Полный текст (873 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
ذكر الأقوال الواردة في معنى قوله تعالى: (إلا على الخاشعين)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس: يعني المصدقين بما أنزل الله، وقال مجاهد: المؤمنين حقاً، وقال أبو العالية: (إلا على الخاشعين): الخائفين، وقال مقاتل بن حيان: (إلا على الخاشعين) يعني به: المتواضعين، وقال الضحاك: (وإنها لكبيرة) قال: إنها لثقيلة إلا على الخاضعين لطاعته، الخائفين سطوته، المصدقين بوعده ووعيده، وهذا يشبه ما جاء في الحديث: (لقد سألت عن عظيم وإنه ليسير على من يسره الله عليه).
وقال ابن جرير: معنى الآية: واستعينوا أيها الأحبار من أهل الكتاب! بحبس أنفسكم على طاعة الله، وبإقامة الصلاة المانعة من الفحشاء والمنكر، المقربة من رضا الله، العظيمة إقامتها إلا على الخاشعين، أي: المتواضعين المستكينين لطاعته، المتذللين من مخافته.
هكذا قال، والظاهر أن الآية وإن كانت خطاباً في سياق إنذار بني إسرائيل فإنهم لم يقصدوا بها على سبيل التخصيص، وإنما هي عامة لهم ولغيرهم، والله أعلم].
فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فما كان تحذيراً لبني إسرائيل فهو تحذير لهذه الأمة، كما قال بعض السلف: مضى القوم ولم يعن به سواكم.
فبنو إسرائيل قد مضوا، والمعني هو هذه الأمة.
стр. 247
تفسير قوله تعالى: (الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم)
قال الله تعالى: [وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة:٤٦].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [هذا من تمام الكلام الذي قبله، أي: إن الصلاة أو الوصاية لثقيلة (إلا على الخاشعين الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم) أي: يعلمون أنهم محشورون إليه يوم القيامة معروضون عليه، (وأنهم إليه راجعون) أي أمورهم راجعة إلى مشيئته يحكم فيها ما يشاء بعدله، فلهذا لما أيقنوا بالمعاد والجزاء سهل عليهم فعل الطاعات وترك المنكرات.
فأما قوله: ﴿يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ﴾ [البقرة:٤٦]، قال ابن جرير ﵀: العرب قد تسمي اليقين ظنا والشك ظناً نظير تسميتهم الظلمة سدفة، والضياء سدفة، والمغيث صارخاً والمستغيث صارخاً].
هذه من الأضداد، وهي الألفاظ التي تطلق على الشيء وضده، كتسمية الصحراء مفازة وهي مهلكة، ولكن سميت مفازة تفاؤلاً بالسلامة، وكما سمى اللديغ سليماً تفاؤلاً له بالسلامة، وهكذا فالظن المراد به اليقين، ((الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ)) يعني: يتيقنون؛ لأن من شك في ملاقاة الله فقد كفر وليس المراد هذا، وإنما المراد اليقين، ويأتي في كثير من المواضع الظن بمعنى اليقين.
قال المؤلف ﵀: [وما أشبه ذلك من الأسماء التي يسمى بها الشيء وضده، كما قال دريد بن الصمة: فقلت لهم ظنوا بألفي مدجج سراتهمُ في الفارسي المسرد] ومعناه تيقنوا بألفي مدجج، وهذا تهديد لهم، سراتهم يعني: أسراهم, فليس المراد شكوا، بل المراد: تيقنوا، فأطلق الظن وأراد به اليقين، وكذلك في الآية المراد بالظن اليقين.
قال المؤلف ﵀: [يعني بذلك: تيقنوا بألفي مدجج يأتيكم.
وقال عمير بن طارق: فإن يعبروا قومي وأقعد فيكم وأجعل مني الظن غيباً مرجّما يعني: وأجعل مني اليقين غيباً مرجماً، قال: والشواهد من أشعار العرب وكلامها على أن الظن في معنى اليقين أكثر من أن تحصر.
وفيما ذكرنا لمن وفق لفهمه كفاية، ومنه قول الله تعالى: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا﴾ [الكهف:٥٣]].
أي: أنهم لما رأوها وهم قد عملوا أعمالهم الخبيثة تيقنوا أنهم واردون عليها وملاقوها.
قال المؤلف ﵀: [ثم قال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار حدثنا أبو عاصم حدثنا سفيان عن جابر عن مجاهد: كل ظن في القرآن يقين، أي: ظننت وظنوا.
وحدثني المثنى حدثنا إسحاق حدثنا أبو داود الجبري عن سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: كل ظن في القرآن فهو علم.
وهذا سند صحيح].
ومن الأمثلة على ذلك قوله تعالى: ﴿إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٠] يعني: تيقنت: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾ [الحاقة:٢١ - ٢٢].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية في قوله تعالى: ((الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ)) قال: الظن هنا يقين، قال ابن أبي حاتم: وروي عن مجاهد والسدي والربيع بن أنس وقتادة نحو قول أبي العالية، وقال سنيد عن حجاج عن ابن جريج: ((الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ)): علموا أنهم ملاقوا ربهم، كقوله: ﴿إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٠] يقول: علمت، وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.
قلت: وفي الصحيح أن الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة: (ألم أزوجك؟ ألم أكرمك؟ ألم أسخر لك الخيل والإبل وأذرك ترأس وتربع؟ فيقول: بلى، فيقول الله تعالى: أظننت أنك ملاقي؟ فيقول: لا، فيقول الله تعالى: اليوم أنساك كما نسيتني)].
فقوله: (أظننت أنك ملاقي؟) أي: أتيقنت أنك ملاقي؟ وهذا هو الشاهد.
وقوله: (اليوم أنساك كما نسيتني) المراد بالنسيان الأول تركه في النار والإعراض عنه، والنسيان الثاني المراد به ترك أوامر الله وارتكاب نواهيه، وهذا مثل قوله تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر:١٩] يعني: نسوا أوامره ونواهيه، (فنسيهم) يعني: عاملهم معاملة المنسي، فأعرض عنهم، وتركهم في النار ولم يبالِ بهم.
قال المؤلف ﵀: [وسيأتي مبسوطاً عند قوله تعالى ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة:٦٧] إن شاء الله تعالى].
стр. 248
تفسير قوله تعالى: (يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين)
قال تعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة:٤٧].
قال المؤلف ﵀: [يذكرهم تعالى بسالف نعمه على آبائهم وأسلافهم وما كان فضلهم به من إرسال الرسل منهم، وإنزال الكتب عليهم وعلى سائر الأمم من أهل زمانهم، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الدخان:٣٢]، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة:٢٠] قال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية في قوله تعالى: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة:٤٧]، قال: بما أعطوا من الملك والرسل والكتب على عالم من كان في ذلك الزمان].
فالمراد بالعالمين عالم زمانهم؛ لأن هذه الأمة أفضل منهم، قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠]، فالمراد: على عالم زمانهم، هذا هو الصحيح؛ لأن بني إسرائيل أفضل الناس في زمانهم، فقد أرسل الله منهم رسلاً، وأنزل عليهم كتباً، فهم أفضل الناس، ثم جاءت هذه الأمة فكانت أفضل منهم.
قال المؤلف ﵀: [فإن لكل زمان عالماً، وروي عن مجاهد والربيع بن أنس وقتادة وإسماعيل بن أبي خالد نحو ذلك، ويجب الحمل على هذا؛ لأن هذه الأمة أفضل منهم؛ لقوله تعالى خطابا لهذه الأمة: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [آل عمران:١١٠].
وفي المسانيد والسنن عن معاوية بن حيدة القشيري قال: قال رسول الله ﷺ : (أنتم توفون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله)، والأحاديث في هذا كثيرة تذكر عند قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠].
وقيل: المراد تفضيل بنوع ما من الفضل على سائر الناس ولا يلزم تفضيلهم مطلقاً، حكاه الرازي وفيه نظر، وقيل: إنهم فضلوا على سائر الأمم؛ لاشتمال أمتهم على الأنبياء منهم، حكاه القرطبي في تفسيره وفيه نظر؛ لأن العالمين عام يشمل من قبلهم ومن بعدهم من الأنبياء، فإبراهيم الخليل قبلهم وهو أفضل من سائر أنبيائهم، ومحمد بعدهم وهو أفضل من جميع الخلق وسيد ولد آدم في الدنيا والآخرة صلوات الله وسلامه عليه].
стр. 249
تفسير قوله تعالى: (واتقوا يوماً لا تجزي نفس عن نفس شيئاً)
قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنصَرُونَ﴾ [البقرة:٤٨].
قال المؤلف ﵀: [لما ذكرهم تعالى بنعمه أولاً عطف على ذلك التحذير من طول نقمه بهم يوم القيامة، فقال: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا﴾ [البقرة:٤٨] يعني: يوم القيامة ﴿لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة:٤٨] أي: لا يغني أحد عن أحد، كما قال: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤]، وقال: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس:٣٧]، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا﴾ [لقمان:٣٣]، فهذا أبلغ المقامات: أن كلاً من الوالد وولده لا يغني أحدهما عن الآخر شيئاً، وقوله تعالى: ﴿وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة:٤٨] يعني: من الكافرين كما قال: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر:٤٨]، وكما قال عن أهل النار: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ * وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء:١٠٠ - ١٠١].
وقوله تعالى: ﴿وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ [البقرة:٤٨] أي: لا يقبل منها فداء، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ﴾ [آل عمران:٩١]، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المائدة:٣٦]، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْهَا﴾ [الأنعام:٧٠]، وقال: ﴿فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ﴾ [الحديد:١٥] الآية، فأخبر تعالى أنهم إن لم يؤمنوا برسوله ويتابعوه على ما بعثه به ووافوا الله يوم القيامة على ما هم عليه فإنه لا ينفعهم قرابة قريب، ولا شفاعة ذي جاه، ولا يقبل منهم فداء ولو بملء الأرض ذهباً، كما قال تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة:٢٥٤]، وقال: ﴿لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ﴾ [إبراهيم:٣١].
قال سنيد: حدثني حجاج حدثني ابن جريج قال: قال مجاهد: قال ابن عباس: ﴿وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ [البقرة:٤٨] قال: بدل، والبدل: الفدية، وقال السدي: أما عدل فيعدلها من العدل يقول: لو جاءت بملء الأرض ذهبا تفتدي به ما تقبل منها.
وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية في قوله: ﴿وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ [البقرة:١٢٣]، يعني: فداء.
قال ابن أبي حاتم: وروي عن أبي مالك والحسن وسعيد بن جبير وقتادة والربيع بن أنس نحو ذلك.
وقال عبد الرزاق: أنبأنا الثوري عن الأعمش عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن علي ﵁ في حديث طويل قال: والصرف والعدل: التطوع والفريضة].
وهذا من باب الوعيد نسأل الله العافية.
قال المؤلف ﵀: [وكذا قال الوليد بن مسلم عن عثمان بن أبي العاتكة عن عمير بن هانئ، وهذا القول غريب هاهنا، والقول الأول أظهر في تفسير هذه الآية.
وقد ورد حديث يقويه وهو ما قال ابن جرير: حدثني نجيح بن إبراهيم حدثنا علي بن حكيم حدثنا حميد بن عبد الرحمن عن أبيه عن عمرو بن قيس الملائي عن رجل من بني أمية من أهل الشام أحسن عليه الثناء قال: قيل: يا رسول الله! ما العدل؟ قال: (العدل الفدية)].
السند فيه مجهول، والصواب القول الأول: أن المراد بالعدل الفداء، وهو مأخوذ من المفاداة، أي: مهما افتدى ولو بملء الأرض ذهباً ما قبل منه إذا كان كافراً وأعماله سيئة، ﴿وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة:١٢٣]، فليس هناك إلا الأعمال الصالحة أو الأعمال السيئة، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧ - ٨]، فالذي عمله سيء لا يفيده شيء لو فدى نفسه بملء الأرض ذهباً، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [المائدة:٣٦ - ٣٧].
قال المؤلف ﵀: [وقوله تعالى: ﴿وَلا هُمْ يُنصَرُونَ﴾ [البقرة:٤٨] أي: ولا أحد يغضب لهم فينصرهم وينقذهم من عذاب الله، كما تقدم من أنه لا يعطف عليهم ذو قرابة ولا ذو جاه، ولا يقبل منهم فداء، هذا كله من جانب التلطف، ولا لهم ناصر من أنفسهم ولا من غيرهم، كما قال: ﴿فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا نَاصِرٍ﴾ [الطارق:١٠] أي: أنه تعالى لا يقبل فيمن كفر به فدية ولا شفاعة، ولا ينقذ أحداً من عذابه منقذ، ولا يخلص منه أحد، ولا يجير منه أحد، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ﴾ [المؤمنون:٨٨]، وقال: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ [الفجر:٢٥ - ٢٦]، وقال: ﴿مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ * بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ [الصافات:٢٥ - ٢٦]، وقال: ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ﴾ [الأحقاف:٢٨] الآية.
وقال الضحاك عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ﴾ [الصافات:٢٥]: مالكم اليوم لا تمانعون منا؟! هيهات ليس ذلك لكم اليوم].
فقوله: لا تمانعون يعني: لا تستطيعون أن تدافعوا عن أنفسكم، أو تردوا عنكم العذاب وتمتنعوا منه.
قال المؤلف ﵀: [قال ابن جرير: وتأويل قوله: ﴿وَلا هُمْ يُنصَرُونَ﴾ [البقرة:٤٨] يعني: أنهم يومئذ لا ينصرهم ناصر، كما لا يشفع لهم شافع، ولا يقبل منهم عدل ولا فدية، بطلت هنالك المحاباة، واضمحلت الرشى والشفاعات].
الرُّشى جمع رشوة، ولا وجود للرشوة في الآخرة، فالرشوة موجودة في الدنيا، فبعضهم يدفعون رشوة ويسلمون من العقوبة ومن العذاب، لكن في الآخرة لا وجود لها إطلاقاً.
فالرشى بالضم جمع رشوة، وهي المال الذي يدفعه الإنسان ليفتدي به، أو يتزلف به حتى يحصل على شيء أو يدفع عنه شيء، والرشى بالكسر الحبل الذي يدلى به في البئر، والرشى بالفتح ولد الغزال.
قال المؤلف ﵀: [وارتفع من القوم التناصر والتعاون، وصار الحكم إلى الجبار العدل الذي لا ينفع لديه الشفعاء والنصراء، فيجزي بالسيئة مثلها وبالحسنة أضعافها، وذلك نظير قوله تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ * مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ * بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ [الصافات:٢٤ - ٢٦]].
стр. 250
تفسير قوله تعالى: (وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب)
قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ * وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ﴾ [البقرة:٤٩ - ٥٠].
قال المصنف ﵀: [يقول تعالى: اذكروا يا بني إسرائيل نعمتي عليكم إذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب، أي: خلصتكم منهم وأنقذتْكم من أيديهم صحبة موسى ﵇ وقد كانوا يسومونكم، أي: يوردونكم ويذيقونكم ويولونكم سوء العذاب، وذلك أن فرعون لعنه الله كان قد رأى رؤيا هالته؛ رأى ناراً خرجت من بيت المقدس فدخلت بيوت القبط ببلاد مصر إلا بيوت بني إسرائيل، مضمونها أن زوال ملكه يكون على يدي رجل من بني إسرائيل، ويقال بعد تحدث سماره عنده بأن بني إسرائيل يتوقعون خروج رجل منهم يكون لهم به دولة ورفعة، وهكذا جاء في حديث الفتون كما سيأتي في موضعه في سورة طه إن شاء الله تعالى].
هذه الآية وما بعدها يمتن الله بها على بني إسرائيل، ويعدد عليهم نعمه، حيث أنجاهم من آل فرعون، وقد كان فرعون يسومهم سوء العذاب: فيذبح أبناءهم، ويستحيي نساءهم، ثم ذكر نعمته بأن فرق بهم البحر، وأنجاهم وأغرق آل فرعون، وجعل يعدد نعمه المتتابعة.
والخطاب لبني إسرائيل، وهذا إنما حصل لآبائهم وأجدادهم، ولكن النعمة على الأجداد نعمة على الأحفاد، فهو يخاطب بني إسرائيل أهل الكتاب الذين في المدينة في زمن النبوة، وهم ما رأوا هذا ولا حصل لهم، ولكن حصل هذا لآبائهم وأجدادهم؛ ولأن الأحفاد إذا أقروا الأجداد على ما هم عليه فحكم الأحفاد حكم الأجداد؛ لأن الراضي كالفاعل، والامتنان على الآباء والأجداد امتنان على الأحفاد والأولاد، ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [البقرة:٤٩] فالنجاة إنما كانت لآبائهم وأجدادهم عندما كانوا مع موسى ﵊، هو خطاب لليهود في المدينة وقت نزول الوحي: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ﴾ [البقرة:٤٩] يعني: نجينا آباءكم، ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ﴾ [البقرة:٥٠]، يعني: فرقنا بآبائكم وأجدادكم مع موسى.
وحديث الفتون حديث طويل رواه ابن عباس وأخرجه النسائي بطوله، وأكثره مأخوذ من بني إسرائيل.
قال المؤلف ﵀: [فعند ذلك أمر فرعون لعنه الله بقتل كل ذكر يولد بعد ذلك من بني إسرائيل وأن تترك البنات، وأمر باستعمال بني إسرائيل في مشاق الأعمال وأرذلها].
فأخذوا يستعملونهم في الخدمة والعمل والكنس والطبخ، وما أشبه ذلك من الأعمال الشاقة التي لا يقوم بها إلا هم، ولما أمر فرعون بقتل بني إسرائيل قال له أناس: إن فعلت ذلك فسوف تنتهي اليد العاملة ولا يبقى من يعمل ومن يقوم بهذه الأشغال، فعند ذلك رأى رأياً آخر وهو أن يقتل الذكور سنة ويبقيهم سنة؛ حتى تبقى اليد العاملة ولا ينقطع الذكور وتقل الكثرة التي يخاف منها؛ لأنه إذا تركهم خشي منهم، وإذا قتلهم كل سنة انتهوا وانتهت اليد العاملة.
واختلف في المراد بالآل: فقيل يطلق على الرجل من باب التعظيم، فيقال: آل فلان، ولا يضاف إلى البلدان على المشهور، وجوز بعضهم ذلك كأن يقال: أهل المدينة، فحكى أبو عبيد: أهل مكة، أهل الله، وهكذا يضاف إلى موطن الرجل على المشهور، قال عبد المطلب: وانصر على آل الصليب وعابديه اليوم آلك وقال غيره: أنا الفارس الحامي حقيقة والدي وآلي كما تحمي حقيقة آلك وقيل المراد بالآل أزواجه وذريته، وقيل: نسبه وعشيرته، وقيل: أتباعه على دينه، وهذا هو الأرجح أتباعه على دينه، ويدخل فيه جميع المؤمنين من أزواجه وذريته وبني هاشم، وآل الرجل يدخل فيهم هو دخولاً أولياً، فآل إبراهيم يدخل فيهم إبراهيم دخولاً أولياً، وآل فرعون يدخل فيهم فرعون دخولاً أولياً، فهو أولهم، وأتباعه تبع له.
قال المؤلف ﵀: [وهاهنا فسر العذاب بذبح الأبناء، وفي سورة إبراهيم عطف عليه كما قال: ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ [إبراهيم:٦]].
أي: هنا جعل تذبيح الأبناء جزء من العذاب.
قال المؤلف ﵀: [وسيأتي تفسير ذلك في أول سورة القصص إن شاء الله تعالى به الثقة والمعونة والتأييد.
ومعنى يسومونكم: يولونكم، قاله أبو عبيدة، كما يقال سامه خطة خسف إذا أولاه إياها، قال عمرو بن كلثوم: إذا ما الملك سام الناس خسفاً أبينا أن نقر الخسف فينا] فهذا عمرو بن كلثوم يمدح قومه وأنهم لا يستجيبون ولا يقبلون الخسف وإن قبله غيرهم، ويقول: إذا أهانت الملوك الناس فقومي لا يقبلون الإهانة.
قال المؤلف ﵀: [وقيل معناه: يديمون عذابكم، كما يقال: سائمة الغنم من إدامتها الرعي، نقله القرطبي، وإنما قال هاهنا: ﴿وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ [إبراهيم:٦] ليكون ذلك تفسيراً للنعمة عليهم في قوله: ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ [إبراهيم:٦]].
فمعنى (يسومونكم) أي: يؤذونكم أو يديمون العذاب عليكم، (ويذبحون أبناءكم) يعني: يقتلون الأبناء، (ويستحيون نساءكم)، يعني: يبقونهن أحياء فلا يقتلونهن، لأن النساء أو الإناث لا يخشى منهن؛ لضعفهن، وعدم تحملهن، وعدم حملهن السلاح في الغالب.
قال المؤلف ﵀: [ثم فسره بهذا لقوله هاهنا: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة:٤٠]، وأما في سورة إبراهيم فلما قال: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ [إبراهيم:٥] أي: بأياديه ونعمه عليهم، فناسب أن يقول هناك: ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ [إبراهيم:٦]، فعطف عليه الذبح ليدل على تعدد النعم والأيادي على بني إسرائيل].
