← Тафсир

Тафсир · id 37048

شرح تفسير ابن كثير - الراجحي

عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

Полный текст (873 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

أنواع الهداية وأصل التقوى قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويطلق الهدى ويراد به ما يقر في القلب من الإيمان، وهذا لا يقدر على خلقه في قلوب العباد إلا الله ]. وهداية التوفيق والتسديد والإلهام هي أن يقبل المرء الحق ويرضى به، وهذا لا يقدر عليه إلا الله. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال الله تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص:٥٦]، وقال: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾ [البقرة:٢٧٢]، وقال: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هَادِيَ لَهُ﴾ [الأعراف:١٨٦]، وقال: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف:١٧] إلى غير ذلك من الآيات]. ويطلق ويراد به بيان الحق وتوضيحه والدلالة عليه والإرشاد إليه، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:٥٢]. وقال: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرعد:٧]، وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت:١٧]، وقال: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد:١٠] على تفسير من قال: المراد بهما الخير والشر وهو الأرجح، والله أعلم. وأصل التقوى: التوقي مما يكره؛ لأن أصلها (وقوى) من الوقاية، قال النابغة: سقط النصيف ولم ترد إسقاطه فتناولته واتقتنا باليد]. والنصيف: الخمار على رأسها. والشاهد قوله: (واتقتنا)، أي: لما سقط نصيفها جعلت يدها وقاية تسترها عن الرجال. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال الآخر: فألقت قناعاً دونه الشمس واتقت بأحسن موصولين كف ومعصم]. الشاهد قوله: (واتقت)، وأن التقوى معناها الوقاية، وهي أن يجعل الإنسان بينه وبين الشيء ساتراً. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد قيل: إن عمر بن الخطاب ﵁ سأل أبي بن كعب عن التقوى فقال له: أما سلكت طريقاً ذا شوك؟! قال: بلى. قال: فما عملت؟ قال: شمرت واجتهدت. قال: فذلك التقوى]. هذا هو الطريق الحسي، وذاك الطريق المعنوي، فكما أن الإنسان في الطريق الحسي يتوقى الشوك، فكذلك هنا في الطريق المعنوي -الذي هو الصراط المستقيم- يتوقى الشرك والمعاصي. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد أخذ هذا المعنى ابن المعتز فقال: خل الذنوب صغيرها وكبيرها ذاك التقى واصنع كماش فوق أر ض الشوك يحذر ما يرى لا تحقرن صغيرة إن الجبال من الحصى] يعني: لا تحتقر المعاصي؛ فإنها تتجمع حتى تهلك الإنسان، فالجبل أصله الحصى تجمعت حتى صارت جبلاً، فكذلك المعاصي تتجمع حتى تهلك الإنسان. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأنشد أبو الدرداء يوماً: يريد المرء أن يؤتى مناه ويأبى الله إلا ما أرادا يقول المرء فائدتي ومالي وتقوى الله أفضل ما استفادا وفي سنن ابن ماجه عن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ما استفاد المرء بعد تقوى الله خيراً من زوجة صالحة، إن نظر إليها سرته، وإن أمرها أطاعته، وإن أقسم عليها أبرته، وإن غاب عنها نصحته في نفسها وماله)]. في هذا الحديث لفظة: (نصحته) والظاهر: (حفظته في نفسها وماله)، وهذا هو الأقرب، والحديث يدل على هذا، قال الشيخ مقبل في تخريجه: رواه ابن ماجه، وفي سنده علي بن يزيد، وهو الألهاني، متروك. لكن معناه صحيح، فقد جاء ما يدل عليه، كقوله تعالى: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ [النساء:٣٤]، وقد جاء ما يدل على هذا المعنى في أحاديث أخرى.

стр. 107

تفسير سورة البقرة الآية [٣] للإيمان أركان وللمؤمنين صفات، ومن ذلك الإيمان بالغيب، المشتمل على الإيمان بالله تعالى وملائكته واليوم الآخر ونحو ذلك، وهذه الصفة التي يتميز بها المؤمنون هي من أعظم ما يمدحون عليه، بل قد تعرض النبي ﷺ لبيان فضيلة أناس من أمته آمنوا بما جاء به ولم يروه، كما أن من صفات المؤمنين إقامة الصلاة والإنفاق في وجوه الخير المشروعة.

стр. 108

تفسير قوله تعالى: (الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة)

стр. 109

معنى الإيمان عند أهل السنة وغيرهم قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [البقرة:٣]. قال المؤلف ﵀: [قال أبو جعفر الرازي عن العلاء بن المسيب بن رافع عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله قال: الإيمان التصديق. وقال علي بن أبي طلحة وغيره عن ابن عباس ﵄: ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة:٣]: يصدقون. وقال معمر عن الزهري: الإيمان: العمل. وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس: ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة:٣]: يخشون. قال ابن جرير: والأولى أن يكونوا موصوفين بالإيمان بالغيب قولاً واعتقاداً وعملاً، وقد تدخل الخشية لله في معنى الإيمان الذي هو تصديق القول بالعمل]. الحق كما قال ابن جرير ﵀، وهو الإيمان يشمل القول والعمل والاعتقاد. وأصل الإيمان هو التصديق بالقلب، ثم يتبعه العمل، وخلاصته الخشية لله ، فالإيمان أصله التصديق، ويدخل فيه قول القلب وهو التصديق، وعمل القلب، وهو النية والإخلاص، وعمل الجوارح، وأقوال اللسان، وهذا هو الذي عليه أهل السنة والجماعة، أي: أن الإيمان قول باللسان، وتصديق بالقلب، وعمل بالقلب والجوارح، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، كما قال ابن جرير رحمة الله عليه: الإيمان قول واعتقاد وعمل، فلهذا يقال: الإيمان عمل ونية، فعمل القلب: النية والإخلاص والصدق والمحبة والرغبة والرهبة، وعمل الجوارح معلوم، وأقوال اللسان والقلب كل ذلك داخل في مسمى الإيمان، خلافاً للمرجئة القائلين بأن الإيمان هو تصديق القلب، وأما الأعمال فيخرجونها من مسمى الإيمان، وهذا غلط، وقد قال بهذا المرجئة المحضة، وهم الجهمية، وقال به مرجئة الفقهاء، وهم أبو حنيفة وأصحابه من أهل الكوفة، فأهل الكوفة قالوا: الإيمان التصديق، والعمل لا يدخل في مسمى الإيمان، لكنه مطلوب. وقال أهل السنة والجماعة قاطبة ما عدا مرجئة الفقهاء: الإيمان التصديق والعمل، وكلاهما داخل في مسمى الإيمان، وكلاهما واجب. وقال الأحناف: العمل واجب آخر، فالإيمان شيء والعمل شيء آخر، وكلاهما واجبان. وأما المرجئة المحضة وهم الجهمية فيقولون: إذا عرف الإنسان ربه بقلبه كفى. وهذا من أبطل الباطل، فهم ما قالوا: الإيمان التصديق، وإنما قالوا: الإيمان المعرفة، وعلى هذا ألزمهم أهل السنة والجماعة بأنه يدخل جميع الكفرة المعترفين بهذا في الإيمان، فإبليس عارف بربه، وفرعون عارف بربه، واليهود عارفون بربهم، وأبو طالب عارف بربه، وهؤلاء كفار بالإجماع، نسأل الله السلامة والعافية. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال: وقد تدخل الخشية لله في معنى الإيمان الذي هو تصديق القول بالعمل، والإيمان كلمة جامعة للإيمان بالله وكتبه ورسله وتصديق الإقرار بالفعل. قلت: أما الإيمان في اللغة فيطلق على التصديق المحض، وقد يستعمل في القرآن والمراد به ذلك، كما قال تعالى: ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة:٦١]، وكما قال إخوة يوسف لأبيهم: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ [يوسف:١٧]. وكذلك إذا استعمل مقروناً مع الأعمال، كقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [الشعراء:٢٢٧]، فأما إذا استعمل مطلقاً فالإيمان الشرعي المطلوب لا يكون إلا اعتقاداً وقولاً وعملاً، هكذا ذهب إليه أكثر الأئمة، بل قد حكاه الشافعي وأحمد بن حنبل وأبو عبيد وغير واحد إجماعاً]. أبو عبيد هو القاسم بن سلام الفقيه صاحب كتاب (الأموال)، وأما أبو عبيدة -بالتاء- فهو معمر بن المثنى اللغوي المعروف. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [بل قد حكاه الشافعي وأحمد بن حنبل وأبو عبيد وغير واحد إجماعاً: أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص]. وهذا هو الذي عليه عامة أهل السنة، وهو الصواب، وإن كان الإيمان أصله في اللغة التصديق، لكن الإيمان الشرعي لابد فيه من أعمال القلوب والجوارح مع اعتقاد القلب وتصديقه وإقراره واعترافه، وهو يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد ورد فيه آثار كثيرة وأحاديث أفردنا الكلام فيها في أول شرح البخاري، ولله الحمد والمنة]. الحافظ ابن كثير ﵀ له شرح على البخاري، وما أدري هل وجد منه شيء أم لا. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومنهم من فسره بالخشية، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ [الأنبياء:٤٩]. وقوله: ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ [ق:٣٣]. والخشية: خلاصة الإيمان والعلم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨]. وقال بعضهم: يؤمنون بالغيب كما يؤمنون بالشهادة، وليسوا كما قال تعالى عن المنافقين: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة:١٤]. وقال: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون:١]. فعلى هذا يكون قوله: (بالغيب) حالاً، أي: في حال كونهم غُيَّباً عن الناس]. الخشية هي: خوف مع علم، فهي أبلغ من الخوف، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨]؛ لأن الخشية الكاملة تكون للعلماء، وإلا فكل مؤمن يخاف الله عنده أصل الخشية، والخشية الكاملة هي خشية العلماء، وفي مقدمة العلماء الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام.

стр. 110

بيان معنى قوله تعالى: (يؤمنون بالغيب) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأما الغيب المراد هاهنا فقد اختلفت عبارات السلف فيه، وكلها صحيحة ترجع إلى أن الجميع مراد، قال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية في قوله تعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة:٣]، قال: يؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وجنته وناره ولقائه، ويؤمنون بالحياة بعد الموت وبالبعث، فهذا غيب كله، وكذا قال قتادة بن دعامة. وقال السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وعن أناس من أصحاب النبي ﷺ : أما الغيب فما غاب عن العباد من أمر الجنة وأمر النار وما ذكر في القرآن. وقال محمد بن إسحاق عن محمد بن أبي محمد عن عكرمة -أو عن سعيد بن جبير - عن ابن عباس: ﴿بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة:٣] قال: بما جاء منه. يعني: من الله تعالى. وقال سفيان الثوري عن عاصم عن زر قال: الغيب القرآن. وقال عطاء بن أبي رباح: من آمن بالله فقد آمن بالغيب. وقال إسماعيل بن أبي خالد: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة:٣] قال: بغيب الإسلام]. وهذه الألفاظ كلها مرادة، فالغيب: ما لم يشاهده الإنسان، والمؤمن يؤمن بما أخبر الله به في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ من أمر الغيب، فيؤمن بالله وبالملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر والقدر خيره وشره، والبعث بعد الموت، والجنة والنار، وبما أخبر به النبي ﷺ من أشراط الساعة مما يكون في آخر الزمان، وبما يكون في القيامة من الحشر والنشر والحساب والصراط والميزان والحوض، فكل هذا داخل في الإيمان بالغيب. وقوله: (بغيب الإسلام) ظاهره أنه ما أخبر به الإسلام من أمور الغيب وما أخبر به النبي ﷺ ، أو جاء في كتاب الله من أمور الغيب. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال زيد بن أسلم: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة:٣] قال: بالقدر. فكل هذه متقاربة في معنى واحد]. وكلها حق وأمر مطلوب، ولكن عادة السلف ﵏ أنهم يفسرون الكلام ببعض معناه، والمراد به الكل. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فكل هذه متقاربة في معنى واحد؛ لأن جميع هذه المذكورات من الغيب الذي يجب الإيمان به. وقال سعيد بن منصور: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن عمارة بن عمير عن عبد الرحمن بن يزيد قال: كنا عند عبد الله بن مسعود ﵁ جلوساً، فذكرنا أصحاب النبي ﷺ وما سبقونا به، فقال عبد الله: إن أمر محمد ﷺ كان بيناً لمن رآه، والذي لا إله غيره ما آمن أحد قط إيماناً أفضل من إيمانه بغيب، ثم قرأ: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة:١ - ٣] إلى قوله: ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة:٥]. وهكذا رواه ابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم في مستدركه من طرق عن الأعمش به، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وفي معنى هذا الحديث الذي رواه أحمد: حدثنا أبو المغيرة أنبأنا الأوزاعي حدثني أسيد بن عبد الرحمن عن خالد بن دريك عن ابن محيريز قال: قلت لـ أبي جمعة: حدثنا حديثاً سمعته من رسول الله ﷺ . قال: نعم، أحدثك حديثاً جيداً: (تغدينا مع رسول الله ﷺ ومعنا أبو عبيدة بن الجراح، فقال: يا رسول الله! هل أحد خير منا أسلمنا ومعك وجاهدنا معك؟ قال: نعم، قوم من بعدكم يؤمنون بي ولم يروني). طريق أخرى: قال أبو بكر بن مردويه في تفسيره: حدثنا عبد الله بن جعفر حدثنا إسماعيل بن عبد الله بن مسعود حدثنا عبد الله بن صالح حدثنا معاوية بن صالح عن صالح بن جبير قال: (قدم علينا أبو جمعة الأنصاري صاحب رسول الله ﷺ ببيت المقدس يصلي فيه، ومعنا يومئذ رجاء بن حيوة، فلما انصرف خرجنا نشيعه، فلما أراد الانصراف قال: إن لكم جائزة وحقاً، أحدثكم بحديث سمعته من رسول الله ﷺ . قلنا: هات رحمك الله، قال: كنا مع رسول الله ﷺ ومعنا معاذ بن جبل عاشر عشرة، فقلنا: يا رسول الله! هل من قوم أعظم منا أجراً آمنا بالله واتبعناك؟ قال: ما يمنعكم من ذلك ورسول الله بين أظهركم يأتيكم بالوحي من السماء، بل قوم بعدكم يأتيهم كتاب من بين لوحين يؤمنون به ويعملون بما فيه، أولئك أعظم منكم أجراً مرتين)]. إن صح هذا الحديث فإن هذه تكون فضيلة خاصة، فهم أفضل من جهة الإيمان بالغيب، وهذا مثل حديث القابض على دينه كالقابض على الجمر، فإن فيه (للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عملكم، فقالوا: يا رسول الله! أجر خمسين منا أو منهم؟ قال: بل أجر خمسين منكم). فيكون له أجر خمسين من جهة صبره على الدين وتحمله مع كثرة المنكرات وعدم المعين على ذلك، ولا يدل هذا على أنه أفضل من الصحابة، فهم أفضل الناس بعد الأنبياء، قال ﵊: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم). فالقاعدة تقول: الفضيلة الخاصة لا تقضي على الفضائل العامة، فهذه فضيلة خاصة في هؤلاء، وفضيلة لمن آمن بالغيب، لكنها لا تقضي على الفضائل العامة، فالصحابة أفضل الناس، فالصحبة لها مزية، وكذلك الجهاد مع رسول الله ﷺ ، وتبليغ الدين، والسبق إلى الإيمان، والهجرة، والجهاد، فهذه أعمال عظيمة لا يلحقهم فيها من بعدهم، ولهذا قال فإن بعض السلف قيل له: أيهما أفضل معاوية بن أبي سفيان أو عمر بن عبد العزيز؟ فقال: إن الغبار الذي دخل في أنف معاوية من جهاده مع رسول الله خير من عمر بن عبد العزيز وعدله. فالمقصود من هذا أن مزية الصحبة والسبق إلى الهجرة والجهاد لا يلحق الصحابة فيها أحد بعدهم، وإن كان من بعدهم قد يكون له فضيلة ومزية خاصة؛ لكنها لا تقضي على الفضائل العامة، فهذه قاعدة. وكذلك الفضائل التي تكون للأنبياء، فقد قال ﷺ : (الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أول من يفيق، فإذا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور). يعني أن هذه منقبة لموسى، أي: هل لم يصعق، أم أنه صعق وأفاق قبل النبي ﷺ ، فهذه مزية، لكنها لا تدل على أنه أفضل من النبي ﷺ . ومثل ما ورد في الحديث الصحيح: (أن الناس يحشرون يوم القيامة حفاة عراة، وأول من يكسى يوم القيامة إبراهيم) ﵊، فهذه مزية له، لكنها لا تدل على أنه أفضل من نبينا ﷺ ؛ لأن هذه مزية خاصة، والمزايا العامة تكون للفاضل. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم رواه من حديث ضمرة بن ربيعة عن مرزوق بن نافع عن صالح بن جبير عن أبي جمعة بنحوه. وهذا الحديث فيه دلالة على العمل بالوجادة التي اختلف فيها أهل الحديث]. الوجادة: هي أن يجد إنسان كتاباً فيه مرويات محدث فيرويها عنه، فهل ذلك حجة أم ليس بحجة؟ فلو قال صاحب الكتاب: يروي عني من أخذ هذا الكتاب صار هذا الفعل إجازة، لكن المراد هنا إذا وجد كتاباً فيه مرويات محدث ثم روى عنه، فهل هو حجة أو ليس بحجة؟ في ذلك خلاف بين أهل العلم، وهذا الحديث فيه العمل بالوجادة؛ لأنه لما سأل الصحابة النبي ﷺ -إن صح الحديث- عمن هم أعظم منهم إيماناً قال: (قوم بعدكم يأتيهم كتاب من بين لوحين يؤمنون به ويعملون بما فيه). فقوله: (يأتيهم كتاب بين لوحين) هذه هي الوجادة، يعني: يجدون القرآن والسنة ويؤمنون بهما، فهذا حجة لمن قال بالعمل بالوجادة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهذا الحديث فيه دلالة على العمل بالوجادة التي اختلف فيها أهل الحديث كما قررته في أول شرح البخاري؛ لأنه مدحهم على ذلك، وذكر أنهم أعظم أجراً من هذه الحيثية لا مطلقاً، وكذا الحديث الآخر الذي رواه الحسن بن عرفة العبدي: حدثنا إسماعيل بن عياش الحمصي عن المغيرة بن قيس التميمي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : (أي الخلق أعجب إليكم إيماناً؟ قالوا: الملائكة، قال: ومالهم لا يؤمنون وهم عند ربهم؟! قالوا: فالنبيون، قال: ومالهم لا يؤمنون والوحي ينزل عليهم؟! قالوا: فنحن، قال: ومالكم لا تؤمنون وأنا بين أظهركم؟! قال: فقال رسول الله ﷺ : ألا إن أعجب الخلق إلي إيماناً لقوم يكونون من بعدكم يجدون صحفاً فيها كتاب يؤمنون بما فيها). قال أبو حاتم الرازي: المغيرة بن قيس البصري منكر الحديث. قلت: ولكن قد روى أبو يعلى في مسنده، وابن مردويه في تفسيره، والحاكم في مستدركه من حديث محمد

