Полный текст (873 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
مقدمة تفسير سورة البقرة
سورة البقرة من السور التي وردت بشأنها نصوص كثيرة تبين فضلها ومنزلتها، فهي واقية من مس الشياطين، حاصل بها التشريف في الدنيا والآخرة، وقارئها في ليلته يكتب من القانتين، وقد أعطيها نبينا ﷺ مكان التوراة، ويكفي في بيان فضلها أنها حوت أعظم آية في القرآن، وآيتين في آخرها تكفيان قارئهما في ليلته.
стр. 72
فضائل سورة البقرة
стр. 73
البقرة سنام القرآن وذروته
قال المصنف ﵀: [سورة البقرة مدنية، وآياتها ست وثمانون ومائتان.
ذكر ما ورد في فضلها: قال الإمام أحمد: حدثنا عارم حدثنا معتمر عن أبيه عن رجل عن أبيه عن معقل بن يسار ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (البقرة سنام القرآن وذروته، نزل مع كل آية منها ثمانون ملكاً، واستخرجت ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥] من تحت العرش فوصلت بها -أو: فوصلت بسورة البقرة-، و (يس) قلب القرآن، لا يقرؤها رجل يريد الله والدار الآخرة إلا غفر له، واقرءوها على موتاكم)، انفرد به أحمد.
وقد رواه أحمد -أيضاً- عن عارم عن عبد الله بن المبارك عن سليمان التيمي عن أبي عثمان - وليس بـ النهدي - عن أبيه عن معقل بن يسار قال: قال رسول الله ﷺ : (اقرءوها على موتاكم) يعني: (يس)، فقد تبين بهذا الإسناد معرفة المبهم في الرواية الأولى].
قوله: [فقد تبين بهذا الإسناد معرفة المبهم في الرواية الأولى].
أي: أن السند الأول فيه مبهم، لكن سمي في السند الثاني فزال الإبهام، ومعنى (اقرءوا على موتاكم (يس)) أي: اقرءوا على المحتضرين.
وهذا الحديث في قراءة (يس) على الموتى متصل الإسناد لا بأس به، وليس المراد منه قراءة القرآن بعد الموت؛ فإن قراءة القرآن بعد الموت وعند القبر بدعة، وليست بمشروعة، ولكن المراد هو القراءة على المحتضرين.
قال بعض العلماء: الحكمة من ذلك أنها تخفف على المحتضر نزع الموت.
وأبو عثمان قال عنه في (التقريب): مقبول من الرابعة.
وفي (تهذيب الكمال): قال ابن المديني: لم يرو عنه غير التيمي، وهو إسناد مجهول.
وقال أبو عبيد الآجري عن أبي داود: هو أبو عثمان السلي.
وذكره ابن حبان في كتاب (الثقات).
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد أخرج هذا الحديث على هذه الصفة في الرواية الثانية أبو داود والنسائي وابن ماجة، وقد روى الترمذي من حديث حكيم بن جبير -وفيه ضعف- عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لكل شيء سنام، وإن سنام القرآن سورة البقرة، وفيها آية هي سيدة آي القرآن آية الكرسي)].
فأعظم سورة في القرآن هي سورة الفاتحة، وأعظم آية هي آية الكرسي.
стр. 74
فرار الشيطان من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وفي مسند أحمد وصحيح مسلم والترمذي والنسائي من حديث سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لا تجعلوا بيوتكم قبوراً؛ فإن البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة لا يدخله الشيطان) وقال الترمذي: حسن صحيح].
قوله ﷺ : [(لا تجعلوا بيوتكم قبوراً)] أي: لا تعطلوها من الصلاة والقراءة فتكون بمنزلة القبور؛ لأن القبور لا يقرأ ولا يصلى فيها، فإذا عطل الإنسان البيت من القراءة والصلاة صار بمنزلة القبر.
وهذا الحديث فيه الحث على الصلاة في البيوت، وقد جاء في الحديث الآخر: (صلوا في بيوتكم؛ فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة).
وجاء في فضل آية الكرسي: (من قرأها في ليلة لم يزل عليه من الله حافظ، ولا يقربه شيطان حتى يصبح)، رواه البخاري في الصحيح.
فإذا قرأ البقرة ففيها آية الكرسي، والشيطان يفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: حدثني ابن أبي مريم عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن سنان بن سعد عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الشيطان يخرج من البيت إذا سمع سورة البقرة تقرأ فيه) سنان بن سعد -ويقال بالعكس- وثقه ابن معين، واستنكر حديثه أحمد بن حنبل وغيره.
وقال أبو عبيد: حدثنا محمد بن جعفر عن شعبة عن سلمة بن كهيل عن أبي الأحوص عن عبد الله -يعني ابن مسعود ﵁ قال: (إن الشيطان يفر من البيت يسمع فيه سورة البقرة)، ورواه النسائي في (اليوم والليلة)، وأخرجه الحاكم في مستدركه من حديث شعبة، ثم قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه].
ابن لهيعة المذكور في السند الأول ضعيف.
وفرار الشيطان من قراءة سورة البقرة جاء ذكر مثله في الأذان، ففي الحديث: (إذا نودي بالصلاة أدبر الشيطان وله ضراط، حتى لا يسمع الأذان)، وكذلك إذا سمع قراءة القرآن فإنه يفر ثم يرجع.
وللمرء إذا أراد طرد الشيطان بقراءة سورة البقرة أن يقرأها بنفسه، أو أن يستمع إلى قراءتها، لكن الأفضل أن يقرأها بنفسه، لكي يحصل على أجر القراءة.
فإن سأل سائل: هل ينفع استخدام المسجلة في ذلك؟ ف
الجواب
الأصل هو أن يقرأ الإنسان بنفسه بقصد أن يتعبد، لكن إذا لم يتيسر له أن يقرأ وليس هناك قارئ فلا بأس باستخدام جهاز التسجيل.
وحصول الوقاية من الشيطان بقراءة آية الكرسي يكون بقراءتها في اليوم نفسه.
قال رحمه الله تعالى: [وقال ابن مردويه: حدثنا أحمد بن كامل حدثنا أبو إسماعيل الترمذي حدثنا أيوب بن سليمان بن بلال حدثني أبو بكر بن أبي أويس عن سليمان بن بلال عن محمد بن عجلان عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا ألفين أحدكم يضع إحدى رجليه على الأخرى يتغنى ويدع سورة البقرة يقرؤها؛ فإن الشيطان يفر من البيت تقرأ فيه سورة البقرة، وإن أصفر البيوت الجوف الصفر من كتاب الله)].
الصفر: هو الخالي، يقال: فلان صفر اليدين أي: خاليهما، ومنه الصفر في العدد، وفي الحديث: (إن ربكم ﵎ حيي كريم، يستحي من عبده إذا رفع يديه أن يردهما صفراً) أي: خاليتين، فالصفر هو الخالي، فقوله: (أصفر البيوت) يعني: أخلاها، أي أنه بيت فقير خال من الخير.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهكذا رواه النسائي في (اليوم والليلة) عن محمد بن نصر عن أيوب بن سليمان به.
وروى الدارمي في مسنده عن ابن مسعود قال: (ما من بيت تقرأ فيه سورة البقرة إلا خرج منه الشيطان وله ضراط).
وقال: (إن لكل شيء سناماً، وإن سنام القرآن سورة البقرة، وإن لكل شيء لباباً، وإن لباب القرآن المفصل)].
قوله ﷺ : [(ما من بيت تقرأ فيه سورة البقرة إلا خرج منه الشيطان وله ضراط)]، هذا كما جاء في الأذان، فإن الشيطان إذا سمع الأذان ولى وله ضراط، وكذلك إذا سمع القرآن ولى وله ضراط، ولا مانع من أن يرجع، كما في حديث فراره من الأذان، ففيه أنه إذا انتهى المؤذن رجع فيوسوس، فإذا سمع الإقامة ولى، ثم يرجع فيوسوس للمرء ليحول بينه وبين صلاته حتى يذكره بالأشياء التي نسيها، فيقول: اذكر كذا، اذكر كذا، اذكر كذا، حتى ينصرف من صلاته ولا يدري كم صلى.
قال رحمه الله تعالى: [وروى أيضاً من طريق الشعبي قال: قال عبد الله بن مسعود ﵁: (من قرأ عشر آيات من سورة البقرة في ليلة لم يدخل ذلك البيت شيطان تلك الليلة، أربع من أولها، وآية الكرسي، وآيتان بعدها، وثلاث آيات من آخرها)].
هذا السند ضعيف؛ لأنه منقطع، فـ الشعبي لم يدرك ابن مسعود ﵁، وفي متنه غرابة، فإنه عد فيه آيتين بعد آية الكرسي، والمعروف هو أربع آيات من أول سورة البقرة وآية الكرسي وآيتان من آخر سورة البقرة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وفي رواية: (لم يقربه ولا أهله يومئذ شيطان، ولا شيء يكرهه، ولا يقرأن على مجنون إلا أفاق)].
ومن الغرابة كذلك قوله: [(لا يقرأن على مجنون إلا أفاق)].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وعن سهل بن سعد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن لكل شيء سناماً، وإن سنام القرآن البقرة، وإن من قرأها في بيته ليلة لم يدخله الشيطان ثلاث ليال، ومن قرأها في بيته نهاراً لم يدخله الشيطان ثلاثة أيام) >.
رواه أبو القاسم الطبراني وأبو حاتم ابن حبان في صحيحه وابن مردويه من حديث الأزرق بن علي حدثنا حسان بن إبراهيم حدثنا خالد بن سعيد المدني عن أبي حازم عن سهل به، وعند ابن حبان خالد بن سعيد المديني].
الصحيح أبو حاتم ابن حبان، فالواو زائدة، وابن حبان هو أبو حاتم، وأبو حاتم ابن حبان هو غير أبي حاتم الرازي صاحب الجرح والتعديل.
وذا الحديث فيه أن الشيطان لا يقرب البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة ثلاث ليال، والحديث فيه ضعف، فـ خالد بن سعيد متكلم فيه.
стр. 75
تقديم النبي ﷺ حافظ سورة البقرة على غيره في الإمرة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد روى الترمذي والنسائي وابن ماجة من حديث عبد الحميد بن جعفر عن سعيد المقبري عن عطاء مولى أبي أحمد عن أبي هريرة ﵁ قال: (بعث رسول الله ﷺ بعثاً وهم ذو عدد، فاستقرأهم، فاستقرأ كل واحد منهم ما معه من القرآن، فأتى على رجل من أحدثهم سناً فقال: ما معك يا فلان؟ فقال: معي كذا وكذا وسورة البقرة.
فقال: أمعك سورة البقرة؟! قال: نعم.
قال: اذهب فأنت أميرهم.
فقال رجل من أشرافهم: والله ما منعني أن أتعلم سورة البقرة إلا أني خشيت ألا أقوم بها.
فقال رسول الله ﷺ : تعلموا القرآن واقرءوه؛ فإن مثل القرآن لمن تعلمه فقرأه وقام به كمثل جراب محشو مسكاً يفوح ريحه في كل مكان، ومثل من تعلمه فيرقد وهو في جوفه كمثل جراب أوكي على مسك)].
لاشك في أن من قرأ القرآن وتعلمه وعمل به يكون قد استفاد من هذا المسك في هذا الجراب، ومن قرأه ولم يعمل به فاته هذا الخير الكثير، بل إنه يكون وبالاً عليه إذا لم يعمل به، والعياذ بالله.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [هذا لفظ رواية الترمذي، ثم قال: هذا حديث حسن، ثم رواه من حديث الليث عن سعيد عن عطاء مولى أبي أحمد مرسلاً، فالله أعلم].
стр. 76
دنو الملائكة لسماع قراءة أسيد بن حضير سورة البقرة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال البخاري: وقال الليث: حدثني يزيد بن الهاد عن محمد بن إبراهيم عن أسيد بن حضير ﵁ قال: (بينما هو يقرأ من الليل سورة البقرة وفرسه مربوطة عنده إذ جالت الفرس، فسكت فسكنت، فقرأ فجالت الفرس، فسكت فسكنت، ثم قرأ فجالت الفرس فانصرف، وكان ابنه يحيى قريباً منها، فأشفق أن تصيبه، فلما أخذه رفع رأسه إلى السماء حتى ما يراها، فلما أصبح حدث النبي ﷺ فقال: اقرأ يا ابن حضير.
قال: قد أشفقت -يا رسول الله- على يحيى وكان منها قريباً، فرفعت رأسي وانصرفت إليه، فرفعت رأسي إلى السماء فإذا مثل الظلة فيها أمثال المصابيح فخرجت حتى لا أراها.
