← Тафсир

Тафсир · id 37048

شرح تفسير ابن كثير - الراجحي

عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

Полный текст (873 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

تفسير سورة البقرة [٦٧ - ٧١] يذكر الله تعالى بني إسرائيل بنعمه عليهم في خرق العادة لهم في شأن البقرة، وبيان القاتل من هو بسببها، وإحياء الله المقتول، ونصه على من قتله منهم، كما بين تعنت هؤلاء القوم مع أنبيائهم في سؤالهم عن البقرة وأوصافها، وما ذلك إلا لخبث نفوس هؤلاء الناس، وفي هذا إشارة وتحذير لهذه الأمة من التشدد والتعنت والخوض في مسائل وأمور لا ينبني عليها أي عمل يرضي الله .

стр. 282

تفسير قوله تعالى: (وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة) قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [البقرة:٦٧]. قال المصنف ﵀: [يقول تعالى: واذكروا يا بني إسرائيل! نعمتي عليكم في خرق العادة لكم في شأن البقرة، وبيان القاتل من هو بسببها، وإحياء الله المقتول، ونصه على من قتله منهم.

стр. 283

بسط قصة بقرة بني إسرائيل ذكر بسط القصة: قال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا يزيد بن هارون أنبأنا هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن عبيدة السلماني، قال: كان رجل من بني إسرائيل عقيماً لا يولد له، وكان له مال كثير، وكان ابن أخيه وارثه، فقتله ثم احتمله ليلاً؛ فوضعه على باب رجل منهم، ثم أصبح يدعيه عليهم حتى تسلحوا، وركب بعضهم على بعض فقال ذوو الرأي منهم والنهى]. قوله: (والنهى)، أي: العقل، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُوْلِي النُّهَى﴾ [طه:٥٤]. قال المصنف رحمه الله تعالى: [فقال ذوو الرأي منهم والنهى: علام يقتل بعضكم بعضاً، وهذا رسول الله فيكم؟ فأتوا موسى ﵇ فذكروا ذلك له، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [البقرة:٦٧] قال: فلو لم يعترضوا لأجزأت عنهم أدنى بقرة، ولكنهم شددوا فشدد عليهم؛ حتى انتهوا إلى البقرة التي أمروا بذبحها، فوجدوها عند رجل ليس له بقرة غيرها، فقال: والله لا أنقصها من ملء جلدها ذهباً، فأخذوها بملء جلدها ذهباً؛ فذبحوها، فضربوه ببعضها فقام، فقالوا: من قتلك؟ فقال: هذا -لابن أخيه- ثم مال ميتاً، فلم يعط من ماله شيئاً فلم يورث قاتل بعد]. هذا الحديث سنده جيد إلى عبيدة السلماني، لكنه أخذه من أخبار بني إسرائيل، فقد أخذ عدداً من أخبار بني إسرائيل. قال المصنف رحمه الله تعالى: [ورواه ابن جرير من حديث أيوب عن محمد بن سيرين عن عبيدة بنحو من ذلك، والله أعلم. ورواه عبد بن حميد في تفسيره: أنبأنا يزيد بن هارون به، ورواه آدم بن أبي إياس في تفسيره عن أبي جعفر هو الرازي عن هشام بن حسان به. وقال آدم بن أبي إياس في تفسره: أنبأنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع، عن أبي العالية، في قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة:٦٧] قال: كان رجل من بني إسرائيل، وكان غنياً، ولم يكن له ولد، وكان له قريب وكان وارثه؛ فقتله ليرثه، ثم ألقاه على مجمع الطريق، وأتى موسى ﵊ فقال: إن قريبي قتل وأني إلى أمر عظيم]. قوله: وإني على أمر عظيم، يعني: أتى علي أمر عظيم من خبر قتله، بمعنى: أصابني هم وأصابتني شدة. قال المصنف رحمه الله تعالى: [وإني لا أجد أحداً يبين لي من قتله غيرك يا نبي الله! قال: فنادى موسى في الناس فقال: أنشد الله من كان عنده من هذا علم إلا يبينه لنا، فلم يكن عندهم علم، فأقبل القاتل على موسى ﵊ فقال له: أنت نبي الله، فسل لنا ربك أن يبين لنا، فسأل ربه فأوحى الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة:٦٧] فعجبوا من ذلك فقالوا: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ * قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا فَارِضٌ﴾ [البقرة:٦٧ - ٦٨] يعني: لا هرمة، ﴿وَلا بِكْرٌ﴾ [البقرة:٦٨] يعني: ولا صغيرة، ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [البقرة:٦٨] أي: نصف بين البكر والهرمة، ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ [البقرة:٦٩] أي صاف لونها ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ [البقرة:٦٩] أي: تعجب الناظرين، ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ * قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ﴾ [البقرة:٧٠ - ٧١] أي: لم يذللها العمل، ﴿تُثِيرُ الأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ﴾ [البقرة:٧١] يعني: وليست بذلول تثير الأرض ﴿وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ﴾ [البقرة:٧١] يعني: ولا تعمل في الحرث، ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾ [البقرة:٧١] يعني: مسلمة من العيوب، ﴿لا شِيَةَ فِيهَا﴾ [البقرة:٧١] يقول: لا بياض فيها، ﴿قَالُوا الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة:٧١] قال: ولو أن القوم حين أمروا بذبح بقرة استعرضوا بقرة من البقر فذبحوها لكانت إياها، ولكن شددوا على أنفسهم؛ فشدد الله عليهم، ولولا أن القوم استثنوا فقالوا: ﴿وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة:٧٠] لما هدوا إليها أبداً]. هذا السؤال من تعنتات بني إسرائيل، ومخالفتهم لأنبيائهم عليهم الصلاة والسلام، ولو أنهم أخذوا أي بقرة لأجزأت، لكنهم تعنتوا فقالوا: لا ندري البقرة، أصغيرة أو كبيرة؟ فلما أخبروا بأنها وسط، قالوا: لا ندري ما اللون؟ هل هذه البقرة صفراء، أم سوداء، أم حمراء؟ فلما أخبروا باللون، قالوا: لا ندري، هل تعمل أم لا تعمل؟ فالبقر تشابه علينا، ونريد وصفاً واضحاً، فبين الله لهم أنها لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث، أي: لا تعمل، مسلمة، ولا شية فيها، أي: ليس فيها لون آخر. فكلما سألوا ضُيق عليهم الأمر، وأُعطوا أوصافاً تضيق الدائرة، ولو أنهم أخذوا أي بقرة لأجزأت، ولكنهم تعنتوا وشددوا، فشدد الله عليهم. ومن فوائد هذه القصة: أن فيها تحذيراً لهذه الأمة من التشدد والتعنت، قال ﵊: (ذروني ما تركتكم، فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم) فكثرة المسائل أي: التعنت، سبب للهلاك، ولذلك قال الله: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة:٧١]، أي: مع كل هذه الأوصاف والتعنتات ما كادوا ليفعلوا، لولا أنهم استثنوا ووفقهم الله ما كادوا يفعلون. فكثرة الأسئلة التي يراد منها التعنت، وإيقاع المسئول في العنت والحرج، كل هذا منهي عنه، يقول النبي ﷺ : (ذروني ما تركتكم، فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم) فينبغي للمسلم أن يحذر من التعنت والتشدد في المسائل، وكثرة الأسئلة عن أمور لم تقع بعد، أو التي فيها إشكال، وإنما الواجب على المسلم أن يسأل أسئلة واقعة، أو أسئلة تمس الحاجة إليها، ويكون قصده الفائدة. قال المصنف رحمه الله تعالى: [فبلغنا أنهم لم يجدوا البقرة التي نعتت لهم إلا عند عجوز، وعندها يتامى وهي القيمة عليهم، فلما علمت أنه لا يزكو لهم غيرها؛ أضعفت عليهم الثمن، فأتوا موسى فأخبروه أنهم لم يجدوا هذا النعت إلا عند فلانة، وأنها سألت أضعاف ثمنها، فقال موسى: إن الله قد خفف عليكم فشددتم على أنفسكم، فأعطوها رضاها وحكمها، ففعلوا واشتروها فذبحوها، فأمرهم موسى ﵊ أن يأخذوا عظماً منها فيضربوا به القتيل، ففعلوا، فرجع إليه روحه، فسمى لهم قاتله، ثم عاد ميتا كما كان، فأخذ قاتله وهو الذي كان أتى موسى ﵊ فشكا إليه، فقتله الله على أسوأ عمله. وقال محمد بن جرير: حدثني محمد بن سعد، حدثني أبي، حدثني عمي، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﵄ في قوله في شأن البقرة، وذلك أن شيخاً من بني إسرائيل على عهد موسى ﵊ كان مكثراً من المال، وكان بنو أخيه فقراء لا مال لهم، وكان الشيخ لا ولد له، وكان بنو أخيه ورثته، فقالوا: ليت عمنا قد مات فورثنا ماله، وإنه لما تطاول عليهم ألا يموت عمهم أتاهم الشيطان فقال لهم: هل لكم إلى أن تقتلوا عمكم فترثوا ماله، وتغرموا أهل المدينة التي لستم بها ديته؟ قوله: (وتغرموا أهل المدينة)، يعني: تغرمونهم الدية، أي: يقتلونه ويضعونه على باب المدينة ويدعونه. قال المصنف رحمه الله تعالى: [وذلك أنهما كانتا مدينتين كانوا في إحداهما، وكان القتيل إذا قتل وطرح بين المدينتين قيس ما بين القتيل والقريتين، فأيتهما كانت أقرب إليه غرمت الدية. وأنهم لما سول لهم الشيطان ذلك، وتطاول عليهم أن لا يموت عمهم؛ عمدوا إليه فقتلوه، ثم عمدوا فطرحوه على باب المدينة التي ليسوا فيها، فلما أصبح أهل المدينة جاء بنو أخي الشيخ فقالوا: عمنا قتل على باب مدينتكم، فوالله لتغرمن لنا دية عمنا، قال أهل المدينة: نقسم بالله ما قتلنا، ولا علمنا قاتلاً، ولا فتحنا باب مدينتنا منذ أغلق حتى أصبحنا، وإنهم عمدوا إلى موسى ﵊، فلما أتوه قال بنو أخي الشيخ: عمنا وجدناه مقتولاً على باب مدينتهم، وقال أهل المدينة: نقسم بالله ما قتلناه، ولا فتحنا باب المدينة من حين أغلقناه حتى أصبحنا. وإن جبرائيل جاء بأمر السميع العليم إلى موسى ﵊، فقال: قل لهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة:٦٧] فتضربوه ببعضها. وقال السدي: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة:٦٧] قال: كان رجل من بني إسرائيل مكثراً من المال، فكانت له ابنة، وكان له ابن أخ محتاج، فخطب إليه ابن أخيه ابنته؛ فأبى أن يزوجه، فغضب الفتى وقال: والله لأقتلن عمي، ولآخذن ماله، ولأنكحن ابنته، ولآكلن ديته، فأتاه الفتى وقد قدم تجار في بعض أسباط بني إسرائيل، فقال يا عم! انطلق معي فخذ لي من تجارة هؤلاء القوم لعلي أن أصيب منها؛ فإنهم إذا رأوك معي أعطوني، فخرج العم مع الف

стр. 284

تفسير قوله تعالى: (قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي) قال الله تعالى: ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا فَارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ * قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ * قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ * قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة:٦٨ - ٧١]. قال المصنف ﵀: [أخبر تعالى عن تعنت بني إسرائيل وكثرة سؤالهم لرسولهم، ولهذا لما ضيقوا على أنفسهم ضيق الله عليهم، ولو أنهم ذبحوا أي بقرة كانت لوقعت الموقع عنهم، كما قال ابن عباس وعبيدة وغير واحد. ولكنهم شددوا فشدد عليهم فقالوا: [﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾ [البقرة:٦٨] أي: ما هذه البقرة وأي شيء صفتها؟ قال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا هشام بن علي، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ قال: لو أخذوا أدنى بقرة لاكتفوا بها، ولكنهم شددوا فشدد عليهم -إسناد صحيح- وقد رواه غير واحد عن ابن عباس ﵄، وكذا قال عبيدة والسدي ومجاهد وعكرمة وأبو العالية وغير واحد، وقال ابن جريج: قال لي عطاء: لو أخذوا أدنى بقرة لكفتهم، قال ابن جريج: قال رسول الله ﷺ : (إنما أمروا بأدنى بقرة ولكنهم لما شددوا شدد الله عليهم، وأيم الله لو أنهم لم يستثنوا لما بينت لهم آخر الأبد). قال: ﴿إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا فَارِضٌ وَلا بِكْرٌ﴾ [البقرة:٦٨] أي: لا كبيرة هرمة، ولا صغيرة لم يلحقها الفحل، كما قاله أبو العالية والسدي ومجاهد وعكرمة وعطية العوفي وعطاء الخراساني ووهب بن منبه والضحاك والحسن وقتادة، وقاله ابن عباس ﵄ أيضاً، وقال الضحاك عن ابن عباس: عوان بين ذلك يقول: نصف بين الكبير والصغيرة، وهي أقوى ما يكون من الدواب والبقر، وأحسن ما تكون، وروي عن عكرمة ومجاهد وأبي العالية والربيع بن أنس وعطاء الخراساني والضحاك نحو ذلك. وقال السدي: العوان: النصف التي بين ذلك التي قد ولدت وولد ولدها، وقال هشيم، عن جويبر، عن كثير بن زياد، عن الحسن في البقرة: كانت بقرة وحشية]. وهذا باطل، وليس بشيء. قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس ﵄: من لبس نعلاً صفراء لم يزل في سرور ما دام لابسها، وذلك قوله تعالى: ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ [البقرة:٦٩]، وكذا قال مجاهد ووهب بن منبه: كانت صفراء. وعن ابن عمر: كانت صفراء الظلف. وعن سعيد بن جبير: كانت صفراء القرن والظلف. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي قال: حدثنا نصر بن علي، حدثنا نوح بن قيس، أنبأنا أبو رجاء، عن الحسن في قوله تعالى: ﴿صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ [البقرة:٦٩] قال: سوداء شديدة السواد، وهذا غريب، والصحيح الأول، ولهذا أكد صفرتها بأنه ﴿فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ [البقرة:٦٩]. وقال عطية العوفي: ﴿فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ [البقرة:٦٩] تكاد تسود من صفرتها، وقال سعيد بن جبير: ﴿فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ [البقرة:٦٩] قال: صافية اللون. وروي عن أبي العالية والربيع بن أنس والسدي والحسن وقتادة نحوه. وقال شريك عن معمر عن ابن عمر ﴿فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ [البقرة:٦٩] قال: صاف. وقال العوفي في تفسيره عن ابن عباس ﵄: ﴿فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ [البقرة:٦٩] شديدة الصفرة تكاد من صفرتها تبيض، وقال السدي: ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ [البقرة:٦٩] أي: تعجب الناظرين، وكذا قال أبو العالية وقتادة والربيع بن أنس، وقال وهب بن منبه: إذا نظرت إلى جلدها تخيلت أن شعاع الشمس يخرج من جلدها. وفي التوراة أنها كانت حمراء، فلعل هذا خطأ في التعريب، أو كما قال الأول: إنها كانت شديدة الصفرة تضرب إلى حمرة وسواد، والله أعلم]. الظاهر من الآية أنها صفراء شديدة الصفرة، وأن الصفرة تسر، لكن كلام ابن جريج في تفسير الآية فيه نظر، ولا شك أن الصفرة تفرح. قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ [البقرة:٧٠] أي: لكثرتها، فميز لنا هذه البقرة وصفها وحلها لنا، وإنا إن شاء الله إذا بينتها لنا لمهتدون إليها. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن يحيى الأودي الصوفي، حدثنا أبو سعيد أحمد بن داود الحداد، حدثنا سرور بن المغيرة الواسطي بن أخي منصور بن زاذان، عن عباد بن منصور، عن الحسن، عن أبي رافع، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لولا أن بني إسرائيل قالوا: وإنا إن شاء الله لمهتدون لما أعطوا، ولكن استثنوا). ورواه الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره من وجه آخر، عن سرور بن المغيرة، عن زاذان، عن عباد بن منصور، عن الحسن، عن أبي رافع، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لولا أن بني إسرائيل قالوا: وإنا إن شاء الله لمهتدون ما أعطوا أبداً، ولو أنهم اعترضوا بقرة من البقر فذبحوها لأجزأت عنهم، ولكن شددوا فشدد الله عليهم) وهذا حديث غريب من هذا الوجه، وأحسن أحواله أن يكون من كلام أبي هريرة كما تقدم مثله على السدي والله أعلم].

стр. 285

تفسير قوله تعالى: (قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث) قال المصنف رحمه الله تعالى: [﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ﴾ [البقرة:٧١] أي: إنها ليست مذللة بالحراثة، ولا معدة للسقي في الساقية، بل هي مكرمة حسنة، مسلمة صحيحة لا عيب فيها، ﴿لا شِيَةَ فِيهَا﴾ [البقرة:٧١] أي: ليس فيها لون غير لونها. وقال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾ [البقرة:٧١] يقول: لا عيب فيها، وكذا قال أبو العالية والربيع، وقال مجاهد: مسلمة من الشية، وقال عطاء الخراساني: مسلمة القوائم، والخلق لا شية فيها. قال مجاهد: لا بياض ولا سواد، وقال أبو العالية والربيع والحسن وقتادة: ليس فيها بياض، وقال عطاء الخراساني: ﴿لا شِيَةَ فِيهَا﴾ [البقرة:٧١] قال: لونها واحد بهيم. وروي عن عطية العوفي ووهب بن منبه وإسماعيل بن أبي خالد نحو ذلك. وقال السدي: لا شية فيها من بياض ولا سواد ولا حمرة، وكل هذه الأقوال متقاربة في المعنى، وقد زعم بعضهم أن المعنى في ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ﴾ [البقرة:٧١] ليست بمذللة بالعمل، ثم استأنف فقال: ﴿تُثِيرُ الأَرْضَ﴾ [البقرة:٧١] أي: يعمل عليها بالحراثة؛ لكنها لا تسقي الحرث، وهذا ضعيف؛ لأنه فسر الذلول التي لم تذلل بالعمل؛ بأنها لا تثير الأرض ولا تسقي الحرث، كذا قرره القرطبي وغيره] الصواب أن معنى قوله: ﴿لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ﴾ [البقرة:٧١] أي: ليست مذللة بالعمل، وقوله: ﴿تُثِيرُ الأَرْضَ﴾ [البقرة:٧١] تفسير لقوله: ﴿ذَلُولٌ﴾ [البقرة:٧١]، والذلول: هي التي تثير الأرض؛ ولكن ليست تعمل عاملة، وليست سامية، لأن البقر تستعمل في الحرث، وتستعمل في استخراج الماء، فليست سامية يستخرج على ظهرها الماء، وليست مذللة للعمل، وإنما مكرمة، لا شية فيها، أي: ليس فيها لون آخر. قال المصنف رحمه الله تعالى: [﴿قَالُوا الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ [البقرة:٧١] قال قتادة: الآن بينت لنا، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: وقيل ذلك والله قد جاءهم الحق ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة:٧١]] يعني: جاءهم الحق قبل ذلك، وجاءهم الحق فيما سبق، وجاءهم الحق فيما طلبوا. قال المصنف رحمه الله تعالى: [قال الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنما: كادوا ألا يفعلوا، ولم يكن ذلك الذي أرادوا؛ لأنهم أرادوا أن لا يذبحوها، يعني أنهم مع هذا البيان وهذه الأسئلة والأجوبة والإيضاح، ما ذبحوها إلا بعد الجهد، وفي هذا ذم لهم، وذلك أنه لم يكن غرضهم إلا التعنت؛ فلهذا ما كادوا يذبحونها] قوله تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة:٧١] أي: ما كادوا يمتثلون. قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال محمد بن كعب ومحمد بن قيس: فذبحوها وما كادوا يفعلون لكثرة ثمنها، وفي هذا نظر؛ لأن كثرة الثمن لم يثبت إلا من نقل بني إسرائيل كما تقدم من حكاية أبي العالية والسدي، ورواه العوفي عن ابن عباس ﵄، وقال عبيدة ومجاهد ووهب بن منبه وأبو العالية وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: إنهم اشتروها بمال كثير، وفيه اختلاف، ثم قد قيل في ثمنها غير ذلك. وقال عبد الرزاق: أنبأنا ابن عيينة، أخبرني محمد بن سوقة، عن عكرمة قال: ما كان ثمنها إلا ثلاثة دنانير، وهذا إسناد جيد عن عكرمة، والظاهر أنه نقله عن أهل الكتاب أيضاً. وقال ابن جرير: وقال آخرون: لم يكادوا أن يفعلوا ذلك خوف الفضيحة، إن اطلع الله على قاتل القتيل الذي اختصموا فيه، ولم يسنده عن أحد، ثم اختار أن الصواب في ذلك أنهم لم يكادوا يفعلوا ذلك؛ لغلاء ثمنها وللفضيحة، وفي هذا نظر، بل الصواب والله أعلم ما تقدم من رواية الضحاك عن ابن عباس على ما وجهناه، وبالله التوفيق]. يعني: في تعنتاتهم، ولا مانع أن تكون للأمور كلها؛ لغلاء الثمن، وللتعنتات، لكن الأصل أنه لتعنتهم؛ ولأجل ضعف إيمانهم، ولأجل ما جبلوا عليه من الاعتراض على أنبيائهم ما كادوا يفعلون.

