← Тафсир

Тафсир · id 37048

شرح تفسير ابن كثير - الراجحي

عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

Полный текст (873 стр.). Показаны 841–873 · переход к 846.

стр. 841

تفسير قوله تعالى: (ذلك بأن الله هو الحق) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولما تبين أنه المتصرف في الوجود، الحاكم الذي لا معقب لحكمه، قال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ [الحج:٦]، أي: الإله الحق الذي لا تنبغي العبادة إلا له؛ لأنه ذو السلطان العظيم، الذي ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وكل شيء فقير إليه، ذليل لديه، ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ [الحج:٦٢]، أي: من الأصنام والأنداد والأوثان، وكل ما عبد من دونه تعالى فهو باطل؛ لأنه لا يملك ضراً ولا نفعاً].

стр. 842

إثبات صفة العلو والعظمة لله سبحانه قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج:٦٢]، هذه الآية فيها إثبات صفة الألوهية لله ، وأنه الإله المعبود بحق وأن كل معبود سواه فهو معبود بباطل، كما قال: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة:٢٥٥]، وقال: ﴿الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ [الرعد:٩]، فكل شيء تحت قهره وسلطانه وعظمته، لا إله إلا هو، ولا رب سواه؛ لأنه العظيم الذي لا أعظم منه، العلي الذي لا أعلى منه، الكبير الذي لا أكبر منه، تعالى وتقدس وتنزه عما يقول الظالمون المعتدون علواً كبيراً]. في هذه الآية إثبات اسمي العلي والكبير لله، فهو علي متصف بالعلو، فله علو الذات، فذاته علية فوق العرش وفوق السماوات، وله علو القدر والشأن والعظمة، وله علو القهر والسلطان، فالعلو أنواعه ثلاثة، وكلها ثابتة لله: علو القدر، وعلو القهر، وعلو الذات كما قال العلامة ابن القيم: والفوق أنواع ثلاث كلها لله ثابتة بلا نكران والكبير أيضاً من أسماء الله، فهو المعبود بالحق، وكل معبود سواه فهو معبود بباطل، فالشمس والقمر والنجوم والكواكب والأشخاص والأصنام والأوثان كلها عبدت بالباطل، والعبادة بحق هي عبادة الله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج:٦٢]، وقد ورد اسم الكبير أيضاً في قوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ [الرعد:٩]، ففيهما إثبات اسم الكبير والمتعال الذي تفرد بالعبودية فيقال: عبد الكبير، عبد المتعال. وبعض الناس يسميه عبد العال، والعال ليس من أسماء الله، وإنما من أسمائه المتعال، كما في هذه الآية، فينبغي أن يقال: عبد المتعال، وكل اسم ثبت لله يعبد به، مثل: عبد العلي، عبد المتعال، عبد الجبار، عبد العليم، عبد السميع، عبد البصير.

стр. 843

تفسير سورة الحج [٦٣ - ٧٢] يمتن الله تعالى على عباده بإنعامه عليهم بجملة عظيمة من النعم، ومنها: إنزال الماء على الأرض فتخضر به إنباتاً وإزهاراً، وإمساك السماء عن الوقوع على الأرض لكيلا يهلك أهلها، وإجراء الفلك في البحر لتحصيل منافع العباد، وإحياؤهم من بعد الموت والعدم، وفي معرض ذلك يبين تعالى كفر الإنسان لنعم الله تعالى عليه، ومن كفره منازعة الرسول ﷺ فيما جاء به، ورده الدلائل القرآنية حين تتلى، وبسط يده بالسوء إلى أولياء الله.

стр. 844

تفسير قوله تعالى: (ألم تر أن الله أنزل من السماء ماءً فتصبح الأرض مخضرة) قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ * لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ * أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ * وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الإِنسَانَ لَكَفُورٌ﴾ [الحج:٦٣ - ٦٦].

стр. 845

بيان قدرة الله قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهذا -أيضاً- من الدلالة على قدرته وعظيم سلطانه، وأنه يرسل الرياح فتثير سحاباً، فتمطر على الأرض الجرز التي لا نبات فيها وهي هامدة يابسة سوداء ممحلة، ﴿فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [الحج:٥]، وقوله جل وعلا: ﴿فَتُصْبِحُ الأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [الحج:٦٣] الفاء هاهنا للتعقيب، وتعقيب كل شيء بحسبه، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً﴾ [المؤمنون:١٤]، الآية. وقد ثبت في الصحيحين أن بين كل شيئين أربعين يوماً، ومع هذا هو معقب بالفاء، وهكذا هاهنا قال: ﴿فَتُصْبِحُ الأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ [الحج:٦٣]، أي: خضراء بعد يبسها ومحولها]. أي: بعد أن كانت الأرض يابسة ممحلة تصبح مخضرة، وهذا دليل على إحياء الله الموتى، وكثيراً ما يدلل على إحياء الموتى بإحياء الأرض بالنبات بعد يبسها ومحولها، وذلك بأن ينزل الله عليها الماء فتنبت وتصير خضراء، فكذلك الأموات يحييهم الله بعد أن كانوا أمواتاً، فيعيد الحياة إليهم؛ لأنه قدير، وهو قادر على أن يعيدهم من الذرات التي تحولوا إليها. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد ذكر عن بعض أهل الحجاز أنها تصبح عقب المطر خضراء، فالله أعلم]. فالفاء للتعقيب في قوله تعالى: (فتصبح)، يعني: إذا نزل الماء فإنه يعقبه اخضرار الأرض، وهذا التعقيب قد يطول وقد يقصر، مثل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا﴾ [المؤمنون:١٤] فبين كل طور وطور أربعون يوماً، فالنطفة تكون أربعين يوماً، ثم تكون العلقة أربعين يوماً، ثم تكون المضغة أربعين يوماً، واخضرار الأرض قد يكون في أقل من هذه المدة.

стр. 846

بيان معنى قوله تعالى: (إن الله لطيف خبير) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [الحج:٦٣] أي: عليم بما في أرجاء الأرض وأقطارها وأجزائها من الحب وإن صغر، لا يخفى عليه خافية، فيوصل إلى كل منه قسطه من الماء فينبته به، كما قال لقمان: ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان:١٦]، وقال: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [النمل:٢٥]، وقال تعالى: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام:٥٩]. وقال: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [يونس:٦١]، ولهذا قال أمية بن أبي الصلت أو زيد بن عمرو بن نفيل في قصيدته: وقولا له من ينبت الحب في الثرى فيصبح منه البقل يهتز رابيا ويخرج منه حبه في رءوسه ففي ذاك آيات لمن كان واعيا].

