← Тафсир

Тафсир · id 37048

شرح تفسير ابن كثير - الراجحي

عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

Полный текст (873 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

حكم التمييز في القراءة بين القرآن وكتب العلم السؤال هل يجوز قراءة كتب أهل العلم كما يقرأ القرآن؟ الجواب لا، عليه أن يميز بينهما، ولا مانع أن يقرأ قراءة حسنة الصوت، لكن لا يجعلها كقراءة القرآن.

стр. 807

حكم الكفارة في الحلف على شيءٍ ماض السؤال متى يكون الحلف باليمين ليس عليه كفارة؟ الجواب لا يوجد يمين ليس عليها كفارة، فإذا حلف باليمين لا بد من كفارة إلا إذا كانت على شيء ماضٍ يحلف على شيء مضى يظنه أنه حصل، ثم تبين له عدم حصوله فهذا ليس فيه كفارة؛ لأن الكفارة تكون في الشيء المستقبل. فلو حلف أنه ما أعطى فلان الشيء الفلاني، ثم تبين أنه أعطاه فيما مضى فليس عليه شيء، وليس عليه كفارة.

стр. 808

أسباب السعادة السؤال أين توجد السعادة وانشراح الصدر في الدنيا، وما أسباب إجابة الدعاء؟ الجواب في طاعة الله ، وفي توحيد الله وإخلاص الدين له، وأداء ما أوجب الله والانتهاء عما حرم الله والإحسان إلى الناس وبذل المعروف، وكف الأذى، فكل هذا من أسباب السعادة وانشراح الصدر، وكذلك الإكثار من ذكر الله ، وتلاوة القرآن، وحضور مجالس الذكر.

стр. 809

أسباب إجابة الدعاء السؤال يقول هل من كتب لأهل العلم في بيان أسباب السعادة وأسباب إجابة الدعاء؟ الشيخ: من أسباب إجابة الدعاء: حضور القلب، وطيب المطعم، قال النبي لـ سعد: (أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة)، هذا موجود في النصوص، وإذا تأمل الإنسان الآيات من كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ وجد هذا، ولا أعلم كتاباً خاصاً في هذا.

стр. 810

وجوب محاسبة الإنسان نفسه السؤال ما حكم هذه الورقة التي وضع فيها شبه جدول في طرفها أسئلة هل صليت الفجر اليوم مع الجماعة؟ هل سألت الله الشهادة؟ هل قمت ببر والديك؟ ووضع إشارات كمتابعة له في يومه وليلته لمجموعة من الأعمال الصالحة ولمدة شهر؟ الجواب لا أعلم لهذا أصلاً، لكن الإنسان يحاسب نفسه في كل وقت، وخاصة عند النوم على تقصيره في الواجبات، واستباحة المحرمات ويتوب إلى الله ، أما هذه الورقة ما لها أصل، وفق الله الجميع، ورزق الله الجميع العلم النافع والعمل الصالح.

стр. 811

تفسير سورة الحج الآية [٣٧] الله تعالى لا تضره معصية عاص ولا تنفعه طاعة طائع، فهو سبحانه غني عن عباده فلا يناله من طاعتهم شيء. ومن ذلك أن الأضحية والهدي شرعها الله على العباد تعبداً وتوسعة على العيال ورحمة بالفقراء، ولا يناله سبحانه منها شيء، وقد بينت لنا السنة متى تكون الأضحية ومن أي نوع من أنواع الحيوانات وسن كل نوع من هذه الأنواع.