стр. 286

الاستدلال بذكر صفات البقرةعلى صحة السلم في الحيوان قال المصنف رحمه الله تعالى: [مسألة: استدل بهذه الآية في حصر صفات هذه البقرة حتى تعينت، أو تم تقييدها بعد الإطلاق على صحة السلم في الحيوان، كما هو مذهب مالك والأوزاعي والليث والشافعي وأحمد وجمهور من العلماء سلفاً وخلفاً، بدليل ما ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ : (لا تنعت المرأة المرأة لزوجها كأنه ينظر إليها) وكما وصف النبي ﷺ إبل الدية في قتل الخطأ، وشبه العمد بالصفات المذكورة بالحديث. وقال أبو حنيفة والثوري والكوفيون: لا يصح السلم في الحيوان؛ لأنه لا تنضبط أحواله، وحكي مثله عن ابن مسعود وحذيفة بن اليمان وعبد الرحمن بن سمرة وغيرهم]. الصواب في هذه المسألة أنه يجوز السلم في الحيوان، والسلم هو: تقديم الثمن وتأجيل المثمن، أو تعجيل الثمن وتأخير المثمن. مثال ذلك: تسلم إنساناً خمسين ألفاً أو مائة ألف حاضر، وذلك في سيارة موصوفة بالذمة بعد سنة، صفتها كذا وكذا، وموديلها كذا وكذا، فتوصف كاملاً، كذلك الحيوان، تسلم كذا في حيوان، إبل أو بقر أو غنم، صفته كذا وكذا. وقد ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ لما قدم المدينة وجدهم يسلمون في الثمار السنة والسنتين، فقال ﵊: (من أسلم في شيء، فليسلم في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم) فإذا كان المسلم فيه ثمر أو تمر أو حبوب فلا بد من تعريفه وتقييده بالأوصاف، كيل معلوم ووزن معلوم وأجل معلوم، والتمر معروف، وثمنه كذا وكذا. كذلك إذا أسلم في سيارة، أو أسلم في حيوان فلا بأس، فالثمن يعجل والمثمن يؤجل ويقيد بالأوصاف.

стр. 287

تفسير سورة البقرة [٧٢ - ٧٤] وجد قتيل في بني إسرائيل في زمن موسى ﵇، فاختصم القوم فيه، فأمرهم الله تعالى على لسان نبيه موسى ﵇ بأن يذبحوا بقرة، ويضربوا بعضها به، فأحياه الله بعد موته وعلم القاتل، ثم وبخ الله اليهود بسبب قسوة قلوبهم، رغم ما شاهدوه من آيات الله وإحياء الموتى أمام أعينهم.

стр. 288

تفسير قوله تعالى: (وإذا قتلتم نفساً فادارأتم فيها) قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ * فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:٧٢ - ٧٣]. قال المصنف ﵀: [قال البخاري: ﴿فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾ [البقرة:٧٢] اختلفتم، وهكذا قال مجاهد: فيما رواه ابن أبي حاتم عن أبيه عن أبي حذيفة عن شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد أنه قال: في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾ [البقرة:٧٢]، اختلفتم، وقال عطاء الخرساني والضحاك اختصمتم فيها. وقال ابن جريج: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾ [البقرة:٧٢]، قال بعضهم: أنتم قتلتموه، وقال آخرون: بل أنتم قتلتموه، وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم. ﴿وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة:٧٢]. قال مجاهد: ما تغيبون. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا عمرة بن أسلم البصري حدثنا محمد بن الطفيل العبدي حدثنا صدقة بن رستم، سمعت المسيب بن رافع يقول: ما عمل رجل حسنة في سبعة أبيات إلا أظهرها الله، وما عمل رجل سيئة في سبعة أبيات إلا أظهرها الله، وتصديق ذلك في كلام الله ﴿وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ * فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾ [البقرة:٧٢ - ٧٣] هذا البعض أي شيء كان من أعضاء هذه البقرة]. وهذه القصة فيها بيان قدرة الله العظيمة، وأن الله لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وفيها دليل على البعث، كما قال : ﴿كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى﴾ [البقرة:٧٣]، فكما أن إحياء الأرض بعد موتها دليل على البعث، فكذلك هذه القصة، وهي قصة من خمس قصص في سورة البقرة، ذكر الله فيهن الإحياء بعد الموت، وهذه القصص هي: هذه أحياهم الله تعالى بعد موتهم، هذه القصص هي: الأولى: هذه القصة التي هي قصة قتيل بني إسرائيل، فقد ضربوه ببضعة من البقرة التي أمروا بذبحها فأحياه الله. والثانية: إحياء بني إسرائيل لما قالوا لموسى: أرنا الله جهرة، فأخذتهم الصاعقة فماتوا، ثم بعثهم الله. والثالثة: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾ [البقرة:٢٤٣] والرابعة: قصة عزير والخامسة: طيور إبراهيم. قال المصنف رحمه الله تعالى: [﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾ [البقرة:٧٣]، هذا البعض أي شيء كان من أعضاء هذه البقرة، فالمعجزة حاصلة به، وخرق العادة به كائن، وقد كان معيناً في نفس الأمر، فلو كان في تعيينه لنا فائدة تعود علينا في أمر الدين أو الدنيا لبينه الله تعالى لنا، ولكنه أبهمه ولم يجيء من طريق صحيح عن معصوم بيانه، فنحن نبهمه كما أبهمه الله]. وهذا هو الصواب، فهذا البعض مبهم، ولو كان فيه فائدة لبينه الله لنا، فالله أعلم ما هي هذه القطعة، وهل هي من الرقبة أو من الفخذ أو من غيرهما؟ وإنما المهم أنهم أخذوا قطعة معينة، وضربوه ببعضها فأحياه الله، فقالوا له: من قتلك؟ فقال: قتلني فلان، ثم عاد ميتاً، وأما تعيين بعضهم لهذه البضعة بأنها من الرقبة أو من الفخذ، فكل هذا لا دليل عليه. قال المصنف رحمه الله تعالى: [ولهذا قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان حدثنا عفان بن مسلم حدثنا عبد الواحد بن زياد حدثنا الأعمش عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: إن أصحاب بقرة بني إسرائيل طلبوها أربعين سنة حتى وجدوها عند رجل في بقر له، وكانت بقرة تعجبه، قال: فجعلوا يعطونه بها فيأبى، حتى أعطوه ملء مسكها دنانير]. والمسك -بفتح الميم-: الجلد، وأما المسك -بكسر الميم- فهو الطيب. وهذا مما يختلف فيه المعنى باختلاف الشكل، فالحركة الواحدة تغير فيه المعنى. قال المصنف رحمه الله تعالى: [قال: فجعلوا يعطونه بها فيأبى، حتى أعطوه ملء مسكها دنانير، فذبحوها، فضربوه -يعني: القتيل- بعضو منها، فقام تشخب أوداجه دماً، فقالوا له: من قتلك؟ قال: قتلني فلان. وكذا قال الحسن وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: أنه ضرب ببعضها. وفي رواية عن ابن عباس: أنه ضرب بالعظم الذي يلي الغضروف. وقال عبد الرزاق: أنبأنا معمر قال: قال أيوب عن ابن سيرين عن عبيدة: ضربوا القتيل ببعض لحمها. قال معمر: قال قتادة: ضربوه بلحم فخذها فعاش فقال: قتلني فلان. وقال وكيع بن الجراح في تفسيره: حدثنا النضر بن عربي عن عكرمة: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾ [البقرة:٧٣] فضرب بفخذها، فقام فقال: قتلني فلان. قال ابن أبي حاتم: وروي عن مجاهد وقتادة وعكرمة نحو ذلك. وقال السدي: فضربوه بالبضعة التي بين الكتفين فعاش، فسألوه فقال: قتلني ابن أخي. وقال أبو العالية: أمرهم موسى ﵇]. إذا مر اسم النبي ﷺ ، فالأفضل الصلاة عليه صلاة كاملة، لا أن نكتفي بالسلام فقط؛ وذلك للتبرك بالصلاة عليه. قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال أبو العالية: أمرهم موسى ﵇، أن يأخذوا عظماً من عظامها فيضربوا به القتيل ففعلوا، فرجع إليه روحه فسمى لهم قاتله، ثم عاد ميتاً كما كان. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: فضربوه ببعض آرابها. وقيل: بلسانها. وقيل: بعجب ذنبها]. وكل هذا كما سبق ليس عليه دليل، إذ أنها كلها من أخبار بني إسرائيل، والله أعلم بصدقها أو كذبها. والمقصود: أنهم ضربوه بقطعة منها فأحياه الله، فأخبر بمن قتله، وانقطع النزاع الذي بينهم بعد أن عرفوا من قتله، ثم عاد ميتاً، وتعيين هذا البعض ليس عليه دليل، ولا فائدة فيه، ولو كان في علمه فائدة لعينه الله لنا. قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى﴾ [البقرة:٧٣] أي: فضربوه فحيي. ونبه تعالى على قدرته وإحيائه الموتى بما شاهدوه من أمر القتيل، جعل ﵎ ذلك الصنيع حجة لهم على المعاد، وفاصلاً ما كان بينهم من الخصومة والعناد]. قوله: فاصلاً، أي: ليفصل بينهم. قال المصنف رحمه الله تعالى: [والله تعالى قد ذكر في هذه السورة مما خلقه من إحياء الموتى في خمسة مواضع: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ [البقرة:٥٦]، وهذه القصة، وقصة: ﴿الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ [البقرة:٢٤٣]، وقصة الذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها، وقصة إبراهيم ﵇ والطيور الأربعة. ونبه تعالى بإحياء الأرض بعد موتها على إعادة الأجسام بعد صيرورتها رميماً، كما قال أبو داود الطيالسي: حدثنا شعبة أخبرني يعلى بن عطاء قال: سمعت وكيع بن عدس يحدث عن أبي رزين العقيلي ﵁]. ووكيع بن عدس يقال له: وكيع بن حدس بالحاء، وفيه بعض الضعف. قال المصنف رحمه الله تعالى: [يحدث عن أبي رزين العقيلي ﵁، قال: (قلت: يا رسول الله! كيف يحيي الله الموتى؟ قال: أما مررت بواد ممحل ثم مررت به خضراً؟ قال: بلى، قال: كذلك النشور، أو قال: كذلك يحيي الله الموتى). وشاهد هذا قوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ * وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ * لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ﴾ [يس:٣٤ - ٣٥]. مسألة: استدل لمذهب الإمام مالك في كون قول الجريح: فلان قتلني لوثاً بهذه القصة؛ لأن القتيل لما حيي سئل عمن قتله، فقال: فلان قتلني، فكان ذلك مقبولاً منه؛ لأنه لا يخبر حينئذ إلا بالحق، ولا يتهم والحالة هذه ورجحوا ذلك؛ لحديث أنس: (أن يهودياً قتل جارية على أوضاح لها فرضخ رأسها بين حجرين، فقيل: من فعل بك هذا أفلان؟ أفلان؟ حتى ذكروا اليهودي فأومأت برأسها، فأخذ اليهودي فلم يزل به حتى اعترف، فأمر رسول الله ﷺ أن يرض رأسه بين حجرين). وعند مالك إذا كان لوثاً حلف أولياء القتيل قسامة، وخالف الجمهور في ذلك، ولم يجعلوا قول القتيل في ذلك لوثاً]. واللوث: هو البينة أو القرينة التي ترجح أن القتل فيهم، فإذا وجدت القرينة، كأن يوجد قتيل في حي من الأحياء، أو في بلد من البلدان، وكانت هناك قرينة ترجح أنهم قتلوه، كأن يكون بينه وبينهم عداوة، فيسمى هذا لوثاً، فيحلف أولياء القتيل خمسين يميناً على شخص معين، ثم يسعى إليه فيقتلونه قسامة، ويكون هذا قاطعاً للنزاع. ومما ورد في هذا: أن ابن سهل وجد قتيلاً في خي

стр. 289

تفسير قوله تعالى: (ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة) قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة:٧٤]. قال المصنف ﵀: [يقول تعالى توبيخاً لبني إسرائيل وتقريعاً لهم على ما شاهدوه من آيات الله تعالى، وإحيائه الموتى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ [البقرة:٧٤]، كله ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ﴾ [البقرة:٧٤]، التي لا تلين أبداً. ولهذا نهى الله المؤمنين عن مثل حالهم، فقال: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد:١٦]. قال العوفي في تفسيره عن ابن عباس: لما ضرب المقتول ببعض البقرة جلس أحيا ما كان قط، فقيل له: من قتلك؟ قال: بنو أخي قتلوني ثم قبض، فقال بنو أخيه حين قبضه الله: والله ما قتلناه، فكذبوا بالحق بعد أن رأوه، فقال الله: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ [البقرة:٧٤]، يعني: أبناء أخي الشيخ، ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة:٧٤]، فصارت قلوب بني إسرائيل مع طول الأمد قاسية بعيدة عن الموعظة، بعدما شاهدوه من الآيات والمعجزات، فهي في قسوتها كالحجارة التي لا علاج للينها، أو أشد قسوة من الحجارة، فإن من الحجارة ما يتفجر منها العيون بالأنهار الجارية، ومنها ما يشقق فيخرج منه الماء وإن لم يكن جارياً، ومنها ما يهبط من رأس الجبل من خشية الله، وفيه إدراك لذلك بحسبه، كما قال: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء:٤٤]. وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: إنه كان يقول: كل حجر يتفجر منه الماء أو يتشقق عن ماء، أو يتردى من رأس جبل لمن خشية الله، نزل بذلك القرآن. وقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو سعيد بن جبير عن ابن عباس: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٧٤]. أي: وإن من الحجارة لألين من قلوبكم عما تدعون إليه من الحق. ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة:٧٤]. وقال أبو علي الجياني في تفسيره: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٧٤]، هو سقوط البرد من السحاب، قال القاضي الباقلاني: وهذا تأويل بعيد، وتبعه في استبعاده الرازي، وهو كما قال]. وقد يكون المقصود: قال أبو علي الجبائي في تفسيره، وهو من المعتزلة، كما في النسخة الأخرى. قال المصنف ﵀: [فإن هذا خروج عن اللفظ بلا دليل، والله أعلم. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا هشام بن عمار حدثنا الحسن بن هشام الثقفي حدثني يحيى بن أبي طالب، يعني: ويحيى بن يعقوب: في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ﴾ [البقرة:٧٤]، قال: كثرة البكاء. ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ﴾ [البقرة:٧٤]، قال: قليل البكاء. ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٧٤]، قال: بكاء القلب من غير دموع العين. وقد زعم بعضهم أن هذا من باب المجاز، وهو إسناد الخشوع إلى الحجارة، كما أسندت الإرادة إلى الجدار في قوله: ﴿يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ﴾ [الكهف:٧٧]. قال الرازي والقرطبي وغيرهما من الأئمة: ولا حاجة إلى هذا، فإن الله تعالى يخلق فيها هذه الصفة، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾ [الأحزاب:٧٢]، وقال: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ [الإسراء:٤٤] الآية، وقال: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ [الرحمن:٦]، ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ﴾ [النحل:٤٨] الآية]. وهذا هو الصواب، أنه خشوع حقيقي وليس مجازاً؛ لأن الله تعالى قادر على كل شيء، وكما دلت عليه هذه الآيات: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء:٤٤]، ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٧٤]، ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر:٢١]. وفي الحديث: (إني لأعلم حجراً كان يسلم علي بمكة). وسمع تسبيح الطعام بين يديه، وسمع حنين الجذع، وقد كان جبل أحد يحب النبي وهو يحيه. فالله قادر على أن يجعل فيها إحساساً بالشعور. قال المصنف ﵀: [﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت:١١]، ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ﴾ [الحشر:٢١] الآية، ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ﴾ [فصلت:٢١] الآية. وفي الصحيح: (هذا جبل يحبنا ونحبه). وكحنين الجذع المتواتر خبره. وفي صحيح مسلم: (إني لأعرف حجراً بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث، إني لأعرفه الآن). وفي صفة الحجر الأسود: (إنه يشهد لمن استلم بحق يوم القيامة)، وغير ذلك مما في معناه]. وهذا فيه بعض الضعف، لكن جاء ما يشهد له. وهذه الأمور تسمى جمادات؛ لأنه ليس فيها روح، فالذي ليس فيه روح يسمى جماداً، بخلاف الذي فيه روح من الحشرات والدواب والطيور، فإنها لا تسمى جماداً. قال المصنف ﵀: [وحكى القرطبي قولاً: أنها للتخيير، أي: مثلاً لهذا وهذا وهذا، مثل: جالس الحسن أو ابن سيرين]. أي: أن (أو) فى قوله: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة:٧٤] قيل: إنها للتخيير، مثل: جالس الحسن أو ابن سيرين. يعني: إما أنها كالحجارة أو أنها أشد من الحجارة، وقيل: إنها للإضراب أو للتحقيق، أي: إن لم تكن كالحجارة فهي أشد، أو إن لم تكن أشد من الحجارة فهي لا تقل عنها، مثل قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات:١٤٧]، يعني: بل يزيدون، أو أنهم إن لم يزيدوا فلا ينقصون، وقيل: إنها للإبهام بالنسبة للمخاطب، والأقرب: أنها للتحقيق، وأن التحقيق أن قلوبهم كالحجارة أو أشد من الحجارة. أما القول بأنها للتخير أو للإبهام أو للمخاطب فضعيف. قال المؤلف ﵀: [وكذا حكاه الرازي في تفسيره وزاد قولاً آخر: أنها للإبهام بالنسبة إلى المخاطب]. وأما الله فهو يعلم الشيء على حقيقته. قال المصنف رحمه الله تعالى: [كقول القائل: أكلت خبزاً أو تمراً، وهو يعلم أيهما أكل]. أي: يريد أن يبهمها بالنسبة للمخاطب، وأما هو فيعلم. قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال آخر: إنها بمعنى قول القائل: كل حلواً أو حامضاً، أي: لا يخرج عن واحد منهما، أي: وقلوبكم صارت كالحجارة أو أشد قسوة منها لا تخرج عن واحد من هذين الشيئين. والله أعلم. تنبيه: اختلف علماء العربية في معنى قوله تعالى: ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة:٧٤] بعد الإجماع على استحالة كونها للشك، فقال بعضهم: (أو) ههنا بمعنى الواو، تقديره: فهي كالحجارة وأشد قسوة، كقوله تعالى: ﴿وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان:٢٤]، ﴿عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾ [المرسلات:٦]، وكما قال النابغة الذبياني: قالت: ألا ليتما هذا الحمام لنا إلى حمامتنا أو نصفه فقد]. تريد الحمام ونصفه، أي: ليت لنا هذا الحمام ونصف هذا الحمام. وكذلك قوله تعالى: ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة:٧٤] يعني: وأشد قسوة. قال: [تريد نصفه، قاله ابن جرير. وقال جرير بن عطية: نال الخلافة أو كانت له قدراً كما أتى ربه موسى على قدر]. قال ابن جرير: يعني: نال الخلافة؟ وكانت له قدراً. وقال آخرون: أو ههنا بمعنى: بل، فتقديره: فهي كالحجارة بل أشد قسوة. وكقوله: ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ [

стр. 290

تفسير سورة البقرة [٧٥ - ٧٩] لقد بين الله تعالى طمع المؤمنين في إيمان الفرق الضالة من اليهود الذين شاهد آباؤهم من الآيات البينات ما شاهدوه، وبيان ما هم عليه من تحريف لكتب الله تعالى، والنفاق والإندساس بين صفوف المسلمين، ونسوا أن الله يعلم سرهم وجهرهم، ويعلم كفرهم وتكذيبهم بمحمد ﷺ . وقد بين تعالى أن من أهل الكتاب أناساً لا يعلمون من الكتاب (التوراة) إلا تلاوة مجردة، ولا يفقهون المعاني، كما بين وجود صنف آخر من اليهود، وهم الدعاة إلى الضلال بالزور والكذب على الله وأكل أموال الناس بالباطل.