стр. 847

إثبات ملك الله لجميع الأشياء وغناه عما سواه قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [الحج:٦٤]، أي: ملكه جميع الأشياء، وهو غني عما سواه، وكل شيء فقير إليه عبد لديه]. فكل شيء يأتي عبداً يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم:٩٣]، فكل شيء يأتي عبداً يوم القيامة مقهوراً ذليلاً خاضعاً، تنفذ فيه قدرة الله ومشيئته، لا يملك لنفسه ولا لغيره نفعاً ولا ضراً.

стр. 848

امتنان الله تعالى على خلقه بتسخير ما في السماوات والأرض لهم قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله جل وعلا: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ﴾ [الحج:٦٥]، أي: من حيوان وجماد وزروع وثمار، كما قال: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية:١٣]، أي: من إحسانه وفضله وامتنانه، ﴿وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ﴾ [الحج:٦٥]، أي: بتسخيره وتسييره، أي: في البحر العجاج وتلاطم الأمواج تجري الفلك بأهلها بريح طيبة ورفق وتؤدة، فيحملون فيها ما شاءوا من تجائر وبضائع ومنافع من بلد إلى بلد وقطر إلى قطر، ويأتون بما عند أولئك إلى هؤلاء كما ذهبوا بما عند هؤلاء إلى أولئك، مما يحتاجون إليه ويطلبونه ويريدونه]. يعني أن تسخير الفلك في البحر هو جعلها تجري بالريح الطيبة، وتمخر عباب الماء، وتحمل البضائع والأمتعة والأشخاص إلى الأماكن البعيدة، ولا سيما في هذا الزمن الذي صارت فيه المراكب والباخرات العظيمة كأنها قرية أو بلدة، فيحصل الانتفاع والتبادل، فهذا من آيات الله العظيمة الدالة على قدرته ووحدانيته واستحقاقه للعبادة.

стр. 849

بيان لطف الله ورحمته بعباده قال المؤلف رحمه الله تعالى: [﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [الحج:٦٥]، أي: لو شاء لأذن للسماء فسقطت على الأرض فهلك من فيها، ولكن من لطفه ورحمته وقدرته يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، ولهذا قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحج:٦٥]، أي: مع ظلمهم، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الرعد:٦]، وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الإِنسَانَ لَكَفُورٌ﴾ [الحج:٦٦]، كقوله: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة:٢٨]، وقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [الجاثية:٢٦]، وقوله: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافر:١١]، ومعنى الكلام: كيف تجعلون لله أنداداً وتعبدون معه غيره، وهو المستقل بالخلق والرزق والتصرف؟! ﴿وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ﴾ [الحج:٦٦]، أي: خلقكم بعد أن لم تكونوا شيئًا يذكر، فأوجدكم، ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [الحج:٦٦]، أي: يوم القيامة، ﴿إِنَّ الإِنسَانَ لَكَفُورٌ﴾ [الحج:٦٦]، أي: جحود]. قوله تعالى: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافر:١١]، يعني: حصل لهم موتتان وحياتان: أما الموتة الأولى فحين كانوا عدماً في أصلاب آبائهم وأرحام أمهاتهم، ثم أحياهم الله فعاشوا في الدنيا، وأما الموتة الثانية فهي التي كتبها الله عليهم، ثم يحييهم في الآخرة، فهما موتتان وحياتان.

стр. 850

تفسير قوله تعالى: (لكل أمة جعلنا منسكاً هم ناسكوه) قال الله تعالى: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلا يُنَازِعُنَّكَ فِي الأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ * وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ * اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [الحج:٦٧ - ٦٩]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يخبر تعالى أنه جعل لكل قوم منسكاً، قال ابن جرير: يعني: لكل أمة نبي منسكاً. قال: وأصل المنسك في كلام العرب: هو الموضع الذي يعتاده الإنسان ويتردد إليه إما لخير أو شر، قال: ولهذا سميت مناسك الحج بذلك؛ لترداد الناس إليها وعكوفهم عليها. فإن كان كما قال من أن المراد لكل أمة نبي جعلنا منسكاً، فيكون المراد بقوله: ﴿فَلا يُنَازِعُنَّكَ فِي الأَمْرِ﴾ [الحج:٦٧]، أي: هؤلاء المشركون، وإن كان المراد: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا﴾ [الحج:٣٤]، أي: جعلاً قدرياً كما قال: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ [البقرة:١٤٨]، ولهذا قال هاهنا: ﴿هُمْ نَاسِكُوهُ﴾ [الحج:٦٧]، أي: فاعلوه، فالضمير هاهنا عائد على هؤلاء الذين لهم مناسك وطرائق، أي: هؤلاء إنما يفعلون هذا عن قدر الله وإرادته، فلا تتأثر بمنازعتهم لك، ولا يصرفك ذلك عما أنت عليه من الحق، ولهذا قال: ﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ﴾ [الحج:٦٧]، أي: طريق واضح مستقيم موصل إلى المقصود. وهذه كقوله: ﴿وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ﴾ [القصص:٨٧]. وقوله: ﴿وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحج:٦٨]، كقوله: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [يونس:٤١]. وقوله: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحج:٦٨] تهديد شديد ووعيد أكيد، كقوله: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ [الأحقاف:٨]، ولهذا قال: ﴿اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [الحج:٦٩]]. أي: إذا كان الله عليماً بأعمالكم، وسوف يجازيكم عليها، فاحذروا أن تبارزوه بالمعاصي. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهذه كقوله جل وعلا: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ﴾ [الشورى:١٥]، الآية].

стр. 851

تفسير قوله تعالى: (ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض) قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج:٧٠]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يخبر تعالى عن كمال علمه بخلقه، وأنه محيط بما في السماوات وما في الأرض، فلا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، وأنه تعالى علم الكائنات كلها قبل وجودها، وكتب ذلك في كتابه اللوح المحفوظ، كما ثبت في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله قدر مقادير الخلائق قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء). وفي السنن من حديث جماعة من الصحابة أن رسول الله ﷺ قال: (أول ما خلق الله القلم قال له: اكتب، قال: وما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن. فجرى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة)]. هذه الآية فيها إثبات مرتبتين من مراتب القدر لا بد من الإيمان بهما، ومن لم يؤمن بهما فليس بمؤمن: المرتبة الأولى: العلم الشامل لكل شيء في هذا الوجود، وأن الله يعلم ما كان في الماضي، وما يكون في الحال، وفي المستقبل، وما لم يكن لو كان كيف يكون، كما قال سبحانه: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام:٢٨]، يعني: يعلم حالهم لو ردوا، لكنهم لا يردون. المرتبة الثانية: الكتابة، وهي أنه كتب كل شيء في اللوح المحفوظ، فقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ﴾ [الحج:٧٠]، وقال سبحانه: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ [الحديد:٢٢]، وقال سبحانه: ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد:٣٩] وقال سبحانه: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس:١٢]. ولما أنكرت القدرية الأولى هاتين المرتبتين: العلم والكتابة، أخرجهم العلماء من الثنتين والسبعين فرقة، وقالوا: إنهم كفار؛ لأن من لم يؤمن بعلم الله فقد نسب الله إلى الجهل. وأما عامة المتأخرين من القدرية فأثبتوا هاتين المرتبتين -العلم والكتابة- لكن أنكروا المرتبتين الأخريين، وهما: الإرادة والخلق، فلم يقولوا بعموم الإرادة وبعموم الخلق، بل قالوا: إن الله أراد كل شيء، وخلق كل شيء إلا أفعال العباد، فاستثنوها بسبب شبهة حصلت لهم، فصاروا مبتدعة.