لما ذكر النعم جعل الذبح داخلاً في سوم العذاب، وهناك لما أراد التعداد وذكرهم بأيام الله -أي: بنعمه- قال: ﴿وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ [إبراهيم:٦]، فعطف بعضها على بعض تعداداً للنعم، وهنا جعلها شيئاً واحداً فجعل الذبح جزءاً من العذاب.
قال المؤلف ﵀: [وفرعون علم على كل من ملك مصر كافراً من العماليق وغيرهم، كما أن قيصر علم على كل من ملك الروم مع الشام كافراً، وكسرى لمن ملك الفرس، وتُبَّع لمن ملك اليمن كافراً، والنجاشي لمن ملك الحبشة، وبطليموس لمن ملك الهند].
وهذا فيه نظر؛ لأن بطليموس هو من ملك اليونان، فالبطالسة هم ملوك اليونان وأحدهم: بطليموس.
قال المؤلف ﵀: [ويقال: كان اسم فرعون الذي كان في زمن موسى ﵇ الوليد بن مصعب بن الريان، وقيل: مصعب بن الريان، فكان من سلالة عمليق بن الأود بن إرم بن سام بن نوح وكنيته أبو مرة، وأصله فارسي من إصطخر، وأياً ما كان فعليه لعنة الله.
وقوله تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ [البقرة:٤٩]، قال ابن جرير: وفي الذي فعلنا بكم من إنجائنا آباءكم مما كنتم فيه من عذاب آل فرعون بلاء لكم من ربكم عظيم، أي: نعمة عظيمة عليكم في ذلك، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄: قوله تعالى: ﴿بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ [البقرة:٤٩] قال: نعمة].
يطلق البلاء على النعمة وعلى المحنة، فبلاء عظيم، يعني: نعمة عليكم أو مصيبة.
ويطلق بطليموس على حكماء اليونان، والحكيم قد يكون ملكاً وقد لا يكون.
قال المؤلف ﵀: [وقال مجاهد ﴿بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ [البقرة:٤٩] قال: نعمة من ربكم عظيمة وكذا قال أبو العالية وأبو مالك والسدي وغيرهم.
وأصل البلاء الاختبار، وقد يكون بالخير والشر، كما قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء:٣٥]، وقال: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف:١٦٨]، قال ابن جرير: وأكثر ما يقال في الشر بلوته أبلوه بلاء، وفي الخير أبليه إبلاء وبلاء، قال زهير بن أبي سلمى: جزى الله بالإحسان ما فعلا بكم وأبلاهما خير البلاء الذي يبلو].
أبلاه يعني: في الشر، ويبلو يعني: في الخير.
قال المؤلف ﵀: [قال: فجمع بين اللغتين؛ لأنه أراد فأنعم الله عليهما خير النعم التي يختبر بها عباده وقيل: المراد بقوله: ﴿وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ﴾ [البقرة:٤٩] إشارة إلى ما كانوا فيه من العذاب المهين من ذبح الأبناء واستحياء النساء، قال القرطبي: وهذا قول الجمهور، ولفظه بعد ما حكى القول الأول ثم قال: وقال الجمهور: الإشارة إلى الذبح ونحوه، والبلاء هاهنا في الشر، والمعنى: وفي الذبح مكروه وامتحان].
стр. 251
تفسير قوله تعالى: (وإذ فرقنا بكم البحر)
قال المصنف ﵀: [وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ﴾ [البقرة:٥٠]، معناه: وبعد أن أنقذناكم من آل فرعون وخرجتم مع موسى ﵇ خرج فرعون في طلبكم، ففرقنا بكم البحر كما أخبر تعالى عن ذلك مفصلاً كما سيأتي في موضعه، ومن أبسطها ما في سورة الشعراء إن شاء الله.
((فَأَنْجَيْنَاكُمْ)) أي: خلصناكم منهم وحجزنا بينكم وبينهم، وأغرقناهم وأنتم تنظرون؛ ليكون ذلك أشفى لصدوركم، وأبلغ في إهانة عدوكم.
قال عبد الرزاق: أنبأنا معمر عن أبي إسحاق الهمداني عن عمرو بن ميمون الأودي في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ﴾ [البقرة:٥٠] قال: لما خرج موسى ببني إسرائيل بلغ ذلك فرعون فقال: لا تتبعوهم حتى تصيح الديكة، قال: فوالله ما صاح ليلتئذ ديك حتى أصبحوا، فدعا بشاة فذبحت ثم قال: لا أفرغ من كبدها حتى يجتمع إلي ستمائة ألف من القبط، فلم يفرغ من كبدها حتى اجتمع إليه ستمائة ألف من القبط].
فهذا يدل على أن فرعون كان ملكاً جباراً ظالماً كافراً، فإذا أمر ينفذ أمره؛ لأنه يخشى شره، ولهذا قال: لا أفرغ من أكل الكبد حتى يجتمع إلي ستمائة ألف فلم يفرغ من كبدها حتى اجتمع إليه ستمائة ألف من القبط: من الجنود والجيوش العظيمة.
قال المؤلف ﵀: [فلما أتى موسى البحر قال له رجل من أصحابه يقال له يوشع بن نون: أين أمر ربك؟ قال: أمامك يشير إلى البحر، فأقحم يوشع فرسه في البحر حتى بلغ الغمر فذهب به الغمر ثم رجع فقال: أين أمر ربك يا موسى؟ فوالله ما كذبت ولا كُذبت].
يعني: ما كذبت أنت، ولا كُذِبت يعني: كذب أمر الله لك.
قال المؤلف ﵀: [فعل ذلك ثلاث مرات، ثم أوحى الله إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فضربه فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم -يقول: مثل الجبل-، ثم سار موسى ومن معه، واتبعهم فرعون في طريقهم حتى إذا تتاموا فيه أطبقه الله عليهم، فلذلك قال: ﴿وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ﴾ [البقرة:٥٠]، وكذلك قال غير واحد من السلف كما سيأتي بيانه في موضعه، وقد ورد أن هذا اليوم كان يوم عاشوراء، كما قال الإمام أحمد حدثنا عفان حدثنا عبد الوارث حدثنا أيوب عن عبد الله بن سعيد بن جبير عن أبيه عن ابن عباس ﵄ قال: (قدم رسول الله ﷺ المدينة فرأى اليهود يصومون يوم عاشوراء فقال: ما هذا اليوم الذي تصومون؟ قالوا: هذا يوم صالح، هذا يوم نجىَّ الله فيه بني إسرائيل من عدوهم فصامه موسى ﵇، فقال رسول الله ﷺ : أنا أحق بموسى منكم، فصامه رسول الله ﷺ وأمر بصومه)، وروى هذا الحديث البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجة من طرق عن أيوب السختياني به نحو ما تقدم.
وقال أبو يعلى الموصلي: حدثنا أبو الربيع حدثنا سلام يعني ابن سليم عن زيد العمي عن يزيد الرقاشي عن أنس عن النبي ﷺ قال: (فلق الله البحر لبني إسرائيل يوم عاشوراء)، وهذا ضعيف من هذا الوجه؛ فإن زيداً العمي فيه ضعف، وشيخه يزيد الرقاشي أضعف منه].
هذا السند لا يصح لأن فيه ضعيفين.
لكن جاء في الصحيحين أنه قال: (يوم صالح نجى الله فيه موسى وقومه وأغرق فيه فرعون وقومه، فصامه موسى، قال النبي: فنحن أحق بموسى منكم)، ظاهره أن النبي ﷺ أقرهم على قولهم.
стр. 252
تفسير سورة البقرة [٥١ - ٥٦]
واعد الله تعالى نبيه موسى ﵇، فقام بنو إسرائيل بعبادة العجل، وذلك من جهلهم وعنادهم وعدم التزامهم بأحكام أنبيائهم، ثم عفا الله تعالى عنهم بعد ذلك، وآتى موسى الكتاب والفرقان لعلهم يهتدون.
ثم حصل بعد ذلك عناد من بني إسرائيل لأنبيائهم فأرسل الله عليهم الصيحة فأخذتهم، ثم أحياهم بعد ذلك لعلهم يشكرون.
стр. 253
تفسير قوله تعالى: (وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة)
قال تعالى: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ * ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [البقرة:٥١ - ٥٣]].
هذه من النعم التي يعددها الله تعالى عليهم، يعني واذكروا إذ واعدتم موسى أربعين ليلة، ثم عبدتم العجل، ثم الله عفا الله عنكم وتاب عليكم، مع أنهم وقعوا في الشرك.
قال المصنف ﵀: [يقول تعالى: واذكروا نعمتي عليكم في عفوي عنكم لما عبدتم العجل بعد ذهاب موسى لميقات ربه عند انقضاء أمد المواعدة وكانت أربعين يوما، وهي المذكورة في الأعراف في قوله تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ [الأعراف:١٤٢]، قيل إنها: ذو القعدة بكماله وعشر من ذي الحجة وكان ذلك بعد خلاصهم من فرعون وإنجائهم من البحر وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [البقرة:٥٣] يعني: التوراة ﴿وَالْفُرْقَانَ﴾ [البقرة:٥٣] وهو: ما يفرق بين الحق والباطل، والهدى والضلالة (لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ)].
أما بالنسبة لتحديد السنة التي أنزلت فيها التوراة فهذا يحتاج إلى دليل، والمهم أنه بعد هلاك فرعون وجنوده وإنجاء بني إسرائيل أنزل الله التوراة على موسى، كما قال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ﴾ [القصص:٤٣].
قال المؤلف ﵀: [وكان ذلك أيضا بعد خروجهم من البحر كما دل عليه سياق الكلام في سورة الأعراف ولقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص:٤٣]، وقيل: الواو زائدة والمعنى ولقد آتينا موسى الكتاب الفرقان وهذا غريب].
فكلمة الفرقان هي وصف للكتاب -إذا قيل: إن الواو زائدة- أي: آتى موسى الكتاب الفرقان الذي يفرق بين الحق والباطل.
قال المؤلف ﵀: [وقيل عطف عليه وإن كان المعنى واحداً، كما في قول الشاعر: وقدمت الأديم لراقشيه فألفى قولها كذبا وميناً].
لراهشيه بالهاء وهذا هو المعروف.
الشاهد هو قوله: (كذباً وميناً)، فعطف مين على الكذب، والمين هو: الكذب والكذب هو: المين، فيريد أن يستشهد به في عطف الفرقان على الكتاب وهما شيء واحد، وهذا من باب اختلاف اللفظ والمعنى واحد، فإذا اختلف اللفظ عطف أحدهما على الآخر وإن كان المعنى واحداً، كما تقول: قام ووقف، جلس وقعد، والجلوس هو القعود، والقعود هو الجلوس، فعطف أحدهما على الآخر تأكيداً.
قال المؤلف ﵀: [وقال الآخر: ألا حبذا هند وأرض بها هند وهند أتى من دونها النأي والبعد] الشاهد هو: (النأي والبعد)، فعطف البعد على النأي وهما بمعنى واحد، فالنأي هو البعد والبعد هو النأي، كذلك الكتاب هو الفرقان والفرقان هو الكتاب.
قال المؤلف ﵀: [فالكذب هو المين، والنأي هو البعد، وقال عنترة: حييت من طلل تقادم عهده أقوى وأقفر بعد أم الهيثم فعطف الإقفار على الإقواء وهو هو].
стр. 254
تفسير قوله تعالى: (وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم)
قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:٥٤].
قال المصنف ﵀: [هذه صفة توبته تعالى على بني إسرائيل من عبادة العجل، قال الحسن البصري ﵀ في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾ [البقرة:٥٤]، فقال: ذلك حين وقع في قلوبهم من شأن عبادتهم العجل ما وقع، حتى قال تعالى: ﴿وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا﴾ [الأعراف:١٤٩]، الآية.
قال: فذلك حين يقول موسى: ﴿يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾ [البقرة:٥٤].
وقال أبو العالية وسعيد بن جبير والربيع بن أنس ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ﴾ [البقرة:٥٤] أي: إلى خالقكم.
قلت: وفي قوله هاهنا ﴿إِلَى بَارِئِكُمْ﴾ [البقرة:٥٤] تنبيه على عظم جرمهم، أي: فتوبوا إلى الذي خلقكم وقد عبدتم معه غيره.
وقد روى النسائي وابن جرير وابن أبي حاتم من حديث يزيد بن هارون عن الأصبغ بن زيد الوراق عن القاسم بن أبي أيوب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: فقال الله تعالى: (إن توبتهم أن يقتل كل واحد منهم من لقي من والد وولد فيقتله بالسيف ولا يبالي من قتل في ذلك الموطن، فتاب أولئك الذين كانوا خفي على موسى وهارون ما اطلع الله على ذنوبهم، فاعترفوا بها، وفعلوا ما أمروا به، فغفر الله للقاتل والمقتول)، وهذا قطعة من حديث الفتون، وسيأتي في سورة طه بكماله إن شاء الله].
وذلك أن ذنبهم عظيم وهو: الشرك، حيث عبدوا العجل فجعل الله توبتهم أن يقتل بعضهم بعضاً نسأل الله العافية، وهذه أخبار عن بني إسرائيل لكن الآية واضحة في هذا، ويروى عن ابن عباس وغيره أنهم جاءتهم ظلمة فكانوا فيها وأخذوا السيوف فجعل يقتل بعضهم بعضاً حتى انجلت، فإذا بالقتلى يبلغون سبعين ألفاً، فتاب الله عليهم، والله أعلم بالكيفية، والواضح في هذا أن الله تاب عليهم، وأنه جعل من توبتهم أن يقتل بعضهم بعضاً، ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [البقرة:٥٤]، فجعل توبتهم من عبادة العجل والشرك أن يقتل بعضهم بعضاً، وأما الكيفية والعدد فلا يهمان.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال ابن جرير: حدثني عبد الكريم بن الهيثم حدثنا إبراهيم بن بشار حدثنا سفيان بن عيينة قال: قال أبو سعيد: عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال موسى لقومه: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:٥٤] قال: أمر موسى قومه عن أمر ربه أن يقتلوا أنفسهم، قال: واحتبى الذين عبدوا العجل فجلسوا، وقام الذين لم يعكفوا على العجل فأخذوا الخناجر بأيديهم وأصابتهم ظلمة شديدة، فجعل يقتل بعضهم بعضاً، فانجلت الظلمة عنهم وقد جلوا عن سبعين ألف قتيل، كل من قتل منهم كانت له توبة، وكل من بقى كانت له توبة.
قال ابن جريج: أخبرني القاسم بن أبي بزة: أنه سمع سعيد بن جبير ومجاهداً يقولان في قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [البقرة:٥٤] قالا: قام بعضهم إلى بعض بالخناجر يقتل بعضهم بعضاً، لا يحنو رجل على قريب ولا بعيد، حتى ألوى موسى بثوبه فطرحوا ما بأيديهم، فكشف عن سبعين ألف قتيل، وأن الله أوحى إلى موسى أن حسبي فقد اكتفيت، فذلك حين ألوى موسى بثوبه.
وروي عن علي ﵁ نحو ذلك.
وقال قتادة: أمر القوم بشديد من الأمر، فقاموا يتناحرون بالشفار يقتل بعضهم بعضاً، حتى بلغ الله فيهم نقمته، فسقطت الشفار من أيديهم، فأمسك عنهم القتل، فجعل لحيهم توبة وللمقتول شهادة.
وقال الحسن البصري: أصابتهم ظلمة حندس فقتل بعضهم بعضاً، ثم انكشف عنهم فجعل توبتهم في ذلك.
وقال السدي في قوله: ﴿فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [البقرة:٥٤] قال: فاجتلد الذين عبدوه والذين لم يعبدوه بالسيوف، فكان من قتل من الفريقين شهيداً، حتى كثر القتل حتى كادوا أن يهلكوا، حتى قتل منهم سبعون ألفاً، وحتى دعا موسى وهارون: ربنا أهلكت بني إسرائيل، ربنا البقية البقية، فأمرهم أن يلقوا السلاح، وتاب عليهم، فكان من قتل من الفريقين شهيداً، ومن بقي مكفراً عنه، فذلك قوله: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:٥٤].
وقال الزهري: لما أمرت بنو إسرائيل بقتل أنفسها برزوا ومعهم موسى، فاضطربوا بالسيوف وتطاعنوا بالخناجر، وموسى رافع يديه، حتى إذا فتر أتاه بعضهم وقالوا: يا نبي الله! ادع الله لنا، وأخذوا بعضديه يسندون يديه، فلم يزل أمرهم على ذلك، حتى إذا قبل الله توبتهم قبض أيديهم بعضهم عن بعض، فألقوا السلاح، وحزن موسى وبنو إسرائيل للذي كان من القتل فيهم، فأوحى الله جل ثناؤه إلى موسى: ما يحزنك؟ أما من قتل منهم فحي عندي يرزقون، وأما من بقي فقد قبلت توبته، فسر بذلك موسى وبنو إسرائيل.
رواه ابن جرير بإسناد جيد عنه.
وقال ابن إسحاق: لما رجع موسى إلى قومه وأحرق العجل وذرَّه في اليم خرج إلى ربه بمن اختار من قومه، فأخذتهم الصاعقة ثم بعثوا، فسأل موسى ربه التوبة لبني إسرائيل من عبادة العجل، فقال: لا، إلا أن يقتلوا أنفسهم، قال: فبلغني أنهم قالوا لموسى: نصبر لأمر الله، فأمر موسى من لم يكن عبد العجل أن يقتل من عبده، فجلسوا بالأفنية، وأصلت عليهم القوم السيوف، فجعلوا يقتلونهم، فهش موسى، فبكى إليه النساء والصبيان يطلبون العفو عنهم، فتاب الله عليهم وعفا عنهم، وأمر موسى أن ترفع عنهم السيوف.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: لما رجع موسى إلى قومه وكانوا سبعين رجلاً قد اعتزلوا مع هارون العجل لم يعبدوه، فقال لهم موسى: انطلقوا إلى موعد ربكم، فقالوا: يا موسى! ما من توبة؟ قال: بلى، ﴿فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة:٥٤] الآية، فاخترطوا السيوف والجرزة والخناجر والسكاكين].
الجرزة بالضم عمود من حديد.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وبعث عليهم ضبابة، قال: فجعلوا يتلامسون بالأيدي ويقتل بعضهم بعضاً، قال: ويلقى الرجل أباه وأخاه فيقتله وهو لا يدري، قال: ويتنادون فيها: رحم الله عبداً صبر نفسه حتى يبلغ الله رضاه، قال: فقتلاهم شهداء، وتيب على أحيائهم، ثم قرأ: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:٥٤]].
стр. 255
تفسير قوله تعالى: (وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة)
قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ * ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة:٥٥ - ٥٦].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يقول تعالى: واذكروا نعمتي عليكم في بعثي لكم بعد الصعق، إذ سألتم رؤيتي جهرة عِياناً مما لا يستطاع لكم ولا لأمثالكم، كما قال ابن جريج: قال ابن عباس في هذه الآية: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة:٥٥] قال: علانية، وكذا قال إبراهيم بن طهمان عن عباد بن إسحاق عن أبي الحويرث عن ابن عباس: أنه قال في قول الله تعالى: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة:٥٥] أي: علانية.
وقال قتادة والربيع بن أنس: ﴿حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة:٥٥] أي: عياناً.
وقال أبو جعفر عن الربيع بن أنس: هم السبعون الذين اختارهم موسى فساروا معه، قال: فسمعوا كلاماً فقالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة:٥٥]، قال: فسمعوا صوتاً فصعقوا، يقول: ماتوا.
وقال مروان بن الحكم فيما خطب به على منبر مكة: الصاعقة صيحة من السماء.
وقال السدي في قوله: ﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ﴾ [البقرة:٥٥] نار.
وقال عروة بن رويم في قوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ﴾ [البقرة:٥٥] قال: صعق بعضهم وبعض ينظرون، ثم بعث هؤلاء وصعق هؤلاء.
وقال السدي: ﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ﴾ [البقرة:٥٥] فماتوا، فقام موسى يبكي ويدعو الله ويقول: رب ماذا أقول لبني إسرائيل إذا أتيتهم وقد أهلكت خيارهم؟ قال: ﴿لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾ [الأعراف:١٥٥]، فأوحى الله إلى موسى: أن هؤلاء السبعين ممن اتخذوا العجل، ثم إن الله أحياهم فقاموا وعاشوا رجلاً رجلاً ينظر بعضهم إلى بعض كيف يحيون، قال: فذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة:٥٦].
وقال الربيع بن أنس: كان موتهم عقوبة لهم، فبعثوا من بعد الموت ليستوفوا آجالهم، وكذا قال قتادة.
وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن حميد حدثنا سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق قال: لما رجع موسى إلى قومه فرأى ما هم عليه من عبادة العجل، وقال لأخيه وللسامري ما قال، وحرق العجل وذره في اليم، اختار موسى منهم سبعين رجلاً الخيّرَ فالخيّرَ، وقال: انطلقوا إلى الله وتوبوا إلى الله مما صنعتم، واسألوه التوبة على من تركتم وراءكم من قومكم، صوموا وتطهروا وطهروا ثيابكم، فخرج بهم إلى طور سيناء لميقات وقّته له ربه، وكان لا يأتيه إلا بإذن منه وعلم، فقال له السبعون فيما ذكر لي حين صنعوا ما أُمروا به، وخرجوا للقاء الله، قالوا: يا موسى! اطلب لنا إلى ربك نسمع كلام ربنا، فقال: أفعل، فلما دنا موسى من الجبل وقع عليه الغمام حتى تغشى الجبل كله، ودنا موسى فدخل فيه، وقال للقوم: ادنوا، وكان موسى إذا كلمه الله وقع على جبهته نور ساطع لا يستطيع أحد من بني آدم أن ينظر إليه، فضرب دونه بالحجاب، ودنا القوم حتى إذا دخلوا في الغمام وقعوا سجوداً، فسمعوه وهو يكلم موسى يأمره وينهاه: افعل ولا تفعل، فلما فرغ إليه من أمره انكشف عن موسى الغمام، فأقبل إليهم، فقالوا لموسى: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة:٥٥]، فأخذتهم الرجفة وهي الصاعقة فماتوا جميعاً، وقام موسى يناشد ربه ويدعوه ويرغب إليه ويقول: ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ﴾ [الأعراف:١٥٥] قد سفهوا، أفتهلك من ورائي من بني إسرائيل بما يفعل السفهاء منا؟ أي: إن هذا لهم هلاك، واخترت منهم سبعين رجلاً الخيّر فالخيّر، أرجع إليهم وليس معي منهم رجل واحد، فما الذي يصدقوني به ويأمنوني عليه بعد هذا؟ ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف:١٥٦]، فلم يزل موسى يناشد ربه ، ويطلب إليه حتى رد إليهم أرواحهم، وطلب إليه التوبة لبني إسرائيل من عبادة العجل، فقال: لا، إلا أن يقتلوا أنفسهم، هذا سياق محمد بن إسحاق].
стр. 256
صور من عنت بني إسرائيل تجاه نبي الله موسى ﵇
هذا تعنت من بني إسرائيل في سؤالهم موسى أن يريهم الله جهرة، وقالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة:٥٥]، فهذا من عتوهم وتعنتهم، فإنه لا يمكن لحي أن يرى الله في الدنيا، ولهذا لما سأل موسى الكليم ربه: ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف:١٤٣] قال الله: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣] يعني: لن تستطيع أن تتحمل الرؤية في الدنيا، ولهذا قال الله: ﴿وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ [الأعراف:١٤٣]، لما تجلى الله للجبل تدكدك ولم يثبت لرؤية الله، وهو من الحجارة الصم! فكيف يستطيع البشر أن يثبتوا لرؤية الله؟! لا يستطيعون، لكن في يوم القيامة ينشئ الله المؤمنين تنشئة قوية يتحملون فيها رؤية الله ، فتبدل الصفات، وتكون أبصارهم قوية، وأجسامهم قوية تتحمل الرؤية، وأما في هذه الدنيا فلا يستطيع أحد أن يرى الله، ولهذا ثبت في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: (واعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا).
وثبت في صحيح مسلم من حديث أبي ذر: (أنه سأل النبي ﷺ قال: هل رأيت ربك؟ قال: رأيت نوراً)، وفي اللفظ الآخر: (نور أنى أراه) يعني: النور حجاب يمنعني من رؤيته، وفي الحديث الآخر في حديث أبي موسى كما في صحيح مسلم: (إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، حجابه النور -وفي لفظ: النار-، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه) وهذا عام يشمل جميع الخلق.
فالصواب أن الله تعالى لن يراه أحد في الدنيا حتى نبينا ﷺ ، وذهب بعض الصحابة إلى أن النبي ﷺ رأى ربه، والصواب الذي عليه الجمهور والذي تدل عليه النصوص أن النبي ﷺ لم ير ربه، وإنما سمع كلامه ولم يره، ويدل على هذا قول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى:٥١]، فالله تعالى كلم نبيه ﷺ من وراء حجاب، وكلم موسى كذلك، فهو محجوب عن الرؤية في الدنيا، ولا يستطيع أحد أن يراه، وإنما الرؤية نعيم خاص بأهل الجنة.
وبنو إسرائيل لهم تعنتات على أنبيائهم وعلى نبيهم موسى ﵇، وهذا من تعنتاتهم، فهم لما سألوا الرؤية عاقبهم الله بالصاعقة، وهي رجفة أصابتهم فماتوا، ثم أحياهم الله؛ ليستكملوا بقية آجالهم، فموسى ﵊ ناجى وسأل وتضرع إلى ربه أن يحييهم فأحياهم، كما قال الله تعالى في سورة الأعراف: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ [الأعراف:١٥٥] أي: أصابتهم الصاعقة فماتوا، ﴿فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ﴾ [الأعراف:١٥٥]، فلم يزل يتضرع لربه حتى أحياهم الله، وامتن الله تعالى عليهم بذلك، كما في هذه الآية الكريمة: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ * ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة:٥٥ - ٥٦] يعني: اذكروا نعمتي عليكم حيث سألتم موسى رؤية الله جهرة فأخذتكم الصاعقة، ثم بعثتكم من بعد موتكم، فهذه امتن الله بها عليهم، وهذا لم يحصل لليهود الذين في زمن النبي ﷺ ، وإنما حصل لآبائهم وأجدادهم، لكن النعمة على الآباء والأجداد نعمة على الأحفاد والأولاد، ﴿إِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ * ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ﴾ [البقرة:٥٥ - ٥٦] أي: اذكروا نعمة الله حين عاقبكم بالصاعقة والرجفة لما سألتم شيئاً ممنوعاً على أهل الدنيا، ثم امتن الله عليكم فأحياكم واستكملتم آجالكم.
وقال تعالى في سورة النساء: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ﴾ [النساء:١٥٣].
стр. 257
ذكر أقوال العلماء في رؤية النبي ﷺ لربه ليلة المعراج
إن رؤية الله تعالى في الآخرة حق، ولا يلزم من هذا التشبيه، وكل يرى ربه على حسب اعتقاده، ولما كان النبي ﷺ أحسن الناس اعتقاداً وأصحهم علماً وعملاً رأى ربه في أحسن صورة، كما في الحديث أن النبي ﷺ قال: (رأيت ربي في أحسن صورة، فقال: يا محمد! فيم يختصم الملأ الأعلى؟ فقلت: لا أدري، فوضع كفه بين كتفي حتى وجدت برد أنامله، فعلمت، فقلت: يا رب! في الكفارات، ونقل الأقدام إلى الجماعات، وانتظار الصلاة بعد الصلاة)، فهذا حديث اختصام الملأ الأعلى، وقد أفرده بعض العلماء بالشرح ومنهم: الحافظ ابن رجب فقد شرح هذا الحديث في مؤلف مستقل.
فقوله: (رأيت ربي في أحسن صورة) هذا في المنام، أما في اليقظة فلم ير ربه، وإنما كلمه الله من وراء حجاب، وفرض عليه الصلوات الخمس من وراء حجاب، وهو ﷺ داخل في قوله ﷺ : (حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه) وهو من خلقه، ولا يتحمل، وداخل في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى:٥١]، فهذا هو الصواب.
قال بعض الصحابة وبعض العلماء: إنه رآه بعين رأسه، والصواب أنه رآه بعين قلبه ولم يره بعين رأسه، وهذا هو الجمع الصحيح بين الآثار والنصوص، وما جاء من النصوص ومن الآثار ومن أقوال الصحابة والسلف على أن النبي ﷺ رأى ربه، فيحمل على أنه رآه بعين قلبه، وما جاء من النصوص والآثار أنه لم يره، فيحمل على أنه لم يره بعين رأسه.
وجاء عن عائشة أنها أنكرت ذلك لما سألها مسروق: (هل رأى محمد ربه؟ قالت: لقد قف شعري مما قلت، ثم قالت: من حدثك أن محمداً رأى ربه فقد كذب).
وزعم ابن عباس: (أنه رأى ربه)، ورواية عن الإمام أحمد، لكن ما جاء عن ابن عباس وعن الإمام أحمد مطلق ويقيد برؤية الفؤاد، فيحمل المطلق على المقيد.
وذهب بعض العلماء إلى أنه رآه بعين رأسه، وقالوا: إن هذا من خصائص النبي ﷺ ، وقالوا: إن التكليم لموسى، والرؤية لمحمد، والخلة لإبراهيم، وهو ما ذهب إلى هذا القاضي عياض والنووي في شرح صحيح مسلم، وأبو إسماعيل الهروي وجماعة، لكن هذا القول مرجوح، والصواب أن نبينا ﷺ شارك موسى في التكليم وشارك إبراهيم في الخلة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال إسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير: لما تابت بنو إسرائيل من عبادة العجل، وتاب الله عليهم بقتل بعضهم لبعض كما أمرهم الله به، أمر الله موسى أن يأتيه في كل أناس من بني إسرائيل يعتذرون إليه من عبادة العجل، وواعدهم موسى، فاختار موسى سبعين رجلاً على عينه، ثم ذهب بهم ليعتذروا، وساق البقية، وهذا السياق يقتضي أن الخطاب توجه إلى بني إسرائيل في قوله: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة:٥٥]، والمراد السبعون المختارون منهم، ولم يحك كثير من المفسرين سواه، وقد أغرب الرازي في تفسيره حين حكى في قصة هؤلاء السبعين: أنهم بعد إحيائهم قالوا: يا موسى! إنك لا تطلب من الله شيئاً إلا أعطاك، فادعه أن يجعلنا أنبياء، فدعا بذلك فأجاب الله دعوته.
وهذا غريب جداً؛ إذ لا يعرف في زمان موسى نبي سوى هارون ثم يوشع بن نون، وقد غلط أهل الكتاب أيضاً في دعواهم أن هؤلاء رأوا الله ، فإن موسى الكليم ﵇ قد سأل ذلك فمنع منه، فكيف يناله هؤلاء السبعون؟].
لا شك أن القول بأنهم رأوا ربهم غلط، وقولهم: إنهم أنبياء هذا من أشد الأغلاط التي نقلها الرازي ﵀.
стр. 258
القول الثاني للمفسرين في طلب بني إسرائيل رؤية الله وتكليمه
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [القول الثاني في الآية: قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في تفسير هذه الآية: قال لهم موسى لما رجع من عند ربه بالألواح قد كتب فيها التوراة، فوجدهم يعبدون العجل، فأمرهم بقتل أنفسهم ففعلوا فتاب الله عليهم، فقال: إن هذه الألواح فيها كتاب الله فيه أمركم الذي أمركم به، ونهيكم الذي نهاكم عنه، فقالوا: ومن يأخذه بقولك أنت؟ لا والله حتى نرى الله جهرة، حتى يطلع الله علينا ويقول: هذا كتابي فخذوه، فما له لا يكلمنا كما يكلمك أنت يا موسى؟! وقرأ قول الله: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة:٥٥]، قال: فجاءت غضبة من الله، فجاءتهم صاعقة بعد التوبة فصعقتهم فماتوا أجمعون.
قال: ثم أحياهم الله من بعد موتهم، وقرأ قول الله: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة:٥٦]، فقال لهم موسى: خذوا كتاب الله، فقالوا: لا، فقال: أي شيء أصابكم؟ فقالوا: أصابنا أنا متنا ثم أحيينا، قال: خذوا كتاب الله، قالوا: لا، فبعث الله ملائكة فنتقت الجبل فوقهم، وهذا السياق يدل على أنهم كُلفوا بعدما أحيوا، وقد حكى الماوردي في ذلك قولين: أحدهما: أنه سقط التكليف عنهم؛ لمعاينتهم الأمر جهرة، حتى صاروا مضطرين إلى التصديق.
والثاني: أنهم مكلفون؛ لئلا يخلو عاقل من تكليف].
الصواب: أنهم مكلفون، وهذا الصعق والموت شيء عارض، فهو ليس الموتة التي سيموتون والتي كتبت عليهم، وإنما هذا الموت بالصاعقة والرجف عقوبة ولا تمنع من التكليف، فالتكليف مستمر، فهم لما أحيوا استمر التكليف عليهم إلى موتهم، حتى يأتي كل واحد أجله الذي قدره الله له.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [قال القرطبي: وهذا هو الصحيح؛ لأن معاينتهم للأمور الفظيعة لا تمنع تكليفهم؛ لأن بني إسرائيل قد شاهدوا أموراً عظاماً من خوارق العادات، وهم في ذلك مكلفون، وهذا واضح.
والله أعلم].
صدق القرطبي ﵀، وهو كلام جيد.
стр. 259
تفسير سورة البقرة [٥٧]
لقد منّ الله تعالى على بني إسرائيل بمنن كثيرة، منها أنه أنزل عليهم المن والسلوى وهم في زمن التيه، فأعطاهم طعاماً وشراباً، فكان الواجب عليهم أن يشكروه، وأن يتقربوا إليه حتى يزيدهم من فضله، لكنهم كانوا أهل عناد واستكبار وعصيان، فلم يقوموا بحق ذلك وغيره، فطبع الله على قلوبهم وأفئدتهم فهم لا يفقهون.
стр. 260
تفسير قوله تعالى: (وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى)
قال الله تعالى: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة:٥٧].
قال المصنف ﵀: [لما ذكر تعالى ما دفعه عنهم من النقم شرع يذكرهم أيضاً بما أسبغ عليهم من النعم].
يعني: مناسبة الآية لما قبلها أنه بيَّن نعمه عليهم في دفع النقم، بحيث إن الله أماتهم ثم أحياهم، فقد عوقبوا بالصعق، وعوقبوا بالتيه في صحراء سيناء بين مصر وفلسطين، فلما عوقبوا بالتيه أنعم الله عليهم بنعم عظيمة وهم في شدة الحر في صحراء ليس فيها شيء، فكانت السحاب تأتيهم وتظللهم، فهذه من نعم الله عليهم، وكذلك كان ينزل عليهم المن والسلوى كما سيأتي، والمن شيء يشبه العسل، والسلوى طائر، وكذلك أيضاً كان موسى يحمل الحجر، فإذا ضربه بعصاه انفجر منه اثنا عشر عيناً، فكل قبيلة لها عين؛ حتى لا يختصموا، فهذه نعم عظيمة في التيه، وهم معاقبون بالتيه بسبب امتناعهم ورفضهم عن فتح بيت المقدس، ومع ذلك أنعم الله عليهم بهذه النعم في التيه.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فقال: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾ وهو جمع غمامة؛ سمي بذلك لأنه يغم السماء، أي: يواريها ويسترها، وهو السحاب الأبيض، ظُللوا به في التيه ليقيهم حر الشمس، كما رواه النسائي وغيره عن ابن عباس في حديث الفتون، قال: (ثم ظلل عليهم في التيه بالغمام).
قال ابن أبي حاتم: وروي عن ابن عمر والربيع بن أنس وأبي مجلز والضحاك والسدي نحو قول ابن عباس.
وقال الحسن وقتادة: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾ كان هذا في البرية، ظلل عليهم الغمام من الشمس.
وقال ابن جرير: قال آخرون: وهو غمام أبرد من هذا وأطيب.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا أبو حذيفة حدثنا شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد: ((وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ)) قال: ليس بالسحاب، هو الغمام الذي يأتي الله فيه يوم القيامة، ولم يكن إلا لهم.
وهكذا رواه ابن جرير عن المثنى بن إبراهيم عن أبي حذيفة، وكذا رواه الثوري وغيره عن ابن أبي نجيح عن مجاهد، وكأنه يريد والله أعلم أنه ليس من زي هذا السحاب، بل أحسن منه وأطيب وأبهى منظراً، كما قال سنيد في تفسيره عن حجاج بن محمد عن ابن جريج قال: قال ابن عباس: ((وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ)) قال: غمام أبرد من هذا وأطيب، وهو الذي يأتي الله فيه، في قوله: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ﴾ [البقرة:٢١٠].
وهو الذي جاءت فيه الملائكة يوم بدر، قال ابن عباس: وكان معهم في التيه].
ظاهر الآية أن الغمام المذكور هو السحاب المعروف، هذا هو ظاهر الآية وهو الأصل؛ لأن الله تعالى خاطب العرب بما يعرفون، فقوله: ((وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ))، وهو السحاب المعروف، وهذا السحاب إذا كان في شدة الشمس وفي شدة الحر فهو نعمة عظيمة، فيظلل ويقي من الشمس ووهجها وشدة حرارتها.
стр. 261
أقوال المفسرين في حقيقة المن
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله تعالى: ((وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ)) اختلفت عبارات المفسرين في المن ما هو: فقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: كان المن ينزل عليهم على الأشجار، فيغدون إليه فيأكلون منه ما شاءوا.
وقال مجاهد: المن: صمغة.
وقال عكرمة: المن: شيء أنزله الله عليهم مثل الطل، شبه الرُّب الغليظ.
وقال السدي قالوا: يا موسى! كيف لنا بما هاهنا أين الطعام؟ فأنزل الله عليهم المن، فكان يسقط على شجرة الزنجبيل، وقال قتادة: كان المن ينزل عليهم في محلهم سقوط الثلج، أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل، يسقط عليهم من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، يأخذ الرجل منهم قدر ما يكفيه يومه ذلك، فإذا تعدى ذلك فسد ولم يبق، حتى إذا كان يوم سادسه يوم جمعته أخذ ما يكفيه ليوم سادسه ويوم سابعه؛ لأنه كان يوم عيد لا يشخص فيه لأمر معيشته، ولا يطلبه لشيء، وهذا كله في البرية.
وقال الربيع بن أنس: المن شراب كان ينزل عليهم مثل العسل، فيمزجونه بالماء ثم يشربونه.
وقال وهب بن منبه وسئل عن المن، فقال: خبز رقاق مثل الذرة أو مثل النقي.
وقال أبو جعفر بن جرير: حدثني أحمد بن إسحاق البزار حدثنا أبو أحمد الزبيري قال: حدثنا إسرائيل عن جابر الجعفي عن عامر وهو الشعبي، قال: عسلكم هذا جزء من سبعين جزءاً من المن.
وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم أنه العسل.
ووقع في شعر أمية بن أبي الصلت حيث قال: فرأى الله أنهم بمضيع لا بذي مزرع ولا مثمورا فسناها عليهمُ غاديات ويرى مزنهم خلايا وخورا عسلاً ناطفاً وماء فراتاً وحليباً ذا بهجة مزموراً].
يعني: أن المن كان ينزل من السماء كالطل على شجر أو حجر، ويحلو ويعقد عسلاً، ويجف جفاف الصمغ كالشيرخشت والترنجبين.
والمعروف أن المن هو ما وقع على شجر البلوط، وهو معتدل نافع للسعال الرطب والصدر والرئة.
وقد جاء في الحديث الصحيح: (الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين) يعني: المن شيء ينزل ويشبه العسل، ويستعملونه للأكل والحلوى، فهو نعمة امتن الله بها عليهم، وهو مأكول يشبه العسل، ويستعمل مع غيره ويستفاد منه، وأما اللحم فأنزل الله عليهم السلوى وهو طائر، فالله أعطاهم نوعاً من الطعام ونوعاً من اللحوم، فالسلوى طائر، والمن طعام، وكان المن يغنيهم عن الطعام، فهو يشبه العسل، فهو طعام وحلوى.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فالناطف هو السائل، والحليب المزمور الصافي منه، والغرض أن عبارات المفسرين متقاربة في شرح المن، فمنهم من فسره بالطعام، ومنهم من فسره بالشراب، والظاهر والله أعلم أنه كل ما امتن الله به عليهم من طعام وشراب وغير ذلك، مما ليس لهم فيه عمل ولا كد].
يعني: أن المن طعام وشراب كان يأتي عليهم وليس لهم فيه تعب، فكان ينزل عليهم من السماء، كما أن السلوى طائر ليس لهم فيه يد، وهذا من منة الله تعالى عليهم، فيأتيهم طعام لذيذ وشراب وحلوى، ويأتيهم أيضاً من اللحوم وهو هذا الطائر السلوى من غير كد ولا تعب.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فالمن المشهور إن أكل وحده كان طعاماً وحلاوة، وإن مزج مع الماء صار شراباً طيباً، وإن ركب مع غيره صار نوعاً آخر، ولكن ليس هو المراد من الآية وحده، والدليل على ذلك قول البخاري: حدثنا أبو نعيم حدثنا سفيان عن عبد الملك بن عمير عن عمرو بن حريث عن سعيد بن زيد ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين)].
يعني: المن هو طعام وشراب لذيذ امتن الله به عليهم، وكان يكفيهم عن الطعام والشراب.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وهذا الحديث رواه الإمام أحمد عن سفيان بن عيينة، عن عبد الملك وهو ابن عمير به، وأخرجه الجماعة في كتبهم إلا أبا داود من طرق عن عبد الملك وهو ابن عمير به، وقال الترمذي: حسن صحيح.