стр. 291

تفسير قوله تعالى: (أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه) قال الله تعالى: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ * أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [البقرة:٧٥ - ٧٧]. قال المصنف رحمه الله تعالى: [﴿أَفَتَطْمَعُونَ﴾ [البقرة:٧٥] أيها المؤمنون (أن يؤمنوا لكم)، أن ينقاد لكم بالطاعة هؤلاء الفرقة الضالة من اليهود الذين شاهد آباؤهم من الآيات البينات ما شاهدوه، ثم قست قلوبهم من بعد ذلك، ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾ [البقرة:٧٥] أي: يتأولونه على غير تأويله، ﴿مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾ [البقرة:٧٥] أي: فهموه على الجلية، ومع هذا يخالفونه على بصيرة، (وهم يعلمون) أنهم مخطئون فيما ذهبوا إليه من تحريفه وتأويله. وهذا المقام شبيه بقوله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [المائدة:١٣] قال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: ثم قال الله تعالى لنبيه ﷺ ولمن معه من المؤمنين يؤيسهم منهم: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [البقرة:٧٥]. وليس قوله: ليسمعون التوراة كلهم قد سمعها، ولكن هم الذين سألوا موسى رؤية ربهم فأخذتهم الصاعقة فيها. وقال محمد بن إسحاق: فيما حدثني بعض أهل العلم أنهم قالوا لموسى: يا موسى! قد حيل بيننا وبين رؤية ربنا تعالى فأسمعنا كلامه حين يكلمك، فطلب ذلك موسى إلى ربه تعالى، فقال: نعم، مرهم فليتطهروا وليطهروا ثيابهم ويصوموا، ففعلوا، ثم خرج بهم حتى أتوا الطور، فلما غشيهم الغمام أمرهم موسى أن يسجدوا، فوقعوا سجوداً وكلمه ربه، فسمعوا كلامه يأمرهم وينهاهم حتى عقلوا منه ما سمعوا، ثم انصرف بهم إلى بني إسرائيل، فلما جاءوهم حرف فريق منهم ما أمرهم به، وقالوا حين قال موسى لبني إسرائيل: إن الله قد أمركم بكذا وكذا، قال ذلك الفريق الذين ذكرهم الله: إنما قال كذا وكذا، خلافاً لما قال الله لهم، فهم الذين عنى الله لرسوله ﷺ . وقال السدي: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾ [البقرة:٧٥] قال: هي التوراة حرفوها. وهذا الذي ذكره السدي أعم مما ذكره ابن عباس وابن إسحاق، وإن كان قد اختاره ابن جرير لظاهر السياق. فإنه ليس يلزم من سماع كلام الله أن يكون منه، كما سمعه الكليم موسى بن عمران ﵊]. وهو كما قال المؤلف ﵀ من أن قول السدي أعم، وأثر ابن عباس محمول على أنه كان عن بني إسرائيل، وأثر ابن إسحاق منقطع. والصواب: أن القول بأنهم سمعوا كلام الله يحتاج إلى دليل، وليس هناك دليل. واليهود يحرفون الحق، وقد حرفوا التوراة، وحرفوا كتب الله، كما جاء عن ابن عباس أنه قال: تسألون أهل الكتاب عن كتبهم وعندكم كتاب الله. وفي هذه الآيات تحذير لهذه الأمة من أن تسلك ما سلكه اليهود، فيصيبهم ما أصابهم من تحريف كلام الله، وكلام رسوله ﷺ ، وتأويله على غير تأويله، كما فعل كثير من المبتدعة الذين حرفوا كلام الله، وأولوا النصوص وجحدوا صفات الله . وقد قال العلماء: إن اللام التي زادها الجهمية مثل النون التي زادها اليهود، فعندما قال الله: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة:٥٨] قال اليهود: حنطة، وعندما قال الله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] قال الجهمية: استولى. والواجب على كل مسلم أن يتدبر كتاب الله ويعمل به وبسنة رسوله ﷺ ، وأن يحذر من التحريف والتأويل الباطلين، وأن يفهم نصوص كلام الله وكلام رسوله، ويفسرها بالنصوص الأخرى وبالأحاديث، فيفسر كلام الله بكلامه، ثم بكلام رسوله ﷺ ، ويفهم النصوص على ما فهمها السلف الصالح من الصحابة والتابعين والأئمة بعدهم، ويحذر من تحريفات وتأويلات أهل البدع حتى لا يسلك مسلك اليهود. قال المصنف ﵀: [وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦] أي: مبلغاً إليه. ولهذا قال قتادة في قوله: ﴿ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٧٥] قال: هم اليهود كانوا يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعدما عقلوه ووعوه. وقال مجاهد: الذين يحرفونه والذين يكتمونه هم العلماء منهم. وقال أبو العالية: عمدوا إلى ما أنزل الله في كتابهم من نعت محمد ﷺ فحرفوه عن مواضعه]. يعني: قصدوا ذلك. قال: [وقال السدي: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٧٥]، أي: أنهم أذنبوا. وقال ابن وهب: قال ابن زيد في قوله: ﴿يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾ [البقرة:٧٥] قال: التوراة التي أنزلها الله عليهم يحرفونها، يجعلون الحلال فيها حراماً والحرام فيها حلالاً، والحق فيها باطلاً والباطل فيها حقاً، إذا جاءهم المحق برشوة أخرجوا له كتاب الله، وإذا جاءهم المبطل برشوة أخرجوا له ذلك الكتاب فهو فيه محق، وإذا جاءهم أحد يسألهم شيئاً ليس فيه حق ولا رشوة ولا شيء أمروه بالحق، فقال الله لهم: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:٤٤]].

стр. 292

تفسير قوله تعالى: (وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا) قال المصنف ﵀: [وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة:٧٦] الآية، قال محمد بن إسحاق: حدثنا محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو سعيد بن جبير وعن ابن عباس ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾ [البقرة:٧٦] أي: أن صاحبكم رسول الله ولكنه إليكم خاصة، ﴿وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة:٧٦] قالوا: لا تحدثوا العرب بهذا، فإنكم قد كنتم تستفتحون به عليهم فكان منهم، فأنزل الله: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة:٧٦] أي: تقرون بأنه نبي، وقد علمتم أنه قد أخذ له الميثاق عليكم باتباعه، وهو يخبرهم أنه النبي الذي كنا ننتظر ونجد في كتابنا، اجحدوه ولا تقروا به، يقول الله تعالى: ﴿أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [البقرة:٧٧]. وقال الضحاك عن ابن عباس: يعني: المنافقين من اليهود كانوا إذا لقوا أصحاب محمد ﷺ قالوا: آمنا. وقال السدي: هؤلاء ناس من اليهود آمنوا ثم نافقوا. وكذا قال الربيع بن أنس وقتادة وغير واحد من السلف والخلف. حتى قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم فيما رواه ابن وهب عنه، كان رسول الله ﷺ قد قال: (لا يدخلن عليكم قصبة المدينة إلا مؤمن) فقال رؤساؤهم من أهل الكفر والنفاق: اذهبوا فقولوا: آمنا واكفروا إذا رجعتم إلينا، فكانوا يأتون المدينة بالبكر ويرجعون إليهم بعد العصر]. قوله: بالبكر، يعني: أول النهار، جمع بكرة. قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقرأ قول الله تعالى: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [آل عمران:٧٢] وكانوا يقولون إذا دخلوا المدينة: نحن مسلمون؛ ليعلموا خبر رسول الله ﷺ وأمره، فإذا رجعوا رجعوا إلى الكفر، فلما أخبر الله نبيه ﷺ قطع ذلك عنهم، فلم يكونوا يدخلون، وكان المؤمنون يظنون أنهم مؤمنون، فيقولون: أليس قد قال الله لكم كذا وكذا؟ فيقولون: بلى، فإذا رجعوا إلى قومهم، يعني: الرؤساء، فقالوا: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة:٧٦]، الآية. وقال أبو العالية: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة:٧٦] يعني: بما أنزل عليكم في كتابكم من نعت محمد ﷺ . وقال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة:٧٦] قال: كانوا يقولون: سيكون نبي فخلا بعضهم إلى بعض، فقالوا: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة:٧٦]، قول آخر في المراد بالفتح: قال ابن جريج: حدثني القاسم بن أبي برزة عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة:٧٦]، قال: (قام النبي ﷺ يوم قريظة تحت حصونهم، فقال: يا إخوان القردة والخنازير! ويا عبدة الطاغوت! فقالوا: من أخبر بهذا الأمر محمداً؟ ما خرج هذا القول إلا منكم)، ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة:٧٦]، بما حكم الله للفتح ليكون لهم حجة عليكم. قال ابن جريج عن مجاهد: هذا حين أرسل إليهم علياً فآذوا محمداً ﷺ ]. الصواب: القاسم بن أبي بزة. قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال السدي: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة:٧٦]، من العذاب، ﴿لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة:٧٦]، هؤلاء ناس من اليهود آمنوا ثم نافقوا، فكانوا يحدثون المؤمنين من العرب بما عذبوا به، فقال بعضهم لبعض: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة:٧٦] من العذاب، ليقولوا: نحن أحب إلى الله منكم وأكرم على الله منكم. وقال عطاء الخراساني: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة:٧٦] يعني: بما قضى لكم وعليكم]. والأقرب هو القول الأول، وأن معنى الفتح هو: قول اليهود للمؤمنين: أنه في كتابهم: إن الله سيبعث نبياً، وسيكون مهاجره من مكة إلى المدينة، وأنه موجود في كتابهم، ولم يكن اليهود يخبرون به المسلمين، وأنه سيبعث نبي، وأن مهاجره المدينة، وأنه أنزل في كتابهم. قال المصنف ﵀: [وقال الحسن البصري: هؤلاء اليهود كانوا إذا لقوا الذين آمنوا قالوا: آمنا، وإذا خلا بعضهم إلى بعض، قال بعضهم: لا تحدثوا أصحاب محمد بما فتح الله عليكم مما في كتابكم؛ ليحاجوكم به عند ربكم فيخصموكم].

стр. 293

تفسير قوله تعالى: (أولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون) قال المصنف ﵀: [وقوله تعالى: ﴿أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [البقرة:٧٧]، قال أبو العالية: يعني: ما أسروا من كفرهم بمحمد ﷺ وتكذيبهم به وهم يجدونه مكتوباً عندهم، وكذا قال قتادة. وقال الحسن: ﴿إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ﴾ [البقرة:٧٧]، قال: كان ما أسروا أنهم كانوا إذا تولوا عن أصحاب محمد ﷺ وخلا بعضهم إلى بعض، تناهوا أن يخبر أحد منهم أصحاب محمد ﷺ بما فتح الله عليهم مما في كتابهم؛ خشية أن يحاجهم أصحاب محمد ﷺ بما في كتابهم عند ربهم ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [البقرة:٧٧] يعني: حين قالوا لأصحاب محمد ﷺ : آمنا. كذا قال أبو العالية والربيع وقتادة.

стр. 294

تفسير قوله تعالى: (ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني) قال الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ * فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة:٧٨ - ٧٩]. قال المصنف ﵀: [يقول تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾ [البقرة:٧٨] أي: ومن أهل الكتاب، قاله مجاهد والأميون جمع أمي، وهو: الرجل الذي لا يحسن الكتابة. قاله أبو العالية والربيع وقتادة وإبراهيم النخعي وغير واحد؛ وهو ظاهر في قوله تعالى: ﴿لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ﴾ [البقرة:٧٨] أي: لا يدرون ما فيه. ولهذا في صفات النبي ﷺ : أنه الأمي؛ لأنه لم يكن يحسن الكتابة، كما قال تعالى ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت:٤٨]]. والأمي هو: المنسوب إلى أمه؛ لأن الغالب في عادة العرب أن الأم لا تقرأ ولا تكتب. قال المصنف ﵀: [وقال عليه الصلاة السلام: (إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا وهكذا) الحديث، أي: لا نفتقر في عباداتنا ومواقيتها إلى كتاب ولا حساب]. وهذا هو معنى كوننا أمة أمية، أي: أننا لا نحتاج إلى كتابة للعبادات ومواقيتها، لا في الصلاة ولا في الصيام ولا في الحج، وفي رواية حفص: هكذا وهكذا وهكذا، وقبض إحدى أصابعه، يعني: يكون الشهر مرة ثلاثين، ومرة تسعة وعشرين، فنحن لا نحتاج إلى كتابة مواقيت الصلوات الخمس لأن علاماتها ظاهرة، مثل استواء الشمس وغروبها، ومصير ظل الشيء مثليه، ومغيب الشفق وطلوع الفجر. وكذلك أيضاً الصيام على الهلال، وكذلك الحج، فلا يحتاج المسلمون في معرفة مواقيت العبادات إلى كتابة ولا إلى حساب. هذا هو معنى أننا أمة أميه. قال المصنف ﵀: [وقال ﵎: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة:٢]، وقال ابن جرير: نسبت العرب من لا يكتب ولا يخط من الرجال إلى أمه في جهله بالكتاب دون أبيه]. لأن الأم أولى من الأب في عدم الكتابة، فهي لا تقرأ. وهذا وصف أغلبي للعرب، وإلا فهناك فيهم من يكتب ويقرأ، ولكن الأغلب فيهم عدم القراءة والكتابة. والصحابة ﵃ كانوا كذلك، فكان منهم من يكتب، ومنهم من لا يكتب. وقد قال أبو هريرة ﵁ -وهو من أحفظ الصحابة-: إلا أن عبد الله بن عمرو كان يكتب. وكان يدرس الحديث في أول الليل، ولهذا أوصاه النبي ﷺ أن يوتر قبل أن ينام. قال المصنف ﵀: [قال: وقد روي عن ابن عباس ﵄ قول خلاف هذا، وهو ما حدثنا به أبو كريب حدثنا عثمان بن سعيد عن بشر بن عمارة عن أبي روق عن الضحاك عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾ [البقرة:٧٨]. قال الأميون: قوم لم يصدقوا رسولاً أرسله الله، ولا كتاباً أنزله الله، فكتبوا كتاباً بأيديهم، ثم قالوا لقوم سفلة جهال: هذا من عند الله، وقال: قد أخبر أنهم يكتبون بأيديهم ثم سماهم أميين؛ لجحودهم كتب الله ورسله. ثم قال ابن جرير: وهذا التأويل تأويل على خلاف ما يعرف من كلام العرب المستفيض بينهم؛ وذلك أن الأمي عند العرب الذي لا يكتب]. وصدق ابن جرير ﵀ في ذلك. قال المصنف رحمه الله تعالى: [ثم في صحة هذا عن ابن عباس بهذا الإسناد نظر، والله أعلم]. وهو ضعيف، لأن فيه علتان: الأولى: بشر بن عمارة. والثانية: أنه منقطع؛ لأن الضحاك لم يسمع من ابن عباس، فهو لا يصح. والصواب: أن الأمي هو الذي لا يحسن القراءة والكتابة. وأبو روق عطية بن الحارث -بفتح الراء وسكون الواو بعد قاف- هو الهمداني الكوفي، صاحب التفسير، صدوق من الخامسة. قال المصنف ﵀: [وقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة:٧٨] قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس: إلا أماني: الأحاديث. وقال الضحاك عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة:٧٨] يقول: إلا قولاً يقولون بأفواههم كذباً. وقال مجاهد: إلا كذباً. وقال سنيد: عن حجاج عن ابن جريج عن مجاهد: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة:٧٨] قال: أناس من اليهود لم يكونوا يعلمون من الكتاب شيئاً، وكانوا يتكلمون بالظن بغير ما في كتاب الله، ويقولون هو من الكتاب، أماني يتمنونها. وعن الحسن البصري نحوه. وقال أبو العالية والربيع وقتادة: إلا أماني يتمنون على الله ما ليس لهم. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: (إلا أماني) قال: تمنوا فقالوا: نحن من أهل الكتاب وليسوا منهم. قال ابن جرير: والأشبه بالصواب قول الضحاك عن ابن عباس. وقال مجاهد: إن الأميين الذين وصفهم الله تعالى أنهم لا يفقهون من الكتاب الذي أنزله الله تعالى على موسى شيئاً، ولكنهم يتخرصون الكذب، ويتخرصون الأباطيل كذباً وزوراً. والتمني في هذا الموضع هو تخلق الكذب وتخرصه، ومنه الخبر المروي عن عثمان بن عفان ﵁: ما تغنيت ولا تمنيت، يعني: ما تخرصت الباطل ولا اختلقت الكذب. وقيل المراد بقوله: (إلا أماني) بالتشديد والتخفيف أيضاً، أي: إلا تلاوة، فعلى هذا يكون استثناء منقطعاً، واستشهدوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿إِلَّا إِذَا تَمَنَّى﴾ [الحج:٥٢]-أي: تلا-، ﴿أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج:٥٢] الآية]. وهذا هو الصواب. فالصواب أن التمني هو التلاوة المجردة، قال تعالى: ﴿لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيّ﴾ [البقرة:٧٨] أي: إلا تلاوة مجردة، ولا يفقهون المعاني. وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى﴾ [الحج:٥٢] أي: إذا قرأ، ﴿أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج:٥٢] وهي القراءة، والتمني: القراءة المجردة. والله تعالى أخبر أن هؤلاء الطائفة من اليهود أميون لا يفقهون ولا يفهمون إلا مجرد التلاوة. قال المصنف ﵀: [وقال كعب بن مالك الشاعر: تمنى كتاب الله أول ليله وآخره لاقى حمام المقادر. يعني: عثمان، تمنى، يعني: قرأ كتاب الله أول الليل، وفي آخره لاقى الحمام، أي: الموت، فقتله الثوار وهو يتلو كتاب الله. قال المصنف ﵀: [وقال آخر: تمنى كتاب الله آخر ليله تمني داود الكتاب على رسل، يعني: قرأ كتاب الله قراءة تجاوب بحسن صوته، على رسل: على مهل وتؤدة، كقراءة داود، فقد كان داود ﵊ حسن الصوت، وقد قال النبي ﷺ لـ أبي موسى الأشعري: لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود. والمراد بالمزمار: الصوت الحسن. قال المصنف ﵀: [وقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو سعيد بن جبير عن ابن عباس: ﴿لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [البقرة:٧٨]، أي: ولا يدرون ما فيه، وهم يجدون نبوتك بالظن. وقال مجاهد: ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [البقرة:٧٨] يكذبون. وقال قتادة وأبو العالية والربيع: يظنون بالله الظنون بغير الحق].