стр. 852

بيان سعة علم الله تعالى قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة حدثنا ابن بكير حدثني عطاء بن دينار حدثني سعيد بن جبير قال: قال ابن عباس: خلق الله اللوح المحفوظ كمسيرة مائة عام، وقال للقلم قبل أن يخلق الخلق، وهو على العرش ﵎: اكتب، فقال القلم: وما أكتب؟ قال: علمي في خلقي إلى يوم الساعة. فجرى القلم بما هو كائن في علم الله إلى يوم القيامة؟ فذلك قوله للنبي ﷺ : ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [الحج:٧٠]. وهذا من تمام علمه تعالى، أنه علم الأشياء قبل كونها وقدرها وكتبها أيضاً، فما العباد عاملون قد علمه تعالى قبل ذلك على الوجه الذي يفعلونه، فيعلم قبل الخلق أن هذا يطيع باختياره، وهذا يعصي باختياره، وكتب ذلك عنده، وأحاط بكل شيء علماً، وهو سهل عليه يسير لديه، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج:٧٠]]. وقال سبحانه: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤]، فهو سبحانه يعلم أحوال العباد، وما هم عاملون، وما يصيرون إليه، بل كل حركة في السماء والأرض، وكل رطب ويابس مكتوب عنده، كما قال تعالى: ﴿وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام:٥٩] والكتاب هو اللوح المحفوظ.

стр. 853

تفسير قوله تعالى: (ويعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطاناً وما ليس لهم به علم) قال الله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ * وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الحج:٧١ - ٧٢]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يقول تعالى مخبراً عن المشركين فيما جهلوا وكفروا وعبدوا من دون الله ما لم ينزل به سلطاناً، يعني: حجة وبرهاناً، كقوله: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [المؤمنون:١١٧]، ولهذا قال هاهنا: ﴿مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الحج:٧١]، أي: ولا علم لهم فيما اختلقوه وائتفكوه، وإنما هو أمر تلقوه عن آبائهم وأسلافهم بلا دليل ولا حجة، وأصله مما سول لهم الشيطان وزينه لهم، ولهذا توعدهم تعالى بقوله: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [الحج:٧١]، أي: من ناصر ينصرهم من الله فيما يحل بهم من العذاب والنكال]. فالواجب على المسلم أن يتبع الحق، ولا يقلد الآباء والأجداد والقبيلة في الباطل، وقد أنكر الله تعالى على المشركين اتباعهم آباءهم وأجدادهم بالباطل، فقال سبحانه: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ [لقمان:٢١]، وفي الآية الأخرى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [البقرة:١٧٠]، فاتباع الآباء والأجداد في الباطل طريقة أهل الجاهلية، ولهذا أخبر الله عن كفار قريش أنهم قالوا: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلاقٌ﴾ [ص:٧]. وهي حجة فرعون عندما قال لموسى: ﴿فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى﴾ [طه:٥١]، فاتباع السابقين في الباطل ليس بحجة، وإنما الواجب على الإنسان أن يتبع الدليل والحجة، أما أن يتبع غيره في الباطل فهذا لا يجوز، ولو كان أباه أو جده أو سلفه، ولكن إن كان الأسلاف على الحق فإنه يتبع الحق، ويقتدي بهم في أعمالهم الطيبة، وإن كانوا على الباطل ترك ما هم عليه، ولو كانوا آباء وأجداداً. فالواجب على المسلم أن يعمل بالحق، ويعمل بالدليل، ولهذا أنكر الله على هؤلاء المشركين بقوله: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ [الحج:٧١]، يعني: ما ليس لهم به حجة ولا دليل، وتوعدهم بقوله: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [الحج:٧١]. فلا عمل بالنسبة للعبادات إلا بدليل من الكتاب أو من السنة، وقد يكون الدليل قياساً؛ لأن القياس يرجع إلى أصل مأخوذ من دليل من الكتاب أو السنة، وكذلك الإجماع هو مستند إلى نص من الكتاب أو السنة، والقياس الصحيح يرجع إلى النصوص؛ لأنه مبني على النصوص. أما المعاملات في البيوع والمأكولات فالأصل فيها الإباحة والحل، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة:٢٩]، فهذا دليل على أن الأصل في الأشياء الحل، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة:١٧٢]، وهذا دليل على أن الأصل في المآكل والمشارب والملابس والبيوع الحل، أما الذبائح فالأصل فيها التحريم، فإذا أشكل عليك شيء في ذبيحة فإنك تتوقف حتى يأتيك الدليل، وكذلك الأبضاع أي: الفروج فالأصل فيها التحريم حتى يأتي الدليل.

стр. 854

بيان عاقبة منكري الدلائل القرآنية قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم قال: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾ [الحج:٧٢]، أي: وإذا ذكرت لهم آيات القرآن والحجج والدلائل الواضحات على توحيد الله، وأنه لا إله إلا هو، وأن رسله الكرام حق وصدق، ﴿يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ [الحج:٧٢]، أي: يكادون يبادرون الذين يحتجون عليهم بالدلائل الصحيحة من القرآن، ويبسطون إليهم أيديهم وألسنتهم بالسوء ﴿قُلْ﴾ [الحج:٧٢] أي: يا محمد لهؤلاء ﴿أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الحج:٧٢]، أي: النار وعذابها ونكالها أشد وأشق وأطم وأعظم مما تخوفون به أولياء الله المؤمنين في الدنيا، وعذاب الآخرة على صنيعكم هذا أعظم مما تنالون منهم إن نلتم بزعمكم وإرادتكم. وقوله: ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الحج:٧٢]، أي: وبئس النار منزلاً ومقيلاً ومرجعاً وموئلاً ومقاماً، ﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ [الفرقان:٦٦].