ورواه البخاري ومسلم من رواية الحكم عن الحسن العرني عن عمرو بن حريث به، وقال الترمذي: حدثنا أبو عبيدة بن أبي السفر ومحمود بن غيلان قالا: حدثنا سعيد بن عامر عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (العجوة من الجنة، وفيها شفاء من السم، والكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين)، تفرد بإخراجه الترمذي، ثم قال: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث محمد بن محمد بن عمرو، وإلا من حديث سعيد بن عامر عنه.
وفي الباب عن سعيد بن زيد وأبي سعيد وجابر كذا قال.
وقد رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره من طريق آخر عن أبي هريرة، فقال: حدثنا أحمد بن الحسن بن أحمد البصري حدثنا أسلم بن سهل حدثنا القاسم بن عيسى حدثنا طلحة بن عبد الرحمن عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين)، وهذا حديث غريب من هذا الوجه، وطلحة بن عبد الرحمن هذا السلمي الواسطي يكنى بـ أبي محمد، وقيل: أبو سليمان المؤدب، قال فيه الحافظ أبو أحمد بن عدي: روي عن قتادة أشياء لا يتابع عليها].
أول الحديث ثابت في البخاري كما سبق: (الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين)، وإن كان هذا الطريق فيه كلام.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ثم قال الترمذي: حدثنا محمد بن بشار حدثنا معاذ بن هشام حدثنا أبي عن قتادة عن شهر بن حوشب عن أبي هريرة: (أن ناساً من أصحاب النبي ﷺ قالوا: الكمأة جدري الأرض، فقال نبي الله ﷺ : الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين، والعجوة من الجنة، وهي شفاء من السم)].
هذا الحديث ضعيف منقطع؛ لأن شهر بن حوشب لم يسمع من أبي هريرة، وقوله: (الكمأة جدري الأرض) هذا الذي استنكر منه، وأما: (الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين) فهو ثابت في البخاري.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وهذا الحديث قد رواه النسائي عن محمد بن بشار به، وعنه عن غندر عن شعبة عن أبي بشر جعفر بن إياس، عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة به، وعن محمد بن بشار عن عبد الأعلى عن خالد الحذاء، عن شهر بن حوشب، بقصة الكمأة فقط.
وروى النسائي أيضاً وابن ماجة من حديث محمد بن بشار عن أبي عبد الصمد بن عبد العزيز بن عبد الصمد عن مطر الوراق عن شهر: بقصة العجوة عند النسائي، وبالقصتين عند ابن ماجة، وهذه الطريق منقطعة بين شهر بن حوشب وأبي هريرة، فإنه لم يسمع منه، بدليل ما رواه النسائي في الوليمة من سننه عن علي بن الحسين الدرهمي عن عبد الأعلى عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم عن أبي هريرة قال: (خرج رسول الله ﷺ وهم يذكرون الكمأة، وبعضهم يقول: جدري الأرض، فقال: الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين)].
يعني: صار عبد الرحمن بن غنم بين شهر وأبي هريرة، فدل على أن شهراً لم يسمع من أبي هريرة، وشهر بن حوشب فيه كلام، فالرواية الأولى منقطعة، وشهر منهم من وثقه ومنهم من ضعفه.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وروي عن شهر بن حوشب عن أبي سعيد وجابر، كما قال الإمام أحمد: حدثنا أسباط بن محمد حدثنا الأعمش عن جعفر بن إياس عن شهر بن حوشب عن جابر بن عبد الله وأبي سعيد الخدري قالا: قال رسول الله ﷺ : (الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين، والعجوة من الجنة، وهي شفاء من السم).
وقال النسائي في الوليمة أيضاً: حدثنا محمد بن بشار حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن أبي بشر جعفر بن إياس عن شهر بن حوشب عن أبي سعيد وجابر ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: (الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين
стр. 262
كيفية استعمال الكمأة لعلاج العين
فإن قيل: كيف يكون ماء الكمأة شفاء للعين كما في الحديث: (الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين)؟ نقول: لابد أن يراجع أهل الخبرة وأهل التجارب؛ لأن بعض الناس قد يستعمل الكمأة في غير ما يستعمل في التجارب فتضره، فقد يضع الكمأة في العين فتضر العين وقد تعمى، لكن هناك طريقة عند أهل التجارب، فأظن أنهم يحمونها على النار ويأخذون شيئاً من ماء الكمأة على العين.
إذاً فتستعمل على حسب التجارب وعلى حسب معرفة أهل الخبرة.
стр. 263
أقوال المفسرين في حقيقة السلوى
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأما السلوى فقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄: السلوى طائر يشبه بالسمانى، كانوا يأكلون منه.
وقال السدي في خبر ذكره عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مرة عن ابن مسعود وعن ناس من الصحابة: السلوى طائر يشبه السمانى.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح حدثنا عبد الصمد بن الوارث حدثنا قرة بن خالد عن جهضم عن ابن عباس قال: السلوى هو السمانى، وكذا قال مجاهد والشعبي والضحاك والحسن وعكرمة والربيع بن أنس رحمهم الله تعالى.
وعن عكرمة: أما السلوى فطير كطير يكون بالجنة أكبر من العصفور أو نحو ذلك.
وقال قتادة: السلوى كان من طير أقرب إلى الحمرة، تحشرها عليهم الريح الجنوب، وكان الرجل يذبح منها قدر ما يكفيه يومه ذلك، فإذا تعدى فسد ولم يبق عنده، حتى إذا كان يوم سادسه ليوم جمعته أخذ ما يكفيه ليوم سادسه ويوم سابعه؛ لأنه كان يوم عبادة لا يشخص فيه لشيء ولا يطلبه.
وقال وهب بن منبه: السلوى طير سمين مثل الحمامة، كان يأتيهم فيأخذون منه من سبت إلى سبت، وفي رواية عن وهب قال: سألت بنو إسرائيل موسى ﵇ لحماً، فقال الله: لأطعمنهم من أقل لحم يعلم في الأرض، فأرسل عليهم ريحاً فأذرت عند مساكنهم السلوى -وهو السمانى- مثل ميل في ميل قيد رمح في السماء، فخبئوا للغد، فنتن اللحم، وخنز الخبز.
وقال السدي: لما دخل بنو إسرائيل التيه قالوا لموسى ﵇: كيف لنا بما هاهنا أين الطعام؟ فأنزل الله عليهم المن، فكان ينزل على شجر الزنجبيل، والسلوى وهو طائر يشبه السمانى أكبر منه، فكان يأتي أحدهم فينظر إلى الطير، فإن كان سميناً ذبحه وإلا أرسله، فإذا سمن أتاه، فقالوا: هذا الطعام فأين الشراب؟ فأمر موسى فضرب بعصاه الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً، فشرب كل سبط من عين، فقالوا: هذا الشراب فأين الظل؟ فظلل عليهم الغمام، فقالوا: هذا الظل فأين اللباس؟ فكانت ثيابهم تطول معهم كما يطول الصبيان، ولا يتخرق لهم ثوب، فذلك قوله تعالى: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ [البقرة:٥٧].
وقوله: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [البقرة:٦٠]].
الحاصل أن الله امتن على بني إسرائيل في التيه بنعم عظيمة، ذكّر الله بها أحفادهم وأولادهم الموجودين في المدينة في زمن نزول الوحي، فقال تعالى: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة:٥٧]، فهذه من نعم الله عليهم، وهم معاقبون في التيه لما امتنعوا من فتح بيت المقدس، وقال لهم موسى: احملوا عليهم حملة واحدة فقد وعدني الله بالنصر، ﴿ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة:٢١]، قاتلوا هؤلاء الكفرة العماليق، فأبوا ورفضوا وامتنعوا، وقالوا لنبيهم قولاً سيئاً قالوا: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة:٢٤]، فعاقبهم الله بالتيه، قال الله: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ﴾ [المائدة:٢٦]، والتيه هي الصحراء التي بين فلسطين وبين مصر، كانوا يسيرون فيها ولا يهتدون إلى البلد، فقد حرمها الله عليهم تحريماً قدرياً، ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ [المائدة:٢٦]، والتحريم يكون شرعياً ويكون قدرياً، فالتحريم القدري، مثل قوله تعالى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ [القصص:١٢]، فتحريم المراضع على موسى تحريم قدري، وأما التحريم الشرعي فمثل قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة:٣] وقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء:٢٣]، فهذا تحريم شرعي.
فحرم الله عليهم دخول البلد أربعين سنة يتيهون في الأرض، ومع ذلك لما صاروا في التيه أنعم الله عليهم بهذه النعم، ولكنهم قوم عتاة عصاة، فأنعم الله عليهم بالمن وهو ينزل عليهم كالزنجبيل، وهو إذا جعل مع غيره صار شراباً وصار فاكهة، والسلوى هو طائر يشبه السمانى، وهذا كالإجماع عند المفسرين، أو قول جماهير المفسرين؛ لأن هناك من يرى أنه غير اللحم، والصواب: أن السلوى طائر، وأن الزنجبيل غذاء.
وجعل الله الغمام مظللاً عليهم من حر الشمس، وهذه من نعمه عليهم، وكانوا يحملون معهم حجراً فيضربه موسى بعصاه فتنفجر منه اثنا عشر عيناً، لكل قبيلة ولكل سبط عين، حتى لا يتنازعوا، فهذه من نعم الله عليهم، ولهذا قال: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [البقرة:٦٠].
ومع ذلك حصل منهم ما حصل من العتو والعناد، ولما انتهت الأربعون السنة وسار بأحفادهم يوشع بن نون الذي كان نبياً، وهو فتى موسى، فدخلوا بيت المقدس وقاتلوا العماليق، وكاد أن يتم الفتح قرب غروب الشمس من يوم الجمعة ليلة السبت، ويوم السبت هو يوم عيدهم، فحبس الله الشمس ليوشع بن نون فقال: (اللهم إنك مأمورة وأنا مأمور، اللهم احبسها علينا، فحبسها عليهم، ووقفت حتى تم الفتح قبل أن يدخل يوم السبت)، وهذا الحديث ثابت في الصحيح، فلم تحبس الشمس لأحد إلا ليوشع بن نون، وهذه يلغز بها مسألة فقهية: من الذي حبست له الشمس؟ فلم تحبس الشمس لأحد إلا ليوشع بن نون، وجاء في أحاديث ضعيفة لا تصح أنها حبست لـ علي ﵁، لكنها لا تصح.
فدخلوا بيت المقدس، ومع ذلك لما دخلوا بيت المقدس قال الله تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة:٥٨] كما سيأتي، فغيروا بالقول وبالفعل، فدخلوا على أستاهم يزحفون على أدبارهم، ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة:٥٨] يعني: حط يا الله عنا ذنوبنا واغفر لنا، فغيروا وقالوا: حنطة، فزادوا فيها نوناً، فهذا من تغييرهم بالقول وبالفعل، ولهذا قال: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا﴾ [البقرة:٥٩] يعني: عذاباً ﴿مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [البقرة:٥٩]، فهذا من عتوهم وتمردهم وعنادهم لأنبيائهم، نسأل الله السلامة والعافية.
وأما أصحاب نبينا محمد ﵊ فإنهم خير أصحاب الأنبياء؛ فإنهم صبروا ﵃، وجاهدوا مع النبي ﷺ في غزوة تبوك في ساعة العسرة، وكانوا في شدة عظيمة، وجوع شديد، ومفازة عظيمة، وأصابهم جهد من قلة الطعام، ولم يتعنتوا كما تعنت بنو إسرائيل، بل قالوا: (يا رسول الله! لو جمعنا ما عندنا من الطعام فدعوت لنا، فجمعوا ما عندهم من الطعام، فدعا وبرك، وبارك الله فيه وملئوا كل وعاء)، وكذلك لما قل الماء أتي النبي ﷺ بماء قليل فوضع أصابعه فيه فنبع الماء من بين أصابعه، فتوضئوا واغتسلوا وملئوا كل وعاء ﵃ وأرضاهم.
وفي يوم بدر قالوا لنبيهم: (لا نقول لك كما قال بنو إسرائيل لموسى: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة:٢٤] ولكن نقاتل عن يمينك وعن شمالك، وأمامك ومن خلفك، فسر النبي ﷺ بذلك).
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وروي عن وهب بن منبه وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم نحو ما قاله السدي.
وقال سنيد عن حجاج عن ابن جريج قال: قال ابن عباس: خلق لهم في التيه ثياب لا تخرق ولا تدرن].
قوله: (لا تخرق ولا تدرن) يعني: لا تتقطع ولا تتدنس، والدرن هو الدنس، وهذا من أخبار بني إسرائيل.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [قال ابن جريج: فكان الرجل إذا أخذ من المن والسلوى فوق طعام يوم فسد، إلا أنهم كانوا يأخذون في يوم الجمعة طعام يوم السبت، فلا يصبح فاسداً.
قال ابن عطية: السلوى طير بإجماع المفسرين، وقد غلط الهذلي في قوله: إنه العسل].
يعني: قول الأكثر؛ لأن هناك اختلافاً كما سيأتي؛ فالمقصود بالإجماع قول الأكثرين، والصواب أن السلوى طائر.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وأنشد في ذلك مستشهداً: وقاسمها بالله جهداً لأنتم ألذ من السلوى إذا ما أشورها].
في القرطبي: إذا ما نشورها.
أنشد الهذلي هذا البيت على أن السلوى طعام وليس طائراً.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [قال: فظن أن السلوى عسل.
قال القرطبي: دعوى الإجماع لا تصح؛ لأن المؤرج بن عمرو السدوسي أحد علماء اللغة والتفسير قال: إنه العسل، واستدل ببيت الهذلي هذا، وذكر أنه كذلك في لغة كنانة؛ لأنه يسلى به، ومنه عين سلوان.
وقال الجوهري: السلوى العسل، واستشهد ببيت الهذلي أيضاً، والسلوانة بالضم خرزة كانوا يقول
стр. 264
فضل أصحاب رسول الله ﷺ على أصحاب الأنبياء قبلهم
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة:٥٧] أمر إباحة وإرشاد وامتنان.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة:٥٧] أي: أمرناهم بالأكل مما رزقناهم، وأن يعبدوا كما قال: ﴿كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ [سبأ:١٥]، فخالفوا وكفروا، فظلموا أنفسهم، هذا مع ما شاهدوه من الآيات البينات، والمعجزات القاطعات، وخوارق العادات.
ومن هاهنا تتبين فضيلة أصحاب محمد ﷺ ورضي الله عنهم على سائر أصحاب الأنبياء في صبرهم وثباتهم وعدم تعنتهم، مع ما كانوا معه في أسفاره وغزواته، منها عام تبوك في ذلك القيظ والحر الشديد والجهد لم يسألوا خرق عادة، ولا إيجاد أمر، مع أن ذلك كان سهلاً على النبي ﷺ ، ولكن لما أجهدهم الجوع سألوه في تكثير طعامهم، فجمعوا ما معهم، فجاء قَدْرَ مَبرك الشاة، فدعا الله فيه وأمرهم فملئوا كل وعاء معهم، وكذا لما احتاجوا إلى الماء سأل الله تعالى فجاءتهم سحابة، فأمطرتهم فشربوا وسقوا الإبل وملئوا أسقيتهم، ثم نظروا فإذا هي لم تجاوز العسكر، فهذا هو الأكمل في اتباع الشيء مع قدر الله مع متابعة الرسول ﷺ ].
كذلك في غزوة الحديبية كانت هناك بئر فنزحوها فنضبت فلم يبق شيء، فشكا الناس العطش إلى النبي ﷺ ، فدعا بإناء قليل فيه شيء قليل، فوضع أصابع يده وفرجها فنبع الماء من بين أصابعه ﵊، فشربوا وتوضئوا واغتسلوا، وملئوا كل وعاء.
стр. 265
تفسير سورة البقرة [٥٨ - ٦٠]
أنعم الله على بني إسرائيل بنعم كثيرة، فأغرق فرعون وهم ينظرون، وتاب عليهم من عبادتهم العجل، وكان من توبتهم أن يقتل بعضهم بعضاً، ثم أمر موسى البقية الباقية منهم بدخول الأرض المقدسة، وأخبرهم أن الله وعدهم بفتحها إذا هم حملوا عليهم، فرفضوا وامتنعوا، وبدلوا أمر الله لهم من الخضوع بالقول والفعل، فعاقبهم الله بالتيه، ولما هلك الجيل الذي تربى على الجزع والخوف والهلع في التيه، جاء جيل النصر والتمكين، فدخل بهم يوشع ﵇ بيت المقدس، وفي هذا تحذير لهذه الأمة أن تسلك مسلك هؤلاء، فيصيبهم ما أصابها من الرجس والعذاب.
стр. 266
تفسير قوله تعالى: (وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية)
قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ * فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [البقرة:٥٨ - ٥٩].
قال المصنف ﵀: [يقول تعالى لائماً لهم على نكولهم عن الجهاد، ودخولهم الأرض المقدسة لما قدموا من بلاد مصر صحبة موسى ﵇، فأمروا بدخول الأرض المقدسة التي هي ميراث لهم عن أبيهم إسرائيل، وقتال من فيها من العماليق الكفرة، فنكلوا عن قتالهم].
وهي بيت المقدس كما قال الله على لسان نبيه موسى: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة:٢١].
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وضعفوا واستحسروا، فرماهم الله في التيه عقوبة لهم كما ذكره تعالى في سورة المائدة، ولهذا كان أصح القولين أن هذه البلدة هي بيت المقدس كما نص على ذلك السدي والربيع بن أنس وقتادة وأبو مسلم الأصفهاني وغير واحد، وقد قال الله تعالى حاكياً عن موسى: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا﴾ [المائدة:٢١] الآيات.
وقال آخرون: هي أريحا، ويحكى عن ابن عباس وعبد الرحمن بن زيد، وهذا بعيد؛ لأنها ليست على طريقهم وهم قاصدون بيت المقدس لأريحا، وأبعد من ذلك قول من ذهب إلى أنها مصر، حكاه الرازي في تفسيره، والصحيح الأول أنها بيت المقدس، وهذا كان لما خرجوا من التيه بعد أربعين سنة مع يوشع بن نون ﵇].
ويوشع بن نون هو فتى موسى الذي صحبه في رحلته إلى الخضر، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لا أَبْرَحُ﴾ [الكهف:٦٠] وقد صار نبياً بعد ذلك، وقاد بني إسرائيل للجهاد، ففتح بهم بيت المقدس، وهو الذي حبست له الشمس، أما موسى فمعلوم أنه مات في التيه مع بني إسرائيل.
وأما الأربعون السنة التي حرم الله عليهم فيها دخول بيت المقدس، فقد قال الله : ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ [المائدة:٢٦] تحريماً قدرياً، فلما تمت المدة وجاء جيل جديد، استطاع أن يفتح بيت المقدس، أما الجيل الأول الذي تربى على الجزع والهلع، وانخلعت قلوبهم من فرعون، فرفضوا ونكلوا حيث قالوا: لا يمكن أن ندخلها أبداً ﴿َاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا﴾ [المائدة:٢٤] يقولون ذلك لنبيهم! نسأل الله السلامة والعافية.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وفتحها الله عليهم عشية جمعة، وقد حبست لهم الشمس يومئذ قليلاً حتى أمكن الفتح].
وخبر حبس الشمس ل يوشع بن نون ثابت في الصحيحين عن نبينا محمد ﷺ .
стр. 267
أمر الله لبني إسرائيل بالسجود عند دخول الأرض المقدسة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ولما فتحوها أمروا أن يدخلوا الباب باب البلد: ﴿سُجَّدًا﴾ [الأعراف:١٦١]، أي: شكراً لله تعالى على ما أنعم به عليهم من الفتح والنصر، ورد بلدهم عليهم، وإنقاذهم من التيه والضلال، قال العوفي في تفسيره عن ابن عباس: أنه كان يقول في قوله تعالى: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ [الأعراف:١٦١] أي: ركعاً، وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار حدثنا أبو أحمد الزبيري حدثنا سفيان عن الأعمش عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ قال: ركعاً من باب صغير.
رواه الحاكم من حديث سفيان به، ورواه ابن أبي حاتم من حديث سفيان وهو الثوري به، وزاد: فدخلوا من قبل أستاههم].
أي: أدبارهم، والدبر يقال له: است، وهي المقعدة، وهذا من عتوهم وعنادهم، إذ أمروا أن يدخلوا الباب سجداً فدخلوا يزحفون على أدبارهم، فكان كل واحد منهم يزحف على مقعدته والعياذ بالله! وهذا من التغيير بالفعل والتغيير بالقول، قال الله: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [الأعراف:١٦١] يعني: حط يا الله عنا ذنوبنا واغفر لنا! فقالوا: حنطة، فغيروا بالقول والفعل، والجهمية في: (استوى) زادوا لاماً فقالوا: (استولى) ولذلك قال ابن القيم ﵀: إن لام الجهمية مثل نون اليهود، فاليهود زادوا نوناً في حطة فقالوا: حنطة، والجهمية زادوا لاماً في استوى فقالوا: معنى ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [يونس:٣] استولى.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال الحسن البصري: أمروا أن يسجدوا على وجوههم حال دخولهم واستبعده الرازي، وحكي عن بعضهم أن المراد هاهنا بالسجود: الخضوع لتعذر حمله على حقيقته].