стр. 111

بيان معنى قوله تعالى: (ويقيمون الصلاة) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال ابن عباس: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلاة﴾ [البقرة:٣] أي: يقيمون الصلاة بفروضها، وقال الضحاك عن ابن عباس: إقامة الصلاة: إتمام الركوع والسجود، والتلاوة والخشوع، والإقبال عليها فيها. وقال قتادة: إقامة الصلاة: المحافظة على مواقيتها ووضوئها وركوعها وسجودها. وقال مقاتل بن حيان: إقامتها: المحافظة على مواقيتها وإسباغ الطهور فيها، وتمام ركوعها وسجودها، وتلاوة القرآن فيها، والتشهد والصلاة على النبي ﷺ ، فهذا إقامتها]. كل هذه الأقوال حق، فإقامة الصلاة تشمل إتمام الركوع والسجود، وتشمل المحافظة على الطهور، والمحافظة على الوقت، والمحافظة على الخشوع، والإتيان بها في الجماعة، ومتابعة الإمام، والعناية بحضور القلب، والإخلاص، فكل هذا داخل في الإقامة؛ لأن الإقامة معناها: الإتيان بالشيء تاماً بجميع حقوقه، يقال: أقام الشيء، أي: أقام حقوقه. وكون بعض السلف قال: إقام الصلاة: إتمام الركوع والسجود، وبعضهم قال: المحافظة على الطهور ونحو ذلك؛ إنما هو من تفسير المعنى ببعضه على عادة السلف، وكل تلك الأقوال تشملها الآية، فإقامة الصلاة: أن يقيمها بإخلاص وصدق ورغبة ورهبة، وأن يؤديها في وقتها في جماعة، وأن يحافظ على الركوع والسجود، ويحافظ على الطهارة، ويحافظ على متابعة الإمام، فكل هذا داخل في الإقامة.

стр. 112

بيان معنى قوله تعالى: (ومما رزقناهم ينفقون) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال علي بن أبي طلحة وغيره عن ابن عباس: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [البقرة:٣]، قال: زكاة أموالهم. وقال السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود وعن أناس من أصحاب رسول الله ﷺ : ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾، قال: نفقة الرجل على أهله، وهذا قبل أن تنزل الزكاة. وقال جويبر عن الضحاك: كانت النفقات قرباناً يتقربون بها إلى الله على قدر ميسرتهم وجهدهم، حتى نزلت فرائض الصدقات سبع آيات في سورة براءة مما يذكر فيهن الصدقات هن الناسخات المثبتات، وقال قتادة: ((وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ)) فأنفقوا مما أعطاكم الله، هذه الأموال عوارٌ وودائع عندك يا ابن آدم يوشك أن تفارقها]. قوله: [عوارٍ]: جمع عارية، وأصله: عواري، ثم حذفت الياء، أي: أمانة في يدك وعارية لابد من أن تردها، وأنت مؤتمن على هذه الأموال لتؤدي حق الله منها، فتؤدي الزكاة، وتؤدي النفقات الواجبة، وكذلك مؤتمن على كسب هذه الأموال، فهل كسبتها من حلال أم من حرام أم من متشابه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [واختار ابن جرير أن الآية عامة في الزكاة والنفقات، فإنه قال: وأولى التأويلات وأحقها بصفة القوم أن يكونوا لجميع اللازم لهم في أموالهم مؤدين]. وهذا هو الصواب، كما قال ابن جرير، أي أن الآية شاملة في الزكاة وفي الصدقات، كصدقة التطوع، فهم ينفقون مما رزقهم الله من الزكاة فيؤدونها، ويؤدون النفقات الواجبة الشرعية، ويتصدقون أيضاً وينفقون في الأمور الخيرية. قال رحمه الله تعالى: [فإنه قال: وأولى التأويلات وأحقها بصفة القوم أن يكونوا لجميع اللازم لهم في أموالهم مؤدين، زكاة كانت ذلك أو نفقة من لزمته نفقته من أهل أو عيال وغيرهم ممن يجب عليهم نفقته بالقرابة والملك وغير ذلك؛ لأن الله تعالى عم وصفهم ومدحهم بذلك، وكل من الإنفاق والزكاة ممدوح به محمود عليه. قلت: كثيراً ما يقرن الله تعالى بين الصلاة والإنفاق من الأموال، فإن الصلاة حق الله وعبادته، وهي مشتملة على توحيده والثناء عليه وتمجيده والابتهال إليه ودعائه والتوكل عليه، والإنفاق هو من الإحسان إلى المخلوقين بالنفع المتعدي إليهم، وأولى الناس بذلك القرابات والأهلون والمماليك ثم الأجانب، فكل من النفقات الواجبة والزكاة المفروضة داخل في قوله تعالى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [البقرة:٣]. ولهذا ثبت في الصحيحين عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت). والأحاديث في هذا كثيرة]. والله كثيراً ما يقرن بين الصلاة والزكاة، وبين الصلاة والنفقة؛ لأن الصلاة فيها إحسان في عبادة الخالق، والزكاة والنفقة فيها إحسان إلى المخلوق. فالمؤمن يجمع بين الإحسان في عبادة الله والإحسان إلى عباد الله، فلهذا مدحهم الله بذلك وجمع بين الصلاة والزكاة، وذكر وصفهم أنهم يجمعون بين الأمرين: بين الإحسان في عبادة الخالق والإحسان إلى المخلوق.

стр. 113

بيان معنى الصلاة واشتقاقها قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأصل الصلاة في كلام العرب: الدعاء. قال الأعشى: لها حارس لا يبرح الدهر بيتها وإن ذبحت صلى عليها وزمزما]. قوله: [صلى عليها] يعني: دعا لها، فالصلاة: الدعاء. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال أيضاً: وقابلها الريح في دنها وصلى على دنها وارتسم]. الدّن: كأس الخمر، أو إناء الخمر. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أنشدهما ابن جرير مستشهداً على ذلك. وقال الآخر -وهو الأعشى - أيضاً: تقول بنتي وقد قربت مرتحلاً يارب جنب أبي الأوصاب والوجعا عليك مثل الذي صليت فاغتمضي نوماً فإن لجنب المرء مضطجعا]. قوله: [مثل الذي صليت]: يعني دعيت، والشاهد أن الصلاة معاها الدعاء، والأوصاب: الأمراض والأوجاع. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يقول: عليك من الدعاء مثل الذي دعيته لي، وهذا ظاهر، ثم استعملت الصلاة في الشرع في ذات الركوع والسجود والأفعال المخصوصة في الأوقات المخصوصة بشروطها المعروفة وصفاتها وأنواعها المشهورة]. فالصلاة هي أقوال وأفعال مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم، لها أوقات خاصة وهيئات خاصة، وأركان خاصة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال ابن جرير: وأرى أن الصلاة سميت صلاة لأن المصلي يتعرض لاستنجاح طلبته من ثواب الله بعمله مع ما يسأل ربه من حاجته]. قوله: [الاستنجاح طلبته] أي: لطلب نجاح الحاجة، فالاستجاح: استفعال من النجاح. أي أن الصلاة مشتملة على دعاء العبادة ودعاء المسألة. فدعاء العبادة: الركوع والسجود، والقيام والقعود، والتشهد والقراءة. ودعاء المسألة: كأن يقول المصلي: رب اغفر لي، والدعاء في آخر التشهد دعاء مسألة، فهو مشتمل على دعاء العبادة ودعاء المسألة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقيل: هي مشتقة من الصلوين إذا تحركا في الصلاة عند الركوع والسجود، وهما: عرقان يمتدان من الظهر حتى يكتنفان عجب الذنب، ومنه سمي المصلي، وهو التالي للسابق في حلبة الخيل، وفيه نظر. وقيل: هي مشتقة من الصلي وهو ملازمة للشيء من قوله تعالى: ((لا يَصْلاهَا)) أي: لا يلزمها ويدوم فيها، ﴿إِلَّا الأَشْقَى﴾ [الليل:١٥]، وقيل: هي مشتقة من تصلية الخشبة في النار لتقوم، كما أن المصلي يقوم عوجه بالصلاة، ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت:٤٥]، واشتقاقها من الدعاء أصح وأشهر. والله أعلم]. الصواب أن الصلاة مأخوذة من الدعاء، وهذا هو الأقرب؛ لأن المصلي يدعو دعاء بلسان الحال وبلسان المقال، فدعاؤه بلسان الحال: ركوعه وسجوده، وقيامه وقعوده وتشهده، وبلسان المقال كدعائه بين السجدتين: رب اغفر لي، وفي آخر التشهد. وأما الزكاة فسيأتي الكلام عليها في موضعه إن شاء الله تعالى.

стр. 114

تفسير سورة البقرة [٤ - ٥] من لوازم الإيمان وصفات المؤمنين الإيمان بما أنزل على نبينا ﷺ وما أنزل على من سبقه من إخوانه المرسلين، وهذا الإيمان أمر إيجابي حتمي لا يصح لأي مكلف إيمانه بدونه، وجمعه مع سائر لوازم الإيمان سبيل إلى نيل هداية الله تعالى والفوز والفلاح في الدنيا والآخرة.

стр. 115

تقسير قوله تعالى: (والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك) قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة:٤]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال ابن عباس: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [البقرة:٤] أي: يصدقون بما جئت به من الله، وما جاء به من قبلك من المرسلين لا يفرقون بينهم، ولا يجحدون ما جاءوهم به من ربهم ((وَبِالآخرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ)) أي: بالبعث والقيامة والجنة والنار والحساب والميزان، وإنما سميت الآخرة لأنها بعد الدنيا].

стр. 116

ذكر خلاف المفسرين فيمن أريد بقوله تعالى: (والذين يؤمنون بما أنزل إليك) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد اختلف المفسرون في الموصوفين هنا: هل هم الموصوفون بما تقدم من قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [البقرة:٣]، ومن هم؟ على ثلاثة أقوال حكاها ابن جرير. أحدها: أن الموصوفين أولاً هم الموصوفون ثانياً، وهم كل مؤمن مؤمنو العرب ومؤمنو أهل الكتاب وغيرهم، قاله مجاهد وأبو العالية والربيع بن أنس وقتادة. والثاني: هما واحد، وهم مؤمنو أهل الكتاب، وعلى هذين تكون الواو عاطفة صفات على صفات، كما قال تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى * وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى * فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾ [الأعلى:١ - ٥]. وكما قال الشاعر: إلى الملك القرم وابن الهمام وليث الكتيبة في المزدحم فعطف الصفات بعضها على بعض والموصوف واحد]. وهو الملك القرم ابن الهمام وليث الكتبية، فلو حذفت الواو لبقي المقصود واحداً، فكلها صفات له. وقوله: [فعطف الصفات بعضها على بعض، والموصوف واحد]. يعني: قالوا: إن قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [البقرة:٣ - ٤] يراد به موصوف واحد، وهم أهل الكتاب. والقول الأول: أن المراد به العموم، أي: المؤمنون من العرب ومن أهل الكتاب. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والثالث: أن الموصوفين أولاً مؤمنو العرب، والموصوفين ثانياً بقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة:٤]، لمؤمني أهل الكتاب، نقله السدي في تفسيره عن ابن عباس وابن مسعود وأناس من الصحابة ﵃، واختاره ابن جرير ﵀، ويُستشهَد لما قال بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ﴾ [آل عمران:١٩٩]]. أي أن ابن جرير اختار أن المراد بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [البقرة:٤] هم أهل الكتاب، واستشهد المؤلف لهذا القول بآية آل عمران. فهنا ثلاثة أقوال: الأول: أن الموصوفين أولاً المؤمنون من العرب، والموصوفين ثانياً المؤمنون من أهل الكتاب. والقول الثاني: أن الموصوفين أولاً وثانياً هم أهل الكتاب. والقول الثالث: أن الموصوفين أولاً وثانياً المؤمنون من العرب ومن أهل الكتاب، والصواب -كما سيأتي- أنه عام، فالموصوفون أولاً وثانياً هم المؤمنون من العرب ومن أهل الكتاب. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويستشهد لما قال بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ﴾ [آل عمران:١٩٩] الآية. وبقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ * أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [القصص:٥٢ - ٥٤]. وبما ثبت في الصحيحين من حديث الشعبي عن أبي بردة عن أبي موسى ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بي، ورجل مملوك أدى حق الله وحق مواليه، ورجل أدب جاريته فأحسن تأديبها ثم أعتقها وتزوجها). وأما ابن جرير فما استشهد على صحة ما قال إلا بمناسبة، وهي أن الله وصف في أول هذه السورة المؤمنين والكافرين، فكما أنه صنف الكافرين إلى صنفين: كافر ومنافق، فكذلك المؤمنون صنفهم إلى صنفين: عربي وكتابي]. هذا اختاره ابن جرير ﵀، والصواب القول الأول، وهو أن الموصوفين أولاً وثانياً هم المؤمنون من العرب ومن أهل الكتاب.