стр. 855

تفسير سورة الحج [٧٣ - ٧٨] لم يقدر المشركون الله حق قدره؛ إذ أشركوا معه ما لا ينفع شيئاً، ولا يصنع شيئاً، وقد ضرب لهم مثلاً يبين لهم سوء صنيعهم هذا، فالذباب إذا أخذ من هذه الآلهة المزعومة شيئاً صغيراً فإنها لا تستطيع أن تستنقذه منه، فضعف الطالب والمطلوب.

стр. 856

تفسير قوله تعالى: (يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له) قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ * مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج:٧٣ - ٧٤]. قال المصنف ﵀: [يقول تعالى منبهاً على حقارة الأصنام وسخافة عقول عابديها: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ﴾ [الحج:٧٣] أي: لما يعبده الجاهلون بالله المشركون به، ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ [الحج:٧٣] أي: أنصتوا وتفهموا، ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [الحج:٧٣] أي: لو اجتمع جميع ما تعبدون من الأصنام والأنداد على أن يقدروا على خلق ذباب واحد ما قدروا على ذلك. كما قال الإمام أحمد: حدثنا أسود بن عامر حدثنا شريك عن عمارة بن القعقاع عن أبي زرعة عن أبي هريرة ﵁ مرفوعاً قال: (ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي، فليخلقوا مثل خلقي ذرة أو ذبابة أو حبة) وأخرجه صاحبا الصحيح من طريق عمارة عن أبي زرعة عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (قال الله : ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي، فليخلقوا ذرة، فليخلقوا شعيرة)]. هذا حديث قدسي من كلام الله تعالى لفظاً ومعنى، يقول الله تعالى: (ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي، فليخلقوا ذرة، أو ليخلقوا شعيرة)، وفيه تحريم التصوير، وأنه لا يجوز للإنسان أن يصور ذوات الأرواح، وأن المصور ظالم؛ لأن الله وصفه بالظلم وأنه من أشد الناس ظلماً: (ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي)، فتصوير ذوات الأرواح حرام؛ لما فيه من مضاهاة خلق الله. وفي حديث عائشة: (أشد الناس عذاباً يوم القيامة الذين يضاهئون بخلق الله)، والحديث الآخر: (لعن الله المصور)، وفي اللفظ الآخر: (كل مصور في النار، يجعل له بكل صورة صورها نفس يعذب بها في جهنم)، وهذه الأحاديث كلها ثابتة، وهي تدل على تحريم تصوير ذوات الأرواح، وأن المصور ظالم، وفي الحديث الآخر: (من صور صورة كلف أن ينفخ فيها الروح وليس بنافخ)، فهو يعذب يوم القيامة حيث يكلف بنفخ الروح تعذيباً له على تصويره، نسأل الله العافية. وفيه أنه متوعد بالنار، فدل على أنه -أي: التصوير- من كبائر الذنوب، وأنه وسيلة من وسائل الشرك؛ لأن فيه المضاهاة لخلق الله، فلا يجوز أن يصور للذكرى. والواجب طمس الصور كما في حديث أبي الهياج أن علياً قال له: (ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ : ألا تدع صورة إلا طمستها، ولا قبراً مشرفاً إلا سويته)، فيجب طمس الصور وإزالتها ما استطاع المسلم إلى ذلك سبيلاً، ولا يبق إلا ما تدعو الضرورة إليه، وهي الصورة التي لا بد منها في بطاقة الأحوال، أو رخصة القيادة، أو الأوراق النقدية، فهذه ضرورة، قال تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام:١١٩]، لكن الناس الآن تساهلوا بالصور، فتجد بعض الناس يصور أولاده للذكرى، ثم يجعل صورهم في برواز ويجعله أمام الناس، وهذا محرم لا يجوز، فلا يجوز التصوير للذكرى، ولا اقتناء الصور. وقوم نوح سبب عبادتهم للأصنام أنهم صوروا للذكرى من أجل أن يتذكروا عبادة الصالحين لما ماتوا، فوقع أحفادهم في الشرك. فإن قيل: فالبسط والفرش التي فيها صور أنتركها ولا نشتريها، وإذا كانت معنا فهل نتلفها؟ فأقول: الصور لا تجوز لأي غرض، وأما الصورة إذا كانت ممتهنة كأن تكون على بساط أو من هذا القبيل فهذه لا تمنع دخول الملائكة، لكن التصوير من حيث هو لا يجوز لأي غرض إلا للضرورة، حتى بالفيديو أو يصور ليجعلها في مكان عام فلا، لكن إذا وجدت الصورة الممتهنة فلا تمنع دخول الملائكة. فإن قال قائل: إذا كانت الصورة مخفية في كتاب أو غيره هل أطمسها أم لا؟ فأقول: إذا كانت مخفية فأمرها أسهل مما لو كانت مكشوفة، لكن إذا أمكن طمسها فهو أولى. فإن قيل: هل يقال للذي يصور بالفيديو أنه مصور يدخل تحت قول النبي ﷺ : (كل مصور في النار)؟ أقول: هو مصور، وهو داخل في قوله ﷺ : (كل مصور في النار)، فهو يسمى مصوراً. فإن قيل: هناك فرق بين من يصور باليد وبين من يصور بالكاميرا؟ أقول: هذا ليس بظاهر. بل إنه يصدق اسم المصور على المصور باليد وعلى الذي يصور بالكاميرا. فإن قيل: هو لم يصورها وإنما صورتها الكاميرا؟ فنقول: ما وجدت الصورة إلا بعمله بيده، ولو أنه ما صور ما خرجت الصورة. فإن قيل: إذا كانت الصورة في السطح أو في حوش المنزل فهل تمنع من دخول الملائكة إلى المنزل؟ قلنا: نعم، فكل ما كان داخل سور البيت فإنه يتبع البيت، سواء كان في السطح أو في الحوش، ثم إنه ينبغي طمسها مطلقاً وفي أي مكان إلا للضرورة، كصور المجرمين من أجل التحذير منهم وما أشبه ذلك، فالشيء الذي تدعو الضرورة إليه هو المستثنى فقط. فإن قال قائل: أنا عملي ودخلي من التصوير. قلنا: لا بأس أن تصور الكتب وغيرها مما ليس له روح، وأما ذوات الأرواح فلا تصورها، وإذا أردت أن تصور ذوات الأرواح فينبغي إزالة الرأس. فإن قيل: أنا أصور من أجل أن أعلم الطلاب؟ قلنا: لا يجوز تصوير ذوات الأرواح، أرشدهم وعلمهم بدون تصوير، فما زال الناس من عهد النبوة إلى الآن يدرسون ويعلمون وتخرج العلماء من دون تصوير، وإذا احتجت إلى صورة فلا تصور الرأس والوجه حتى يزول المحذور، وكذلك إذا وجدت صورة في ورق فاطمس الرأس، ولا يكتفي بجعل خط على الحلق فإن هذا لا يكفي، بل لا بد من طمس الرأس والوجه أو قطعه إذا كان مجسماً، فإنه إذا قطع الرأس أو طمسه زال المحذور. فإن قال قائل: وهل أطمس الصور حتى من الكتب المدرسية وإن غضب علي المعلم؟ قلنا: كتب المدرسة من باب أولى، فكلها يجب طمسها، ويجب على المعلمين أن يكونوا قدوة للمتعلمين في طمس الصور. فإن قيل: والصور التي على سور البيت هل تمنع من دخول الملائكة البيت؟ قلنا: نعم، فكله في داخل البيت: (لا تدخل الملائكة بيتاً فيه صورة)، والبيت شامل لما كان داخل سور البيت. قال المؤلف ﵀: [ثم قال تعالى أيضاً: ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ﴾ [الحج:٧٣] أي: هم عاجزون عن خلق ذباب واحد، بل أبلغ من ذلك عاجزون عن مقاومته والانتصار منه لو سلبها شيئاً من الذي عليها من الطيب]. يعني: إذا أخذ الذباب شيئاً لا تستطيع هذه الأصنام أن تأخذ هذا الشيء الذي يعلق به فكيف يعبدونها!! فهم عاجزون عن خلق الذباب، بل عاجزون عن أشد من هذا عاجزون عن استنقاذ ما علق بالذباب وعن أخذه منه والانتصار عليه، بل ينتصر عليهم ويغلبهم وهو من أحقر المخلوقات، فكيف يعبدون غير الله وهم عاجزون عن أن يخلقوا ذبابة، بل عاجزون عن استنقاذ ما أخذه الذباب!! قال المؤلف ﵀: [لو سلبها شيئاً من الذي عليها من الطيب ثم أرادت أن تستنقذه منه لما قدرت على ذلك هذا، والذباب من أضعف مخلوقات الله وأحقرها، ولهذا قال: ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج:٧٣]، قال ابن عباس ﵄: الطالب الصنم والمطلوب الذباب، واختاره ابن جرير، وهو ظاهر السياق، وقال السدي وغيره: الطالب العابد والمطلوب الصنم]. قال المؤلف ﵀: [ثم قال: ﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الحج:٧٤] أي: ما عرفوا قدر الله وعظمته حين عبدوا معه غيره من هذه التي لا تقاوم الذباب لضعفها وعجزها، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج:٤٠] أي: هو القوي الذي بقدرته وقوته خلق كل شيء، ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم:٢٧]، ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ * إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾ [البروج:١٢ - ١٣]، ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٨]. وقوله: ﴿عَزِيزٌ﴾ [الحج:٤٠] أي: قد عز كل شيء فقهره وغلبه، فلا يمانع ولا يغالب لعظمته وسلطانه، وهو الواحد القهار.

