Полный текст (873 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
حكم قراءة الفاتحة في الصلاة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حديث آخر: قال مسلم: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي -هو ابن راهويه - حدثنا سفيان بن عيينة عن العلاء يعني ابن عبد الرحمن بن يعقوب الحرقي عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج ثلاثاً غير تمام، فقيل لـ أبي هريرة: إنا نكون خلف الإمام، فقال: اقرأ بها في نفسك، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: قال الله : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل، فإذا قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢]، قال الله: حمدني عبدي، وإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:٣]، قال الله: أثنى عليّ عبدي، فإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤] قال الله: مجدني عبدي، وقال مرة: فوض إلي عبدي، فإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٦ - ٧] قال الله: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل).
وهكذا رواه النسائي عن إسحاق بن راهويه، وقد روياه أيضاً عن قتيبة عن مالك عن العلاء عن أبي السائب مولى هشام بن زهرة عن أبي هريرة، وفي هذا السياق: (فنصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل)، وهكذا رواه ابن إسحاق عن العلاء، وقد رواه مسلم من حديث ابن جريج عن العلاء عن أبي السائب هكذا، ورواه أيضاً من حديث ابن أبي أويس عن العلاء عن أبيه وأبي السائب كلاهما عن أبي هريرة، وقال الترمذي: هذا حديث حسن، وسألت أبا زرعة عنه فقال: كلا الحديثين صحيح، من قال: عن العلاء عن أبيه وعن العلاء عن أبي السائب، وقد روى هذا الحديث عبد الله ابن الإمام أحمد من حديث العلاء عن أبيه، عن أبي هريرة عن أبي بن كعب مطولاً.
وقال ابن جرير: حدثنا صالح بن مسمار المروزي حدثنا زيد بن الحباب حدثنا عنبسة بن سعيد عن مطرف بن طريف عن سعيد بن إسحاق عن كعب بن عجرة عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : (قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين وله ما سأل، فإذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] قال: حمدني عبدي، وإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:٣] قال: أثنى علي عبدي، ثم قال: هذا لي وله ما بقي)، وهذا غريب من هذا الوجه].
стр. 37
الكلام على ما يتعلق بحديث (قسمت الصلاة) مما يختص بالفاتحة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [الكلام على ما يتعلق بهذا الحديث مما يختص بالفاتحة من وجوه: أحدها: أنه قد أطلق فيها لفظ الصلاة والمراد: القراءة، كقوله تعالى: ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء:١١٠] أي: بقراءتك كما جاء مصرحاً به في الصحيح عن ابن عباس].
قلت: جاء في الصحيح أنها نزلت والنبي ﷺ بمكة قبل الهجرة، وكان إذا رفع صوته بالقراءة سب المشركون القرآن ومن أنزله، وإذا خفض صوته بالقراءة لم يسمعه أصحابه، فأنزل الله: ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ﴾ يعني: بقراءتك؛ لئلا يسب المشركون الرب، ﴿وَلا تُخَافِتْ بِهَا﴾؛ لئلا تخفي ذلك عن أصحابك، ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ يعني: بين الجهر وبين الإخفاء.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهكذا قال في هذا الحديث: (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فنصفها لي ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل)، ثم بين تفصيل هذه القسمة في قراءة الفاتحة، فدل على عظمة القراءة في الصلاة، وأنها من أكبر أركانها إذا أطلقت العبادة وأريد بها جزء واحد منها وهو القراءة، كما أطلق لفظ القراءة والمراد به الصلاة في قوله: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء:٧٨]].
والمراد بقوله تعالى: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ يعني: وقت صلاة الفجر، وسمى صلاة الفجر قرآناً؛ لأن أعظم أركانها القراءة، وكذا العكس نطلق الصلاة على القرآن، كما في حديث: (قسمت الصلاة) يعني: القراءة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والمراد صلاة الفجر كما جاء مصرحاً به في الصحيحين: (أنه يشهدها ملائكة الليل وملائكة النهار) فدل ذلك كله على أنه لابد من القراءة في الصلاة، وهو اتفاق من العلماء، ولكن اختلفوا في مسألة نذكرها في الوجه الثاني؛ وذلك أنه هل يتعين للقراءة في الصلاة غير فاتحة الكتاب أم تجزئ هي أو غيرها؟ على قولين مشهورين: فعند أبي حنيفة ومن وافقه من أصحابه وغيرهم أنها لا تتعين، بل مهما قرأ به من القرآن أجزأه في الصلاة].
وهذا القول ضعيف، والصواب أنه لابد من قراءة الفاتحة ولا يقوم غيرها مقامها، وأما ما زاد عليها فغير واجب.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [واحتجوا بعموم قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل:٢٠]، وبما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة في قصة المسيء في صلاته، أن رسول الله ﷺ قال له: (إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن) قالوا: فأمره بقراءة ما تيسر ولم يعين له الفاتحة ولا غيرها، فدل على ما قلنا.
].
قلت: هذا الاستدلال يجاب عنه: بأن قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل:٢٠] مجمل، وحديث المسيء في صلاته مجمل، وقد بينتهما الأحاديث الصحيحة: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب).
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والقول الثاني: أنه تتعين قراءة الفاتحة في الصلاة ولا تجزئ الصلاة بدونها، وهو قول بقية الأئمة: مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وأصحابهم وجمهور العلماء، واحتجوا على ذلك بهذا الحديث المذكور حيث قال صلوات الله وسلامه عليه: (من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج)، والخداج هو الناقص كما فسر به في الحديث: (غير تمام).
واحتجوا أيضاً بما ثبت في الصحيحين من حديث الزهري عن محمود بن الربيع عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ : (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)، وفي صحيح ابن خزيمة وابن حبان عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن)، والأحاديث في هذا الباب كثيرة، ووجه المناظرة هاهنا يطول ذكره، وقد أشرنا إلى مأخذهم في ذلك ﵏.
ثم إن مذهب الشافعي وجماعة من أهل العلم أنها تجب قراءتها في كل ركعة، وقال آخرون: إنما تجب قراءتها في معظم الركعات، وقال الحسن وأكثر البصريين: إنما تجب قراءتها في ركعة واحدة من الصلوات أخذاً بمطلق الحديث: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)].
قلت: الصواب أنها ركن في كل ركعة للإمام والمنفرد، فأما المأموم ففيه خلاف، لكن الإمام والمنفرد يجب عليه أن يقرأ الفاتحة في كل ركعة، ولا تصح الصلاة إلا بقراءتها في كل ركعة، فهذا هو الصواب الذي تدل عليه النصوص.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري والأوزاعي: لا تتعين قراءتها، بل لو قرأ بغيرها أجزأه؛ لقوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل:٢٠]، والله أعلم.
وقد روى ابن ماجة من حديث أبي سفيان السعدي عن أبي نضرة عن أبي سعيد مرفوعاً: (لا صلاة لمن لم يقرأ في كل ركعة بالحمد وسورة في فريضة أو غيرها) وفي صحة هذا نظر، وموضع تحرير هذا كله في كتاب (الأحكام الكبير)، والله أعلم].
كتاب (الأحكام الكبير) هو للمؤلف ﵀.
فحديث: (لا صلاة لمن لم يقرأ في كل ركعة بالحمد وسورة في فريضة أو غيرها) هو كما قال المؤلف: في صحته نظر؛ لأنه لا يتعين إلا الفاتحة.
وأما بالنسبة للإمام والمنفرد فإنه يجب قراءة الفاتحة عليهما، وأما المأموم ففيه خلاف، وهناك عدة أقوال: الأول: ذهب الجمهور إلى أن المأموم تسقط عنه، وأن قراءة الإمام قراءة له.
وقيل: إنها مستثناة، ويستدلون بقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف:٢٠٤]، قال الإمام ابن حجر: أجمع العلماء على أنها نازلة في الصلاة، وبما ثبت في صحيح مسلم: (وإذا قرأ فأنصتوا)، قالوا: فهذا يدل على أن المأموم لا يقرأ الفاتحة.
القول الثاني لأهل العلم: أن المأموم يقرؤها وأنها لا تسقط عنه، فإن كان للإمام سكتات قرأها في السكتات.
وأجابوا عن قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾ [الأعراف:٢٠٤] بأنها عامة، وأجابوا عن حديث: (إذا قرأ فأنصتوا) بأنه يستثنى منه الفاتحة؛ لقوله ﷺ : (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)، وهذا عام يشمل الإمام والمنفرد والمأموم، ولقوله ﷺ : (لعلكم تقرءون خلف إمامكم؟ قالوا: نعم يا رسول الله! قال: لا تفعلوا إلا بأم القرآن؛ فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها).
فإن قيل: إذا جاء المأموم والإمام يقرأ في السورة التي بعد الفاتحة فهل يشرع له الاستفتاح؟
الجواب
لا؛ لأن الاستفتاح سنة، وقد فات محله، وإنما يقتصر على الواجب وهو الفاتحة، وإذا جاء والإمام راكع سقطت عنه لحديث أبي بكرة: (أنه لما جاء والنبي راكع ركع دون الصف، ثم دب حتى دخل في الصف، فلما سلم قال له النبي ﷺ : زادك الله حرصاً ولا تعد) ولم يأمره بإعادة الركعة، فدل هذا على أن المأموم إذا جاء والإمام راكع تسقط عنه الفاتحة، وكذلك إذا لم يتمكن من قراءتها.
أما البخاري وجماعة فيرون أنها لا تسقط بكل حال، حتى لو جاء والإمام راكع فإنه يقضي هذه الركعة؛ لعموم حديث: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) وقد ألف البخاري جزءاً في هذا سماه (جزء القراءة).
كذلك إذا كان الإمام يطيل الاستفتاح فإنه يشرع للمأموم أن يقرأ الفاتحة أثناء ذلك، ولا يعد ذلك مسابقة؛ لأن المسابقة تكون في الركوع والسجود لا في القراءة.
стр. 38
حكم قراءة المأموم للفاتحة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [الوجه الثالث: هل تجب قراءة الفاتحة على المأموم؟ فيه ثلاثة أقوال للعلماء: أحدها: أنه تجب عليه قراءتها كما تجب على إمامه؛ لعموم الأحاديث المتقدمة.
والثاني: لا تجب على المأموم قراءة بالكلية لا الفاتحة ولا غيرها لا في صلاة الجهرية ولا في صلاة السرية؛ لما رواه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ أنه قال: (من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة)، ولكن في إسناده ضعف، ورواه مالك عن وهب بن كيسان عن جابر من كلامه، وقد روي هذا الحديث من طرق ولا يصح شيء منها عن النبي ﷺ ، والله أعلم.
والقول الثالث: أنه تجب القراءة على المأموم في السرية لما تقدم، ولا يجب ذلك في الجهرية؛ لما ثبت في صحيح مسلم عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : (إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا)، وذكر بقية الحديث، وهكذا رواه بقية أهل السنن: أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: (وإذا قرأ فأنصتوا)، وقد صححه مسلم بن الحجاج أيضاً، فدل هذان الحديثان على صحة هذا القول، وهو قول قديم للشافعي ﵀، والله أعلم، ورواية عن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى.
والغرض من ذكر هذه المسائل هاهنا بيان اختصاص سورة الفاتحة بأحكام لا تتعلق بغيرها من السور].
إذاً: هنا ثلاثة أقوال: تجب مطلقاً في السرية والجهرية، لا تجب مطلقاً في السرية والجهرية، تجب في السرية دون الجهرية، وأيضاً هناك قول رابع: وهو أنها تجب على من أدرك الإمام راكعاً، والصواب أنها واجبة مطلقاً في السرية والجهرية، وهي مستثناة من قوله: (وإذا قرأ فأنصتوا)، ومستثناة أيضاً من قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾ [الأعراف:٢٠٤]، كما سبق في الحديث قال: (يا أبا هريرة إني أكون خلف الإمام؟ فقال له أبو هريرة: اقرأ بها في نفسك يا فارسي!).
فـ أبو هريرة ﵁ اختار هذا القول، وهو أنها واجبة على المأموم مطلقاً في السرية والجهرية.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري حدثنا غسان بن عبيد عن أبي عمران الجوني عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا وضعت جنبك على الفراش وقرأت فاتحة الكتاب و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] فقد أمنت من كل شيء إلا الموت)].
وهذا في صحته نظر؛ لأن المعروف أن آية الكرسي هي التي تقرأ عند النوم وكذلك الذكر المعروف، وأما قراءة الفاتحة عند النوم ففي صحة ذلك نظر.
стр. 39
تفسير سورة الفاتحة [٣]
الاستعاذة هي طلب العوذ والالتجاء إلى الله تعالى مما يخافه الإنسان، وقد ورد الأمر بالاستعاذة في عدة آيات في القرآن، ولها أحكام من حيث مكانها، ومن حيث سببها.
стр. 40
تفسير الاستعاذة وأحكامها
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [تفسير الاستعاذة وأحكامها.
قال الله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ * وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف:١٩٩ - ٢٠٠]، وقال تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ * وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ [المؤمنون:٩٦ - ٩٨]، وقال تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [فصلت:٣٤ - ٣٦].
فهذه ثلاث آيات ليس لهن رابعة في معناها].
هذه الآيات في سورة الأعراف, وفي سورة حم السجدة، والثالثة في سورة المؤمنون.
فقوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ * وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف:١٩٩ - ٢٠٠]].
فهذا أمر بالاستعاذة بالله من الشيطان.
وقال تعالى ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون:٩٦]، ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ [المؤمنون:٩٨].
وهذه هي الآية الثانية، وهي في سورة المؤمنون، والشاهد: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾ [المؤمنون:٩٧].
وقال تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [فصلت:٣٤ - ٣٦].
وهذه الآية الثالثة في سورة فصلت.
قوله: [فهذه ثلاث آيات ليس لهن رابعة في معناها.
وهو أن الله تعالى يأمر بمصانعة العدو الإنسي والإحسان إليه؛ ليرده عنه طبعه الطيب الأصل إلى الموالاة والمصافاة، ويأمر بالاستعاذة به من العدو الشيطاني لا محالة، إذ لا يقبل مصانعة ولا إحساناً، ولا يبتغي غير هلاك ابن آدم لشدة العداوة بينه وبين أبيه آدم من قبل كما قال تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف:٢٧].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر:٦]].
فالعدو للإنسان نوعان: عدو من الإنس، وعدو من الجن, فعدو الإنس تتخلص منه بالإحسان والمصانعة, وتحسن إليه بالكلام, فإذا تكلم عليك بالسب والشتام ترد عليه رداً طيباً, وكذلك إذا آذاك بالفعل أو بالقول تصانعه، وتهدي إليه هدية فيزول شره عنك, وتنقلب عداوته صداقة في الغالب كما قال سبحانه: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت:٣٤] أي: إذا دفعت بالتي هي أحسن انقلب الذي بينك وبينه عداوة إلى صداقة، وصار كأنه ولي حميم، أي: كأنه صديق قوي الصداقة.
وأما الشيطان فلا حيلة فيه، فلا تنفع فيه المصالحة، ولا ينفع فيه الكلام الطيب, ولهذا يلجأ العبد إلى الاستعاذة بالله منه، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [فصلت:٣٦]، فالعدو من الإنس تنفع فيه المصانعة، والكلام الطيب، والإحسان والهدية, فطبعه الخير وأصله الخير, فيرجع إلى أصله، لكن إذا قابلته بالمثل زادت العداوة وزاد الشر وآذاك؛ ولهذا قال : ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت:٣٤]، ثم قال: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ [فصلت:٣٥] أي: لا يستطيع هذا ولا يقوى عليه إلا الموفق من أهل الصبر وأهل الحظوظ العظيمة, أما العدو من الجن فلا حيلة فيه، ولا ينفع فيه المصانعة ولا الكلام الطيب ولا الهدية، لأن العداوة شديدة وقديمة؛ ولهذا لا ينفع إلا الالتجاء إلى الله والاستعاذة بالله من شره فتقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم, يعني: ألوذ والتجئ وأعتصم بك يا الله من شر هذا الشيطان العدو اللدود الذي يريد أن يفسد علي ديني؛ فلهذا أمر العبد بأن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم عند تلاوة القرآن؛ لأن الشيطان يحرص على الإنسان عند فعل الخير.