стр. 117

اختيار ابن كثير قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قلت: والظاهر قول مجاهد فيما رواه الثوري عن رجل عن مجاهد، ورواه غير واحد عن ابن أبي نجيح عن مجاهد أنه قال: أربع آيات من أول سورة البقرة في نعت المؤمنين، وآيتان في نعت الكافرين، وثلاث عشرة في المنافقين. فهذه الآيات الأربع عامات في كل مؤمن اتصف بها من عربي وعجمي وكتابي، من إنسي وجني، وليس تصح واحدة من هذه الصفات بدون الأخرى، بل كل واحدة مستلزمة للأخرى وشرط معها، فلا يصح الإيمان بالغيب وإقام الصلاة والزكاة إلا مع الإيمان بما جاء به الرسول ﷺ ، وما جاء به من قبله من الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، والإيقان بالآخرة، كما أن هذا لا يصح إلا بذاك، وقد أمر الله المؤمنين بذلك، كما قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ [النساء:١٣٦] الآية، وقال تعالى: ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ﴾ [العنكبوت:٤٦] الآية، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾ [النساء:٤٧]، وقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [المائدة:٦٨]. وأخبر تعالى عن المؤمنين كلهم بذلك، فقال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة:٢٨٥]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ [النساء:١٥٢]، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أمر جميع المؤمنين بالإيمان بالله ورسله وكتبه، لكن لمؤمني أهل الكتاب خصوصية، وذلك أنهم يؤمنون بما بأيديهم مفصلاً، فإذا دخلوا في الإسلام وآمنوا به مفصلاً كان لهم على ذلك الأجر مرتين، وأما غيرهم فإنما يحصل له الإيمان بما تقدم مجملاً، كما جاء في الصحيح: (إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تكذبوهم ولا تصدقوهم، ولكن قولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم)، ولكن قد يكون إيمان كثير من العرب بالإسلام الذي بعث به محمد ﷺ أتم وأكمل، وأعم وأشمل من إيمان من دخل منهم في الإسلام، فهم وإن حصل لهم أجران من تلك الحيثية فغيرهم يحصل له من التصديق ما يُنيف ثوابه على الأجرين اللذين حصلا لهم، والله أعلم].

стр. 118

تفسير قوله تعالى: (أولئك على هدى من ربهم) قال الله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة:٥]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يقول الله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ﴾ [البقرة:٥] أي: المتصفون بما تقدم من الإيمان بالغيب، وإقام الصلاة، والإنفاق من الذي رزقهم الله، والإيمان بما أنزل إلى الرسول ومن قبله من الرسل، والإيقان بالدار الآخرة، وهو مستلزمٌ الاستعداد لها من الأعمال الصالحة وترك المحرمات، ﴿عَلَى هُدًى﴾ [البقرة:٥] أي: على نور وبيان وبصيرة من الله تعالى ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ أي: في الدنيا والآخرة]. أي أن هؤلاء هم أهل الهداية في الدنيا، وهم أهل الفلاح في الآخرة، فالذي يوصفون بهذه الصفات: الذين يؤمنون بالغيب، ويقيمون الصلاة، وينفقون مما رزقهم الله، ويؤمنون بما أنزل إلى النبي ﷺ ، وما أنزل من قبله، ويوقنون بالآخرة، والاستعداد لها بالعمل الصالح، وأداء حقوق الله، وحقوق العباد، والوقوف عند حدود الله؛ هؤلاء هم أهل الهداية في الدنيا وهم أهل الفلاح في الآخرة، فقد حصلوا على ما يطلبون، وهو رضا الله وكرامته، والتمتع برؤيته ، وسلموا من غضب الله وسخطه وناره، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم منهم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال محمد بن إسحاق عن محمد بن أبي محمد عن عكرمة -أو سعيد بن جبير - عن ابن عباس ﵄: ((أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ)) أي: على نور من ربهم واستقامة على ما جاءهم به، ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة:٥] أي: الذين أدركوا ما طلبوا ونجوا من شر ما منه هربوا]. الذي يطلبونه هو ثواب الله ورضاه وجنته، والذي يرهبونه هو غضب الله وسخطه والنار، فهم أدركوا ما طلبوا وسلموا مما خافوا منه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال ابن جرير: أما معنى قوله تعالى: ((أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ)) فإن معنى ذلك: فإنهم على نور من ربهم وبرهان واستقامة وسداد بتسديده إياهم وتوفيقه لهم، وتأويل قوله تعالى: ((وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)) أي: المنجحون المدركون ما طلبوا عند الله بأعمالهم وإيمانهم بالله وكتبه ورسله من الفوز بالثواب، والخلود في الجنات، والنجاة مما أعد الله لأعدائه من العقاب. وقد حكى ابن جرير قولاً عن بعضهم أنه أعاد اسم الإشارة في قوله تعالى: ((أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)) إلى مؤمني أهل الكتاب الموصوفين بقوله تعالى: ((وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ)) الآية، على ما تقدم من الخلاف، وعلى هذا فيجوز أن يكون قوله تعالى: ((وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ)) منقطعاً مما قبله، وأن يكون مرفوعاً على الابتداء، وخبره: ((وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)). واختار أنه عائد إلى جميع من تقدم ذكره من مؤمني العرب وأهل الكتاب؛ لما رواه السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وعن أناس من أصحاب رسول الله ﷺ : أما الذين يؤمنون بالغيب فهم المؤمنون من العرب، ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [البقرة:٤] هم المؤمنون من أهل الكتاب. ثم جمع الفريقين فقال: ((أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)). وقد تقدم من الترجيح أن ذلك صفة للمؤمنين عامة، والإشارة عائدة عليهم، والله أعلم. وقد نقل عن مجاهد وأبي العالية والربيع بن أنس وقتادة ﵏]. الصواب أن الإشارة للجميع وأن الوصف للجميع، فكل من الوصفين المراد به المؤمنون من العرب ومن أهل الكتاب، من الجن ومن الإنس، من السابقين ومن اللاحقين, والإشارة تعود إليهم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح المصري، حدثنا أبي، وحدثنا ابن لهيعة، حدثني عبيد الله بن المغيرة عن أبي الهيثم -واسمه سليمان بن عبد الله - عن عبد الله بن عمرو ﵁ عن النبي ﷺ وقيل له: (يا رسول الله! إنا نقرأ من القرآن فنرجو، ونقرأ من القرآن فنكاد أن نيئس -أو كما قال-، قال: أفلا أخبركم عن أهل الجنة وأهل النار؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:١ - ٢] إلى قوله تعالى: ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة:٥] هؤلاء أهل الجنة، قالوا: إنا نرجو أن نكون هؤلاء، ثم قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة:٦] إلى قوله: ﴿عَظِيمٌ﴾ [البقرة:٧] هؤلاء أهل النار، قالوا: لسنا هم يا رسول الله، قال: أجل)]. هذا الحديث في سنده ابن لهيعة، وهو ضعيف. وأبو الهيثم: قيل في حاشية الشعب: في المخطوطة أن اسمه سليمان بن عمرو العفواري، كما في خلاصة التهذيب. وأما عثمان بن صالح السهمي المصري فقد ذكره الحافظ الذهبي في الميزان، وفي ترجمته أحاديث مكذوبة أدخلت عليه. وأبو الهيثم في السند هو سليمان بن عمرو وليس هو ابن عبد الله، فينظر هل سمع من عبد الله بن عمرو، فإنهم ما ذكروا في ترجمته من روى عنه من الصحابة إلا أبا سعيد وأبا هريرة، وأبا بصرة الرفاعي، كما في (الجرح والتعديل) لـ ابن أبي حاتم، وفي (تهذيب التهذيب) إلا أنه صحف أبا بصرة إلى أبي نضرة. فيكون في الحديث انقطاعاً مع ضعف ابن لهيعة أيضاً، لكن المعنى صحيح.

стр. 119

تفسير سورة البقرة [٦ - ٧] لا ذنب أعظم من الكفر بالله تعالى؛ إذ به يتعرض العبد لرد الحق والإعراض عنه والصد عن سبيله؛ وبذا يجلب على نفسه طبع الله تعالى وختمه على قلبه، فلا ينتفع بهدى، ولا يكف عن ردى، ويورد نفسه كل مهلك، فليحذر العبد من تعاطي أسباب طبع الله على قلبه ولو بما هو دون الكفر.

стр. 120

تفسير قوله تعالى: (إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم) قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة:٦]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: غطوا الحق وستروه، وقد كتب الله تعالى عليهم ذلك، سواء عليهم إنذارك وعدمه، فإنهم لا يؤمنون بما جئتهم به، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ * وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ﴾ [يونس:٩٦ - ٩٧]. وقال تعالى في حق المعاندين من أهل الكتاب: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾ [البقرة:١٤٥] الآية. أي: إن من كتب الله عليه الشقاوة فلا مسعد له، ومن أضله فلا هادي له، ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر:٨]، وبلغهم الرسالة، فمن استجاب لك فله الحظ الأوفر، ومن تولى فلا تحزن عليهم ولا يهمنك ذلك، ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [الرعد:٤٠]، ﴿إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [هود:١٢]. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة:٦] قال: (كان رسول الله ﷺ يحرص أن يؤمن جميع الناس ويتابعوه على الهدى، فأخبره الله تعالى أنه لا يؤمن إلا من سبق له من الله السعادة في الذكر الأول، ولا يضل إلا من سبق له من الله الشقاوة في الذكر الأول)]. المراد بالذكر الأول: اللوح المحفوظ، والمعنى: أن الكفار ستروا الحق وغطوه وهو توحيد الله ، فلم يوحدوا الله، ولم يعبدوه، بل عبدوا معه غيره، وهذا الحق هو أعظم الشروط، فحق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وأن يوحدوه، وأن يخلصوا له العبادة، فهؤلاء الكفار غطوا الحق وستروه، وهذا أصل الكفر، فالكفر معناه: الستر، ومنه سمي الزارع كافراً؛ لأنه يستر الحب ويبذر في الأرض، كما قال في سورة الفتح: ﴿يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح:٢٩] فالكفر في اللغة: الستر، والكافر جاحد للحق، جاحد لتوحيد الله . والله تعالى هنا يسلي نبيه، ولهذا يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة:٦] إذ من كتب الله عليه الشقاوة فلا خير فيه، وكان ﵊ يحرص أشد الحرص على هدايتهم، حتى إنه كان يضر بنفسه ويكاد يهلك نفسه، قال سبحانه: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف:٦]، وقال سبحانه: ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر:٨]، وقال سبحانه: ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ﴾ [الشورى:٤٨]، فالرسول ﵊ عليه البلاغ، وكذلك جميع الرسل عليهم البلاغ، وكذلك الدعاة والمرشدون والمصلحون عليهم البلاغ، أي: التبليغ والإنذار، وبيدهم هداية الدلالة والإرشاد. أما التوفيق والإلهام، وكون المرء يقبل الحق ويرضى به ويختاره فهذا إلى الله ، كما قال : ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦]. وفي هذه الآية دلالة على أن الكفار لا ينتفعون بالإنذار والمواعظ، وهذا هو وصفهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة:٦]. فينبغي للمسلم أن يحذر من صفات الكفار والمنافقين، وأن يتأثر بالمواعظ فينتفع بها ويستفيد منها حتى لا يتشبه بالكفرة، فالكفار لا ينتفعون بالمواعظ، والمؤمنون ينتفعون بالموعظة، قال سبحانه: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات:٥٥]، وقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور:٥١]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد عن عكرمة -أو سعيد بن جبير - عن ابن عباس ﵄: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة:٦] أي: بما أنزل إليك، وإن قالوا: إنا قد آمنا بما جاءنا قبلك؟ ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة:٦] أي: إنهم قد كفروا بما عندهم من ذكرك، وجحدوا ما أخذ عليهم من الميثاق، وقد كفروا بما جاءك، وبما عندهم مما جاءهم به غيرك، فكيف يسمعون منك إنذارًا وتحذيرًا وقد كفروا بما عندهم من علمك؟! وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية قال: نزلت هاتان الآيتان في قادة الأحزاب، وهم الذين قال الله فيهم: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا﴾ [إبراهيم:٢٨ - ٢٩]، والمعنى الذي ذكرناه أولاً، وهو المروي عن ابن عباس في رواية علي بن أبي طلحة أظهر، ويفسر ببقية الآيات التي في معناها. والله أعلم. ]. ورواية علي بن أبي طلحة منقطعة؛ لأن علي بن أبي طلحة لم يدرك ابن عباس، وهذا الحديث في قادة الأحزاب، والأحزاب المراد بهم: الكفار الذين تحزبوا على النبي ﷺ وتجمعوا وتألبوا عليه ﵊ وحاصروا المدينة، وسميت هذه الغزوة غزوة الأحزاب لأن الكفار تحزبوا على النبي ﷺ وتجمعوا وأتوا وحاصروا المدينة، ولكن الله أبطل كيدهم، وسلط عليهم ريحاً وجنوداً لا يراها المؤمنون، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ [الأحزاب:٩]. وما نقله المؤلف عن ابن إسحاق بسنده إلى ابن عباس أن المراد: قد كفروا بما عندهم من ذكرك معناه أن الآية في أهل الكتاب السابقين، والصواب أن الآية عامة تشمل مشركي العرب وكفار أهل الكتاب. والأصل أن يؤخذ بعموم اللفظ، ولا يخصص إلا بدليل، فالآية شاملة للكفرة جميعاً من مشركي العرب، ومن أهل الكتاب ومن غيرهم، وهذا وصفهم، وهو وصف منطبق عليهم، أي أنهم لا ينتفعون بالمواعظ، وكذلك وصفهم بأن الله ختم على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد ذكر ابن أبي حاتم هاهنا حديثاً فقال: حدثنا أبي، حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح المصري، حدثنا أبي، حدثنا ابن لهيعة، حدثني عبيد الله بن المغيرة، عن أبي الهيثم، عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: (قيل: يا رسول الله! إنا نقرأ من القرآن فنرجوا، ونقرأ فنكاد أن نيأس، فقال: ألا أخبركم؟ ثم قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة:٦] هؤلاء أهل النار، قالوا: لسنا منهم يا رسول الله؟ قال: أجل)]. وهذا الحديث في إسناده ابن لهيعة، وهو ضعيف وإن صرح بالتحديث، لاحتراق كتبه في آخر حياته، إلا أن المعنى صحيح لا شك في أن هؤلاء هم أهل النار، والصحابة ليسوا منهم، والمسلمون -كذلك- ليسوا منهم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله تعالى: ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة:٦] محله من الإعراب أنه جملة مؤكدة للتي قبلها ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ﴾ [البقرة:٦]]. أي: مؤكدة لـ (كفروا) في قوله تعالى: ((إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا))؛ لأن الكفار لا يؤمنون، ونفى عنهم الإيمان كله، ففي الجملة الأولى أثبت لهم الكفر، وفي الجملة الثانية نفى عنهم الإيمان تأكيداً. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أي: هم كفار في كلا الحالين، فلهذا أكد ذلك بقوله تعالى: ((لا يُؤْمِنُونَ))]. أي: في حالة الإنذار وحالة عدم الإنذار، فهم في كلتا الحالتين كفار، نسأل الله العافية. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويحتمل أن يكون ((لا يُؤْمِنُونَ)) خبراً؛ لأن تقديره: إن الذين كفروا لا يؤمنون، ويكون قوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ﴾ [البقرة:٦] جملة معترضة. والله أعلم. ].