стр. 295

تفسير قوله تعالى: (فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله) قال المصنف ﵀: [وقوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة:٧٩] الآية. هؤلاء صنف آخر من اليهود، وهم الدعاة إلى الضلال بالزور والكذب على الله وأكل أموال الناس بالباطل]. واليهود أصناف كما ذكر الله، فصنف: ﴿ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾ [البقرة:٧٥]. والصنف الثاني: المنافقون، قال تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا﴾ [البقرة:١٤]، والصنف الثالث: الأميون، قال تعالى: ﴿أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة:٧٨]، وهذا الصنف الرابع: أهل الزور والبهتان، الذين: ﴿يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٧٩]. قال المصنف ﵀: [والويل: الهلاك والدمار، وهي: كلمة مشهورة في اللغة. وقال سفيان الثوري عن زياد بن فياض سمعت أبا عياض يقول: ويل صديد في أصل جهنم، وقال عطاء بن يسار: الويل واد في جهنم لو سيرت فيه الجبال لماعت. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن عبد الأعلى أخبرنا ابن وهب أخبرني عمرو بن الحارث عن دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله ﷺ قال: (ويل واد في جهنم يهوي فيه الكافر أربعين خريفاً قبل أن يبلغ قعره). ورواه الترمذي عن عبد الرحمن بن حميد عن الحسن بن موسى عن أبي لهيعة عن دارج به]. وهو ضعيف؛ لأن ابن لهيعة ضعيف، وأيضاً دراج عن أبي الهيثم ضعيف. ولا يصح تفسير الويل بأنه واد في جهنم. والصواب: أنه كلمة وعيد، والمراد به شدة العذاب والهلع. وهذه الأصناف لا تجتمع في واحد؛ لأن فيها الأميون الذين لا يعلمون الكتاب إلا مجرد التلاوة، وفيها طائفة يحرفون الكلام عن قصده، وهم يعلمون. قال المصنف ﵀: [وقال: هذا الحديث غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة، قلت: لم ينفرد به ابن لهيعة كما ترى، ولكن الآفة ممن بعده. وهذا الحديث بهذا الإسناد مرفوعاً منكر، والله أعلم. وقال ابن جرير: حدثنا المثنى حدثنا إبراهيم بن عبد السلام حدثنا صالح القشيري حدثنا علي بن جرير عن حماد بن سلمة عن عبد الحميد بن جعفر عن كنانة العدوي عن عثمان بن عفان ﵁ عن رسول الله ﷺ : ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة:٧٩] قال: (الويل جبل في النار)، وهو الذي أنزل في اليهود؛ لأنهم حرفوا التوراة، زادوا فيها ما أحبوا ومحوا منها ما يكرهون، ومحوا اسم محمد ﷺ من التوراة، ولذلك غضب الله عليهم فرفع بعض التوراة، فقال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة:٧٩]، وهذا غريب أيضاً جداً. وعن ابن عباس: الويل: المشقة من العذاب. وقال الخليل بن أحمد: الويل: شدة الشر. وقال سيبويه: ويل لمن وقع في الهلكة، وويح لمن أشرف عليها. وقال الأصمعي: الويل تفجع والويح ترحم. وقال غيره: الويل: الحزن. وقال الخليل: وفي معنى ويل: ويح وويش وويه وويك وويب، ومنهم من فرق بينها. وقال بعض النحاة: إنما جاز الابتداء بها وهي نكرة؛ لأن فيها معنى الدعاء. ومنهم من جوز نصبها بمعنى: ألزمهم ويلاً. قلت: لكن لم يقرأ بذلك أحد. وعن عكرمة عن ابن عباس ﵄: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة:٧٩]، قال: هم أحبار اليهود. وكذا قال سعيد عن قتادة: هم اليهود. وقال سفيان الثوري: عن عبد الرحمن بن علقمة سألت ابن عباس ﵁ عن قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة:٧٩] قال: نزلت في المشركين وأهل الكتاب. وقال السدي: كان ناس من اليهود كتبوا كتاباً من عندهم يبيعونه من العرب ويحدثونهم أنه من عند الله فيأخذوا به ثمناً قليلاً. وقال الزهري: أخبرني عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس أنه قال: يا معشر المسلمين! كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء وكتاب الله الذي أنزله على نبيه أحدث أخبار الله تقرءونه غضاً لم يشب]. والصواب: محضاًً، كما رواه البخاري في صحيحه، و (محضاً لم يشب) يعني: خالصاً لم يصب بغيره. وروي بلفظ: (أقرب الكتب عهداً بالله) كما قال: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء:٢] يعني: عندكم كتاب الله آخر الكتب نزولاً من عنده، ثم تسألون أهل الكتاب، وهذا إنكار من ابن عباس. وقال في آخره: (فلا والله ما رأينا أحداً منهم يسألكم عما في الكتاب، فكيف تسألونهم أنتم؟) وعندكم كتاب الله محض لم يشب، ولم يختلط بغيره، وإنما هو محفوظ. قال المصنف ﵀: [وقد حدثكم الله تعالى أن أهل الكتاب قد بدلوا كتاب الله وغيروه، وكتبوا بأيديهم الكتاب وقالوا: هو من عند الله؛ ليشتروا به ثمناً قليلاً، أفلا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مساءلتهم؟! ولا والله ما رأينا منهم أحداً قط سألكم عن الذي أنزل عليكم، رواه البخاري من طرق عن الزهري. وقال الحسن بن أبي الحسن البصري: الثمن القليل: الدنيا بحذافيرها]. فالدنيا كلها مهما عظمت ثمن قليل، ولو أعطوا الدنيا كلها من أولها إلى آخرها فذلك ثمن قليل لا تساوي شيئاً. وفي الحديث: (لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء). قال المصنف ﵀: [وقوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة:٧٩] أي: فويل لهم مما كتبوا بأيديهم من الكذب والبهتان والافتراء، وويل لهم مما أكلوا به من السحت. كما قال الضحاك عن ابن عباس ﵄: ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ﴾ [البقرة:٧٩] يقول: فالعذاب عليهم من الذي كتبوا بأيديهم من ذلك الكذب ﴿وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة:٧٩] يقول: مما يأكلون به الناس السفلة وغيرهم].

стр. 296

تفسير سورة البقرة [٨٠ - ٨٣] يدعي اليهود أنهم لن تمسهم النار إلا أياماً معدودة، فرد الله عليهم بأن الأمر ليس كما تمنوا ولا كما يشتهون، بل من أحسن فله الحسنى، ومن أساء فله الخزي في الدنيا والآخرة. كما ذكر الله تعالى بني إسرائيل بما أمرهم من الأوامر، وأخذه ميثاقهم على ذلك، وأنهم تولوا عن ذلك كله، وأعرضوا قصداً وعمداً، وهم يذكرونه ويعرفونه.

стр. 297

تفسير قوله تعالى: (وقالوا لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة) قال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٨٠]. قال المصنف ﵀: [يقول تعالى إخباراً عن اليهود في ما نقلوه وادعوه لأنفسهم من أنهم لن تمسهم النار إلا أياماً معدودة، ثم ينجون منها، فرد الله عليهم ذلك بقوله تعالى: ﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا﴾ [البقرة:٨٠] أي: بذلك، فإن كان قد وقع عهد فهو لا يخلف عهده، ولكن هذا ما جرى ولا كان، ولهذا أتى بأم التي بمعنى بل، أي: بل تقولون على الله ما لا تعلمون من الكذب والافتراء عليه. قال محمد بن إسحاق بن سيف: عن سليمان عن مجاهد عن ابن عباس ﵄: أن اليهود كانوا يقولون: إن هذه الدنيا سبعة آلاف سنة، وإنما نعذب بكل ألف سنة يوماً في النار، وإنما هي سبعة أيام معدودة، فأنزل الله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة:٨٠] إلى قوله: ﴿خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٨١]. ثم رواه عن محمد عن سعيد أو عكرمة عن ابن عباس ﵄ بنحوه. وقال العوفي: عن ابن عباس ﵄: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة:٨٠]: اليهود قالوا: لن تمسنا النار إلا أربعين ليلة، زاد غيره: وهي مدة عبادتهم العجل، وحكاه القرطبي عن ابن عباس وقتادة. وقال الضحاك: وقال ابن عباس: زعمت اليهود أنهم وجدوا في التوراة مكتوباً أن ما بين طرفي جهنم مسيرة أربعين سنة إلى أن ينتهوا إلى شجرة الزقوم التي هي نابتة في أصل الجحيم. وقال أعداء الله: إنما نعذب حتى ننتهي إلى شجرة الزقوم، فتذهب جهنم وتهلك، فذلك قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة:٨٠]. وقال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة:٨٠] يعني: الأيام التي عبدنا فيها العجل. وقال عكرمة: (خاصمت اليهود رسول الله ﷺ فقالوا: لن ندخل النار إلا أربعين ليلة، وسيخلفنا فيها قوم آخرون يعنون محمداً ﷺ وأصحابه ﵃، فقال رسول الله ﷺ بيده على رءوسهم: بل أنتم خالدون مخلدون لا يخلفكم فيها أحد فأنزل الله : ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة:٨٠] الآية). وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه ﵀: حدثنا عبد الرحمن بن جعفر حدثنا محمد بن محمد بن صخر حدثنا أبو عبد الرحمن المقرئ حدثنا ليث بن سعد حدثني سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة ﵁ قال: (لما فتحت خيبر أهديت لرسول الله ﷺ شاة فيها سم، فقال رسول الله ﷺ : اجمعوا لي من كان من اليهود هاهنا، فقال لهم رسول الله ﷺ : من أبوكم؟ قالوا فلان: قال: كذبتم، بل أبوكم فلان، فقالوا: صدقت وبررت، ثم قال لهم: هل أنتم صادقي عن شيء إن سألتكم عنه؟ قالوا: نعم يا أبا القاسم! وإن كذبناك عرفت كذبنا كما عرفته في أبينا، فقال لهم رسول الله ﷺ : من أهل النار؟ فقالوا: نكون فيها يسيراً ثم تخلفونا فيها، فقال لهم رسول الله ﷺ : اخسئوا، والله لا نخلفكم فيها أبدا، ثم قال لهم رسول الله ﷺ : هل أنتم صادقي عن شيء إن سألتكم عنه؟ قالوا: نعم يا أبا القاسم! قال: هل جعلتم في هذه الشاة سماً؟ فقالوا: نعم، قال: فما حملكم على ذلك؟ فقالوا: أردنا إن كنت كاذباً أن نستريح منك، وإن كنت نبياً لم يضرك) رواه الإمام أحمد والبخاري والنسائي من حديث الليث بن سعد بنحوه]. فهذه الآية الكريمة فيها بيان الأماني التي يتمناها اليهود عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة، وأنهم قالوا: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة:٨٠] وهذه الأيام المشهور أنها الأيام التي عبدوا فيها العجل، وقيل غير ذلك. وفي هذا الحديث الصحيح الثابت أنهم قالوا: نمكث فيها يسيراً ثم تخلفونا، فهم ادعوا هذه الدعوى، وهذا من باب الأماني، والأماني التي ليس عليها دليل لا يعول عليها وهي باطلة، ولهذا أنكر الله عليهم ذلك، فقال: ﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ﴾ [البقرة:٨٠]. فاليهود الذين ماتوا على الكفر خالدون مخلدون فيها نسأل الله العافية، وكل من مات على الكفر فهو مخلد في النار لا يخرج منها أبد الآباد، وأما دعوى اليهود أنهم يمكثون فيها يسيراً، أو مدة أربعين يوماً، أو مدة سبعة أيام، فكل هذا من الأماني الباطلة التي قال الله في نظيرها لما قالوا: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة:١١١] فرد الله عليهم: ﴿تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة:١١١]. فالواجب على المسلم ألا يدعي دعوى إلا بدليل، وينبغي للمسلم أن يبتعد عن الأماني الباطلة، وأن يكون جاداً في العمل، فيتوب إلى الله ويعمل الأعمال الصالحة، ويترك التعلق بالأماني الباطلة، والتعلق بما عليه الآباء والأجداد، ولن ينفع الإنسان إلا عمله، ولهذا قال النبي عليه وسلم في الحديث الصحيح: (ومن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه) والأنساب والأحساب والأموال والجاه والسلطان والأماني كلها لا تنفع الإنسان، وما ينفع الإنسان إلا ما قدم من عمل صالح.

стр. 298

تفسير قوله تعالى: (بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته) قال الله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٨١ - ٨٢]. قال المصنف ﵀: [يقول تعالى: ليس الأمر كما تمنيتم ولا كما تشتهون، بل الأمر أنه من عمل سيئة وأحاطت به خطيئته، وهو من وافى يوم القيامة وليست له حسنة، بل جميع أعماله سيئات فهذا من أهل النار. ((وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ))، أي: آمنوا بالله ورسوله، وعملوا الصالحات من العمل الموافق للشريعة فهم من أهل الجنة، وهذا المقام شبيه بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا * وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ [النساء:١٢٣ - ١٢٤]. قال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد عن سعيد أو عكرمة عن ابن عباس ﵄: ((بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً))، أي: عمل مثل أعمالكم، وكفر بمثل ما كفرتم به حتى يحيط به كفره، فماله من حسنة، وفي رواية عن ابن عباس قال: الشرك، قال ابن أبي حاتم: وروي عن أبي وائل وأبي العالية ومجاهد وعكرمة والحسن وقتادة والربيع بن أنس نحوه. وقال الحسن أيضاً والسدي: السيئة الكبيرة من الكبائر. وقال ابن جريج عن مجاهد: ((وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ)) قال: بقلبه. وقال أبو هريرة وأبو وائل وعطاء والحسن: ((وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ)) قال: أحاط به شركه. وقال الأعمش عن أبي رزين عن الربيع بن خيثم: ((وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ)) قال: الذي يموت على خطاياه من قبل أن يتوب. وعن السدي وأبي رزين نحوه. وقال أبو العالية ومجاهد والحسن في رواية عنهما وقتادة والربيع بن أنس: ((وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ)) الموجبة الكبيرة، وكل هذه الأقوال متقاربة في المعنى. والله أعلم]. المراد بالسيئة في الآية: سيئة الشرك، وهي قوله تعالى: ((بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ)) فمن أحاطت به خطيئته فلم يبق له حسنة التوحيد بسيئة الشرك، خلد في النار، وإلا فالسيئة التي دون الشرك تحت مشيئة الله، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]. قال المصنف رحمه الله تعالى: [ويذكر هاهنا الحديث الذي رواه الإمام أحمد حيث قال: حدثنا سليمان بن داود حدثنا عمرو بن قتادة عن عبد ربه عن أبي عياض عن عبد الله بن مسعود ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: (إياكم ومحقرات الذنوب فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه، وإن رسول الله ﷺ ضرب لهم مثلاً كمثل قوم نزلوا بأرض فلاة، فحضر صنيع القوم، فجعل الرجل ينطلق فيجيء بالعود، والرجل يجيء بالعود حتى جمعوا سواداً، وأججوا ناراً فأنضجوا ما قذفوا فيها)]. محقرات الذنوب هي: ما يحقرها الإنسان من المعاصي والذنوب، وتكون في نفسه من الصغائر، فالصغائر تجتمع مع بعضها البعض حتى تهلك الإنسان، كما في هذا المثل الذي ضربه النبي ﷺ : وهو أن قوماً كانوا في البرية وأرادوا أن يطبخوا طعاماً، وليس عندهم حطب، فهذا جاء بعود وهذا جاء بعود، فاجتمع شيء من ذلك، فأججوا ناراً وأنضجوا به طعامهم، وكذلك السيئات فإنها تجتمع على الإنسان حتى تهلكه. قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد عن سعيد أو عكرمة عن ابن عباس ﵄: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٨٢] أي: من آمن بما كفرتم وعمل بما تركتم من دينه، فلهم الجنة خالدين فيها، يخبرهم أن الثواب بالخير والشر مقيم على أهله أبداً لا انقطاع له]. الصواب أن الجنة والنار باقيتان دائمتان لا تفنيان، وهذا هو الذي عليه أهل السنة والجماعة، وأما ما يروى عن بعض السلف أن النار تفنى، فهذا محمول عند بعض أهل العلم على نار العصاة، وهذا أحسن ما يحمل عليه، ثم إن الآثار في هذا كلها مطعون فيها لا تثبت. وليس بصحيح ما ينسب إلى شيخ الإسلام وابن القيم أن النار تفنى، وليس أيضاً بصريح، فـ ابن القيم في شفاء العليل أطال في نقل هذا القول واستدل له، وله قول آخر يخالفه، ويحمل على أن له قولين في المسألة، وأنه رجع عن أحدهما.