والصواب الأول، وهو أن المراد بالسجود: الركوع، وليس المراد السجود على الجباه أو الخضوع؛ لأمرين: الأول: أن السجود يأتي في اللغة بمعنى الركوع.
الثاني: أنه لا يمكن دخولهم على جباههم، والركوع في اللغة يسمى سجوداً، ومنه سجدت الأشجار أي: مالت، فالميل يسمى سجوداً.
والمعنى: ادخلوا الباب ركعاً وأنتم خاضعون لله بالقول والفعل تعظيماً لله ، واسألوا الله المغفرة، وحط الخطايا، وقولوا حطة، فغيروا بالقول والفعل، فعاقبهم الله تعالى حيث قال: ﴿فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [البقرة:٥٩] وفي الآية أن عملهم هذا فسق وعصيان لله ولرسوله، فبعد أن منّ الله عليهم وفتح عليهم، أمرهم أن يشكروه فيدخلون راكعين خاضعين شاكرين له على ما تم لهم من الفتح والنصر، وعلى استرداد بلدهم عليهم، وعلى نصرهم على العماليق الكفار، فغيروا بالقول وبالفعل، ودخلوا يزحفون على أستاههم، وقالوا: حنطة، نعوذ بالله! قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال خصيف: قال عكرمة: قال ابن عباس: كان الباب قبل القبلة، وقال ابن عباس ومجاهد والسدي وقتادة والضحاك: هو باب الحطة من باب إيليا ببيت المقدس، وحكى الرازي عن بعضهم: أنه عنى بالباب جهة من جهات القبلة، وقال خصيف: قال عكرمة: قال ابن عباس: فدخلوا على شق، وقال السدي: عن أبي سعيد الأزدي عن أبي الكنود عن عبد الله بن مسعود ﵁ قيل لهم: ادخلوا الباب سجداً، فدخلوا مقنعي رءوسهم، أي: رافعي رءوسهم خلاف ما أمروا].
стр. 268
بيان معنى قوله تعالى: (وقولوا حطة) وذكر أقوال السلف في الآية
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقوله تعالى: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ قال الثوري عن الأعمش عن المنهال عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄: ((وَقُولُوا حِطَّةٌ))، قال: مغفرة واستغفروا، وروي عن عطاء والحسن وقتادة والربيع بن أنس نحوه.
وقال الضحاك عن ابن عباس: ((وَقُولُوا حِطَّةٌ)) قال: قولوا هذا الأمر حق كما قيل لكم، وقال عكرمة: قولوا: لا إله إلا الله، وقال الأوزاعي: كتب ابن عباس إلى رجل قد سماه فسأله عن قوله تعالى: ((وَقُولُوا حِطَّةٌ)) فكتب إليه أن أقروا بالذنب، وقال الحسن وقتادة أي: احطط عنا خطايانا.
﴿نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة:٥٨] وقال: هذا جواب الأمر، أي: إذا فعلتم ما أمرناكم غفرنا لكم الخطيئات وضاعفنا لكم الحسنات.
وحاصل الأمر أنهم أمروا أن يخضعوا لله تعالى عند الفتح بالفعل والقول، وأن يعترفوا بذنوبهم ويستغفروا منها، والشكر على النعمة عندها، والمبادرة إلى ذلك من المحبوب عند الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر:١ - ٣].
فسره بعض الصحابة بكثرة الذكر والاستغفار عند الفتح والنصر، وفسره ابن عباس بأنه نعي إلى رسول الله ﷺ أجله فيها، وأقره على ذلك عمر ﵁، ولا منافاة بين أن يكون قد أمر بذلك عند ذلك ونعى إليه روحه الكريمة أيضاً].
هو كما قال، فالأمران مراد: نعي إليه روحه الكريمة وأخبر بقرب أجله ﵇، وهي أمر بكثرة الذكر والاستغفار عند تقدم السن.
والمقصود من هذه الآية تحذير هذه الأمة من أن تسلك مسلك بني إسرائيل فتعصي نبيها ﵊ بالقول أو بالفعل؛ فيصيبها ما أصاب بني إسرائيل من الرجس والعذاب، فلذا قال سبحانه: ﴿فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ [البقرة:٥٩] وليس كما قال بعض المفسرين: مضى القوم ولم يعن به سواهم، فإن كانوا قد مضوا، فالمقصود نحن الآن، فهو تحذير لنا من أن نسلك مسلكهم فيصيبنا ما أصابهم.
стр. 269
الشكر على النصر دأب نبينا ﷺ
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ولهذا كان ﵊ يظهر عليه الخضوع جداً عند النصر، كما روى أنه كان يوم الفتح فتح مكة داخلاً إليها من الثنية العليا وأنه لخاضع لربه حتى إن عثنونه ليمس مورك رحله شكراً لله على ذلك، ثم لما دخل البلد اغتسل وصلى ثمان ركعات وذلك ضحى، فقال بعضهم: هذه صلاة الضحى، وقال آخرون: بل هي صلاة الفتح، فاستحبوا للإمام وللأمير إذا فتح بلداً أن يصلي فيها ثمان ركعات عند أول دخوله كما فعل سعد بن أبي وقاص ﵁ لما دخل إيوان كسرى، صلى فيه ثمان ركعات، والصحيح أنه يفصل بين كل ركعتين بتسليم، وقيل: يصليها كلها بتسليم واحد، والله أعلم].
والصواب أنه يسلم من كل ركعتين، وهذه يصدق عليها أنها صلاة الضحى وصلاة النصر، فصلاة الضحى ثابتة ويسن المداومة عليها، فإن النبي ﷺ أمر أبا الدرداء وأبا هريرة بالمحافظة عليها.
وكذلك أخبر النبي ﷺ : (أنه يصبح على كل سلامى من الناس صدقة) -وهي المفاصل- ثم قال: (ويجزئ عن ذلك ركعتان يركعهما من الضحى).
стр. 270
تفسير قوله تعالى: (فبدل الذين ظلموا قولاً غير الذي قيل لهم)
قال الله تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ [البقرة:٥٩].
قال المصنف رحمه الله تعالى: قال البخاري: حدثني محمد حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن ابن المبارك عن معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: (قيل لبني إسرائيل: ادخلوا الباب سجداً وقولوا حطة، فدخلوا يزحفون على أستاههم فبدلوا وقالوا: حبة في شعرة).
ورواه النسائي عن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم عن عبد الرحمن به موقوفاً، وعن محمد بن عبيد بن محمد عن ابن المبارك ببعضه مسنداً في قوله تعالى: ((حِطَّةٌ)) قال: فبدلوا وقالوا: حبة.
وقال عبد الرزاق: أنبأنا معمر عن همام بن منبه أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : (قال الله لبني إسرائيل: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾ [البقرة:٥٨] فبدلوا ودخلوا الباب يزحفون على أستاههم فقالوا حبة في شعرة)، وهذا حديث صحيح رواه البخاري عن إسحاق بن نصر ومسلم عن محمد بن رافع والترمذي عن عبد الرحمن بن حميد كلهم عن عبد الرزاق به، وقال الترمذي: حسن صحيح.
وقال محمد بن إسحاق: كان تبديلهم كما حدثني صالح بن كيسان عن صالح مولى التوأمة عن أبي هريرة، وعمن لا أتهم عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: (دخلوا الباب -الذي أمروا أن يدخلوا فيه سجداً- يزحفون على أستاههم وهم يقولون: حنطة في شعيرة).
وقال أبو داود: حدثنا أحمد بن صالح وحدثنا سليمان بن سليمان بن داود حدثنا عبد الله بن وهب حدثنا هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ : (قال الله لبني إسرائيل: ﴿َادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾ [البقرة:٥٨]).
ثم قال أبو داود: حدثنا أحمد بن مسافر حدثنا ابن أبي فديك عن هشام بمثله، هكذا رواه منفرداً به في كتاب الحروف مختصراً].
أي: تبديل حرف بحرف، حطة حنطة.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال ابن مردويه: حدثنا عبد الله بن جعفر حدثنا إبراهيم بن مهدي حدثنا أحمد بن محمد بن المنذر القزاز حدثنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (سرنا مع رسول الله ﷺ حتى إذا كان من آخر الليل أجزنا في ثنية يقال لها ذات الحنظل، فقال رسول الله ﷺ : ما مثل هذه الثنية الليلة إلا كمثل الباب الذي قال الله لبني إسرائيل: ﴿َادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾ [البقرة:٥٨]).
وقال سفيان الثوري عن أبي إسحاق عن البراء: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ﴾ [البقرة:١٤٢] قال اليهود: قيل لهم: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ [البقرة:٥٨] قال: ركعاً، ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة:٥٨] أي: مغفرة، فدخلوا على أستاههم وجعلوا يقولون: حنطة حمراء فيها شعيرة، فذلك قول الله تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ [البقرة:٥٩]].
في نسخة: حبة في شعرة، وهو الأقرب.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال الثوري عن السدي عن أبي سعيد الأزدي عن أبي الكنود عن ابن مسعود: ((وَقُولُوا حِطَّةٌ))، فقالوا: حنطة، حبة حمراء فيها شعيرة، فأنزل الله: ((فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ)).
وقال أسباط عن السدي عن مرة عن ابن مسعود أنه قال: إنهم قالوا: هطا سمعاتا أزبة مزبا، فهي بالعربية: حبة حنطة حمراء مثقوبة فيها شعرة سوداء]، واللفظ باللغة العبرية، وهي لغة اليهود.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فذلك قوله تعالى: ((فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ)).
وقال الثوري عن الأعمش عن المنهال عن سعيد عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ((وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا)) قال: ركعاً من باب صغير، فدخلوا من قبل أستاههم وقالوا: حنطة، فذلك قوله تعالى: ((فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ)).
وهكذا روي عن عطاء ومجاهد وعكرمة والضحاك والحسن وقتادة والربيع بن أنس ويحيى بن رافع.
وحاصل ما ذكره المفسرون وما دل عليه السياق أنهم بدلوا أمر الله لهم من الخضوع بالقول والفعل، فأمروا أن يدخلوا سجداً، فدخلوا يزحفون على أستاههم من قبل أستاههم رافعي رءوسهم، وأمروا أن يقولوا حطة، أي: احطط عنا ذنوبنا وخطايانا، فاستهزءوا فقالوا: حنطة في شعيرة، وهذا في غاية ما يكون من المخالفة والمعاندة؛ ولهذا أنزل الله بهم بأسه وعذابه بفسقهم وهو خروجهم عن طاعته، ولهذا قال: ﴿فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [البقرة:٥٩] وقال الضحاك: عن ابن عباس: كل شيء في كتاب الله من الرجز، يعني به العذاب، وهكذا روي عن مجاهد وأبي مالك والسدي والحسن وقتادة أنه العذاب، وقال أبو العالية: الرجز الغضب، وقال الشعبي: الرجز إما الطاعون وإما البرد، وقال سعيد بن جبير: هو الطاعون.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا وكيع عن سفيان عن حبيب بن أبي ثابت عن إبراهيم بن سعد يعني ابن أبي وقاص عن سعد بن مالك وأسامة بن زيد وخزيمة بن ثابت ﵃، قالوا: قال رسول الله ﷺ : (الطاعون رجز عذاب عذب به من كان قبلكم).
وهكذا رواه النسائي من حديث سفيان الثوري به، وأصل الحديث في الصحيحين من حديث حبيب بن أبي ثابت: (إذا سمعتم الطاعون بأرض فلا تدخلوها) الحديث].
والرجز هو العذاب، والطاعون نوع من العذاب، لكنه رحمة للمؤمنين وشهادة لكل مسلم كما في الحديث: (الطاعون شهادة للمسلم).
وفي الحديث الآخر: (الشهداء خمسة، وذكر: المطعون والمبطون والحريق وصاحب الهدم).
قال المصنف رحمه الله تعالى: [قال ابن جرير: أخبرني يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهب عن يونس عن الزهري قال أخبرني عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أسامة بن زيد عن رسول الله ﷺ قال: (إن هذا الوجع والسقم رجز عذب به بعض الأمم قبلكم).
وهذا الحديث أصله مخرج في الصحيحين من حديث الزهري ومن حديث مالك عن محمد بن المنكدر وسالم بن أبي النضر عن عامر بن سعد بنحوه].
ولفظ البخاري: (الطاعون رجس أرسل على طائفة من بني إسرائيل أو على من كان قبلكم).
ولفظ مسلم: (الطاعون رجس أو عذاب).
وفي لفظ: (الطاعون آية الرجز، ابتلى الله به ناساً من عباده).
وفي لفظ آخر: (إن هذا الوجع أو السقم رجس عذب به بعض الأمم قبلكم، ثم بقي بعد في الأرض، فيذهب المرة ويأتي الأخرى)].
وذكر الحافظ في الفتح نزول الرجس على بني إسرائيل، فمن أحب أن يستزيد فعليه به، وهي موجودة في باب: ما يذكر في الطاعون.
قال ابن حجر في الفتح: والتنصيص على بني إسرائيل أخص، فإن كان ذلك المراد فكأنه أشار بذلك إلى ما جاء في قصة بلعام، فقد أخرج الطبري من طريق سليمان التيمي أحد صغار التابعين، عن سيار أن رجلاً كان يقال له بلعام، وكان مجاب الدعوة، وأن موسى أقبل في بني إسرائيل يريد الأرض التي فيها بلعام، فأتاه قومه فقالوا: ادع الله عليهم، فقال: حتى أؤامر ربي، فمنع، والمعرو
стр. 271
تفسير قوله تعالى: (وإذ استسقى موسى لقومه)
قال الله تعالى: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [البقرة:٦٠].
قال المصنف ﵀: [يقول تعالى: واذكروا نعمتي عليكم في إجابتي لنبيكم موسى ﵇ حين استسقاني لكم وتيسيري لكم الماء وإخراجه لكم من حجر معكم وتفجيري الماء لكم منه من اثنتي عشرة عيناً لكل سبط من أسباطكم عين قد عرفوها، فكلوا من المن والسلوى، واشربوا من هذا الماء الذي أنبعته لكم بلا سعي منكم ولا كد، واعبدوا الذي سخر لكم ذلك: ((وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ)) ولا تقابلوا النعم بالعصيان فتسلبوها.
وقد بسطه المفسرون في كلامهم كما قال ابن عباس ﵁: وجعل بين ظهرانيهم حجر مربع، وأمر موسى ﵇ فضربه بعصاه فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً في كل ناحية منه ثلاث عيون، وأعلم كل سبط عينهم يشربون منها لا يرتحلون من منقلة إلا وجدوا ذلك معهم بالمكان الذي كان منهم بالمنزل الأول، وهذا قطعة من الحديث الذي رواه النسائي وابن جرير وابن أبي حاتم وهو حديث الفتون الطويل.
وقال عطية العوفي: وجعل لهم حجراً مثل رأس الثور يحمل على ثور، فإذا نزلوا منزلاً وضعوه فضربه موسى ﵇ بعصاه، فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً، فإذا ساروا حملوه على ثور فاستمسك الماء.
وقال عثمان بن عطاء الخراساني عن أبيه: كان لبني إسرائيل حجر، فكان يضعه هارون ويضربه موسى بالعصا.
وقال قتادة: كان حجراً طورياً من الطور يحملونه معهم، حتى إذا نزلوا ضربه موسى بعصاه.
وقال الزمخشري: وقيل: كان من الرخام، وكان ذراعاً في ذراع.
وقيل: مثل رأس الإنسان.
وقيل: كان من الجنة طوله عشرة أذرع على طول موسى، وله شعبتان تتقدان في الظلمة، وكان يحمل على حمار.
قال: وقيل أهبطه آدم من الجنة فتوارثوه حتى وقع إلى شعيب فدفعه إليه مع العصا.
وقيل: هو الحجر الذي وضع عليه ثوبه حين اغتسل، فقال له جبريل: ارفع هذا الحجر فإن فيه قدرة ولك فيه معجزة فحمله في مخلاته.
قال الزمخشري: ويحتمل أن تكون اللام للجنس لا للعهد، أي: اضرب الشيء الذي يقال له الحجر.
وعن الحسن: لم يأمره أن يضرب حجراً بعينه، قال: وهذا أظهر في المعجزة وأبين في القدرة، فكان يضرب الحجر بعصاه فينفجر، ثم يضربه فييبس.
فقالوا: إن فقد موسى هذا الحجر عطشنا، فأوحى الله إليه أن يكلم الحجارة فتنفجر ولا يمسها بالعصا لعلهم يقرون، والله أعلم].
يَكْلَم الحجر، أي: يضربها، أو يجعل فيها كلم، والكلم: الجوف.
وفي هذه الآيات الكريمة يذكر الله تعالى بني إسرائيل بنعمه عليهم، ويخاطب اليهود الذين كانوا في المدينة في زمن النبي ﷺ ، وهم أحفاد اليهود السابقين الذين كانوا مع موسى، لأن النعمة على الأجداد نعمة على الأحفاد؛ ولهذا قال تعالى: ((وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ)) أي: اذكروا نعمتي عليكم في إخراج الماء من الحجر حينما استسقى موسى، وتلك النعم وقعت عندما كانوا في التيه، وهي صحراء سيناء التي بين مصر وفلسطين.
ومعلوم أن بني إسرائيل قد أنعم الله عليهم بنعم كثيرة، ولكنهم قوم عتاة، ومن تلك النعم: أن الله تعالى أغرق فرعون عدوهم وهم ينظرون، فلما ساروا مع موسى ومروا بقوم يعبدون صنماً قالوا: ﴿يَا مُوسَى اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف:١٣٨]، فبعد أن رأوا بأعينهم تلك المعجزة، وعلموا أن الله هو ربهم، وأنه المستحق للعبادة، مروا على قوم يعبدون صنماً فقالوا: ﴿اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف:١٣٨]، ولما ذهب موسى ﵇ لميقات ربه أربعين ليلة، وقد استخلف أخاه هارون وكان نبياً، صور لهم السامري العجل فعبدوه من دون الله، ثم بعد ذلك سأل موسى ربه أن يتوب عليهم فتاب الله عليهم، وكان من توبتهم أن قتل بعضهم بعضاً، ولما بقي البقية منهم بعد توبتهم أمرهم موسى ﵇ أن يدخلوا الأرض المقدسة وهي بيت المقدس، فيفتحوها، وأن يقاتلوا العماليق وهم قوم كفار، وأخبرهم موسى ﵇ أن الله وعدهم بفتحها إذا هم حملوا عليهم، فرفضوا وامتنعوا، وقالوا: لا يمكن، فقال لهم: إن الله وعدني بالنصر إذا حملتم عليهم، فإذا دخلتموه فإنكم غالبون، قالوا: لا: ﴿إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا﴾ [المائدة:٢٢] ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا﴾ [المائدة:٢٤]، فعاقبهم الله بالتيه، قال الله: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ﴾ [المائدة:٢٦]، فظلوا أربعين سنة لا يهتدون إلى بلدهم، حتى مات كل هذا الجيل كله في التيه -في الصحراء- ومات معهم نبيهم موسى ﵇، ثم لما نشأ أحفادهم وأبناؤهم سار بهم يوشع بن نون فتى موسى -وكان نبياً بعد ذلك- وفتح بهم بيت المقدس، ولما عاقبهم الله بالتيه في الصحراء، وكانت أرضاً قاحلة ليس فيها أنهار ولا عيون ولا آبار، أنعم الله عليهم بنعم كثيرة، منها: أن الله أنزل عليهم المن والسلوى، كالعسل ينزل عليهم كل يوم، غذاء وحلوى وفاكهة، والسلوى طائر يقال له السمانى يأكلون منه، فقالوا: قد أكلنا فأين الشراب؟ فأمر الله موسى أن يضرب الحجر بعصاه فتنفجر إثنا عشر عيناً على عدد الأسباط، فكل قبيلة كان لها عين حتى لا يتنازعوا ولا يحترشوا، والله أعلم بهذا الحجر، أما القول: بأن هذا الحجر طوله كذا وعرضه كذا، وأنه نزل من الجنة، وأنه من الطور، أو أن له عينان تتقدان، فكل هذا من أخبار بني إسرائيل والله أعلم بذلك، وإنما العبرة بالإيمان بأن موسى يضرب حجراً، فينفجر اثني عشر عيناً، لكل سبط من أسباط بني إسرائيل عين حتى لا يتنازعوا ولا يختلفوا؛ ولهذا قال الله: ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ [البقرة:٦٠]، وأيضاً من نعمه سبحانه عليهم في هذه الصحراء الحارة: أنه كان يأتيهم الغمام مثل السحاب، ويظلل عليهم حتى يزول الحر في الشدة، ولكن مع عظم هذه النعم إلا أنهم كانوا قوماً عتاة.