стр. 812

تفسير قوله تعالى: (لن ينال الله لحومها ولا دماؤها) وقال تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الحج:٣٧]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يقول تعالى: إنما شرع لكم هذه الهدايا والضحايا لتذكروه عند ذبحها فإنه الخالق الرزاق لا يناله شيء من لحومها ولا دماؤها، فإنه تعالى هو الغني عما سواه، وقد كانوا في جاهليتهم إذا ذبحوها لآلهتهم وضعوا عليها من لحوم قرابينهم ونضحوا عليها من دمائها، فقال تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا﴾ [الحج:٣٧]، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين حدثنا محمد بن أبي حماد حدثنا إبراهيم بن المختار عن ابن جريج قال: كان أهل الجاهلية ينضحون البيت بلحوم الإبل ودمائها، فقال أصحاب رسول الله ﷺ : فنحن أحق أن ننضح فأنزل الله ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج:٣٧]، أي: يتقبل ذلك ويجزي عليه، كما جاء في الصحيح: (إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم). وجاء في الحديث: (إن الصدقة تقع في يد الرحمن قبل أن تقع في يد السائل، وإن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع إلى الأرض)]. وسبق أنه فيه ضعف، والمعنى: أن الله إنما شرع ذبح الهدايا والأضاحي لإقامة ذكر الله ، ليذكر اسم الله، وليتعبد المسلم ويتقرب إلى الله في إراقة الدم، والتصدق على الفقراء. والله تعالى لا ينتفع بطاعة أحد، كما أنه لا يتضرر بمعصية أحد، فهو لا تضره معصية العاصين، ولا تنفعه طاعة المطيعين بل هو النافع الضار ، ولا يناله شيء من الدماء، ولا اللحوم وإنما يناله التقوى، والتقوى هو: التوحيد، والتقرب إلى الله ، وإخلاص العبادة لله ، هذا هو الذي يناله ، فإذا تعبد المسلم واتقى الله ، وتقرب إلى الله بالهدايا والأضاحي وتصدق بلحومها على الفقراء والمساكين فإن الله يجازيه ويربح مع الله أعظم الربح وهو سبحانه لا ينتفع بشيء ولا يتضرر بشيء، بل هو النافع الضار . قال المصنف رحمه الله تعالى: [كما تقدم في الحديث رواه ابن ماجة والترمذي وحسنه عن عائشة مرفوعاً، فمعناه: أنه سيق لتحقيق القبول من الله لمن أخلص في عمله، وليس له معنى يتبادر عند العلماء المحققين سوى هذا، والله أعلم، وقال وكيع عن يحيى بن مسلم بن الضحاك: سألت عامراً الشعبي عن جلود الأضاحي فقال: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا﴾ [الحج:٣٧]، إن شئت فبع، وإن شئت فأمسك، وإن شئت فتصدق]. سبق أن الصواب: أنه لا يبيع، وإنما يتصدق، أو ينتفع بها. قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ﴾ [الحج:٣٧]، أي: من أجل ذلك سخر لكم البدن ﴿لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [الحج:٣٧] أي: لتعظموه كما هداكم لدينه وشرعه وما يحبه ويرضاه، ونهاكم عن فعل ما يكرهه ويأباه. وقوله سبحانه: ﴿وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الحج:٣٧]، أي: وبشر يا محمد المحسنين، أي: في عملهم القائمين بحدود الله المتبعين ما شرع لهم المصدقين الرسول فيما أبلغهم وجاءهم به من عند ربه ]. المحسنين هم الذين أحسنوا في عبادة الله ، وأحسنوا إلى الخلق، وتصدقوا على الفقراء، واتجهت إلى الله ، وآمنوا بالله ورسوله. قال المصنف رحمه الله تعالى: [مسألة. وقد ذهب أبو حنيفة ومالك والثوري إلى القول بوجوب الأضحية على من ملك نصاباً، وزاد أبو حنيفة اشتراط الإقامة أيضاً، واحتج لهم بما رواه أحمد وابن ماجة بإسناد رجاله كلهم ثقات]. يقولون: إن من ملك نصاباً بحيث يجب عليه أن يخرج منه الزكاة كنصاب الفضة والذهب مثلاً، الذي هو: عشرون مثقالاً، أو مائتا درهم، ونصاب الذهب يقوم الآن: إحدى عشر جنيه وربع، ونصاب الفضة يقوم ستة وخمسين ريالاً عربياً سعودياً، فإذا ملك ست وخمسين ريالاً فهذا نصاب، وإذا ملك من الجنيهات إحدى عشر جنيه وثلاثة أسباع الجنيه فيجب عليه أن يضحي عند الإمام مالك وعند الإمام أبي حنيفة. وزاد أبو حنيفة لا بد أن يكون مقيماً فالمسافر ليس عليه أضحية، وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: إلى وجوب الأضحية على الموسر، أي: القادر يجب عليه أن يضحي، وأما غير القادر فلا، والمشهور عن جمهور العلماء أنها ليست واجبة، بل سنة مستحبة مؤكدة، وقال شيخ الإسلام: إنها واجبة على القادر، فإذا كان قادراً تجب عليه، وإذا كان فقيراً سقطت عنه. ويقول الإمام مالك وأبو حنيفة: إذا ملك نصاباً وجب عليه، واشترط الإمام أبو حنيفة أن يكون مقيماً فإن كان مسافراً فليس عليه أضحية، وهي سنة مؤكدة، وفيها شكر لله وإظهار لهذه السنة، وهي سنة الخليلين إبراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسلام. فينبغي للمسلم أن يعتني بالأضحية وأن يظهرها، فهي شعيرة عظيمة، وينبغي أن تذبح في كل البيوت حتى تظهر هذه الشعيرة ويعلم بذلك أهل البيت والأولاد والجيران. ويأكل ويهدي ويتصدق، أما ما يفعله بعض الناس من كونه يعطي دراهم لبعض المؤسسات ويذبحونها خارج البلد فهذا ليس فيه إظهار للسنة، وهذا لا ينبغي، وإنما ينبغي للإنسان أن يذبح الأضحية في بيته؛ إظهاراً لهذه السنة، ويتولاها بنفسه ويذبحها بنفسه إن أمكن، ويأكل منها ويهدي ويتصدق، ويعلم الأولاد الذكور والإناث هذه السنة، أما إذا أعطى دراهم وذبحت في مكان بعيد لم يعرف الأولاد ولا الزوجة السنة، لكن اذبح الأضحية في بيتك وأعط المؤسسات شيئاً آخر، لكن الأضحية تكون في السنة مرة، فأظهر هذه السنة واذبحها في بيتك وتصدق وكل وأطعم، أما ما هو حاصل في الآونة الأخيرة من بعض المؤسسات التي تجمع من الناس دراهم قيمة الأضاحي ويقولون: الناس ليسوا محتاجين، ونذبحها في أماكن بعيدة في البوسنة أو في مكان آخر أو في غيرها، فهذا خلاف السنة، ولكن الإنسان إذا أراد أن يعطيهم تبرعات يضحون هناك للفقراء لا بأس، يتبرع بدراهم ويتصدق بها على الفقراء هناك يذبحون، أما أنت أضحيتك لابد أن تذبحها في بيتك، وأظهر هذه السنة وهذه الشعيرة العظيمة السنوية، والمؤسسات تعطيهم من التبرعات الأخرى يضحون عن أولئك الفقراء في بلادهم، أو تشتري لهم أضاحي تذبحها لهم في بلادهم، أما أنت فأضحيتك اذبحها في بيتك، هذا هو السنة. والهدي كذلك، الهدي يذبح في مكة، وما زاد من اللحم فإنه ينقل ولا بأس بذلك، لكن ينبغي أن يذبح في مكة لا يذبح خارج مكة، بل حتى لو ذبح الهدي في عرفة ما أجزأ، لا بد يكون داخل الحرم في منى أو مزدلفة أو مكة، داخل حدود الحرم، ثم بعد ذلك إذا شئت فكل منها، وإن شئت فانقلها، حتى إذا ذبحت فدية فيجوز أن تنقلها وتأتي بها إلى الرياض ليس هناك مانع، إذا لم يكن لها حاجة تنقل هناك، والآن الحكومة ترتب نقل الزيادة من اللحوم التي ليس هناك حاجة لها، تنقلها إلى الفقراء في أماكن بعيدة، وهذا لا بأس به. فإن قيل: هل يلزم الحاج أن يضحي وهو في الحج؟ أقول: هناك خلاف في هذه المسألة فـ أبو حنيفة يرى أن الحاج مسافر وليس عليه أضحية، وبعض العلماء يرى أنه لا بأس أن يضحي، لكن يوصي أهله وولده بأن يذبحوا في بلدهم وهو يفدي، أما إذا كان في مكة أو كلهم في مكة ثم أهدوا قد يقال: إنه إذا كانوا حجاجاً يكفيهم، ويرى بعض أهل العلم أنه لا بأس أن يضحوا ويهدوا.