قوله: [وقال: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف:٥٠]، وقد أقسم للوالد آدم ﵇ إنه له لمن الناصحين وكذب، فكيف معاملته لنا وقد قال: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص:٨٢ - ٨٣]].
هذا قسم وحلف بعزة الله، فهي صفة من الصفات، فحلف أنه سيغوي بني آدم, وقد أقسم لأبينا إنه ناصح وصادق، وقد كذب وأوقعه في المعصية، وكذلك ذرية آدم أقسم بالله ليغوينهم, وقال: ﴿لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٦٢]، وقال: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص:٨٢] ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الحجر:٤٠]، فالعداوة قديمة وليس هناك حيلة في المصالحة أبداً مع الشيطان, وليس هناك طريق للمصالحة, فالعداوة مستمرة وقديمة, فالإنسان عليه أن يأخذ حذره، وأن يستعيذ بالله من شره, وأن يلجأ إلى الله ويعتصم به، ويلوذ بحماه من شر هذا الشيطان, وأما المصالحة معه فغير ممكنة, ولا يمكن المصافاة، وأما العدو الإنسي فيمكن مصالحته، ويمكن مصافاته.
стр. 41
اختلاف العلماء في موضع الاستعاذة عند قراءة القرآن الكريم
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ * إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل:٩٨ - ١٠٠].
قالت طائفة من القراء وغيرهم: يتعوذ بعد القراءة، واعتمدوا على ظاهر سياق الآية، ولدفع الإعجاب بعد فراغ العبادة].
أي: أن حجة هؤلاء: أن الله قال: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل:٩٨]، قالوا: فظاهر الآية أن الاستعاذة تكون بعد قراءة القرآن, وأيضاً فيه فائدة أخرى وهي دفع الإعجاب.
وقال آخرون من أهل العلم: أنه يستعيذ بعد قراءة الفاتحة، وهذا قول ضعيف.
وقال آخرون: يستعيذ قبل القراءة, ومعنى قوله: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ﴾ [النحل:٩٨] أي: فإذا أردت، وهذا له نظائر، مثل قوله ﵊ (إذا دخل أحدكم الخلاء فليقل: باسم الله) يعني: إذا أراد دخول الخلاء, وهنا: (فإذا قرأت) يعني: إذا أردت، وهذا هو الصواب، وسيأتي أن الاستعاذة تكون قبل القراءة.
قوله: [وممن ذهب إلى ذلك حمزة فيمن نقله عنه ابن قلوقا وأبو حاتم السجستاني، حكى ذلك أبو القاسم يوسف بن علي بن جنادة الهذلي المغربي في كتاب العبادة الكامل، وروي عن أبي هريرة أيضاً وهو غريب، ونقله محمد بن عمر الرازي في تفسيره عن ابن سيرين في رواية عنه، قال: وهو قول إبراهيم النخعي وداود بن علي الأصبهاني الظاهري، وحكى القرطبي عن أبي بكر بن العربي، عن المجموعة، عن مالك ﵀ أن القارئ يتعوذ بعد الفاتحة، واستغربه ابن العربي].
هذا غريب؛ لأن الفاتحة أم القرآن.
قوله: [وحكى قولاً ثالثاً وهو: الاستعاذة أولاً وآخراً؛ جمعاً بين الدليلين، نقله الرازي].
وهذا قول ثالث: أن يستعيذ قبل القراءة ويستعيذ بعد القراءة، والقول الرابع: أنه يستعيذ مرة واحدة قبل القراءة، وهو الصواب.
قوله: [والمشهور الذي عليه الجمهور أن الاستعاذة إنما تكون قبل التلاوة؛ لدفع الموسوس عنها].
الموسوس: هو الشيطان, وهذا هو الصواب: أن الاستعاذة مرة واحدة قبل القراءة، وأما القول بأنها بعد القراءة أو القول أنها بعد الفاتحة أو القول بأنه يستعيذ مرتين فهي أقوال مرجوحة، والصواب: أنه يستعيذ مرة واحدة قبل القراءة؛ لدفع الموسوس وهو الشيطان.
قوله: [ومعنى الآية عندهم: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل:٩٨] أي: إذا أردت القراءة، كقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ [المائدة:٦] الآية أي: إذا أردتم القيام].
يعني: إذا أردتم القيام إلى الصلاة، ومنه قوله ﵊: (إذا دخل أحدكم الخلاء فليقل باسم الله) يعني: إذا أراد.
قوله: [والدليل على ذلك الأحاديث عن رسول الله ﷺ بذلك.
قال الإمام أحمد بن حنبل ﵀: حدثنا محمد بن الحسن بن أنس حدثنا جعفر بن سليمان عن علي بن علي الرفاعي اليشكري عن أبي المتوكل الناجي، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ إذا قام من الليل فاستفتح صلاته وكبر قال: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك، ثم يقول: لا إله إلا الله ثلاثاً، ثم يقول: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه).
وقد رواه أهل السنن الأربعة من رواية جعفر بن سليمان عن علي بن علي وهو: الرفاعي، وقال الترمذي: هو أشهر شيء في هذا الباب، وقد فسر الهمز بالموتة وهي الخنق].
يعني: صرع الشيطان للإنسان.
قوله: [والنفخ: بالكبر، والنفث بالشعر].
فالتفسير: من همزه يعني: صرعه، ونفخه: وهو الكبر، ونفثه: وهو الشعر.
قوله: [كما رواه أبو داود وابن ماجة من حديث شعبة عن عمرو بن مرة عن عاصم العنزي عن نافع بن مطعم عن أبيه قال: رأيت رسول الله ﷺ حين دخل في الصلاة قال: (الله أكبر كبيراً ثلاثاً، الحمد لله كثيراً ثلاثاً، سبحان الله بكرة وأصيلاً ثلاثاً، اللهم إني أعوذ بك من الشيطان من همزه ونفخه ونفثه)].
هذا نوع من أنواع الاستفتاحات، قوله ﷺ : (الله أكبر ثلاثاً، الحمد لله ثلاثاً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً ثلاثاً) أي: تقول: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الحمد لله، الحمد لله، الحمد لله، سبحان الله بكرة وأصيلا، سبحان الله بكرة وأصيلا، سبحان الله بكرة وأصيلا.
فهذا أحد الاستفتاحات.
ومن الاستفتاحات وهو أخصر الاستفتاحات وأفضلها في ذاته؛ لأنه ثناء قوله ﷺ : (سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك) وهذا الذي كان يعلمه عمر بن الخطاب ﵁ الناس على المنبر، واختاره الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب وهو مختصر، وأصح منه ما رواه عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: (يا رسول الله! إذا كبرت سكت هنيهة ماذا تقول؟ قال: أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب, اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس, اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد) , فهذا أصح ما ورد في الاستفتاحات؛ لأنه رواه الشيخان, و (سبحانك اللهم وبحمدك)، هذا أفضل الاستفتاحات في ذاته؛ لأنه ثناء على الله.
وهناك استفتاحات كثيرة وطويلة في قيام الليل, ومن ذلك ما رواه مسلم عن عائشة: (اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم).
وهناك استفتاح ابن عباس، وهو استفتاح طويل: (اللهم لك الحمد أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن، اللهم لك الحمد أنت قيوم السموات والأرض ومن فيهن, ولك الحمد أنت ملك السموات والأرض ومن فيهن، لقاؤك حق، ووعدك حق، ومحمد حق، والجنة حق، والنار حق، والساعة حق والنبيون حق) إلى آخره، لكن هذا في قيام الليل، والمقصود: أن هذا نوع من الاستفتاحات.
قوله: [قال عمرو: وهمزه: الموتة، ونفخه: الكبر، ونفثه: الشعر.
وقال ابن ماجة: حدثنا علي بن المنذر، حدثنا ابن فضيل، حدثنا عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: (اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم وهمزه ونفخه ونفثه) قال: همزه: الموتة، ونفخه: الكبر، ونفثه: الشعر.
وقال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن يوسف، حدثنا شريك، عن يعلى بن عطاء، عن رجل حدثه أنه سمع أبا أمامة الباهلي يقول: (كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة كبر ثلاثاً، ثم قال: لا إله إلا الله ثلاث مرات، وسبحان الله وبحمده ثلاث مرات، ثم قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه).
стр. 42
الاستعاذة بالله من أسباب إزالة الغضب
وقال الحافظ أبو يعلى أحمد بن علي بن المثنى الموصلي في مسنده: حدثنا عبد الله بن عمر بن أبان الكوفي حدثنا علي بن هشام بن البريد عن يزيد بن زياد عن عبد الملك بن عمير عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبي بن كعب ﵁ قال: (تلاحى رجلان عند النبي ﷺ فتمزع أنف أحدهما غضباً، فقال رسول الله ﷺ : أني لأعلم شيئاً لو قاله لذهب عنه ما يجد: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)، وكذا رواه النسائي في اليوم والليلة عن يوسف بن عيسى المروزي عن الفضل بن موسى عن يزيد بن زياد بن أبي الجعد به.
وقد روى هذا الحديث: أحمد بن حنبل، عن أبي سعيد عن زائدة، وأبو داود، عن يوسف بن موسى، عن جرير بن عبد الحميد، والترمذي والنسائي في اليوم والليلة عن بندار عن ابن مهدي عن الثوري والنسائي أيضاً من حديث زائدة بن قدامة ثلاثتهم عن عبد الملك بن عمير، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن معاذ بن جبل ﵁ قال: (استب رجلان عند النبي ﷺ فغضب أحدهما غضباً شديداً حتى يخيل إلي أن أحدهما يتمزع أنفه من شدة غضبه، فقال النبي ﷺ : إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد من الغضب، فقال: ما هي يا رسول الله؟! قال: يقول: اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم) قال: فجعل معاذ يأمره فأبى وجعل يزداد غضباً وهذا لفظ أبي داود، وقال الترمذي: مرسل، يعني: أن عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يلق معاذ بن جبل فإنه مات قبل سنة عشرين.
قلت: وقد يكون عبد الرحمن بن أبي ليلى سمعه من أبي بن كعب كما تقدم، وبلغه عن معاذ بن جبل، فإن هذه القصة شهدها غير واحد من الصحابة ﵃.
قال البخاري: حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير، عن الأعمش، عن عدي بن ثابت قال: قال سليمان بن صرد ﵁: (استب رجلان عند النبي ﷺ ونحن عنده جلوس، فأحدهما يسب صاحبه مغضباً قد احمر وجهه، فقال النبي ﷺ : إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجده لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فقالوا للرجل: ألا تسمع ما يقول رسول الله ﷺ ، قال: إني لست بمجنون)].
فهذا يحتمل أنه لا زال في غضبه وأنه سريع الغضب أو أنه منافق, لكن الأقرب أنه يستولي عليه الغضب، وجاء في اللفظ الآخر أنه قيل له: (إن الرسول ﷺ يقول لك قل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم, قال: أبي جنون حتى أقولها؟!)، فهذا يدل على أنه قد استولى عليه غضب وأنه ما أفاق من غضبه, ويحتمل أنه من المنافقين.
وهذا فيه دليل على أن الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم من أسباب زوال الغضب, ومن أسباب إزالة الغضب الوضوء كما جاء في الحديث الآخر؛ لأن الغضب من الشيطان، والشيطان مخلوق من نار, والنار يطفئها الماء.
ومنها: أنه يغير حالته التي هو عليها، فإن كان قائماً فليجلس، وإن كان جالساً فليضطجع، وليخرج أيضاً من البيت إذا كان في البيت, أو من المكان, فكل هذه من أسباب إزالة الغضب, فقد يحصل بين بعض الناس وبين أهله مغاضبة فليخرج, كما حصل بين علي ﵁ وفاطمة مغاضبة، فذهب ونام في المسجد، وسأل عنه النبي ﷺ فاطمة فقال: (أين ابن عمك؟ قالت: غاضبني فخرج إلى المسجد) أو كما جاء في الحديث, فيشرع للإنسان أن يخفف الغضب، ويعمل الأسباب التي تزيل هذا الغضب: من استعاذة بالله من الشيطان الرجيم، والوضوء، وتغيير الحالة، والانتقال والخروج من المكان أو من البيت، حتى يهدأ غضبه ويعود إليه رشده، وحتى لا يفعل شيئاً يندم عليه، ولا تحمد عقباه في المستقبل.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد رواه أيضاً مع مسلم وأبي داود والنسائي من طرق متعددة عن الأعمش به.
وقد جاء في الاستعاذة أحاديث كثيرة يطول ذكرها ههنا وموطنها كتاب الأذكار وفضائل الأعمال، والله أعلم.
стр. 43
ضعف أثر أمر جبريل النبي بالاستعاذة عند أول نزول القرآن
وقد روي أن جبريل ﵇ أول ما نزل بالقرآن على رسول الله ﷺ أمره بالاستعاذة كما قال الإمام أبو جعفر بن جرير: حدثنا أبو كريب حدثنا عثمان بن سعيد حدثنا بشر بن عمارة حدثنا أبو روق عن الضحاك عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: (أول ما نزل جبريل على محمد ﷺ قال: يا محمد استعذ، قال أستعيذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، ثم قال: قل بسم الله الرحمن الرحيم، ثم قال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق:١]).
قال عبد الله: وهي أول سورة أنزلها الله على محمد ﷺ بلسان جبريل، وهذا الأثر غريب، وإنما ذكرناه ليعرف فإن في إسناده ضعفاً وانقطاعاً، والله أعلم].
هذا الأثر ضعيف، لكن كون أول ما نزل من القرآن هو (اقرأ) فهو ثابت بالأحاديث الصحيحة، وبها صار نبياً ﵊، ثم فتر الوحي ونزل عليه بعد ذلك: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر:١]، وبها صار رسولاً، نبئ باقرأ وأرسل بالمدثر، لكن الغرابة في قوله: استعذ بالله من الشيطان الرجيم، وقل: بسم الله الرحمن الرحيم، فهذا غلط، وأما كون جبريل نزل عليه وقال: (اقرأ) فهذا ثابت في الأحاديث الصحيحة ليس فيه إشكال.
وسند هذا الحديث فيه بشر بن عمارة ضعيف، والانقطاع بين الضحاك وابن عباس.
стр. 44
أقوال العلماء في حكم الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [مسألة: وجمهور العلماء على أن الاستعاذة مستحبة ليست بمتحتمة يأثم تاركها، وحكى الرازي عن عطاء بن أبي رباح وجوبها في الصلاة وخارجها كلما أراد القراءة، قال: وقال ابن سيرين إذا تعوذ مرة واحدة في عمره فقد كفى في إسقاط الوجوب].
هذان قولان متقابلان, منهم من يقول: لا تجب إلا في العمر مرة، ومنهم من يقول: تجب في كل قراءة.
قوله: [واحتج الرازي لـ عطاء بظاهر الآية ﴿فَاسْتَعِذْ﴾ [الأعراف:٢٠٠] وهو أمر ظاهره الوجوب، وبمواظبة النبي ﷺ عليها؛ ولأنها تدرأ شر الشيطان، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب؛ ولأن الاستعاذة أحوط وهو أحد مسالك الوجوب.
وقال بعضهم: كانت واجبة على النبي ﷺ دون أمته، وحكي عن مالك أنه لا يتعوذ في المكتوبة، ويتعوذ لقيام رمضان في أول ليلة منه].
والصواب: الأول وهو ما عليه جمهور العلماء أنها مستحبة عند كل قراءة في الصلاة وخارجها، إلا أنها في الصلاة تكفي أن يستعيذ في الركعة الأولى، وكذلك البسملة مستحبة, وليست من الفاتحة، وهي آية مستقلة على الصحيح، فهي مستحبة في الصلاة وخارجها.
