السكتات.
وأجابوا عن قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾ [الأعراف:٢٠٤] بأنها عامة، وأجابوا عن حديث: (إذا قرأ فأنصتوا) بأنه يستثنى منه الفاتحة؛ لقوله ﷺ : (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)، وهذا عام يشمل الإمام والمنفرد والمأموم، ولقوله ﷺ : (لعلكم تقرءون خلف إمامكم؟ قالوا: نعم يا رسول الله! قال: لا تفعلوا إلا بأم القرآن؛ فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها).
فإن قيل: إذا جاء المأموم والإمام يقرأ في السورة التي بعد الفاتحة فهل يشرع له الاستفتاح؟
الجواب
لا؛ لأن الاستفتاح سنة، وقد فات محله، وإنما يقتصر على الواجب وهو الفاتحة، وإذا جاء والإمام راكع سقطت عنه لحديث أبي بكرة: (أنه لما جاء والنبي راكع ركع دون الصف، ثم دب حتى دخل في الصف، فلما سلم قال له النبي ﷺ : زادك الله حرصاً ولا تعد) ولم يأمره بإعادة الركعة، فدل هذا على أن المأموم إذا جاء والإمام راكع تسقط عنه الفاتحة، وكذلك إذا لم يتمكن من قراءتها.
أما البخاري وجماعة فيرون أنها لا تسقط بكل حال، حتى لو جاء والإمام راكع فإنه يقضي هذه الركعة؛ لعموم حديث: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) وقد ألف البخاري جزءاً في هذا سماه (جزء القراءة).
كذلك إذا كان الإمام يطيل الاستفتاح فإنه يشرع للمأموم أن يقرأ الفاتحة أثناء ذلك، ولا يعد ذلك مسابقة؛ لأن المسابقة تكون في الركوع والسجود لا في القراءة.
стр. 38
حكم قراءة المأموم للفاتحة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [الوجه الثالث: هل تجب قراءة الفاتحة على المأموم؟ فيه ثلاثة أقوال للعلماء: أحدها: أنه تجب عليه قراءتها كما تجب على إمامه؛ لعموم الأحاديث المتقدمة.
والثاني: لا تجب على المأموم قراءة بالكلية لا الفاتحة ولا غيرها لا في صلاة الجهرية ولا في صلاة السرية؛ لما رواه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ أنه قال: (من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة)، ولكن في إسناده ضعف، ورواه مالك عن وهب بن كيسان عن جابر من كلامه، وقد روي هذا الحديث من طرق ولا يصح شيء منها عن النبي ﷺ ، والله أعلم.
والقول الثالث: أنه تجب القراءة على المأموم في السرية لما تقدم، ولا يجب ذلك في الجهرية؛ لما ثبت في صحيح مسلم عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : (إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا)، وذكر بقية الحديث، وهكذا رواه بقية أهل السنن: أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: (وإذا قرأ فأنصتوا)، وقد صححه مسلم بن الحجاج أيضاً، فدل هذان الحديثان على صحة هذا القول، وهو قول قديم للشافعي ﵀، والله أعلم، ورواية عن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى.
والغرض من ذكر هذه المسائل هاهنا بيان اختصاص سورة الفاتحة بأحكام لا تتعلق بغيرها من السور].
إذاً: هنا ثلاثة أقوال: تجب مطلقاً في السرية والجهرية، لا تجب مطلقاً في السرية والجهرية، تجب في السرية دون الجهرية، وأيضاً هناك قول رابع: وهو أنها تجب على من أدرك الإمام راكعاً، والصواب أنها واجبة مطلقاً في السرية والجهرية، وهي مستثناة من قوله: (وإذا قرأ فأنصتوا)، ومستثناة أيضاً من قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾ [الأعراف:٢٠٤]، كما سبق في الحديث قال: (يا أبا هريرة إني أكون خلف الإمام؟ فقال له أبو هريرة: اقرأ بها في نفسك يا فارسي!).
فـ أبو هريرة ﵁ اختار هذا القول، وهو أنها واجبة على المأموم مطلقاً في السرية والجهرية.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري حدثنا غسان بن عبيد عن أبي عمران الجوني عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا وضعت جنبك على الفراش وقرأت فاتحة الكتاب و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] فقد أمنت من كل شيء إلا الموت)].
وهذا في صحته نظر؛ لأن المعروف أن آية الكرسي هي التي تقرأ عند النوم وكذلك الذكر المعروف، وأما قراءة الفاتحة عند النوم ففي صحة ذلك نظر.
стр. 39
تفسير سورة الفاتحة [٣]
الاستعاذة هي طلب العوذ والالتجاء إلى الله تعالى مما يخافه الإنسان، وقد ورد الأمر بالاستعاذة في عدة آيات في القرآن، ولها أحكام من حيث مكانها، ومن حيث سببها.