стр. 813

الفرع والعتيرة وحكمهما قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد روى الإمام أحمد وأهل السنن وحسنه الترمذي عن محنف بن سليم أنه سمع رسول الله ﷺ يقول بعرفات: (على كل أهل بيت في كل عام أضحاة وعتيرة، هل تدرون ما العتيرة؟ هي التي تدعونها الرجيبة) وقد تكلم في إسناده]. يعني: كان في الجاهلية يذبحون ذبيحة في شهر رجب. هذا الحديث إسناده ضعيف؛ لأن مداره على أبي رملة وهو متروك. وذبيحة رجب هذه كانت في الجاهلية تسمى العتيرة وأبطلها الإسلام؛ وإن كان قال بعضهم باستحبابها، لكن الصواب أن ذبيحة رجب هذه من عادة أهل الجاهلية فأبطلها الإسلام، فلا يشرع الذبيحة في رجب، وهذا الحديث ضعيف؛ لأن مداره على أبي رملة وليس بحجة. أما الفرع فهذه ذبيحة أول الناقة، كما في حديث: (لكن لا فرع ولا عتيرة) يعني: أول ولد الناقة يذبحونه في الجاهلية، والعتيرة ذبيحة رجب، وجاء في الحديث: (لا فرع ولا عتيرة في الإسلام).

стр. 814

ضرورة الاقتصاد في الأضحية وعدم التباهي فيها قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال أبو أيوب: (كان الرجل في عهد رسول الله ﷺ يضحي بالشاة الواحدة عنه وعن أهل بيته، فيأكلون ويطعمون، حتى تباهى الناس فصار كما ترى). رواه الترمذي وصححه وابن ماجة]. المشروع عدم التباهي في الأضحية؛ لأن أضحية واحدة تكفي عن البيت ولو كانوا مائة، وإن تعددت البيوت فكل أهل بيت يضحون، لكن كثير من الناس يتباهون فقد يذبح في البيت الواحد أربع ضحايا أو خمس، بعض الناس يقول: هذا أضحية عني، وهذا يذبح عن الأموات، هذه عن أبي وهذه عن أمي، وهذه عن أخي، وهذه عن زوجتي المتوفاة وهكذا، والسنة أضحية واحدة تكفي، يدخل فيها الأحياء والأموات، وفضل الله واسع ولو كانوا مائة، هذا هو السنة، إلا إذا كانت وصية فإن الوصايا تنفذ. قال المصنف رحمه الله تعالى: [وكان عبد الله بن هشام يضحي بالشاة الواحدة عن جميع أهله رواه البخاري]. هذا هو السنة كما قال أبو أيوب. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأما مقدار سن الأضحية فقد روى مسلم عن جابر أن رسول الله ﷺ قال: (لا تذبحوا إلا مسنة، إلا أن تعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن)]. يعني لابد أن تكون الأضحية مسنة: إلا أن تعسر عليكم فلكم أن تذبحوا جذعة من الضأن، هذا الحديث قيده بالعسر، وجاء في الأحاديث الأخرى جواز ذبح الجذعة من الضأن ولو لم تعسر الأضحية، والمسنة من الإبل ما تم له خمس سنين، ومن البقر ما تم له سنتان، ومن المعز ما تم له سنة، هذا المسن، والإبل ما له خمس سنين يكون عن سبعة، والبقر ما تم له سنتان عن سبعة أيضاً، والمعز ما تم له سنة عن الواحد، وأما الضأن فيكفي الجذع، وهو ما له ستة أشهر، وأما قوله: (إلا أن تعسر) فقد جاء في أحاديث أخرى أنه يجوز الأضحية بالجذع من الضأن ولو لم تعسر المسن. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومن هاهنا ذهب الزهري إلى أن الجذع لا يجزئ، وقابله الأوزاعي فذهب إلى أن الجذع يجزئ من كل جنس وهما غريبان]. يعني: كون الجذع لا يجزئ من الضأن هذا غريب؛ لأن الأحاديث دلت على هذا، وكذلك كون الجذع يجزئ من كل صنف من الإبل ومن البقر ومن الغنم هذا ليس بصحيح. والصواب الذي دلت عليه الأحاديث أنه يجزئ الجذع من الضأن، وأما غير الضأن فلا يجزئ إلا مسن، والمسن من البقر ماله سنتان، ومن المعز ما له سنة، ومن الإبل ما له خمس سنين. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والذي عليه الجمهور إنما يجزئ الثني من الإبل والبقر والمعز أو الجذع من الضأن]. الثني هو المسن، والثني ما كان له سنة من المعز، ومن الإبل ما تم له خمس سنين، ومن البقر ما تم له سنتان، هذا الذي عليه جمهور العلماء وهو الذي دلت عليه الأحاديث، وهو الصواب. وأما مذهب الأوزاعي ومذهب الزهري فهما غريبان، كما قال المؤلف ﵀. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فأما الثني من الإبل فهو الذي له خمس سنين ودخل في السادسة، ومن البقر ما له سنتان ودخل في الثالثة، وقيل: ما له ثلاث ودخل في الرابعة، ومن المعز ما له سنتان]. الصواب أنه من البقر ما تم له سنتان ودخل في الثالثة، ومن المعز ما له سنة ودخل في الثانية هذا هو الصواب؛ لأن المعروف في الأحاديث ما تم له سنة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأما الجذع من الضأن فقيل: ما له سنة، وقيل: عشرة أشهر، وقيل: ثمانية، وقيل: ستة أشهر وهو أقل ما قيل في سنه]. الصواب ما له ستة أشهر. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وما دونه فهو حمل]. يعني: ما دون ستة أشهر يسمى حملاً، ولا يجزئ من الضأن. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والفرق بينهما أن الحمل شعر ظهره قائم، والجذع شعر ظهره نائم، قد انفرق صدغين، والله أعلم]. يعني: هذا الفرق الذي يعرف به الإنسان الجذع من الضأن، إن كان شعره قائماً، فهذا دليل على أنه حمل، وإن كان شعره نائماً، فهذا دليل على أنه تم له ستة أشهر.