стр. 45
أقوال العلماء في حكم الإسرار بالاستعاذة والبسملة والجهر بهما في الصلاة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [مسألة: وقال الشافعي في الإملاء: يجهر بالتعوذ، وإن أسر فلا يضر، وقال في الأم بالتخيير؛ لأنه أسر ابن عمر وجهر أبو هريرة].
والأفضل: الإسرار بالتعوذ والبسملة في الصلاة كما جاء في الأحاديث الصحيحة، ففي حديث أبي هريرة وغيره: (أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا يستفتحون الصلاة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول قراءة ولا في آخرها، وفي لفظ: يسرون) فالسنة الإسرار في التعوذ والبسملة في الصلاة, وإن جهر بها بعض الأحيان كما فعل أبو هريرة فلا حرج.
قوله: [واختلف قول الشافعي فيما عدا الركعة الأولى هل يستحب التعوذ فيها: على قولين، ورجَّحَ عدم الاستحباب والله أعلم، فإذا قال المستعيذ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم كفى ذلك عند الشافعي وأبي حنيفة، وزاد بعضهم: أعوذ بالله السميع العليم، وقال آخرون: بل يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم إن الله هو السميع العليم، قاله الثوري والأوزاعي.
وحكي عن بعضهم أنه يقول: أستعيذ بالله من الشيطان الرجيم؛ لمطابقة أمر الآية؛ ولحديث الضحاك عن ابن عباس المذكور، والأحاديث الصحيحة كما تقدم أولى بالاتباع من هذا، والله أعلم].
وهو أن يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم, وإن قال: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم فلا بأس، وحديث الضحاك عن ابن عباس كما سبق ضعيف لانقطاعه.
فإن قيل: هل تشرع الاستعاذة في الصلاة في السورة التي بعد الفاتحة؟ ف
الجواب
لا، فمن السنة الاستعاذة مرة واحدة في الصلاة، فيستعيذ ويبسمل في الفاتحة، والسورة إذا قرأها من أولها فإنه يبسمل وإن قرأ من أثناء السورة فلا يحتاج إلى البسملة, فالأفضل يكتفي بالاستعاذة في الركعة الأولى فقط.
ففي بداية السورة يبسمل، ثم بعد ذلك كلما قرأ سورة يبسمل.
стр. 46
اختلاف العلماء فيما تكون له الاستعاذة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [مسألة: ثم الاستعاذة في الصلاة إنما هي للتلاوة، وهو قول أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: بل للصلاة، فعلى هذا يتعوذ المأموم وإن كان لا يقرأ، ويتعوذ في العيد بعد الإحرام، وقبل تكبيرات العيد، والجمهور بعدها قبل القراءة].
فقول الجمهور: على أنه يستعيذ بعد التكبيرات قبل القراءة، وهذا هو الصواب: أن الاستعاذة للقراءة وليست للصلاة، والذي لا يقرأ لا يحتاج أن يستعيذ، فتكون بعد تكبيرات العيد الزوائد، فتكبر ستاً في الأولى, وخمساً في الثانية ثم تستعيذ بالله, هذا إذا أراد القراءة وأما الذي لا يقرأ فلا يستعيذ، فالاستعاذة ليست للصلاة وإنما هي للقراءة، هذا هو الصواب.
стр. 47
من لطائف الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومن لطائف الاستعاذة: أنها طهارة للفم مما كان يتعاطاه من اللغو والرفث، وتطييب له وهو يتهيأ لتلاوة كلام الله، وهي استعانة بالله واعتراف له بالقدرة، وللعبد بالضعف والعجز عن مقاومة هذا العدو المبين الباطني الذي لا يقدر على منعه ودفعه إلا الله الذي خلقه، ولا يقبل مصانعة، ولا يدارى بالإحسان، بخلاف العدو من نوع الإنسان كما دلت على ذلك آيات من القرآن في ثلاث من المثاني].
قوله: (المثاني) يعني: فوق المائة فهي في الأعراف والمؤمنون وفصلت، وهذه من المثاني.
قوله: [وقال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾ [الإسراء:٦٥]، وقد نزلت الملائكة لمقاتلة العدو البشري، فمن قتله العدو الظاهر البشري كان شهيداً، ومن قتله العدو الباطني كان طريداً، ومن غلبه العدو الظاهري كان مأجوراً].
وهذا في غزوة بدر وفي غزوة حنين لما نزلت الملائكة لقتال العدو البشري وهو الكافر، ومن قتله العدو البشري في الجهاد في سيبل الله فهو شهيد، ومن قتله العدو الباطني وهو الشيطان فهو مطرود من رحمة الله؛ لأنه غلبه نعوذ بالله.
قوله: [وقد نزلت الملائكة لمقاتلة العدو البشري، فمن قتله العدو الظاهري البشري كان شهيداً، ومن قتله العدو الباطني كان طريداً، ومن غلبه العدو الظاهري كان مأجوراً، ومن قهره العدو الباطني كان مفتوناً أو موزوراً، ولما كان الشيطان يرى الإنسان من حيث لا يراه استعاذ منه بالذي يراه ولا يراه الشيطان].
كما قال سبحانه ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف:٢٧]، هذا هو الأصل أن الشيطان يرى الإنسان ولا يراه, وقد يتبدى الجني للإنسان, وقد يظهر بعض الأحيان, لكن هذا قليل, والغالب والأصل: أن الشياطين والجن يرون الناس والناس ولا يرونهم، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف:٢٧]، ولهذا إذا دخلت الحمام وسميت الله كان لك ستراً من الشيطان، فإن الشيطان يعمى، ولا يرى الإنسان إذا سمى, وقد جاء في الحديث الأمر بالاستعاذة وأن الشياطين تلعب بعورات بني آدم, أو كما جاء في الحديث، وقد يكون فيه ضعف، لكن معروف أن الشيطان يرى الإنسان, فإذا سمى صار بينه وبين الشيطان ستر وحجاب.
стр. 48
معاني الاستعاذة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فصل.
والاستعاذة: هي الالتجاء إلى الله تعالى والالتصاق بجانبه من شر كل ذي شر، والعياذة تكون لدفع الشر، واللياذ يكون لطلب جلب الخير].
قوله: (أعوذ بالله) يعني: ألتجئ وأعتصم وأستجير بك يا الله وأحتمي بك يا الله من شر هذا الشيطان العدو اللدود الذي يريد أن يفسد عليّ عبادتي, فالعياذ: هو الاستجارة والاحتماء، فمن استعاذ بميت أو بغائب فقد أشرك بالله؛ لأن هذه عبادة، ومن استعاذ بحي حاضر فيما يقدر عليه فلا بأس به، فيقول: أعذني من شر أولادك, ومن شر زوجتك, ومن شر دابتك, فهذا جائز، وأما أن يستعيذ بميت أو بغائب فهذا من الشرك, فالاستعاذة هي الالتجاء والاعتصام, وأما اللياذ فهو طلب الخير وتأمينه.
قوله: [والاستعاذة: هي الإلتجاء إلى الله تعالى والإلتصاق بجانبه من شر كل ذي شر، والعياذة تكون لدفع الشر، واللياذ يكون لطلب جلب الخير كما قال المتنبي: يا من ألوذ به فيما أؤمله ومن أعوذ به ممن أحاذره لا يجبر الناس عظماً أنت كاسره ولا يهيضون عظماً أنت جابره].
يعني: لا يكسرون عظماً يجبره الله, كما أنهم لا يجبرون كسراً كسره الله.
والشاهد قوله: يا من ألوذ به فيما أؤمله ومن أعوذ به ممن أحاذره.
فالاستعاذة تكون من الشيء الذي يحذره الإنسان, واللياذ: تأمين الخير وطلبه.
قوله: [ومعنى: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
أي: أستجير بجناب الله من الشيطان الرجيم أن يضرني في ديني أو دنياي أو يصدني عن فعل ما أمرت به، أو يحثني على فعل ما نهيت عنه، فإن الشيطان لا يكفه عن الإنسان إلا الله؛ ولهذا أمر تعالى بمصانعة شيطان الإنس ومداراته بإسداء الجميل إليه، ليرده طبعه عما هو فيه من الأذى، وأمر بالاستعاذة به من شيطان الجن؛ لأنه لا يقبل رشوة ولا يؤثر فيه جميل؛ لأنه شرير بالطبع، ولا يكفه عنك إلا الذي خلقه، وهذا المعنى في ثلاث آيات من القرآن لا أعلم لهن رابعة، قوله تعالى في الأعراف: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف:١٩٩] فهذا فيما يتعلق بمعاملة الأعداء من البشر ثم قال: ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف:٢٠٠].
وقال تعالى في سورة: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون:١]: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ * وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ [المؤمنون:٩٦ - ٩٨].
وقال تعالى في سورة (حم) السجدة: ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [فصلت:٣٤ - ٣٦].
الشيطان في لغة العرب مشتق من شطن، إذا بعد، فهو بعيد بطبعه عن طباع البشر، وبعيد بفسقه عن كل خير، وقيل: مشتق من شاط؛ لأنه مخلوق من نار].
أي: مشتقٌ من شطن إذا بعد، أو من شاط إذا احترق؛ لأن الشيطان مخلوق من نار, أو من شطن لبعده عن بني آدم، وبعده عن الخير بفسقه.
قوله: [ومنهم من يقول: كلاهما صحيح في المعنى، ولكن الأول أصح، وعليه يدل كلام العرب قال أمية بن أبي الصلت في ذكر ما أوتي سليمان ﵇: أيما شاطٍ عصاه عكاه ثم يلقى في السجن والأغلال].
قال الشاعر: (ثم يلقى في السجن والأغلال) فيه إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ * وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ﴾ [ص:٣٧ - ٣٨] يعني: سخروا له, (مقرنين في الأصفاد) أي: في الأغلال يربطون؛ ولهذا لما جاء الشيطان إلى النبي ﷺ -وهو يصلى- بشهاب من نار يريد أن يحرقه، أخذه النبي وخنقه حتى وجد برد لعابه، وقال: (كدت أن أربطه في سارية من سواري المسجد, ولو فعلت للعب به صبيان أهل المدينة, لكن ذكرت قول أخي سليمان: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص:٣٥]) فتركه النبي ﷺ .
قال: [فقال: أيما شاطن ولم يقل أيما شائط].
فدل على أنه مشتق من شطن، وهذا هو الشاهد، ولو كان من شاط لقال: شائط.
قوله: [وقال النابغة الذبياني وهو زياد بن عمرو بن معاوية بن جابر بن ضباب بن يربوع بن مرة بن سعد بن ذبيان: نأت بسعاد عنك نوى شطون فباتت والفؤاد بها رهين].
قوله: (نوى شطون) يعني: نوى بعد، والنوى: البعد، نأت بـ سعاد، يعني: بعدت، وهذا شاهد على أنها مشتق من شطن لا من شاط، وهذا هو الأقرب؛ لأن شطن: بعد، فهو من البعد عن الخير، فهو بعيد عن الخير، وبعيد عن بني آدم وعن طباعهم.
قوله: [يقول: بعدت بها طريق بعيدة، وقال سيبويه: العرب تقول: تشيطن فلان، إذا فعل فعل الشياطين، ولو كان من شاط لقالوا: تشيّط].
وهذا معروف الآن في لغتنا الدارجة، نقول: فلان تشيطن، يعني: فعل فعل الشياطين, وهذه الكلمة باقية عندنا ولا يستغرب هذا، ولا يستغرب أن تبقى كلمات من العربية.
قوله: [وقال سيبويه: العرب تقول: تشيطن فلان، إذا فعل فعل الشياطين، ولو كان من شاط لقالوا: تشيط، فالشيطان مشتق من البعد على الصحيح؛ ولهذا يسمون كل من تمرد من جني وإنسي وحيوان: شيطاناً، قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام:١١٢].
وفي مسند الإمام أحمد عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يا أبا ذر تعوذ بالله من شياطين الإنس والجن، فقلت: أوللإنس شياطين؟ قال: نعم).
وفي صحيح مسلم عن أبي ذر ﵁ أيضاً قال: قال رسول الله ﷺ : (يقطع الصلاة المرأة، والحمار، والكلب الأسود، فقلت: يا رسول الله ما بال الكلب الأسود من الأحمر والأصفر؟ فقال: الكلب الأسود شيطان)].
وفي اللفظ الآخر: (يقطع صلاة المرء إذا لم يكن بين يديه مثل آخرة الرحل المرأة والكلب والحمار)، وهذا اللفظ لـ مسلم.
وقوله: (الكلب الأسود) يعني: شيطان الكلاب, فالحيوانات لها شيطان، وكل من خرج من طبيعته يسمى شيطاناً، ومن تمرد من الحيوانات يسمى شيطاناً, ومن تمرد من الإنس يسمى شيطاناً, وكذلك الطيور، فإذا تمردت الدجاجة وطارت تصبح شيطانة وهكذا، وكل متمرد يسمى شيطاناً، فهو ليس خاصاً بشياطين الجن, فكل متمرد يسمى شيطاناً, سواء كان من الإنس أو الدواب أو الطيور.
قوله: [وقال ابن وهب: أخبرني هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه: أن عمر بن الخطاب ﵁ ركب برذوناً فجعل يتبختر به، فجعل يضربه فلا يزداد إلا تبختراً، فنزل عنه وقال: ما حملتوني إلا على شيطان، ما نزلت عنه حتى أنكرت نفسي.
إسناده صحيح].
البرذون: لغة في البغل، وهو متولد من الخيل ومن الحمار, أمه حمارة وأبوه حصان, وإذا نزا الخيل على الحمر تولدت البغال، والبغل محرم والخيل حلال، تغليباً لجانب التحريم؛ لأنه متولد من حلال وحرام.
قوله: [والرجيم: فعيل، بمعنى: مفعول، أي: أنه مرجوم مطرود عن الخير كله، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ [الملك:٥]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ * وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ * لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ * دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ * إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ [الصافات:٦ - ١٠]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ * وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ * إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ﴾ [الحجر:١٦ - ١٨] إلى غير ذلك من الآيات، وقيل: رجيم بمعنى: راجم؛ لأنه يرجم الناس بالوساوس والربائث، والأول أشهر وأصح].
معنى الربائث: الموانع التي تمنع من الخير، وهي جمع ربيثة، وهي المانعة من الخير، فهو يرجم الناس بالوساوس وموانع الخير.
стр. 49
معرفة صحة حديث معاذ لما بعثه النبي إلى اليمن
السؤال
الحديث الذي فيه أن النبي ﷺ سأل معاذاً لما بعثه إلى اليمن: (بم تحكم؟ قال: بكتاب الله, قال: فإن لم تجد؟ قال: بسنة رسول الله، قال: فإن لم تجد، قال: أجتهد رأيي ولا آلو، فقال النبي ﷺ : الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي الله ورسوله) هذا الحديث كما سبق يقول الحافظ: إسناده جيد، وقد أقر هذا الحديث شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم.