стр. 121

تفسير قوله تعالى: (ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم) قال الله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة:٧]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال السدي: ﴿خَتَمَ اللَّهُ﴾ [البقرة:٧] أي: طبع الله، وقال قتادة في هذه الآية: استحوذ عليهم الشيطان إذ أطاعوه، فختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة، فهم لا يبصرون هدى ولا يسمعون ولا يفقهون ولا يعقلون. والختم والقفل والران أمور معنوية، وهي حواجز تمنع وصول الخير إليها -نسأل الله السلامة والعافية- عقوبة لهم على صدودهم وإعراضهم عن الحق، وهذا عدل من الله ، قال سبحانه: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [النحل:١١٨]، وقال سبحانه: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ [الزخرف:٧٦]، فلما جاءهم الحق فعرفوه، واتضح لهم فأعرضوا عنه وصدوا عنه؛ عاقبهم الله بزيغ القلب، نسأل الله السلامة والعافية، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف:٥]، وقال سبحانه: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام:١١٠]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال ابن جريج: قال مجاهد: ((خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ)) قال: الطبع، ثبتت الذنوب على القلب تحف به من نواحيه حتى تلتقي عليه، فالتقاؤها عليه الطبع، والطبع: الختم، قال ابن جريج: الختم: على القلب والسمع]. قوله: [ثبتت الذنوب] الظاهر والصحيح أنه [نبئت أن الذنوب على القلب]، فالظاهر: أنها مأخوذة عن ابن جريج (نبئت). والمعنى أنها تدور عليه وتحف به من جميع الجوانب، وتكون دائرة كالختم المستدير، نسأل الله السلامة والعافية. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال ابن جريج: وحدثني عبد الله بن كثير أنه سمع مجاهداً يقول: الران أيسر من الطبع، والطبع أيسر من الإقفال، والإقفال أشد من ذلك كله]. هناك طبع وران، وكذلك رين، وهو الغطاء اليسير، وكذلك غين، وهو غطاء خفيف يكون مع الغفلة، كما جاء في الحديث عن النبي ﷺ قال: (إنه ليغان على قلبي فأستغفر الله وأتوب إليه في المجلس أكثر من مائة مرة). فالغين غطاء يسير يكون بسبب الغفلة على القلب، فهنا: غين وران وطبع وقفل وختم، وكل هذه حواجز وموانع بعضها أشد من بعض، فهي حواجز معنوية تمنع عن الخير، وأشدها القفل الذي يقفل على القلوب، قال تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤] وكذلك الأكنة، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ﴾ [فصلت:٥]. وقال سبحانه: ﴿بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [المطففين:١٤] من الران، جاء في الحديث أن الذنوب تجثم على الإنسان حتى تكون كالران على القلب، نسأل الله السلامة والعافية. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال الأعمش: أرانا مجاهد بيده فقال: كانوا يرون أن القلب في مثل هذه -يعني: الكف- فإذا أذنب العبد ذنباً ضم منه، وقال بإصبعه الخنصر هكذا، فإذا أذنب ضم، وقال بإصبع أخرى، فإذا أذنب ضم، وقال بإصبع أخرى هكذا، حتى ضم أصابعه كلها، ثم قال: يطبع عليه بطابع]. وجاء في الحديث الآخر: (أن العبد إذا أذنب ذنباً نكت في قلبه نكتة سوداء، فإن تاب ونزع صقل قلبه، وإن زاد زادت حتى يعلق بها قلبه، فذلك الران الذي ذكر الله في كتابه). قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال مجاهد: كانوا يرون أن ذلك الرين، ورواه ابن جرير عن أبي كريب عن وكيع عن الأعمش عن مجاهد بنحوه].

стр. 122

الرد على المعتزلة في تفسير الختم والطبع قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال ابن جرير: وقال بعضهم: إنما معنى قوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة:٧]. إخبار من الله عن تكبرهم وإعراضهم عن الاستماع لما دعوا إليه من الحق، كما يقال: إن فلاناً أصم عن هذا الكلام: إذا امتنع من سماعه ورفع نفسه عن تفهمه تكبرًا. قال: وهذا لا يصح؛ لأن الله تعالى قد أخبر أنه هو الذي ختم على قلوبهم وأسماعهم. قلت: وقد أطنب الزمخشري في تقرير ما رده ابن جرير هاهنا وتأول الآية من خمسة أوجه، وكلها ضعيفة جدًا، وما جرأه على ذلك إلا اعتزاله؛ لأن الختم على قلوبهم ومنعها من وصول الحق إليها قبيح عنده يتعالى الله عنه في اعتقاده]. هذه هو اعتقادهم؛ لأن المعتزلة يرون أن الله تعالى ما أضل الكافر ولا هدى المؤمن، وإنما المؤمن هو الذي يهدي نفسه والكافر هو الذي يضل نفسه، هكذا يعتقد المعتزلة، ويؤولون قوله تعالى: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النحل:٩٣] بأن معنى (يهدي): يسميه مهتدياً، و (يضل): يسميه ضالاً، وقالوا: ليس لله نعمة دينية خص بها المؤمن، ولم يضل الكافر، بل هذا اختار الهداية بنفسه وهذا اختار الضلالة بنفسه. وهذا مبني على مذهبهم في وجوب الأصلح على الله، فلهذا رد ابن جرير هذا القول، والزمخشري أثبته من خمسة وجوه حتى يقرر مذهبه؛ لأنه يتناسب مع اعتزاله، ولهذا ينبغي لطالب العلم أن يحذر من التفاسير المحشوة بالبدع مثل تفسير الزمخشري وغيره، فإنه يجر الإنسان إلى معتقده وهو لا يشعر، ولهذا قال البوصيري: استخرجت من الكشاف اعتزالاً بالمناقيش. يعني: يؤخذ بالمنقاش الشيء الخفي، ومن ذلك أنه قال في قوله : ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران:١٨٥] قال: أي فوز أعظم من الجنة؟! وسكت، ومقصوده من هذا إنكار رؤية الله في الآخرة، وإنكار رؤية المؤمنين لربهم، فقال: ليس هناك شيء أعظم من الجنة، ومقصوده إنكار الرؤية، لكن لا يعلم بهذا إلا الخواص، ولا يعلم بهذا إلا من عنده بصيرة، أما غيره فيفهمه على أنه صحيح، وأي فوز أعظم من الجنة؟! فعلى طالب العلم أن يحذر، ولا ينبغي للمبتدئين أن يقرءوا كتب الزمخشري وغيره، لكن طالب العلم الذي عنده بصيرة يستفيد منه من جهة البلاغة ومن جهة المعاني. قال المؤلف رحمه الله تعالى: وقد أطنب الزمخشري في تقرير ما رده ابن جرير هاهنا، وتأول الآية من خمسة أوجه، وكلها ضعيفة جداً، وما جرأه على ذلك إلا اعتزاله؛ لأن الختم على قلوبهم ومنعها من وصول الحق إليها قبيح عنده يتعالى الله عنه في اعتقاده، ولو فهم قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف:٥]، وقوله: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام:١١٠] وما أشبه ذلك من الآيات الدالة على أنه تعالى إنما ختم على قلوبهم وحال بينهم وبين الهدى جزاء وفاقاً على تماديهم في الباطل وتركهم الحق، وهذا عدل منه تعالى حسن وليس بقبيح، فلو أحاط علماً بهذا لما قال ما قال، والله أعلم]. قال تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [النحل:١١٨] فهم الذين تركوا الحق وأعرضوا عنه وصدوا عنه، ولم يقبلوه بعد وضوحه، لا عن جهل، قال سبحانه: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [فصلت:١٧] فقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ [فصلت:١٧] يعني: بينا لهم طريق الخير وطريق الشر، فاستحبوا العمى على الهدى ولم يقبلوا الحق.

стр. 123

وصف الله تعالى نفسه بالختم والطبع على قلوب الكافرين قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال القرطبي: وأجمعت الأمة على أن الله قد وصف نفسه بالختم والطبع على قلوب الكافرين مجازاة لكفرهم، كما قال: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء:١٥٥] وذكر حديث تقليب القلوب: (ويا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك)، وذكر حديث حذيفة الذي في الصحيح عن رسول الله ﷺ قال: (تعرض الفتن على القلوب كالحصير عوداً عوداً، فأي قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير على قلبين: على أبيض مثل الصفاء، فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مرباداً كالكوز مجخياً لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراًً) الحديث. قال ابن جرير: والحق عندي في ذلك ما صح بنظيره الخبر عن رسول الله ﷺ ، وهو ما حدثنا به محمد بن بشار، حدثنا صفوان بن عيسى، حدثنا ابن عجلان، عن القعقاع، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن المؤمن إذا أذنب ذنباً كانت نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب ونزع واستعتب صقل قلبه، وإن زاد زادت حتى تعلو قلبه، فذلك الران الذي قال الله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين:١٤]). هذا الحديث من هذا الوجه قد رواه الترمذي والنسائي عن قتيبة عن الليث بن سعد وابن ماجه عن هشام بن عمار عن حاتم بن إسماعيل والوليد بن مسلم، ثلاثتهم عن محمد بن عجلان به، وقال الترمذي: حسن صحيح]. هذا الحديث مروي عن قتيبة عن الليث؛ لأن قتيبة يروي عن الليث بن سعد. قال في الخلاصة: قتيبة بن سعيد الثقفي مولاهم أبو رجاء البغلي -بمعجمة- أحد أئمة الحديث عن مالك والليث وسعيد بن جعفر، وعنه البخاري مسلم وأبو داود والترمذي قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم قال ابن جرير: فأخبر رسول الله ﷺ أن الذنوب إذا تتابعت على القلوب أغلقتها، وإذا أغلقتها أتاها حينئذ الختم من قبل الله تعالى والطبع، فلا يكون للإيمان إليها مسلك ولا للكفر عنها مخلص]. أي: تكون ممنوعة من وصول الحق إليها، فلا ينفذ إليها الحق ولا يخرج منها الباطل، الكفر لا يخرج، والإيمان لا يدخل، نعوذ بالله، ونسأل الله السلامة والعافية. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فذلك هو الختم والطبع الذي ذكر في قوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ [البقرة:٧] نظير الختم والطبع على ما تدركه الأبصار من الأوعية والظروف، التي لا يوصل إلى ما فيها إلا بفض ذلك عنها ثم حلها، فكذلك لا يصل الإيمان إلى قلوب من وصف الله أنه ختم على قلوبهم وعلى سمعهم إلا بعد فض خاتمه وحل رباطه عنها]. ومعلوم أن الختم المعنوي مثل الختم الحسي، كما أن الشيء المختوم عليه حساً والظروف المختوم عليها لا يصل إليها شيء حتى يفض الخاتم، فكذلك الختم المعنوي، وهذا الختم إنما يزول إذا وفق الله العبد بالإيمان والعمل الصالح ومن عليه.

стр. 124

بيان موضع الوقف التام من الآية الكريمة قوله: [واعلم أن الوقف التام على قوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ [البقرة:٧] وقوله: ﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ [البقرة:٧] جملة تامة، فإن الطبع يكون على القلب وعلى السمع، والغشاوة -وهي الغطاء- يكون على البصر، كما قال السدي في تفسيره عن أبي مالك عن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وعن أناس من أصحاب رسول الله ﷺ في قوله: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ [البقرة:٧] يقول: فلا يعقلون ولا يسمعون، يقول: وجعل على أبصارهم غشاوة، يقول: على أعينهم فلا يبصرون]. فالغشاوة على الأبصار والختم على القلوب والأسماع، ولهذا قال تعالى: ((ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم)) ثم قال: ﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ [البقرة:٧]، ولكي يتضح المعنى ينبغي للقارئ أن تكون مواقفه على المواقف التي يتم بها المعنى. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال ابن جرير: حدثني محمد بن سعد، حدثنا أبي، حدثني عمي الحسين بن الحسن، عن أبيه، عن جده، عن ابن عباس ﵄: (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ) والغشاوة على أبصارهم. قال: وحدثنا القاسم، حدثنا الحسين -يعني ابن داود، وهو سنيد - حدثني حجاج -وهو ابن محمد الأعور - حدثني ابن جريج قال: الختم على القلب والسمع، والغشاوة على البصر، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشورى:٢٤]، وقال: ﴿وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾ [الجاثية:٢٣]. قال ابن جرير: ومن نصب غشاوة من قوله تعالى: ﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ [البقرة:٧] يحتمل أنه نصبها بإضمار فعل تقديره: وجعل على أبصارهم غشاوة، ويحتمل أن يكون نصبها على الإتباع على محل: ﴿وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ [البقرة:٧] كقوله تعالى: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ [الواقعة:٢٢]، وقول الشاعر: علفتها تبناً وماء بادراً حتى غدت همَّالةً عيناها. وقال الآخر: ورأيت زوجك في الوغى متقلداً سيفاً ورمحاً تقديره: وسقيتها ماء بارداً، ومعتقلاً رمحاً]. نسأل الله للجميع العلم النافع والعمل الصالح.

стр. 125

تفسير سورة البقرة [٨ - ٩] النفاق بلية عظيمة على صاحبها وعلى مجتمع المسلمين، وحقيقته إبطان الكفر وإظهار الإسلام، ولباس ثياب المخادعة لله وللمؤمنين، وفاعل ذلك إنما يضر نفسه بإيهامها بتلبية مطلبها وتحقيق غرضها، وعاقبة ذلك الخسران المبين، وليست العبرة في هذه القضية بذات الاسم، بل بحقيقة المسمى، وبذا لا يخفى على ذي بصيرة ثياب منافقي هذا العصر.

стр. 126

تفسير قوله تعالى: (ومن الناس من يقول آمنا بالله)

стр. 127

التعريف بالمنافقين قال المؤلف رحمه الله تعالى: [لما تقدم وصف المؤمنين في صدر السورة بأربع آيات، ثم عرف حال الكافرين بهاتين الآيتين، شرع تعالى في بيان حال المنافقين الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر]. فذكر المؤمنين في أربع آيات، والكفار ظاهراً وباطناً في آيتين، وأما المنافقون -وهم الذين يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر- فذكرهم في ثلاث عشرة آية؛ لشدة خطرهم على الإسلام والمسلمين ولخفائهم. فهم يظهرون الإسلام، ولكن يبطنون الكفر، وهم يعيشون بين المسلمين، فهم عدو لدود، وأشد من الكافرين ظاهراً وباطناً، ولهذا صار عذابهم أشد، فهم في الدرك الأسفل من النار، نعوذ بالله، والمنافق: هو الذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر، مأخوذ من نفق اليربوع، واليربوع دويبة يتخذ جحراً له فتحتان: فتحة معروفة، وفتحة غير معروفة، فإذا رابه ريب دفع ذلك التراب برأسه فخرج من نفقه، فكذلك المنافق له ظاهر وباطن، فظاهره مع المؤمنين وباطنه مع الكفرة، وقد سمي منافقاً في زمن النبي ﷺ وكذلك في العصور التي بعده، ثم سمي المنافق زنديقاً، ويطلق الزنديق -أيضاً- على المجاهر بالمعاصي، فصار في بعض القرون يسمى زنديقاً، وهي كلمة فارسية تطلق على المنافق وتطلق على المجاهر بالمعاصي، ويسمى المنافق والزنديق في هذا الزمان (العلماني)، والعلمانيون هم المنافقون، فالأسماء مختلفة، والمعنى واحد، فهم المنافقون الذين يبطنون الكفر، ويظهرون الإسلام، نعوذ بالله. والله تعالى جلى أوصافهم وذكرها في كثير من الآيات وكثير من السور، في سورة البقرة، وفي سورة النساء، وفي سورة النور وفي سورة التوبة، ولم يزل الله يقول (ومنهم)، (ومنهم) حتى خاف المنافقون أن يسموا بأعيانهم في سورة محمد وفي سورة المنافقون وفي غيرهما من السور، نسأل الله السلامة والعافية. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولما كان أمرهم يشتبه على كثير من الناس أطنب في ذكرهم بصفات متعددة، كل منها نفاق]. فوصفهم بالخداع، وبالإفساد في الأرض، وبأنهم ينشرون الفساد في الناس ويسمون ذلك إصلاحاً، ويصفون المؤمنين بالسفه، ويسمون الإيمان سفهاً، وضرب الله لهم مثلاً مائياً ومثلاً نارياً، وستأتي أوصافهم إن شاء الله. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [كما أنزل سورة براءة فيهم، وسورة المنافقين فيهم، وذكرهم في سورة النور وغيرها من السور تعريفاً لأحوالهم لتجتنب، ويجتنب من تلبس بها أيضًا].