стр. 815

تفسير سورة الحج [٣٨ - ٤٠] من حكمة الله سبحانه أنه لم يشرع الجهاد دفعة واحدة، ولكن على مراحل وأطوار بحسب حال المسلمين، فكلما صار للمسلمين قوة وشوكة كان القدر الذي أمروا به من الجهاد أكبر وهكذا.

стр. 816

تفسير قوله تعالى: (إن الله يدافع عن الذين آمنوا) قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾ [الحج:٣٨]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يخبر تعالى أنه يدفع عن عباده الذين توكلوا عليه وأنابوا إليه شر الأشرار وكيد الفجار، ويحفظهم ويكلؤهم وينصرهم، كما قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر:٣٦]. وقال: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق:٣]. وقوله: ((إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ)) أي: لا يحب من عباده من اتصف بهذا وهو الخيانة في العهود والمواثيق لا يفي بما قال، والكفر: الجحد للنعم فلا يعترف بها]. في هذا بيان فضل المؤمنين، وأنهم متوكلون على الله، فالله تعالى يدفع عنهم الشرور، ومن دفع الله عنه الشرور فهو السالم الموفق. وفيه إثبات المحبة لله كما يليق بجلاله وعظمته في هذه الآية الكريمة، وأن الله لا يحب الخائنين الذين يخونون في العهود والمواثيق، ولا يحب الكفار الذين ينكرون نعم الله ولا ينسبونها إليه، فدل هذا على أنه يحب الموفين بالعهود والمواثيق، ويحب المؤمنين الذين يعترفون بنعمه وينسبونها إليه، ويعظمون الله بقلوبهم، ويستعملون نعمه بجوارحهم. قوله: (كفور) هذا عام، فمن جحد نعم الله فالله يبغضه ولا يحبه، وأعظم الجحود جحود نعمة الإسلام؛ لأن من جحد نعمة الإسلام ولم يقبل شرع الله ودينه ولم يوحد الله فهذا أعظم الكفر وأعظم الجحود.