ولكن الشيخ الألباني حفظه الله ذكر في كتابه الأحاديث الضعيفة هذا الحديث برقم كذا وقال: إنه حديث منكر, فما موقف طالب العلم من ذلك: هل يأخذ بقول المتقدم من ذلك أم يأخذ بقول المتأخر؟
الجواب
طالب العلم يبحث عن الأسانيد وينظر فيها إذا كان عنده قدرة ولا يكتفي بالتقليد، فإذا وجد أن الحديث له أسانيد وله طرق يشد بعضها بعضاً أخذ به, وإن وجد أن الحديث طرقه ضعيفة فلا يأخذ به، لكن معروف عند العلماء أنه حديث جيد، وقد اعتمده العلماء والأصوليون والإمام شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من أهل العلم، وقد يكون الألباني وفقه الله -إن صح عنه هذا- ما اطلع على كل الطرق، فقد يفوت عليه شيء، فالشيخ الألباني فاتت عليه أشياء كثيرة كغيره، ففي (إرواء الغليل) فات عليه أحاديث كثيرة، فبعضها سكت عنها، وبعضها قال: لا أعرفه، ثم تعقبه وكتب بعده الشيخ صالح آل الشيخ، فقد خرج أكثر من مئتي حديث لم تخرج في إرواء الغليل بل كلها سكت عنها الألباني , وفي أشياء كذلك وهم فيها الألباني ﵀، فهو ليس بمعصوم، حتى إن شيخ الإسلام رحمة الله عليه مع إمامته قد يتوهم في بعض الأشياء، فطالب العلم يجمع الأسانيد وينظر فيها, وسند هذا الحديث معروف عند العلماء أنه جيد، وما دام اطلع العلماء على أنّ سنده جيد فهذا يدل على أن الشيخ الألباني قد خفي عليه بعض الأسانيد, وقد يكون ضعفه اجتهاداً منه، وضعفه مثلاً من أجل بعض الرواة والعلماء الآخرون, قد قووا هؤلاء الرواة في المتابعات، فالمقصود: أن طالب العلم عليه أن يتأمل، وإذا أراد أن يقلد فلا شك أن تقليد الأقدمين أولى, فإذا لم يكن عنده بصيرة قلد الأقدمين، فتقليد شيخ الإسلام والعلماء الأكابر والقدامى أولى من تقليد الشيخ الألباني في هذا، هذا إذا رجعت إلى مسألة التقليد، وإن كان عندك استطاعة فلتنظر ولتجمع الأسانيد.
стр. 50
تفسير سورة الفاتحة [٤]
الابتداء بالبسملة بركة في كل شيء، فهي استعانة باسم الله تعالى، ومن استعان به وفقه الله إلى مراده ومقصوده، والراجح من أقوال العلماء أن البسملة آية مستقلة في أول كل سورة، وأنه يسر بها في الصلاة، ولا بأس أن يجهر بها أحياناً للتعليم.
стр. 51
تفسير البسملة وأحكامها
стр. 52
ذكر الخلاف في كون البسملة آية مستقلة وكونها آية من كل سورة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال الله تعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ﴾ [الفاتحة:١] افتتح بها الصحابة كتاب الله، واتفق العلماء على أنها بعض آية من سورة النمل، ثم اختلفوا هل هي آية مستقلة في أول كل سورة، أو من كل سورة كتبت في أولها، أو أنها بعض آية من كل سورة، أو أنها كذلك في الفاتحة دون غيرها، أو أنها إنما كتبت للفصل لا أنها آية، على أقوال للعلماء سلفاً وخلفاً، وذلك مبسوط في غير هذا الموضع].
فالأرجح في ﴿بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ﴾ [الفاتحة:١] أنها آية مستقلة في أول كل سورة، فليست من الفاتحة ولا من غيرها، هذا هو الأقرب, وهي بعض آية من سورة النمل في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل:٣٠]، فهي بعض آية من سورة النمل، وهي آية مستقلة في أول كل سورة, وليست من الفاتحة ولا من غيرها, وقال بعض العلماء: إنها آية من الفاتحة، وهو الموجود الآن في المصاحف فهي الآية الأولى، فتجدون ﴿بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ﴾ [الفاتحة:١] هي الآية الأولى رقم واحد، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] رقم اثنين، ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:٣] رقم ثلاثة، ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤] رقم أربعة ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] رقم خمسة ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦] رقم ستة ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧] رقم سبعة، هذا هو الموجود في المصاحف, والصواب: خلاف هذا، فالآية الأولى هي: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢]، والثانية: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:٣]، والثالثة: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤] والرابعة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]، والخامسة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦]، والسادسة: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة:٧]، والسابعة: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧]، فهذه سبع آيات بدون البسملة, و ﴿بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ﴾ آية مستقلة ليست من الفاتحة ولا من غيرها.
وقراءتها سنة مستحبة، والاستعاذة: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، والبسملة سنة في أول القراءة في أول السورة، وفي أول ركعة من ركعات الصلاة، ولو تركها صحت الصلاة، وأما على القول بأنها آية فلو تركها لم تصح الصلاة، والدليل على أن أول آية من الفاتحة هي: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] قول الرب في الحديث القدسي: (قال الله: إذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] قال الله: حمدني عبدي) وفي أول الحديث القدسي: (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين) والمراد بالصلاة هنا الفاتحة، فهي من أسماء الفاتحة.
قال: (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين: فإذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] قال الله: حمدني عبدي)، فدل هذا على أن الآية الأولى هي: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ولو كانت البسملة هي الآية الأولى لقال الرب سبحانه: فإذا قال العبد: بسم الله الرحمن الرحيم, ولكن قال: فإذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، قال الله: (حمدني عبدي) فدل على أن الآية الأولى هي: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وفي سنن أبي داود بإسناد صحيح عن ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ كان لا يعرف فصل السورة حتى ينزل عليه بسم الله الرحمن الرحيم.
وأخرجه الحاكم أبو عبد الله النيسابوري في مستدركه أيضاً، وروي مرسلاً عن سعيد بن جبير.
وفي صحيح ابن خزيمة عن أم سلمة ﵂: (أن رسول الله ﷺ قرأ البسملة في أول الفاتحة في الصلاة وعدها آية) لكنه من رواية عمر بن هارون البلخي وفيه ضعف، عن ابن جريج عن ابن أبي مليكة عنها].
بل عمر بن هارون البلخي متهم بالكذب وكان حافظاً من كبار التاسعة، مات سنة أربع وتسعين، وعلى هذا فيكون الحديث ضعيفاً جداً، لا ينجبر بالشواهد والمتابعات.
وقد قال عنه أبو داود: غير ثقة، وقال النسائي: متروك الحديث، وقال ابن حبان: يروي عن الثقات المناكير.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وروى له الدارقطني متابعاً عن أبي هريرة مرفوعاً، وروي مثله عن علي وابن عباس وغيرهما.
وممن حكي عنه أنها آية من كل سورة إلا براءة: ابن عباس وابن عمر وابن الزبير وأبو هريرة وعلي، ومن التابعين: عطاء وطاوس وسعيد بن جبير ومكحول والزهري، وبه يقول عبد الله بن المبارك والشافعي وأحمد بن حنبل في رواية عنه وإسحاق بن راهويه وأبو عبيد القاسم بن سلام رحمهم الله تعالى، وقال مالك، وأبو حنيفة وأصحابهما: ليست آية من الفاتحة ولا من غيرها من السور، وقال الشافعي في قول في بعض طرق مذهبه: هي آية من الفاتحة وليست من غيرها، وعنه: أنها بعض آية من أول كل سورة، وهما غريبان].
والأقرب هو القول الأول: أنها ليست آية من الفاتحة ولا من غيرها، ولكنها آية مستقلة إما للفصل بين السور، أو آية من كل سورة.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال داود هي: آية مستقلة في أول كل سورة لا منها، وهذا رواية عن الإمام أحمد بن حنبل، وحكاه أبو بكر الرازي عن أبي الحسن الكرخي وهما من أكابر أصحاب أبي حنيفة ﵏، هذا ما يتعلق بكونها آية من الفاتحة أم لا].
стр. 53
اختلاف العلماء في الجهر بالبسملة والإسرار بها في الصلاة
[فأما الجهر بها ففرعٌ على هذا، فمن رأى أنها ليست من الفاتحة فلا يجهر بها، وكذا من قال إنها آية في أولها].
والصواب الذي دلت عليه الأحاديث أنه لا يجهر بها, كما جاء في حديث أنس قال: (صليت مع النبي ﷺ وأبي بكر وعمر فلم أرهم يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم)، وفي لفظ: (لا يقرءون ببسم الله الرحمن الرحيم لا في أول قراءة ولا في آخرها)، وفي لفظ آخر: (كانوا يسرون).
فالسنة الإسرار بالبسملة، وهذا يدل على أنها ليست آية من الفاتحة، ولو كانت آية من الفاتحة لشرع الجهر بها في الصلاة الجهرية, فلما جاءت السنة بعدم الجهر بها وأنها تسر بها دل على أنها ليست من الفاتحة, وهذا هو الصواب, ولكن لو جهر بها أحياناً في التعليم كما فعل أبو هريرة فلا بأس، والشافعية يرون الجهر بها.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأما من قال بأنها من أوائل السور فاختلفوا، فذهب الشافعي ﵀ إلى أنه يجهر بها مع الفاتحة والسورة، وهو مذهب طوائف من الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين سلفاً وخلفاً، فجهر بها من الصحابة أبو هريرة وابن عمر وابن عباس ومعاوية، وحكاه ابن عبد البر والبيهقي عن عمر وعلي، ونقله الخطيب عن الخلفاء الأربعة وهم: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وهو غريب، ومن التابعين عن: سعيد بن جبير وعكرمة وأبي قلابة والزهري وعلي بن الحسين وابنه محمد].
علي بن الحسين هو زين العابدين، وابنه: محمد، يقال له: محمد الباقر، هو من الأئمة الذين وقفوا ضد الرافضة، ومن أئمتهم: علي والحسن والحسين بن علي، ثم علي بن الحسين زين العابدين، ثم الباقر محمد بن علي، ثم جعفر الصادق , وعلي بن الحسين ومحمد بن علي كلاهما إمام، لكن الشيعة شوهوا تاريخهم ولطخوه بالأكاذيب, نسأل الله العافية.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [سعيد بن المسيب وعطاء وطاوس ومجاهد وسالم ومحمد بن كعب القرظي وعبيد وأبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وأبي وائل وابن سيرين ومحمد بن المنكدر وعلي بن عبد الله بن عباس وابنه محمد ونافع مولى ابن عمر وزيد بن أسلم وعمر بن عبد العزيز والأزرق بن قيس وحبيب بن أبي ثابت وأبي الشعثاء ومكحول وعبد الله بن مغفل بن مقرن، زاد البيهقي: وعبد الله بن صفوان ومحمد بن الحنفية، زاد ابن عبد البر: وعمرو بن دينار.
والحجة في ذلك: أنها بعض الفاتحة، فيجهر فيها كسائر أبعاضها، وأيضاً فقد روى النسائي في سننه، وابن خزيمة وابن حبان في صحيحهما، والحاكم في مستدركه عن أبي هريرة ﵁: أنه صلى فجهر في قراءته بالبسملة، وقال بعد أن فرغ: إني لأشبهكم صلاة برسول الله ﷺ .
وصححه الدارقطني والخطيب والبيهقي وغيرهم.
وروى أبو داود والترمذي عن ابن عباس ﵄: (أن رسول الله ﷺ كان يفتح الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم)، وقال الترمذي: وليس إسناده بذاك].
أي: ليس بثابت، يعني: إن كان المراد: أن يستفتح الصلاة جهراً فهذا لم يثبت، والمراد: أنه يقرؤها سراً، وجهر أبي هريرة ﵁ بها محمول على أنه يجهر بها للتعليم؛ ولذا قال: إني أشبهكم صلاة برسول الله ﷺ , فإذا جهر بها أحياناً للتعليم فلا حرج، وإلا فالسنة الإسرار.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد رواه الحاكم في مستدركه عن ابن عباس ﵄ قال: (كان رسول الله ﷺ يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم)، ثم قال: صحيح].
إن صح هذا الحديث فهو يفعل أحياناً للتعليم، وإلا فالثابت في الأحاديث الصحيحة أنه كان يسر كما في حديث أنس: (صليت خلف رسول الله وأبي بكر وعمر فلم أرهم يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم)، فإن صح أنه جهر بها فهو محمول على أنه جهر بها أحياناً في التعليم.
لكن روى الحاكم في مستدركه عن ابن عباس ﵄ قال: (كان رسول الله ﷺ , يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم) ثم قال: صحيح.
وفي إسناده: عبد الله بن عمرو بن حسان، كذبه الدارقطني، وقال علي بن المديني: يضع الحديث، لذلك تعقب الذهبي الحاكم فقال: إن ابن حسان كذبه غير واحد.
وعلى هذا فلا يثبت هذا الحديث، والعمدة على الأحاديث الصحيحة في الإسرار بالبسملة، والحاكم ﵀ متساهل، فقد قال: صحيح، وفيه هذا المتهم بالكذب.
فلا يصح أن النبي ﷺ كان يجهر بها، والعمدة على الأحاديث الصحيحة، وهو أن النبي ﷺ كان يسر بالبسملة وكذلك أبو بكر وعمر.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وفي صحيح البخاري عن أنس بن مالك: (أنه سئل عن قراءة النبي الله ﷺ فقال: كانت قراءته مداً، ثم قرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ﴾ [الفاتحة:١] يمد باسم الله، ويمد الرحمن، ويمد الرحيم).
وفي مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود وصحيح ابن خزيمة ومستدرك الحاكم عن أم سلمة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ يقطع قراءته: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:١ - ٤])، وقال الدارقطني: إسناده صحيح].
وقوله: (يقطع قراءته) يعني: يقف على رأس كل آية، فهذه هي السنة، وهذا هو الأفضل,: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:١ - ٢] ثم يقف ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:٣] ويقف، ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤] ويقف على رأس الآية، فهذا هو الأفضل، وإن جمع بين آيتين أو ثلاث فلا بأس, فإذا قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٢ - ٧] فلا بأس، لكن الأفضل الوقوف على رأس الآية كما كان النبي ﷺ يفعل ويقطع قراءته, ويقف على رءوس الآي؛ كما أنه ﵊ يمد: الرحمن ﴿بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ﴾، وهو من المدود الطبيعية فلا يسرع بالقراءة فيها كما يفعل بعض الناس، فبعضهم لا يمد فيها المدود الطبيعية من مخارجها.
قوله: [وروى الإمام أبو عبد الله الشافعي والحاكم في مستدركه عن أنس ﵁: أن معاوية صلى بالمدينة فترك البسملة، فأنكر عليه من حضره من المهاجرين ذلك، فلما صلى المرة الثانية بسمل].
стр. 54
الوجوه التي ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية ورد بها حديث معاوية
ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن هذا الحديث رواه الشافعي، ثم قال: فهذا الحديث يعلم ضعفه من وجوه: الوجه الأول: أنه قد روي عن أنس الرواية الصحيحة الصريحة المستفيضة التي ترد هذا، وهي:: (كان الرسول يسر ببسم الله الرحمن الرحيم).
الوجه الثاني: أن مدار ذلك الحديث على عبد الله بن عثمان بن خثيم وقد ضعفة طائفة, وقد اضطربوا في روايته إسناداً ومتناً كما تقدم, وذلك يبين أنه غير محفوظ.
الوجه الثالث: أنه ليس فيه إسناد متصل السماع، بل فيه من الضعف والاضطراب ما لا يؤمن معه الانقطاع وسوء الحفظ.
الوجه الرابع: أن أنساً كان مقيماً في البصرة، ومعاوية لما قدم المدينة لم يذكر أحداً علمناه أن أنس كان معه، بل الظاهر أنه لم يكن معه.
الوجه الخامس: أن هذه القضية بتقدير وقوعها كانت في المدينة، والراوي لها أنس وكان بالبصرة, وهي مما تتوافر الهمم والدواعي على نقلها، ومن المعلوم أن أصحاب أنس المعروفين بصحبته وأهل المدينة لم ينقل أحد منهم ذلك، بل المنقول عن أنس وأهل المدينة نقيض ذلك, والناقل ليس من هؤلاء ولا من هؤلاء.
الوجه السادس: أن معاوية لو كان رجع إلى الجهر في أول الفاتحة والسورة, لكان هذا أيضاً معروفاً من أمره عند أهل الشام الذين صحبوه، ولم ينقل هذا أحد عن معاوية، بل إن الشاميين كلهم: خلفاءهم وعلماءهم كان مذهبهم ترك الجهر بها، بل إن الأوزاعي مذهبه فيها مذهب مالك فلا يقرؤها سراً ولا جهراً, فهذه الوجوه وأمثالها إذا تدبرها العالم قطع بأن حديث معاوية إما باطل لا حقيقة له، وإما مغيرُ عن وجهه, وأن الذي حدث به بلغه من وجه ليس بصحيح, فحصلت الآفة من انقطاع إسناده.