стр. 40
تفسير الاستعاذة وأحكامها
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [تفسير الاستعاذة وأحكامها.
قال الله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ * وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف:١٩٩ - ٢٠٠]، وقال تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ * وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ [المؤمنون:٩٦ - ٩٨]، وقال تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [فصلت:٣٤ - ٣٦].
فهذه ثلاث آيات ليس لهن رابعة في معناها].
هذه الآيات في سورة الأعراف, وفي سورة حم السجدة، والثالثة في سورة المؤمنون.
فقوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ * وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف:١٩٩ - ٢٠٠]].
فهذا أمر بالاستعاذة بالله من الشيطان.
وقال تعالى ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون:٩٦]، ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ [المؤمنون:٩٨].
وهذه هي الآية الثانية، وهي في سورة المؤمنون، والشاهد: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾ [المؤمنون:٩٧].
وقال تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [فصلت:٣٤ - ٣٦].
وهذه الآية الثالثة في سورة فصلت.
قوله: [فهذه ثلاث آيات ليس لهن رابعة في معناها.
وهو أن الله تعالى يأمر بمصانعة العدو الإنسي والإحسان إليه؛ ليرده عنه طبعه الطيب الأصل إلى الموالاة والمصافاة، ويأمر بالاستعاذة به من العدو الشيطاني لا محالة، إذ لا يقبل مصانعة ولا إحساناً، ولا يبتغي غير هلاك ابن آدم لشدة العداوة بينه وبين أبيه آدم من قبل كما قال تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف:٢٧].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر:٦]].
فالعدو للإنسان نوعان: عدو من الإنس، وعدو من الجن, فعدو الإنس تتخلص منه بالإحسان والمصانعة, وتحسن إليه بالكلام, فإذا تكلم عليك بالسب والشتام ترد عليه رداً طيباً, وكذلك إذا آذاك بالفعل أو بالقول تصانعه، وتهدي إليه هدية فيزول شره عنك, وتنقلب عداوته صداقة في الغالب كما قال سبحانه: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت:٣٤] أي: إذا دفعت بالتي هي أحسن انقلب الذي بينك وبينه عداوة إلى صداقة، وصار كأنه ولي حميم، أي: كأنه صديق قوي الصداقة.
وأما الشيطان فلا حيلة فيه، فلا تنفع فيه المصالحة، ولا ينفع فيه الكلام الطيب, ولهذا يلجأ العبد إلى الاستعاذة بالله منه، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [فصلت:٣٦]، فالعدو من الإنس تنفع فيه المصانعة، والكلام الطيب، والإحسان والهدية, فطبعه الخير وأصله الخير, فيرجع إلى أصله، لكن إذا قابلته بالمثل زادت العداوة وزاد الشر وآذاك؛ ولهذا قال : ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت:٣٤]، ثم قال: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ [فصلت:٣٥] أي: لا يستطيع هذا ولا يقوى عليه إلا الموفق من أهل الصبر وأهل الحظوظ العظيمة, أما العدو من الجن فلا حيلة فيه، ولا ينفع فيه المصانعة ولا الكلام الطيب ولا الهدية، لأن العداوة شديدة وقديمة؛ ولهذا لا ينفع إلا الالتجاء إلى الله والاستعاذة بالله من شره فتقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم, يعني: ألوذ والتجئ وأعتصم بك يا الله من شر هذا الشيطان العدو اللدود الذي يريد أن يفسد علي ديني؛ فلهذا أمر العبد بأن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم عند تلاوة القرآن؛ لأن الشيطان يحرص على الإنسان عند فعل الخير.
قوله: [وقال: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف:٥٠]، وقد أقسم للوالد آدم ﵇ إنه له لمن الناصحين وكذب، فكيف معاملته لنا وقد قال: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص:٨٢ - ٨٣]].
هذا قسم وحلف بعزة الله، فهي صفة من الصفات، فحلف أنه سيغوي بني آدم, وقد أقسم لأبينا إنه ناصح وصادق، وقد كذب وأوقعه في المعصية، وكذلك ذرية آدم أقسم بالله ليغوينهم, وقال: ﴿لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٦٢]، وقال: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص:٨٢] ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الحجر:٤٠]، فالعداوة قديمة وليس هناك حيلة في المصالحة أبداً مع الشيطان, وليس هناك طريق للمصالحة, فالعداوة مستمرة وقديمة, فالإنسان عليه أن يأخذ حذره، وأن يستعيذ بالله من شره, وأن يلجأ إلى الله ويعتصم به، ويلوذ بحماه من شر هذا الشيطان, وأما المصالحة معه فغير ممكنة, ولا يمكن المصافاة، وأما العدو الإنسي فيمكن مصالحته، ويمكن مصافاته.
следующие страницы →