стр. 299

تفسير قوله تعالى: (وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله) قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [البقرة:٨٣]. قال المصنف ﵀: [يذكر ﵎ بني إسرائيل بما أمرهم به من الأوامر، وأخذه ميثاقهم على ذلك، وأنهم تولوا عن ذلك كله، وأعرضوا قصداً وعمداً وهم يعرفونه، ويذكرونه، فأمرهم تعالى أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وبهذا أمر جميع خلقه، ولذلك خلقهم كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥]. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦]، وهذا هو أعلى الحقوق وأعظمها؛ وهو حق الله ﵎ أن يعبد وحده لا شريك له، ثم بعده حق المخلوقين، وآكدهم وأولاهم بذلك حق الوالدين، ولهذا يقرن ﵎ بين حقه وحق الوالدين، كما قال تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان:١٤]، وقال ﵎: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء:٢٣] إلى أن قال: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ [الإسراء:٢٦]. وفي الصحيحين عن ابن مسعود، ﵄: (قلت: يا رسول الله! أي العمل أفضل؟ قال: الصلاة على وقتها، قلت: ثم أي؟ قال: بر الوالدين، قلت: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله)، ولهذا جاء في الحديث الصحيح: (أن رجلاً قال: يا رسول الله! من أبر؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أباك، ثم أدناك، ثم أدناك)]. أي: بر أمك ثم أباك، وأباك: مفعول لفعل محذوف. قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقوله تعالى: ﴿لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [البقرة:٨٣]. قال الزمخشري: خبر بمعنى الطلب وهو آكد، وقيل: كان أصله: (ألا تعبدوا إلى الله) كما قرأها من قرأها من السلف، فحذفت أن فارتفع، وحكي عن أُبي وابن مسعود أنهما قرآها: (لا تعبدوا إلا الله). ونقل هذا التوجيه القرطبي في تفسيره عن سيبويه. قال: واختاره الكسائي والفراء]. وهذا هو العهد الذي أخذه الله على بني إسرائيل وعلى هذه الأمة؛ وهو توحيد الله والإخلاص له وصرف الدين له، وهذا آكد الحقوق، فكل إنسان كتب عليه هذا العهد والميثاق أن يعبد الله ولا يشرك به شيئاً، وأن يبر والديه، وأن يحسن إلى اليتامى والمساكين، كما قال الله تعالى في آية الحقوق العشرة: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء:٣٦] فأعظمها وآكدها حق الله ، وقد أخذه الله على الثقلين الجن والإنس، وخلقهم لهذا الأمر العظيم، وأرسل الرسل وأنزل الكتب من أجله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦]. ثم يأتي بعد حق الله حق الوالدين؛ لأنهما السبب في وجود الإنسان، وحقهما آكد الحقوق بعد حق الله ، ثم الإحسان إلى الأقارب، ثم إلى الأيتام، ثم إلى المساكين. قال المصنف رحمه الله تعالى: [﴿وَالْيَتَامَى﴾ [النساء:٣٦] وهم الصغار الذين لا كاسب لهم من الآباء، ﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾ [النساء:٣٦] الذين لا يجدون ما ينفقون على أنفسهم وأهليهم، وسيأتي الكلام على هذه الأصناف عند آية النساء التي أمرنا الله تعالى بها صريحاً في قوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [النساء:٣٦] الآية. وقوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة:٨٣] أي: كلموهم طيباً، ولينوا لهم جانباً، ويدخل في ذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما قال الحسن البصري في قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة:٨٣] فالحسن من القول يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويحلم ويعفو ويصفح، ويقول للناس حسناً كما قال الله، وهو كل خلق حسن رضيه الله. وقال الإمام أحمد: حدثنا روح حدثنا أبو عامر الخزاز عن أبي عمران الجوني عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: (لا تحقرن من المعروف شيئاً، وإن لم تجد فالق أخاك بوجه منطلق)، وأخرجه مسلم في صحيحه والترمذي وصححه من حديث أبي عامر الخزاز، واسمه صالح بن رستم به]. وفي لفظ: (ولو أن تلق أخاك بوجه طلق)، وفي لفظ: (ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق)، فمنطلق أو طلق أو طليق بمعنى واحد، أي: منبسط، والمعنى: يلقى أخاه منبسط الوجه، فهذا من المعروف. وقد جاء في الأثر الآخر: (تبسمك في وجه أخيك صدقة)، وفي الحديث الآخر: (اتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة). قال المصنف رحمه الله تعالى: [وناسب أن يأمرهم بأن يقولوا للناس حسناً بعدما أمرهم بالإحسان إليهم بالفعل، فجمع بين طرفي الإحسان الفعلي والقولي، ثم أكد الأمر بعبادته والإحسان إلى الناس بالمتعين من ذلك وهو الصلاة والزكاة، فقال: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:٤٣]]. فالصلاة عبادة بدنية، والزكاة عبادة مالية، ففيها الإحسان إلى خلق الله، وهما واجبتان؛ لأن الله عينهما ونص عليهما. قال المصنف رحمه الله تعالى: [وأخبر أنهم تولوا عن ذلك كله، أي: تركوه وراء ظهورهم وأعرضوا عنه على عمد بعد العلم به إلا القليل منهم، وقد أمر الله هذه الأمة بنظير ذلك في سورة النساء بقوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ [النساء:٣٦] فقامت هذه الأمة من ذلك بما لم تقم به أمة من الأمم قبلها، ولله الحمد والمنة]. فسيئة الكفر هي سيئة الشرك، فالمشرك هو الذي عبد مع الله غيره، والكافر هو الذي جحد توحيد الله وجحد حقه وعبد الشيطان، فالمشرك كافر والكافر مشرك، وإذا كان الشرك أكبر فإنه يخرج من الملة، وكذا النفاق الأكبر. قال المصنف رحمه الله تعالى: [ومن النقول الغريبة هاهنا ما ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره: قال حدثنا أبي حدثنا محمد بن خلف العسقلاني حدثنا عبد الله بن يوسف يعني التنيسي حدثنا خالد بن صبيح عن حميد بن عقبة عن أسد بن وداعة: أنه كان يخرج من منزله فلا يلقى يهودياً ولا نصرانياً إلا سلم عليه، فقيل له: ما شأنك تسلم على اليهودي والنصراني؟ فقال: إن الله تعالى يقول: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة:٨٣] وهو السلام. قال: وروي عن عطاء الخراساني نحوه]. عبد الله بن يوسف التنيسي ينسب إلى بلدة التنيس بمصر. أما الحديث السابق فإن صح عنه ﷺ فهو محمول على أنه لم يبلغه النص في المنع من ابتداء أهل الكتاب بالسلام، قال ﵊: (لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام، وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه). ورجاله ثقات، إلا حميد بن عقبة، وأسد بن وداعة صحابي. قال المصنف رحمه الله تعالى: [قلت: وقد ثبت في السنة أنهم لا يبدءون بالسلام. والله أعلم].

стр. 300

تفسير سورة البقرة [٨٤ - ٩٠] لقد أخذ الله تعالى الميثاق على اليهود ألا يسفكوا دماءهم، وألا يقتلوا بعضهم، وألا يخرجوهم من ديارهم، فنقضوا العهد والميثاق، فقتلوا أنفسهم، وأخرجوا فريقاً منهم من ديارهم، وآمنوا ببعض الكتاب وكفروا ببعض، فعاقبهم الله تعالى بالخزي في الدنيا والعذاب الشديد في الآخرة، وما الله بغافل عما يعملون.

стр. 301

تفسير قوله تعالى: (وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم) قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ * ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنصَرُونَ﴾ [البقرة:٨٤ - ٨٦]. قال المصنف ﵀: [يقول ﵎ منكراً على اليهود الذين كانوا في زمان رسول الله ﷺ بالمدينة، وما كانوا يعانونه من القتال مع الأوس والخزرج، وذلك أن الأوس والخزرج وهم الأنصار كانوا في الجاهلية عباد أصنام، وكانت بينهم حروب كثيرة، وكانت يهود المدينة ثلاث قبائل: بنو قينقاع، وبنو النضير حلفاء الخزرج، وبنو قريظة حلفاء الأوس، فكانت الحرب إذا نشبت بينهم، قاتل كل فريق مع حلفائه، فيقتل اليهودي أعداءه وقد يقتل اليهودي الآخر من الفريق الآخر؛ وذلك حرام عليهم في دينهم ونص كتابهم، ويخرجونهم من بيوتهم وينتهبون ما فيها من الأثاث والأمتعة والأموال، ثم إذا وضعت الحرب أوزارها استفكوا الأسارى من الفريق المغلوب عملاً بحكم التوراة]. قوله: استفكوا، يعني: طلبوا فك الأسارى. قال المصنف رحمه الله تعالى: [ولهذا قال تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة:٨٥]. وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ [البقرة:٨٤] أي: لا يقتل بعضكم بعضاً، ولا يخرجه من منزله ولا يظاهر عليه، كما قال تعالى: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ﴾ [البقرة:٥٤]؛ وذلك أن أهل الملة الواحدة بمنزلة النفس الواحدة كما قال ﵊: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتواصلهم بمنزلة الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر)]. قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [النساء:٢٩] مثل قوله تعالى: ﴿وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [الحجرات:١١] يعني: لا يقتل بعضكم بعضاً، ولا يعب بعضكم على بعض؛ لأن المؤمنين كالجسد الواحد، وكالنفس الواحدة، وكل مسلم يتألم بألم أخيه، ويسره ما يسر أخاه، ويحزنه ما يحزنه. وكذلك بنو إسرائيل كالنفس الواحدة، فلا يقتل بعضهم بعضاًَ، وأقروا بذلك، فعملوا ببعض الكتاب ولم يعملوا بالبعض الآخر، فهم آذوهم عملاً بالكتاب، وقاتلوهم مخالفة لكتابهم، وعاب الله عليهم وأنكر عليهم، فهم يعملون ببعض الكتاب ولا يعملون بالبعض الآخر: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة:٨٥]. قال المصنف ﵀: [وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ [البقرة:٨٤]، أي: ثم أقررتم بمعرفة هذا النفاق وصحته، وأنتم تشهدون به].

стр. 302

تفسير قوله تعالى: (ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم) قال الله تعالى: [﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ [البقرة:٨٥] الآية. قال المصنف ﵀: قال محمد بن إسحاق بن يسار حدثني محمد بن أبي محمد عن سعيد بن جبير أو عكرمة عن ابن عباس ﵄: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ [البقرة:٨٥] الآية. قال: أنبأهم الله بذلك من فعلهم، وقد حرم عليهم في التوراة سفك دمائهم، وافترض عليهم فيها فداء أسراهم، فكانوا فريقين: طائفة منهم بنو قينقاع وهم حلفاء الخزرج والنضير، وقريظة وهم حلفاء الأوس، فكانوا إذا كانت بين الأوس والخزرج حرب خرجت بنو قينقاع مع الخزرج، وخرجت النضير وقريظة مع الأوس]. الأقرب للصواب أن قريظة مع الأوس، وقينقاع وبني النضير مع الخزرج كما سبق. قال المصنف ﵀: [يظاهر كل واحد من الفريقين حلفاءه على إخوانه، حتى تسافكوا دماءهم بينهم وبأيديهم التوراة، يعرفون فيها ما عليهم وما لهم، والأوس والخزرج أهل شرك يعبدون الأوثان ولا يعرفون جنة ولا ناراً ولا بعثاً ولا قيامة ولا كتاباً ولا حلالاً ولا حراماًَ، فإذا وضعت الحرب أوزارها، افتدوا أسراهم تصديقاً لما في التوراة وأخذ به بعضهم من بعض]. أي: أن الله حرم عليهم في التوراة أن يقتل بعضهم بعضاً، وأن يخرج بعضهم بعضاً من ديارهم، وأمرهم بالفداء من وجد فيهم أسيراً، فعملوا ببعض الكتاب، وهو مفاداة الأسرى بعد أن تضع الحرب أوزارها، وكفروا بالبعض الآخر، فلم يعملوا بما فيه من النهي عن القتل والإخراج، فقتل بعضهم بعضاً، ونهب أمواله وأخرجه من داره، ثم إذا وضعت الحرب فاداه عملاً بالكتاب، فعمل ببعض الكتاب وكفر بالبعض، وفيه دليل على أن من آمن ببعض الكتاب وكفر ببعضه فهو كافر بالجميع ولا يفيد عمله بالبعض، ولهذا قال سبحانه: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة:٨٥]. ومن كفر بكتاب من كتب الله فقد كفر بالجميع، ويجب على كل إنسان أن يؤمن بكتب الله جميعاً، فمن آمن ببعض كتب الله وكفر بالبعض الآخر فهو كافر، كما أن من عمل ببعض الكتاب ولم يعمل بالبعض الآخر فهو كافر أيضاً، وكذلك من آمن ببعض الرسل وكفر ببعضهم فهو كافر بالجميع؛ لأن الرسل متضامنون، والمتقدم بشر بالمتأخر، والمتأخر صدق المتقدم، كما قال الله عن عيسى: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف:٦]. ولهذا أخبر الله عن الأمم الكافرة التي كذبت نبيها أنها كافرة بجميع الرسل: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء:١٠٥]، ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء:١٢٣]، ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء:١٤١]، ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الحجر:٨٠] فهم كذبوا نبياً واحداً، لكن تكذيبهم لهذا النبي تكذيب لجميع الأنبياء والمرسلين، وليس قبل نوح رسول، فهو أول رسول، ومع ذلك أخبر الله عن قومه أنهم كذبوا المرسلين، فالرسل جاءوا بعد نوح، والمراد جنس المرسلين، فتوعدهم الله بالنار، وبين أن هذا كفر بالجميع نعوذ بالله، وفي هذا تحذير لهذه الأمة أن تسلك مسلك اليهود والنصارى فيصيبها ما أصابهم، وأن تؤمن ببعض الكتاب وتكفر ببعض. فالواجب على كل إنسان أن يؤمن بجميع رسل الله وكتبه، وأن يؤمن بالرسول ﵊ وبكتابه القرآن، ولا يجعل القرآن عضين فيؤمن ببعضه ويكفر ببعضه، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ [الحجر:٩١] أي: أجزاء، يؤمنون ببعضه ويكفرون ببعضه، ومن كفر ببعض الكتاب فقد كفر بالجميع. قال المصنف رحمه الله تعالى: [يفتدي بنو قينقاع ما كان من أسراهم في أيدي الأوس، ويفتدي النضير وقريظة ما كان في أيدي الخزرج منهم، ويطلبون ما أصابوا من دمائهم، وقتلوا من قتلوا منهم فيما بينهم، مظاهرة لأهل الشرك عليهم. يقول الله تعالى ذكره حيث أنبأهم بذلك: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة:٨٥]، أي: تفادونهم بحكم التوراة وتقتلونهم، وفي حكم التوراة ألا يقتل ولا يخرج من داره ولا يظاهر عليه من يشرك بالله ويعبد الأوثان من دونه ابتغاء عرض الدنيا]. الأوس والخزرج كانوا أهل أوثان، وكان اليهود يظاهرون أهل الأوثان على قتالهم وإخراجهم من ديارهم، فكانوا يعاونون الأوس والخزرج عليهم. قال المصنف رحمه الله تعالى: [ففي ذلك من فعلهم مع الأوس والخزرج فيما بلغني نزلت هذه القصة]. لأن المفاداة إنما هي في الأسرى فقط، أما القتلى والإخراج من الديار فهذا ليس فيه مفاداة؛ لأن الله تعالى عاب عليهم كونهم يقتلونهم ويسفكون دماءهم، ونفي المفاداة في سفك الدم فلا دية. قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال أسباط عن السدي: كانت قريظة حلفاء الأوس، وكان النضير حلفاء الخزرج، فكانوا يقتتلون في حرب بينهم، فتقاتلا بنو قريظة مع حلفائها النضير وحلفائهم، وكانت النضير تقاتل قريظة وحلفاءها ويغلبونهم، فيخربون ديارهم ويخرجونهم منها، فإذا أسر رجل من الفريقين كليهما جمعوا له حتى يفدوه، فتعيرهم العرب بذلك ويقولون: كيف تقاتلونهم وتفدونهم؟ قالوا: إنا أمرنا أن نفديهم وحرم علينا قتالهم، قالوا: فلم تقاتلونهم؟ قالوا: إنا نستحي أن تُستذل حلفاؤنا، فذلك حين عيرهم الله ﵎، فقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ [البقرة:٨٥] الآية. وقال أسباط عن السدي عن الشعبي: نزلت هذه الآية في قيس بن الخطيم: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ [البقرة:٨٥] الآية. وقال أسباط عن السدي، عن عبد خير]. عبد خير معروف يروي عن علي. قال المصنف ﵀: [قال: غزونا مع سلمان بن ربيعة الباهلي بلنجر فحاصرنا أهلها، ففتحنا المدينة وأصبنا سبايا، واشترى عبد الله بن سلام يهودية بسبعمائة، فلما مر برأس الجالوت نزل به، فقال له عبد الله: يا رأس الجالوت! هل لك في عجوز هاهنا من أهل دينك تشتريها مني؟ قال: نعم، قال: أخذتها بسبعمائة درهم، قال: فإني أربحك سبعمائة أخرى، قال: فإني قد حلفت ألا أنقصها من أربعة آلاف، قال: لا حاجة لي فيها، قال: والله لتشترينها مني أو لتكفرن بدينك الذي أنت عليه، قال: ادن مني، فدنا منه، فقرأ في أذنه مما في التوراة: إنك لا تجد مملوكاً من بني إسرائيل إلا اشتريته فأعتقه: ﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ﴾ [البقرة:٨٥] قال: أنت عبد الله بن سلام؟ قال: نعم، قال: فجاء بأربعة آلاف، فأخذ عبد الله ألفين ورد عليه ألفين]. سلمان ثبت، ويقال أن له صحبة، وكأنه فيه خلاف في الصحبة. قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال آدم بن أبي إياس في تفسيره: حدثنا أبو جعفر يعني الرازي، قال حدثنا الربيع بن أنس، أخبرنا أبو العالية: أن عبد الله بن سلام مر على رأس الجالوت بالكوفة، وهو يفادي من النساء من لم يقع عليه العرب، ولا يفادي من وقع عليها العرض، فقال عبد الله: أما إنه مكتوب عندكم في كتابك أن تفاديهن كلهن والذي أرشدت إليه الآية الكريمة، وهذا السياق ذم اليهود في قيامهم بأمر التوراة التي يعتقدون صحتها ومخالفة شرعها مع معرفتهم بذلك وشهادتهم له بالصحة، فلهذا لا يؤتمنون على ما فيها ولا على نقلها، ولا يصدقون فيما كتموه من صفة رسول الله ﷺ ونعته ومبعثه ومخرجه ومهاجره، وغير ذلك من شئونه التي أخبرت بها الأنبياء قبله عليهم الصلاة والسلام، واليهود عليهم لعائن الله يتكاتمونه بينهم، ولهذا قال تعالى: ﴿فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [البقرة:٨٥]، أي: بسبب مخالفتهم شرع الله وأمره: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾ [البقرة:٨٥]، جزاء على مخالفتهم كتاب الله الذي بأيديهم: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة:٧٤].

стр. 303

تفسير قوله تعالى: (أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة) قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوْا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنصَرُونَ﴾ [البقرة:٨٦]. قال المصنف ﵀: [﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ﴾ [البقرة:٨٦]، أي: استحبوها على الآخرة واختاروها: ﴿فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾ [البقرة:٨٦] أي: لا يفتر عنهم ساعة واحدة، ﴿وَلا هُمْ يُنصَرُونَ﴾ [البقرة:٨٦] أي: وليس لهم ناصر ينقذهم مما هم فيه من العذاب الدائم السرمدي ولا يجيرهم منه]. ولا شك في هذا؛ لأنهم قوم بهت، وفي هذا تحذير لهذه الأمة أن تفعل فعل اليهود فيصيبهم ما أصابهم من خزي في الدنيا والعذاب في الآخرة. نسأل الله العافية.