وبهذا يتبين أن حديث معاوية لا يصح، فيكون العمدة على حديث أنس، فإن النبي ﷺ كان يسر بالبسملة.
وقيل: إن هذا الحديث -حديث معاوية - لو كان تقوم به الحجة لكان شاذاً؛ لأنه خلاف مارواه الناس الثقات الأثبات عن أنس وعن أهل المدينة وأهل الشام، ومن شرط الحديث الثابت ألا يكون شاذاً ولا معللاً، وهذا شاذ معلل إن لم يكن من سوء حفظ بعض رواته.
يعني: هذا الحديث لو صح واستقام سنده يكون شاذاً؛ لمخالفته للأحاديث الصحيحة؛ لأن من شرط الحديث الصحيح ألا يكون شاذاً، وألا يخالف الثقة من هو أوثق منه, وأنس وأهل المدينة مقدمون على حديث معاوية.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وفي هذه الأحاديث والآثار التي أوردناها كفاية ومقنع في الاحتجاج لهذا القول عما عداها، فأما المعارضات والروايات الغريبة وتطريقها وتعليقها وتضعيفها وتقريرها فله موضع آخر.
وذهب آخرون إلى أنه لا يجهر بالبسملة في الصلاة، وهذا هو الثابت عن الخلفاء الأربعة وعبد الله بن مغفل وطوائف من سلف التابعين والخلف، وهو مذهب أبي حنيفة والثوري وأحمد بن حنبل].
وهذا هو الأرجح والمعتمد.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وعند الإمام مالك: أنه لا يقرأ البسملة بالكلية لا جهراً ولا سراً، واحتجوا بما في صحيح مسلم عن عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ يفتتح الصلاة بالتكبير والقراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢]).
وبما في الصحيحين عن أنس بن مالك قال: (صليت خلف النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان فكانوا يفتتحون: بـ ((الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)) [الفاتحة:٢])، ولـ مسلم: (لا يذكرون ﴿بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ﴾ [الفاتحة:١] في أول قراءة ولا في آخرها)، ونحوه في السنن عن عبد الله بن مغفل ﵁].
ولكن الذي قال به مالك من أنه لا يقرأ جهراً ولا سراً ضعيف, وأما حديث عائشة: كان يفتتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لله، يفتتح الصلاة بالتكبير، ويجهر بالقراءة بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ﴾ [الفاتحة:١]، ولا ينفي هذا أن يقرأها سراً.
وكذلك حديث أنس: (صليت خلف النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان فكانوا يفتتحون بـ ((الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)) [الفاتحة:٢]) ولـ مسلم: (لا يذكرون ﴿بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ﴾ [الفاتحة:١] في أول قراءة ولا في آخرها) يعني: لا يجهرون؛ ولهذا جاء في الروايات الأخرى: (كانوا يسرون)، وعلى ذلك فيكون هذا القول بأنه لا يقرأ بها لا سراً ولا جهراً ضعيف، وهذه الأدلة التي استدلوا بها ليست واضحة, وإنما فيها نفي الجهر وليس فيها نفي أنهم لا يقرءون بها سراً، ولهذا جاء في الرواية الأخرى: (كانوا يسرون).
ورواية مسلم: (لا يذكرون ﴿بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ﴾ [الفاتحة:١]) أعلها ابن عبد البر بالاضطراب، وأن مسلماً أخرجها مكاتبة عن الأوزاعي حيث إن قتادة كتب للأوزاعي بهذا الحديث.
وهو قوله: (ولا يجهرون بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ﴾ [الفاتحة:١] في أول قراءة ولا في آخرها)، فطعن فيها ابن عبد البر وقال: بالاضطراب، وابن حجر استدل في البلوغ برواية ابن خزيمة.
وأخرج ابن حجر في بلوغ المرام رواية ابن خزيمة: (أنهم كانوا يسرون بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ﴾ [الفاتحة:١])، ولم يتكلم عليها.
وسند ابن خزيمة: حدثني أحمد بن أبي سريج الرازي قال حدثني سريج بن عبد العزيز عن عمران القصير عن الحسن عن أنس ﵁: (أن رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا يسرون).
وذكر المزني في التهذيب الكلام في تلاميذ سريج بن عبد العزيز أحمد بن أبي سريج، وقال سويد بن عبد العزيز الدمشقي: متروك، وكذبه غير واحد، واختلفوا فيه اختلافاً كثيراً، وقال الذهبي في ميزان الاعتدال بعد ذكر قول ابن حبان: يؤخذ منه ما تابع فيه الثقات، وما خالف يترك, قال: لا ولا كرامة.
لكن هذا يحتاج إلى رواية مسلم، وكتابة قتادة للأوزاعي قال: كتب لي فإذا كانت كتابة قد يحتج بها, لا أدري هل هو منقطع.
стр. 55
اختلاف أهل العلم في قراءة البسملة
[ذكر ابن حجر في فتح الباري رواية مسلم وقال: وأخرجه مسلم من طريق الأوزاعي عن قتادة بلفظ: (لم يكونوا يذكرون ﴿بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ﴾ [الفاتحة:١])، وقد قدح بعضهم في صحته لكون الأوزاعي رواه عن قتادة مكاتبة وفيه نظر، فإن الأوزاعي لم ينفرد به، فقد رواه أبو يعلى عن أحمد الدورقي، والسراج عن يعقوب الدورقي وعبد الله بن أحمد عن أحمد بن عبد الله السلمي ثلاثتهم عن أبي داود الطيالسي عن شعبة بلفظ: فلم يكونوا يفتتحون القراءة بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ﴾ [الفاتحة:١]، قال شعبة: قلت لـ قتادة: سمعته من أنس، قال نحن سألناه.
وهذا مما يؤيد القول بصحة الحديث.
وأما من قال بأنه منقطع فلإعلال ابن عبد البر؛ لكونها مكاتبة فقط، وهذا لا يقدح في صحة الحديث.
والمقصود أن قول مالك هنا أنه لا يقرأ البسملة في الصلاة لا جهراً ولا سراً، أن هذا ضعيف، وما استدل به لا يدل على ذلك، فقد استدل بحديث عائشة وحديث أنس، هما لا يدلان على أنه لا يقرؤها سراً، وإنما فيه أنه لا يقرؤها جهراً.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فهذه مآخذ الأئمة ﵏ في هذه المسألة وهي قريبة؛ لأنهم أجمعوا على صحة صلاة من جهر بالبسملة ومن أسر.
ولله الحمد والمنة].
أي: أنهم أجمعوا على أن من أسر بالبسملة أو جهر بها فصلاته صحيحة، لكن الخلاف في الأفضل والسنة.
إذاً في المسألة ثلاثة أقوال: الأول: الإسرار بالبسملة، وهذا أرجحها.
الثاني: الجهر بها.
الثالث: عدم قراءتها بالكلية لا جهراً ولا سراً، وهذا هو قول مالك، وهو أضعف الأقوال.
وأما ما روي عن أبي هريرة أنه جهر بالبسملة فهذا محمول على أنه جهر بها لتعليم الناس، وأنها فطرة، وهذا أحسن ما حمل عليه.
стр. 56
تفسير سورة الفاتحة [٥]
يشرع ذكر البسملة في بداية كل قول وعمل، حيث اشتملت على ذكر اسم الله الذي لا معبود بحق سواه، واشتملت أيضاً على ذكر بعض صفاته الحسنى، فهو الرحمن الرحيم الذي يفيض بالنعم الجليلة عامها وخاصها على خلقه.
стр. 57
تفسير قوله تعالى: (بسم الله الرحمن الرحيم)
стр. 58
فضل البسملة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فصل في فضلها.
قال الإمام العالم الحبر العابد أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم ﵀ في تفسيره: حدثنا أبي حدثنا جعفر بن مسافر حدثنا زيد بن المبارك الصنعاني حدثنا سلام بن وهب الجندي].
سلام هذا بتشديد اللام، والقاعدة أن سلام كله بالتشديد إلا في موضعين فهو بتخفيف اللام: أحدها: محمد بن سلام البيكندي شيخ البخاري، فالأرجح فيه التخفيف، ويجوز فيه التشديد.
الثاني: عبد الله بن سلام الإسرائيلي الصحابي، فهو بالتخفيف كذلك، والباقي كله بالتشديد، والجندي بفتح الجيم والنون منسوب إلى الجند، بلدة في اليمن.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا أبي عن طاوس عن ابن عباس: (أن عثمان بن عفان ﵁ سأل رسول الله ﷺ عن ﴿بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ﴾ [الفاتحة:١]، فقال: هو اسم من أسماء الله، وما بينه وبين اسم الله الأكبر إلا كما بين سواد العينين وبياضهما من القرب)].
وهذا الحديث إما ضعيف جداً أو موضوع، لأجل سلام بن وهب الكندي، وقد رواه ابن أبي حاتم والخطيب البغدادي في تاريخه، والحاكم في المستدرك من طريق زيد بن المبارك به، وقال الذهبي في ترجمة سلام بن وهب: في الميزان أتى بخبر منكر بل كذب، ثم ساق هذا الخبر، فلعل هذا الحديث يكون موضوعاً.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهكذا رواه أبو بكر بن مردويه عن سليمان بن أحمد عن علي بن المبارك عن زيد بن المبارك به، وقد روى الحافظ ابن مردويه من طريقين عن إسماعيل بن عياش عن إسماعيل بن يحيى عن مسعر عن عطية عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن عيسى بن مريم ﵇ أسلمته أمه إلى الكتاب ليعلمه)].
أي: المدرسة التي يتعلم فيها أوائل التعليم كالكتابة وغيرها.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [(فقال له المعلم: اكتب، فقال: ما أكتب؟ قال: باسم الله، قال له عيسى: وما باسم الله؟ قال المعلم: ما أدري، قال له عيسى: الباء: بهاء الله، والسين: سناؤه، والميم: مملكته، والله: إله الآلهة، والرحمن: رحمان الدنيا والآخرة، والرحيم: رحيم الآخرة)].
وهذا ضعيف جداً؛ ففيه عطية العوفي وهو شيعي مدلس، وفيه كذلك إسماعيل بن عياش إذا روى عن غير الشاميين فهو ضعيف، والأقرب أن هذا الحديث موضوع؛ لأنه منكر، وذلك أن عيسى أدخلته أمه إلى الكتاب وهو في الغالب ابن ست أو سبع سنين فكيف يقول مثل هذا الكلام؟ وروى هذا الحديث الطبري وابن عدي في الكامل بمثل طريق الطبري، وقال ابن عدي: هذا حديث باطل الإسناد لا يرويه غير إسماعيل.
والمعروف بضعفه في هذا الإسناد هو عطية العوفي أيضاً.
وكان الأولى بـ الحافظ ابن كثير ﵀ ألا يأتي بمثل هذا الحديث، وكذلك حديث سلام بن وهب الجندي، لكنه لما ذكر السند خرج من العهدة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد رواه ابن جرير من حديث إبراهيم بن العلاء الملقب بـ ابن زبريق].
وفي بعض النسخ: الملقب: زبريق بدون ابن، على وزن إبريق، وإبراهيم بن العلاء هو الموجود في الأصل، وهو إبراهيم بن العلاء بن الضحاك بن المهاجر بن عبد الرحمن الزبيدي الحمصي المعروف بـ ابن زبريق بكسر الباء والراء، و (ابن) ساقطة من بعض النسخ، وفي التقريب ذكر (ابن) فيحتمل أنه يلقب بهذا وبهذا.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [عن إسماعيل بن عياش عن إسماعيل بن يحيى عن ابن أبي مليكة عمن حدثة عن ابن مسعود، ومسعر عن عطية عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ فذكره، وهذا غريب جداً، وقد يكون صحيحاً إلى من دون رسول الله ﷺ ، وقد يكون من الإسرائيليات لا من المرفوعات، والله أعلم].
فـ ابن كثير ﵀ حكم عليه أنه من الإسرائيليات، وهذا هو الأقرب.
وهذا السند هو نفس السند السابق، ففيه عطية العوفي وفيه إسماعيل بن عياش.
قال ابن جرير بعد هذا الحديث: وأما الخبر الذي حدثنا به إسماعيل بن الفضل قال: حدثنا إبراهيم بن العلاء وساق الإسناد والحديث، ثم قال: فأخشى أن يكون غلطاً من المحدث، وأن يكون أراد (ب، س، م) على سبيل ما يعلم المبتدئ من الصبيان في الكتاب حروف أبي جاد، فغلط بذلك فوصله فقال: باسم الله؛ لأنه لا معنى لهذا التأويل إذا تلي ﴿بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ﴾ [الفاتحة:١] على ما يتلوه القارئ في كتاب الله؛ لاستحالة معناه عن المفهوم به عند جميع العرب وأهل لسانها إذا حمل تأويله على ذلك.
وهذا الكلام صحيح فيحمل عليه.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد روى جويبر عن الضحاك نحوه من قبله].
أي: من قبل الضحاك.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد روى ابن مردويه من حديث يزيد بن خالد عن سليمان بن بريدة، وفي رواية عن عبد الكريم أبي أمية].
هو في الأصل ابن أمية، وفي رواية: أبي أمية كما في التهذيب، وهو في التقريب: عبد الكريم بن أبي المخارق، بضم الميم والخاء المعجمة، أبو أمية.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [عن ابن بريدة عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: (أنزلت علي آية لم تنزل على نبي غير سليمان بن داود وغيري وهي: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ﴾ [الفاتحة:١])].
ورواه ابن أبي حاتم، وقال الحافظ ابن كثير: [هذا حديث غريب وإسناده ضعيف].
وسوف يأتي عند تفسير آية ثلاثين من سورة النمل.
وفي تفسير سورة النمل قال: وقد روى ابن أبي حاتم في ذلك حديثاً في تفسيره حيث قال: حدثنا أبي قال: حدثنا هارون بن الفضل أبو يعلى الخياط قال: حدثنا أبو يوسف عن سلمة بن صالح عن عبد الكريم أبي أمية عن ابن بريدة عن أبيه ﵁ قال: (كنت أمشي مع رسول الله ﷺ فقال: إني أعلم آية لم تنزل على نبي قبلي بعد سليمان بن داود قلت: يا نبي الله! أي آية؟ قال: سأعلمكها قبل أن أخرج من المسجد، قال: فانتهى إلى الباب فأخرج إحدى قدميه فقلت: نسي، ثم التفت إلي وقال: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل:٣٠])، قال: هذا حديث غريب وإسناده ضعيف.
فضعف ﵀ الحديث هنا في سورة النمل.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وروى بإسناده عن عبد الكبير بن المعافى بن عمران عن أبيه عن عمر بن ذر عن عطاء بن أبي رباح عن جابر بن عبد الله قال: (لما نزل ﴿بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ﴾ [الفاتحة:١]، هرب الغيم إلى المشرق، وسكنت الرياح، وهاج البحر، وأصغت البهائم بآذانها، ورجمت الشياطين من السماء، وحلف الله تعالى بعزته وجلاله ألا يسمى اسمه على شيء إلا بارك فيه)].
وفي بعض النسخ: هرب اليم، ولعله تحريف.
قال المؤلف ﵀: [وقال وكيع عن الأعمش عن أبي وائل عن ابن مسعود ﵁ قال: (من أراد أن ينجيه الله من الزبانية التسعة عشر فليقرأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ﴾ [الفاتحة:١]، فيجعل الله له من كل حرف منها جُنَّة من كل واحد.
وهذا موقوف على ابن مسعود، وفيه عنعنة الأعمش وهو مدلس، وابن مسعود قد يأخذ عن بني إسرائيل وإن كان على قلة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكره ابن عطية والقرطبي، ووجهه ابن عطية ونصره بحديث: (لقد رأيت بضعة وثلاثين ملكاًَ يبتدرونها لقول الرجل: ربنا ولك الحمد، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه)؛ من أجل أنها بضعة وثلاثون حرفاً وغير ذلك].