стр. 857

تفسير قوله تعالى: (الله يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس) قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ [الحج:٧٥ - ٧٦]. قال المؤلف ﵀: [يخبر تعالى أنه يختار من الملائكة رسلاً فيما يشاء من شرعه وقدره ومن الناس لإبلاغ رسالاته ﴿إِنَّ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [الحج:٧٥] أي: سميع لأقوال عباده، بصير بهم عليم بمن يستحق ذلك منهم، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام:١٢٤]، وقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ [الحج:٧٦] أي: يعلم ما يفعل برسله فيما أرسلهم به، فلا يخفى عليه من أمورهم شيء، كما قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن:٢٦ - ٢٧]، إلى قوله: ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ [الجن:٢٨]. فهو سبحانه رقيب عليهم، شهيد على ما يقال لهم، حافظ لهم، ناصر لجنابهم ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧].

стр. 858

تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم) قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمُ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الحج:٧٧ - ٧٨].

стр. 859

حكم السجدة الثانية في سورة الحج قال المؤلف ﵀: [اختلف الأئمة ﵏ في هذه السجدة الثانية من سورة الحج هل هو مشروع السجود فيها أم لا؟ على قولين، وقد قدمنا عند الأولى حديث عقبة بن عامر ﵁ عن رسول الله ﷺ : (فضلت سورة الحج بسجدتين، فمن لم يسجدهما فلا يقرأهما)]. الراجح أنها سجدة ثابتة، والسجود ليس بواجب بل هو مستحب، فقد ثبت أن عمر ﵁ خطب الناس وقرأ آية فيها سجدة في خطبة الجمعة، فنزل وسجد وسجد الناس، ثم قرأ في الخطبة الثانية في الجمعة الثانية آية فيها سجدة فتهيأ الناس للسجود فلم يسجد، فقال عمر ﵁: إن الله لم يفرض علينا السجود إلا أن نشاء. فهو مستحب وليس بواجب. قال المؤلف ﵀: [وقوله: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ [الحج:٧٨]، أي: بأموالكم وألسنتكم وأنفسكم، كما قال تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران:١٠٢]، وقوله: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ﴾ [الحج:٧٨].