стр. 128

بيان حقيقة النفاق ومادام أن هذه الأسماء تعارف الناس عليها فلابد من بيان أن هذا الاسم يرجع إلى اسم الشرع؛ لأنه إذا حذر القرآن من المنافقين ولم يُعرف أن العلماني هو المنافق ظُن أنه ليس بمنافق، فلا بد من بيان أن هذا الذي وصف بالعلماني هو المنافق الذي ذكره الله في كتابه، وليربط هذا بهذا، فيقال: المنافق هو العلماني وهو الزنديق، وهو الذي يبطن الكفر ويظهر الإسلام؛ لأنه إذا قيل: منافق فقط، والله تعالى حذر من المنافقين في كتابه ولم يذكر العلماني ولا الزنديق لما عرف المنافق، وبعض الناس لا يدري أن العلماني هو المنافق، ولا يدري أن الزنديق هو المنافق، فلا بد من تبيين ذلك، وإن اختلفت الأسماء فالمعنى واحد، فالعلماني هو المنافق، والمنافق هو الذي ذمه الله في كتابه، وبين أنه في الدرك الأسفل من النار، نسأل الله السلامة والعافية. قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة:٨ - ٩]. قال المصنف ﵀: [النفاق: هو إظهار الخير وإسرار الشر، وهو أنواع: اعتقادي: وهو الذي يخلد صاحبه في النار، وعملي، وهو من أكبر الذنوب، كما سيأتي تفصيله في موضعه إن شاء الله تعالى]. فالنفاق العملي معاصٍ، والفرق بينه وبين النفاق الاعتقادي أن النفاق الاعتقادي يكون في القلب، والنفاق العملي يكون في العمل، مثل الكذب في الحديث، والخلف في الوعد، والخيانة في الأمانة، والفجور في الخصومة، كما في الحديث: (إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان). والإعراض عن الجهاد، كما قال النبي ﷺ : (من لم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق). ومن صفات المنافقين -كما جاء في الحديث- النقر في الصلاة، وتأخيرها عن وقتها، وعدم ذكر الله فيها إلا قليلاً، قال رسول الله ﷺ : (تلك صلاة المنافق: يرقب الشمس حتى إذا كادت تغرب بين قرني شيطان قام فنقرها أربعاً لا يذكر الله فيها إلا قليلاً). فهذه الأفعال من أوصافهم، وهذه الأفعال نفاق عملي، وهي معاصٍ، وتجر إلى النفاق الأكبر، ففي حديث عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال: (أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً؛ ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا اؤتمن خان، وإذا خاصم فجر، وإذا عاهد غدر). قال العلماء: إن كل خصلة من هذه الخصال تعتبر بمفردها معصية، وهي من النفاق العملي، لكنها إذا استحكمت وكبرت في الشخص جرته إلى النفاق الأكبر، وحينها لا يكون هذا الشخص إلا منافقاً خالصاً، نسأل الله السلامة والعافية. والنفاق الأكبر هو النفاق في الاعتقاد، بحيث يكون المرء مؤمناً في الظاهر، وفي الباطن يكذب الله، أو يكذب رسوله، أو يبغض الله ويبغض رسوله، ويحب ظهور الكفرة على المسلمين، أو يكره ظهور الإسلام والمسلمين، وهذا هو النفاق الاعتقادي، نعوذ بالله.

стр. 129

سبب ظهور النفاق قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهذا كما قال ابن جريج: المنافق يخالف قوله فعله، وسره علانيته، ومدخله مخرجه، ومشهده مغيبه، وهذا هو المنافقين في السور المدنية؛ لأن مكة لم يكن فيها نفاق، بل كان خلافه من الناس من كان يظهر الكفر مستكرهاً وهو في الباطن مؤمن، فلما هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة، وكان بها الأنصار من الأوس والخزرج، وكانوا في جاهليتهم يعبدون الأصنام على طريقة مشركي العرب، وبها اليهود من أهل الكتاب على طريقة أسلافهم، وكانوا ثلاث قبائل: بنو قينقاع حلفاء الخزرج، وبنو النضير، وبنو قريظة حلفاء الأوس. فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة وأسلم من أسلم من الأنصار من قبيلتي الأوس والخزرج، وقل من أسلم من اليهود، إلا عبد الله بن سلام ﵁، ولم يكن إذ ذاك نفاق أيضاً؛ لأنه لم يكن للمسلمين بعد شوكة تخاف، بل قد كان ﵊ وادع اليهود وقبائل كثيرة من أحياء العرب حوالي المدينة، فلما كانت وقعة بدر العظمى وأظهر الله كلمته وأعز الإسلام وأهله؛ قال عبد الله بن أبي بن سلول -وكان رأساً في المدينة، وهو من الخزرج، وكان سيد الطائفتين في الجاهلية، وكانوا قد عزموا على أن يملكوه عليهم، فجاءهم الخير وأسلموا واشتغلوا عنه، فبقي في نفسه من الإسلام وأهله- فلما كانت وقعت بدر قال: هذا أمر الله قد توجه. فأظهر الدخول في الإسلام، ودخل معه طوائف ممن هو على طريقته ونحلته، وآخرون من أهل الكتاب، فمن ثم وجد النفاق في أهل المدينة ومن حولها من الأعراب]. النفاق لم يوجد إلا في المدينة، أما مكة فلم يكن فيها نفاق، ولم يظهر النفاق في المدينة إلا بعد غزوة بدر؛ لأن الكفار في مكة كانوا هم الأقوياء في مكة، فلم تكن هناك حاجة للنفاق بإظهار الإسلام وإبطان الكفر، بل الحال كان هو العكس، وهو أن كثيراً من المؤمنين كانوا يخفون إسلامهم بسبب تعذيب الكفار لهم وإيذائهم. فالنفاق ووجود المنافقين يدل على قوة المسلمين؛ لأن المنافقين لا يستطيعون إظهار كفرهم، ولهذا لما حدثت وقعة بدر فأعز الله جنده وخذل الكفر وأهله، وقتل من الكفار سبعون وأسر سبعون؛ قال عبد الله بن أبي: هذا أمر قد توجه. فأظهر الإسلام وأبطن الكفر حتى يحقن دمه وماله؛ لأنه لو أظهر الكفر لقتل، وكان عبد الله بن أبي رئيساً في المدينة في الأوس والخزرج، وكادوا قبيل هجرة النبي ﷺ أن يتوجوه ويعصبوه بالعصابة التي يعصب بها الرؤساء والملوك. فلما هاجر النبي ﷺ وأسلم الأوس والخزرج فاته ذلك، فأظهر الإسلام وأبطن الكفر، وتبعه طوائف من المنافقين، نسأل الله السلامة والعافية. فوجود المنافقين يدل على قوة المسلمين؛ لأنهم لا يستطيعون إظهار كفرهم، فهم قوم يداهنون ويخادعون، وإذا حصلت لهم فرصة أظهروا كفرهم، وإذا لم تحصل لهم فرصة أخفوا كفرهم وهكذا، وهم يقلون ويكثرون، ويقوون ويضعفون على حسب أحوال مجتمع المسلمين الذي هم فيه، فنسأل الله أن يكفي المسلمين شرهم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فأما المهاجرون فلم يكن فيهم أحد نافق؛ لأنه لم يكن أحد يهاجر مكرهاً، بل يهاجر فيترك ماله وولده وأرضه رغبة فيما عند الله في الدار الآخرة]. المعنى أن المهاجرين لم يكن فيهم منافق؛ لأنهم هاجروا باختيارهم، وتركوا ديارهم وأموالهم لله تعالى، فالنفاق كان في الأوس والخزرج، ولم يظهر إلا بعد غزوة بدر لما قوي الإسلام والمسلمين.

стр. 130

دعوى المنافقين الإيمان وكذبهم في ذلك قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد عن عكرمة -أو سعيد بن جبير - عن ابن عباس ﵄: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٨] يعني المنافقين من الأوس والخزرج ومن كان على أمرهم، وكذا فسرها بالمنافقين من الأوس والخزرج أبو العالية والحسن وقتادة والسدي. ولهذا نبه الله سبحانه على صفات المنافقين؛ لئلا يغتر بظاهر أمرهم المؤمنون، فيقع بذلك فساد عريض من عدم الاحتراز منهم، ومن اعتقاد إيمانهم وهم كفار في نفس الأمر، وهذا من المحذورات الكبار، أن يظن بأهل الفجور خير، فقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٨] أي: يقولون ذلك قولاً ليس وراءه شيء آخر]. يعني: أن إيمانهم إنما كان باللسان، وكان الكفر في القلب، فالله تعالى أثبت لهم الإيمان ونفاه عنهم، فكيف ذلك؟! والجواب أننا نقول: الجهة منفكة، ولا يقال: إن هذا تناقض -تعالى الله-؛ لأن شرط التناقض اتحاد الجهة، وهو أن يرد النفي والإثبات على جهة واحدة، وهذا لا يقع في كلام الله ولا في كلام رسوله، ولا في كلام العقلاء. لكن إذا كانت الجهة منفكة فلا تناقض، فجهة إثبات الإيمان هي اللسان، وجهة نفي الإيمان هي القلب، فالجهة منفكة. فالله تعالى يقول: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة:٨] يعني: بألسنتهم، ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٨] يعني: بقلوبهم، فأثبت لهم الإيمان بالألسنة ونفى عنهم الإيمان في القلوب، فنسأل الله السلامة والعافية. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [كما قال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾ [المنافقون:١]]. قوله تعالى: (قالوا نشهد إنك لرسول الله) يعني: بألسنتهم، (والله يشهد إن المنافقين لكاذبون) يعني: بقلوبهم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أي: إنما يقولون ذلك إذا جاءوك فقط، لا في نفس الأمر، ولهذا يؤكدون الشهادة بـ (إن) ولام التأكيد في خبرها، أكدوا أمرهم قالوا: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [البقرة:٨] وليس الأمر كذلك، كما كذبهم الله في شهادتهم وفي خبرهم هذا بالنسبة إلى اعتقادهم بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون:١]، وبقوله: ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٨]]. أي أن هنا ثلاثة مؤكدات: وهي (إن)، واللام، والجملة الاسمية في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون:١] وذلك لبيان تحقيق كذبهم وشدة كذبهم، وأنهم كاذبون في الواقع ونفس الأمر. وقد أثبت لهم الإيمان وأثبت لهم الكفر بعد الإيمان، وذلك لأنه قد يكون عندهم إيمان ضعيف؛ لأن المنافقين يتفاوتون، فبعضهم عنده إيمان ضعيف يأتي ويذهب، ومرةً يخبو ومرةً يوجد، والمقصود أن الله تعالى كفرهم بعد الإيمان.

стр. 131

تفسير قوله تعالى: (يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة:٩] أي: بإظهارهم ما أظهروه من الإيمان مع إسرارهم الكفر يعتقدون بجهلهم أنهم يخدعون الله بذلك، وأن ذلك نافعهم عنده، وأنه يروج عليه كما قد يروج على بعض المؤمنين، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [المجادلة:١٨]، ولهذا قابلهم على اعتقادهم ذلك بقوله: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة:٩]. يقول: وما يغرون بصنيعهم هذا ولا يخدعون إلا أنفسهم، وما يشعرون بذلك من أنفسهم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء:١٤٢]، ومن القراء من قرأ: (وما يخادعون إلا أنفسهم) وكلا القراءتين ترجع إلى معنى واحد]. يعني أن غرورهم بقي معهم حتى في موقف القيامة -نسأل الله السلامة والعافية-، وظنوا أن كونهم مع المؤمنين في الدنيا ينفعهم، بحيث يكونون مع المؤمنين يوم القيامة، وقد ثبت في الحديث الصحيح في الصحيحين وغيرهما أن الله تعالى يقول يوم القيامة: (لتتبع كل أمة ما تعبد) فمن كان يعبد الشمس يتبع الشمس، ومن كان يعبد القمر يتبع القمر، وهكذا يتساقطون في النار، وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها، فيقول الله تعالى: من تنتظرون؟ فيقولون: ننتظر ربنا، فإذا جاء ربنا عرفناه. إذ قد جعل الله لهم علامة . وثبت أنه في القيامة يرونه أربع مرات، وأنه يتجلى لهم في الصورة الأولى، ثم يتجلى لهم في صورة غير الصورة التي يعرفون فينكرونها ويقولون: نعوذ بالله، هذا مكاننا، فإذا جاء ربنا عرفناه. فيرونه في المرة الأولى، ثم يرونه المرة الثانية فيتجلى لهم في غير الصورة التي يعرفونه فينكرونه، ثم يرونه في المرة الثالثة فيسجدون له، فيذهب المنافقون يريدون أن يسجدوا فيجعل الله ظهر كل منافق طبقاً فلا يستطيع أن يسجد، قال : ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم:٤٢]. وقد أطال الشيخ ابن تيمية ﵀ في بيان هذا في كتابه العظيم (بيان تلبيس الجهمية)، وهو كتاب عظيم فيه مباحث عظيمة لا توجد في غيره من الكتب. والمقصود أن المؤمنين يرون ربهم في موقف يوم القيامة أربع مرات، والمنافقون يكونون مع المؤمنين؛ لأنهم كانوا معهم في الدنيا، فيكونون معهم في موقف القيامة، ثم بعد ذلك ينطلقون ومعهم النور، فينطفئ نور المنافقين فيقولون للمؤمنين: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد:١٣]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال ابن جرير: فإن قال قائل: كيف يكون المنافق لله وللمؤمنين مخادعاً وهو لا يظهر بلسانه خلاف ما هو له معتقد إلا تقية؟ قيل: لا تمتنع العرب أن تسمي من أعطى بلسانه غير الذي في ضميره تقية لينجو مما هو له خائف مخادعاً، فكذلك المنافق سمي مخادعاً لله وللمؤمنين بإظهاره ما أظهر بلسانه تقية بما يخلص به من القتل والسبي والعذاب العاجل وهو لغير ما أظهره مستبطن، وذلك من فعله، وإن كان خداعاً للمؤمنين في عاجل الدنيا فهو لنفسه بذلك من فعله خادع؛ لأنه يظهر لها بفعله ذلك بها أنه يعطيها أمنيتها ويسقيها كأس سرورها، وهو موردها حياض عطبها، ومجرعها به كأس عذابها، ومذيقها من غضب الله وأليم عقابه ما لا قبل لها به]. أي أن هذا خداع منه لنفسه، فكأنه يعطيها السرور بهذا الخداع، ويطمع أن يكون له يد مع المؤمنين ومع الكفار، وهو في الواقع يجرها إلى الهلاك، فهذا خداع منه لنفسه، نسأل الله السلامة والعافية. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فذلك خديعته نفسه ظناً منه مع إساءته إليها في أمر معادها أنه إليها محسن، كما قال تعالى: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة:٩] إعلاماً منه لعباده المؤمنين أن المنافقين بإساءتهم إلى أنفسهم في إسخاطهم عليها ربهم بكفرهم وشكهم وتكذيبهم غير شاعرين ولا دارين، ولكنهم على عمى من أمرهم مقيمين. وقال ابن أبي حاتم: أنبأنا علي بن المبارك فيما كتب إلي: حدثنا زيد بن المبارك حدثنا محمد بن ثور عن ابن جريج في قوله تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾ [البقرة:٩] قال: يظهرون (لا إله إلا الله) يريدون أن يحرزوا بذلك دماءهم وأموالهم، وفي أنفسهم غير ذلك]. وقال سعيد عن قتادة: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ): نعت المنافق عند كثير: خنع الأخلاق، يصدق بلسانه وينكر بقلبه ويخالف بعمله، يصبح على حال ويمسي على غيره، ويمسي على حال ويصبح على غيره، ويتكفأ تكفؤ السفينة كلما هبت ريح هبت معها]. الخانع: المريب الفاجر، وقد خنع كـ (منع)، والخنعة: الفجرة، والريبة، والمكان الخالي. وقد يكون الخانع بمعنى: (الوضيع)، من التطامن، وفي الحديث: (أخنع الأسماء عند الله رجل تسمى بملك الأملاك) يعني: أوضع وأحقر، لكن هنا قد يأتي بمعنى آخر يفهم من السياق، أي: المريب الفاجر. وأخنعته الحاجة: أخضعته وأضرعته، والتخنيع: القطع بالفأس، وأخنع الأسماء عند الله: أوضعها وأحقرها.