قال: وتدري ما ذاك؟! قال: لا.
قال: تلك الملائكة دنت لصوتك، ولو قرأت لأصبحت ينظر الناس إليها لا تتوارى منهم).
وهكذا رواه الإمام العالم أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب (فضائل القرآن) عن عبد الله بن صالح ويحيى بن بكير عن الليث به، وقد روي من وجه آخر عن أسيد بن حضير كما تقدم، والله أعلم].
وقد روي -أيضاً- أنه كان يقرأ سورة الكهف، فجالت الفرس، وأنها كانت قريبة من ولده يحيى كما جاء في هذا الحديث.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد وقع نحواً من هذا لـ ثابت بن قيس بن شماس ﵁، وذلك فيما رواه أبو عبيد: حدثنا عباد بن عباد عن جرير بن حازم عن عمه جرير بن يزيد أن أشياخ أهل المدينة حدثوه (أن رسول الله ﷺ قيل له: ألم تر ثابت بن قيس بن شماس لم تزل داره البارحة تزهر مصابيح؟! قال: فلعله قرأ سورة البقرة.
قال: فسألت ثابتاً فقال: قرأت سورة البقرة)].
قوله: [تزهر] أي: تضيء وتنير، والحديث ضعيف؛ لإبهام أشياخ أهل المدينة، وهو كذلك مرسل، ولذا قال ﵀: [وهذا إسناد جيد، إلا أن فيه إبهاماً، ثم هو مرسل، والله أعلم].
أي أن رجال السند لا بأس بهم، لولا الإرسال والإبهام.
стр. 77
حصول البركة بها في الدنيا والتشريف بها في الآخرة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر ما ورد في فضلها مع آل عمران.
قال الإمام أحمد: حدثنا أبو نعيم حدثنا بشر بن مهاجر حدثنا عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: كنت جالساً عند النبي ﷺ فسمعته يقول: (تعلموا سورة البقرة؛ فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة، قال: ثم سكت ساعة ثم قال: تعلموا سورة البقرة وآل عمران؛ فإنهما الزهراوان يظلان صاحبهما يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان أو فرقان من طير صواف، وإن القرآن يلقى صاحبه يوم القيامة حين ينشق عنه قبره كالرجل الشاحب، فيقول له: هل تعرفني؟ فيقول: ما أعرفك.
فيقول: أنا صاحبك القرآن الذي أظمأتك في الهواجر وأسهرت ليلك، وإن كل تاجر من وراء تجارته، وإنك اليوم من وراء كل تجارة.
فيعطى الملك بيمينه والخلد بشماله، ويوضع على رأسه تاج الوقار، ويكسى والداه حلتان لا يقوم لهما أهل الدنيا، فيقولان: بم كسينا هذا؟! فيقال: بأخذ ولدكما القرآن.
ثم يقال: اقرأ واصعد في درج الجنة وغرفها.
فهو في صعود ما دام يقرأ هذاً كان أو ترتيلاً)].
قوله: [(ولا يستطيعها البطلة) البطلة: هم السحرة، وقوله: [(كالرجل الشاحب)] أي: متغير اللون، وقوله: [(أظمأتك في الهواجر)] أي: بالصيام، وهذا هو خلق أهل القرآن الذين يعملون بالقرآن، فهم يصومون في النهار ويصلون في الليل؛ لأنهم يعملون بالقرآن، فهم أسبق الناس إلى الطاعات، والقرآن فيه الدعوة إلى الصيام والصلاة وغيرهما من الطاعات، فلهذا قال: [(أظماتك في الهواجر)] يعني: من كثرة الصيام [(وأسهرت ليلك)] أي: من كثرة القيام.
وقارئ القرآن هنا يشمل الحافظ وغير الحافظ، فالمقصود هو العمل بالقرآن، فالذي يقرأ من المصحف وهو يصلي ويعمل بالقرآن، ويمتثل الأوامر ويجتنب النواهي على خير عظيم، أما الذي يحفظ ولا يعمل فلا ينفعه حفظه، وإن قرأه وعمل به فهو على خير.
ثم إن من يقرأ القرآن خارج الصلاة هو على خير، لكن كونه يجمع بينهما فيصلي ويقرأ ويراوح بين الجبهة والقدمين، ويتضرع إلى الله تعالى في السجود ويدعوه هو الأفضل.
ولا ينبغي للإنسان أن يترك الأفضل، لأن الشيطان يحرص على إضاعة الفضل على ابن آدم؛ وللشيطان في ذلك خطوات، فهو يدعوه أولاً إلى الكفر والشرك، فإن ظفر به حصل بغيته، وإن لم يظفر به دعاه إلى البدعة، فإن لم يظفر به دعاه إلى الكبيرة، فإن لم يظفر به دعاه إلى الصغيرة، فإن لم يظفر به دعاه إلى التوسع في المباحات، فإن لم يظفر به دعاه إلى أن يفعل المفضول ويترك الفاضل، فيقول: اقرأ القرآن ولا تصل، فأنت على خير، أو يدعوه إلى أن يتعبد ويصلي الليل ويصوم النهار دون أن يطلب العلم، فإن فعل هذا فقد فوت عليه الأفضل، فالأفضل هو طلب العلم، فلا ينبغي للإنسان أن يترك الأفضل ويعمل الفاضل.
стр. 78
محاجتها وآل عمران عن صاحبهما يوم القيامة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وروى ابن ماجة من حديث بشير بن المهاجر بعضه، وهذا إسناد حسن على شرط مسلم، فإن بشيراً هذا خرج له مسلم، ووثقه ابن معين، وقال النسائي: ما به بأس.
إلا أن الإمام أحمد قال فيه: هو منكر الحديث، قد اعتبرت أحاديثه فإذا هي تأتي بالعجب.
وقال البخاري: يخالف في بعض حديثه.
وقال أبو حاتم الرازي: يكتب حديثه ولا يحتج به.
وقال ابن عدي: روى ما لا يتابع عليه.
وقال الدارقطني: ليس بالقوي.
قلت: ولكن لبعضه شواهد، فمن ذلك حديث أبي أمامة الباهلي.
قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الملك بن عمرو حدثنا هشام عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلام عن أبي أمامة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (اقرءوا القرآن؛ فإنه شافع لأهله يوم القيامة، اقرءوا الزهراوين -البقرة وآل عمران- فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو كأنهما غيايتان أو كأنهما فرقان طير صواف يحاجان عن أهلهما يوم القيامة.
ثم قال: اقرءوا البقرة؛ فإن أخذها بركة وتركها حسرة ولا تستطيعها البطلة)].
المعنى أن عمل الإنسان بقراءة البقرة وآل عمران يأتي كأنه غمامتان أو غيايتان أو فرقان من طير صواف، ومعروف أن البقرة وآل عمران كلام الله، كما جاء في الحديث الآخر أن الإنسان إذا وضع في قبره جاءه رجل حسن الوجه حسن الصورة طيب الريح، فيقول: من أنت؟ فيقول: أنا عملك الصالح.
والفاجر يأتيه رجل قبيح الوجه منتن الريح، فيقول: من أنت فوجهك الوجه يجيء بالشر؟ فيقول: أنا عملك الخبيث.
وكذلك عمل الإنسان بالبقرة وآل عمران يأتي فيظل صاحبه يوم القيامة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد رواه مسلم في الصلاة من حديث معاوية بن سلام عن أخيه زيد بن سلام عن جده أبي سلام ممطور الحبشي عن أبي أمامة صدي بن عجلان الباهلي به.
الزهراوان: المنيرتان.
والغياية: ما أظلك من فوقك.
والفرق: القطعة من الشيء.
والصواف: المصطفة المتضامة.
والبطلة: السحرة.
ومعنى (لا تستطيعها) أي لا يمكنهم حفظها، وقيل: لا يستطيعون النفوذ في قارئها.
والله أعلم].
أي أن قوله: (لا تستطيعها البطلة) معناه: أن السحرة لا يستطيعون حفظها؛ لأن القرآن منافٍ لما هم عليه من الشرك، فالقرآن توحيد والسحرة مشركون، فلا يستطيعون حفظها وهم على شركهم، أو لا يستطيعون العمل في صاحبها، فسحرهم فيه لا ينفذ.
وقد يقال: وجد من النصارى من حفظوا القرآن وهم على كفرهم!
و
الجواب
أنه ليس المراد -والله أعلم- مجرد الحفظ، بل المراد الحفظ الذي يكون معه العمل، كما جاء عن الصحابة أنهم كانوا إذا تعلموا عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا معانيها ويعملوا بها، وهذا يسمى حفظاً.
وهذا مثل ما جاء في الحديث: (إن لله تسعة وتسعين اسماً -مائة إلا واحداً- من أحصاها دخل الجنة) فليس المراد حفظها بالعد فقط، إنما الحفظ الملازم للعمل والذي يتبعه العمل، فالسحرة والكفرة لا يفيدهم حفظ الآيات إذا حفظوها ولم يعملوا بها.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومن ذلك حديث النواس بن سمعان، قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن عبد ربه حدثنا الوليد بن مسلم عن محمد بن مهاجر عن الوليد بن عبد الرحمن الجرشي عن جبير بن نفير قال: سمعت النواس بن سمعان الكلابي يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (يؤتى بالقرآن يوم القيامة وأهله الذين كانوا يعملون به تقدمهم سورة البقرة وآل عمران، وضرب لهما رسول الله ﷺ ثلاثة أمثال ما نسيتهن بعد، قال: كأنهما غمامتان أو ظلتان سوداوان بينهما شرق، أو كأنها فرقان من طير صواف يحاجان عن صاحبهما).
ورواه مسلم عن إسحاق بن منصور عن يزيد بن عبد ربه به، والترمذي من حديث الوليد بن عبد الرحمن الجرشي به، وقال: حسن غريب].
قوله ﷺ : [(تقدمهم سورة البقرة)].
يحتمل أن يكون المعنى: تكون في مقدمهم، مثل قوله تعالى: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [هود:٩٨] أو من: قدم يقدم إذا ورد، كقولهم: فلان قدم البلد.
وعلى المعنى الأول تكونان أولهم ثم يتبعهما أصحابهما.
وقوله: [(بينهما شرق)] أي: بينهما نور.
стр. 79
القول في اشتمالها على اسم الله الأعظم
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال أبو عبيد: حدثنا حجاج عن حماد بن سلمة عن عبد الملك بن عمير قال: قال حماد: أحسبه عن أبي منيب عن عمه أن رجلاً قرأ البقرة وآل عمران، فلما قضى صلاته قال له كعب: أقرأت البقرة وآل عمران؟ قال: نعم.
قال: فوالذي نفسي بيده إن فيهما اسم الله الذي إذا دعي به استجاب.
قال: فأخبرني به.
قال: لا والله لا أخبرك به، ولو أخبرتك به لأوشكت أن تدعوه بدعوة أهلك فيها أنا وأنت].
كعب الأحبار هو من أهل الكتاب ممن أسلم في زمن عمر بن الخطاب، وهو ينقل عن بني إسرائيل كثيراً.
والمعروف عند كثير من العلماء أن اسم الله الأعظم قد جاء في ثلاث آيات: في سورة البقرة في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥] آية الكرسي، وفي أول سورة آل عمران في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران:٢] وفي سورة طه في قوله تعالى: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ [طه:١١١].
وقال آخرون: اسم الله الأعظم المراد به العظيم، وأسماء الله كلها حسنى وكلها عظيمة، فهذا وصف لجميع أسماء الله تعالى.
стр. 80
ما ذكر من المنامات في بيان فضلها وآل عمران
قال المؤلف رحمه الله تعالى عن أبي عبيد: [وحدثنا عبد الله بن صالح عن معاوية بن صالح عن سليم بن عامر أنه سمع أبا أمامة ﵁ يقول: إن أخا لكم أري في المنام أن الناس يسلكون في صدع جبل وعر طويل، وعلى رأس الجبل شجرتان خضراوان يهتفان: هل فيكم قارئ يقرأ سورة البقرة؟ وهل فيكم قارئ يقرأ سورة آل عمران؟ قال: فإذا قال الرجل: نعم دنتا منه بأعذاقهما حتى يتعلق بهما فيخطران به الجبل].
معنى: (يخطران) يتجاوزان به الخطر، أي: يتجاوزان به الجبل الوعر.