وبهذا يتميز أصحاب نبينا محمد ﷺ ، فإنهم صبروا في غزوة تبوك على الشدة والجهد والجوع الذي أصابهم، ولم يتعنتوا ولم يطلبوا ما طلب بنو إسرائيل من موسى، ولذلك لما قل عليهم الطعام سألوا النبي ﷺ أن يدعو الله وأن يبارك فيه، فجمعوا ما عندهم فدعا النبي ﷺ ، فبارك الله في هذا الطعام وملئوا كل إناء، وكذلك لما قل عليهم الماء أمرهم بأن يأتوا بإناء فيه ضحضاح من ماء، فبسط يده في الإناء وفرج أصابعه، فنبع الماء من بين أصابعه فملئوا كل وعاء.
فامتاز أصحاب النبي ﷺ بفضلهم وعلمهم وصبرهم وتحملهم وتقديرهم واحترامهم وتعزيرهم وتوقيرهم لنبينا محمد ﷺ .
فنسأل الله أن يوفقنا للسير على منهاجهم والتأدب بالآداب الشرعية، وتعظيم السنة والعمل بها واتباعها وملازمتها، إنه على كل شيء قدير.
ويوشع كان فتى موسى ﵉، وكان معه لما ذهب إلى الخضر، وهو الذي فتح بيت المقدس بعد وفاة موسى، وهو الذي حبست له الشمس يوم الجمعة ليلة السبت الذي هو يوم عيدهم، وخشي أن تغرب الشمس قبل أن يتم الفتح فدعا الله، وقال: اللهم احبسها علينا، وقال للشمس: أنت مأمورة وأنا مأمور، اللهم احبسها علينا، فحبسها الله ووقفت حتى تم الفتح قبل غروب الشمس، ولم تحبس الشمس لأحد إلا لـ يوشع بن نون، وهذا ثابت في الصحيح.
قال المصنف ﵀: [وقال يحيى بن النضر: قلت لـ جويبر: كيف علم كل أناس مشربهم؟ قال: كان موسى يضع الحجر ويقوم من كل سبط رجل ويضرب موسى الحجر فينفجر منه اثنتا عشرة عيناً فينضح من كل عين على رجل فيدعو ذلك الرجل سبطه إلى تلك العين.
وقال الضحاك: قال ابن عباس: لما كان بنو اسرائيل في التيه شق لهم من الحجر أنهاراً.
وقال الثوري عن أبي سعيد عن عكرمة عن ابن عباس: قال ذلك في التيه ضرب لهم موسى الحجر فصار منه اثنتا عشرة عيناً من ماء لكل سبط منهم عين يشربون منها، وقال مجاهد نحو قول ابن عباس.
وهذه القصة شبيهة بالقصة التي في سورة الأعراف، ولكن تلك مكية، فلذلك كان الإخبار عنهم بضمير الغائب؛ لأن الله تعالى يقص على رسوله ﷺ ما فعل بهم.
وأما في هذه السورة -وهي البقرة- فهي مدنية، فلهذا كان الخطاب فيها متوجهاً إليهم، وأخبر هناك بقوله: ﴿فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ [الأعراف:١٦٠] وهو أول الانفجار، وأخبر ههنا بما آل إليه الحال آخراً وهو الانفجار، فناسب ذكر الانفجار هاهنا وذاك هناك والله أعلم].
نزلت سورة الأعرف في مكة قبل أن يهاجر النبي إلى المدينة، وفيها أخبر الله تعالى نبيه عن حال بني إسرائيل بضمير الغيبة: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِب بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ [الأعراف:١٦٠]، وهنا قال: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ [البقرة:٦٠]، وه
стр. 272
تفسير سورة البقرة [٦١ - ٦٢]
عُرف بنو إسرائيل بتعنتاتهم مع أنبيائهم، ومن تعنتاتهم: سؤالهم موسى ﵇ أن يدعو ربه أن يخرج لهم من الأرض البقل والقثاء والفوم والبصل والعدس، فأخبرهم نبيهم موسى ﵇ بأن يهبطوا أي مصر من الأمصار، وسيجدون هذه الأمور التي طلبوها، فرفضوا وامتنعوا، فضرب الله عليهم الذلة والمسكنة، واستحقوا غضب الله عليهم، وكل هذا وغيره بسبب كفرهم بآيات الله وقتلهم أنبيائه، ثم بين الله تعالى حال من خالف أوامره وارتكب نواهيه، ونبه تعالى على أن من أحسن من الأمم السالفة وأطاع فإن له جزاء الحسنى، وكذلك الأمر إلى قيام الساعة.
стр. 273
تفسير قوله تعالى: (وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد)
قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾ [البقرة:٦١].
قال المصنف ﵀: [يقول تعالى: واذكروا نعمتي عليكم في إنزالي عليكم المن والسلوى طعاماً طيبا نافعاً هنيئاً سهلاً، واذكروا دبركم وضجركم مما رزقناكم، وسؤالكم موسى استبدال ذلك بالأطعمة الدنيئة من البقول ونحوها مما سألتم].
ومنه قوله تعالى: ﴿وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ [النساء:٢]، والمراد بذلك استبدال الأطعمة، فالباء إنما تدخل على المتروك، فهم قد استبدلوا الشيء الطيب وأخذوا بدله الأطعمة الرديئة.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [قال الحسن البصري: فبطروا ذلك فلم يصبروا عليه.
وذكروا عيشهم الذي كانوا فيه، وكانوا قوماً أهل أعداس وبصل وبقول وفوم، فقالوا: ﴿يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا﴾ [البقرة:٦١] وإنما قالوا على طعام واحد وهم يأكلون المن والسلوى؛ لأنه لا يتبدل ولا يتغير كل يوم، فهو مأكل واحد].
قوله: دبركم، أي: توليكم، وهذا من دنو همتهم، فإن الله تعالى أنزل عليهم المن، وهو يشبه العسل، ويكون طعاماً، وإذا ركب مع غيره صار حلوى وفاكهة، والسلوى طائر لحمه من ألذ اللحوم، ومع ذلك يقولون: يا موسى! نريد البصل والكراث والثوم، لن نصبر على طعام واحد، أفي كل يوم من وسلوى؟ نريد تبديلاً وتغييراً ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا﴾ [البقرة:٦١] وشجر البقل معروف، ولعل البقالة تنسب إليه، فمما يباع فيها الكراث والبصل والثوم والقثاء -هو الخيار- وما أشبهه، والفوم هو الثوم أو غيره، فقال لهم موسى: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ [البقرة:٦١] أي: أتختارون الرديء وتتركون الجيد؟! وهل يقاس الآن الثوم والبصل والكراث بالمن والسلوى؟! ولهذا قال لهم موسى: أن هذه الأمور التي طلبتموها دنيئة لا تستحق أن أسأل ربي، فلو دخلتم أي بلد من البلدان لوجدتموها ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾ [البقرة:٦١] فأي بلد ستدخلونها ستجدون الكراث والثوم والبصل، وهذا يدل على دنو همتهم وتعنتهم.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فالبقول والقثاء والعدس والبصل كلها معروفة، وأما الفوم، فقد اختلف السلف في معناها، فوقع في قراءة ابن مسعود: (وثومِها) بالثاء، وكذا فسره مجاهد في رواية ليث بن أبي سليم عنه، بالثوم.
وكذا الربيع بن أنس وسعيد بن جبير، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا عمرو بن رافع حدثنا أبو عمارة يعقوب بن إسحاق البصري عن يونس، عن الحسن في قوله: ﴿وَفُومِهَا﴾ [البقرة:٦١] قال: قال ابن عباس: الثوم، قال: وفي اللغة القديمة: فوموا لنا بمعنى اختبزوا؟! قال ابن جرير: فإن كان ذلك صحيحاً، فإنه من الحروف المبدلة كقولهم: وقعوا في عاثور شر وعافور شر، وأثافي وأثاثي، ومغافير ومغاثير].
وهنا فوم وثوم، فالحروف ينوب بعضها عن بعض، فيقال: فوم، ويقال: ثوم، ويقال: أثافي وأثاثي، وعلى هذا القول فالفوم معناه الثوم، وهذا هو أحد الأقوال.
قال المصنف ﵀: [وأشباه ذلك مما تقلب الفاء ثاء، والثاء فاء لتقارب مخرجيهما.
والله أعلم.
وقال آخرون: الفوم الحنطة، وهو البر الذي يعمل منه الخبز.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن عبد الأعلى قراءة، أنبأنا ابن وهب قراءة حدثني نافع بن أبي نعيم أن ابن عباس ﵄: سئل عن قول الله: ((وَفُومِهَا)) ما فومها؟ قال: الحنطة.
قال ابن عباس: أما سمعت قول أحيحة بن الجلاح، وهو يقول: قد كنت أغني الناس شخصاً واحداً ورد المدينة عن زراعة فوم].
وهنا ذكر القول الثاني في الفوم: وهو الحنطة، أي: أنه البر بأنواعه.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال ابن جرير: حدثنا علي بن الحسن، حدثنا مسلم الجهني، حدثنا عيسى بن يونس عن رشدين بن كريب].
وفي بعض النسخ: رشيد، والصواب أنه: رشدين بن كريب بن أبي مسلم الهاشمي مولاهم أبو كريب المدني ضعيف من السادسة كما في التقريب.
قال المصنف رحمه الله تعالى: عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله تعالى: ((وَفُومِهَا)) قال: الفوم الحنطة بلسان بني هاشم، وكذا قال علي بن أبي طلحة والضحاك وعكرمة عن ابن عباس: أن الفوم الحنطة.
وقال سفيان الثوري عن ابن جريج عن مجاهد وعطاء: ((وَفُومِهَا)) قالا: وخبزها.
وقال هشيم عن يونس عن الحسين وحصين عن أبي مالك: ((وَفُومِهَا)) قال: الحنطة، وهو قول عكرمة والسدي والحسن البصري وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم.
فالله أعلم.
وقال الجوهري: الفوم: الحنطة.
وقال ابن دريد: الفوم: السنبلة.
وحكى القرطبي عن عطاء وقتادة: أن الفوم كل حب يختبز.
قال: وقال بعضهم: هو الحمص، لغة شامية، ومنه يقال لبائعه: فامي، مغير عن فومي.
قال البخاري: وقال بعضهم الحبوب التي تؤكل كلها فوم].
بمعنى: أنه منقلب عن فام، وأصله فوم، فقلبت الواو ألفاً فصار: فامي.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقوله تعالى: ﴿قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ [البقرة:٦١].
فيه تقريع لهم وتوبيخ على ما سألوا من هذه الأطعمة الدنيئة، مع ما هم فيه من العيش الرغيد، والطعام الهنيء الطيب النافع].
وهذا من ضمن تعنتاتهم، فلقد كان لهم تعنتات كثيرة على أنبيائهم، والله يغدق عليهم وينعم عليهم ولا يعاجلهم بالعقوبة.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقوله تعالى: ((اهْبِطُوا مِصْرًا)) هكذا هو منون مصروف، مكتوب بالألف في المصاحف الأئمة العثمانية، وهو قراءة الجمهور بالصرف.
وقال ابن جرير: ولا أستجيز القراءة بغير ذلك لإجماع المصاحف على ذلك.
وقال ابن عباس: ((اهْبِطُوا مِصْرًا)) قال: مصراً من الأمصار، رواه ابن أبي حاتم من حديث أبي سعيد البقال سعيد بن المرزبان عن عكرمة عنه قال: وروي عن السدي وقتادة والربيع بن أنس نحو ذلك.
وقال ابن جرير: وقع في قراءة أبي بن كعب وابن مسعود: اهبطوا مصر من غير إجراء، يعني من غير صرف].
يريد بـ (مصر) الدولة المعروفة، والقراءة المعتبرة كما تقدم مصراً: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾ [البقرة:٦١] والمراد بـ (مصراً) أي بلدٍ من البلدان، أو مصراً من الأمصار، أي: اهبطوا أي بلدٍ من البلدان، ولا يمكن أن يكون المراد الدولة المعروفة؛ لأنهم خرجوا منها ولا يريدون الرجوع إليها، وإنما المراد: اهبطوا أي بلد من البلدان، أو اهبطوا مصراً من الأمصار تجدون هذه التي طلبتم: البقول، والكراث، والثوم.
وعند ذلك ليسوا بحاجة إلى أن يقولوا: ((ادْعُ لَنَا رَبَّكَ)) والمعنى: ليس ما طلبتم هو بالأمر المهم حتى أسأل ربي أن يعطيكم ذلك؛ لأن مثل هذه ستجدونها في أي بلد من البلدان.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ثم روى عن أبي العالية والربيع بن أنس أنهما فسرا ذلك: بمصر فرعون].
وهذا على قراءة من قرأها بدون تنوين، لكنها قراءة غير معتمدة، والمعتمد ما جاء في مصاحف الأئمة العثمانية التي أجمع عليها الصحابة: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾ [البقرة:٦١] بالتنوين، فلا تثبت قراءة: (اهبطوا مصر).
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وكذا رواه ابن أبي حاتم عن أبي العالية والربيع وعن الأعمش أيضاً.
قال ابن جرير: ويحتمل أن يكون المراد: مصر فرعون على قراءة الإجراء أيضاً.
ويكون ذلك من باب الإتباع لكتابة المصحف كما في قوله تعالى: ﴿قَوَارِيرَاً * قَوَارِيرَ﴾ [الإنسان:١٥ - ١٦] ثم توقف في المراد ما هو أمصر فرعون أم مصر من الأمصار؟].
وهذا الاحتمال ضعيف، والأقرب القول الأول، وهو أن المراد: أي مصر من الأمصار.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وهذا الذي قاله فيه نظر، والحق أن المراد: مصر من الأمصار كما روي عن ابن عباس وغيره].
وهذا هو الحق والصواب كما قال الحافظ رحمه الله تعالى.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [والمعنى على ذلك؛ لأن موسى ﵇ يقول لهم: هذا الذي سألتم ليس بأمر عزيز، بل هو كثير في أي بلد دخلتموها وجدتموه، فليس يساوي مع د
стр. 274
تفسير قوله تعالى: (وضربت عليهم الذلة والمسكنة)
قال الله تعالى: [قوله تعالى: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [البقرة:٦١].
قال المصنف رحمه الله تعالى: ((وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ)) أي: وضعت عليهم وألزموا بها شرعاً وقدراً، أي: لا يزالون مستذلين، من وجدهم استذلهم وأهانهم وضرب عليهم الصغار، وهم مع ذلك في أنفسهم أذلاء متمسكنون.
قال الضحاك: عن ابن عباس: ((وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ)) قال: هم أصحاب النيالات، يعني: الجزية].
والسبب في أنهم عوقبوا بهذا: هو عصيانهم وعتوهم وعنادهم، ومخالفتهم لأنبيائهم.
والقبيل: هو العريف، أو رئيس اليهود الذي يأخذ الجزية من اليهود ويدفعها إلى المسلمين.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال عبد الرزاق، عن معمر، عن الحسن، وقتادة في قوله تعالى: ((وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ)) قال: يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون، وقال الضحاك: ((وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ))، قال: الذل وقال الحسن: أذلهم الله فلا منعة لهم، وجعلهم تحت أقدام المسلمين، ولقد أدركتهم هذه الأمة وإن المجوس لتجبيهم الجزية].
قوله: تجبي منهم، أي: تؤخذ منهم الجزية.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال أبو العالية والربيع بن أنس والسدي: المسكنة: الفاقة، وقال عطية العوفي: الخراج، وقال الضحاك: الجزية.
وقوله تعالى: ((وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ)) قال الضحاك: استحقوا الغضب من الله، وقال الربيع بن أنس: فحدث عليهم غضب من الله، وقال سعيد بن جبير: ((وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ)) يقول: استوجبوا سخطاً.
وقال ابن جرير: يعني بقوله: ((وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ)) انصرفوا ورجعوا، ولا يقال: باء إلا موصولاً إما بخير وإما بشر، يقال من: باء فلان بذنبه يبوء به بوءاً وبواء، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ [المائدة:٢٩] يعني: تنصرف متحملهما وترجع بهما قد صارا عليك دوني.
فمعنى الكلام: إذا رجعوا منصرفين متحملين غضب الله قد صار عليهم من الله غضب، ووجب عليهم من الله سخط.
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [البقرة:٦١].
يقول تعالى: هذا الذي جازيناهم من الذلة والمسكنة، وإحلال الغضب بهم من الذلة بسبب استكبارهم عن اتباع الحق وكفرهم بآيات الله، وإهانتهم حملة الشرع، وهم الأنبياء وأتباعهم، فانتقصوهم إلى أن أفضى بهم الحال إلى أن قتلوهم، فلا كفر أعظم من هذا، إنهم كفروا بآيات الله، وقتلوا أنبياء الله بغير الحق؛ ولهذا جاء في الحديث المتفق على صحته: أن رسول الله ﷺ قال: (الكبر بطر الحق وغمط الناس)].
وبذلك فإنهم قد جمعوا الشرور كلها والعياذ بالله؛ فكفروا بالله، وقتلوا أنبياء الله، وتجاوزوا الحدود، وقد توعدهم الله بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [آل عمران:٢٢]، وهذا من أعظم الذنوب وأعظم الكفر، نسأل الله السلامة والعافية.
وقد وهم المصنف في قوله: في الحديث المتفق على صحته، وإنما أخرجه مسلم فحسب، وإن كان المصنف الحافظ ابن كثير له عناية بالسنة، لكن الوهم لا يسلم منه أحد.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال الإمام أحمد ﵀: حدثنا إسماعيل عن ابن عون عن عمرو بن سعيد عن حميد بن عبد الرحمن قال: قال ابن مسعود: (كنت لا أحجب عن النجوى، ولا عن كذا ولا عن كذا، فأتيت رسول الله ﷺ وعنده مالك بن مرارة الرهاوي، فأدركته من آخر حديثه وهو يقول: يا رسول الله! قد قسم لي من الجمال ما ترى، فما أحب أن أحداً من الناس فضلني بشراكين فما فوقهما، أليس ذلك هو البغي؟ فقال: لا ليس ذلك من البغي، ولكن البغي من بطر، أو قال: سفه الحق وغمط الناس).
يعني: رد الحق، وانتقاص الناس، والازدراء بهم، والتعاظم عليهم].
قوله: غمط الناس، أي: احتقارهم، ولذلك عندما قال النبي ﷺ : (إنه لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر، قال رجل: يا رسول الله! أرأيت الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً ونعله حسناً، أذلك من الكبر؟ قال: لا، الكبر بطر الحق وغمط الناس)، أي: رد الحق، ودفعه، وعدم قبوله، وغمط الناس أي: احتقارهم وازدراءهم، والتعاظم عليهم والترفع عليهم.
أما كون الإنسان تكون ثيابه جميلة ونعله جميلة، وهو يقبل الحق ولا يرده، ولا يحتقر الناس فلا يضره ذاك.
وقد يفهم من الحديث الذي ذكره المصنف وعزاه إلى مسند الإمام أحمد: أن الرجل لا يحب أن يكون أحد أفضل منه في ثيابه وغيره، فإذا لم يكن من باب الترفع، وإنما من محبة الجمال، فلا يكره أن يساويه غيره، ولا يكون أحداً أعلى منه، فهذا لا بأس به.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ولهذا لما ارتكب بنو إسرائيل ما ارتكبوه من الكفر بآيات الله، وقتلهم أنبياءه، أحل الله بهم بأسه الذي لا يرد، وكساهم ذلاً في الدنيا موصولاً بذل الآخرة جزاء وفاقاً.
قال أبو داود الطيالسي: حدثنا شعبة عن الأعمش عن إبراهيم عن أبي معمر عن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: كانت بنو إسرائيل في اليوم تقتل ثلاثمائة نبي، ثم يقيمون سوق بقلهم من آخر النهار].
الظاهر أن سنده لا بأس به، لولا عنعنة الأعمش، أما إبراهيم فالظاهر أنه إبراهيم النخعي، لكن في متنه غرابة، فكونه يجتمع ثلاثمائة نبي في وقت واحد، فيقتلونهم من أول النهار ثم يفتحون البقلات من آخر النهار، وكأنهم لم يفعلوا شيئاً، ففيه غرابة، ويحتمل أن هذا مما أخذه ابن مسعود من أخبار بني إسرائيل، وإن كان السند لا بأس به إلى ابن مسعود، لكن ابن مسعود قد يأخذ عن بني إسرائيل، فمما أخذه عن بني إسرائيل: القول باجتماع ثلاثمائة نبي في وقت واحد، وهذا بعيد، وقد عرف اجتماع نبيين أو ثلاثة في وقت واحد، كيحيى وزكريا وعيسى، ومثلهم داود وسليمان، وكذا إبراهيم ولوط، لكن القول باجتماع ثلاثمائة نبي بعيد، والأقرب أن هذا مما أخذه ابن مسعود ﵁ من أخبار بني إسرائيل، وإن كان السند لا بأس به إلى ابن مسعود.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقد قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا أبان، حدثنا عاصم، عن أبي وائل عن عبد الله يعني ابن مسعود، أن رسول الله ﷺ قال: (أشد الناس عذاباً يوم القيامة رجل قتله نبي أو قتل نبياً وإمام ضلالة وممثل من الممثلين)].