стр. 860

فضل هذه الأمة والتخفيف عنها قال المؤلف ﵀: [أي: يا هذه الأمة الله اصطفاكم واختاركم على سائر الأمم، وفضلكم وشرفكم وخصكم بأكرم رسول وأكمل شرع، ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨] أي: ما كلفكم ما لا تطيقون، وما ألزمكم بشيء يشق عليكم إلا جعل الله لكم فرجاً ومخرجاً، فالصلاة التي هي أكبر أركان الإسلام بعد الشهادتين تجب في الحضر أربعاً، وفي السفر تقصر إلى ثنتين، وفي الخوف يصليها بعض الأئمة ركعة كما ورد به الحديث، وتصلى رجالاً وركباناً، مستقبلي القبلة وغير مستقبليها. وكذا في النافلة في السفر إلى القبلة وغيرها، والقيام فيها يسقط لعذر المرض فيصليها المريض جالساً، فإن لم يستطع فعلى جنبه إلى غير ذلك من الرخص والتخفيفات في سائر الفرائض والواجبات، ولهذا قال ﵇: (بعثت بالحنيفية السمحة)، وقال لـ معاذ وأبي موسى ﵄ حين بعثهما أميرين إلى اليمن: (بشرا ولا تنفرا، ويسرا ولا تعسرا)، والأحاديث في هذا كثيرة، ولهذا قال ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨] يعني: من ضيق]. وأخذ العلماء من هذه الآية قاعدة: وهي نفي الحرج، وكذلك قوله: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق:٧]، فقد أخذ العلماء من هذه الآيات نفي الحرج، ونفي الضيق، وأنه لا واجب مع عجز، ولا محرم مع ضرورة، فكل هذه القواعد أخذت من هذه النصوص، وهذه الآيات: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨]. إذاً: فمن التخفيف أن الصلاة الرباعية تقصر إلى ركعتين في السفر وفي الخوف إلى ركعة، ويصليها للقبلة وإلى غير القبلة، وصلاة النافلة يصليها إلى غير القبلة في السفر، ويصلي المريض قائماً، فإن عجز صلى قاعداً، فإن عجز فعلى جنب، وفي حديث عمران: (صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب)، فكل هذا من رفع الحرج. فالحمد لله على هذه الشريعة السمحة. قال المؤلف ﵀: [وقوله: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج:٧٨]، قال ابن جرير: نصب على تقدير ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨] أي: من ضيق بل وسعه عليكم كملة أبيكم إبراهيم، قال: ويحتمل أنه منصوب على تقدير: الزموا ملة أبيكم إبراهيم]. وسعه عليكم كملة إبراهيم. فكملة: أتت هنا مجرورة لكنها منصوبة على تقدير: على نزع الخافض؛ لأنه التقدير (كملة). قال المؤلف ﵀: [قلت: وهذا المعنى في هذه الآية كقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [الأنعام:١٦١]. وقوله: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الحج:٧٨]، وفي هذا قال الإمام عبد الله بن المبارك عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الحج:٧٨] قال: الله ، وكذا قال مجاهد وعطاء والضحاك والسدي ومقاتل بن حيان وقتادة. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الحج:٧٨] يعني: إبراهيم، وذلك قوله: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكْ﴾ [البقرة:١٢٨]، قال ابن جرير: وهذا لا وجه له؛ لأنه من المعلوم أن إبراهيم لم يسم هذه الأمة في القرآن مسلمين، وقد قال الله تعالى: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا﴾ [الحج:٧٨]، قال مجاهد: الله سماكم المسلمين من قبل في الكتب المتقدمة وفي الذكر، ﴿وَفِي هَذَا﴾ [الحج:٧٨] يعني: القرآن. وكذا قال غيره، قلت: وهذا هو الصواب؛ لأنه تعالى قال: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨]]. فيكون الضمير في قوله: (هو) يعود إلى الله ، أو يعود إلى إبراهيم، والصواب أنه يعود إلى الله، ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الحج:٧٨] أي: في الكتب السابقة وفي الذكر وفي اللوح المحفوظ وفي القرآن، فالله تعالى هو سماهم المسلمين. والقول الثاني: أن الضمير في قوله: (هو سماكم) يعود إلى إبراهيم، والقول الأول: أنه يعود إلى الله هو الصواب؛ بدليل قوله بعد ذلك: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨]، فكل هذه الضمائر تعود إلى الله . قال المؤلف ﵀: [ثم حثهم وأغراهم على ما جاء به الرسول صلوات الله وسلامه عليه بأنه ملة أبيهم إبراهيم الخليل ﵇، ثم ذكر منته تعالى على هذه الأمة]. يعني: بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وبأنها ملة أبيهم إبراهيم. قال المؤلف ﵀: [ثم ذكر منته تعالى على هذه الأمة بما نوه به من ذكرها، والثناء عليها في سالف الدهر وقديم الزمان في كتب الأنبياء يتلى على الأحبار والرهبان، فقال: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الحج:٧٨] أي: من قبل هذا القرآن، ﴿وَفِي هَذَا﴾ [الحج:٧٨]. وروى النسائي عند تفسير هذه الآية: أنبأنا هشام بن عمار قال: حدثنا محمد بن شعيب قال: أنبأنا معاوية بن سلام أن أخاه زيد بن سلام أخبره عن أبي سلام أنه أخبره قال: أخبرني الحارث الأشعري عن رسول الله ﷺ قال: (من دعا بدعوى الجاهلية فإنه من جثي جهنم، قال رجل: يا رسول الله! وإن صام وصلى؟ قال: نعم وإن صام وصلى، فادعوا بدعوة الله التي سماكم بها المسلمين المؤمنين عباد الله). وقد قدمنا هذا الحديث بطوله عند تفسير قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:٢١] من سورة البقرة، ولهذا قال: ﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [الحج:٧٨] أي: إنما جعلناكم هكذا أمة وسطاً عدولاً خياراً مشهوداً بعدالتكم عند جميع الأمم؛ لتكونوا يوم القيامة: ﴿شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [الحج:٧٨]، لأن جميع الأمم معترفة يومئذ بسيادتها وفضلها على كل أمة سواها، فلهذا تقبل شهادتهم عليهم يوم القيامة في أن الرسل بلغتهم رسالة ربهم، والرسول يشهد على هذه الأمة أنه بلغها ذلك، وقد تقدم الكلام على هذا عند قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة:١٤٣]، وذكرنا حديث نوح وأمته بما أغنى عن إعادته]. أي: أن نوح يوم القيامة يسأله الله: هل بلغت؟ فيسأل أمته فتنكر، فتشهد هذه الأمة عليهم، فيقولون: كيف تشهدون علينا وأنتم ما حضرتم؟ فقالوا: بعث الله لنا نبياً، وأنزل عليه القرآن، وأخبرنا أن نوحاً بلغكم، فنحن نشهد، فتشهد هذه الأمة على الأمم، ثم يشهد عليها الرسول، ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة:١٤٣]. والحديث الأول: (من دعا بدعوى الجاهلية فإنه من جثي جهنم) فيه وعيد شديد، وأن هذا من الكبائر، فمن دعا بدعوة جاهلية فقد ارتكب كبيرة من الكبائر؛ لهذا الوعيد الشديد. قال المؤلف ﵀: [وقوله: ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [الحج:٧٨] أي: قابلوا هذه النعمة العظيمة بالقيام بشكرها، فأدوا حق الله عليكم في أداء ما افترض، وطاعة ما أوجب، وترك ما حرم، ومن أهم ذلك إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وهو الإحسان إلى خلق الله بما أوجب للفقير على الغني من إخراج جزء نزر من ماله في السنة للضعفاء والمحاويج كما تقدم بيانه وتفصيله في آية الزكاة من سورة التوبة. وقوله: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ﴾ [الحج:٧٨] أي: اعتضدوا بالله واستعينوا به وتوكلوا عليه وتأيدوا به، ﴿هُوَ مَوْلاكُمْ﴾ [الحج:٧٨] أي: حافظكم وناصركم ومظفركم على أعدائكم. ﴿فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الحج:٧٨] يعني: نعم الولي ونعم الناصر من الأعداء، قال وهيب بن الورد: يقول الله تعالى: ابن آدم اذكرني إذا غضبت أذكرك إذا غضبت فلا أمحقك فيمن أمحق، وإذا ظلمت فاصبر وارض بنصرتي؛ فإن نصرتي لك خير من نصرتك لنفسك رواه ابن أبي حاتم والله تعالى أعلم. وله الحمد والمنة والثناء الحسن والنعمة، وأسأله التوفيق والعصمة في سائر الأفعال والأقوال، هذا آخر تفسير سورة الحج. وصلى الله على سيدنا محمد، وآله وصحبه وسلم وشرف وكرم، ورضي الله تعالى عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين]. قول وهيب بن الورد من الآثار الإسرائيلية؛ لأن وهيب بن الورد لم يروه عن النبي ﷺ ، وبينه وبين النبي ﷺ مسافة، فيستأنس به ولا يعول عليه.