стр. 81
ذكر ما روي في كونها آخر ما بقي من القرآن في صدر قاتل
قال المؤلف رحمه الله تعالى عن أبي عبيد: [وحدثنا عبد الله بن صالح عن معاوية بن صالح عن أبي عمران أنه سمع أم الدرداء تقول: إن رجلاً ممن قرأ القرآن أغار على جار له فقتله، وإنه أقيد به فقتل، فما زال القرآن ينسل منه سورة سورة حتى بقيت البقرة وآل عمران جمعة، ثم إن آل عمران انسلت منه وأقامت البقرة جمعة، فقيل لها: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [ق:٢٩] قال: فخرجت كأنها السحابة العظيمة.
قال أبو عبيد: أراه يعنى أنهما كانتا معه في قبره يدافعان عنه ويؤنسانه، فكانتا من آخر ما بقي معه من القرآن].
المراد بالجمعة هنا الأسبوع، أي أن القرآن أخذ ينسل فبقيت البقرة وآل عمران أسبوعاً، ثم انسلت آل عمران فبقيت البقرة أسبوعاً ثم انسلت، ومعنى ذلك أن البقرة وآل عمران بقيتا آخر شيء، وهذا يدل على فضلهما.
стр. 82
حصول البراءة من النفاق بقراءتها وآل عمران مع إيمان وصدق
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال -أيضاً-: حدثنا أبو مسهر الغساني عن سعيد بن عبد العزيز التنوخي أن يزيد بن الأسود الجرشي كان يحدث أنه من قرأ البقرة وآل عمران في يوم برئ من النفاق حتى يمسي، ومن قرأهما في ليلة برئ من النفاق حتى يصبح.
قال: فكان يقرؤهما كل يوم وليلة سوى جزئه].
هذا محمول على من قرأهما مع إيمان وصدق ورغبة، لا مع نفاق.
стр. 83
ذكر ما ورد في أن قارئها وآل عمران في ليلة يكتب من القانتين
قال المؤلف رحمه الله تعالى عن أبي عبيد: [وحدثنا يزيد عن ورقاء بن إياس عن سعيد بن جبير قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: من قرأ البقرة وآل عمران في ليلة كان -أو كتب- من القانتين.
فيه انقطاع، ولكن ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله وآله وسلم قرأ بهما في ركعة واحدة].
هذا الحديث فيه انقطاع، فـ سعيد لم يدرك عمر، وقد ثبت عنه ﷺ أنه قرأ بالبقرة وآل عمران والنساء في ركعة واحدة، كما في حديث حذيفة، فكان ﷺ لا يمر بآية فيها رحمة إلا وقف يسأل، ولا بآية عذاب إلا وقف يتعوذ، ولا بآية تسبيح إلا وقف يسبح، وهذا وقوف عظيم مع التدبر، فمن يستطيع قراءة خمسة أجزاء وربع في ركعة واحدة مع التدبر؟! قال حذيفة: (ثم ركع فجعل يقول: سبحان ربي العظيم، فكان ركوعه نحواً من قيامه، ثم قال: سمع الله لمن حمده، ثم قام طويلاً قريباً مما ركع، ثم سجد فقال: سبحان ربي الأعلى، فكان سجوده قريباً من قيامه)، وهذا تحمل عظيم، مع أن الله قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وقد قالت له عائشة ﵂: (لم تفعل هذا -يا رسول الله- وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟! فقال: أفلا أكون عبداً شكوراً) وإنما فعل هذا تعبداً لله وشكراً لله، ولتتأسى به أمته ﵊.
وهذه النصوص فيها فضل هاتين السورتين العظيمتين، وذلك لما اشتملتا عليه من الأحكام العظيمة والأوامر والنواهي والآداب والأعمال وأوصاف وأخلاق المؤمنين، والتحذير من صفات المنافقين والكفرة والفساق.
стр. 84
فضائل السبع الطوال
стр. 85
ذكر ما ورد من أن النبي ﷺ أعطيها مكان التوراة
قال الحافظ ﵀: [ذكر ما ورد في فضل السبع الطوال: قال أبو عبيد: حدثنا هشام بن إسماعيل الدمشقي عن محمد بن شعيب عن سعيد بن بشير عن قتادة عن أبي المليح عن واثلة بن الأسقع عن النبي ﷺ قال: (أعطيت السبع الطوال مكان التوراة، وأعطيت المئين مكان الإنجيل، وأعطيت المثاني مكان الزبور، وفضلت بالمفصل) هذا حديث غريب، وسعيد بن أبي بشير فيه لين].
سعيد بن أبي بشير ضعيف، ومحمد بن شعيب هو ابن شابور -بالمعجمة الموحدة- الأموي مولاهم الدمشقي، نزيل بيروت، صدوق صحيح الكتابة، من كبار التاسعة، مات سنة مائتين وله أربع وثمانون.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد رواه أبو عبيد عن عبد الله بن صالح عن الليث عن سعيد بن أبي هلال قال: بلغنا أن رسول الله ﷺ قال، فذكره، والله أعلم].
هذا الحديث معضل؛ لأنه سقط فيه أكثر من واحد بعد سعيد بن أبي هلال.
стр. 86
ذكر ما روي من أن آخذ السبع حبر
قال رحمه الله تعالى: [ثم قال: حدثنا إسماعيل بن جعفر عن عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب بن عبد الله بن حنطب عن حبيب بن هند الأسلمي عن عروة عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: (من أخذ السبع فهو حبر)].
قوله: [(فهو حبر)] أي: عالم، يقال: (حبر) بكسر الحاء وفتحها.
وهذا -إن صح- محمول على أن المراد بذلك من أخذها وعمل بها.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهذا -أيضاً- غريب، وحبيب بن هند بن أسماء بن هند بن حارثة الأسلمي، وروى عنه عمرو بن عمرو وعبد الله بن أبي بكرة، وذكره أبو حاتم الرازي ولم يذكر فيه جرحاً، والله أعلم.
وقد رواه الإمام أحمد عن سليمان بن داود وحسين كلاهما عن إسماعيل بن جعفر به، ورواه -أيضاً- عن أبي سعيد عن سليمان بن بلال عن حبيب بن هند عن عروة عن عائشة ﵂ (أن رسول الله ﷺ قال: من أخذ السبع الأول من القرآن فهو حبر).
قال أحمد: وحدثنا حسين حدثنا ابن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ مثله.
قال عبد الله بن أحمد: وهذا أرى فيه: (عن أبيه عن الأعرج)، ولكن كذا كان في الكتاب، فلا أدري أغفله أبي، أو كذا هو مرسل.
وروى الترمذي عن أبي هريرة (أن رسول الله ﷺ بعث بعثاً وهم ذوو عدد وقدم عليهم أحدثهم سناً لحفظه سورة البقرة، وقال له: اذهب فأنت أميرهم) وصححه الترمذي].
стр. 87
ذكر تفسير قوله تعالى (ولقد آتيناك سبعاً من المثاني) بالسبع الطوال
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ثم قال أبو عبيد: حدثنا هشيم أنبأنا أبو بشر عن سعيد بن جبير في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ [الحجر:٨٧] قال: هي السبع الطوال: البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف ويونس.
قال: وقال مجاهد: هي السبع الطوال، وهكذا قال مكحول، وعطية بن قيس، وأبو محمد الفارسي، وشداد بن أوس، ويحيى بن الحارث الذماري في تفسير الآية بذلك وفي تعدادها، وإن يونس هي السابعة].
هذا القول ضعيف، وذلك لأمرين: الأمر الأول: أن السبع المثاني هي الفاتحة وليست السبع السور، فقد جاء في شأن الفاتحة قوله ﷺ : (هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته).
الأمر الثاني: عد يونس وترك التوبة وهي أطول منها، وهي قبلها في ترتيب المصحف.
فالمقصود بالسبع المثاني الفاتحة، فهي سبع آيات تثنى في كل ركعة، وليس المراد السبع الطوال.
стр. 88
نسبة سورة البقرة وبيان عدد آياتها وكلماتها وحروفها
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فصل: والبقرة جميعها مدنية بلا خلاف، وهي من أوائل ما نزل بها، لكن قوله تعالى فيه: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٨١] الآية يقال: إنها آخر ما نزل من القرآن، ويحتمل أن تكون منها، وكذلك آيات الربا من آخر ما نزل، وكان خالد بن معدان يسمي البقرة فسطاط القرآن].
الفسطاط مثلث الفاء، فيقال: فُسطاط وفَسطاط وفِسطاط.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال بعض العلماء: وهي مشتملة على ألف خبر وألف أمر وألف نهي، وقال العادون: آياتها مائتان وثمانون وسبع آيات، وكلماتها ستة آلاف كلمة ومائتان وإحدى وعشرون كلمة، وحروفها خمسة وعشرون ألفاً وخمسمائة حرف، والله أعلم.
قال ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس: نزلت بالمدينة سورة البقرة، وقال: خصيف عن مجاهد عن عبد الله بن الزبير قال: نزلت بالمدينة سورة البقرة.
وقال الواقدي: حدثني الضحاك بن عثمان عن أبي الزناد عن خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه قال: نزلت البقرة بالمدينة.
وهكذا قال غير واحد من الأئمة والعلماء والمفسرين، ولا خلاف فيه].
خصيف ضعيف، ولكن المعروف عند العلماء أنها مدنية، ومعنى كونها مدنية أنها نزلت بعد الهجرة، وهذا هو الصواب في تعريف المدني والمكي، فالمكي ما نزل قبل الهجرة، والمدني ما نزل بعد الهجرة ولو نزل في مكة، فقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة:٣] نزل على النبي ﷺ في حجة الوداع، وهو جزء من آية المائدة، فهو مدني، وهذا هو الصواب، وهناك أقوال أخرى لأهل العلم في تعريف المدني والمكي، منها أن المكي ما نزل بمكة والمدني ما نزل بالمدينة، وما نزل في الأسفار فلا يصنف، والصواب أن المكي ما نزل قبل الهجرة، وما نزل بعد الهجرة فهو مدني ولو نزل في مكة أو في الأسفار.
стр. 89
بيان صحة قول (سورة البقرة) ونحو ذلك
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال ابن مردويه: حدثنا محمد بن معمر حدثنا الحسن بن علي بن الوليد الفارسي حدثنا خلف بن هشام حدثنا عيسى بن ميمون عن موسى بن أنس بن مالك عن أبيه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تقولوا: سورة البقرة، ولا سورة آل عمران، ولا سورة النساء، وكذا القرآن كله، ولكن قولوا: السورة التي يذكر فيها البقرة، والتي يذكر فيها آل عمران، وكذا القرآن كله) هذا حديث غريب لا يصح رفعه، وعيسى بن ميمون هذا هو أبو سلمة الخواص، وهو ضعيف الرواية لا يحتج به.
وقد ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود ﵁ (أنه رمى الجمرة من بطن الوادي، فجعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه، ثم قال: هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة) أخرجاه.
وروى ابن مردويه من حديث شعبة عن عقيل بن طلحة عن عتبة بن مرثد قال: (رأى النبي ﷺ في أصحابه تأخراً فقال: يا أصحاب سورة البقرة) وأظن هذا كان يوم حنين يوم ولوا مدبرين أمر العباس فناداهم: يا أصحاب الشجرة -يعني أهل بيعة الرضوان، وفي رواية: يا أصحاب سورة البقرة- لينشطهم بذلك، فجعلوا يقبلون من كل وجه].
لما قال العباس يوم حنين -وكان جهوري الصوت-: يا أصحاب سورة البقرة، يا أصحاب سورة البقرة؛ جعلوا يعطفون عليه عطف البقر على أولادها قائلين: لبيك، لبيك، ﵃ وأرضاهم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكذلك يوم اليمامة مع أصحاب مسيلمة جعل الصحابة يفرون لكثافة جيش بني حنيفة، فجعل المهاجرون والأنصار يتنادون: يا أصحاب سورة البقرة.
حتى فتح الله عليهم، رضي الله عن أصحاب رسول الله أجمعين].
الصواب أنه لا بأس بقول (سورة البقرة) كما في حديث ابن مسعود لما رمى الجمرة فقال: (هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة)، وأما حديث أنس السابق فهو ضعيف مخالف للأحاديث الصحيحة التي منها حديث ابن مسعود، وكذلك حديث (تعلموا سورة البقرة)، ومناداة الصحابة في غزوة حنين بلفظ: (يا أصحاب سورة البقرة)، وتناديهم في يوم اليمامة بقولهم: (يا أصحاب سورة البقرة).