وهذا الحديث فيه وعيد شديد، إذ أن من أشد الناس عذاباً يوم القيامة من قتل نبياً والعياذ بالله، لأنه قد ارتكب جريمة عظيمة، إذ الأنبياء هم أفضل خلق الله، وهم الدعاة إلى الله والمبلغون عنه، ففي قتله لهم دليل على شدة عداوته وكفره، وكذلك من قتله نبي، فما كان النبي ليقتله إلا لشدة إيذائه، وكذلك إمام ضلالة، أي: الإمام الذي يدعو إلى الضلالة، ويشمل الأمراء والعلماء.
قوله: وممثل من الممثلين.
المراد: مصور من المصورين، وليس المراد الممثل المعروف عصرياً، أي: الذي يحاكي غيره، فهؤلاء الثلاثة أعظم الناس عذاباً، وقد جاء في حديث آخر: (أشد الناس عذاباً يوم القيامة هم المصورون)، وقال ﵇: (كل مصور في النار، يجعل له بكل صورة صورها نفس يعذب بها في جهنم)، وعن إمام الضلالة جاء في حديث ثوبان: (أن النبي ﷺ خافهم على أمته، فقال: وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين)، وهم الأمراء والعلماء، ذكر الحديث الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ في كتاب التوحيد، في باب: ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان، قال: (وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين) وإمام الضلالة: الذي يدعو إلى ضلالة.
فهؤلاء الثلاثة من أشد الناس عذاباً: من قتل نبياً أو قتله نبي؛ وإمام ضلالة؛ وممثل وهو المصور، وهنا ننبه أن الذي يحاكي أفعال الناس آثم؛ لأن هذا من التزوير، وذاك تغيير خلق الله.
وجاء في مسند أحمد: حدثنا محمد بن جعفر وروح قالا: حدثنا عوف عن خلاس عن أبي هريرة: (اشتد غضب الله على رجل قتله نبي، وقال روح: قتله رسول الله، واشتد غضب الله على رجل تسمى بملك الأملاك، لا ملك إلا لله .
وفي الحديث الآخر: (إن أخنع اسم رجل تسمى ملك الأملاك، لا مالك إلا الله
стр. 275
تفسير قوله تعالى: (إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين)
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة:٦٢].
قال المصنف رحمه الله تعالى: لما بين تعالى حال من خالف أوامره وارتكب زواجره، وتعدى في فعل ما لا إذن فيه، وانتهك المحارم وما أحل بهم من النكال، نبه تعالى على أن من أحسن من الأمم السالفة وأطاع فإن له جزاء الحسنى، وكذلك الأمر إلى قيام الساعة، كل من اتبع الرسول النبي الأمي فله السعادة الأبدية ولا خوف عليهم فيما يستقبلونه ولا هم يحزنون على ما يتركونه ويخلفونه كما قال تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس:٦٢]، وكما تقول الملائكة للمؤمنين عند الاحتضار في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت:٣٠].
قال أبن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا عمر بن أبي عمر العدني حدثنا سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: قال سلمان ﵁: (سألت النبي ﷺ عن أهل دين كنت معهم، فذكرت من صلاتهم وعبادتهم فنزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [البقرة:٦٢] الآية).
وقال السدي: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [البقرة:٦٢] الآية، نزلت في أصحاب سلمان الفارسي: (بينا هو يحدث النبي ﷺ إذ ذكر أصحابه فأخبره خبرهم، فقال: كانوا يصلون ويصومون ويؤمنون بك ويشهدون أنك ستبعث نبياً، فلما فرغ سلمان من ثنائه عليهم قال له نبي الله ﷺ : يا سلمان! هم من أهل النار.
فاشتد ذلك على سلمان فأنزل الله هذه الآية)، فكان إيمان اليهود أنه من تمسك بالتوراة وسنة موسى ﵇ حتى جاء عيسى، فلما جاء كان من تمسك بالتوراة وأخذ بسنة موسى فلم يدعها ولم يتبع عيسى كان هالكاً، وإيمان النصارى أن من تمسك بالإنجيل منهم وشرائع عيسى كان مؤمناً مقبولاً منه، حتى جاء محمد ﷺ ، فمن لم يتبع محمداً ﷺ منهم ويدع ما كان عليه من سنة عيسى والإنجيل كان هالكاً].
فهذه الآية الكريمة عامة، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فكل من آمن وعمل صالحاً فهو ناجي من أي أمة من الأمم فهو ناج، سواء نزلت هذه الآية في سلمان أو في غيره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة:٦٢]، فكل من آمن وعمل صالحاً ووحد الله، واتبع النبي الذي أرسل إليه في زمانه فهو من الناجين، ومن لم يؤمن بالله وخالف النبي الذي بعث في زمانه إليه فهو هالك، وكل إنسان مطالب في كل وقت بالتوحيد والإيمان بالله واتباع النبي الذي أرسل إليه، حتى يأتي النبي الذي بعده، فإذا جاء النبي الذي بعده ولم يؤمن به كان هالكاً، فالناس مأمورون بالإيمان والتوحيد واتباع نوح في زمانه ﵊، حتى بعث الله هوداً، فصار الناس مطالبين بالتوحيد والإيمان بالله واتباع هود ﵊، حتى جاء صالح، وهكذا في زمن إبراهيم، وفي زمن موسى، وفي زمن عيسى، حتى بعث نبينا ﷺ ، فكانت بعثته ﵇ عامة للثقلين الجن والإنس العرب والعجم، فمن لم يؤمن بالله ويتبع محمداً ﵊ فهو من الهالكين، وهو من أهل النار، قال ﵇: (والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار).
قال المصنف رحمه الله تعالى: [قال ابن أبي حاتم: وروي عن سعيد بن جبير نحو هذا، قلت: وهذا لا ينافي ما روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [البقرة:٦٢] الآية، قال: فأنزل الله بعد ذلك: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:٨٥] فإن هذا الذي قاله ابن عباس إخبار عن أنه لا يقبل من أحد طريقة ولا عملاً إلا ما كان موافقاً لشريعة محمد ﷺ ، بعد أن بعثه بما بعثه به].
والإسلام هو دين الله في الأرض والسماء، وهو دين الأنبياء جميعاً، ولهذا قال: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران:٨٥] في أي مكان وفي أي زمان، ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران:٨٥]، والإسلام هو توحيد الله والإيمان به، وتعظيم الأوامر والنواهي، وطاعة كل نبي في زمانه، فالإسلام في زمن آدم توحيد الله، وطاعة آدم فيما جاء به من الشريعة، والإسلام في زمن نوح توحيد الله وطاعة نوح فيما جاء به من الشريعة، والإسلام في زمن إبراهيم توحيد الله وطاعة إبراهيم فيما جاء به من الشريعة، والإسلام في زمن موسى توحيد الله وطاعة موسى فيما جاء به من الشريعة، والإسلام في زمن عيسى توحيد الله والإيمان به وطاعة عيسى فيما جاء به من الشريعة، والإسلام بعد مبعث محمد ﷺ توحيد الله واتباع محمد ﷺ فيما جاء به من الشريعة الخاتمة، فالإسلام بمعناه العام دين الأنبياء جميعاً وبمعناه الخاص ما جاء به محمد ﷺ من الشريعة.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فأما قبل ذلك فكل من اتبع الرسول في زمانه فهو على هدى وسبيل ونجاة فاليهود أتباع موسى ﵇ الذين كانوا يتحاكمون إلى التوراة في زمانهم واليهود من الهوادة وهي المودة أو التهود وهي التوبة؛ كقول موسى ﵇: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف:١٥٦] أي: تبنا، فكأنهم سموا بذلك في الأصل لتوبتهم ومودتهم في بعضهم لبعض، وقيل: لنسبتهم إلى يهودا أكبر أولاد يعقوب، وقال أبو عمرو بن العلاء: لأنهم يتهودون أي يتحركون عند قراءة التوارة فلما بعث عيسى ﷺ وجب على إلى يهود أكبر أولاد يعقوب، وقال أبو عمرو بن العلاء: لأنهم يتهودون أي: يتحركون عند قراءة التوراة، فلما بعث عيسى ﷺ وجب على بني إسرائيل إتباعه والانقياد له، فأصحابه وأهل دينه هم النصارى، وسموا كذلك لتناصرهم فيما بينهم، وقد يقال لهم أنصار أيضاً، كما قال عيسى ﵇: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ [آل عمران:٥٢].
وقيل إنهم إنما سموا بذلك؛ لأجل أنهم نزلوا أرضاً يقال لها: ناصرة، قاله قتادة وابن جريج، وروي عن ابن عباس أيضاً، والله أعلم.
والنصارى جمع نصران، كنشاوى جمع نشوان، وسكارى جمع سكران، ويقال للمرأة: نصرانه، وقال الشاعر: نصرانة لم تُختَّفِ فلما بعث الله محمداً ﷺ خاتماً للنبيين، ورسولاً إلى بني آدم على الإطلاق، وجب عليهم تصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، والانكفاف عما عنه زجر، وهؤلاء هم المؤمنون حقاً، وسميت أمة محمد ﷺ مؤمنين لكثرة إيمانهم، وشدة إيقانهم؛ ولأنهم يؤمنون بجميع الأنبياء الماضية والغيوب الآتية.
وأما الصابئون فقد اختلف فيهم، فقال سفيان الثوري، عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد، قال: الصابئون قوم بين المجوس واليهود والنصارى، ليس لهم دين].
هذا الإسناد فيه ليث بن أبي سليم وهو ضعيف.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكذا رواه ابن أبي نجيح عنه، وروي عن عطاء وسعيد بن جبير نحو ذلك.
وقال أبو العالية، والربيع بن أنس، والسدي وأبو الشعثاء جابر بن زيد، والضحاك وإسحاق بن راهويه: الصابئون فرقة من أهل الكتاب يقرؤون الزبور، ولهذا قال أبي حنيفة وإسحاق: لا بأس بذبائحهم ومناكحتهم، وقال هشيم عن مطرف: كنا عند الحكم بن عتيبة، فحدثه رجل من أهل البصرة عن الحسن أنه كان يقول في الصابئين: إنهم كالمجوس، فقال الحكم: ألم أخبركم بذلك؟ وقال عبد الرحمن بن مهدي عن معاوية بن عبد الكريم: سمعت الحسن يذكر الصابئين فقال: هم قوم يعبدون الملائكة.
وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن الحسن قال: أخبر زياد أن الصابئين يصلون إلى القبلة، ويصلون الخمس، قال: ف
стр. 276
تفسير سورة البقرة [٦٣ - ٦٦]
أخذ الله العهود والمواثيق من بني إسرائيل ليؤمنن به وليتبعن رسله، لكن لما عرف به بنو إسرائيل من العتو والعناد، فقد رفع الله فوقهم الجبل كأنه ظلة، وذلك عند أخذه الميثاق منهم، ثم أخبر تعالى أنهم بعد الميثاق المؤكد العظيم تولوا ونقضوه، ولولا فضل الله وتوبته عليهم، وإرسال النبيين والمرسلين إليهم، لكانوا من الخاسرين في الدنيا والآخرة.
كما أخبر سبحانه عن أهل القرية، وما حل بها من البأس، ومسخهم إلى قردة وخنازير، بسبب مخالفة أمره ، وفي هذا إشارة وتحذير لهذه الأمة من أن تسلك مسلك هؤلاء فيصيبها ما أصابهم من العذاب.
стр. 277
تفسير قوله تعالى: (وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور)
قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [البقرة:٦٣ - ٦٤] قال المصنف ﵀: [يقول تعالى مذكرًا بني إسرائيل ما أخذ عليهم من العهود والمواثيق بالإيمان به وحده لا شريك له، وإتباع رسله، وأخبر تعالى أنه لما أخذ عليهم الميثاق، رفع الجبل فوق رؤوسهم ليقروا بما عوهدوا عليه، ويأخذوه بقوة وحزم وامتثال، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأعراف:١٧١] فالطور هو الجبل، كما فسره به في الأعراف].
كلام المؤلف هذا صحيح؛ لأن الآيات تفسر بعضها بعضاً، فبنو إسرائيل عندهم عتو وعناد، فرفع الجبل فوق رؤسهم وأمروا بالسجود، فاضطروا إلى أن يسجدوا على شق والنظر من الشق الآخر؛ لئلا يسقط عليهم الجبل، فرحمهم الله.
стр. 278
تفسير قوله تعالى: (ثم توليتم من بعد ذلك)
قال الله تعالى تعالى: ﴿((ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [البقرة:٦٤].
قال المصنف رحمه الله تعالى: ثم بعد هذا الميثاق المؤكد العظيم توليتم عنه وانثنيتم ونقضتموه ﴿فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ [البقرة:٦٤] أي: بتوبته عليكم وإرساله النبيين والمرسلين إليكم ﴿لَكُنتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [البقرة:٦٤] بنقضكم ذلك الميثاق في الدنيا والآخرة].
هذا فيه تحذير لهذه الأمة أن تسلك مسلكهم فيصيبهم ما أصابهم، والواجب.
على كل إنسان أن يمتثل أمر الله ، وأن ينتهي عن نواهيه، وأن يعمل بما جاء في كتاب ربه وسنة نبيه ﷺ ؛ حتى يكون من المتقين والناجين يوم القيامة.
стр. 279
تفسير قوله تعالى: (ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت)
قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ * فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:٦٥ - ٦٦] قال المصنف ﵀: [يقول تعالى: ((وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ)) [البقرة:٦٥] يا معشر اليهود! ما أحل من البأس بأهل القرية التي عصت أمر الله وخالفوا عهده وميثاقه فيما أخذه عليهم من تعظيم السبت والقيام بأمره، إذ كان مشروعًا لهم، فتحيلوا على اصطياد الحيتان في يوم السبت بما وضعوا لها من الشصوص والحبائل والبرك قبل يوم السبت، فلما جاءت يوم السبت على عادتها في الكثرة، نشبت بتلك الحبائل والحيل، فلم تخلص منها يومها ذلك، فلما كان الليل أخذوها بعد انقضاء السبت، فلما فعلوا ذلك، مسخهم الله إلى صورة القردة، وهي أشبه شيء بالأناسي في الشكل الظاهر وليست بإنسان حقيقة.
فكذلك أعمال هؤلاء وحيلهم لما كانت مشابهة للحق في الظاهر ومخالفة له في الباطن، كان جزاؤهم من جنس عملهم].
نسأل الله السلامة والعافية، فهذه حيلة تحيلوا بها على أمر الله، حيث حرم الله عليهم السبت ابتلاء وامتحاناً، وأباح لهم اصطياد الحوت في ستة أيام، من الأحد إلى الجمعة، وحرم صيد الحوت يوماً واحداً، ومن ابتلاء الله لهم أن الحيتان لا تأتي إلا يوم السبت، فتحيلوا ونصبوا الشباك يوم الجمعة، فتصيد الحوت يوم السبت، فيتركونها، ويأخذونها يوم الأحد، وقالوا: ما صدنا يوم السبت، وهذه حيلة من الحيل، ولهذا عاقبهم الله بهذه العقوبة الشديدة، حيث مسخهم قردة وخنازير، فجوزوا من جنس العمل، حيث أن عملهم في الظاهر سليم، لكن في الباطن حيلة، وكذلك مسخوا قردة تشبه الإنسان، لكنها في الواقع والحقيقة ليست كالإنسان، نسأل الله السلامة والعافية.
стр. 280
تفسير قوله تعالى: (فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها)
قال الله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:٦٦] قال المصنف رحمه الله تعالى: قال بعضهم: الضمير في (فجعلناها) عائد على القردة، وقيل على الحيتان، وقيل على العقوبة، وقيل على القرية؛ حكاها ابن جرير، والصحيح أن الضمير عائد على القرية، أي: فجعل الله هذه القرية والمراد أهلها بسبب اعتدائهم في سبتهم (نكالاً)، أي: عاقبناهم عقوبة فجعلناها عبرة، كما قال الله عن فرعون: ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأُولَى﴾ [النازعات:٢٥].
وقوله تعالى: ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾ [البقرة:٦٦] أي: من القرى، قال ابن عباس: يعني: جعلناها بما أحللنا بها من العقوبة عبرة لما حولها من القرى، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأحقاف:٢٧]، ومنه قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ [الرعد:٤١] الآية، على أحد الأقوال في المكان، كما قال محمد بن إسحاق، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس: لما بين يديها من القرى، وما خلفها من القرى، وكذا قال سعيد بن جبير: لما بين يديها وما خلفها، قال: من بحضرتها من الناس يومئذ.
وروي عن إسماعيل بن أبي خالد وقتادة وعطية العوفي ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾ [البقرة:٦٦] قال: ما قبلها من الماضين في شأن السبت، وقال أبو العالية والربيع وعطية: وما خلفها لما بقي بعدهم من الناس بني إسرائيل أن يعملوا مثل عملهم، وكان هؤلاء يقولون: المراد لما بين يديها وما خلفها في الزمان.
وهذا مستقيم بالنسبة إلى من يأتي بعدهم من الناس، أن تكون أهل تلك القرية عبرة لهم، وأما بالنسبة إلى من سلف قبلهم من الناس فكيف يصح هذا الكلام أن تفسر الآية به، وهو أن يكون عبرة لمن سبقهم؟ وهذا لعل أحداً من الناس لا يقوله بعد تصوره، فتعين أن المراد بما بين يديها وما خلفها في المكان، وهو ما حولها من القرى، كما قاله ابن عباس وسعيد بن جبير، والله أعلم.
وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾ [البقرة:٦٦] أي عقوبة لما خلا من ذنوبهم.
وقال ابن أبي حاتم: وروي عن عكرمة ومجاهد والسدي والفراء وابن عطية: لما بين يديها من ذنوب القوم، وما خلفها لمن يعمل بعدها مثل تلك الذنوب، وحكى الرازي ثلاثة أقوال: أحدها: أن المراد بما بين يديها وما خلفها، من تقدمها من القرى بما عندهم من العلم بخبرها بالكتب المتقدمة ومن بعدها.
والثاني: المراد بذلك من بحضرتها من القرى والأمم.
والثالث: أنه تعالى جعلها عقوبة لجميع ما ارتكبوه من قبل هذا الفعل وما بعده، وهو قول الحسن.
قلت: وأرجح الأقوال المراد بما بين يديها وما خلفها: من بحضرتها من القرى يبلغهم خبرها وما حل بها، كما قال تعالى:: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى﴾ [الأحقاف:٢٧] الآية.
وقال تعالى: ﴿وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ﴾ [الرعد:٣١] الآية.
وقال تعالى: ﴿أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ [الأنبياء:٤٤] فجعلهم عبرة ونكالاً لمن في زمانهم، وموعظة لمن يأتي بعدهم بالخبر المتواتر عنهم، ولهذا قال: ((وموعظة للمتقين))].
هذا هو الأرجح، وهو أنه جعل هذه القرية عبرة وعظة للقرى التي أمامها والتي خلفها في زمانها، وموعظة لمن يأتي بعدها من الأمم؛ فهي عظة وعبرة للحاضرين وللذين يأتون بعد ذلك.
قال المصنف رحمه الله تعالى: ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:٦٦] قال محمد بن إسحاق: عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس: ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:٦٦] الذين من بعدهم إلى يوم القيامة.
وقال الحسن وقتادة ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:٦٦] بعدهم فيتقون نقمة الله ويحذرونها.
وقال السدي وعطية العوفي ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:٦٦] قال: أمة محمد ﷺ .
قلت: المراد بالموعظة هاهنا الزاجر، أي: جعلنا ما أحللنا بهؤلاء من البأس والنكال في مقابلة ما ارتكبوه من محارم الله، وما تحيلوا به من الحيل، فليحذر المتقون صنيعهم؛ لئلا يصيبهم ما أصابهم، كما قال الإمام أبو عبد الله بن بطة: حدثنا أحمد بن محمد بن مسلم، حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا محمد بن عمر، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ قال: (لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود، فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل) وهذا إسناد جيد، وأحمد بن محمد بن مسلم هذا، وثقة الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي، وباقي رجاله مشهورون على شرط الصحيح، والله أعلم].
لا شك أن هذه الآية فيها العظة والعبرة، وفيها التحذير من الحيل، وأن من تحيل يخشى عليه العقوبة العاجلة، وبعض الناس يتحيلون على الربا، ومن التحيل على الربا: قلب الدين على المعسر، كأن يكون لإنسان دين على شخص، فإذا حل الدين قال له: أعطني ديني.
فيقول الآخر: ليس عندي.
فيقول له: أبيعك شيء آخر، كأن أبيعك سيارة تقدر بثلاثين ألف، لكن بأربعين مؤجلة، فإذا باع السيارة منه، قال له: بعها الآن علي وأوفني الدين الأول، فيبيعه ويوفه الدين الأول، ويبقى عليه الدين الثاني مضاعف، فهذه حيلة، وهي من قلب الدين على المعسر، إذ أن البائع لا يستطيع أن يزيد الدين صراحة، فعمد إلى الحيلة، فباع له سيارة بيعاً صورياً ويبيعها في الحال، ويوفيه عن الدين الأول، ويبقى عليه الدين الثاني مع الزيادة، نسأل الله السلامة والعافية.