стр. 132

تفسير سورة البقرة [١٠ - ١٢] حقيقة المنافقين هي الكفر بالله تعالى، والكفر يقتضي قتل صاحبه إن لم يتخل عنه وهو بين ظهراني المسلمين، إلا أن النبي ﷺ ترك ذلك خشية فرار الناس من الإسلام بحجة قتله أصحابه دون علمهم بحقيقة الحال، ولاشك في أن المنافقين أفسد الناس على الأرض وأكثرهم هزءاً بالإسلام، ولذا لن ينفعهم جريان حكم الإسلام عليهم في الدنيا وترك قتلهم في نجاتهم من عذاب الله تعالى يوم القيامة.

стр. 133

تفسير قوله تعالى: (في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضاً) قال الله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة:١٠]. قال المصنف ﵀: [قال السدي: عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وعن أناس من الصحابة في هذه الآية: (في قلوبهم مرض) قال: شك، (فزادهم الله مرضاً) قال: شكاً. وقال ابن إسحاق: عن محمد بن أبي محمد عن عكرمة -أو سعيد بن جبير - عن ابن عباس: (في قلوبهم مرض) قال: شك. وكذلك قال مجاهد وعكرمة والحسن البصري وأبو العالية والربيع بن أنس وقتادة. وعن عكرمة وطاوس (في قلوبهم مرض) يعني: الرياء. وقال الضحاك عن ابن عباس: (في قلوبهم مرض) قال: نفاق. (فزادهم الله مرضاً) قال: نفاقاً، وهذا كالأول. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: (في قلوبهم مرض) قال: هذا مرض في الدين وليس مرضاً في الأجساد، وهم المنافقون، والمرض: الشك الذي دخلهم في الإسلام، (فزادهم الله مرضاً) قال: زادهم رجساً]. أي: أن مرضهم كان في الدين، وهو مرض النفاق والشبهة والشك والحيرة، نعوذ بالله. والمرض يأتي في القرآن بمعنيين: مرض الشهوة، ومرض الشبهة، والمراد هنا مرض الشبهة والشك، أما مرض المعصية فكما في قوله تعالى: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب:٣٢] يعني: (شهوة المعصية). قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقرأ: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة:١٢٤ - ١٢٥]، قال: شراً إلى شرهم، وضلالة إلى ضلالتهم. وهذا الذي قاله عبد الرحمن ﵀ حسن، وهو الجزاء من جنس العمل، وكذلك قاله الأولون، وهو نظير قوله تعالى أيضاً: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ﴾ [محمد:١٧]. وقوله: ﴿بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة:١٠] وقرئ: (يُكَذِّبِون) وقد كانوا متصفين بهذا وهذا؛ فإنهم كانوا كذبة ويُكَذِّبِون بالغيب يجمعون بين هذا وهذا]. أي: فهم كذبة في أنفسهم، وكانوا يكذبون بالغيب؛ لأنهم لم يؤمنوا، فقلوبهم مكذبة، فهم كذبة في دعواهم الإيمان، وهم مكذبون بالغيب، فجمعوا بين الشرين، نعوذ بالله.

стр. 134

بيان سبب ترك النبي ﷺ قتل المنافقين قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد سئل القرطبي وغيره من المفسرين عن حكمة كفه ﵊ عن قتل المنافقين مع علمه بأعيان بعضهم، وذكروا أجوبة عن ذلك، منها: ما ثبت في الصحيحين أنه ﷺ قال لـ عمر ﵁: (أكره أن يتحدث العرب أن محمداً يقتل أصحابه)، ومعنى هذا خشية أن يقع بسبب ذلك تغير لكثير من الأعراب]. أي أن الناس يفرون من الإسلام؛ لأنهم لا يدرون ولا يعلمون بحال المنافقين، فإذا قتل المنافقون وهم يظهرون الإسلام ويعيشون بين المسلمين قال من لا يعلم بحالهم: محمد يقتل أصحابه! فلذلك ترك النبي ﷺ قتلهم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولا يعلمون حكمة قتله لهم، وأن قتله إياهم إنما هو على الكفر، فإنهم إنما يأخذونه بمجرد ما يظهر لهم، فيقولون: إن محمداً يقتل أصحابه. قال القرطبي: وهذا قول علمائنا وغيرهم، كما كان يعطي المؤلفة مع علمه بسوء اعتقادهم. قال ابن عطية: وهي طريقة أصحاب مالك، نص عليه محمد بن الجهم والقاضي إسماعيل والأبهري وعن ابن الماجشون، ومنها ما قال مالك: إنما كف رسول الله ﷺ عن المنافقين ليبين لأمته أن الحاكم لا يحكم بعلمه]. وهذا قول آخر فيما يتعلق بترك قتل المنافقين، إذ القول الأول هو أنه ترك قتلهم لئلا ينفر الناس من الإسلام، والثاني له تعلق بالحكام والقضاة، وهو أن الحاكم لا يحكم بعلمه، فالرسول ﷺ كان يعلم أنهم منافقون، ولكن لم يحكم فيهم بعلمه. ومثال ذلك: إذا كان القاضي في البلد يعلم أنه حصل من فلان كذا وكذا، ثم جاءوا يتخاصمون إليه، وهو يعلم أن هذا الشخص له حق على هذا الشخص وأنكر، ولم يكن عند المدعي بينة، فهل يحكم بعلمه أم لا يحكم بعلمه؟ و الجواب لا يحكم بعلمه ولو كان يعلم، فيقول للمدعي: ائت بالبينة. فإن لم يكن له بينة توجهت اليمين على المدعى عليه، ولا يحكم بعلمه، والمسألة خلافية، وفيها كلام بين أهل العلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال القرطبي: وقد اتفق العلماء عن بكرة أبيهم على أن القاضي لا يقتل بعلمه، وإن اختلفوا في سائر الأحكام. قال: ومنها ما قال الشافعي: إنما منع رسول الله ﷺ من قتل المنافقين ما كانوا يظهرونه من الإسلام مع العلم بنفاقهم؛ لأن ما يظهرونه يجب ما قبله. ويؤيد هذا قوله ﵊ في الحديث المجمع على صحته في الصحيحين وغيرهما: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم، إلا بحقها، وحسابهم على الله . ومعنى هذا أن من قالها جرت عليه أحكام الإسلام ظاهراً، فإن كان يعتقدها وجد ثواب ذلك في الدار الآخرة، وإن لم يعتقدها لم ينفعه جريان الحكم عليه في الدنيا وكونه كان خليط أهل الإيمان]. وهذا أمر مشترك، وهو أن من أظهر الإسلام فإنه تجرى عليه أحكام الإسلام، فيعامل معاملة المسلمين في الزواج، وفي الصلاة عليه إذا مات وتغسيله ما دام أنه يظهر الإسلام، وإن كان يبطن الكفر، لكن لا ينفعه هذا في الآخرة، ولا يعصمه من النار. فهنا أقوال ثلاثة في شأن ترك النبي ﷺ قتل المنافقين: الأول: خشية حصول التنفير عن الإسلام. الثاني: أن القاضي لا يحكم بعلمه. الثالث: أن الأحكام تجرى على الظاهر، وقد أظهروا الإسلام فتجرى عليهم، ولا ينظر إلى معتقدهم، ولهذا جاء في قصة الرجل الذي استاذه النبي ﷺ في قتل رجل من المنافقين أن النبي ﷺ قال له: (أليس يصلي؟ قال: بلى ولا صلاة له، فقال رسول الله ﷺ : أولئك الذين نهاني الله عن قتلهم)، وفي اللفظ الآخر: (إني لم أؤمر أن أنقب قلوب الناس ولا أن أشق بطونهم). فالأحكام تجرى على الظاهر، والسرائر موكولة إلى الله. وأما الصلاة على المنافق فقد ورد فيها قول الله تعالى: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة:٨٤]. وقد نزلت هذه الآية بعد أن صلى رسول الله ﷺ على عبد الله بن أبي، ولكن ترك الصلاة عليه هو فيما إذا عرف كفره، لقوله تعالى: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة:٨٤] فمن عرف كفره ونفاقه لا يصلى عليه، ومن لم يعلم حاله فإنه يصلى عليه. ومن هذا أخذ العلماء أنه يصلى على الفاسق؛ لأنه لا تنطبق عليه هذا العلة، فيصلى على الفاسق ويصلى خلفه على الصحيح. وإنما نهي عن الصلاة على الغال وقاتل نفسه من قبل أعيان الناس تنفيراً للأحياء من فعله، والفاسق إذا لم يوجد غيره، أو كان هو إمام المسلمين، أو كان يترتب على ترك الصلاة خلفه مفسدة فإنه يجوز أن يصلي خلفه. فإن وجد غيره فهل يصلى خلفه؟ اختلف العلماء في الصلاة خلف الفاسق على قولين: فالحنابلة والمالكية يرون أنه لا تصح الصلاة خلفه، والشافعية والحنفية يرون صحة الصلاة خلفه. والصواب أن الصلاة خلفه صحيحة، والذين منعوا من الصلاة خلفه قالوا: لأنه يجب إنكار المنكر، ومن إنكار المنكر أن لا يصلى خلفه. ولكن الصواب الذي عليه المحققون أن تلبس المصلي بعدم الإنكار أمر خارج عن الصلاة. والقاعدة عند المحققين: أن المنهي عنه إذا كان خارجاً عن الصلاة فإنه لا يؤثر في الصلاة، كما لو صلى في ثوب مغصوب أو صلى في ثوب فيه صورة، أو صلى في أرض مغصوبة، أو توضأ بماء مغصوب، فتصح الصلاة على الصحيح من أقوال العلماء. وذهب الشافعي وجماعة إلى أن من صلى في ثوب مغصوب، أو صلى في ثوب فيه صورة، أو صلى في أرض مغصوبة لا تصح صلاته، والصواب أنها تصح، فله ثواب الصلاة وعليه إثم الغصب؛ لأن الجهة منفكة، بخلاف ما نهي عنه في الصلاة بخصوصها، فلو صلى في ثوب نجس لا تصح صلاته بالاتفاق؛ لأن الثوب النجس لو لبسه في غير الصلاة صح، بخلاف ثوب الحرير، فلا يجوز لبسه في الصلاة ولا فيها، والمغصوب لا يجوز في الصلاة ولا خارجها. أما الثوب النجس فإنه منهي عنه بالخصوص، فلا تصح الصلاة به؛ لأن المصلي يجب عليه أن يكون ثوبه طاهراً وبدنه طاهراً والبقعة التي يصلي عليها طاهرة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومعنى هذا أن من قالها جرت عليه أحكام الإسلام ظاهراً، فإن كان يعتقدها وجد ثواب ذلك في الدار الآخرة، وإن لم يعتقدها لم ينفعه جريان الحكم عليه في الدنيا وكونه كان خليط أهل الإيمان ﴿يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ [الحديد:١٤] الآية، فهم يخالطونهم في بعض المحشر فإذا حقت المحقوقية تميزوا منهم وتخلفوا بعدهم: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [سبأ:٥٤] ولم يمكنهم أن يسجدوا معهم كما نطقت بذلك الأحاديث. ومنها ما قاله بعضهم أنه إنما لم يقتلهم لأنه كان لا يخاف من شرهم مع وجوده ﷺ بين أظهرهم يتلو عليهم آيات الله مبينات، فأما بعده فيقتلون إذا أظهروا النفاق وعلمه المسلمون]. قال العلماء: من سب النبي ﷺ بعد وفاته يقتل، ولا يعفى عنه، أما في حياته فإنه قد يعفو عن بعض المنافقين وعن بعض من يؤذونه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال مالك: المنافق في عهد رسول الله ﷺ هو الزنديق اليوم. قلت: وقد اختلف العلماء في قتل الزنديق إذا أظهر الكفر هل يستتاب أم لا؟ أو يفرق بين أن يكون داعية أم لا؟ أو يتكرر منه ارتداده أم لا؟ أو يكون إسلامه ورجوعه من تلقاء نفسه أو بعد أن ظهر عليه؟ على أقوال متعددة موضع بسطها وتقريرها وعزوها كتاب الأحكام]. من العلماء من قال: إن الزنديق لا تقبل توبته في الدنيا، أما في الآخرة فالأمر بينه وبين الله، فالله تعالى يقبل توبة الصادقين، لكن في الدنيا لا بد من أن يقتل. وقالوا: الزنديق والمنافق والساحر والساخر الذي يسخر من الدين وأهله، ومن تكررت ردته هؤلاء يقتلون في أحكام الدنيا ولا يستتابون، زجراً للناس عن هذا الكفر الغليظ، بخلاف المرتد بغير هذه الأمور. وقال آخرون من أهل العلم: إنه يستتاب أيضاً ولو كان كفره بالنفاق أو بتكرار الردة. وهذا محل نظر في التأمل عند الحاكم الشرعي. وحجة من قال: لا تقبل توبته أن علم الساحر لا ينزع من نفسه ولو ادعى التوبة، فلا بد من أن يقتل، لكن قال آخرون: بل ينظر، فإذا أظهر التوبة علينا أن نتركه حتى يظهر نفاقه مرة أخرى. وقوله: [على أقوال متعددة موضع بسطها وتقريرها وعزوها كتاب الأحكام]، هو كتاب الحافظ ابن كثير في الأحكام.

стр. 135

ذكر الخلاف في علم النبي ﷺ بأعيان بعض المنافقين قال المؤلف رحمه الله تعالى: [تنبيه: قول من قال: كان ﵊ يعلم أعيان بعض المنافقين إنما مستنده حديث حذيفة بن اليمان في تسمية أولئك الأربعة عشر منافقاً في غزوة تبوك، الذين هموا أن يفتكوا برسول الله ﷺ في ظلماء الليل عند عقبة هناك، عزموا على أن ينفروا به الناقة ليسقط عنها، فأوحى الله إليه أمرهم، فأطلع على ذلك حذيفة، ولعل الكف عن قتلهم كان لمدرك من هذه المدارك أو لغيرها، والله أعلم]. أي: اتفقوا ودبروا خطة في ظلام الليل على أن يجلبوا على الناقة ليسقط النبي ﷺ . قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فأما غير هؤلاء فقد قال الله تعالى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ [التوبة:١٠١] الآية. وقال تعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا * مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ [الأحزاب:٦٠ - ٦١]، ففيها دليل على أنه لم يغر بهم ولم يدرك على أعيانهم، وإنما كان تذكر له صفاتهم فيتوسمها في بعضهم، ولم يدرك على أعيانهم، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد:٣٠]. وقد كان من أشهرهم بالنفاق عبد الله بن أبي بن سلول]. عبد الله بن أبي بن سلول هو رئيس المنافقين، وهو الذي تولى كبره في حادثة الإفك، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور:١١] نسأل الله السلامة والعافية. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد شهد عليه زيد بن أرقم بذلك الكلام الذي سبق في صفات المنافقين، ومع هذا لما مات صلى عليه ﷺ ، وشهد دفنه كما يفعل ببقية المسلمين، وقد عاتبه عمر بن الخطاب ﵁ فيه فقال: (إني أكره أن تتحدث العرب أن محمداً يقتل أصحابه)، وفي رواية في الصحيح: (إني خيرت فاخترت)، وفي رواية: (لو أعلم أني لو زدت على السبعين يغفر له لزدت)]. ما ذكره في شأن صلاة النبي ﷺ ثابت في صحيح البخاري، وذلك أن عبد الله بن أبي لما مات ودلي في حفرته جاء النبي ﷺ فاستخرجه من حفرته ونفث فيه من ريقه وألبسه قميصه وصلى عليه. وحين أراد أن يصلي عليه جاء عمر وأخذ بثوبه فقال: أتصلي عليه وقد نهاك الله أن تصلي عليه؟! وكان رئيس المنافقين، فقال النبي ﷺ : (إنما خيرني الله فقال: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ [التوبة:٨٠] وسأزيدها على سبعين)، وكان هذا قبل أن تنزل الآية: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة:٨٤]. وإنما فعل النبي ﷺ هذا تأليفاً للأوس، ومراعاة لابنه عبد الله بن عبد الله بن أبي، وكان من خيار المؤمنين. وإنما ألبسه قميصه مكافأة له على إعطائه العباس قميصه؛ لأن العباس عم النبي ﷺ كان طويلاً، فلما أسر يوم بدر لم يجد له ﷺ قميصاً يناسبه إلا قميص عبد الله بن أبي فأعطاه قميصه، فكافأه النبي ﷺ بإلباسه قميصه، ونفث فيه من ريقه لعل الله أن ينفعه بذلك، وصلى عليه وهو لم ينه ﵊ بعد، ثم نزلت الآية بعد ذلك: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة:٨٤] فلم يصل على منافق بعد ذلك ﵊.