والمعروف عن الحجاج بن يوسف أمير العراق أنه كان يتورع ويقول: لا تقولوا سورة البقرة، قولوا: السورة التي تذكر فيها البقرة، والسورة التي تذكر فيها آل عمران.
وهذا عبارة عن تشدد لا وجه له، وهو مخالف للنصوص، والعجب من الحجاج أن يتورع عن قول (سورة البقرة) ولم يتورع عن قتل العدد الكبير من المسلمين وإراقة الدماء، نسأل الله السلامة والعافية.
فالمقصود أن قول (سورة البقرة) لا بأس به.
стр. 90
تفسير سورة البقرة الآية [١]
تتنوع في القرآن الكريم أساليب الإعجاز والتحدي؛ للدلالة على كونه من عند الله تعالى ليكون رسالة وتشريعاً، ومن دلائل ذلك الحروف المقطعة في أوائل بعض سور القرآن الكريم، ومنها أوائل سورة البقرة، وميدان الكلام فيها هو في بيان معناها من جهة، وبيان حكمتها من جهة أخرى.
стр. 91
تفسير قوله تعالى: (ألم)
стр. 92
القول باستئثار الله تعالى بعلمها
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿الم﴾ [البقرة:١].
قد اختلف المفسرون في الحروف المقطعة التي في أوائل السور، فمنهم من قال: هي مما استأثر الله بعلمه.
فردوا علمها إلى الله ولم يفسروها، حكاه القرطبي في تفسيره عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود ﵃ أجمعين، وقاله عامر الشعبي وسفيان الثوري والربيع بن خيثم، واختاره أبو حاتم ابن حبان].
الصحيح (الربيع بن خثيم) بالتصغير وتقديم الثاء على الياء.
стр. 93
القول بأن الحروف المقطعة أسماء للسور
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومنهم من فسرها، واختلف هؤلاء في معناها، فقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: إنما هي أسماء السور.
قال العلامة أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري في تفسيره: وعليه إطباق الأكثر ونقله عن سيبويه أنه نص عليه، ويعتضد لهذا بما ورد في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ (أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة ﴿الم﴾ [السجدة:١] و ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ﴾ [الإنسان:١]).
وقال سفيان الثوري عن ابن أبي نجيح عن مجاهد أنه قال: (ألم) و (حم) و (المص) و (ص) فواتح افتتح الله بها القرآن.
وكذا قال غيره عن مجاهد، وقال مجاهد في رواية أبي حذيفة موسى بن مسعود عن شبل عن ابن أبي نجيح عنه أنه قال: (الم) اسم من أسماء القرآن.
وهكذا قال قتادة وزيد بن أسلم، ولعل هذا يرجع إلى معنى قول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم أنه اسم من أسماء السور؛ فإن كل سورة يطلق عليها اسم القرآن؛ فإنه يبعد أن يكون (المص) اسماً للقرآن كله؛ لأن المتبادر إلى فهم سامع من يقول: قرأت (المص) إنما ذلك عبارة عن سورة الأعراف لا لمجموع القرآن، والله أعلم.
стр. 94
القول بأن (الم) اسم من أسماء الله تعالى
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقيل: هي اسم من أسماء الله تعالى، فقال الشعبي: فواتح السور من أسماء الله تعالى.
وكذلك قال سالم بن عبد الله وإسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير، وقال شعبة عن السدي بلغني أن ابن عباس ﵄ قال: (الم) اسم من أسماء الله الأعظم.
وهكذا رواه ابن أبي حاتم من حديث شعبة].
حديث ابن عباس هذا منقطع، والصواب في المسألة القول الأول، وهو أن الله تعالى أعلم بمعناها، فهذه الحروف في أوائل السور لم يأت نص يعتمد عليه أو بأنها من أسماء السور، أو من أسماء الله.
وأما الحكمة من إيرادها فسينقل المؤلف ﵀ عن شيخ الإسلام ابن تيمية وعن المزي أن الحكمة في الإتيان بها في أوائل السور بيان إعجاز القرآن، وأن القرآن نزل بلغة العرب المكونة من الحروف الهجائية الثمانية والعشرين، ومع ذلك تحدى الله البشر أن يأتوا بمثله وبعشر سور وبسورة فعجزوا.
ولذلك فإن أكثر السور المفتتحة بهذه الحروف يأتي بعدها بيان القرآن وإعجازه، كقوله تعالى: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة:١ - ٢]، وقوله تعالى: ﴿الم * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ * نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ [آل عمران:١ - ٣]، وقوله تعالى: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق:١]، وقوله تعالى: ﴿المص * كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ﴾ [الأعراف:١ - ٢].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ورواه ابن جرير عن بندار عن ابن مهدي عن شعبة قال: سألت السدي عن (حم) و (طس) و (الم) فقال: قال ابن عباس ﵄: هي اسم الله الأعظم].
هذا الأثر منقطع، وبندار لقب لـ محمد بن بشار.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال ابن جرير: وحدثنا محمد بن المثنى حدثنا أبو النعمان حدثنا شعبة عن إسماعيل السدي عن مرة الهمداني قال: قال عبد الله، فذكر نحوه، وحكى مثله عن علي وابن عباس، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: هو قسم أقسم الله به، وهو من أسماء الله تعالى.
وروى ابن أبي حاتم وابن جرير من حديث ابن علية عن خالد الحذاء عن عكرمة أنه قال: (الم) قسم.
ورويا -أيضاً- من حديث شريك بن عبد الله عن عطاء بن السائب عن أبي الضحى عن ابن عباس ﵄: (الم) قال: أنا الله أعلم.
وكذا قال سعيد بن جبير، وقال السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ : (الم) قال: أما (الم) فهي حروف استفتحت من حروف هجاء أسماء الله تعالى.
وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية في قوله تعالى: (الم) قال: هذه الأحرف الثلاثة من التسعة والعشرين حرفاً دارت فيها الألسن كلها، ليس منها حرف إلا وهو مفتاح اسم من أسمائه، وليس منها حرف إلا وهو من آلائه وبلائه، وليس منها حرف إلا وهو في مدة أقوام وآجالهم.
قال عيسى ابن مريم ﵇ وعجب فقال: أعجب أنهم ينطقون بأسمائه ويعيشون في رزقه، فكيف يكفرون به؟! فالألف مفتاح اسم الله، واللام مفتاح اسمه لطيف، والميم مفتاح اسمه مجيد، فالألف آلاء الله، واللام لطف الله، والميم مجد الله، الألف به سنة، واللام ثلاثون سنة، والميم أربعون سنة.
هذا لفظ ابن أبي حاتم.
стр. 95
توجيه ابن جرير لما قيل في (الم) وتعقب ابن كثير
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ونحوه رواه ابن جرير، ثم شرع يوجه كل واحد من هذه الأقوال ويوفق بينها، وأنه لا منافاة بين كل واحد منها وبين الآخر، وأن الجمع ممكن، فهي أسماء للسور ومن أسماء الله تعالى يفتتح بها السور، فكل حرف منها دل على اسم من أسمائه وصفة من صفاته، كما افتتح سوراً كثيرة بتحميده وتسبيحه وتعظيمه، قال: ولا مانع من دلالة الحرف منها على اسم من أسماء الله وعلى صفة من صفاته وعلى مدة وغير ذلك، كما ذكره الربيع بن أنس عن أبي العالية؛ لأن الكلمة الواحدة تطلق على معانٍ كثيرة، كلفظة الأمة، فإنها تطلق ويراد بها الدين، كقوله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف:٢٢]، وتطلق ويراد بها الرجل المطيع لله، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل:١٢٠]، وتطلق ويراد بها الجماعة، كقوله تعالى: ﴿وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾ [القصص:٢٣]، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾ [النحل:٣٦]، وتطلق ويراد بها الحين من الدهر، كقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف:٤٥] أي: بعد حين على أصح القولين، قال: فكذلك هذا.
هذا حاصل كلامه موجهاً].
هذا كلام ابن جرير ﵀، وهو أنه لا مانع من أن تكون هذه الحروف المقطعة من أسماء الله ومن أسماء السور، مثل لفظ (الأمة) يأتي لمعان متعددة، إلا أن هناك فرقاً بين المسألتين، وذلك أن لفظ الأمة لا يدل على هذه المعاني في وقت واحد، بل يدل على واحد منها بحسب السياق، فتأتي في سياق بمعنى الجماعة، وتأتي في سياق بمعنى الدين، وهكذا.
أما هذا التوجيه الذي وجهه ابن جرير فمعناه أن هذه الحروف هي أسماء للسور، وهي في نفس الوقت أسماء لله، وهي في نفس الوقت تفيد المدد والآجال، فالتنظير ليس مماثلاً، كما تعقب الحافظ ﵀.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولكن هذا ليس كما ذكره أبو العالية، فإن أبا العالية زعم أن الحرف دل على هذا وعلى هذا وعلى هذا معاً، ولفظة (الأمة) وما أشبهها من الألفاظ المشتركة في الإصطلاح إنما دل في القرآن في كل موطن على معنى واحد دل عليه سياق الكلام، فأما حمله على مجموع محامله إذا أمكن فمسألة مختلف فيها بين علماء الأصول ليس هذا موضع البحث فيها، والله أعلم.
ثم إن لفظة الأمة تدل على كل من معانيها في سياق الكلام بدلالة الوضع، فأما دلالة الحرف الواحد على اسم يمكن أن يدل على اسم آخر من غير أن يكون أحدهما أولى من الآخر في التقدير أو الإضمار بوضع ولا بغيره فهذا مما لا يفهم إلا بتوقيف، والمسألة مختلف فيها، وليس فيها إجماع حتى يحكم به، وما أنشدوه من الشواهد على صحة إطلاق الحرف الواحد على بقية الكلمة فإن في السياق ما يدل على ما حذف، بخلاف هذا، كما قال الشاعر: قلنا قفي لنا فقالت قاف لا تحسبي أنا نسينا الإيجاف تعني: وقفت].
قوله: [فقالت قاف]، أي: قالت: وقفت.
فاختصر الكلمة واكتفى بذكر الحرف لدلالة ما قبله عليه.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال الآخر: ما للظليم عال كيف لا يا ينقد عنه جلده إذا يا فقال ابن جرير: كأنه أراد أن يقول: إذا يفعل كذا وكذا، فاكتفى بالياء من (يفعل).
وقال الآخر: بالخير خيرات وإن شراً فا ولا أريد الشر إلا أن تا يقول: وإن شراً فشرا، ولا أريد الشر إلا أن تشاء، فاكتفى بالفاء والتاء من الكلمتين عن بقيتهما، أي أنه حذف بقية الكلمة واكتفى بالحرف الأول.
ولكن هذا ظاهر من سياق الكلام والله اعلم].
فحمل الحرف الواحد على معانٍ متعددة مثل (الم) في نفس السياق يحتاج إلى دليل كما ذكرنا، مع أن هذه الأقوال كلها ليس عليها دليل، فالصواب هو القول الأول، وهو أنه لا يعلم معانيها إلا الله .
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال القرطبي: وفي الحديث: (من أعان على قتل مسلم بشطر كلمة) الحديث، قال سفيان: هو أن يقول في اقتل: (اق)، وقال خصيف عن مجاهد أنه قال: فواتح السور كلها (ق) و (ص) و (حم) و (طسم) و (الر) وغير ذلك هجاء موضوع.
وقال بعض أهل العربية: هي حروف من حروف المعجم استغني بذكر ما ذكر منها في أوائل السور عن ذكر بواقيها التي هي تتمة الثمانية والعشرين حرفاً، كما يقول القائل: ابني يكتب في (أب ت ث)، أي: في حروف المعجم الثمانية والعشرين، فيستغنى بذكر بعضها عن مجموعها، حكاه ابن جرير.
стр. 96
الحروف المقطعة واشتمالها على أنصاف أجناس الحروف
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قلت: مجموع الحروف المذكورة في أوائل السور بحذف المكرر منها أربعة عشر حرفاً، وهي: (أ، ل، م، ص، ر، ك، هـ، ي، ع، ط، س، ح، ق، ن) يجمعها قولك: (نص حكيم قاطع له سر)، وهي نصف الحروف عدداً، والمذكور منها أشرف من المتروك، وبيان ذلك من صناعة التصريف.
قال الزمخشري: وهذه الحروف الأربعة عشر مشتملة على أصناف أجناس الحروف، يعني: من المهموسة والمجهورة، ومن الرخوة والشديدة، ومن المطبقة والمفتوحة، ومن المستعلية والمنخفضة، ومن حروف القلقلة، وقد سردها مفصلة ثم قال: فسبحان الذي دقت في كل شيء حكمته].