стр. 304

تفسير قوله تعالى: (ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم) قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال أبو العالية: كانت اليهود تستنصر بمحمد ﷺ على مشركي العرب، يقولون: اللهم ابعث هذا النبي الذي نجده مكتوباً عندنا حتى نعذب المشركين ونقتلهم، فلما بعث الله محمداً ﷺ ورأوا أنه من غيرهم كفروا به حسداً للعرب، وهم يعلمون أنه رسول الله ﷺ ، فقال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٨٩]]. والأحفاد على سيرة الأجداد، واليهود الموجودون في فلسطين الآن هم على آثار آبائهم وأجدادهم، فلا يرجى منهم خير، واليهود قوم بهت، ولم يسلم منهم إلا القلة منذ عهود طويلة، بخلاف النصارى فإنه يسلم منهم الآن المئات والآلاف في المراكز الإسلامية، لكن ما سمعنا أن يهودياً أسلم، فاليهود قوم بهت خبثاء، ولم يسلم منهم إلا القلة، مثل عبد الله بن سلام ﵁. وقد جاء في حديث فيما معناه: (لو أسلم عشرة لأسلم أو لتبعهم الكثير)، فاليهود عندهم حسد وعناد وعتو وجبروت وقسوة في القلوب، نعوذ بالله، والنصارى أرق منهم وأقرب إلى قبول الحق، ولهذا فإنه يسلم الآن المئات في المراكز الإسلامية وفي مكاتب الدعوة، وفي الشركات والمؤسسات وغيرها. قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال قتادة: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة:٨٩]. قال: وكانوا يقولون: إنه سيأتي نبي: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة:٨٩]. وقال مجاهد: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٨٩]، قال: هم اليهود. وقال الإمام أحمد: حدثنا يعقوب قال حدثنا أبي عن ابن إسحاق قال حدثني صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن محمود بن لبيد أخي بني عبد الأشهل عن سلمة بن سلامة بن وقش وكان من أهل بدر قال: كان لنا جار يهودي في بني عبد الأشهل قال: فخرج علينا يوماً من بيته قبل مبعث رسول الله ﷺ بيسير حتى وقف على مجلس بني عبد الأشهل قال سلمة: وأنا يومئذ أحدث من فيهم سناً على بردة مضطجعاً فيها بفناء أصلي، فذكر البعث والقيامة والحساب، والميزان، والجنة والنار، قال ذلك بأهل شرك أصحاب أوثان لا يرون بعثاً كائناً بعد الموت، فقالوا له: ويحك يا فلان، ترى هذا كائناً؛ أن الناس يبعثون بعد موتهم إلى دار فيها جنة ونار، يجزون فيها بأعمالهم؟ فقال: نعم، والذي يحلف به، لود أن له بحظه من تلك النار أعظم تنور في الدنيا يحمونه ثم يدخلونه إياه فيطبق به عليه، وأن ينجو من تلك النار غداً، قالوا له: ويحك، وما آية ذلك؟ قال: نبي يبعث من نحو هذه البلاد وأشار بيده نحو مكة واليمن، قالوا: ومتى تراه؟ قال: فنظر إلي وأنا من أحدثهم سناً فقال: إن يستنفذ هذا الغلام عمره يدركه، قال سلمة: فوالله ما ذهب الليل والنهار حتى بعث الله رسوله ﷺ وهو بين أظهرنا فآمنا به، وكفر به بغياً وحسداً، فقلنا: ويلك يا فلان ألست بالذي قلت لنا؟ قال: بلى وليس به. تفرد به أحمد. وحكى القرطبي وغيره عن ابن عباس ﵄: أن يهود خيبر اقتتلوا في زمان الجاهلية مع غطفان، فهزمتهم غطفان، فدعا اليهود عند ذلك فقالوا: اللهم إنا نسألك بحق النبي الأمي الذي وعدتنا بإخراجه في آخر الزمان إلا نصرتنا عليهم، قال فنصروا عليهم، قال: وكذلك كانوا يصنعون يدعون الله فينصرون على أعدائهم ومن نازلهم. قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا﴾ [البقرة:٨٩] أي: من الحق وصفة النبي ﷺ كفروا به فلعنة الله على الكافرين.

стр. 305

تفسير قوله تعالى: (بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله) قال الله تعالى: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [البقرة:٩٠]. قال المصنف ﵀: قال مجاهد: ((بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ)) يهود شروا الحق بالباطل وكتمان ما جاء به محمد ﷺ بأن يبينوه. قوله: شروا الحق، بمعنى: باعوه، مثل قوله: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ [يوسف:٢٠] أي: باعوه بثمن بخس، والمراد بالشراء الاعتياض. قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال السدي: ((بِئْسَمَا اشْتَرَوْا)) يقول: باعوا به أنفسهم، يقول: بئسما اعتاضوا لأنفسهم فرضوا به وعدلوا إليه من الكفر بما أنزل الله على محمد ﷺ عن تصديقه وموازرته ونصرته، وإنما حملهم على ذلك البغي والحسد والكراهية بأن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده، ولا حسد أعظم من هذا. قال ابن إسحاق عن محمد عن عكرمة وسعيد عن ابن عباس ﵄: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [البقرة:٩٠] أي: أن الله جعله من غيرهم، ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾ [البقرة:٩٠]]. قال ابن عباس في الغضب على الغضب: فغضب فيما كانوا ضيعوا من التوراة وهي معهم، وغضب عليهم بكفرهم بهذا النبي الذي بعث الله إليهم. قلت: ومعنى: باءوا: استوجبوا واستحقوا واستقروا بغضب على غضب. وقال أبو العالية: غضب الله عليهم بكفرهم بالإنجيل وعيسى، ثم غضب الله عليهم بكفرهم بمحمد ﷺ وبالقرآن، وعن عكرمة وقتادة مثله. قال السدي: أما الغضب الأول فهو حين غضب عليهم في العجل، وأما الثاني فغضب عليهم حين كفروا بمحمد ﷺ ، وعن ابن عباس مثله]. ولا منافاة بين هذه الأقوال، فالله غضب عليهم بتركهم العمل بالتوراة، ثم بكفرهم بعيسى، ثم بعبادتهم العجل، ثم بكفرهم بمحمد ﷺ ، فلا منافاة بين هذه الأقوال، فكلها حق. قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقوله تعالى: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [البقرة:٩٠]: لما كان كفرهم سببه البغي والحسد ومنشأ ذلك التكبر قوبلوا بالإهانة والصغار في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر:٦٠])) [الأعراف:٢٠٦]، أي: صاغرين حقيرين ذليلين راغمين. وقد قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى حدثنا ابن عجلان عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: (يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الناس يعلوهم كل شيء من الصغار حتى يدخلوا سجناً في جهنم يقال له بولس، تعلوه نار الأنيار يسقون من طينة الخبال عصارة أهل النار)]. ابن عجلان فيه كلام، فقد حصل له اختلاف في حديث أبي هريرة، والحديث صحيح، ولا شك أن المتكبرين الذين يتكبرون عن الإيمان بالله وبرسوله أن أنهم لهم الصغار والإهانة وعذاب النار.

стр. 306

تفسير سورة البقرة [٩١ - ٩٦] تشير هذه الآيات إلى محاججة اليهود بأن يؤمنوا بما أنزل على محمد ﷺ ، وردهم بقولهم: يكفينا الإيمان بما أنزل علينا من التوارة والإنجيل ولا نقر إلا بذلك، فرد الله عليهم: إن كنتم صادقين في دعواكم هذه فلم قتلتم أنبياء الله وأنتم تعلمون صدقهم. وفي الآيات أيضاً يعدد خطأهم ومخالفتهم للميثاق، وعتوهم وإعراضهم عنه، حتى رفع الطور عليهم حتى قبلوه ثم خالفوه. ثم احتج الله لنبيه ﷺ على اليهود الذين كانوا بين ظهرانيه، إن كنتم محقين فتمنوا الموت، فإن ذلك غير ضاركم فيما تدعون من الإيمان وقرب المنزلة من الله تعالى.

стр. 307

تفسير قوله تعالى: (وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه) قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ * وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾ [البقرة:٩١ - ٩٢]. قال المصنف ﵀: [يقول تعالى: ((وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ)) أي: لليهود وأمثالهم من أهل الكتاب ((آمِنُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ)) على محمد ﷺ وصدقوه واتبعوه ((قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا)) أي: يكفينا الإيمان بما أنزل علينا من التوراة والإنجيل ولا نقر إلا بذلك ((وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ)) يعني: بما بعده ((وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ)) أي: وهم يعلمون أن ما أنزل على محمد ﷺ (الحق مصدقاً لما معهم) منصوباً على الحال، أي: في حال تصديقه لما معهم من التوراة والإنجيل، فالحجة قائمة عليهم بذلك، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة:١٤٦]، ثم قال تعالى: ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٩١] أي: إن كنتم صادقين في دعواكم الإيمان بما أنزل إليكم، فلم قتلتم الأنبياء الذين جاءوكم بتصديق التوراة التي بأيديكم والحكم بها وعدم نسخها، وأنتم تعلمون صدقهم؟ قتلتموهم بغياً وعناداً واستكباراً على رسل الله، فلستم تتبعون إلا مجرد الأهواء والآراء والتشهي، كما قال تعالى: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة:٨٧]. وقال السدي في هذه الآية: يعيرهم الله ﵎: ﴿قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٩١]. وقال أبو جعفر بن جرير: قل يا محمد! ليهود بني إسرائيل إذا قلت لهم آمنوا بما أنزل الله، قالوا نؤمن بما أنزل علينا لم تقتلون -إن كنتم مؤمنين بما أنزل الله- أنبياء الله يا معشر اليهود! وقد حرم الله في الكتاب الذي أنزل عليكم قتلهم، بل أمركم باتباعهم وطاعتهم وتصديقهم؛ وذلك من الله تكذيب لهم في قوله: ﴿نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا﴾ [البقرة:٩١] وتعيير لهم].

стр. 308

تفسير قوله تعالى: (ولقد جاءكم موسى بالبينات) قال المصنف ﵀: [﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [البقرة:٩٢]. أي: بالآيات الواضحات والدلائل القاطعات على أنه رسول الله، وأنه لا إله إلا الله، والآيات البينات: هي الطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، والعصا، واليد، وفرق البحر، وتظليلهم بالغمام، والمن والسلوى، والحجر، وغير ذلك من الآيات التي شاهدوها: ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ﴾ [البقرة:٥١] أي: معبوداً من دون الله في زمان موسى وأيامه. وقوله ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ [البقرة:٥١] أي: من بعد ما ذهب عنكم إلى الطور لمناجاة الله ، كما قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ﴾ [الأعراف:١٤٨]، ﴿وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾ [البقرة:٥١] أي: وأنتم ظالمون في هذا الصنيع الذي صنعتموه من عبادتكم العجل وأنتم تعلمون أنه لا إله إلا الله، كما قال تعالى: ﴿وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف:١٤٩]]. بالنسبة لآية الحجر عندما ضربه موسى بعصاه. اتخذ بني إسرائيل العجل من الحلي، أي: من ذهب آل فرعون، فصنع السامري من هذا الحلي عجلاً له خوار، يعني: له صوت حين تدخل الريح من فمه وتخرج من دبره، وأمرهم أن يسجدوا له، فعبدوه من دون الله، وقد كانوا عقلاء لكن الله أعمى بصائرهم، وكان بينهم نبيهم هارون، لكنهم استضعفوه وكادوا يقتلونه، ولما نهاهم عن ذلك قالوا: ﴿قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ [طه:٩١]. ولما رجع موسى ووجدهم يعبدون العجل غضب غضباً شديداً، فقال هارون ﵇: ﴿قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الأَعْدَاءَ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف:١٥٠]. وكيف يصلح للذي لا يتكلم ولا يرد الجواب، ولا يأخذ ولا يعطي، ولا يهدي سبيلاً أن يكون إلهاً؟! ثم بعد ذلك لما جاءهم موسى وأنكر عليهم، وحرق العجل وهم ينظرون، سقط من أيديهم وعلموا أنهم قد ضلوا: ﴿وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف:١٤٩].

стр. 309

تفسير قوله تعالى: (وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور) قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٩٣]. قال المصنف ﵀: [يعدد عليهم خطأهم، ومخالفتهم للميثاق، وعتوهم وإعراضهم عنه، حتى رفع الطور عليهم حتى قبلوه ثم خالفوه، ولهذا قالوا: ﴿قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ [البقرة:٩٣]. وقد تقدم تفسير ذلك: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة:٩٣]. قال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة:٩٣] قال: أشربوا حبه حتى خلص ذلك إلى قلوبهم، وكذا قال أبو العالية والربيع بن أنس. وقال الإمام أحمد: حدثنا عصام بن خالد حدثنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم الغساني عن خالد بن محمد الثقفي عن بلال بن أبي الدرداء عن أبي الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ قال: (حبك الشيء يعمي ويصم)، ورواه أبو داود عن حيوة بن شريح عن بقية عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم به]. وهذا الحديث بسنديه ضعيف، فالسند الأول فيه أبو بكر بن أبي مريم، والثاني فيه أيضاً أبو بكر بن أبي مريم، وفيه أيضاً بقية بن وليد، وهو مدلس وقد عنعن، ولكن المعنى صحيح. ومعنى حبك الشيء يعمي ويصم، أي: يعمي عن نظر الحق، ويصم عن سماعه ويبكم عن التكلم به، وفي الغالب أنه إذا ضعف الإيمان فإن حب الإنسان للشيء يعميه عن الحق، فلا يراه واضحاً، ويصمه فلا يسمعه، ويبكمه فلا يتكلم به. وهؤلاء -والعياذ بالله- أشربوا في قلوبهم حب العجل، فهم رأوا السامري وقد أخذ الذهب الذي جاءوا به من مصر فعجنه بيده وجعله على صورة عجل، ثم عبده من دون الله وقال لهم: ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾ [طه:٨٨]، ثم تابعوه وعبدوا العجل من دون الله، فإذا عميت البصائر فلا حيلة، وإلا كيف يكونون عقلاء وهم يشاهدون عجلاً مصنوعاً من ذهب أتوا به معهم، ثم يعبدونه إلهاً؟! فحبك الشيء يعمي ويصم، ولهذا قال تعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ [البقرة:٩٣] يعني: حب العجل على تقدير حذف المضاف، وهذا أسلوب عربي معروف، فالقرآن نزل بلغة العرب. قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال السدي: أخذ موسى ﵊ العجل فذبحه بالمبرد، ثم ذراه في البحر، ثم لم يبق بحر يجري يومئذ إلا وقع فيه شيء، ثم قال لهم موسى: اشربوا منه، فشربوا، فمن كان يحبه خرج على شاربيه الذهب، فذلك حين يقول الله تعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ [البقرة:٩٣]. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا عبد الله بن رجاء حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن عمارة بن عمير وأبي عبد الرحمن السلمي]. ظاهر سند هذا الحديث أنه لا بأس به، لكن هذه الأخبار من أخبار بني إسرائيل، فلا تصدق ولا تكذب، ولا شك أن موسى ﵇ حرق العجل وذراه في البحر، وهذا ما نص الله عليه في كتابه، قال تعالى: ﴿وَانظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا﴾ [طه:٩٧]. عمارة بن عمير لم يسمع من علي، لكنه مقرون بـ أبي عبد الرحمن السلمي وهو عبد الله بن حبيب وقد سمع من علي، والحديث رجاله رجال الصحيح، لكن أبا إسحاق مدلس ولم يصرح بالتحديث، وهذا والذي قبله من كلام السدي لا يعتمد عليهما؛ لاحتمال أن القصة من قصص بني إسرائيل. وعلى كل حال فالسند لا بأس به، لكن هذا من أخبار بني إسرائيل. قال: [عن علي ﵁ قال: عمد موسى إلى العجل فوضع عليه المبارد، فبرده بها وهو على شاطئ نهر، فما شرب أحد من ذلك الماء ممن كان يعبد العجل إلا اصفر وجهه مثل الذهب. وقال سعيد بن جبير: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ [البقرة:٩٣] قال: لما أحرق العجل برد ثم نسف، فحسوا الماء حتى عانت وجوههم كالزعفران. وحكى القرطبي عن كتاب القشيري: أنه ما شرب أحد منه ممن عبد العجل إلا جن. ثم قال القرطبي: وهذا شيء غير ما هاهنا؛ لأن المقصود من هذا السياق أنه ظهر على شفاههم وجوههم، والمذكور هاهنا أنهم أشربوا في قلوبهم العجل، يعني: في حال عبادتهم له، ثم أنشد قول النابغة في زوجته عثمة: تغلغل حب عثمة في فؤادي فباديه مع الخافي يسير تغلغل حيث لم يبلغ شراب ولا حزن ولم يبلغ سرور تكاد إذا ذكرت العهد منها أطير لو أن إنساناً يطير وقوله: ﴿قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٩٣]. أي: بئسما تعتمدونه في قديم الدهر وحديثه من كفركم بآيات الله ومخالفتكم الأنبياء، ثم اعتمادكم في كفركم بمحمد ﷺ ، وهذا أكبر ذنوبكم وأشد الأمور عليكم، إذ كفرتم بخاتم الرسل، وسيد الأنبياء والمرسلين المبعوث إلى الناس أجمعين، فكيف تدعون لأنفسكم الإيمان وقد فعلتم هذه الأفاعيل القبيحة من نقضكم المواثيق وكفركم بآيات الله وعبادتكم العجل من دون الله]. المقصود من هذا تحذير هذه الأمة من أن تسلك مسلك بني إسرائيل فيصيبهم ما أصابهم، فالله تعالى أخذ عليهم الميثاق أن يعملوا بالتوراة ويتابعوا موسى ﵊، ورفع فوقهم جبل الطور حتى يقبلوا فقبلوا ثم خالفوا؛ لعتوهم وعنادهم، والله تعالى قص علينا أخطاءهم لنحذرها؛ لأن أفعال اليهود أفعال شنيعة وأفعال قبيحة؛ فقد خالفوا الرسل، وقتلوا الأنبياء، وخالفوا أوامر الله، فالواجب على الأمة الإسلامية أن تسابق إلى الخيرات وأن تعمل الصالحات، وواجب على كل مسلم أن يؤمن بالله ورسوله وباليوم الآخر، وأن يحكم الكتاب والسنة، وأن يعمل بكتاب ربه وسنة نبيه، وألا يتشبه باليهود ومن سلك سبيلهم في مخالفة الأنبياء ومخالفة الأوامر والعناد.