стр. 817

تفسير قوله تعالى: (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا إن الله لقوي عزيز) قال الله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج:٣٩ - ٤٠]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال العوفي: عن ابن عباس نزلت في محمد ﷺ وأصحابه ﵃ حين أخرجوا من مكة. وقال مجاهد والضحاك وغير واحد من السلف كـ ابن عباس وعروة بن الزبير وزيد بن أسلم ومقاتل بن حيان وقتادة وغيرهم: هذه أول آية نزلت في الجهاد، واستدل بهذه الآية بعضهم على أن السورة مدنية. وقال ابن جرير: حدثني يحيى بن داود الواسطي حدثنا إسحاق بن يوسف عن سفيان عن الأعمش عن مسلم هو البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: (لما أخرج النبي ﷺ من مكة قال أبو بكر ﵁: أخرجوا نبيهم إنا لله وإنا إليه راجعون ليهلكُن قال ابن عباس ﵄: فأنزل الله : ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج:٣٩]. قال أبو بكر ﵁: فعرفت أنه سيكون قتال). ورواه الإمام أحمد عن إسحاق بن يوسف الأزرق به. وزاد: قال ابن عباس ﵄: (وهي أول آية نزلت في القتال). ورواه الترمذي والنسائي في التفسير من سننيهما، وابن أبي حاتم من حديث إسحاق بن يوسف، زاد الترمذي: ووكيع كلاهما عن سفيان الثوري به، وقال الترمذي: حديث حسن، وقد رواه غير واحد عن الثوري، وليس فيه ابن عباس. وقوله: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج:٣٩] أي: هو قادر على نصر عباده المؤمنين من غير قتال، ولكن هو يريد من عباده أن يبذلوا جهدهم في طاعته، كما قال تعالى: ﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ * سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ * وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ [محمد:٤ - ٦]. وقال تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ * وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة:١٤ - ١٥]. وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [التوبة:١٦]. وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٢]. وقال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد:٣١]. والآيات في هذا كثيرة، ولهذا قال ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج:٣٩]: وقد فعل. وإنما شرع تعالى الجهاد في الوقت الأليق به؛ لأنهم لما كانوا بمكة كان المشركون أكثر عدداً، فلو أمر المسلمون وهم أقل من العشر بقتال الباقين لشق عليهم، ولهذا لما بايع أهل يثرب ليلة العقبة رسول الله ﷺ وكانوا نيفاً وثمانين قالوا: (يا رسول الله! ألا نميل على أهل الوادي -يعنون أهل منى ليالي منى- فنقتلهم؟ فقال رسول الله ﷺ : إني لم أؤمر بهذا) فلما بغى المشركون وأخرجوا النبي ﷺ من بين أظهرهم وهموا بقتله وشردوا أصحابه شذر مذر، فذهب منهم طائفة إلى الحبشة وآخرون إلى المدينة، فلما استقروا بالمدينة وافاهم رسول الله ﷺ واجتمعوا عليه وقاموا بنصره، وصارت لهم دار إسلام ومعقل يلجئون إليه؛ شرع الله جهاد الأعداء، فكانت هذه الآية أول ما نزل في ذلك، فقال تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [الحج:٣٩ - ٤٠] قال العوفي: عن ابن عباس: أخرجوا من مكة إلى المدينة بغير حق، يعني محمداً ﷺ وأصحابه، ﴿إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ [الحج:٤٠] أي: ما كان لهم إلى قومهم إساءة ولا كان لهم ذنب إلا أنهم وحدوا الله وعبدوه لا شريك له، وهذا استثناء منقطع بالنسبة إلى ما في نفس الأمر، وأما عند المشركين فإنه أكبر الذنوب، كما قال تعالى: ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ﴾ [الممتحنة:١]. وقال تعالى في قصة أصحاب الأخدود: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج:٨]. ولهذا لما كان المسلمون يرتجزون في بناء الخندق ويقولون: لاهم لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا فأنزلن سكينة علينا وثبت الأقدام إن لاقينا إن الألى قد بغوا علينا إذا أرادوا فتنة أبينا فيوافقهم رسول الله ﷺ ، ويقوم معهم آخر كل قافية، فإذا قالوا: إذا أرادوا فتنة أبينا يقول: أبينا يمد بها صوته. ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ [الحج:٤٠] أي: لولا أنه يدفع بقوم عن قوم، ويكف شرور أناس عن غيرهم بما يخلقه ويقدره من الأسباب لفسدت الأرض، ولأهلك القوي الضعيف، ﴿لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ﴾ [الحج:٤٠] وهي المعابد الصغار للرهبان، قاله ابن عباس ومجاهد وأبو العالية وعكرمة والضحاك وغيرهم. وقال قتادة: هي معابد الصابئين، وفي رواية عنه: صوامع المجوس، وقال مقاتل بن حيان: هي البيوت التي على الطرق، ﴿وَبِيَعٌ﴾ [الحج:٤٠] وهي أوسع منها وأكثر عابدين فيها وهي للنصارى أيضاً، قاله أبو العالية وقتادة والضحاك وابن صخر ومقاتل بن حيان وخصيف وغيرهم، وحكى ابن جبير عن مجاهد وغيره: أنها كنائس اليهود. وحكى السدي عمن حدثه عن ابن عباس: أنها كنائس اليهود، ومجاهد إنما قال: هي الكنائس، والله أعلم. وقوله: ﴿وَصَلَوَاتٌ﴾ [الحج:٤٠] قال العوفي: عن ابن عباس: الصلوات الكنائس، وكذا قال عكرمة والضحاك وقتادة: إنها كنائس اليهود وهم يسمونها صلوات. وحكى السدي عمن حدثه عن ابن عباس: أنها كنائس النصارى، وقال أبو العالية وغيره: الصلوات معابد الصابئين، وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: الصلوات مساجد لأهل الكتاب ولأهل الإسلام بالطرق، وأما المساجد فهي للمسلمين. وقوله: ﴿يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [الحج:٤٠] فقد قيل: الضمير في قوله: ((يُذْكَرُ فِيهَا)) عائد إلى المساجد؛ لأنها أقرب المذكورات، وقال الضحاك: الجميع يذكر فيها اسم الله كثيراً، وقال ابن جرير: الصواب لهدمت صوامع الرهبان وبيع النصارى وصلوات اليهود وهي كنائسهم، ومساجد المسلمين التي يذكر فيها اسم الله كثيراً؛ لأن هذا هو المستعمل المعروف في كلام العرب. وقال بعض العلماء: هذا ترق من الأقل إلى الأكثر، إلى أن انتهى إلى المساجد وهي أكثر عماراً وأكثر عباداً، وهم ذوو القصد الصحيح. وقوله: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ﴾ [الحج:٤٠] كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:٧ - ٨]. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج:٤٠] وصف نفسه بالقوة والعزة، فبقوته خلق ك