وهذه المعاني معروفة عند أهل التجويد الذين يقسمون الحروف إلى: مطبقة ومفتوحة، ومستعلية ومستفلة، ومجهورة ومهموسة، ومقلقلة، وحروف القلقلة مجموعة في قولك: (قطب جد)، فتقول: (حميد مجيد) بقلقلة الدال عندما تقف عليها، ولا تقل: (حميد مجيد) بغير قلقلة، بل لابد من قلقلتها، وكذلك قوله تعالى: (لأولي الألباب) أما ما سواها من الأحرف فلا تقلقل، وأما الحروف الخمسة فتقلقل استحباباً.
وفي نسخة مكان أصناف (أنصاف) ومعناها: أن نصف حروف الهجاء أربعة عشر حرفاً.
قال المؤلف رحمه الله تعالى عن الزمخشري: [وهذه الأجناس المعدودة مكثورة بالمذكورة منها، وقد علمت أن معظم الشيء وجله ينزل منزلة كله، ومن ههنا لخص بعضهم في هذا المقام كلاماً فقال: لا شك أن هذه الحروف لم ينزلها عبثاً ولا سدى، ومن قال من الجهلة: إن في القرآن ما هو تعبد لا معنى له بالكلية فقد أخطأ خطأً كبيراً].
جاء في نسخة (لحظ) بدل (لخص) ولعلها أقرب، يعني: لحظ هذا الملحظ.
قال: [فتعين أن لها معنى في نفس الأمر، فإن صح لنا فيها عن المعصوم شيء قلنا به، وإلا وقفنا حيث وقفنا وقلنا: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران:٧]].
والصواب أن لها معنى، لكن الله أعلم به، فإن صح به الخبر قلنا به، وإن لم يصح فلا، ولهذا لم يأت نص في تفسير هذه الحروف، فنقول: الله أعلم بمعناها.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولم يجمع العلماء فيها على شيء معين، وإنما اختلفوا، فمن ظهر له بعض الأقوال بدليل فعليه اتباعه، وإلا فالوقف حتى يتبين، هذا مقام.
المقام الآخر: في الحكمة التي اقتضت إيراد هذه الحروف].
أي: أن المقام الأول في بيان معناها، والصواب أن معناها لا يعلم، بل يوكل إلى الله .
والمقام الثاني: في بيان حكمة إيرادها في أوائل السور، والحكمة من إيرادها في أوائل السور -كما ينقل المؤلف ﵀ عن شيخ الإسلام ابن تيمية والمزي: بيان إعجاز القرآن، وأن القرآن معجز، مع أن القرآن نزل بلغة العرب بالحروف الهجائية الثمانية والعشرين، ومع ذلك عجزوا عن أن يعارضوه أو يأتوا بمثله أو بعشر سور من مثله أو بسورة، ولهذا يأتي بعد الحروف المقطعة الانتصار للقرآن في كل سورة والتنويه به وبيان إعجازه، كما قال تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ﴾ [إبراهيم:١]، والمعتزلة يقولون: الإنزال لا ينافي الخلق، فبعض الأشياء مخلوقة وهي منزلة، مثل قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد:٢٥] فالحديد منزل وهو مخلوق، ومثله نزول المطر، لكن العلماء بينوا الفرق بين الإنزالين، فقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ﴾ [الحديد:٢٥] الإنزال فيه مطلق، وأما إنزال المطر فهو إنزال مقيد بأنه من السماء، وأما القرآن فهو منزل من عند الله، كما في قوله: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ [السجدة:١٣]، وقوله تعالى: ﴿مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ﴾ [الأنعام:١١٤]، وقوله: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الزمر:١].
فالحاصل أن المعتزلة يقولون: إن جاء في القرآن أنه منزل فلا ينفي ذلك أنه مخلوق، فهو مخلوق ومنزل، كما أن الحديد مخلوق ومنزل، والمطر مخلوق ومنزل, والأنعام مخلوقة ومنزلة، فهذه شبهة للمعتزلة، لكن أجاب عنها أهل السنة ببيان الفرق بين إنزال القرآن وإنزال هذه الأشياء.
стр. 97
حكمة إيراد الحروف المقطعة في أوائل السور
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [المقام الآخر: في الحكمة التي اقتضت إيراد هذه الحروف في أوائل السور ما هي مع قطع النظر عن معانيها في أنفسها].
المقصود: أن معناها لا نعلمه، لكن ما الحكمة في إيرادها؟ فهذا مقام غير المقام الأول، فالمقام الأول مقام المعنى، وأسلم الأقوال وأصحها أن الله أعلم بمعناها.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فقال بعضهم: إنما ذكرت ليعرف بها أوائل السور، حكاه ابن جرير، وهذا ضعيف؛ لأن الفصل حاصل بدونها فيما لم تذكر فيه، وفيما ذكرت فيه البسملة تلاوة وكتابة].
أي أن الفصل معروف في السورة، حيث تنتهي وتبدأ السورة الأخرى بالبسملة، ما عدا سورة براءة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال آخرون: بل ابتدئ بها لتفتح لاستماعها أسماع المشركين؛ إذ تواصوا بالإعراض عن القرآن حتى إذا استمعوا له تلي عليهم المؤلف منه، حكاه ابن جرير أيضاً، وهو ضعيف أيضاً؛ لأنه لو كان كذلك لكان ذلك في جميع السور، لا يكون في بعضها، بل غالبها ليس كذلك، ولو كان كذلك -أيضاً- لانبغى الابتداء بها في أوائل الكلام معهم، سواء كان افتتاح سورة أو غير ذلك، ثم إن هذه السورة والتي تليها -أعني البقرة وآل عمران- مدنيتان ليستا خطاباً للمشركين، فانتقض ما ذكروه بهذه الوجوه.
وقال آخرون: بل إنما ذكرت هذه الحروف في أوائل السور التي ذكرت فيها بياناً لإعجاز القرآن وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله، هذا مع أنه مركب من هذه الحروف المقطعة التي يتخاطبون بها، وقد حكى هذا المذهب الرازي في تفسيره عن المبرد وجمع من المحققين، وحكى القرطبي عن الفراء وقطرب نحو هذا وقرره الزمخشري في كشافه ونصره أتم نصر، وإليه ذهب الشيخ الإمام العلامة أبو العباس ابن تيمية، وشيخنا الحافظ المجتهد أبو الحجاج المزي وحكاه لي عن ابن تيمية].
الصواب أن الحكمة من إيرادها بيان إعجاز القرآن، وأن هذا القرآن مؤلف من هذه الحروف الهجائية؛ لأنه نزل بلغة العرب المكونة من ثمانية وعشرين حرفاً، ومع ذلك فقد عجز البشر عن أن يأتوا بمثله، أو بعشر سور من مثله، أو بسورة من مثله، وهو من هذه الحروف الهجائية.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال الزمخشري: ولم ترد كلها مجموعة في أول القرآن، وإنما كررت ليكون أبلغ في التحدي والتبكيت كما كررت قصص كثيرة، وكرر التحدي بالصريح في أماكن.
قال: وجاء منها على حرف واحد كقوله: (ص، ن، ق)، وحرفين مثل: (حم)، وثلاثة مثل: (الم)، وأربعة مثل: (المر)، و (المص)، وخمسة مثل: (كهيعص، وحم عسق)؛ لأن أساليب كلامهم على هذا من الكلمات ما هو على حرف وعلى حرفين وعلى ثلاثة وعلى أربعة وعلى خمسة لا أكثر من ذلك.
قلت: ولهذا كل سورة افتتحت بالحروف فلا بد أن يذكر فيها الانتصار للقرآن].
هذا من الحافظ تأييد لما نقله عن شيخ الإسلام ابن تيمية وعدد من العلماء، فهو يؤيد كونها لبيان إعجاز القرآن؛ لأن كل سورة افتتحت بهذه الحروف يأتي بعدها الانتصار للقرآن.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولهذا كل سورة اقتتحت بالحروف فلابد أن يذكر فيها الانتصار للقرآن، وبيان إعجازه وعظمته، وهذا معلوم بالاستقراء، وهو الواقع في تسع وعشرين سورة، ولهذا يقول تعالى: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة:١ - ٢]، ﴿الم * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ * نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [آل عمران:١ - ٣]، ﴿المص * كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾ [الأعراف:١ - ٢]، ﴿الر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ [إبراهيم:١]، ﴿الم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [السجدة:١ - ٢]، ﴿حم * تَنزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [فصلت:١ - ٢]، ﴿حم * عسق * كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الشورى:١ - ٣]، وغير ذلك من الآيات الدالة على صحة ما ذهب إليه هؤلاء لمن أمعن النظر، والله أعلم].
وهذا التأييد للترجيح، فإن قيل: قوله تعالى: ﴿كهيعص * ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا * إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ [مريم:١ - ٣] لم نر فيه انتصاراً للقرآن وبيان إعجازه بعد الحروف المقطعة! قلنا: إن فيه تلويحاً بذكر القرآن، حيث قال: ﴿ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا﴾ [مريم:٢] يعني: في هذا القرآن.
والنص غير صريح على القرآن، لكن الله تعالى ذكر القصة في هذا القرآن، وهي قصة واقعة ومعروفة، ويتكلم بها الإنسان بأسلوبه، ومع ذلك يأتي القرآن بذكر القصة، والبشر لا يستطيعون أن يأتوا بمثل كلام الله حينما قص علينا هذه القصص.
стр. 98
بطلان دعوى دلالة الحروف المقطعة على الآجال والحوادث والفتن
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأما من زعم أنها دالة على معرفة المدد، وأنه يستخرج من ذلك أوقات الحوادث والفتن والملاحم فقد ادعى ما ليس له، وطار في غير مطاره].
صدق ﵀، فما هي علاقة المدد بالحروف حتى يجعل كل حرف يفيد كذا، فالألف كذا، واللام ثلاثين والميم أربعين؟! قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد ورد في ذلك حديث ضعيف، وهو مع ذلك أدل على بطلان هذا المسلك من التمسك به على صحته، وهو ما رواه محمد بن إسحاق بن يسار صاحب المغازي: حدثني الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: (مر أبو ياسر بن أخطب في رجال من يهود برسول الله ﷺ وهو يتلو فاتحة سورة البقرة ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة:١ - ٢] فأتى أخاه حيي بن أخطب في رجال من اليهود فقال: تعلمون والله لقد سمعت محمداً يتلو فيما أنزل الله تعالى عليه ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة:١ - ٢] فقال: أنت سمعته؟ قال: نعم.
قال: فمشى حيي بن أخطب في أولئك النفر من اليهود إلى رسول الله ﷺ ، فقالوا: يا محمد! ألم يذكر أنك تتلو فيما أنزل الله عليك: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة:١ - ٢]؟! فقال رسول الله ﷺ : بلى.
فقالوا: جاءك بهذا جبريل من عند الله؟ فقال: نعم.
قالوا: لقد بعث الله قبلك أنبياء ما نعلمه بين لنبي منهم ما مدة ملكه وما أجل أمته غيرك.
فقام حيي بن أخطب وأقبل على من كان معه فقال لهم: الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، فهذه إحدى وسبعون سنة، أفتدخلون في دين نبي إنما مدة ملكه وأجل أمته إحدى وسبعون سنة؟! ثم أقبل على رسول الله ﷺ فقال: يا محمد! هل مع هذا غيره؟ فقال: نعم.
قال: ماذاك؟ قال: ﴿المص﴾ [الأعراف:١]، قال: هذا أثقل وأطول: الألف واحد، واللام ثلاثون، والميم أربعون، والصاد تسعون، فهذه إحدى وثلاثون ومائة هل مع هذا -يا محمد- غيره؟! قال: نعم.
قال: ما ذاك؟ قال: ﴿المر﴾ [الرعد:١]، قال: هذا أثقل وأطول: الألف واحدة، واللام ثلاثون، والراء مائتان، فهذه إحدى وثلاثون ومائتا سنة.
فهل مع هذا -يا محمد- غيره؟ قال: نعم.
قال: ماذا؟ قال: ﴿المر﴾ [الرعد:١]، قال: هذه أثقل وأطول: الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، والراء مائتان، فهذه إحدى وسبعون ومائتان.
ثم قال: لقد لبس علينا أمرك -يا محمد- حتى ما ندري أقليلاً أعطيت أم كثيراً؟! ثم قال: قوموا عنه، ثم قال أبو ياسر لأخيه حيي بن أخطب ولمن معه من الأحبار: ما يدريكم لعله قد جمع هذا لمحمد كله إحدى وسبعون، وإحدى وثلاثون ومائة، وإحدى وثلاثون ومائتان، وإحدى وسبعون ومائتان، فذلك سبعمائة وأربع سنين.