стр. 310

تفسير قوله تعالى: (قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت) قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ * وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة:٩٤ - ٩٦]. قال المصنف ﵀: [قال محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄: يقول الله تعالى لنبيه محمد ﷺ : ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة:٩٤]، أي: ادعوا بالموت على أي الفريقين أكذب، فأبوا ذلك على رسول الله ﷺ : ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:٩٥] أي: بعلمهم بما عندهم من العلم، بل والكفر بذلك ولو تمنوه يوم قال لهم ذلك ما بقي على الأرض يهودي إلا مات]. يعني: لا يتمنوه بسبب ما عندهم من العلم بأنهم على الباطل، وهم يعلمون أنهم على الباطل فلا يتمنون الموت؛ لأنهم إذا تمنوا الموت ضاعت عليهم الدنيا، وهم يعلمون أنهم هالكون في الآخرة، فهم مريدون الدنيا الآن؛ لأنها هي التي لهم الآن، فإذا تمنوا الموت خسروا الدنيا مع الآخرة، فلم يتمنوا الموت. وكذلك المباهلة وهي الدعاء بالموت على الكاذب منا أو منكم، والمباهلة تعجل بالعقوبة على الكاذب، ولهذا امتنع نصارى نجران لما باهلهم النبي ﷺ ؛ لأنهم يعلمون أنهم على الباطل، وهؤلاء اليهود امتنعوا كذلك. وابن عباس طلب المباهلة في بعض المسائل الخلافية. أيضاً كذلك ورد عن عمر وبلال في مسائل المباهلة، وأن عمر قال: اللهم اكفني بلالاً وذويه، كأنه إما مباهلة أو قريب من المباهلة، وابن عباس كان أيضاً يقول: من يباهلني في بعض المسائل الخلافية، إذا اشتد النزاع بينه وبين خصمه، وتأكد أنه على الحق، وأن خصمه على الباطل، لكن الواجب في المسائل الخلافية الرجوع إلى الكتاب والسنة، والمسلمون يرجعون إلى الكتاب والسنة، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [النساء:٥٩]، ولكن قد يتعصب بعض الناس وقد يشتد النزاع، وقد يكون الفريق الآخر مبتدع. والمباهلة كانت معروفة في الجاهلية، وأنهم ماتوا عن آخرهم ولم يبق منهم أحد، وما دار عليهم الحول إلا ولم يبق منهم عين تطرف، لأنهم باهلوا. قال المصنف رحمه الله تعالى: [قال الضحاك عن ابن عباس: ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ﴾ [البقرة:٩٤] فسلوا الموت، وقال عبد الرزاق عن معمر عن عبد الكريم الجزري عن عكرمة قوله: ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة:٩٤]. قال: قال ابن عباس: لو تمنى يهود الموت لماتوا. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا علي بن محمد الطنافسي حدثنا عثام: سمعت الأعمش قال: لا أظنه إلا عن المنهال عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄، قال: لو تمنوا الموت لشرق أحدهم بريقه، وهذه أسانيد صحيحة إلى ابن عباس ﵄. وقال ابن جرير في تفسيره: وبلغنا أن النبي ﷺ قال: (لو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا ولرأوا مقاعدهم من النار، ولو خرج الذين يباهلون رسول الله ﷺ لرجعوا لا يجدون أهلاً ولا مالاً)، حدثنا بذلك أبو كريب حدثنا زكريا بن عدي حدثنا عبيد الله بن عمرو عن عبد الكريم عن عكرمة عن ابن عباس عن رسول الله ﷺ . ورواه الإمام أحمد عن إسماعيل بن يزيد الرقي حدثنا فرات عن عبد الكريم به]. وهذا ثابت عن ابن عباس قد قاله في المباهلة. قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن أحمد حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن بشار حدثنا سرور بن المغيرة عن عباد بن منصور عن الحسن قال: قول الله: ما كانوا ليتمنوه بما قدمت أيديهم. قلت: أرأيتك لو أنهم أحبوا الموت حين قيل لهم تمنوا الموت أتراهم كانوا ميتين؟ قال: لا والله ما كانوا ليموتوا ولو تمنوا الموت، وما كانوا ليتمنوه، وقد قال الله ما سمعت: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:٩٥]، وهذا غريب عن الحسن]. هذا غريب وضعيف عن الحسن، والصواب الأول، وهو ما ثبت عن ابن عباس، أن هذا كان في المباهلة، وأنهم لو تمنوا الموت لماتوا. وقد تكلم بعضهم على سند الحسن البصري بسبب الانقطاع. قال المصنف رحمه الله تعالى: [ثم هذا الذي فسر به ابن عباس الآية هو المتعين، وهو الدعاء على أي الفريقين، أكذب منهم أو من المسلمين على وجه المباهلة]. وقد وقعت المباهلة أيضاً مع نصارى نجران، وهي المذكورة في قوله تعالى: ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران:٦١] والمباهلة: هي الدعاء بالهلاك على أي من الفريقين إن كان كاذباً. قال المصنف رحمه الله تعالى: [ونقله ابن جرير عن قتادة وأبي العالية والربيع بن أنس رحمهم الله تعالى. ونظير هذه الآية قوله تعالى في سورة الجمعة: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ * قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجمعة:٦ - ٨]. فهم عليهم لعائن الله تعالى لما زعموا أنهم أبناء الله وأحباؤه ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة:١١١]، دعوا إلى المباهلة والدعاء على أكذب الطائفتين منهم أو من المسلمين، فلما نكلوا عن ذلك علم كل أحد أنهم ظالمون؛ لأنهم لو كانوا جازمين بما هم فيه لكانوا أقدموا على ذلك، فلما تأخروا علم كذبهم، وهذا كما دعا رسول الله ﷺ وفد نجران من النصارى بعد قيام الحجة عليهم في المناظرة، وعتوهم وعنادهم إلى المباهلة، فقال تعالى: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران:٦١]. فلما رأوا ذلك قال بعض القوم لبعض: والله لئن باهلتم هذا النبي لا يبقى منكم عين تطرف، فعند ذلك جنحوا للسلم، وبذلوا الجزية عن يد وهم صاغرون، فضربها عليهم وبعث معهم أبا عبيدة بن الجراح أميناً، ومثل هذا المعنى أو قريب منه قول الله تعالى لنبيه أن يقول للمشركين: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ [مريم:٧٥] أي: من كان في الضلالة منا ومنكم فزاده الله مما هو فيه، ومد له واستدرجه كما سيأتي تقريره في موضعه إن شاء الله تعالى]. إن رسول الله لما أراد أن يبعث معهم أميناً حق أمين، استشرف الناس لها، فبعث رسول الله ﷺ أبا عبيدة بن الجراح ﵁ أميناً، وهذا من مناقبه. قال المصنف رحمه الله تعالى: [وأما من فسر الآية على معنى: ﴿إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الجمعة:٦]، أي: في دعواكم فتمنوا الآن الموت، ولم يتعرض هؤلاء للمباهلة كما قرره طائفة من المتكلمين وغيرهم، ومال إليه ابن جرير بعدما قارب القول الأول، فإنه قال: القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ﴾ [البقرة:٩٤] الآية، فهذه الآية مما احتج الله سبحانه لنبيه ﷺ على اليهود الذين كانوا بين ظهراني مهاجره، وفضح بها أحبارهم وعلماءهم؛ وذلك أن الله تعالى أمر نبيه أن يدعوهم إلى قضية عادلة فيما كان بينه وبينهم من الخلاف، كما أمره أن يدعو الفريق الآخر من النصارى إ

стр. 311

تفسير سورة البقرة [٩٧ - ١٠١] يبين الله تعالى في هذه الآيات الكريمات عداوة اليهود لأمين الوحي جبريل ﵇، وحبهم لميكائيل ﵇، فأعلمهم الله تعالى أن من عادى واحداً منهما فقد عادى الآخر وعادى الله أيضاً، وأشارت الآيات أيضاً إلى أن الله أنزل على رسوله محمد ﷺ آيات بينات تدل على نبوته، وتلك الآيات هي ما حواه كتاب الله من خفايا علوم اليهود، كما بينت الآيات ما عليه اليهود من نقض للعهود والمواثيق، وتكذيبهم لرسل الله أجمعين.

стр. 312

تفسير قول الله تعالى: (قل من كان عدواً لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله فإن الله عدو للكافرين)

стр. 313

سبب نزول قوله تعالى: (قل من كان عدواً لجبريل فإن الله عدو للكافرين) قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ * مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٩٧ - ٩٨]. قال المصنف ﵀: [قال الإمام أبو جعفر بن جرير الطبري ﵀: أجمع أهل العلم بالتأويل جميعاً أن هذه الآية نزلت جواباً لليهود من بني إسرائيل، إذ زعموا أن جبريل عدو لهم، وأن ميكائيل ولي لهم، ثم اختلفوا في السبب الذي من أجله قالوا ذلك، فقال بعضهم: إنما كان سبب قيلهم ذلك من أجل مناظرة جرت بينهم وبين رسول الله ﷺ في أمر نبوته. ذكر من قال ذلك]. وهذه عادة ابن جرير، فيذكر القول ثم يقول: ذكر من قال ذلك، ثم يسرد الأقوال. قبح الله اليهود، فرقوا بين الملائكة كلهم، جبرائيل وميكائيل وسائر الملائكة، مع أن الملائكة كلهم أتوا بالخير، وكلهم معظمون لأمر الله، وكلهم يأتمرون بأمر الله، كما قال تعالى: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦]، وقال: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٦ - ٢٧]، ولكن من خبث اليهود والعياذ بالله، فرقوا بين جبريل، فقالوا: جبريل عدونا، وميكائيل ولينا. وقالوا: جبريل ينزل بالعذاب وبالهلاك، وميكائيل ينزل بالقطر وبالنبات وبالخير، هكذا يزعمون! قبحهم الله. قال المصنف ﵀: حدثنا أبو كريب قال: حدثنا يونس بن بكير عن عبد الحميد بن بهرام عن شهر بن حوشب عن ابن عباس ﵄ أنه قال: حضرت عصابة من اليهود رسول الله ﷺ ]. والعِصابة -بكسر العين- يعني: الجماعة من الناس، أما العُصابة -بالضم- فهي اللفافة التي على الرأس. قال المصنف رحمه الله تعالى: [فقالوا: (يا أبا القاسم! حدثنا عن خلال نسألك عنهن لا يعلمهن إلا نبي، فقال رسول الله ﷺ : سلوا عما شئتم، ولكن اجعلوا لي ذمة، وما أخذ يعقوب على بنيه، لئن أنا حدثتكم عن شيء فعرفتموه لتتابعنني على الإسلام، فقالوا: ذلك لك، فقال رسول الله ﷺ : سلوا عما شئتم. قالوا: أخبرنا عن أربع خلال نسألك عنهن: أخبرنا أي الطعام حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة؟ وأخبرنا كيف ماء المرأة وماء الرجل، وكيف يكون الذكر منه والأنثى؟ وأخبرنا بهذا النبي الأمي في التوراة، ومن وليه من الملائكة؟ فقال النبي ﷺ : عليكم عهد الله لئن أنا أنبأتكم لتتابعنني، فأعطوه ما شاء الله من عهد وميثاق، فقال: نشدتكم بالذي أنزل التوراة على موسى)]. قوله: (نشدتكم بالذي أنزل التوراة)، هذا ليس قسماً، وإنما هو سؤال لهم بما يعظمونه، كأن تقول مثلاً: أسألك بالرحم، يعني: بحق الرحم، أو أسألك بحق أبيك، أو بحق أخيك، فأنت تسأل مخلوقاً بشيء هو يعظمه، وليس هذا قسماً، وإنما هو سؤال المخلوق بشيء يعظمه، ولا بأس بذلك، ومنه قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ﴾ [النساء:١]، على قراءة الجر: (والأرحام)، يعني: أنهم كانوا يتساءلون بالأرحام، ويقول بعضهم لبعض: أسألك بحقي عليك إلى آخره، أو أسألك بالرحم الذي بيني وبينك، أو أسألك بحق أبيك أو بحق أخيك. قال المصنف رحمه الله تعالى: [(هل تعلمون أن إسرائيل يعقوب مرض مرضاً شديداً فطال سقمه منه فنذر لله نذرا لئن عافاه الله من مرضه ليحرمن أحب الطعام والشراب إليه، وكان أحب الطعام إليه: لحوم الإبل، وأحب الشراب إليه ألبانها، فقالوا: اللهم نعم، فقال رسول الله ﷺ : اللهم اشهد عليهم)]. قال هذا؛ لأنهم صدقوه، ووافقوه بقولهم: اللهم نعم. قال المصنف رحمه الله تعالى: [(وأنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو، الذي أنزل التوراة على موسى، هل تعلمون أن ماء الرجل غليظ أبيض، وأن ماء المرأة رقيق أصفر، فأيهما علا كان له الولد والشبه بإذن الله ، وإذا علا ماء الرجل ماء المرأة كان الولد ذكراً بإذن الله، وإذا علا ماء المرأة ماء الرجل كان الولد أنثى بإذن الله ؟ قالوا: اللهم نعم، قال اللهم اشهد، وأنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى هل تعلمون أن هذا النبي الأمي تنام عيناه ولا ينام قلبه؟ قالوا: اللهم نعم، قال: اللهم اشهد، قالوا: أنت الآن فحدثنا من وليك من الملائكة؟). وهذا من خبثهم، فإنهم لما وافقوه على هذه الأشياء وصدقوه اضطراراً، فما الحيلة لهم الآن إلا أن يقولوا: نسألك من هو وليك من الملائكة وهذه ستفصل بيننا وبينك، فلما قال: إن وليه جبريل، قالوا: لا نتبعك؛ لأن جبريل هذا عدونا، فلو كان وليك ميكائيل لتابعناك، وهذا من خبثهم نسأل الله العافية. قال المصنف رحمه الله تعالى: [(فعندها نجامعك أو نفارقك)]. ومعنى: (نجامعك) يعني: نجتمع معك ونوافقك، أو نخالفك. قال المصنف رحمه الله تعالى: [(قال: فإن وليي جبريل، ولم يبعث الله نبياً قط إلا وهو وليه، قالوا: فعندها نفارقك، ولو كان وليك سواه من الملائكة تابعناك وصدقناك، قال: فما يمنعكم أن تصدقوه؟ قالوا: إنه عدونا، فأنزل الله : ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٩٧] ﴿لوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٠٢]، فعندها باءوا بغضب على غضب. وقد رواه الإمام أحمد في مسنده عن أبي النضر هاشم بن القاسم، وعبد الرحمن بن حميد في تفسيره عن أحمد بن يونس كلاهما عن عبد الحميد بن بهرام به. ورواه أحمد أيضاً عن الحسين بن محمد المروزي عن عبد الحميد بنحوه]. عبد الرحمن بن حميد صاحب التفسير المذكور في السند هو يقال له: عبد الرحمن بن حميد ويقال له: عبد بن حميد. قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو أحمد، حدثنا عبد الله بن الوليد العجلي عن بكير بن شهاب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال: أقبلت اليهود على رسول الله ﷺ فقالوا: يا أبا القاسم! أخبرنا عن خمسة أشياء، فإن أنبأتنا بهن عرفنا أنك نبي واتبعناك، فأخذ عليهم ما أخذ إسرائيل على بنيه إذ قال: والله على ما نقول وكيل، قال: هاتوا، قالوا: فأخبرنا عن علامة النبي؟ قال: تنام عيناه ولا ينام قلبه، قالوا: أخبرنا كيف تؤنَث المرأة؟ وكيف تذكر؟)]. قولهم: (كيف تؤنَث المرأة وكيف تذكر؟) يعني: كيف يكون الولد أنثى، وكيف يكون الولد ذكراً في بطنها. قال المصنف رحمه الله تعالى: [(يلتقي الماءان، فإذا علا ماء الرجل ماء المرأة أذكرت، وإذا علا ماء المرأة ماء الرجل أنثت، قالوا: أخبرنا ما حرم إسرائيل على نفسه؟ قال: كان يشتكي عِرْق النساء)]. وعِرْق النساء: هو مرض يقال له: عِرْق النساء. قال المصنف رحمه الله تعالى: [(فلم يجد شيئاً يلائمه إلا ألبان كذا، قال أحمد: قال بعضهم: يعني: الإبل -فحرم لحومها- قالوا: صدقت، قالوا: أخبرنا ما هذا الرعد؟ قال: ملك من ملائكة الله موكل بالسحاب بيديه، أو في يديه مخراق من نار يزجر به السحاب يسوقه حيث أمره الله تعالى، قالوا: فما هذا الصوت الذي نسمع؟ قال: صوته، قالوا: صدقت، قالوا: إنما بقيت واحدة وهي التي نتابعك إن أخبرتنا بها إنه ليس من نبي إلا وله ملك يأيته بالخبر، فأخبرنا من صاحبك؟ قال: جبريل عليه الصلاة السلام، قالوا: جبريل ذاك الذي ينزل بالحرب والقتال والعذاب عدونا، لو قلت ميكائيل الذي ينزل بالرحمة والقطر والنبات لكان، فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٩٧] إلى آخر الآية). ورواه الترمذي والنسائي من حديث عبد الله بن الوليد به، وقال الترمذي: حسن غريب. وقال سنيد في تفسيره عن حجاج بن محمد عن ابن جريج: أخبرني القاسم بن أبي بزة: (أن يهوداً سألوا النبي ﷺ عن صاحبه الذي ينزل عليه بالوحي، قال: جبريل، قالوا: فإنه عدو لنا ولا يأتي إلا بالحرب والشدة والقتال، فنزلت: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ الآية). قال ابن جرير: قال مجاهد: قالت اليهود: (يا محمد! ما نزل جبريل إلا بشدة وحرب وقتال، فإنه لنا عدو، فنزل: ((قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ)) الآية). قال البخاري: وقوله تعالى: ((قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ)) [البقرة:٩٧]، قال عكرمة: جبر وميك وإسراف: عبد إيل: الله]. أي: أن كلمة (جبرائيل) مكونة من كلمتين، جبر، ومعناها: عبد، وإيل، ومعناها: الله، وكلمة (ميكائيل) مكونة من كلمتين: ميك، معناها: عبد، وإيل، ومعناها: الله، وكلمة (إسرافيل) أيضاً مكونة من كلمتين ومعناها: عبد، وإيل، ومعناها: الله، وقيل بل العكس؛ لأن الكلمات الأعجمية قد يقدم فيها المضاف إليه على المضاف.

стр. 314

قصة إسلام عبد الله بن سلام قال المصنف رحمه الله تعالى: [(سمع عبد الله بن سلام بمقدم رسول الله ﷺ وهو في أرض يخترف)]. ومعنى يحترف -بالحاء- أي: يشتغل في أرضه، وهذا أول إسلامه عندما سمع بمقدم الرسول ﷺ ، وكلمة: يحترف مأخوذة من الحرفة. وتحتمل هذه الكلمة وجهاً آخ وهو: يخترف -بالخاء- أي: يجني الثمر، وهو من الخراف، يعني: جني الثمر، ومنه الخريف؛ لأن جني الثمار يكون في وقت الخريف. قال المصنف رحمه الله تعالى: [(فأتى النبي ﷺ فقال: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي: ما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام أهل الجنة؟ وما ينزع الولد إلى أبيه أو إلى أمه؟ قال: أخبرني بهذه جبرائيل آنفاً)]. قال: أي: قال النبي ﷺ . نعم. قال المصنف رحمه الله تعالى: [(قال: جبريل؟ قال: نعم، قال: ذاك عدو اليهود من الملائكة، فقرأ هذه الآية: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ﴾ [البقرة:٩٧]، وأما أول أشراط الساعة فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد الحوت، وإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد، وإذا سبق ماء المرأة نزعت، قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، يا رسول الله! إن اليهود قوم بهت)]. وهنا بادر بالتوبة ﵁، أي: عبد الله بن سلام الإسرائيلي، وهو مشهود له بالجنة، واليهود قوم بهت، فما أسلم منهم إلا القلة، وعبد الله بن سلام كان سيداً فيهم، فلما أسلم أنكروا فضله، ففي وقت واحد سألهم النبي ﷺ عنه، فقالوا: هو خيرنا وابن خيرنا، فلما خرج وقال: أشهد أن لا إله إلا الله، قالوا: شرنا وابن شرنا في الحال، وهذا من خبثهم قبحهم الله. وقد جاء في الحديث: أنه لو أسلم عشرة لتبعهم اليهود، لأن اليهود قوم بهت، وعندهم خبث وعتو وعناد، بخلاف النصارى فإنهم أقرب منهم وألين قلوباً، ولهذا يسلم الآن في مكاتب الدعوة الآلاف من النصارى، وما سمعنا يهودياً أسلم، فنعوذ بالله من اليهود ومن أفعالهم. (وقوله زيادة كبد الحوت) بيانه: أن الكبد فيه قطعة صغيرة زائدة، وهذه الزيادة التي في كبد الحوت هي طعام أهل الجنة، وهذا يعني أن الحوت كبير؛ لأن هذه الزيادة في كبد الحوت تكفي أهل الجنة، وهي أول طعامهم. قال المصنف رحمه الله تعالى: [(وإنهم إن يعلموا بإسلامي قبل أن تسألهم يبهتوني، فجاءت اليهود فقال لهم رسول الله ﷺ : أي رجل عبد الله بن سلام فيكم؟)]. وكان عبد الله بن سلام قد اختفى عند النبي ﷺ حتى يسألهم عنه. قال المصنف رحمه الله تعالى: [(قالوا: خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا، قال: أرأيتم إن أسلم، قالوا: أعاذه الله من ذلك، فخرج عبد الله فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، فقالوا: هو شرنا وابن شرنا وانتقصوه)]. فمن بهتهم أنهم أثنوا عليه في الحال، ثم انتقصوه في الحال. قال المصنف رحمه الله تعالى: (فقال: هذا الذي كنت أخاف يا رسول الله!) -انفرد به البخاري من هذا الوجه، وقد أخرجاه من وجه آخر عن أنس بنحوه]. أي: إن هذا الحديث ثابت في الصحيح. قال المصنف رحمه الله تعالى: [وفي صحيح مسلم عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ قريب من هذا السياق، كما سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى].