стр. 136

تفسير قوله تعالى: (وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض) قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة:١١ - ١٢]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال السدي في تفسيره عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الطيب الهمداني عن ابن مسعود وعن أناس من أصحاب رسول الله ﷺ : ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البقرة:١١] قال: هم المنافقون، أما (لا تفسدوا في الأرض) قال: الفساد هو الكفر والعمل بالمعصية]. هذه الآية في أوصاف المنافقين، وقد سبق الكلام على أن الله افتتح هذه السورة الكريمة ببيان صفات الطوائف الثلاث، وأن الله تعالى ابتدأها ببيان الطائفة الأولى وهم المؤمنون باطناً وظاهراً، وذكرهم في أربع آيات: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة:٣ - ٥]. فبين أنهم أهل هداية وأهل فلاح بقوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة:٥] فهؤلاء حصلت لهم الهداية والفلاح. ثم ذكر الطائفة الثانية في آيتين، وهم الكفار باطناً وظاهراً، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة:٦]. ثم ذكر الطائفة الثالثة، وهم الكفار باطناً المظهرون للإسلام ظاهراً في ثلاث عشرة آية لشدة خطرهم، ولشدة التباسهم، وجلى الله تعالى صفاتهم في مواطن أخرى كثيرة من القرآن الكريم، ومنها في أثناء السورة في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة:٢٠٤]، وذكرهم -أيضاً- في سورة النساء، وفي سورة التوبة التي تسمى الفاضحة، فقد أكثر تعالى فيها من قوله: (ومنهم) حتى خشوا أن يسموا بأعيانهم، وكذلك في سورة النور، وفي سورة كاملة تسمى سورة المنافقون، وفي سورة محمد، وفي كثير من السور. فهنا بين الله أن المنافقين يظهرون الإسلام بألسنتهم، ويخفون الكفر بقلوبهم، وأن في قلوبهم مرض النفاق، ومن أوصافهم -كما في هذه الآية- أنهم يسمون الفساد صلاحاً، فيفسدون في الأرض بالمعاصي والكفر وإشاعة الفساد بين المؤمنين، ويسمون هذا صلاحاً. وهم موجودون في كثير من الأوقات، وهم في هذا الزمن -أيضاً- موجودون، وقد كانوا في زمن النبي ﷺ يسمون بالمنافقين، ثم بعد ذلك كانوا يسمون بالزنادقة، وفي هذا الزمن يسمون العالمانيين، فالعالماني هو المنافق الذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال ابن جرير عن الربيع بن أنس عن أبي العالية في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا﴾ [البقرة:١١] قال: يعني: لا تعصوا في الأرض. وكان فسادهم ذلك معصية الله؛ لأنه من عصى الله في الأرض أو أمر بمعصية الله فقد أفسد في الأرض؛ لأن صلاح الأرض والسماء بالطاعة. وهكذا قال الربيع بن أنس وقتادة، وقال ابن جريج عن مجاهد: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ﴾ [البقرة:١١] قال: إذا ركبوا معصية الله فقيل لهم: لا تفعلوا كذا وكذا قالوا: إنما نحن على الهدى مصلحون. وقد قال وكيع وعيسى بن يونس وعثمان بن علي عن الأعمش عن المنهال بن عمرو عن عباد بن عبد الله الأسدي عن سلمان الفارسي: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البقرة:١١] قال سلمان: لم يجيء أهل هذه الآية بعد. وقال ابن جرير: حدثني أحمد بن عثمان بن حكيم حدثنا عبد الرحمن بن شريك حدثني أبي عن الأعمش عن زيد بن وهب وغيره عن سلمان في هذه الآية قال: ما جاء هؤلاء بعد]. هذا فيه نكارة؛ لأن أهل هذه الآية كانوا في عهد النبي ﷺ ، وهذا السند فيه عنعنة الأعمش، وفيه -أيضاً- عباد بن عبد الله الأسدي الكوفي وهو ضعيف من الثانية. فهذه الرواية ضعيفة وفيها نكارة، ولا شك في أن المنافقين في زمن النبي من أهل هذه الآية، والآية تشملهم وتشمل من جاء بعدهم إلى يوم القيامة، فكل من اتصف بهذا الوصف هو من أهل هذه الآية، وكل من أفسد في الأرض بالمعاصي ونشر الفساد بين الناس وسماه صلاحاً هو من أهل هذه الآية. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال ابن جرير: يحتمل أن سلمان أراد بهذا أن الذين يأتون بهذه الصفة أعظم فساداً من الذين كانوا في زمان النبي ﷺ ، لا أنه عنى أنه لم يمض ممن تلك صفته أحد]. هذا تأويل ابن جرير، فلو صح هذا الأثر فإن تأويله هو أن الذين يأتون من بعدهم يكونون أشد ممن سبقهم.

стр. 137

صور من إفساد المنافقين في الأرض قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال ابن جرير: فأهل النفاق مفسدون في الأرض بمعصيتهم فيها ربهم، وركوبهم فيها ما نهاهم عن ركوبه، وتضييعهم فرائضه، وشكهم في دينه الذي لا يقبل من أحد عمل إلا بالتصديق به والإيقان بحقيقته، وكذبهم المؤمنين بدعواهم غير ما هم عليه مقيمون من الشك والريب، ومظاهرتهم أهل التكذيب بالله وكتبه ورسله على أولياء الله إذا وجدوا إلى ذلك سبيلاً، فذلك إفساد المنافقين في الأرض، وهم يحسبون أنهم بفعلهم ذلك مصلحون فيها]. كل ما ذكر هو من صفات المنافقين وهو إقامتهم على الشرك، وشكهم في دين الله، ومظاهرتهم ومعاونتهم أهل التكذيب من مشركي أهل مكة واليهود في المدينة، فإن المنافقين كانوا يظاهرونهم ويعاونونهم على المسلمين، نسأل الله السلامة والعافية. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهذا الذي قاله حسن؛ فإن من الفساد في الأرض اتخاذ المؤمنين الكافرين أولياء، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ [الأنفال:٧٣]]. كان المنافقون يتخذون اليهود أولياء، وكانوا يفضلون أهل مكة من المشركين على المؤمنين، ويظاهرونهم ويعاونونهم، وهذا من إفسادهم في الأرض. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فقطع الله الموالاة بين المؤمنين والكافرين، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ [النساء:١٤٤] ثم قال: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ [النساء:١٤٥]. فالمنافق لما كان ظاهره الإيمان اشتبه أمره على المؤمنين، فكأن الفساد من جهة المنافق حاصل؛ لأنه هو الذي غر المؤمنين بقوله الذي لا حقيقة له ووالى الكافرين على المؤمنين، ولو أنه استمر على حاله الأول لكان شره أخف، ولو أخلص العمل لله وتطابق قوله وعمله لأفلح ونجح، ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البقرة:١١] أي: نريد أن نداري الفريقين من المؤمنين والكافرين ونصطلح مع هؤلاء وهؤلاء، كما قال محمد بن إسحاق عن محمد بن أبي محمد عن عكرمة -أو سعيد بن جبير - عن ابن عباس: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البقرة:١١] أي: نريد الإصلاح بين الفريقين من المؤمنين وأهل الكتاب. يقول الله: ﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة:١٢] يقول: ألا إن هذا الذي يعتمدونه ويزعمون أنه إصلاح هو عين الفساد، ولكن من جهلهم لا يشعرون بكونه فساداً]. ولهذا صاروا في الدرك الأسفل من النار -نعوذ بالله-؛ لأنهم شاركوا اليهود والوثنين في الكفر، فهم كفار مثلهم، وزادوا في خداع المؤمنين حين أظهروا الإسلام، فصار التباسهم أشد، وصار ضررهم أعظم، فلهذا عاقبهم الله فكانت عقوبتهم أشد، فصاروا في الدرك الأسفل من النار. وهم يعيشون بين المسلمين، وتجرى عليهم أحكام الإسلام في الظاهر، إلا من أظهر نفاقه، ومن لم يظهر نفاقه فإنه تجري عليه أحكام الشرع، ولن ينفعهم في الآخرة إجراء الأحكام عليهم.

стр. 138

تفسير سورة البقرة [١٣ - ١٦] قد يدعى المنافقون إلى الإيمان فيظهرونه ليحقنوا بذلك دماءهم وأموالهم وليجدوا الملجأ الآمن في دولة المسلمين، وفي كوامن أنفسهم الهزء بالله ورسوله والمؤمنين، ولذا كان جزاؤهم من جنس عملهم، حيث تولى الله تعالى إمدادهم في طغيانهم وإملاءً لهم هزءاً بهم في الدنيا، ثم يعاقبهم بجنس عملهم على الصراط يوم القيامة.

стр. 139

تفسير قوله تعالى: (وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس) قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٣]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يقول الله تعالى: وإذا قيل للمنافقين: ﴿آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾ [البقرة:١٣] أي: كإيمان الناس بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت والجنة والنار، وغير ذلك مما أخبر المؤمنين به وعنه، وأطيعوا الله ورسوله في امتثال الأوامر وترك الزواجر ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾ [البقرة:١٣] يعنون -لعنهم الله- أصحاب رسول الله ﷺ ﵃، قاله أبو العالية والسدي في تفسيره بسنده عن ابن عباس وابن مسعود وغير واحد من الصحابة، وبه يقول الربيع بن أنس وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم، يقولون: أنصير نحن وهؤلاء بمنزلة واحدة وعلى طريقة واحدة وهم سفهاء؟!]. وهذا أيضاً من أوصافهم، وهو أنهم يسمون الإيمان سفهاً، ومن أوصافهم إظهار الإسلام وإبطان الكفر، ومن صفاتهم الخداع، وكذلك الحقد. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والسفهاء جمع سفيه، كما أن الحكماء جمع حكيم، والحلماء جمع حليم، والسفيه هو الجاهل الضعيف الرأي، القليل المعرفة بمواضع المصالح والمضار، ولهذا سمى الله النساء والصبيان سفهاء في قوله تعالى: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء:٥] قال عامة علماء السلف: هم النساء والصبيان. وقد تولى الله سبحانه جوابهم في هذه المواطن كلها فقال: ﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ﴾ [البقرة:١٣] فأكد وحصر السفاهة فيهم، ﴿وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٣] يعني: ومن تمام جهلهم أنهم لا يعلمون بحالهم في الضلالة والجهل، وذلك أردى لهم وأبلغ في العمى والبعد عن الهدى]. هذا فيه تأكيد، كقوله تعالى: ﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾ [البقرة:١٢]، لأن الله تعالى أكد ذلك بـ (إن) والجملة الاسمية، وهذان المؤكدان يفيدان الحصر، أي: حصر السفه فيهم، وحصر الفساد فيهم. و (أل) في قوله: (المفسدون) و (السفهاء) مؤكدة كذلك تدل على المبالغة، وأن الفساد محصور فيهم لا يتجاوزهم إلى غيرهم، والسفه كذلك. وهل هناك أعظم سفهاً وفساداً من شخص يظهر الإسلام ويبطن الكفر ويعمل بما يكون سبباً في هلاكه في الدنيا والآخرة، ولا يستفيد في الدنيا شيئاً، فهو في الدنيا معرض للقتل، ومعرض للخزي والعار، وفي الآخرة محقق هلاكه؟! هذا أعظم سفه، نسأل الله السلامة والعافية. وقوله تعالى: (ولكن لا يعلمون) أي: لا يعلمون أنهم سفهاء، فالعقل كل العقل في الإيمان بالله ورسوله، وفي تخليص الإنسان نفسه من عذاب الله.

стр. 140

تفسير قوله تعالى: (وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا) قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة:١٤ - ١٥]. هذا -أيضاً- من أوصافهم، وهو أن لهم وجهاً عند المؤمنين ولهم وجهاً آخر مع أصحابهم، فإذا جاءوا إلى المؤمنين أظهروا الإيمان، وإذا خلا بعضهم إلى بعض أظهروا ما هم عليه من الكفر، فلهم وجهان، ويتلونون بلونين: لون عند المؤمنين ولون عند الكافرين، نسأل الله العافية. فهم إذا ذهبوا إلى اليهود، أو إلى أصحابهم، أو إلى المشركين أظهروا الكفر، وإذا جاءوا إلى المؤمنين أظهروا الإيمان، وإنما فعلوا ذلك لتسلم نفوسهم، ولتسلم أموالهم؛ لأنهم لو أظهروا الكفر لقتلوا، وسبيت أموالهم، فيظهرون الإسلام حتى تجرى عليهم أحكام الإسلام ويسلموا من القتل. قال المصنف ﵀: [وإذا لقي هؤلاء المنافقون المؤمنين قالوا آمنا، وأظهروا لهم الإيمان والموالاة والمصافاة غروراً منهم للمؤمنين ونفاقاً ومصانعةً وتقية، وليشركوهم فيما أصابوا من خير ومغنم]. أي أنهم إنما يفعلون ذلك لكي تجرى عليهم أحكام الإسلام، فهم يصلون مع النبي ﷺ ويجاهدون معه، فإذا جاهدوا حصل لهم ما حصل للمؤمنين من الغنيمة، فهم لهذا يظهرون الإسلام حتى تسلم نفوسهم وأموالهم، وحتى يشاركوا المسلمين في المغانم والغزوات والسرايا. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ [البقرة:١٤] يعني: وإذا انصرفوا وذهبوا وخلصوا إلى شياطينهم. فضمن (خلوا) معنى: (انصرفوا) لتعديته بـ (إلى)؛ ليدل على الفعل المضمر والفعل الملفوظ به. ومنهم من قال: (إلى) هنا بمعنى: (مع) والأول أحسن، وعليه يدور كلام ابن جرير. وقال السدي عن أبي مالك: (خلوا) يعني: مضوا، و (شياطينهم) يعني: سادتهم وكبراءهم ورؤساءهم من أحبار اليهود ورءوس المشركين والمنافقين. قال السدي في تفسيره عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود عن ناس من أصحاب النبي ﷺ : ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ [البقرة:١٤] يعني: هم رءوسهم من الكفر. وقال الضحاك عن ابن عباس: (وإذا خلوا إلى أصحابهم) وهم شياطينهم. وقال محمد بن إسحاق عن محمد بن أبي محمد عن عكرمة -أو سعيد بن جبير - عن ابن عباس: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ [البقرة:١٤] من يهود الذين يأمرونهم بالتكذيب وخلاف ما جاء به الرسول. وقال مجاهد: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ [البقرة:١٤]: إلى أصحابهم من المنافقين والمشركين. وقال قتادة: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ [البقرة:١٤] قال: إلى رءوسهم وقادتهم في الشرك والشر. وبنحو ذلك فسره أبو مالك وأبو العالية والسدي والربيع بن أنس. قال ابن جرير: وشياطين كل شيء مردته، ويكون الشيطان من الإنس والجن، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام:١١٢]]. فالشيطان هو كل من تمرد من البشر والدواب والجن، فالكافر شيطان، ومن أسلم من الجن لا يسمى شيطاناً، ولهذا جاء في الحديث: (يقطع صلاة الرجل -إذا لم يكن بين يديه قيد آخرة الرحل- الحمار والكلب الأسود والمرأة)، فقال الراوي لـ أبي ذر: ما بال الأسود من الأحمر من الأصفر من الأبيض؟ فقال: سألت رسول الله ﷺ فقال: (الكلب الأسود شيطان). فهو شيطان لأنه متمرد خرج عن طبيعته، فكل جنس له شياطينه، وهم المتمردون الخارجون عن طبيعة جنسهم بالأذى، ولهذا قال تعالى: ﴿شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ﴾ [الأنعام:١١٢]. والجن فيهم شياطين، وهم الكفرة، ومن أسلم منهم لا يسمى شيطاناً، والإنس فيهم شياطين، وهم المتمردون من الفسقة وأهل الشر وأهل الكفر والضلال. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وفي المسند عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (نعوذ بالله من شياطين الإنس والجن. فقلت: يا رسول! أوللإنس شياطين؟! قال: نعم)]. الحديث أخرجه الإمام أحمد رحمه الله تعالى فقال: حدثنا وكيع حدثنا المسعودي أنبأني أبو عمر الدمشقي عن عبيد بن الخشخاش عن أبي ذر قال: (أتيت رسول الله ﷺ وهو في المسجد فجلست فقال: يا أبا ذر! هل صليت؟ قلت: لا. قال: قم فصل، قال: فقمت فصليت ثم جلست، فقال: يا أبا ذر! تعوذ بالله من شر شياطين الإنس والجن. قال: قلت: يا رسول الله! وللإنس شياطين؟! قال: نعم)، وذكر الحديث. والمسعودي ضعيف واختلط، ولكن لا شك في أن من الإنس شياطين، كما في الآية: ﴿شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ﴾ [الأنعام:١١٢]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾ [البقرة:١٤] قال محمد بن إسحاق عن محمد بن أبي محمد عن عكرمة -أو سعيد بن جبير - عن ابن عباس ﵄: أي: إنا على مثل ما أنتم عليه ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة:١٤] أي: إنما نحن نستهزئ بالقوم ونلعب بهم. وقال الضحاك عن ابن عباس: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة:١٤] ساخرون بأصحاب محمد ﷺ . وكذلك قال الربيع بن أنس وقتادة].