فقالوا: لقد تشابه علينا أمره.
فيزعمون أن هؤلاء الآيات نزلت فيهم: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران:٧]).
فهذا الحديث مداره على محمد بن السائب الكلبي، وهو ممن لا يحتج بما انفرد به].
لأنه كذاب، والحديث باطل.
والمذكور في هذا الحديث هو ما كان يحسب به العدد من الحروف، حيث كانوا يجعلون كل حرف مثل رحماً عددياً معيناً، ولهذا يقال في تاريخ وفاة الشافعي: (در)، فالدال أربعة، والراء مائتان، فتكون وفاته في عام مائتين وأربعة.
وذكر العلماء وفاة الأئمة الأربعة بالطريقة الأبجدية، فقالوا: للشافعي (در)، و (رام) لـ ابن حنبل، و (طعق) لـ مالك، و (قان) لـ أبي حنيفة، ومعلوم أن هذه الأحرف تربط بها الوفيات، فإذا حفظت هذا البيت عرفت وفاة الأئمة الأربعة: فنعمان (قان) و (طعق) لمالك وللشافعي (در) و (رام) لابن حنبل ونعمان هو أبو حنيفة، فالقاف في (قان) بمائة، والألف بواحد، والنون بخمسين، فهو توفي سنه مائة وخمسين.
و (طعق) لـ مالك حيث توفي سنة مائة وست وسبعين.
وللشافعي (در) و (رام) لـ ابن حنبل، فهذه تضبط بها الوفيات.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم كان مقتضى هذا المسلك إن كان صحيحاً أن يحسب ما لكل حرف من الحروف الأربعة عشر التي ذكرناها].
فمقتضى هذا أن كل الحروف الأربعة عشر تحسب على هذه الطريقة، فكل حرف له مدة، فتزيد المدد فتكون مدداً كثيرة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وذلك يبلغ منه جملة كثيرة، وإن حسبت مع التكرر فأطم وأعظم، والله أعلم].
فأقول: هذا كلام لا وجه له، ورجم بالغيب ليس له مستند إلا هذا الحديث الباطل.
وهناك كتاب لشخص خرافي ذكر فيه أن علامات الساعة الكبرى تبدأ تقريباً عام ١٤٢٥هـ، وهذا من خرافاته، فإن علم الساعة وعلاماتها غيب لا يعلمه إلا الله تعالى، قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأعراف:١٨٧]، ولما سأل جبريل النبي ﷺ عن الساعة قال: (ما المسئول عنها بأعلم من السائل؟ قال: أخبرني عن أماراتها).
ومن بطلان هذا القول أن أشراط الساعة الكبرى ما ظهرت بعد.
стр. 99
الأسئلة
стр. 100
زمن نزول المسيح ﵇
السؤال
هل نزول المسيح ﵇ سيكون عام ٢٠٠٠م كما زعمت اليهود والنصارى؟
الجواب
هذا باطل -والله أعلم-؛ لأن نزول المسيح ﵇ إنما يكون بعد الدجال وبعد خروج المهدي الذي هو أول علامات الساعة الكبرى، وهو رجل من آل البيت من سلالة فاطمة وعلي ﵄، يوافق النبي ﷺ في اسمه، وكنيته أبو عبد الله، يملك الأرض، ويبايع له في آخر الزمان في وقت ليس للناس فيه إمام، ويملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً، في وقت تحصل للناس فيه الفتن في الشام، وتحصل حروب طاحنة بين النصارى والمسلمين، ويخرج له جيش من أهل المدينة، يقتل الثلث، ويهزم الثلث، وينتصر الثلث، فقال النبي ﷺ : (إني لأعرف أسماءهم، وأسماء آبائهم، وألوان خيولهم) وظاهره أنهم يقاتلون على الخيل.
وجاء في الحديث أنها تحصل هدنة بين المسلمين والنصارى، فيغدر النصارى ويأتون بجيش عظيم في ثمانين راية، تحت كل راية ثمانون ألفاً، وهذا ثابت في صحيح مسلم، وبعضه في الصحيحين.
ثم تفتح القسطنطينية في زمن المهدي، ويعلق الناس سيوفهم بالزيتون، ثم بعد ذلك يصيح الشيطان أن الدجال قد خرج، وهذه هي العلامة الثانية من علامات الساعة الكبرى.
ثم العلامة الثالثة: نزول عيسى ابن مريم، فيقتل الدجال، ثم العلامة الرابعة: خروج يأجوج ومأجوج في زمن عيسى، فينحاز الناس إلى جبل الطور، فيوحي الله إلى عيسى أن: حرز عبادي إلى جبل الطور ثم يهلكهم الله في ليلة واحدة، فهذه أربع علامات متوالية ومرتبة: المهدي، ثم الدجال، ثم عيسى، ثم يأجوج ومأجوج، ثم تتبعها بقية الأشراط، والله أعلم بترتيبها، لكن آخرها طلوع الشمس من مغربها وما يسبقها من علامات كخروج الدابة، وهدم الكعبة -والعياذ بالله-، ونزع القرآن من الصدور والمصاحف، والدخان الذي يملأ الأرض، ثم آخرها نار تخرج من قعر عدن تسوق الناس إلى المحشر، تبيت معهم حيث باتوا وتقيل معهم حيث قالوا، وتأتي الريح الطيبة فتقبض أرواح المؤمنين والمؤمنات، ثم تقوم الساعة على الكفرة.
والمهدي وردت فيه أحاديث كثيرة بعضها صحيح، وبعضها حسن، وبعضها موضوع، لكن وردت فيه أحاديث ثابتة في غير الصحيحين.
стр. 101
تفسير سورة البقرة الآية [٢]
جعل الله ﵎ كتابه الكريم في منزلة عالية رفيعة، فقد فصله بحكمته وأنزله بعلمه، لا تشوبه شائبة ريب ولا شك، ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا خلفه، وجعله مشتملاً على الهداية العظيمة التي ينتفع بها المتقون من عباده.
стр. 102
تفسير قوله تعالى: (ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين)
стр. 103
بيان المراد بقوله تعالى: (ذلك)
قال تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:٢].
قال المصنف ﵀: [قال ابن جريج: قال ابن عباس: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة:٢] أي: هذا الكتاب.
وكذا قال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والسدي ومقاتل بن حيان وزيد بن أسلم وابن جريج: أن (ذلك) بمعنى (هذا).
والعرب تعارض بين اسمي الإشارة].
الصواب (تعاوض)، أي: تجعل بعضها مكان بعض، فقوله: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة:٢] بمعنى: هذا الكتاب، فـ (ذلك): اسم إشارة للبعيد، و (هذا) اسم إشارة للقريب، ففسر هذا بهذا، فقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة:٢] أي: هذا الكتاب.
وفي نسخة مكان تعارض (تقارض)، وله وجه، أي: تنيب هذا عن هذا، وهو بمعنى (تعاوض)، فينوب بعضها عن بعض، مثل قول الشاعر: شربنا بماء البحر.
يعني: شربنا من ماء البحر، فالباء بمعنى (من).
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فيستعملون كلاً منهما مكان الآخر، وهذا معروف في كلامهم، وقد حكاه البخاري عن معمر بن المثنى عن أبي عبيدة].
(عن) هنا زائدة، فـ أبو عبيدة هو معمر بن المثنى، فاسمه: معمر بن المثنى، وكنيته: أبو عبيدة، هو اللغوي المعروف المشهور، حكى عنه هذه المسألة؛ لأنها مسألة تتعلق باللغة، وقد كان إماماً في اللغة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال الزمخشري: ذلك إشارة إلى ﴿الم﴾ [البقرة:١] كما قال تعالى: ﴿لا فَارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [البقرة:٦٨]، وقال تعالى: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة:١٠] وقال: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ﴾ [الأنعام:٩٥]، وأمثال ذلك مما أشير به إلى ما تقدم ذكره، والله أعلم.
وقد ذهب بعض المفسرين فيما حكاه القرطبي وغيره أن (ذلك) إشارة للقرآن الذي وعد الرسول ﷺ بإنزاله عليه، أو التوراة أو الإنجيل أو نحو ذلك في أقوال عشرة، وقد ضعف هذا المذهب كثيرون، والله أعلم.
والكتاب: القرآن، ومن قال: إن المراد بذلك الكتاب الإشارة إلى التوراة والإنجيل كما حكاه ابن جرير وغيره فقد أبعد النجعة، وأغرق في النزع، وتكلف ما لا علم به].
النُجعة -بالضم كما في القاموس- على غير القياس، فالقياس أن يقال: النَجعة -بالفتح- مثل ضَربة، وقَتلة، وأَثلة، يقال: ضرب ضربة، قتل قتلة، لكن هذا على خلاف القياس، فالنُجعة سماع.
стр. 104
بيان معنى قوله تعالى: (لا ريب فيه)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والريب: الشك، قال السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس ﵄ وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود ﵁ وعن أناس من أصحاب رسول الله ﷺ : ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة:٢]: لا شك فيه.
وقاله أبو الدرداء وابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وأبو مالك ونافع مولى ابن عمر وعطاء وأبو العالية والربيع بن أنس ومقاتل بن حيان والسدي وقتادة وإسماعيل بن أبي خالد، وقال ابن أبي حاتم: لا أعلم في هذا خلافاً].
قوله: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة:٢] يعني: هذا القرآن العظيم لا شك فيه ولا مرية فيه أنه منزل من عند الله على محمد ﷺ ، وأنه حق.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد يستعمل الريب في التهمة، قال جميل: بثينة قالت يا جميل أربتني فقلت كلانا يا بثين مريب] قولها: (أربتني): معناه: اتهمتني، فقال: كلانا متهم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [واستعمل أيضاً في الحاجة، كما قال بعضهم: قضينا من تهامة كل ريب وخيبر ثم أجممنا السيوفا].
يعني: كل حاجة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومعنى الكلام هنا أن هذا الكتاب -وهو القرآن- لا شك فيه أنه نزل من عند الله، كما قال تعالى في السجدة: ﴿الم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [السجدة:١ - ٢].
وقال بعضهم: هذا خبر ومعناه النهي، أي: لا ترتابوا فيه.
ومن القراء من يقف على قوله تعالى: ((لا رَيْبَ)) ويبتدئ بقوله تعالى: ﴿فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:٢]، والوقف على قوله تعالى: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة:٢] أولى للآية التي ذكرناها].
يعني آية (تنزيل) السجدة؛ لأن القرآن يفسر بعضه بعضاً، فمن القراء من يقف على الكتاب من قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:٢]، ويجعل لفظ: (فيه) تابعاً للجملة التي بعده، والأرجح أن معنى قوله تعالى: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ أي: لا شك فيه، كما في آية السجدة؛ لأن القرآن يفسر بعضه بعضاً.
والنفي الوارد في أسماء الله وصفاته يتضمن إثبات ضده من الكمال، فمثلاً: نفي الظلم في قوله: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩] يتضمن كمال العدل، فهو لا يظلم أحداً لكمال عدله.
وقوله: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥] لكمال حياته وقيوميته، وقوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣] لكمال عظمته وأنه أكبر من كل شيء، وهكذا، فكل نفي إنما يتضمن إثبات ضده من الكمال، أما النفي المحض فلا مدح فيه.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولأنه يصير قوله تعالى: ﴿هُدًى﴾ [البقرة:٢] صفة للقرآن، وذلك أبلغ من كون (فيه هدى).
و (هدى): يحتمل من حيث العربية أن يكون مرفوعاً على النعت ومنصوباً على الحال].
المؤلف رحمه الله تعالى رجح ما ذهب إليه بمرجحات منها: أولاً: أن الوقف على قوله: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة:٢] قد جاء في آية أخرى، بمعنى: لا شك فيه.
ثانياً: أن (هدىً) وصف للقرآن كله إذا ابتدأ نابه في قوله: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:٢] يعني: هو هدى للمتقين.
وقوله: [(وهدى) يحتمل من حيث العربية أن يكون مرفوعاً على النعت ومنصوباً على الحال] معناه أنه نعت للكتاب، أو منصوب على الحال.
стр. 105
بيان حقيقة المتقين وسبب اختصاصهم بالهداية
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وخصت الهداية للمتقين كما قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت:٤٤]، ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء:٨٢] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على اختصاص المؤمنين بالنفع بالقرآن؛ لأنه هو في نفسه هدى، ولكن لا يناله إلا الأبرار، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس:٥٧].