стр. 281
تفسير سورة البقرة [٦٧ - ٧١]
يذكر الله تعالى بني إسرائيل بنعمه عليهم في خرق العادة لهم في شأن البقرة، وبيان القاتل من هو بسببها، وإحياء الله المقتول، ونصه على من قتله منهم، كما بين تعنت هؤلاء القوم مع أنبيائهم في سؤالهم عن البقرة وأوصافها، وما ذلك إلا لخبث نفوس هؤلاء الناس، وفي هذا إشارة وتحذير لهذه الأمة من التشدد والتعنت والخوض في مسائل وأمور لا ينبني عليها أي عمل يرضي الله .
стр. 282
تفسير قوله تعالى: (وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة)
قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [البقرة:٦٧].
قال المصنف ﵀: [يقول تعالى: واذكروا يا بني إسرائيل! نعمتي عليكم في خرق العادة لكم في شأن البقرة، وبيان القاتل من هو بسببها، وإحياء الله المقتول، ونصه على من قتله منهم.
стр. 283
بسط قصة بقرة بني إسرائيل
ذكر بسط القصة: قال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا يزيد بن هارون أنبأنا هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن عبيدة السلماني، قال: كان رجل من بني إسرائيل عقيماً لا يولد له، وكان له مال كثير، وكان ابن أخيه وارثه، فقتله ثم احتمله ليلاً؛ فوضعه على باب رجل منهم، ثم أصبح يدعيه عليهم حتى تسلحوا، وركب بعضهم على بعض فقال ذوو الرأي منهم والنهى].
قوله: (والنهى)، أي: العقل، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُوْلِي النُّهَى﴾ [طه:٥٤].
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فقال ذوو الرأي منهم والنهى: علام يقتل بعضكم بعضاً، وهذا رسول الله فيكم؟ فأتوا موسى ﵇ فذكروا ذلك له، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [البقرة:٦٧] قال: فلو لم يعترضوا لأجزأت عنهم أدنى بقرة، ولكنهم شددوا فشدد عليهم؛ حتى انتهوا إلى البقرة التي أمروا بذبحها، فوجدوها عند رجل ليس له بقرة غيرها، فقال: والله لا أنقصها من ملء جلدها ذهباً، فأخذوها بملء جلدها ذهباً؛ فذبحوها، فضربوه ببعضها فقام، فقالوا: من قتلك؟ فقال: هذا -لابن أخيه- ثم مال ميتاً، فلم يعط من ماله شيئاً فلم يورث قاتل بعد].
هذا الحديث سنده جيد إلى عبيدة السلماني، لكنه أخذه من أخبار بني إسرائيل، فقد أخذ عدداً من أخبار بني إسرائيل.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ورواه ابن جرير من حديث أيوب عن محمد بن سيرين عن عبيدة بنحو من ذلك، والله أعلم.
ورواه عبد بن حميد في تفسيره: أنبأنا يزيد بن هارون به، ورواه آدم بن أبي إياس في تفسيره عن أبي جعفر هو الرازي عن هشام بن حسان به.
وقال آدم بن أبي إياس في تفسره: أنبأنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع، عن أبي العالية، في قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة:٦٧] قال: كان رجل من بني إسرائيل، وكان غنياً، ولم يكن له ولد، وكان له قريب وكان وارثه؛ فقتله ليرثه، ثم ألقاه على مجمع الطريق، وأتى موسى ﵊ فقال: إن قريبي قتل وأني إلى أمر عظيم].
قوله: وإني على أمر عظيم، يعني: أتى علي أمر عظيم من خبر قتله، بمعنى: أصابني هم وأصابتني شدة.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وإني لا أجد أحداً يبين لي من قتله غيرك يا نبي الله! قال: فنادى موسى في الناس فقال: أنشد الله من كان عنده من هذا علم إلا يبينه لنا، فلم يكن عندهم علم، فأقبل القاتل على موسى ﵊ فقال له: أنت نبي الله، فسل لنا ربك أن يبين لنا، فسأل ربه فأوحى الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة:٦٧] فعجبوا من ذلك فقالوا: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ * قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا فَارِضٌ﴾ [البقرة:٦٧ - ٦٨] يعني: لا هرمة، ﴿وَلا بِكْرٌ﴾ [البقرة:٦٨] يعني: ولا صغيرة، ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [البقرة:٦٨] أي: نصف بين البكر والهرمة، ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ [البقرة:٦٩] أي صاف لونها ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ [البقرة:٦٩] أي: تعجب الناظرين، ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ * قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ﴾ [البقرة:٧٠ - ٧١] أي: لم يذللها العمل، ﴿تُثِيرُ الأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ﴾ [البقرة:٧١] يعني: وليست بذلول تثير الأرض ﴿وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ﴾ [البقرة:٧١] يعني: ولا تعمل في الحرث، ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾ [البقرة:٧١] يعني: مسلمة من العيوب، ﴿لا شِيَةَ فِيهَا﴾ [البقرة:٧١] يقول: لا بياض فيها، ﴿قَالُوا الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة:٧١] قال: ولو أن القوم حين أمروا بذبح بقرة استعرضوا بقرة من البقر فذبحوها لكانت إياها، ولكن شددوا على أنفسهم؛ فشدد الله عليهم، ولولا أن القوم استثنوا فقالوا: ﴿وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة:٧٠] لما هدوا إليها أبداً].
هذا السؤال من تعنتات بني إسرائيل، ومخالفتهم لأنبيائهم عليهم الصلاة والسلام، ولو أنهم أخذوا أي بقرة لأجزأت، لكنهم تعنتوا فقالوا: لا ندري البقرة، أصغيرة أو كبيرة؟ فلما أخبروا بأنها وسط، قالوا: لا ندري ما اللون؟ هل هذه البقرة صفراء، أم سوداء، أم حمراء؟ فلما أخبروا باللون، قالوا: لا ندري، هل تعمل أم لا تعمل؟ فالبقر تشابه علينا، ونريد وصفاً واضحاً، فبين الله لهم أنها لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث، أي: لا تعمل، مسلمة، ولا شية فيها، أي: ليس فيها لون آخر.
فكلما سألوا ضُيق عليهم الأمر، وأُعطوا أوصافاً تضيق الدائرة، ولو أنهم أخذوا أي بقرة لأجزأت، ولكنهم تعنتوا وشددوا، فشدد الله عليهم.
ومن فوائد هذه القصة: أن فيها تحذيراً لهذه الأمة من التشدد والتعنت، قال ﵊: (ذروني ما تركتكم، فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم) فكثرة المسائل أي: التعنت، سبب للهلاك، ولذلك قال الله: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة:٧١]، أي: مع كل هذه الأوصاف والتعنتات ما كادوا ليفعلوا، لولا أنهم استثنوا ووفقهم الله ما كادوا يفعلون.
فكثرة الأسئلة التي يراد منها التعنت، وإيقاع المسئول في العنت والحرج، كل هذا منهي عنه، يقول النبي ﷺ : (ذروني ما تركتكم، فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم) فينبغي للمسلم أن يحذر من التعنت والتشدد في المسائل، وكثرة الأسئلة عن أمور لم تقع بعد، أو التي فيها إشكال، وإنما الواجب على المسلم أن يسأل أسئلة واقعة، أو أسئلة تمس الحاجة إليها، ويكون قصده الفائدة.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فبلغنا أنهم لم يجدوا البقرة التي نعتت لهم إلا عند عجوز، وعندها يتامى وهي القيمة عليهم، فلما علمت أنه لا يزكو لهم غيرها؛ أضعفت عليهم الثمن، فأتوا موسى فأخبروه أنهم لم يجدوا هذا النعت إلا عند فلانة، وأنها سألت أضعاف ثمنها، فقال موسى: إن الله قد خفف عليكم فشددتم على أنفسكم، فأعطوها رضاها وحكمها، ففعلوا واشتروها فذبحوها، فأمرهم موسى ﵊ أن يأخذوا عظماً منها فيضربوا به القتيل، ففعلوا، فرجع إليه روحه، فسمى لهم قاتله، ثم عاد ميتا كما كان، فأخذ قاتله وهو الذي كان أتى موسى ﵊ فشكا إليه، فقتله الله على أسوأ عمله.
وقال محمد بن جرير: حدثني محمد بن سعد، حدثني أبي، حدثني عمي، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﵄ في قوله في شأن البقرة، وذلك أن شيخاً من بني إسرائيل على عهد موسى ﵊ كان مكثراً من المال، وكان بنو أخيه فقراء لا مال لهم، وكان الشيخ لا ولد له، وكان بنو أخيه ورثته، فقالوا: ليت عمنا قد مات فورثنا ماله، وإنه لما تطاول عليهم ألا يموت عمهم أتاهم الشيطان فقال لهم: هل لكم إلى أن تقتلوا عمكم فترثوا ماله، وتغرموا أهل المدينة التي لستم بها ديته؟ قوله: (وتغرموا أهل المدينة)، يعني: تغرمونهم الدية، أي: يقتلونه ويضعونه على باب المدينة ويدعونه.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وذلك أنهما كانتا مدينتين كانوا في إحداهما، وكان القتيل إذا قتل وطرح بين المدينتين قيس ما بين القتيل والقريتين، فأيتهما كانت أقرب إليه غرمت الدية.
وأنهم لما سول لهم الشيطان ذلك، وتطاول عليهم أن لا يموت عمهم؛ عمدوا إليه فقتلوه، ثم عمدوا فطرحوه على باب المدينة التي ليسوا فيها، فلما أصبح أهل المدينة جاء بنو أخي الشيخ فقالوا: عمنا قتل على باب مدينتكم، فوالله لتغرمن لنا دية عمنا، قال أهل المدينة: نقسم بالله ما قتلنا، ولا علمنا قاتلاً، ولا فتحنا باب مدينتنا منذ أغلق حتى أصبحنا، وإنهم عمدوا إلى موسى ﵊، فلما أتوه قال بنو أخي الشيخ: عمنا وجدناه مقتولاً على باب مدينتهم، وقال أهل المدينة: نقسم بالله ما قتلناه، ولا فتحنا باب المدينة من حين أغلقناه حتى أصبحنا.
وإن جبرائيل جاء بأمر السميع العليم إلى موسى ﵊، فقال: قل لهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة:٦٧] فتضربوه ببعضها.
وقال السدي: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة:٦٧] قال: كان رجل من بني إسرائيل مكثراً من المال، فكانت له ابنة، وكان له ابن أخ محتاج، فخطب إليه ابن أخيه ابنته؛ فأبى أن يزوجه، فغضب الفتى وقال: والله لأقتلن عمي، ولآخذن ماله، ولأنكحن ابنته، ولآكلن ديته، فأتاه الفتى وقد قدم تجار في بعض أسباط بني إسرائيل، فقال يا عم! انطلق معي فخذ لي من تجارة هؤلاء القوم لعلي أن أصيب منها؛ فإنهم إذا رأوك معي أعطوني، فخرج العم مع الف
стр. 284
تفسير قوله تعالى: (قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي)
قال الله تعالى: ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا فَارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ * قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ * قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ * قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة:٦٨ - ٧١].
قال المصنف ﵀: [أخبر تعالى عن تعنت بني إسرائيل وكثرة سؤالهم لرسولهم، ولهذا لما ضيقوا على أنفسهم ضيق الله عليهم، ولو أنهم ذبحوا أي بقرة كانت لوقعت الموقع عنهم، كما قال ابن عباس وعبيدة وغير واحد.
ولكنهم شددوا فشدد عليهم فقالوا: [﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾ [البقرة:٦٨] أي: ما هذه البقرة وأي شيء صفتها؟ قال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا هشام بن علي، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ قال: لو أخذوا أدنى بقرة لاكتفوا بها، ولكنهم شددوا فشدد عليهم -إسناد صحيح- وقد رواه غير واحد عن ابن عباس ﵄، وكذا قال عبيدة والسدي ومجاهد وعكرمة وأبو العالية وغير واحد، وقال ابن جريج: قال لي عطاء: لو أخذوا أدنى بقرة لكفتهم، قال ابن جريج: قال رسول الله ﷺ : (إنما أمروا بأدنى بقرة ولكنهم لما شددوا شدد الله عليهم، وأيم الله لو أنهم لم يستثنوا لما بينت لهم آخر الأبد).
قال: ﴿إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا فَارِضٌ وَلا بِكْرٌ﴾ [البقرة:٦٨] أي: لا كبيرة هرمة، ولا صغيرة لم يلحقها الفحل، كما قاله أبو العالية والسدي ومجاهد وعكرمة وعطية العوفي وعطاء الخراساني ووهب بن منبه والضحاك والحسن وقتادة، وقاله ابن عباس ﵄ أيضاً، وقال الضحاك عن ابن عباس: عوان بين ذلك يقول: نصف بين الكبير والصغيرة، وهي أقوى ما يكون من الدواب والبقر، وأحسن ما تكون، وروي عن عكرمة ومجاهد وأبي العالية والربيع بن أنس وعطاء الخراساني والضحاك نحو ذلك.
وقال السدي: العوان: النصف التي بين ذلك التي قد ولدت وولد ولدها، وقال هشيم، عن جويبر، عن كثير بن زياد، عن الحسن في البقرة: كانت بقرة وحشية].
وهذا باطل، وليس بشيء.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس ﵄: من لبس نعلاً صفراء لم يزل في سرور ما دام لابسها، وذلك قوله تعالى: ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ [البقرة:٦٩]، وكذا قال مجاهد ووهب بن منبه: كانت صفراء.
وعن ابن عمر: كانت صفراء الظلف.
وعن سعيد بن جبير: كانت صفراء القرن والظلف.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي قال: حدثنا نصر بن علي، حدثنا نوح بن قيس، أنبأنا أبو رجاء، عن الحسن في قوله تعالى: ﴿صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ [البقرة:٦٩] قال: سوداء شديدة السواد، وهذا غريب، والصحيح الأول، ولهذا أكد صفرتها بأنه ﴿فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ [البقرة:٦٩].
وقال عطية العوفي: ﴿فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ [البقرة:٦٩] تكاد تسود من صفرتها، وقال سعيد بن جبير: ﴿فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ [البقرة:٦٩] قال: صافية اللون.
وروي عن أبي العالية والربيع بن أنس والسدي والحسن وقتادة نحوه.
وقال شريك عن معمر عن ابن عمر ﴿فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ [البقرة:٦٩] قال: صاف.
وقال العوفي في تفسيره عن ابن عباس ﵄: ﴿فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ [البقرة:٦٩] شديدة الصفرة تكاد من صفرتها تبيض، وقال السدي: ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ [البقرة:٦٩] أي: تعجب الناظرين، وكذا قال أبو العالية وقتادة والربيع بن أنس، وقال وهب بن منبه: إذا نظرت إلى جلدها تخيلت أن شعاع الشمس يخرج من جلدها.
وفي التوراة أنها كانت حمراء، فلعل هذا خطأ في التعريب، أو كما قال الأول: إنها كانت شديدة الصفرة تضرب إلى حمرة وسواد، والله أعلم].
الظاهر من الآية أنها صفراء شديدة الصفرة، وأن الصفرة تسر، لكن كلام ابن جريج في تفسير الآية فيه نظر، ولا شك أن الصفرة تفرح.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ [البقرة:٧٠] أي: لكثرتها، فميز لنا هذه البقرة وصفها وحلها لنا، وإنا إن شاء الله إذا بينتها لنا لمهتدون إليها.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن يحيى الأودي الصوفي، حدثنا أبو سعيد أحمد بن داود الحداد، حدثنا سرور بن المغيرة الواسطي بن أخي منصور بن زاذان، عن عباد بن منصور، عن الحسن، عن أبي رافع، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لولا أن بني إسرائيل قالوا: وإنا إن شاء الله لمهتدون لما أعطوا، ولكن استثنوا).
ورواه الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره من وجه آخر، عن سرور بن المغيرة، عن زاذان، عن عباد بن منصور، عن الحسن، عن أبي رافع، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لولا أن بني إسرائيل قالوا: وإنا إن شاء الله لمهتدون ما أعطوا أبداً، ولو أنهم اعترضوا بقرة من البقر فذبحوها لأجزأت عنهم، ولكن شددوا فشدد الله عليهم) وهذا حديث غريب من هذا الوجه، وأحسن أحواله أن يكون من كلام أبي هريرة كما تقدم مثله على السدي والله أعلم].
стр. 285
تفسير قوله تعالى: (قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ﴾ [البقرة:٧١] أي: إنها ليست مذللة بالحراثة، ولا معدة للسقي في الساقية، بل هي مكرمة حسنة، مسلمة صحيحة لا عيب فيها، ﴿لا شِيَةَ فِيهَا﴾ [البقرة:٧١] أي: ليس فيها لون غير لونها.
وقال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾ [البقرة:٧١] يقول: لا عيب فيها، وكذا قال أبو العالية والربيع، وقال مجاهد: مسلمة من الشية، وقال عطاء الخراساني: مسلمة القوائم، والخلق لا شية فيها.
قال مجاهد: لا بياض ولا سواد، وقال أبو العالية والربيع والحسن وقتادة: ليس فيها بياض، وقال عطاء الخراساني: ﴿لا شِيَةَ فِيهَا﴾ [البقرة:٧١] قال: لونها واحد بهيم.
وروي عن عطية العوفي ووهب بن منبه وإسماعيل بن أبي خالد نحو ذلك.
وقال السدي: لا شية فيها من بياض ولا سواد ولا حمرة، وكل هذه الأقوال متقاربة في المعنى، وقد زعم بعضهم أن المعنى في ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ﴾ [البقرة:٧١] ليست بمذللة بالعمل، ثم استأنف فقال: ﴿تُثِيرُ الأَرْضَ﴾ [البقرة:٧١] أي: يعمل عليها بالحراثة؛ لكنها لا تسقي الحرث، وهذا ضعيف؛ لأنه فسر الذلول التي لم تذلل بالعمل؛ بأنها لا تثير الأرض ولا تسقي الحرث، كذا قرره القرطبي وغيره] الصواب أن معنى قوله: ﴿لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ﴾ [البقرة:٧١] أي: ليست مذللة بالعمل، وقوله: ﴿تُثِيرُ الأَرْضَ﴾ [البقرة:٧١] تفسير لقوله: ﴿ذَلُولٌ﴾ [البقرة:٧١]، والذلول: هي التي تثير الأرض؛ ولكن ليست تعمل عاملة، وليست سامية، لأن البقر تستعمل في الحرث، وتستعمل في استخراج الماء، فليست سامية يستخرج على ظهرها الماء، وليست مذللة للعمل، وإنما مكرمة، لا شية فيها، أي: ليس فيها لون آخر.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [﴿قَالُوا الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ [البقرة:٧١] قال قتادة: الآن بينت لنا، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: وقيل ذلك والله قد جاءهم الحق ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة:٧١]] يعني: جاءهم الحق قبل ذلك، وجاءهم الحق فيما سبق، وجاءهم الحق فيما طلبوا.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [قال الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنما: كادوا ألا يفعلوا، ولم يكن ذلك الذي أرادوا؛ لأنهم أرادوا أن لا يذبحوها، يعني أنهم مع هذا البيان وهذه الأسئلة والأجوبة والإيضاح، ما ذبحوها إلا بعد الجهد، وفي هذا ذم لهم، وذلك أنه لم يكن غرضهم إلا التعنت؛ فلهذا ما كادوا يذبحونها] قوله تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة:٧١] أي: ما كادوا يمتثلون.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال محمد بن كعب ومحمد بن قيس: فذبحوها وما كادوا يفعلون لكثرة ثمنها، وفي هذا نظر؛ لأن كثرة الثمن لم يثبت إلا من نقل بني إسرائيل كما تقدم من حكاية أبي العالية والسدي، ورواه العوفي عن ابن عباس ﵄، وقال عبيدة ومجاهد ووهب بن منبه وأبو العالية وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: إنهم اشتروها بمال كثير، وفيه اختلاف، ثم قد قيل في ثمنها غير ذلك.
وقال عبد الرزاق: أنبأنا ابن عيينة، أخبرني محمد بن سوقة، عن عكرمة قال: ما كان ثمنها إلا ثلاثة دنانير، وهذا إسناد جيد عن عكرمة، والظاهر أنه نقله عن أهل الكتاب أيضاً.
وقال ابن جرير: وقال آخرون: لم يكادوا أن يفعلوا ذلك خوف الفضيحة، إن اطلع الله على قاتل القتيل الذي اختصموا فيه، ولم يسنده عن أحد، ثم اختار أن الصواب في ذلك أنهم لم يكادوا يفعلوا ذلك؛ لغلاء ثمنها وللفضيحة، وفي هذا نظر، بل الصواب والله أعلم ما تقدم من رواية الضحاك عن ابن عباس على ما وجهناه، وبالله التوفيق].
يعني: في تعنتاتهم، ولا مانع أن تكون للأمور كلها؛ لغلاء الثمن، وللتعنتات، لكن الأصل أنه لتعنتهم؛ ولأجل ضعف إيمانهم، ولأجل ما جبلوا عليه من الاعتراض على أنبيائهم ما كادوا يفعلون.
следующие страницы →