стр. 141

تفسير قوله تعالى: (الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله تعالى جواباً لهم ومقابلة على صنيعهم: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة:١٥]. وقال ابن جرير: أخبر الله تعالى أنه فاعل بهم ذلك يوم القيامة في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد:١٣]، وقوله تعالى: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [آل عمران:١٧٨]. قال: فهذا وما أشبهه من استهزاء الله -تعالى ذكره- وسخريته ومكره وخديعته للمنافقين وأهل الشرك به عند قائل هذا القول ومتأول هذا التأويل]. أي أن قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة:١٥] معناه: أنه يجازيهم على استهزائهم في مقابل أعمالهم، وهو كقوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران:٥٤] وهذا من باب الخبر. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال: وقال آخرون: بل استهزاؤه بهم توبيخه إياهم، ولومه لهم على ما ركبوا من معاصيه، والكفر به. قال: وقال آخرون: هذا وأمثاله على سبيل الجواب، كقول الرجل لمن يخدعه إذا ظفر به: أنا الذي خدعتك ولم تكن منه خديعة، ولكن قال ذلك إذ صار الأمر إليه، قالوا: وكذلك قوله: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران:٥٤]، وقوله: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة:١٥] على الجواب، والله لا يكون منه المكر ولا الهزء، والمعنى أن المكر والهزء حاق بهم. وقال آخرون: قوله: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة:١٤ - ١٥]، وقوله: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء:١٤٢]، وقوله: ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ [التوبة:٧٩]، وقوله: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة:٦٧] وما أشبه ذلك إخبار من الله تعالى أنه يجازيهم جزاء الاستهزاء، ويعاقبهم عقوبة الخداع، فأخرج خبره عن جزائه إياهم وعقابه لهم مخرج خبره عن فعلهم الذي عليه استحقوا العقاب في اللفظ، وإن اختلف المعنيان، كما قال تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى:٤٠]، وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ [البقرة:١٩٤]، فالأول ظلم والثاني عدل، فهما وإن اتفق لفظاهما فقد اختلف معناهما]. وعلى هذا يكون هذا من باب الخبر عن الله، ولا يشتق من هذا صفات لله، ولا يقال: إن من صفات الله: المستهزئ، أو الساخر، أو الماكر، أو الكائد، وإنما هذا من باب المقابلة والإخبار، أي أن الله تعالى يقابلهم ويجازيهم على أعمالهم السيئة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال: وإلى هذا المعنى وجهوا كل ما في القرآن من نظائر ذلك. قال: وقال آخرون: إن معنى ذلك أن الله أخبر عن المنافقين أنهم إذا خلوا إلى مردتهم قالوا: إنا معكم على دينكم في تكذيب محمد ﷺ وما جاء به، وإنما نحن بما نظهر لهم من قولنا لهم: (صدقنا بمحمد ﵇ وما جاء به) مستهزئون، فأخبر الله تعالى أنه يستهزئ بهم فيظهر لهم من أحكامه في الدنيا -يعني: من عصمة دمائهم وأموالهم- خلاف الذي لهم عنده في الآخرة، يعني: من العذاب والنكال].

стр. 142

إملاء الله تعالى وزيادته للمنافقين في طغيانهم قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم شرع ابن جرير يوجه هذا القول وينصره؛ لأن المكر والخداع والسخرية على وجه اللعب والعبث منتف عن الله بالإجماع، وأما على وجه الانتقام والمقابلة بالعدل والمجازاة فلا يمتنع ذلك، قال: وبنحو ما قلنا فيه روي الخبر عن ابن عباس، حدثنا أبو كريب حدثنا عثمان حدثنا بشر عن أبي روق عن الضحاك عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة:١٥] قال: يسخر بهم للنقمة منهم، وقوله تعالى: ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة:١٥] قال السدي: عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وعن أناس من أصحاب النبي ﷺ : (يمدهم) يملي لهم، وقال مجاهد: يزيدهم، وقال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون:٥٥ - ٥٦]. وقال: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:١٨٢] قال بعضهم: كلما أحدثوا ذنباً أحدث لهم نعمة، وهي في الحقيقة نقمة، وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ * فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:٤٤ - ٤٥]. قال ابن جرير: والصواب: نزيدهم على وجه الإملاء والترك لهم في عتوهم وتمردهم، كما قال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام:١١٠]. والطغيان: هو المجاوزة في الشيء، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ [الحاقة:١١]. وقال الضحاك عن ابن عباس ﵄: ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة:١٥]: في كفرهم يترددون. وكذا فسره السدي بسنده عن الصحابة، وبه يقول أبو العالية وقتادة والربيع بن أنس ومجاهد وأبو مالك وعبد الرحمن بن زيد: في كفرهم وضلالتهم. قال ابن جرير: والعمه: الضلال، يقال: عمه فلان يعمه عمهاً وعموهاً: إذا ضل. قال: وقوله: ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة:١٥] في ضلالتهم وكفرهم الذي غمرهم دنسه وعلاهم رجسه يترددون حيارى ضلالاً لا يجدون إلى المخرج منه سبيلاً؛ لأن الله قد طبع على قلوبهم وختم عليها، وأعمى أبصارهم عن الهدى وأغشاها، فلا يبصرون رشداً ولا يهتدون سبيلاً. وقال بعضهم: العمى في العين، والعمه في القلب. وقد يستعمل العمى في القلب أيضاً، قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦] وتقول: عمه الرجل، يعمه عموهاً فهو عمه وعامه وجمعه: عُمَّه، وذهبت إبله العمهاء: إذا لم يدر أين ذهبت].

стр. 143

تفسير قوله تعالى: (أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى) قال الله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [البقرة:١٦]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال السدي في تفسيره عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس ﵄ وعن مرة عن ابن مسعود ﵁ وعن ناس من الصحابة: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى﴾ [البقرة:١٦] قال: أخذوا الضلالة وتركوا الهدى. وقال ابن إسحاق عن محمد بن أبي محمد عن عكرمة -أو سعيد بن جبير - عن ابن عباس: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى﴾ [البقرة:١٦] أي: الكفر بالإيمان]. معنى (اشتروا) اعتاضوا، أي: أخذوا هذا عوضاً عن هذا، حيث أخذوا الضلالة وتركوا الهدى، فاعتاضوا عن الهدى بالضلالة، كحال المشتري، فإنه يعتاض عن المبيع بالثمن. وهؤلاء -والعياذ بالله- اعتاضوا عن الهدى بالضلالة، أي: أخذوا الضلالة وتركوا الهدى. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال مجاهد: آمنوا ثم كفروا. وقال قتادة: استحبوا الضلالة على الهدى، وهذا الذي قاله قتادة يشبهه في المعنى قوله تعالى في ثمود: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت:١٧]]. والمراد بالهداية هنا هداية الدلالة والإرشاد، فقوله تعالى: (هديناهم) يعني: دللناهم، مثل قوله: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد:١٠] يعني: بينا له طريق الخير وطريق الشر؛ لأن الهداية نوعان: هداية دلالة وإرشاد، وهداية توفيق وتسديد، فالله تعالى ما سددهم ولا وفقهم، ولكن هداهم هداية الدلالة والإرشاد، أي: أوضح لهم الحق، لكنه خذلهم ولم يوفقهم، فلهذا ضلوا فاستحبوا العمى على الهدى. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وحاصل قول المفسرين فيما تقدم أن المنافقين عدلوا عن الهدى إلى الضلال، واعتاضوا عن الهدى بالضلالة، وهو معنى قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى﴾ [البقرة:١٦] أي: بذلوا الهدى ثمناً للضلالة، وسواء في ذلك من كان منهم قد حصل له الإيمان ثم رجع عنه إلى الكفر، كما قال تعالى فيهم: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [المنافقون:٣] أو أنهم استحبوا الضلالة على الهدى كما يكون حال فريق آخر منهم؛ فإنهم أنواع وأقسام، ولهذا قال تعالى: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [البقرة:١٦]]. المنافقون أقسام: فمنهم من كان مؤمناً ثم ارتد، ومنهم من كان عنده إيمان ضعيف يأتي مرة ويذهب أخرى، ومنهم من عنده شك وتردد وريب، ومنهم من هو كافر ثابت على الكفر، نسأل الله السلامة والعافية. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولهذا قال تعالى: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [البقرة:١٦] أي: ما ربحت صفقتهم في هذه البيعة ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [البقرة:١٦] أي: راشدين في صنيعهم ذلك. وقال ابن جرير: حدثنا بشير حدثنا يزيد حدثنا سعيد عن قتادة: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [البقرة:١٦] قد -والله- رأيتموهم خرجوا من الهدى إلى الضلالة، ومن الجماعة إلى الفرقة، ومن الأمن إلى الخوف، ومن السنة إلى البدعة. وهكذا رواه ابن أبي حاتم من حديث يزيد بن زريع عن سعيد عن قتادة بمثله سواء].

стр. 144

الأسئلة

стр. 145

حكم القول بترك ذكر النفاق في هذا العصر بدعوى ترك ما يؤدي إلى الفرقة السؤال هناك من ينفي وجود المنافقين ويقول: إن الحديث عن وجودهم يسبب الفرقة بين الأمة الإسلامية، فما هو قولكم في ذلك؟ الجواب المنافقون موجودون، والمنافقون عندما يكونون في المجتمع الإسلامي القوي يبطنون الكفر ويظهرون الإسلام خوفاً على أنفسهم، ولهذا فإنه قبل أن يهاجر النبي ﷺ من مكة لم يكن هناك منافقون؛ لأن الكفار كانوا أقوياء يظهرون الكفر، وكذلك بعد هجرة النبي ﷺ ، فلما حصلت غزوة بدر وقتل من صناديد قريش سبعون وأسر سبعون قال عبد الله بن أبي: هذا أمر توجه. ثم أظهر الإسلام وأبطن الكفر خوفاً على نفسه، فإذا كان المسلمون أقوياء كثيرين أخفوا نفاقهم وصاروا يتسترون. وإذا كانوا موجودين في زمن النبي ﷺ فهم موجودون الآن وبشدة، وهم العلمانيون الذين ينشرون في الصحف وغيرها الطعن في الإسلام وفي المسلمين، ومنهم الحداثيون الذين يطعنون في الإسلام ويقولون: إنه تراث. وكذلك الذين يطعنون في علماء السنة وفي كتب أهل السنة، ولهم نوادٍ ومجالس، وهم موجودون الآن، وهذا الكلام من الواقع. والذي يقول: إن هذا فيه تفريق للأمة؛ فقوله معناه الدعوة إلى الكفر، فهو يريد أن يجمع الناس على الكفر، وهذا يدل على عدم التوحيد والإيمان والإسلام، لأنهم يريدون أن تجتمع الأمة على الكفر، وهذه هي العولمة التي تريد أن يكون العالم قرية واحدة، ومن هذا القبيل الدعوة إلى وحدة الأديان، وإلى التآخي بين الأديان، وقد دعا هؤلاء إلى مؤتمر التآخي بين الأديان الثلاثة: الإسلام واليهودية والنصرانية، ولما اجتمعوا قالوا: إنها كلها أديان سماوية، فينبغي أن يكون في كل بلد وفي كل مطار مسجد وكنيسة ومعبد لليهود تحت سقف واحد، وتطبع التوراة والإنجيل والقرآن باسم واحد، وهذه دعوة إلى الكفر، والعياذ بالله. وقد كتبت اللجنة الدائمة بياناً في كفر من يدعو إلى هذا. فإذا قالوا بأن هذا تفريق للأمة، قلنا: هذه العولمة دعوة إلى الكفر، ونحن نريد أن نفرق بين المسلم والكافر، لأن هذا من الولاء والبراء في ديننا. فإن سأل سائل: هل يوصف المُعيَّن بالنفاق؟ ف الجواب لا يوصف إلا من ظهر منه ما يدل على ذلك، فهذا حاطب بن أبي بلتعة لما كتب إلى المشركين كتاباً يخبرهم بمجيء الرسول ﷺ ، قال عمر: دعني أضرب عنق هذا المنافق، فإنه قد خان الله ورسوله. فلم ينكر عليه النبي ﷺ ؛ لأنه معذور، ومثل ذلك ما جرى في حادثة الإفك من عبد الله بن أبي لما تكلم في تلك الحادثة، فخطب النبي ﷺ الناس على المنبر فقال: (من يعذرني في رجل بلغني أذاه في أهلي، والله ما علمت على أهلي إلا خيراً. فقام سعد بن معاذ فقال: أنا أعذرك منه يا رسول الله، إن كان من الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا بأمرك. فقام سعد بن عبادة وكان سيد الخزرج فقال: لا تفعل ولا تقدر على ذلك، ولو كان من رهطك لما فعلت. فقال له أسيد بن حضير: إنك منافق تجادل عن المنافقين. وجعل النبي يخفضهم على المنبر، قالت عائشة: وكان قبل ذلك رجلاً صالحاً، ولكن احتملته الحمية) رواه البخاري. فقوله: (إنك منافق تجادل عن المنافقين) لأنه ظهر منه هذا الكلام، فصار معذوراً. فالمقصود أن العلماء أخذوا من هذا أنه إذا وجد من المرء ما يدل على ذلك فرماه شخص بالنفاق فإنه يكون معذوراً، وأما إذا كان بدون دليل ولا سبب فهذا مثلما جاء في الحديث: (إذا قال الرجل لأخيه: (يا كافر) فقد باء بها أحدهما)، فلا يجوز البغي لكن إذا ظهر منه دلالة فرماه أحد بالنفاق فإنه يعذر، وقد لا يكون منافقاً، لكن الذي رماه يكون معذوراً؛ لأنه تكلم بما ظهر له، وأما أن يأتي شخص ويقول للآخر: يا كافر أو يا فاسق بدون سبب فهذا هو الذي عليه الإثم. والوصف بالنفاق بدون دليل يأخذ أحكام التكفير، فهو يشبه قوله ﷺ : (إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما) كما تقدم.
следующие страницы →