وقد قال السدي عن أبي مالك ووعن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وعن أناس من أصحاب رسول الله ﷺ : ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:٢] يعني: نوراً للمتقين.
وقال أبو روق عن الضحاك عن ابن عباس ﵄ قال: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:٢] قال: هم المؤمنون الذين يتقون الشرك بي ويعملون بطاعتي.
وقال محمد بن إسحاق عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت عن عكرمة أو سعيد بن جبير عن ابن عباس: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:٢] قال: الذين يحذرون من الله عقوبته في ترك ما يعرفون من الهدى، ويرجون رحمته في التصديق بما جاء به.
وقال سفيان الثوري: عن رجل عن الحسن البصري: قوله تعالى: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:٢] قال: اتقوا محارم الله عليهم وأدوا ما افترض عليهم.
وقال أبو بكر بن عياش: سألني الأعمش عن المتقين فأجبته، فقال لي: سل عنها الكلبي، فسألته فقال: الذين يجتنبون كبائر الإثم، قال: فرجعت إلى الأعمش فقال: يرى أنه كذلك، ولم ينكره.
وقال قتادة: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:٢]: هم الذين نعتهم الله بقوله: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة﴾ [البقرة:٣] الآية والتي بعدها، واختار ابن جرير أن الآية تعم ذلك كله، وهو كما قال].
وكل هذه الأقوال حق، وأصل التقوى: توحيد الله، وإخلاص الدين له، وأداء الفرائض، والامتناع عن المحارم، وإذا ارتكب المرء شيئاً من المحرمات أو قصر في شيء من الواجبات نقصت التقوى وضعفت، فالمؤمن يتقي الشرك، ويتقي الخلود في النار ولو كان عاصياً، ولكن إذا اتقى الشرك والمعاصي، وأدى ما أوجب الله عليه كملت التقوى فدخل الجنة من أول وهلة.
أما إذا اتقى الشرك ولم يتق الكبائر ومات عليها من غير توبة فقد اتقى خلود النار، وحينئذ قد يدخل النار تحت مشيئة الله وقد يعفى عنه.
وأما الهداية فالمراد بها هداية التوفيق والتسديد، خاصة هداية القلوب، أما هداية البيان والإرشاد والدلالة فهي حاصلة لكل البشر كما سيذكره المؤلف ﵀، فهداية الدلالة والإرشاد عامة لكل أحد حتى الكفار، وهذه لابد منها في قيام الحجة، فلا تقوم الحجة حتى تحصل هذه الهداية لكل أحد، قال تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ [فصلت:١٧] يعني: دللناهم، فهي هداية دلالة وإرشاد ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت:١٧] وهي المثبتة للنبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:٥٢].
أما هداية الإلهام والتوفيق والتسديد فهذه لا يقدر عليها إلا الله، وهذه قد نفاها الله عن نبيه في قوله: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص:٥٦] يعني: لا توفق ولا تلهم، ولا تجعله يقبل الحق ويرضى به، وهذه الآية نزلت تسلية للنبي ﷺ لما مات أبو طالب على الشرك، وقد حرص النبي ﷺ على هدايته، فأنزل الله: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦].
أما هداية الدلالة والإرشاد فقد قال سبحانه: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:٥٢] يعني: ترشد وتدل.
وقد ذكر الحافظ ابن كثير أقوال السلف في معنى قوله تعالى: ((هُدًى لِلْمُتَّقِينَ)) وهذا كله حق، فالسلف يفسرون الكلمات يفسرونها ببعض معناها، والمراد الجميع، فمن السلف من قال: هي كذا، ومنهم من قال: هي كذا، ففسرها بعض السلف ببعضها، مثل الذي يقول: أو التقوى: الصلاة، التقوى: الزكاة، ومن عادة السلف أنهم يفسرون الشيء ببعض معناه، والمراد الجميع.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد روى الترمذي وابن ماجه من رواية أبي عقيل عن عبد الله بن يزيد عن ربيعة بن يزيد وعطية بن قيس عن عطية السعدي قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس فيه حذراً مما به بأس) ثم قال الترمذي: حسن غريب].
قوله: [يدع ما لا بأس به] يعني: يترك ما ليس به بأس، يترك التوسع في المباحات حذراً من الوقوع في المحرمات، ولهذا فالسابقون المقربون يفعلون الواجبات والمستحبات، ويتركون المحرمات والمكروهات.
وهذا الحديث فيه عبد الله بن عقيل، وفي حفظه ضعف، قال الجوزجاني: عبد الله بن يزيد روى عنه ابن عقيل أحاديث منكرة.
لكن المعنى صحيح، وهو أن يترك العبد التوسع في المباحات خشية الوقوع في المكروهات أو في المحرمات.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا عبد الله بن عمران عن إسحاق بن سليمان - يعني الرازي - عن المغيرة بن مسلم عن ميمون أبي حمزة قال: كنت جالساً عند أبي وائل، فدخل علينا رجل يقال له: أبو عفيف من أصحاب معاذ ﵁، فقال له شقيق بن سلمة: يا أبا عفيف! ألا تحدثنا عن معاذ بن جبل؟ قال: بلى، سمعته يقول: (يحبس الناس يوم القيامة في بقيع واحد، فينادي مناد: أين المتقون؟ فيقومون في كنف من الرحمن لا يحتجب الله منهم ولا يستتر).
قلت: من المتقون؟ قال: قوم اتقوا الشرك وعبادة الأوثان، وأخلصوا لله العبادة فيمرون إلى الجنة].
وهذا الحديث تكلم فيه الشيخ مقبل فقال: أثر معاذ في سنده ميمون أبو حمزة الأعور، قال عبد الله عن أبيه: ضعيف الحديث، وقال مرة: متروك الحديث كما في تهذيب التهذيب.
стр. 106
أنواع الهداية وأصل التقوى
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويطلق الهدى ويراد به ما يقر في القلب من الإيمان، وهذا لا يقدر على خلقه في قلوب العباد إلا الله ].
وهداية التوفيق والتسديد والإلهام هي أن يقبل المرء الحق ويرضى به، وهذا لا يقدر عليه إلا الله.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال الله تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص:٥٦]، وقال: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾ [البقرة:٢٧٢]، وقال: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هَادِيَ لَهُ﴾ [الأعراف:١٨٦]، وقال: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف:١٧] إلى غير ذلك من الآيات].
ويطلق ويراد به بيان الحق وتوضيحه والدلالة عليه والإرشاد إليه، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:٥٢].
وقال: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرعد:٧]، وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت:١٧]، وقال: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد:١٠] على تفسير من قال: المراد بهما الخير والشر وهو الأرجح، والله أعلم.
وأصل التقوى: التوقي مما يكره؛ لأن أصلها (وقوى) من الوقاية، قال النابغة: سقط النصيف ولم ترد إسقاطه فتناولته واتقتنا باليد].
والنصيف: الخمار على رأسها.
والشاهد قوله: (واتقتنا)، أي: لما سقط نصيفها جعلت يدها وقاية تسترها عن الرجال.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال الآخر: فألقت قناعاً دونه الشمس واتقت بأحسن موصولين كف ومعصم].
الشاهد قوله: (واتقت)، وأن التقوى معناها الوقاية، وهي أن يجعل الإنسان بينه وبين الشيء ساتراً.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد قيل: إن عمر بن الخطاب ﵁ سأل أبي بن كعب عن التقوى فقال له: أما سلكت طريقاً ذا شوك؟! قال: بلى.
قال: فما عملت؟ قال: شمرت واجتهدت.
قال: فذلك التقوى].
هذا هو الطريق الحسي، وذاك الطريق المعنوي، فكما أن الإنسان في الطريق الحسي يتوقى الشوك، فكذلك هنا في الطريق المعنوي -الذي هو الصراط المستقيم- يتوقى الشرك والمعاصي.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد أخذ هذا المعنى ابن المعتز فقال: خل الذنوب صغيرها وكبيرها ذاك التقى واصنع كماش فوق أر ض الشوك يحذر ما يرى لا تحقرن صغيرة إن الجبال من الحصى] يعني: لا تحتقر المعاصي؛ فإنها تتجمع حتى تهلك الإنسان، فالجبل أصله الحصى تجمعت حتى صارت جبلاً، فكذلك المعاصي تتجمع حتى تهلك الإنسان.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأنشد أبو الدرداء يوماً: يريد المرء أن يؤتى مناه ويأبى الله إلا ما أرادا يقول المرء فائدتي ومالي وتقوى الله أفضل ما استفادا وفي سنن ابن ماجه عن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ما استفاد المرء بعد تقوى الله خيراً من زوجة صالحة، إن نظر إليها سرته، وإن أمرها أطاعته، وإن أقسم عليها أبرته، وإن غاب عنها نصحته في نفسها وماله)].
في هذا الحديث لفظة: (نصحته) والظاهر: (حفظته في نفسها وماله)، وهذا هو الأقرب، والحديث يدل على هذا، قال الشيخ مقبل في تخريجه: رواه ابن ماجه، وفي سنده علي بن يزيد، وهو الألهاني، متروك.
لكن معناه صحيح، فقد جاء ما يدل عليه، كقوله تعالى: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ [النساء:٣٤]، وقد جاء ما يدل على هذا المعنى في أحاديث أخرى.
стр. 107
تفسير سورة البقرة الآية [٣]
للإيمان أركان وللمؤمنين صفات، ومن ذلك الإيمان بالغيب، المشتمل على الإيمان بالله تعالى وملائكته واليوم الآخر ونحو ذلك، وهذه الصفة التي يتميز بها المؤمنون هي من أعظم ما يمدحون عليه، بل قد تعرض النبي ﷺ لبيان فضيلة أناس من أمته آمنوا بما جاء به ولم يروه، كما أن من صفات المؤمنين إقامة الصلاة والإنفاق في وجوه الخير المشروعة.
стр. 108
تفسير قوله تعالى: (الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة)
стр. 109
معنى الإيمان عند أهل السنة وغيرهم
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [البقرة:٣].
قال المؤلف ﵀: [قال أبو جعفر الرازي عن العلاء بن المسيب بن رافع عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله قال: الإيمان التصديق.
وقال علي بن أبي طلحة وغيره عن ابن عباس ﵄: ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة:٣]: يصدقون.
وقال معمر عن الزهري: الإيمان: العمل.
وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس: ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة:٣]: يخشون.
قال ابن جرير: والأولى أن يكونوا موصوفين بالإيمان بالغيب قولاً واعتقاداً وعملاً، وقد تدخل الخشية لله في معنى الإيمان الذي هو تصديق القول بالعمل].
الحق كما قال ابن جرير ﵀، وهو الإيمان يشمل القول والعمل والاعتقاد.
وأصل الإيمان هو التصديق بالقلب، ثم يتبعه العمل، وخلاصته الخشية لله ، فالإيمان أصله التصديق، ويدخل فيه قول القلب وهو التصديق، وعمل القلب، وهو النية والإخلاص، وعمل الجوارح، وأقوال اللسان، وهذا هو الذي عليه أهل السنة والجماعة، أي: أن الإيمان قول باللسان، وتصديق بالقلب، وعمل بالقلب والجوارح، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، كما قال ابن جرير رحمة الله عليه: الإيمان قول واعتقاد وعمل، فلهذا يقال: الإيمان عمل ونية، فعمل القلب: النية والإخلاص والصدق والمحبة والرغبة والرهبة، وعمل الجوارح معلوم، وأقوال اللسان والقلب كل ذلك داخل في مسمى الإيمان، خلافاً للمرجئة القائلين بأن الإيمان هو تصديق القلب، وأما الأعمال فيخرجونها من مسمى الإيمان، وهذا غلط، وقد قال بهذا المرجئة المحضة، وهم الجهمية، وقال به مرجئة الفقهاء، وهم أبو حنيفة وأصحابه من أهل الكوفة، فأهل الكوفة قالوا: الإيمان التصديق، والعمل لا يدخل في مسمى الإيمان، لكنه مطلوب.
وقال أهل السنة والجماعة قاطبة ما عدا مرجئة الفقهاء: الإيمان التصديق والعمل، وكلاهما داخل في مسمى الإيمان، وكلاهما واجب.
وقال الأحناف: العمل واجب آخر، فالإيمان شيء والعمل شيء آخر، وكلاهما واجبان.
وأما المرجئة المحضة وهم الجهمية فيقولون: إذا عرف الإنسان ربه بقلبه كفى.