стр. 818

أطوار الإذن بالجهاد وأسبابه قوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج:٣٩] هذه أول الآيات التي نزلت في الجهاد، وذلك أن الجهاد له أطوار وأحوال، والمسلمون لهم أحوال، فلما كان المسلمون في مكة كانوا قلة، والنبي ﷺ معه العدد القليل، وكان الكفرة هم الذين لهم الغلبة وهم الأقوياء، والمسلمون كانوا مستضعفون ويؤذون، وكان النبي ﷺ منهياً عن القتال وعن الجهاد ولم يؤمر بالجهاد، بل كان مأموراً بالصفح عنهم والعفو عنهم، فقال له تعالى: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ﴾ [الزخرف:٨٩] وقال: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ﴾ [آل عمران:١٥٩] وقال: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام:١٠٦] فأمر ﵊ بالإعراض والصفح عن المشركين، لأن المسلمين كانوا قلة ولا يستطيعون مقابلة الكفرة؛ ولأنهم مستضعفون، والمسلمون كيف يقابلون المشركين وليس معهم عدد ولا عدة، فلو أمروا بالقتال لقضى عليهم المشركون ففي مكة أمر النبي ﷺ بالصفح عنهم والعفو والإعراض، فلما اشتد أذى قريش للنبي ﷺ وأصحابه أذن الله له بالهجرة إلى المدينة، وأصحابه شردوا وأوذوا فمنهم من هاجر إلى الحبشة، ومنهم من هاجر إلى المدينة، فحين اشتد أذى قريش وتآمروا على قتل النبي ﷺ أمره الله وأذن له بالهجرة، وأخرجه من بين أظهرهم، حتى إنهم أعدوا شباباً أمام بيته ينتظرون خروجه لقتله، فالله تعالى ألقى عليهم النوم، وخرج النبي ﷺ من بين أظهرهم، وذر على رءوسهم التراب، وخرج إلى الغار وجلس فيه ثلاثة أيام هو وصاحبه أبو بكر، وجاء الطلب، وجعلوا مائة ناقة لمن يأتي بمحمد ﷺ حياً أو ميتاً، وجاء الطلب حتى جاءوا إلى الغار ونظروا فوق الغار وعن اليمين وعن الشمال، ولكن الله أعماهم فلم يروه، فالله تعالى على كل شيء قدير، كما أن الجن يروننا ولا نراهم، فكذلك كان النبي ﷺ وصاحبه يريان المشركين وهم لا يرونهما، أعماهم الله، ولما قال أبو بكر ﵁: (يا رسول الله، لو نظر أحدهم إلى موضع قدميه لأبصرنا، فقال النبي ﷺ : يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما). فلما هاجر إلى المدينة ﵊ وتقوى، وكانت المدينة هي معقل الإسلام ومقراً للمسلمين، وتقوى المسلمون وكان لهم أتباع وأنصار، وأسلم كثير من الأنصار في الموسم بعد بيعة النبي ﷺ مرتين، وأذن الله تعالى لهم بالجهاد؛ لأنهم مظلومون، فالله تعالى أنزل هذه الآية: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج:٣٩] يعني: لما ظلمت قريش المسلمين، وأخرجوهم من ديارهم من مكة، وأخذوا أموالهم وآذوهم وشردوهم، أذن الله لهم بالجهاد، قال: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ [الحج:٣٩] فهذه أول آية نزلت في الجهاد، ثم بعد ذلك نزلت الآية الأخرى وأذن الله لهم بالقتال لكن قتال الدفع، يقاتل من قاتله ولا يبدؤهم بقتال، ولا يهجم عليهم بالقتال، فأنزل الله قوله : ﴿وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة:١٩١] يعني: قتال مدافعة. ﴿كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:١٩١] هذا الطور الثاني. الطور الأول: أنهم منهيون عن الجهاد في مكة، والطور الثاني بعد الهجرة أذن ورخص في جهاد الدفع. أما الطور الثالث: فقد أذن الله بقتال من قاتل والكف عمن لم يقاتل. ثم جاء الطور الرابع في الجهاد: وهو أن الله أمر بالقتال هجوماً ودفاعاً، فأنزل قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ [التوبة:٣٦]. وأنزل سبحانه: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ [التوبة:٥] فهذه أطوار وأحوال الجهاد. في هذه الآية يقول الله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج:٣٩] فهو قادر ، ولكنه شرع الجهاد ليبذل المسلمون جهدهم وقوتهم، وليظهر نصرهم لدين الله، ابتلاء وامتحاناً واختباراً، ليتبين الصادق من الكاذب، وليظهر ظهور عيان من يحب الله ورسوله بأن يبذل نفسه وماله في الجهاد في سبيل الله، كما بين الله في هذه الآيات التي سمعنا، قال سبحانه: ﴿وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ [محمد:٤]. وقال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد:٣١]. وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٢]. ففيها ابتلاء وامتحان واختبار من الله ؛ ليتبين الصادق من الكاذب، وليتخذ الله شهداء من المؤمنين، وليعظم الله لهم الأجور، ولهذا قال سبحانه: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج:٣٩] أي: قادر أن ينصرهم في لحظة واحدة بكلمة كن، ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢] لكنه شرع الجهاد لحكم وأسرار، كما بين الله في الآية الأخرى: ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ﴾ [النساء:١٠٤]. وبين في آية أخرى شيئاً من الحكم فقال: ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٠ - ١٤١] تمحيص للمؤمنين ومحق للكافرين، واتخاذ الشهداء من المؤمنين، وغير ذلك من الحكم التي ذكرها . وقال تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ * هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ * وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٠ - ١٤١] كل هذه من الحكم والأسرار، وإلا فالله قادر على نصرهم، ولهذا قال: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج:٣٩] وبين المسوغ للجهاد، قال: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ [الحج:٤٠] أي: ليس لهم ذنب إلا أنهم وحدوا الله وأفردوه بالعبادة، هذا ليس بذنب وإن كان عند المشركين أكبر ذنب، كما قال سبحانه في أصحاب الأخدود: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [البروج:٨ - ٩]. ثم بين سبحانه أنه لولا أن الله يدفع بعض الناس ببعض يدفع هؤلاء بهؤلاء، وينصر عباده بما يخلق من الأسباب؛ لهدمت هذه المعابد المتعبدة والصوامع وهي مكان العبادة للرهبان، والبيع للنصارى، والصلوات لليهود، والمساجد للمسلمين، قال تعالى: ﴿لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج:٤٠]. وسيأتي في الآيات التي بعدها بيان أسباب النصر.

стр. 819

الأسئلة

стр. 820

حقيقة حزب الله السؤال يقول بعض الناس: إن الذي سيحرر فلسطين هم حزب الله، كيف نرد عليهم؛ حتى لا يعجبون بهم ويوالونهم، مع إيضاح التعامل مع هذا الحزب الرافضي؟ الجواب لا شك أن حزب الله هم المفلحون وهم المجاهدون، أما من تسمى بأنه حزب الله وهم من الكفرة فليسوا حزباً لله فهو حزب الشيطان، إذا كان من الكفرة ومن الذين عندهم نفاق وزندقة وتكفير للصحابة وبغضاً لهم فهؤلاء وإن سموا أنفسهم حزب الله فهم حزب الشيطان، ليست العبرة بالأسماء العبرة بالحقائق، لكن حزب الله هم المؤمنون المتقون، كما بين سبحانه في سورة المجادلة: ﴿أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة:٢٢]. إذاً: فالعبرة بالحقائق، فمن سمى نفسه حزب الله وهو من أنصار الشيطان فهو من حزب الشيطان، وحزب الله هم المؤمنون الموحدون الذين وحدوا الله، وأخلصوا له العبادة، ونصروا الله وجاهدوا في سبيله.