أي أن توجيه ابن عطية كان من أجل (بضعة)، وهذا يؤيد قوله: فيجعل الله له من كل حرف منها جنة من كل واحد؛ لأن حروف ﴿بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ﴾ [الفاتحة:١] تسعة عشر حرفاً كعدد الزبانية، وكذلك الحديث (لقد رأيت بضعة وثلاثين ملكاً يبتدرونها) أي يبتدرون كلمة الرجل البالغة بضعة وثلاثين حرفاً، وهذا توجيه بعيد.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال الإمام أحمد بن حنبل في مسنده: حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن عاصم قال: سمعت أبا تميمة يحدث عن رديف النبي ﷺ قال: (عثر بالنب
стр. 59
اختلاف أهل العلم في كون الاسم هو المسمى أو غيره
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأما مسألة الاسم هل هو المسمى أو غيره ففيها للناس ثلاثة أقوال: أحدها: أن الاسم هو المسمى، وهو قول أبي عبيدة وسيبويه، واختاره الباقلاني وابن فورك، وقال الرازي -وهو محمد بن عمر المعروف بـ ابن خطيب الري - في مقدمات تفسيره: قالت: الحشوية والكرامية والأشعرية الاسم نفس المسمى وغير نفس التسمية، وقالت المعتزلة: الاسم غير المسمى ونفس التسمية، والمختار عندنا أن الاسم غير المسمى وغير التسمية].
المقصود بالحشوية: أهل السنة، فيسمونهم حشوية، فهؤلاء والكرامية ذهبوا إلى أن الاسم هو نفس المسمى وهو غير التسمية، وهذا هو القول الأول.
القول الثاني: الاسم غير المسمى، وهو نفس التسمية.
القول الثالث: أن الاسم غير المسمى وغير التسمية، وهو ما اختاره الرازي.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم نقول: إن كان المراد بالاسم هذا اللفظ الذي هو أصوات متقطعة وحروف مؤلفة، فالعلم الضروري حاصل أنه غير المسمى، وإن كان المراد بالاسم ذات المسمى، فهذا يكون من باب إيضاح الواضحات وهو عبث، فثبت أن الخوض في هذا البحث على جميع التقديرات يجري مجرى العبث.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [هذا كلام الرازي، ثم شرع يستدل على مغايرة الاسم للمسمى بأنه قد يكون الاسم موجوداً والمسمى مفقوداً كلفظة المعدوم].
أي: أن الاسم موجود والمسمى غير موجود، كقولك الجنة بين السماء والأرض مثلاً، فالاسم موجود والمسمى معدوم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وبأنه قد يكون للشيء أسماء متعددة كالمترادفة، وقد يكون الاسم واحداً والمسميات متعددة كالمشترك، وذلك دال على تغاير الاسم والمسمى، وأيضاً فالاسم لفظ وهو عرض والمسمى قد يكون ذاتاً ممكنة أو واجبة بذاتها].
وهذا كلام الرازي كذلك.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأيضاً فلفظ النار والثلج لو كان هو المسمى لوجد اللافظ بذلك حر النار أو برد الثلج ونحو ذلك، ولا يقوله عاقل].
أي: لو كان الاسم هو المسمى لوجد من يقول: النار حر النار بلسانه، ومن قال: الثلج، ويجد برد الثلج بلسانه؛ لأن الاسم هو المسمى، لكن الاسم غير المسمى.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأيضاً فقد قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠]، وقال النبي ﷺ (إن لله تسعة وتسعين اسماً) فهذه أسماء كثيرة والمسمى واحد وهو الله تعالى وأيضاً فقوله: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الأعراف:١٨٠] أضافها إليه، كما قال: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة:٧٤]، ونحو ذلك، فالإضافة تقتضي المغايرة، وقوله تعالى: ﴿فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠] أي: فادعو الله بأسمائه، وذلك دليل على أنها غيره.
واحتج من قال: الاسم هو المسمى بقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٧٨]، والمتبارك: هو الله تعالى].
ما زال هذا الكلام تابع لكلام الرازي.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [
و
الجواب
أن الاسم معظم؛ لتعظيم الذات المقدسة، وأيضاً فإذا قال الرجل: زينب طالق -يعني: امرأته- طلقت، ولو كان الاسم غير المسمى لما وقع الطلاق].
وهذه أيضاً حجة من قال: إن الاسم هو المسمى، والأولى: حجة من قال: إن الاسم غير المسمى، ولو كان الاسم هو المسمى لوجد لافظ النار حرها والثلج بردها.
واحتج من قال بأن الاسم هو المسمى، بأن الرجل إذا قال المرأة فلانة طالق لطلقت، فدل على أن الاسم هو المسمى.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [
و
الجواب
أن المراد: أن الذات المسماة بهذا الاسم طالق.
قال الرازي: وأما التسمية فإنها جعْل الاسم معيناً لهذه الذات، فهي غير الاسم أيضاًََ، والله أعلم]، وفي بعض النسخ: [وأما التسمية فإنها فعل الاسم معيناً لهذه الذات فهي غير الاسم].
والأقرب: جعل.
وهذا هي الحقيقة، فالبحث واضح لا يحتاج إلى كلام كثير؛ لأنه إن أريد بالاسم اللفظ كأن يقال مثلاً: الله اسم عربي، فالاسم غير المسمى، وإن أريد بالاسم الذات المسماة بهذا الاسم فليس هو المسمى.
стр. 60
تفسير سورة الفاتحة [٦]
اختلف العلماء هل اسم (الله) مشتق أو جامد، والراجح أنه مشتق، وهو مأخوذ من التأله، وهو التعبد والتنسك.
стр. 61
أسماء الله لا حصر لها
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [الله علم على الرب ﵎، يقال: إنه الاسم الأعظم؛ لأنه يوصف بجميع الصفات، كما قال تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الحشر:٢٢ - ٢٤] فأجرى الأسماء الباقية كلها صفات له كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠]، وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء:١١٠].
وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إن لله تسعة وتسعين اسماً مائة إلا واحداً من أحصاها دخل الجنة)، وجاء تعدادها في رواية الترمذي وابن ماجة].
تعداد: بفتح التاء؛ لأن المصادر كلها بالفتح، كتكرار وترداد، ومن الخطأ كسر التاء هنا إلا في مصدرين: تبيان وتلقاء، بكسر التاء، وما عدا ذلك يكون بالفتح.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وبين الروايتين اختلاف زيادة ونقصان].
الاسم الكريم: الله، علم على الرب لا يطلق إلا عليه ، وهو أعرف المعارف، وجميع الصفات والأسماء ترجع إليه، و (الله) من التأله والتعبد، أي: هو المألوه المعبود الذي تألهه القلوب وتخضع له وتذل له، ولا حياة لها ولا نور ولا سعادة إلا بالتأله والتعبد لله وإخلاص العبادة له ففي القلوب فقر ذاتي لا يسده إلا التجاؤها إلى الله وتألهها وتعبدها وإخلاصها له، وهذا الفقر في قلوب جميع الخلائق ولا يسده ولا يزيل الشدة والكرب والمشقة والتعب إلا رجوعها إلى الله وتألهها وتعبدها وخضوعها له، والإله بمعنى: المألوه المعبود الذي تألهه القلوب وتخضع له وتذل له ، واسم (الله) مشتق على الصحيح، فهو اسم وصفة، فهو اسم على معنى الرب وهو مشتمل على صفة الألوهية، وأسماء الله كثيرة لا حصر لها، وأما حديث: (إن لله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة)، فهي أسماء موصوفة بهذه الصفة، والمعنى: أن لله تسعة وتسعين اسماً موصوفة بأن من أحصاها دخل الجنة، وله أسماء أخرى غير موصوفة بهذا الوصف، كما تقول: عندي مائة فرس أعددتها للجهاد في سبيل الله، أي: وعندي مئات أخرى ما أعددتها للجهاد، بل أعددتها للعمل مثلاً، ويدل على هذا حديث ابن مسعود: (اللهم إني أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحداً من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك)، إذاً: هناك أسماء استأثر الله بها في علم الغيب عنده، فليست أسماؤه محصورة بهذا العدد، وإنما هذه الأسماء التسعة والتسعون موصوفة بأن من أحصاها دخل الجنة، والإحصاء معناه حفظها والعمل بها وسؤال الله بها، والتوسل إليه بها، وهذه الأسماء التسعة والتسعون ليست معروفة، وإنما أحصاها الله حتى يتعرفها العباد ويطلبونها من نصوص الكتاب والسنة، كما أخفيت ساعة الجمعة، وكما أخفيت ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان حتى يجتهد العباد في طلبها ومعرفتها، وكذلك هذه الأسماء أخفيت فليست معروفة، وأما الحديث الذي فيه تعدادها فهو ليس من كلام النبي ﷺ ، وإنما هو مدرج من بعض الرواة، كما قال بهذا أهل العلم.
وإحصاؤها يشمل حفظها والعمل بها، والتخلق بما يمكن التخلق بها، والتوسل إلى الله بها.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد ذكر الرازي في تفسيره عن بعضهم أن لله خمسة آلاف اسم، ألف في الكتاب والسنة الصحيحة، وألف في التوراة، وألف في الإنجيل، وألف في الزبور، وألف في اللوح المحفوظ].
وهذا ليس عليه دليل، بل الصواب أنها ليست محصورة ولا يعلم عددها إلا هو كما سبق في الحديث: (أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحداً من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك) فهناك أسماء استأثر الله بها في علم الغيب عنده، فكيف يقال: إنها محصورة بخمسة آلاف اسم!
стр. 62
اسم الله لا يسمى به غيره
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهو اسم لم يسم به غيره ﵎، ولهذا لا يعرف في كلام العرب له اشتقاق من فعل يفعل].
اسم الله علم على الرب ، ولا يسمى به إلا هو ، وكذلك الرحمن.
أسماء الله قسمان: القسم الأول: أسماء لا يسمى بها إلا هو، وأعظمها: الله والرحمن والخلاق والرزاق ومالك الملك النافع الضار، المعطي المانع، فهذه لا يسمى: بها إلا هو.
القسم الثاني: أسماء يسمى بها غيره، مثل: العزيز، قال تعالى ﴿قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ﴾ [يوسف:٥١]، والملك، قال تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ﴾ [يوسف:٥٠]، فيجوز للمخلوق أن يسمى بالملك والحي والسميع والبصير، وهي من أسماء الله، لكن أسماء الله تليق به وأسماء المخلوق تليق به، فأسماء الله كاملة مشتملة على صفات الكمال.
стр. 63
اختلاف النحاة في جمود لفظ الجلالة واشتقاقه
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فذهب من ذهب من النحاة إلى أنه اسم جامد لا اشتقاق له، وقد نقله القرطبي عن جماعة من العلماء منهم الشافعي والخطابي وإمام الحرمين والغزالي وغيرهم، وروى عن الخليل وسيبويه أن الألف واللام فيه لازمة.
قال الخطابي: ألا ترى أنك تقول: يا الله ولا تقول يا الرحمن، فلولا أنها من أصل الكلمة لما جاز إدخال حرف النداء على الألف واللام.
وقيل: إنه مشتق].
والصواب أنه مشتق، وكل أسماء الله مشتقة وليست جامدة، فهي مشتملة على معاني وصفات، فالله مشتمل على صفة الإلوهية، والرحمن مشتمل على صفة الرحمة، والعليم مشتمل على صفة العلم، والقدير مشتمل على صفة القدرة، والسميع مشتمل على صفة السمع، والبصير مشتمل على صفة البصر، والحي مشتمل على صفة الحياة، وهكذا فكل أسماء الله مشتق منها صفات، بخلاف الصفة فلا يشتق منها اسم لله، وإنما الاسم يشتمل على الصفة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقيل: إنه مشتق، واستدلوا عليه بقول رؤبة بن العجاج: لله در الغانيات المده سبحن واسترجعن من تألهي].
أي: من تعبد، وهذا البيت له قصة: وهو أن رجلاً كان له صبوة وله سفه مع النساء الغانيات، ثم تاب ورجع، فجئن إليه وقد تاب ووجدنه يسبح ويستغفر، فتعجبن من تسبيحه: لله در الغانيات المده سبحن واسترجعن من تألهي لله در: كلمة يؤتى بها للمدح، والمده أي: المدح، وتمده: تمدح، والمدَّه: أي: الممدوحات.
والشاهد قوله: من تأله: وهو أن اسم الله مشتق من التأله.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فقد صرح الشاعر بلفظ المصدر وهو التأله من أله يأله إلاهة وتألهاً، كما روي عن ابن عباس أنه قرأ ﴿وَيَذَرَكَ وإلاهتك﴾ [الأعراف:١٢٧] قال: عبادتك، أي: أنه كان يعبد ولا يعبد].
وهنا في قصة فرعون يقول الله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَإلاِهَتَكَ﴾ [الأعراف:١٢٧] أي: وعبادتك؛ لأنه معبود، فقد كانوا يعبدونه، فقال له الملأ: كيف تترك موسى ومن معه يتركونك ويتركون عبادتك، هذا على قراءة - ابن عباس -، وقراءة حفص: ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ [الأعراف:١٢٧]، فيكون فرعون له معبود يعبده، وآلهة من دون الله، فهو مشرك، والمعنى: كيف تترك موسى يتركك ويترك معبودك، ولا منافاة بين المعنيين، ففرعون معبود يعبده قومه، وله آلهة يعبدها من دون الله.
وقول الله تعالى: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤] الظاهر منه أنهم كانوا يعبدونه ولا ينفي أن يكون له معبود أيضاً وآلهة يعبدها، فيمكن الجمع بين الطرفين.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكذا قال مجاهد وغيره، وقد استدل بعضهم على كونه مشتقاً بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الأَرْضِ﴾ [الأنعام:٣]، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف:٨٤]].
أي: المعبود في السماء والأرض هو الله.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ونقل سيبويه عن الخليل أن أصله: إلاه، مثل فعال، فأدخلت الألف واللام بدلاً من الهمزة، كما قال سيبويه: مثل الناس أصله أناس، وقيل: أصل الكلمة: لاه، فدخلت الألف واللام للتعظيم، وهذا اختيار سيبويه، قال الشاعر: لاه ابن عمك لا أفضلت في حسب عني ولا أنت دياني فتخزوني قال القرطبي: بالخاء المعجمة، أي: فتسوسني].
أي أن: أصلها لاه، ودخلت الألف واللام وأدغمت اللام في اللام وفخمتا فصارت الله.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال الكسائي والفراء: أصله: الإله حذفوا الهمزة وأدغموا اللام الأولى في الثانية، كما قال: ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ [الكهف:٣٨] أي: لكن أنا، وقد قرأها كذلك الحسن].
(لكن أنا) حذقت الهمزة والتقت النون والنون، فشددتا فصارت ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ [الكهف:٣٨].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال القرطبي: ثم قيل: هو مشتق من وله إذا تحير، والوله ذهاب العقل، يقال: رجل واله، وامرأة ولهى ومولوهة، وماء موله: إذا أرسل في الصحراء، فالله تعالى يحير أولو الألباب والفكر في حقائق صفاته، فعلى هذا يكون أصله ولاه، فأبدلت الواو همزة، كما قالوا في وشاح إشاح، ووسادة إسادة.