стр. 861

الأسئلة

стр. 862

حكم من افتتح مطعماً فذبح على عتبته ولطخ زجاجه وأبوابه بالدماء السؤال افتتح أحدهم مطعماً في الأسبوع الماضي وقام بذبح خروف على عتبة بابه، ولطخ بدمه الزجاج والأبواب والأرض، فما حكم فعله هذا؟ الجواب هذا محرم، وإن كان يعتقد أنه يذبح للجن وأنهم يمنعونه إذا لم يذبح فهذا شرك والعياذ بالله، وإذا كان يذبح للجن من أجل أن يحفظوه فإنه مشرك مرتد نعوذ بالله من ذلك، وعليه التوبة وتجديد إسلامه من جديد. وأما إذا كان لا يعتقد هذا ولطخه من باب التبرك وهو يذبح لله ولا يعتقد أنه يذبح للجن، ولكن في الغالب أن الذي يفعل مثل هذا إنما يفعله للجن والعياذ بالله، فهذا ينبغي أن ينكر عليه ويبين له أن هذا شرك، وينبغي إن كان قد نبه وهو غير جاهل أن يرفع به إلى المحكمة ويستتاب، فإن تاب وإلا قتل نعوذ بالله؛ لأن هذا شرك، نسأل الله السلامة والعافية، كما جاء في الحديث: (من ذبح لغير الله فقد أشرك)، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي﴾ [الأنعام:١٦٢] أي: وذبحي، ﴿وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣]. وقال سبحانه: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر:٢].

стр. 863

حكم التبرك بالدم السؤال هم يقولون: نحن نتبرك بالدم؟ الجواب في الغالب أنه ما يكون إلا ذبح للجن، فما أدري كيف يكون التبرك بالدم، فهو عنده عقيدة الخوف من الجن، فهو يذبح للجن؛ حتى يحفظوه ويمنعوه، نعوذ بالله. لكن ينبغي للإخوان بكل حال أن ينبهوه، وينصحوا له، ويأمروه بالتوبة إذا كان لا يعرف أن ذلك شرك.

стр. 864

محرمية الرجل لبنات ربيبته السؤال لي ربيبة فهل أنا محرم لبناتها؟ الجواب هي حرام عليك وكذلك بناتها.

стр. 865

حكم من يتنازل عن الإمامة لأجل مبلغ من المال السؤال أتولى إمامة مسجد في مجمع سكني، وخدمات الكهرباء والماء والهاتف في منزل ذلك المسجد مجانية، وعرض علي مبلغ كبير مقابل أن أتنازل عن هذه الوظيفة لمن يدفع لي ذلك المبلغ، فهل يجوز لي ذلك؟ الجواب الإمامة منصب ديني لا يؤخذ بمقابله المال، فلا يجوز له هذا، بل ينبغي للإنسان أن يقصد وجه الله والدار الآخرة، والوظائف الدينية لا يؤخذ عليها شيء من المال كالإمامة والأذان والحج والعبادات وغيرها من الوظائف الدينية، ومن أخذ على العبادة مال كإنسان يعطى مالاً حتى يؤذن، أو يصلي، أو يصوم، فهذا حرام، قال الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٥ - ١٦]. فمن حج للمال أو صلى لأجل المال فهو على خطر عظيم، لكن إذا أعطي من بيت المال مرتب أو أعطاه أحد معونة من دون أجرة لتفرغه فلا بأس، أما هذا الشخص يعطى من أجل أن يكون إماماً للناس مقصده الدنيا لا يجوز هذا، إذا كان له رغبة يبقى في المسجد وإلا يقدم تنازله ويأتي من هو أهل لذلك، وهذا المال مال سحت إذا أخذه من غير مقابل.

стр. 866

مدى صحة القول بأن الرسول ﷺ رأى ربه جل وعلا السؤال ينتشر عند بعض طلبة العلم أن رسول الله ﷺ رأى ربه، ويستدلون بالحديث الذي رواه الترمذي ﵀ وفيه: (رأيت البارحة ربي في أبها صورة)، ويقولون: إن الإمام أحمد رأى ربه، وإن هناك من العلماء أو طلبة العلم من رأى ربه، فما رأيكم؟ الجواب رؤية الله في المنام ليس فيها إشكال، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: جميع الطوائف أثبتوا هذا ولا ينكره إلا الجهمية، فمن شدة إنكارهم لرؤية الله أنهم أنكروا حتى الرؤية في المنام، وأما غيرهم من جميع الطوائف فأثبتوها، فلا يوجد إشكال، والحديث ثابت عن النبي ﷺ : (رأيت ربي في أحسن صورة، فقال: يا محمد، بم يختصم الملأ الأعلى، فقلت: لا أدري -لا أعلم- فوضع كفه بين كتفيه حتى وجدت برد أنامله، فعلمت). والحديث معروف بحديث اختصام الملأ الأعلى، وقد شرحه الحافظ ابن رجب ﵀ في رسالة مستقلة اسمها: شرح حديث اختصام الملأ الأعلى، وأوله: (رأيت ربي في أحسن صورة). وكذلك أيضاً الرؤية في المنام لا إشكال فيها وهي ثابتة، ولا يلزم من ذلك التشبيه، وإنما يرى ربه على حسب اعتقاده، فإن كان اعتقاده سليماً رأى ربه في صورة حسنة، وإن كان اعتقاده غير سليم رأى ربه في مثل صورة اعتقاده، ولما كان النبي ﷺ أصح الناس اعتقاداً قال: (رأيت ربي في أحسن صورة)، فرؤية المنام غير الرؤية في اليقظة، فالله تعالى لا يراه أحد في الدنيا، ولا يرى إلا يوم القيامة. قال النبي ﷺ : (إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر)، ولما سأل موسى ربه الرؤية في الدنيا قال الله: ﴿لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ [الأعراف:١٤٣]، وحتى النبي ﷺ الصواب أنه ما رآه ليلة المعراج بعين رأسه وإنما رآه بعين قلبه، ولما سئل النبي ﷺ : (هل رأيت ربك؟ قال: نور أنى أراه)، وفي لفظ: (رأيت نوراً)، في حديث أبي موسى في صحيح مسلم: (حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه). وأول الحديث: (إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام)، وأما الرؤية في المنام فهي غير الرؤية في اليقظة.