стр. 821

حكم إثبات صفة الملك لله السؤال ذكرتم حفظكم الله في درس سابق أن أهل السنة يثبتون صفة الملل لله سبحانه على ما يليق بجلاله، ولكن عند النظر إلى هذه الصفة نجد أنها صفة نقص ولا تأتي صفة كمال على أي وجه؛ فكيف يمكن إثباتها لله سبحانه؟ وهل من أئمة السلف من أول هذه الصفة؟ الجواب هذا لأنك لم تفهم منها إلا ما فهمت من المخلوق، الملل عند المخلوق نقص، ولكن بالنسبة للخالق صفة كمال، كما يليق بجلاله لا يكيف، وما ذكرته من التكييف؛ لأنه وقع في نفسك التكييف فظننت أن الملل للخالق مثل الملل للمخلوق، ثم إن هذه من باب المقابلة، كما قال الحافظ ابن كثير وغيره، مثل قوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى:٤٠] الله تعالى قابل بذلك. ومن أثر هذه الصفة أن الله لا يمل، يعني: أن الله لا يقطع الثواب عن العبد حتى يقطع العبد العمل، فالمقصود أن قول السائل على أي وجه أنها صفة نقص؛ لأنه فهم منها ما يفهمه من المخلوق، فوقع في نفسه التشبيه، فلما وقع في نفسه التشبيه استشكل ذلك، لكن لو نفى هذا من نفسه لعلم أن الله لا يماثل المخلوقين في شيء من صفاته، فهذه صفة الحياة اتصف بها الخالق واتصف بها المخلوق، فحياة الخالق سابقة لا يسبقها عدم ولا يعتريها نوم ولا ضعف ولا فساد، والمخلوق يوصف بالحياة وهي حياة ناقصة يسبقها العدم ويعتريها الضعف والموت والنسيان، وكذلك الملل: ملل المخلوق ناقص وضعيف، وملل الخالق كمال ليس فيه نقص ولا ضعف.

стр. 822

حكم الاستمناء باليد لغرض التحليل الطبي السؤال هل يجوز للرجل المتزوج الاستمناء باليد من أجل التحليل في المختبر، مع العلم أني كاره لذلك؟ الجواب ليس هذا للإنسان، هذا منهي عنه، إذا كان مضطراً فهذا شيء آخر، تحتاج المسألة إلى تأمل، وعلى السائل أن يرجع إلى فتاوى اللجنة الدائمة في هذا؛ لأن المسألة مسألة عامة فلا بد أن يأخذ فيها فتوى.

стр. 823

حكم استئذان الوالدين في الذهاب إلى الجهاد في هذا العصر السؤال هل يشترط إذن الوالدين في الذهاب إلى الجهاد في هذا الزمن؟ الجواب، نعم، لابد من إذنهما؛ لأنه ثبت (أن النبي ﷺ جاءه رجل يستأذنه في الجهاد فقال له: أحي والداك؟ قال: نعم. قال: ففيهما فجاهد). وثبت في الحديث الصحيح: (أن النبي ﷺ سئل أي العمل أفضل؟ قال: الصلاة على وقتها، قيل: ثم أي؟ قال: بر الوالدين، قيل: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله) فبر الوالدين واجب والجهاد مستحب، إلا في حالات يكون واجباً.

стр. 824

حكم دخول مكة بدون إحرام لغرض معين السؤال ما حكم دخول مكة بدون إحرام علماً بأن له غرضاً يسيراً في مكة؟ الجواب هذه مسألة فيها خلاف بين أهل العلم، فبعض أهل العلم كالحنابلة وغيرهم يرون أن كل داخل إلى مكة يجب عليه أن يحرم، وقالوا: هذا من خصائص مكة. القول الثاني: إنه لا يجب إلا على من قصد الحج والعمرة، وهذا هو الصواب؛ لقول النبي ﷺ في حديث ابن عباس لما وقت المواقيت: (هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن، ممن أراد الحج والعمرة). فمن أراد الحج أو العمرة فلا يجوز له أن يتجاوز الميقات إلا بإحرام، ومن دخل مكة لزيارة أو للتجارة أو لطلب العلم وهو لا يريد الحج ولا يريد العمرة جاز له الدخول بغير إحرام، هذا هو الصواب.

стр. 825

درجة حديث: (أصبحوا بالصبح فإنه أعظم لأجوركم) السؤال ما معنى حديث: (أصبحوا بالصبح؛ فإنه أعظم لأجوركم)؟ الجواب هذا حديث فيه ضعف، ولكن لو صح فهو محمول على التبين للفجر، ولا ينافي حديث التغليس، فحديث التغليس: (أن النبي ﷺ كان يصليها بغلس) أصح، وأما حديث: (أصبحوا بالصبح فإنه أعظم لأجوركم) ففيه ضعف، ولو صح فهو محمول على تبين الفجر، وفق الله الجميع لطاعته.

стр. 826

تفسير سورة الحج [٤١ - ٥١] وعد الله المؤمنين في الدنيا بالنصر والعزة والتمكين والغلبة والأمن إن هم عبدوه وحكموا فيهم كتابه ولم يشركوا به شيئاً. وإذا عبد الناس غير الله وحكموا غير شريعة الله حل بهم ما حل بالأمم من قبلهم من العذاب والنكال، هذا في الدنيا، أما في الآخرة فلهم عذاب مهين في نار جهنم.