فإشاح مثل: إله.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال الرازي: وقيل: إنه مشتق من ألهت إلى فلان أي: سكنت إليه، فالعقول لا تسكن إلا إلى ذكره، والأرواح لا تفرح إلا بمعرفته؛ لأنه الكامل على الإطلاق دون غيره، قال الله تعالى: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ * الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الرعد:٢٨ - ٢٩]، قال: وقيل: من لاه يلوه إذا احتجب، وقيل: اشتقاقه من أله الفصيل: أولع بأمه، والمعنى: أن العباد مألوهون مولعون بالتضرع إليه في كل الأحوال، قال: وقيل: هو مشتق من أله الرجل يأله إذا فزع من أمر نزل به، فألهه أي أجاره، فالمجير لجميع الخلائق من كل المضار هو الله سبحانه، لقوله تعالى: ﴿وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ﴾ [المؤمنون:٨٨]، وهو المنعم، لقوله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنِ اللَّهِ﴾ [النحل:٥٣]، وهو المطعم، لقوله تعالى: ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ﴾ [الأنعام:١٤]، وهو الموجد، لقوله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء:٧٨]، وقد اختار الرازي: أنه اسم غير مشتق البتة].
وهذا قول مرجوح، والصواب أنه مشتق كما سبق.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال: وهو قول الخليل وسيبويه وأكثر الأصوليين والفقهاء].
وهذا على زعمه، ولا يسلم له أن هذا قول أكثر الأصوليين والفقهاء.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم أخذ يستدل على ذلك بوجوه منها: أنه لو كان مشتقاً لاشترك في معناه كثيرون، ومنها: أن بقية الأسماء تذكر صفات له، فتقول: الله الرحمن الرحيم الملك القدوس، فدل على أنه ليس بمشتق، قال: فأما قوله تعالى: ﴿الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * اللَّهِ﴾ [إبراهيم:١ - ٢] على قراءة الجر فجعل ذلك من باب عطف البيان].
وكل هذا لا يدل على أنه ليس بمشتق.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومنها: قوله تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥]، وفي الاستدلال بهذه على كون هذا الاسم جامداً غير مشتق نظر، والله أعلم].
لا شك أن فيه نظراً بيناً، والصواب أنه مشتق.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وحكى الرازي عن بعضهم: أن اسم الله تعالى عبراني لا عربي، ثم ضعفه، وهو حقيق بالتضعيف كما قال].
وهذا القول ليس بشيء وجدير بأن يضعف، والصواب أن (الله) اسم عربي وليس عبرانياً، والعبرانية لغة اليهود.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد حكى الرازي هذا القول ثم قال: واعلم أن الخلائق قسمان: واصلون إلى ساحل بحر المعرفة، ومحرومون قد بقوا في ظلمات الحيرة وتيه الجهالة، فكأنهم قد فقدوا عقولهم وأرواحهم، وأما الواجدون فقد وصلوا إلى عرصة النور، وفسحة الكبرياء والجلال].
العرصة: هي المكان المتسع في الصحراء، ومنه عرصات القيامة، وهذا كله من كلام وعبارات الصوفية.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فتاهوا في ميادين الصمدية، وبادوا في عرصة الفردانية، فثبت أن الخلائق كلهم والهون في معرفته.
وروي عن الخليل بن أحمد أنه قال: لأن الخلق يألهون إليه، بفتح اللام وكسرها لغتان، وقيل: إنه مشتق من الارتفاع، فكانت العرب تقول لكل شيء مرتفع: لاها، وكانوا يقولون إذا طلعت الشمس: لاهت، وقيل: إنه مشتق من أله الرجل: إذا تعبد، وتأله: إذا تنسك].
وهذا هو الأقرب فهو مشتق من تأله، والتأله: التعبد والتنسك، وتأله: تعبد وتنسك وخضع لله وذل له.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقرأ ابن عباس: ﴿وَيَذَرَكَ وإلاهتك﴾ [الأعراف:١٢٧]، وأصل ذلك الإله فحذفت الهمزة التي هي فاء الكلمة، فالتقت اللام التي هي عينها مع اللام الزائدة في أولها للتعريف، فأدغمت إحداهما في الأخرى فصارتا في اللفظ لاماً واحدة مشددة، وفخمت تعظيماً، فقيل: الله].
стр. 64
تفسير سورة الفاتحة [٧]
الرحمن الرحيم من أسماء الله تعالى الحسنى، وهما اسمان مشتقان يدلان على الرحمة، والرحمن اسم خاص بالله تعالى لا يطلق على غيره، وأما الرحيم فهو اسم مشترك يطلق على الله وعلى غيره، وقد اختلف أهل العلم في تفسيرهما والفرق بينهما اختلافاً كثيراً.
стр. 65
الرحمن والرحيم اسمان مشتقان من الرحمة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:٣] اسمان مشتقان من الرحمة على وجه المبالغة، ورحمن أشد مبالغة من رحيم، وفي كلام ابن جرير ما يفهم منه حكاية الاتفاق على هذا].
الرحمن والرحيم: اسمان لله ، وهما مشتقان، ومشتملان على صفة الرحمة، والرحمن خاص بالله لا يطلق إلا عليه، ولهذا لما تسمى مسيلمة بالرحمن لصق به اسم الكذب، فلا يذكر اسم مسيلمة إلا ويقال: مسيلمة الكذاب.
وأما اسم الرحيم فليس خاصاً، بل هو من الأسماء المشتركة، قال الله تعالى عن نبيه ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨].
وأما اسم الحكم فقد جاء في قصة أبي شريح أنه كان يسمى أبا الحكم: (فسأله النبي ﷺ ، فقال: إن قومي إذا اختصموا في شيء حكمت بينهم فرضي كلا الفريقين، فقال النبي ﷺ : ما أحسن هذا، فما لك من الولد؟ قال: شريح ومسلم وعبد الله، قال: فمن أكبرهم؟ قال: شريح قال: فأنت أبو شريح)، فغير النبي ﷺ كنيته، فيظهر من ذلك أنه لا يجوز أن يطلق اسم الحكم على غير الله، ويحتمل أن هذا من باب كمال التوحيد؛ ولهذا ثبت أن بعض الصحابة كان يسمى بالحكم ولم يغيره النبي ﷺ ، ولذلك قال بعض العلماء: إذا نظر إلى الصفة في هذا الاسم يُغيَّر، وإذا لم ينظر إلى الصفة لا يُغيَّر.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وفي تفسير بعض السلف ما يدل على ذلك كما تقدم في الأثر عن عيسى ﵇ أنه قال: والرحمن رحمان الدنيا والآخرة، والرحيم رحيم الآخرة.
وزعم بعضهم أنه غير مشتق؛ إذ لو كان كذلك لاتصل بذكر المرحوم، وقد قال: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب:٤٣].
وحكى ابن الأنباري في الزاهر عن المبرد أن الرحمن اسم عبراني ليس بعربي، وقال أبو إسحاق الزجاج في معاني القرآن].
هذا قول مرجوح، بل الصواب أنه عربي.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال أبو إسحاق الزجاج في معاني القرآن: وقال أحمد بن يحيى: الرحيم عربي والرحمن عبراني، فلهذا جمع بينهما.
قال أبو إسحاق: وهذا القول مرغوب عنه].
أي: أن هذا ليس بشيء؛ لضعفه.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال القرطبي: والدليل على أنه مشتق ما خرجه الترمذي وصححه عن عبد الرحمن بن عوف ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (قال الله تعالى: أنا الرحمن خلقت الرحم، وشققت لها اسماً من اسمي، فمن وصلها وصلته) قال: وهذا نص في الاشتقاق، فلا معنى للمخالفة والشقاق].
стр. 66
اختلاف العلماء في معنى الرحمن والرحيم
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال: وإنكار العرب لاسم الرحمن لجهلهم بالله وبما وجب له، قال القرطبي: ثم قيل: هما بمعنى واحد كندمان ونديم].
أي: أن الرحمن والرحيم معناهما واحد.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قاله أبو عبيد، وقيل: ليس بناء فعلان كفعيل، فإن فعلان لا يقع إلا على مبالغة الفعل، نحو قولك: رجل غضبان، للرجل الممتلئ غضباً، وفعيل قد يكون بمعنى الفاعل والمفعول، قال أبو علي الفارسي: الرحمن اسم عام في جميع أنواع الرحمة يختص به الله تعالى، والرحيم إنما هو من جهة المؤمنين، قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب:٤٣].
وقال ابن عباس: هما اسمان رقيقان أحدهما أرق من الآخر، أي: أكثر رحمة.
ثم حكي عن الخطابي وغيره: أنهم استشكلوا هذه الصفة وقالوا: لعله أرفق كما في الحديث: إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله وأنه يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف.
وقال ابن المبارك: الرحمن إذا سئل أعطى، والرحيم إذا لم يسأل يغضب، وهكذا كما جاء في الحديث الذي رواه الترمذي وابن ماجة من حديث أبي صالح الفارسي الخوزي: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من لم يسأل الله يغضب عليه)].
أبو صالح الخوزي: يروي عن أبي هريرة وأبي المليح الفارسي، وهو مختلف فيه، قال ابن معين: ضعيف كما في التهذيب.
والحديث بسنده: حدثنا قتيبة أخبرنا حاتم بن إسماعيل عن أبي المليح عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (من لم يسأل الله يغضب عليه)، وقد روى وكيع عن غير واحد عن أبي المليح هذا الحديث، ولا نعرفه إلا من هذا الوجه، وقال في حديث آخر: حدثنا إسحاق بن منصور أخبرنا أبو عاصم عن حميد بن أبي المليح عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ نحوه.
فهذا الحديث قد تشهد لها أصول الشريعة، فلابد من سؤال الله في الصلاة مثلاً: رب اغفر لي، فالمعنى له أصل ولابد للمسلم أن يسأل الله، ولا يمكن أن يظل طوال عمره لا يسأل ربه.
فالرحمن رحمة تشمل المؤمنين والكفار، والرحيم رحمة خاصة بالمؤمنين، كما قال سبحانه: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب:٤٣]، فالله تعالى رحم المؤمنين رحمة خاصة، فهداهم ووفقهم للإيمان وتاب عليهم.
والرحمن رحمته عامة تشمل المؤمنين والكفار، فمن رحمته بالكفار أن خلقهم وأوجدهم ورزقهم، ومن رحمته بهم أنه لم يعاجلهم بالعقوبة، فهم يعبدون غيره ويشركون به ومع ذلك يحلم عليهم ويرحمهم.
واستشكال الخطابي في قول ابن عباس لا وجه له.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال بعض الشعراء: الله يغضب إن تركت سؤاله وبني آدم حين يسأل يغضب.
وقال ابن جرير: حدثنا السري بن يحيى التميمي حدثنا عثمان بن زفر سمعت العرزمي يقول: ﴿الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ﴾ [الفاتحة:١] قال: الرحمن لجميع الخلق، والرحيم بالمؤمنين، قالوا ولهذا قال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان:٥٩].
وقال ابن جرير: حدثنا السري بن يحيى التميمي حدثنا عثمان بن زفر سمعت العرزمي].
والعرزمي هو: عبد الملك بن أبي سليمان العرزمي بمهملتين ثم معجمة الفزاري أبو محمد بن ميسرة الكوفي أحد الأئمة، روى عن أنس وسعيد بن جبير، وعنه شعبة والسفيانان وخلق، وثقه ابن معين والنسائي، وضعفه يحيى في رواية، قال أحمد: ثقة يخطئ، وضعفه شعبة من أجل الحديث الذي رواه عن عطاء عن جابر في الشفعة، وانفرد به عن عطاء، قال الترمذي: وهو ثقة مأمون عند أهل الحديث لا نعلم واحداً تكلم فيه غير شعبة، وقال الهيثم بن عدي: مات سنة خمسة وأربعين ومائة.
إذاً: هو ثقة، وشعبة ﵀ من المتشددين.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [سمعت العزرمي يقول: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:٣]، قال: ﴿الرَّحْمَنِ﴾ [الفاتحة:٣] لجميع الخلق، ﴿الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:٣] بالمؤمنين، ولهذا قال ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان:٥٩]، وقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، فذكر الاستواء باسمه الرحمن؛ ليعم جميع خلقه برحمته، وقال: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب:٤٣] فخصهم باسمه الرحيم.
قالوا: فدل على أن الرحمن أشد مبالغة في الرحمة؛ لعمومها في الدارين لجميع خلقه، والرحيم خاصة بالمؤمنين].
فالرحمن رحمة عامة للمؤمنين والكفار، وحتى الكفار بعد دخولهم النار يرحمهم الرحمة العامة، فعند دخولهم يلهجون بحمده وأنه عادل في قضاءه وحكمه فاعترفوا بذلك ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ * فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك:١٠ - ١١]، فـ (الرحمن) رحمته شاملة للمؤمنين والكفار، ولأهل الدنيا والآخرة، و (الرحيم) رحمة خاصة بالمؤمنين.
ومعنى أن الرحمن أشد مبالغة أي: فيه مبالغة في المعنى من بلوغ الشيء نهايته، فقد بلغت الرحمة كمالها ونهايتها.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قالوا: فدل على أن الرحمن أشد مبالغة في الرحمة لعمومها في الدارين لجميع خلقه والرحيم خاصة بالمؤمنين، لكن جاء في الدعاء المأثور (رحمان الدنيا والآخرة ورحيمهما).
واسمه تعالى الرحمن خاص به لم يسم به غيره كما قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء:١١٠]].
(رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما) هذا عند الدعاء، لكن إذا كان على صيغة الخبر فالرحيم رحمة خاصة بالمؤمنين، والرحمن خاص بالله لا يسمى به غيره.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف:٤٥]، ولما تجهرم مسيلمة الكذاب وتسمى برحمان اليمامة كساه الله جلباب الكذب وشهر به، فلا يقال: إلا مسيلمة الكذاب، فصار يضرب به المثل في الكذب بين أهل الحضر من أهل المدر، وأهل الوبر من أهل البادية والأعراب].
معنى تجهرم: هاجم الاسم الكريم، ويحتمل أنها: تجهضم.
وهذا من غطرسته وكبريائه وجبروته وجرأته العظيمة.
والحضر من أهل المدر أي: الطين، وهي بيوت الطين التي يسكنها أهل المدن، والبوادي بيوت من خيام، فأصبح معروفاً بالكذب بين البوادي وبين أهل المدن.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد زعم بعضهم أن الرحيم أشد مبالغة من الرحمن؛ لأنه أكد به والمؤكد لا يكون إلا أقوى من المؤكد].
وهذا القول ضعيف.
стр. 67
حكم التسمي بأسماء الله
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [
و
الجواب
أن هذا ليس من باب التأكيد وإنما هو من باب النعت، ولا يلزم فيه ما ذكروه، قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وعلى هذا فيكون تقدير اسم الله الذي لم يسم به أحد غيره، ووصفه أولاً بالرحمن الذي منع من التسمية به لغيره، كما قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء:١١٠]، [الإسراء: ١١٠].
وإنما تجهرم مسيلمة اليمامة في التسمي به، ولم يتابعه على ذلك إلا من كان معه في الضلالة.
وأما الرحيم فإنه تعالى وصف به غيره، حيث قال: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨]، كما وصف غيره بذلك من أسمائه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [الإنسان:٢]].
فوصف المخلوق بأنه سميع بصير، ووصف نفسه بأنه سميع بصير، ولكن ليس السمع كالسمع ولا البصر كالبصر.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والحاصل: أن من أسمائه تعالى ما يسمى به غيره، ومنها ما لا يسمى به غيره، كاسم الله والرحمن والخالق والرازق ونحو ذلك].
فهذه الأسماء لا يسمى بها إلا الله، وهي: الله والخالق والرازق، ومالك الملك، ومدبر الأمور، والمعطي والمانع، والضار والنافع، وأما السميع والبصير والعزيز والملك والحليم والرءوف فقد يسمى بها غيره.
стр. 68
تابع معنى اسمي الله : (الرحمن والرحيم)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فلهذا بدأ باسم الله ووصفه بالرحمن؛ لأنه أخص وأعرف من الرحيم؛ لأن التسمية أولاً إنما تكون بأشرف الأسماء، فلهذا ابتدأ بالأخص فالأخص.