وهذا من أبطل الباطل، فهم ما قالوا: الإيمان التصديق، وإنما قالوا: الإيمان المعرفة، وعلى هذا ألزمهم أهل السنة والجماعة بأنه يدخل جميع الكفرة المعترفين بهذا في الإيمان، فإبليس عارف بربه، وفرعون عارف بربه، واليهود عارفون بربهم، وأبو طالب عارف بربه، وهؤلاء كفار بالإجماع، نسأل الله السلامة والعافية.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال: وقد تدخل الخشية لله في معنى الإيمان الذي هو تصديق القول بالعمل، والإيمان كلمة جامعة للإيمان بالله وكتبه ورسله وتصديق الإقرار بالفعل.
قلت: أما الإيمان في اللغة فيطلق على التصديق المحض، وقد يستعمل في القرآن والمراد به ذلك، كما قال تعالى: ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة:٦١]، وكما قال إخوة يوسف لأبيهم: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ [يوسف:١٧].
وكذلك إذا استعمل مقروناً مع الأعمال، كقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [الشعراء:٢٢٧]، فأما إذا استعمل مطلقاً فالإيمان الشرعي المطلوب لا يكون إلا اعتقاداً وقولاً وعملاً، هكذا ذهب إليه أكثر الأئمة، بل قد حكاه الشافعي وأحمد بن حنبل وأبو عبيد وغير واحد إجماعاً].
أبو عبيد هو القاسم بن سلام الفقيه صاحب كتاب (الأموال)، وأما أبو عبيدة -بالتاء- فهو معمر بن المثنى اللغوي المعروف.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [بل قد حكاه الشافعي وأحمد بن حنبل وأبو عبيد وغير واحد إجماعاً: أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص].
وهذا هو الذي عليه عامة أهل السنة، وهو الصواب، وإن كان الإيمان أصله في اللغة التصديق، لكن الإيمان الشرعي لابد فيه من أعمال القلوب والجوارح مع اعتقاد القلب وتصديقه وإقراره واعترافه، وهو يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد ورد فيه آثار كثيرة وأحاديث أفردنا الكلام فيها في أول شرح البخاري، ولله الحمد والمنة].
الحافظ ابن كثير ﵀ له شرح على البخاري، وما أدري هل وجد منه شيء أم لا.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومنهم من فسره بالخشية، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ [الأنبياء:٤٩].
وقوله: ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ [ق:٣٣].
والخشية: خلاصة الإيمان والعلم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨].
وقال بعضهم: يؤمنون بالغيب كما يؤمنون بالشهادة، وليسوا كما قال تعالى عن المنافقين: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة:١٤].
وقال: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون:١].
فعلى هذا يكون قوله: (بالغيب) حالاً، أي: في حال كونهم غُيَّباً عن الناس].
الخشية هي: خوف مع علم، فهي أبلغ من الخوف، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨]؛ لأن الخشية الكاملة تكون للعلماء، وإلا فكل مؤمن يخاف الله عنده أصل الخشية، والخشية الكاملة هي خشية العلماء، وفي مقدمة العلماء الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام.
стр. 110
بيان معنى قوله تعالى: (يؤمنون بالغيب)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأما الغيب المراد هاهنا فقد اختلفت عبارات السلف فيه، وكلها صحيحة ترجع إلى أن الجميع مراد، قال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية في قوله تعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة:٣]، قال: يؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وجنته وناره ولقائه، ويؤمنون بالحياة بعد الموت وبالبعث، فهذا غيب كله، وكذا قال قتادة بن دعامة.
وقال السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وعن أناس من أصحاب النبي ﷺ : أما الغيب فما غاب عن العباد من أمر الجنة وأمر النار وما ذكر في القرآن.
وقال محمد بن إسحاق عن محمد بن أبي محمد عن عكرمة -أو عن سعيد بن جبير - عن ابن عباس: ﴿بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة:٣] قال: بما جاء منه.
يعني: من الله تعالى.
وقال سفيان الثوري عن عاصم عن زر قال: الغيب القرآن.
وقال عطاء بن أبي رباح: من آمن بالله فقد آمن بالغيب.
وقال إسماعيل بن أبي خالد: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة:٣] قال: بغيب الإسلام].
وهذه الألفاظ كلها مرادة، فالغيب: ما لم يشاهده الإنسان، والمؤمن يؤمن بما أخبر الله به في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ من أمر الغيب، فيؤمن بالله وبالملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر والقدر خيره وشره، والبعث بعد الموت، والجنة والنار، وبما أخبر به النبي ﷺ من أشراط الساعة مما يكون في آخر الزمان، وبما يكون في القيامة من الحشر والنشر والحساب والصراط والميزان والحوض، فكل هذا داخل في الإيمان بالغيب.
وقوله: (بغيب الإسلام) ظاهره أنه ما أخبر به الإسلام من أمور الغيب وما أخبر به النبي ﷺ ، أو جاء في كتاب الله من أمور الغيب.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال زيد بن أسلم: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة:٣] قال: بالقدر.
فكل هذه متقاربة في معنى واحد].
وكلها حق وأمر مطلوب، ولكن عادة السلف ﵏ أنهم يفسرون الكلام ببعض معناه، والمراد به الكل.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فكل هذه متقاربة في معنى واحد؛ لأن جميع هذه المذكورات من الغيب الذي يجب الإيمان به.
وقال سعيد بن منصور: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن عمارة بن عمير عن عبد الرحمن بن يزيد قال: كنا عند عبد الله بن مسعود ﵁ جلوساً، فذكرنا أصحاب النبي ﷺ وما سبقونا به، فقال عبد الله: إن أمر محمد ﷺ كان بيناً لمن رآه، والذي لا إله غيره ما آمن أحد قط إيماناً أفضل من إيمانه بغيب، ثم قرأ: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة:١ - ٣] إلى قوله: ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة:٥].
وهكذا رواه ابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم في مستدركه من طرق عن الأعمش به، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
وفي معنى هذا الحديث الذي رواه أحمد: حدثنا أبو المغيرة أنبأنا الأوزاعي حدثني أسيد بن عبد الرحمن عن خالد بن دريك عن ابن محيريز قال: قلت لـ أبي جمعة: حدثنا حديثاً سمعته من رسول الله ﷺ .
قال: نعم، أحدثك حديثاً جيداً: (تغدينا مع رسول الله ﷺ ومعنا أبو عبيدة بن الجراح، فقال: يا رسول الله! هل أحد خير منا أسلمنا ومعك وجاهدنا معك؟ قال: نعم، قوم من بعدكم يؤمنون بي ولم يروني).
طريق أخرى: قال أبو بكر بن مردويه في تفسيره: حدثنا عبد الله بن جعفر حدثنا إسماعيل بن عبد الله بن مسعود حدثنا عبد الله بن صالح حدثنا معاوية بن صالح عن صالح بن جبير قال: (قدم علينا أبو جمعة الأنصاري صاحب رسول الله ﷺ ببيت المقدس يصلي فيه، ومعنا يومئذ رجاء بن حيوة، فلما انصرف خرجنا نشيعه، فلما أراد الانصراف قال: إن لكم جائزة وحقاً، أحدثكم بحديث سمعته من رسول الله ﷺ .
قلنا: هات رحمك الله، قال: كنا مع رسول الله ﷺ ومعنا معاذ بن جبل عاشر عشرة، فقلنا: يا رسول الله! هل من قوم أعظم منا أجراً آمنا بالله واتبعناك؟ قال: ما يمنعكم من ذلك ورسول الله بين أظهركم يأتيكم بالوحي من السماء، بل قوم بعدكم يأتيهم كتاب من بين لوحين يؤمنون به ويعملون بما فيه، أولئك أعظم منكم أجراً مرتين)].
إن صح هذا الحديث فإن هذه تكون فضيلة خاصة، فهم أفضل من جهة الإيمان بالغيب، وهذا مثل حديث القابض على دينه كالقابض على الجمر، فإن فيه (للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عملكم، فقالوا: يا رسول الله! أجر خمسين منا أو منهم؟ قال: بل أجر خمسين منكم).
فيكون له أجر خمسين من جهة صبره على الدين وتحمله مع كثرة المنكرات وعدم المعين على ذلك، ولا يدل هذا على أنه أفضل من الصحابة، فهم أفضل الناس بعد الأنبياء، قال ﵊: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم).
فالقاعدة تقول: الفضيلة الخاصة لا تقضي على الفضائل العامة، فهذه فضيلة خاصة في هؤلاء، وفضيلة لمن آمن بالغيب، لكنها لا تقضي على الفضائل العامة، فالصحابة أفضل الناس، فالصحبة لها مزية، وكذلك الجهاد مع رسول الله ﷺ ، وتبليغ الدين، والسبق إلى الإيمان، والهجرة، والجهاد، فهذه أعمال عظيمة لا يلحقهم فيها من بعدهم، ولهذا قال فإن بعض السلف قيل له: أيهما أفضل معاوية بن أبي سفيان أو عمر بن عبد العزيز؟ فقال: إن الغبار الذي دخل في أنف معاوية من جهاده مع رسول الله خير من عمر بن عبد العزيز وعدله.
فالمقصود من هذا أن مزية الصحبة والسبق إلى الهجرة والجهاد لا يلحق الصحابة فيها أحد بعدهم، وإن كان من بعدهم قد يكون له فضيلة ومزية خاصة؛ لكنها لا تقضي على الفضائل العامة، فهذه قاعدة.
وكذلك الفضائل التي تكون للأنبياء، فقد قال ﷺ : (الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أول من يفيق، فإذا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور).
يعني أن هذه منقبة لموسى، أي: هل لم يصعق، أم أنه صعق وأفاق قبل النبي ﷺ ، فهذه مزية، لكنها لا تدل على أنه أفضل من النبي ﷺ .
ومثل ما ورد في الحديث الصحيح: (أن الناس يحشرون يوم القيامة حفاة عراة، وأول من يكسى يوم القيامة إبراهيم) ﵊، فهذه مزية له، لكنها لا تدل على أنه أفضل من نبينا ﷺ ؛ لأن هذه مزية خاصة، والمزايا العامة تكون للفاضل.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم رواه من حديث ضمرة بن ربيعة عن مرزوق بن نافع عن صالح بن جبير عن أبي جمعة بنحوه.
وهذا الحديث فيه دلالة على العمل بالوجادة التي اختلف فيها أهل الحديث].
الوجادة: هي أن يجد إنسان كتاباً فيه مرويات محدث فيرويها عنه، فهل ذلك حجة أم ليس بحجة؟ فلو قال صاحب الكتاب: يروي عني من أخذ هذا الكتاب صار هذا الفعل إجازة، لكن المراد هنا إذا وجد كتاباً فيه مرويات محدث ثم روى عنه، فهل هو حجة أو ليس بحجة؟ في ذلك خلاف بين أهل العلم، وهذا الحديث فيه العمل بالوجادة؛ لأنه لما سأل الصحابة النبي ﷺ -إن صح الحديث- عمن هم أعظم منهم إيماناً قال: (قوم بعدكم يأتيهم كتاب من بين لوحين يؤمنون به ويعملون بما فيه).
فقوله: (يأتيهم كتاب بين لوحين) هذه هي الوجادة، يعني: يجدون القرآن والسنة ويؤمنون بهما، فهذا حجة لمن قال بالعمل بالوجادة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهذا الحديث فيه دلالة على العمل بالوجادة التي اختلف فيها أهل الحديث كما قررته في أول شرح البخاري؛ لأنه مدحهم على ذلك، وذكر أنهم أعظم أجراً من هذه الحيثية لا مطلقاً، وكذا الحديث الآخر الذي رواه الحسن بن عرفة العبدي: حدثنا إسماعيل بن عياش الحمصي عن المغيرة بن قيس التميمي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : (أي الخلق أعجب إليكم إيماناً؟ قالوا: الملائكة، قال: ومالهم لا يؤمنون وهم عند ربهم؟! قالوا: فالنبيون، قال: ومالهم لا يؤمنون والوحي ينزل عليهم؟! قالوا: فنحن، قال: ومالكم لا تؤمنون وأنا بين أظهركم؟! قال: فقال رسول الله ﷺ : ألا إن أعجب الخلق إلي إيماناً لقوم يكونون من بعدكم يجدون صحفاً فيها كتاب يؤمنون بما فيها).
قال أبو حاتم الرازي: المغيرة بن قيس البصري منكر الحديث.
قلت: ولكن قد روى أبو يعلى في مسنده، وابن مردويه في تفسيره، والحاكم في مستدركه من حديث محمد
следующие страницы →