стр. 867

حكم تفسير قوله تعالى: (وإن يسلبهم الذباب) بما ثبت علمياً بشأن أكل الذباب السؤال ثبت علمياً: أن الذباب إذا وقع على مادة معينة وأفرز عليها مادة منه تفككت جزيئاتها مباشرة، فهل يمكن أن يكون ذلك معنى قوله جل وعلا: ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ﴾ [الحج:٧٣]؟ الجواب لا، معنى ((لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ)): أي: لا يستطيعون أن يأخذوه منه، ولكن أيضاً ثبت في الحديث الصحيح: أن الذباب إذا وقع على شيء رفع جناحاً وألقى جناحاً، وأن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء، وأنه يضع الجناح الذي فيه الداء، ويرفع الجناح الذي فيه الشفاء، ولهذا قال النبي ﷺ : (إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه ثم لينزعه فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء)، والحديث ثابت، فهو مأمور بغمسه حتى ينغمس الجناح الذي فيه الشفاء فيزيل الداء.

стр. 868

حكم من أنكر عذاب القبر السؤال هل من ينكر عذاب القبر يعد كافراً؟ الجواب قد يكون له شبهة، والأحاديث في عذاب القبر قريبة من التواتر، والآيات واردة في ذلك، فلا بد أن يبين له قبل ذلك النصوص، وهذا يخشى عليه. وبعض أهل البدع كالمعتزلة قالوا: إن العذاب للروح دون الجسد، والصواب أنه للجسد وللروح، لكن الأحكام على الروح أغلب.

стр. 869

الضابط في دمى الأطفال السؤال ما الضابط في الجائز والممنوع من صور عرائس الأطفال والدمى المنتشرة في الأسواق، فإن لها أعيناً وأنوفاً، وبعضها يتكلم؟ الجواب الأولى عدم استعمال عرائس الأطفال في زماننا، وعرائس الأطفال تختلف عن الصور، فقد جاء في حديث عائشة: أنها كان لها ألعاب تلعبها ولم ينكر عليها النبي ﷺ ، فأخذ العلماء من هذا أنه لا بأس باللعب للأطفال خاصة، لكن لعب الأطفال في زمن عائشة لم تكن مثل هذه اللعب، فقد كانت عبارة عن عظم وتضع البنات الصغار عليه شيئاً من الخرق، ويسمين هذا رجلاً، ويصنعن عظماً آخر ويجعلن عليه ثياباً ملونة ويسمينه امرأة، حتى يعود الأطفال، لكن الموجودة الآن تختلف، فهي تضحك وتبكي وتسير، فينبغي عدم التمادي فيها، وتختلف عن الصورة. وأما لو كانت مثل هذه التي توضع باليد كالخرق والعظام فهذه أمرها سهل، لكن هذه اللعب الآن لها عين، وبعضها فتنة، وبعضها تبكي، وبعضها تضحك، وبعضها تصوت وكأنها آدمي إذا رأيته، فلا ينبغي التمادي فيها.

стр. 870

حكم وسم الدابة في وجهها السؤال قبيلتنا يسمون دوابهم في أسفل الوجه، وقد عرفوا بين القبائل بذلك، ويصعب تغييره في الوقت الحالي فما حكم هذا الفعل؟ وهل يدخل ذلك في اللعن الوارد؟ الجواب هذا حرام ولا يجوز، فالنبي قال: (لا تسموا الدواب في وجوهها، لعن الله من وسم الدابة في وجهها)؛ وذلك لأن الوجه رقيق، وهو مجمع المحاسن، فلا ينبغي الوسم في الوجه، وحتى الضرب لا تضرب البهيمة في وجهها، ولا الآدمي في وجهه، وكذلك الرأس، لكن يكون الوسم في الأذن أو في الظهر أو في اليد، ويحرم الوجه، وهو من كبائر الذنوب، وعلى هؤلاء أن يتوبوا إلى الله وألا يسموا الدواب في وجوهها، وإنما يسموها في ظهرها أو في يدها أو في أذنها وما أشبه ذلك.

стр. 871

المقصود بقول الله تعالى: (ينفقون أموالهم في سبيل الله) السؤال قوله جل وعلا: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٦١]، هل المقصود في سبيل الله الجهاد فقط أم جميع أعمال الخير؟ الجواب الظاهر أنه في الجهاد، وسياق الآية يدل على الجهاد، وأما أعمال الخير فلها وجه، لكن هذا في الجهاد، فالنفقة في الجهاد تضاعف إلى سبعمائة ضعف، ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ [البقرة:٢٦١]، وأما غير الجهاد فتضاعف الحسنة بعشر أمثالها، أي: على حسب الأعمال، لكن الآية سياقها في الجهاد، وكذلك والآية التي بعدها: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنًّا وَلا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة:٢٦٢].

стр. 872

حكم دعاء النبي بقول: (يا مولاي) السؤال هل تصح مناداة الله جل وعلا في الدعاء بقوله: يا مولاي؟ الجواب نعم، قال تعالى: ﴿هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الحج:٧٨]، فهو المولى سبحانه، وهو نعم النصير.

стр. 873

حكم من نطق بالشهادتين ولم يصل السؤال هل الذي يشهد الشهادتين لكنه لا يصلي مخلد في النار؟ الجواب الصواب أن ترك الصلاة ناقض من نواقض الإسلام وهو كفر وردة، فإذا قال: أشهد أن لا إله إلا الله ثم سب الله وسب الرسول بطلت الشهادة، وكذلك إذا شهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله ثم استهزأ بالله وبرسوله بطلت، وإذا شهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله ثم أنكر وجوب الصلاة بطلت، كذلك إذا ترك الصلاة فتركها ناقض من نواقض الإسلام، وهذا هو الصواب؛ لأن النصوص دلت على أن الصلاة شرط في صحة الإيمان، وشرط في صحة الشهادة، فالذي يفعل ناقضاً لا تنفعه الشهادة، نسأل الله السلامة والعافية، هذا هو الصواب. وقال بعض العلماء: إذا لم ينكر وجوبها يكون كفره كفراً أصغر، ويكون إيمانه ضعيفاً، فلا تلزمه الشهادة، والصواب الذي دلت عليه النصوص، والذي أجمع عليه الصحابة ونقل الإجماع عبد الله بن شقيق العقيلي، وإسحاق بن راهويه، وابن حزم أن ترك الصلاة كفر وردة ولو لم ينكر وجوبها، وعلى هذا فيكون ترك الصلاة ناقضاً تنتقض به الشهادة، نسأل الله السلامة والعافية. وفق الله الجميع، ورزق الله الجميع.