فإن قيل: فإذا كان الرحمن أشد مبالغة فهلا اكتفى به عن الرحيم؟ فقد روي عن عطاء الخراساني ما معناه: أنه لما تسمى غيره تعالى بالرحمن جيء بلفظ الرحيم ليقطع الوهم بذلك، فإنه لا يوصف بالرحمن الرحيم إلا الله تعالى.
كذا رواه ابن جرير عن عطاء ووجهه بذلك، والله أعلم.
وقد زعم بعضهم أن العرب لا تعرف الرحمن حتى رد الله عليهم ذلك بقوله: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء:١١٠]؛ ولهذا قال كفار قريش يوم الحديبية لما قال رسول الله ﷺ لـ علي ﵁ الله عنه: (اكتب بسم الله الرحمن الرحيم، فقالوا: لا نعرف الرحمن ولا الرحيم).
رواه البخاري.
وفي بعض الروايات: (لا نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة)].
يعنون: مسيلمة.
قال: [وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾ [الفرقان:٦٠].
والظاهر أن إنكارهم هذا إنما هو جحود وعناد وتعنت في كفرهم].
كما قال سبحانه: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ [الرعد:٣٠]، وهذا من عنادهم، وإلا فإنهم يعرفون الرحمة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإنه قد وجد في أشعارهم في الجاهلية تسمية الله تعالى بالرحمن، قال ابن جرير: وقد أنشد بعض الجاهلية الجهال: ألا ضربت تلك الفتاة هجينها ألا قضب الرحمن ربى يمينها].
الهجين: الفرس من الخيل غير العربي.
وقوله: (قضب الرحمن) يعني قطع الرحمن، يدعو عليها.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال سلامة بن جندب الطهوي: عجلتم علينا إذ عجلنا عليكم وما يشأ الرحمن يعقد ويطلق].
قوله (يعقد ويطلق) بالبناء للمجهول.
وسلامة بن جندب في بعض النسخ جندل، فتراجع دواوين الشعر قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب حدثنا عثمان بن سعيد حدثنا بشر بن عمارة حدثنا أبو روق عن الضحاك عن عبد الله بن عباس قال: الرحمن الفعلان من الرحمة، هو من كلام العرب، وقال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:٣] الرفيق الرقيق لمن أحب أن يرحمه، والبعيد الشديد على من أحب أن يعنف عليه، وكذلك أسماؤه كلها.
وقال ابن جرير أيضاً: حدثنا محمد بن بشار حدثنا حماد بن مسعدة عن عوف عن الحسن قال: الرحمن اسم ممنوع].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد يحيى بن سعيد القطان حدثنا زيد بن الحباب حدثني أبو الأشهب عن الحسن قال: الرحمن اسم لا يستطيع الناس أن ينتحلوه، تسمى به ﵎].
يعني: لا يستطيعون أن يتسموا به أو ينسبوه ويضيفوه إلى أنفسهم.
стр. 69
اختلاف القراء في وصل وقطع البسملة عن الآية بعدها
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقد جاء في حديث أم سلمة ﵂: (أن رسول الله ﷺ كان يقطع قراءته حرفاً حرفاً: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:١ - ٤])].
تعني: أنه كان يقف على رءوس الآي.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فقرأ بعضهم كذلك وهم طائفة، ومنهم من وصلها بقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢]، وكسرت الميم؛ لالتقاء الساكنين، وهم الجمهور].
يعني: أن الأولى القطع، تقول: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:١ - ٢]، ومن وصلها قال: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:١ - ٢]، فلا بأس بالوصل، لكن الوقوف على رءوس الآي هو الأفضل.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وحكى الكسائي من الكوفيين عن بعض العرب أنها تقرأ بفتح الميم وصلة الهمزة فيقولون: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمَ * الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:١ - ٢]، فنقلوا حركة الهمزة إلى الميم بعد تسكينها، كما قرئ قوله تعالى: ﴿المَ * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [آل عمران:١ - ٢]، قال ابن عطية: ولم ترد هذه قراءة عن أحد فيما علمت].
يعني: بفتح الميم من قوله: (آلم).
стр. 70
التفريغ النصي - - للشيخ - صوتيات إسلام ويب function audiosearch() ﴿ if (kword.
value.
length Deutsch | Espanol | Francais | English
إسلام ويب | مقالات | فتاوى | استشارات | صوتيات | بنين وبنات | المكتبة
مكتبتك الصوتية
تسجيل مستخدم جديد
تفعيل الاشتراك
استرجاع كلمة السر أو رمز التفعيل
اسم المستخدم
كلمة السر
стр. 71
مقدمة تفسير سورة البقرة
سورة البقرة من السور التي وردت بشأنها نصوص كثيرة تبين فضلها ومنزلتها، فهي واقية من مس الشياطين، حاصل بها التشريف في الدنيا والآخرة، وقارئها في ليلته يكتب من القانتين، وقد أعطيها نبينا ﷺ مكان التوراة، ويكفي في بيان فضلها أنها حوت أعظم آية في القرآن، وآيتين في آخرها تكفيان قارئهما في ليلته.
стр. 72
فضائل سورة البقرة
стр. 73
البقرة سنام القرآن وذروته
قال المصنف ﵀: [سورة البقرة مدنية، وآياتها ست وثمانون ومائتان.
ذكر ما ورد في فضلها: قال الإمام أحمد: حدثنا عارم حدثنا معتمر عن أبيه عن رجل عن أبيه عن معقل بن يسار ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (البقرة سنام القرآن وذروته، نزل مع كل آية منها ثمانون ملكاً، واستخرجت ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥] من تحت العرش فوصلت بها -أو: فوصلت بسورة البقرة-، و (يس) قلب القرآن، لا يقرؤها رجل يريد الله والدار الآخرة إلا غفر له، واقرءوها على موتاكم)، انفرد به أحمد.
وقد رواه أحمد -أيضاً- عن عارم عن عبد الله بن المبارك عن سليمان التيمي عن أبي عثمان - وليس بـ النهدي - عن أبيه عن معقل بن يسار قال: قال رسول الله ﷺ : (اقرءوها على موتاكم) يعني: (يس)، فقد تبين بهذا الإسناد معرفة المبهم في الرواية الأولى].
قوله: [فقد تبين بهذا الإسناد معرفة المبهم في الرواية الأولى].
أي: أن السند الأول فيه مبهم، لكن سمي في السند الثاني فزال الإبهام، ومعنى (اقرءوا على موتاكم (يس)) أي: اقرءوا على المحتضرين.
وهذا الحديث في قراءة (يس) على الموتى متصل الإسناد لا بأس به، وليس المراد منه قراءة القرآن بعد الموت؛ فإن قراءة القرآن بعد الموت وعند القبر بدعة، وليست بمشروعة، ولكن المراد هو القراءة على المحتضرين.
قال بعض العلماء: الحكمة من ذلك أنها تخفف على المحتضر نزع الموت.
وأبو عثمان قال عنه في (التقريب): مقبول من الرابعة.
وفي (تهذيب الكمال): قال ابن المديني: لم يرو عنه غير التيمي، وهو إسناد مجهول.
وقال أبو عبيد الآجري عن أبي داود: هو أبو عثمان السلي.
وذكره ابن حبان في كتاب (الثقات).
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد أخرج هذا الحديث على هذه الصفة في الرواية الثانية أبو داود والنسائي وابن ماجة، وقد روى الترمذي من حديث حكيم بن جبير -وفيه ضعف- عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لكل شيء سنام، وإن سنام القرآن سورة البقرة، وفيها آية هي سيدة آي القرآن آية الكرسي)].
فأعظم سورة في القرآن هي سورة الفاتحة، وأعظم آية هي آية الكرسي.
стр. 74
فرار الشيطان من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وفي مسند أحمد وصحيح مسلم والترمذي والنسائي من حديث سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لا تجعلوا بيوتكم قبوراً؛ فإن البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة لا يدخله الشيطان) وقال الترمذي: حسن صحيح].
قوله ﷺ : [(لا تجعلوا بيوتكم قبوراً)] أي: لا تعطلوها من الصلاة والقراءة فتكون بمنزلة القبور؛ لأن القبور لا يقرأ ولا يصلى فيها، فإذا عطل الإنسان البيت من القراءة والصلاة صار بمنزلة القبر.
وهذا الحديث فيه الحث على الصلاة في البيوت، وقد جاء في الحديث الآخر: (صلوا في بيوتكم؛ فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة).
وجاء في فضل آية الكرسي: (من قرأها في ليلة لم يزل عليه من الله حافظ، ولا يقربه شيطان حتى يصبح)، رواه البخاري في الصحيح.
فإذا قرأ البقرة ففيها آية الكرسي، والشيطان يفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: حدثني ابن أبي مريم عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن سنان بن سعد عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الشيطان يخرج من البيت إذا سمع سورة البقرة تقرأ فيه) سنان بن سعد -ويقال بالعكس- وثقه ابن معين، واستنكر حديثه أحمد بن حنبل وغيره.
وقال أبو عبيد: حدثنا محمد بن جعفر عن شعبة عن سلمة بن كهيل عن أبي الأحوص عن عبد الله -يعني ابن مسعود ﵁ قال: (إن الشيطان يفر من البيت يسمع فيه سورة البقرة)، ورواه النسائي في (اليوم والليلة)، وأخرجه الحاكم في مستدركه من حديث شعبة، ثم قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه].
ابن لهيعة المذكور في السند الأول ضعيف.
وفرار الشيطان من قراءة سورة البقرة جاء ذكر مثله في الأذان، ففي الحديث: (إذا نودي بالصلاة أدبر الشيطان وله ضراط، حتى لا يسمع الأذان)، وكذلك إذا سمع قراءة القرآن فإنه يفر ثم يرجع.
وللمرء إذا أراد طرد الشيطان بقراءة سورة البقرة أن يقرأها بنفسه، أو أن يستمع إلى قراءتها، لكن الأفضل أن يقرأها بنفسه، لكي يحصل على أجر القراءة.
فإن سأل سائل: هل ينفع استخدام المسجلة في ذلك؟ ف
الجواب
الأصل هو أن يقرأ الإنسان بنفسه بقصد أن يتعبد، لكن إذا لم يتيسر له أن يقرأ وليس هناك قارئ فلا بأس باستخدام جهاز التسجيل.
وحصول الوقاية من الشيطان بقراءة آية الكرسي يكون بقراءتها في اليوم نفسه.
قال رحمه الله تعالى: [وقال ابن مردويه: حدثنا أحمد بن كامل حدثنا أبو إسماعيل الترمذي حدثنا أيوب بن سليمان بن بلال حدثني أبو بكر بن أبي أويس عن سليمان بن بلال عن محمد بن عجلان عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا ألفين أحدكم يضع إحدى رجليه على الأخرى يتغنى ويدع سورة البقرة يقرؤها؛ فإن الشيطان يفر من البيت تقرأ فيه سورة البقرة، وإن أصفر البيوت الجوف الصفر من كتاب الله)].
الصفر: هو الخالي، يقال: فلان صفر اليدين أي: خاليهما، ومنه الصفر في العدد، وفي الحديث: (إن ربكم ﵎ حيي كريم، يستحي من عبده إذا رفع يديه أن يردهما صفراً) أي: خاليتين، فالصفر هو الخالي، فقوله: (أصفر البيوت) يعني: أخلاها، أي أنه بيت فقير خال من الخير.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهكذا رواه النسائي في (اليوم والليلة) عن محمد بن نصر عن أيوب بن سليمان به.
وروى الدارمي في مسنده عن ابن مسعود قال: (ما من بيت تقرأ فيه سورة البقرة إلا خرج منه الشيطان وله ضراط).
وقال: (إن لكل شيء سناماً، وإن سنام القرآن سورة البقرة، وإن لكل شيء لباباً، وإن لباب القرآن المفصل)].
قوله ﷺ : [(ما من بيت تقرأ فيه سورة البقرة إلا خرج منه الشيطان وله ضراط)]، هذا كما جاء في الأذان، فإن الشيطان إذا سمع الأذان ولى وله ضراط، وكذلك إذا سمع القرآن ولى وله ضراط، ولا مانع من أن يرجع، كما في حديث فراره من الأذان، ففيه أنه إذا انتهى المؤذن رجع فيوسوس، فإذا سمع الإقامة ولى، ثم يرجع فيوسوس للمرء ليحول بينه وبين صلاته حتى يذكره بالأشياء التي نسيها، فيقول: اذكر كذا، اذكر كذا، اذكر كذا، حتى ينصرف من صلاته ولا يدري كم صلى.
قال رحمه الله تعالى: [وروى أيضاً من طريق الشعبي قال: قال عبد الله بن مسعود ﵁: (من قرأ عشر آيات من سورة البقرة في ليلة لم يدخل ذلك البيت شيطان تلك الليلة، أربع من أولها، وآية الكرسي، وآيتان بعدها، وثلاث آيات من آخرها)].
هذا السند ضعيف؛ لأنه منقطع، فـ الشعبي لم يدرك ابن مسعود ﵁، وفي متنه غرابة، فإنه عد فيه آيتين بعد آية الكرسي، والمعروف هو أربع آيات من أول سورة البقرة وآية الكرسي وآيتان من آخر سورة البقرة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وفي رواية: (لم يقربه ولا أهله يومئذ شيطان، ولا شيء يكرهه، ولا يقرأن على مجنون إلا أفاق)].
ومن الغرابة كذلك قوله: [(لا يقرأن على مجنون إلا أفاق)].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وعن سهل بن سعد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن لكل شيء سناماً، وإن سنام القرآن البقرة، وإن من قرأها في بيته ليلة لم يدخله الشيطان ثلاث ليال، ومن قرأها في بيته نهاراً لم يدخله الشيطان ثلاثة أيام) >.
رواه أبو القاسم الطبراني وأبو حاتم ابن حبان في صحيحه وابن مردويه من حديث الأزرق بن علي حدثنا حسان بن إبراهيم حدثنا خالد بن سعيد المدني عن أبي حازم عن سهل به، وعند ابن حبان خالد بن سعيد المديني].
الصحيح أبو حاتم ابن حبان، فالواو زائدة، وابن حبان هو أبو حاتم، وأبو حاتم ابن حبان هو غير أبي حاتم الرازي صاحب الجرح والتعديل.
وذا الحديث فيه أن الشيطان لا يقرب البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة ثلاث ليال، والحديث فيه ضعف، فـ خالد بن سعيد متكلم فيه.
стр. 75
تقديم النبي ﷺ حافظ سورة البقرة على غيره في الإمرة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد روى الترمذي والنسائي وابن ماجة من حديث عبد الحميد بن جعفر عن سعيد المقبري عن عطاء مولى أبي أحمد عن أبي هريرة ﵁ قال: (بعث رسول الله ﷺ بعثاً وهم ذو عدد، فاستقرأهم، فاستقرأ كل واحد منهم ما معه من القرآن، فأتى على رجل من أحدثهم سناً فقال: ما معك يا فلان؟ فقال: معي كذا وكذا وسورة البقرة.
فقال: أمعك سورة البقرة؟! قال: نعم.
قال: اذهب فأنت أميرهم.
فقال رجل من أشرافهم: والله ما منعني أن أتعلم سورة البقرة إلا أني خشيت ألا أقوم بها.
فقال رسول الله ﷺ : تعلموا القرآن واقرءوه؛ فإن مثل القرآن لمن تعلمه فقرأه وقام به كمثل جراب محشو مسكاً يفوح ريحه في كل مكان، ومثل من تعلمه فيرقد وهو في جوفه كمثل جراب أوكي على مسك)].
لاشك في أن من قرأ القرآن وتعلمه وعمل به يكون قد استفاد من هذا المسك في هذا الجراب، ومن قرأه ولم يعمل به فاته هذا الخير الكثير، بل إنه يكون وبالاً عليه إذا لم يعمل به، والعياذ بالله.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [هذا لفظ رواية الترمذي، ثم قال: هذا حديث حسن، ثم رواه من حديث الليث عن سعيد عن عطاء مولى أبي أحمد مرسلاً، فالله أعلم].
следующие страницы →