стр. 315

الخلاف في معنى: (جبر) و (ميك) و (إسرا) و (إيل) وحكاية البخاري كما تقدم عن عكرمة هو المشهور أن إيل هو الله، وقد رواه سفيان الثوري عن خَصِِيف أو خُصَيف عن عكرمة، ورواه عبد بن حميد عن إبراهيم بن الحكم عن أبيه عن عكرمة، ورواه ابن جرير عن الحسين بن يزيد الطحان عن إسحاق بن منصور عن قيس بن عاصم عن عكرمة أنه قال: إن جبريل اسمه عبد الله، وميكائيل اسمه عبد الله، إيل: الله. ورواه يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس مثله سواء. وكذا قال غير واحد من السلف كما سيأتي قريباً. ومن الناس من يقول: إيل عبارة عن عبد، والكلمة الأخرى هي اسم الله]. سبق وأن قلنا إن فيها قولين: القول الأول: جبر: عبد، ومعنى: إيل: الله، والقول الثاني: العكس، أي: أن إيل معناها: عبد، وجبر، معناها: الله، وهذه كلمة أعجمية، والعجم قد يقدمون المضاف إليه على المضاف، خلافاً للعرب، فهم يقدمون المضاف على المضاف إليه، نحو: عبد الله، فعبد مضاف، والله الاسم الشريف مضاف إليه، لكن الأعاجم بالعكس، وهذا ستجدونه الآن في لهجة بعض الأعاجم، فتجدون الباكستاني يقول ثاني واحد، فيقدم الثاني على الواحد. قال المصنف رحمه الله تعالى: [لأن كلمة إيل لا تتغير في الجميع، فوزانه عبد الله عبد الرحمن عبد الملك عبد القدوس عبد السلام عبد الكافي عبد الجليل، فعبد موجودة في هذا كله]. يعني: أن جبرائيل ونحوه يوازن هذه الأسماء في اللغة العربية. قال المصنف رحمه الله تعالى: [واختلفت الأسماء المضاف إليها، وكذلك جبرائيل وميكائيل وعزرائيل وإسرافيل ونحو ذلك، وفي كلام غير العرب يقدمون المضاف إليه على المضاف. والله أعلم].

стр. 316

سبب الشبه في الولد وذكر الفرق بين رواية: (سبق ماء الرجل) ورواية: (علا ماء الرجل) وسؤال هؤلاء للرسول عن ذكورية المرء أو أنوثيته، وقوله لهم: إن ذلك سببه سبق للماء أو علوه، وكذلك يكون الشبه، فإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة كان المولود ذكراً وأشبه أباه، وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل كان المولود أنثى وأشبه أمه، فيكون الشبه وتحديد الجنس بناءً على الماء السابق. وقد جاء في بعض الأحاديث: (إذا علا ماء الرجل ماء المرأة كان الشبه له، وفي بعضها: إذا سبق). وبعضهم فرق بين السبق وبين العلو فقال: إذا علا كان الشبه له، وإذا سبق كان الولد ذكراً أو أنثى؛ أي: أن العلو هو الذي يحدد الشبه، وأن السبق يحدد الجنس.

стр. 317

مناظرة عمر بن الخطاب لليهود قال المصنف رحمه الله تعالى: [(ثم قال ابن جرير وقال آخرون: بل كان سبب قيلهم ذلك من أجل مناظرة جرت بينهم وبين عمر بن الخطاب في أمر النبي ﷺ (ذكر من قال ذلك) حدثني محمد بن المثنى حدثني ربعي بن علية عن داود بن أبي هند عن الشعبي قال: نزل عمر الروحاء فرأى رجالاً يتبدرون أحجاراً يصلون إليها فقالك ما بال هؤلاء؟ قالوا: يزعمون أن رسول الله ﷺ صلى هاهنا قال: فكره ذلك وقال: إنما رسول الله ﷺ أدركته الصلاة بواد صلاها، ثم ارتحل فتركه، ثم أنشأ يحدثهم، فقال: كنت أشهد اليهود يوم مدارسهم)]. قوله: يوم مدارسهم، أي: اليوم الذي يجتمعون فيه. قال المصنف رحمه الله تعالى: [فأعجب من التوراة كيف تصدق القرآن، ومن القرآن كيف يصدق التوراة، فبينما أنا عندهم ذات يوم قالوا: يا ابن الخطاب! ما من أصحابك أحد أحب إلينا منك، قلت: ولم ذلك؟ قالوا: لأنك تغشانا وتأتينا، فقلت: إني آتيكم فأعجب من القرآن كيف يصدق التوراة، ومن التوراة كيف تصدق القرآن، قالوا: ومر رسول الله ﷺ فقالوا: يا ابن الخطاب، ذاك صاحبكم فالحق به. قال: فقلت لهم: عند ذلك نشدتكم بالله الذي لا إله إلا هو، وما استرعاكم من حقه وما استودعكم من كتابه، هل تعلمون أنه رسول الله؟ قال: فسكتوا، فقال لهم عالمهم وكبيرهم: إنه قد غلظ عليكم فأجيبوه، قالوا: فأنت عالمنا وكبيرنا فأجبه أنت، قال: أما إذا نشدتنا بما نشدتنا]. يجوز ضبطها بإذا أو إذ نشدتنا، ولكن إذا أحسن فيضبط بها، بمعنى: حين أنشدتنا. قال المصنف رحمه الله تعالى: [فإنا نعلم أنه رسول الله، قلت: ويحكم إذاً هلكتم، قالوا: إنا لم نهلك، قلت: كيف ذلك وأنتم تعلمون أنه رسول الله ولا تتبعونه ولا تصدقونه؟ قالوا: إن لنا عدواً من الملائكة وسلماً من الملائكة، وإنه قرن بنبوته عدونا من الملائكة، قلت: ومن عدوكم ومن سلمكم؟ قالوا: عدونا جبريل وسلمنا ميكائيل، قالوا: إن جبرائيل ملك الفظاظة والغلظة والإعسار والتشديد والعذاب ونحو ذلك، وإن ميكائيل ملك الرحمة والرأفة والتخفيف ونحو هذا، قال: قلت: وما منزلتهما من ربهما ؟ قالوا: أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره، قال: فقلت: فو الذي لا إله إلا هو إنهما والذي بينهما لعدو لمن عاداهما، وسلم لمن سالمهما، وما ينبغي لجبرائيل أن يسالم عدو ميكائيل وما ينبغي لميكائيل أن يسالم عدو جبرائيل، قال: ثم قمت فاتبعت النبي ﷺ فلحقته وهو خارج من خوخة لبني فلان، فقال: (يا ابن الخطاب! ألا أقرئك آيات نزلن قبل، فقرأ علي: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٩٧]، حتى قرأ الآيات، قال: قلت: بأبي وأمي أنت يا رسول الله! والذي بعثك بالحق لقد جئت وأنا أريد أن أخبرك، وأنا أسمع اللطيف الخبير قد سبقني إليك بالخبر)]. منقطع، وإن كان اليهود لا شك في خبثهم، وقد تقدم ما ذكره المؤلف ﵀ عند سبب النزول. قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا أبو أسامة عن مجالد أنبأنا عامر]. وعامر هو عامر الشعبي، ومجالد ضعيف، والشعبي أيضاً لم يدرك عمر، فيكون هذا أيضاً منقطع وفيه ضعف. قال المصنف رحمه الله تعالى: [قال: انطلق عمر بن الخطاب إلى اليهود فقال: أنشدكم بالذي أنزل التوراة على موسى هل تجدون محمداً في كتبكم؟ قالوا: نعم، قال: فما يمنعكم أن تتبعوه؟ قالوا: إن الله لم يبعث رسولاً إلا جعل له من الملائكة كفلاً، وإن جبرائيل كِفْل محمد، وهو الذي يأتيه وهو عدونا من الملائكة، وميكائيل سلمنا لو كان ميكائيل الذي يأتيه أسلمنا. قال: فإني أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى، ما منزلتهما عند الله تعالى؟ قالوا: جبريل عن يمينه وميكائيل عن شماله، قال عمر: وإني أشهد ما ينزلان إلا بإذن الله، وما كان ميكائيل ليسالم عدو جبرائيل وما كان جبرائيل ليسالم عدو ميكائيل، فبينما هو عندهم إذ مر النبي ﷺ فقالوا: هذا صاحبك يا ابن الخطاب! فقام إليه عمر فأتاه، وقد أنزل الله : ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٩٨]. وهذان الإسنادان يدلان على أن الشعبي حدث به عن عمر ولكن فيه انقطاع بينه وبين عمر؛ فإنه لم يدرك زمانه. والله أعلم]. نقول أيضاً: وفي السند الأخير مجالد، وهو ضعيف. قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال ابن جبير: حدثنا بشير حدثنا يزيد بن زريع عن سعيد عن قتادة قال: ذكر لنا أن عمر بن الخطاب انطلق ذات يوم إلى اليهود فلما انصرف رحبوا به]. لعلها فلما أبصروه؛ لأن الترحيب يكون عند الدخول لا عند الانصراف، فلما أبصروه رحبوا به. وقوله: قال ابن جبير، لعله ابن جرير، والحديث الأول يدل على أن جبريل هو ملك الوحي، أو هو الموكل بالوحي، وهذا هو الظاهر، وربما أتى غيره، لكن المعروف أن جبريل هو ملك الوحي. قال المصنف رحمه الله تعالى: [فقال لهم عمر: أما والله ما جئتكم لحبكم ولا لرغبة فيكم، ولكن جئت لأسمع منكم، فسألهم وسألوه، فقالوا: من صاحب صاحبكم؟ فقال لهم: جبرائيل، فقالوا: ذاك عدونا من أهل السماء يطلع محمداً على سرنا، وإذا جاء جاء بالحرب والسنة]. يعني: جاء بالجدب والقحط. قال المؤلف رحمه الله تعالى: ولكن صاحب صاحبنا ميكائيل، وكان إذا جاء جاء بالخصب والسلم، فقال لهم عمر: هل تعرفون جبرائيل وتنكرون محمداً ﷺ ؟]. والخصب يعني: المطر والخير، وهو ضد القحط والجدب. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ففارقهم عمر عند ذلك وتوجه نحو النبي ﷺ ليحدثه حديثهم، فوجده قد أنزلت عليه هذه الآية: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٩٧] الآيات] وما جاء في بعض النسخ قال ابن جرير: حدثنا بشر، ولكن عندنا بشير، ولكن إذا جاء في مشايخ ابن جرير هذا الاسم فهو بشر بن معاوية. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم قال: حدثنا المثنى حدثنا آدم حدثنا أبو جعفر حدثنا قتادة قال: بلغنا أن عمر أقبل إلى اليهود يوماً فذكر نحوه، وهذا في تفسير آدم، وهو أيضاً منقطع]. وانقطاعه هنا؛ لأن قتادة رواه بلاغاً، فيكون منقطعاً. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكذلك رواه أسباط عن السدي عن عمر مثل هذا أو نحوه، وهو منقطع أيضاً]. ومكان الانقطاع هو: عن السدي عن عمر. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال ابن أبن حاتم: حدثنا محمد بن عمار حدثنا عبد الرحمن يعني الدستلي]. لعله الدشتكي. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا أبو جعفر عن حصين بن عبد الرحمن عن عبد الرحمن بن أبي ليلى: أن يهودياً لقي عمر بن الخطاب فقال: إن جبرائيل الذي يذكر صاحبكم عدو لنا، فقال عمر: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٩٨]، قال: فنزلت على لسان عمر ﵁. ورواه عبد بن حميد عن أبي النضر هاشم بن القاسم عن أبي جعفر هو الرازي]. وأبو جعفر الرازي كذلك فيه ضعف، وعبد الرحمن بن أبي ليلى في سماعه من عمر نظر، لكن مجموع هذه الآثار يشد بعضها بعضاً، فهي مع الآثار التي ذكرها المؤلف تدل على أن لهذا أصلاً، وأن سبب نزول هذه الآية هو قول اليهود قبحهم الله: إن جبريل عدو لنا، فأنزل الله هذه الآية: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ * مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٩٧ - ٩٨]. وميكال يقال له: ميكال وميكائيل، وكله سواء، واليهود قبحهم الله قوم بهت وخبث، وهذا من خبثهم وضلالهم، واستكبارهم عن عبادة الله واتباع رسوله ﷺ ، ولو وفقوا للخير لآمنوا واتبعوا النبي ﷺ ، وسلموا لله ولرسول ﷺ . قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال ابن جرير: حدثني يعقوب بن إبراهيم حدثني هشيم أخبرنا حصين بن عبد الرحمن عن ابن أبي ليلى في قوله تعالى: ((مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ)) قال: قالت اليهود للمسلمين: لو أن ميكائيل ك

стр. 318

الإيمان برسولٍ يستلزم الإيمان بالرسل كلهم قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأما تفسير الآية: فقوله تعالى: ((قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ)) فإنه نزل على قلبك بإذن الله، أي: من عادى جبرائيل فليعلم أنه الروح الأمين، الذي نزل بالذكر الحكيم على قلبك من الله بإذنه له في ذلك، فهو رسول من رسل الله ملكي، ومن عادى رسولاً فقد عادى جميع الرسل، كما أن من آمن برسول فإنه يلزمه الإيمان بجميع الرسل، وكما أن من كفر برسول فإنه يلزمه الكفر بجميع الرسل، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ [النساء:١٥٠] الآيتين، فحكم عليهم بالكفر المحقق، إذا آمنوا ببعض الرسل وكفروا ببعضهم. وكذلك من عادى جبرائيل فإنه عدو لله؛ لأن جبرائيل لا ينزل بالأمر من تلقاء نفسه، وإنما ينزل بأمر ربه، كما قال: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ [مريم:٦٤] الآية، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ﴾ [الشعراء:١٩٢ - ١٩٤]]. فظهر من ذلك أن الرسل يؤمن بعضهم ببعض عليهم الصلاة والسلام، فالمتقدم يبشر بالمتأخر، والمتأخر يصدق بالمتقدم، كما قال الله تعالى عن عيسى: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف:٦]، فمن كفر برسول فقد كفر بجميع الرسل، ولهذا قال سبحانه: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء:١٠٥]، وهو أول رسول بعثه الله إلى الأرض، فجعلهم مكذبين للرسل وقال سبحانه: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء:١٢٣] وقال: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء:١٤١] وقال: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء:١٦٠] وقال أيضاً: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء:١٧٦]، وكذلك الرسل من الملائكة عليهم الصلاة والسلام، من كذب برسول منهم فقد كذب بالجميع، وجبريل وميكائيل وإسرافيل هم أفضل الملائكة، وهم الموكلون بما فيه الحياة، فجبريل موكل بالوحي، والوحي فيه حياة القلوب والأرواح، وميكائيل موكل بالقطر، والقطر فيه حياة أبدان الآدميين والحيوانات، وإسرافيل موكل بالنفخ في الصور، وفيه إعادة الأرواح إلى أبدانها. وأفضلهم جبريل ﵊، وهو ملك الوحي، ولما كان هؤلاء الملائكة الثلاثة موكلين بما فيه الحياة، توسل النبي ﷺ بربوبية الله لهؤلاء الملائكة الثلاثة في حديث الاستفتاح في صلاة الليل، فقد ثبت في صحيح مسلم عن عائشة ﵂: (أن النبي ﷺ كان إذا قام من الليل استفتح بهذا الاستفتاح: اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم). فمن كذب برسول ملكي أو رسول بشري فهو كافر بالجميع، نسأل الله السلامة والعافية.

стр. 319

انتصار الله لأوليائه قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من عادى لي ولياً فقد بارزني بالحرب). ولهذا غضب الله لجبرائيل على من عاداه، فقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [البقرة:٩٧]، أي: من الكتب المتقدمة، ﴿وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٩٧] أي: هدى لقلوبهم وبشرى لهم بالجنة، وليس ذلك إلا للمؤمنين كما قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ [فصلت:٤٤] الآية، وقال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء:٨٢] الآية].

стр. 320

أعمال جبريل وميكائيل وإسرافيل قال الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٩٨]. قال المصنف ﵀: يقول تعالى: من عاداني وملائكتي ورسلي، ورسله تشمل رسله من الملائكة والبشر، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج:٧٥]، ((وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ))، وهذا من باب عطف الخاص على العام، فإنهما دخلا في الملائكة في عموم الرسل؛ ثم خصصا بالذكر، لأن السياق في الانتصار لجبرائيل، وهو السفير بين الله وأنبيائه، وقرن معه ميكائيل في اللفظ؛ لأن اليهود زعموا أن جبرائيل عدوهم، وميكائيل وليهم، فأعلمهم الله تعالى أن من عادى واحداً منهما فقد عادى الآخر وعادى الله أيضاً؛ ولأنه أيضاً ينزل على أنبياء الله بعض الأحيان]. يعني: ميكائيل، وهذا ما ذكره المؤلف، والمعروف أن جبرائيل هو السفير بين الله وبين أنبيائه ورسله. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [كما قرن برسول الله ﷺ في ابتداء الأمر]. والمعروف أن الذي قرن برسول الله ابتداءً هو جبريل، والمؤلف هنا كأنه يريد أن يقول: إن ميكائيل قرن برسول الله في أول الأمر، وهذا يحتاج إلى دليل؛ لأن المعلوم أن جبريل هو الذي نزل في أول البعثة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولكن جبرائيل أكثر وهي وظيفته، وميكائيل موكل بالنبات والقطر، هذاك بالهدى وهذا بالرزق، كما أن إسرافيل موكل بالنفخ في الصور للبعث يوم القيامة، ولهذا جاء في الصحيح أن رسول الله ﷺ كان إذا قام من الليل يقول: (اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم). وقد تقدم ما حكاه البخاري. ورواه ابن جرير عن عكرمة وغيره أنه قال: جبر وميك وإسراف: عبيد وإيل: الله. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن الأعمش عن إسماعيل بن أبي رجاء عن عمير مولى ابن عباس ﵄ عن ابن عباس قال: إنما كان قوله جبرائيل كقوله: عبد الله وعبد الرحمن، وقيل جبر: عبد، وإيل: الله. وقال محمد بن إسحاق عن الزهري عن علي بن الحسين قال: أتدرون ما اسم جبرائيل من أسمائكم؟ قلنا: لا، قال: اسمه عبد الله، وكل اسم مرجعه إلى إيل فهو إلى الله . قال ابن أبي حاتم: وروي عن عكرمة ومجاهد والضحاك ويحيى بن يعمر نحو ذلك، ثم قال: حدثني أبي حدثنا أحمد بن أبي الحواري حدثني عبد العزيز بن عمير قال: اسم جبرائيل في الملائكة خادم الله. قال فحدثت به أبا سليمان الداراني فانتفض، وقال: لِهذا الحديث أحب إلى من كل شيء في دفتر كان بين يديه، وفي جبرائيل وميكال لغات وقراءات تذكر في كتب اللغة والقراءات]. والدفتر الذي بين يديه فيه كتب الحديث، وقال هذا عن هذا القول؛ والسياق يقتضي أن تكون الجملة: (وكتبه في دفتر بين يديه). قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولم نطول كتابنا هذا بسرد ذلك، إلا أن يدور فهم المعنى عليه، أو يرجع الحكم في ذلك إليه، وبالله الثقة وهو المستعان].
следующие страницы →