стр. 827

تفسير قوله تعالى: (الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة) قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [الحج:٤١]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا أبو الربيع الزهراني حدثنا حماد بن زيد عن أيوب وهشام عن محمد قال: قال عثمان بن عفان: (فينا نزلت: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج:٤١] فأخرجنا من ديارنا بغير حق إلا أن قلنا: ربنا الله، ثم مكنا في الأرض فأقمنا الصلاة وآتينا الزكاة وأمرنا بالمعروف ونهينا عن المنكر. ﴿وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [الحج:٤١] فهي لي ولأصحابي). وقال أبو العالية: هم أصحاب محمد ﷺ . وقال الصباح بن سوادة الكندي: سمعت عمر بن عبد العزيز يخطب وهو يقول: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ﴾ [الحج:٤١] الآية ثم قال: ألا إنها ليست على الوالي وحده، ولكنها على الوالي والمولى عليه، ألا أنبئكم بما لكم على الوالي من ذلكم وبما للوالي عليكم منه؟ إن لكم على الوالي من ذلكم أن يأخذكم بحقوق الله عليكم، وأن يأخذ لبعضكم من بعض، وأن يهديكم للتي هي أقوم ما استطاع، وإن عليكم من ذلك الطاعة غير المبزوزة ولا المستكره بها ولا المخالف سرها علانيتها. وقال عطية العوفي: هذه الآية كقول الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ﴾ [النور:٥٥]. وقوله: ﴿وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [الحج:٤١] كقوله تعالى: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف:١٢٨]. وقال زيد بن أسلم: ﴿وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [الحج:٤١] وعند الله ثواب ما صنعوا]. وهذه الآية فيها بيان أسباب التمكين في الأرض، وهي إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج:٤١] فمن أقام الصلاة وآتى الزكاة وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر فإن الله يمكنه في الأرض، والمعروف هو كل ما عرف حسنه شرعاً وعقلاً، والمنكر هو كل ما أنكره الشرع والعقل. إذاً: الذي يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة، ويأمر بالمعروف: يأمر ببر الوالدين بصلة الأرحام بالجهاد في سبيل الله والإحسان إلى الفقراء والأيتام، والنهي عن المنكر: النهي عن الشرك، والنهي عن الاعتداء على الناس في الدماء وفي الأموال وفي الأعراض، والنهي عن عقوق الوالدين وعن قطيعة الرحم، فمن أقام الصلاة وآتى الزكاة وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر فإن الله يمكنه في الأرض، ولهذا قال: ﴿وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [الحج:٤١].

стр. 828

تفسير قوله تعالى: (وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وثمود) قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ * وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ * وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ * فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ * أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٢ - ٤٦]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يقول تعالى مسلياً لنبيه محمد ﷺ في تكذيب من خالفه من قومه: ((وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ)) إلى أن قال: ﴿وَكُذِّبَ مُوسَى﴾ أي: مع ما جاء به من الآيات البينات والدلائل الواضحات، ((فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ)) أي: أنظرتهم وأخرتهم، ((ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ)) أي: فكيف كان إنكاري عليهم ومعاقبتي لهم؟! وذكر بعض السلف: أنه كان بين قول فرعون لقومه: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤] وبين إهلاك الله له أربعون سنة، وفي الصحيحين عن أبي موسى عن رسول الله ﷺ أنه قال: (إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود:١٠٢]). ثم قال تعالى: ((فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا)) أي: كم من قرية أهلكتها ((وَهِيَ ظَالِمَةٌ)) أي: مكذبة لرسولها، ((فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا)). قال الضحاك: سقوفها، أي: قد خربت منازلها وتعطلت حواضرها]. حواضر جمع حاضرة. قال المؤلف ﵀: [((وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ)) أي: لا يستقى منها ولا يردها أحد بعد كثرة وارديها والازدحام عليها، ((وَقَصْرٍ مَشِيدٍ)) قال عكرمة: يعني المبيض بالجص، وروي عن علي بن أبي طالب ومجاهد وعطاء وسعيد بن جبير وأبي المليح والضحاك نحو ذلك، وقال آخرون: هو المنيف المرتفع، وقال آخرون: الشديد المنيع الحصين، وكل هذه الأقوال متقاربة، ولا منافاة بينها؛ فإنه لم يحم أهله شدة بنائه ولا ارتفاعه ولا إحكامه ولا حصانته عن حلول بأس الله بهم، كما قال تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء:٧٨]]. هذه الآيات كما ذكر المؤلف ﵀ فيها تسلية للنبي ﷺ لما كذبه قومه وآذوه، فالله تعالى يسلي نبيه ويقص عليه أخبار الأمم الماضية مع أنبيائهم وما أصابهم، يقص عليه نبأ نوح ﵊ وما جرى له مع قومه، حيث صبر صبراً عظيماً، ولبث في قومه ألفاً سنة إلا خمسين عاماً وهم يؤذونه، وكذلك أيضاً صبر هود وصالح وشعيب وإبراهيم ولوط وموسى وعيسى وغيرهم، ولهذا قال سبحانه: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ * وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ﴾ [الحج:٤٢ - ٤٣]. وعاد هم قوم هود، وثمود هم قوم صالح، وفرعون كذب موسى ﵊ وادعى الربوبية، فالله تعالى أمهلهم وأملى لهم ثم أخذهم، فلا يغتر الإنسان بالإملاء فقد أمهلهم ثم عاقبهم، ولهذا قال: ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ [الحج:٤٤] أي: فكيف كان إنكاري عليهم وعقوبتي إياهم؟! فالله تعالى يملي للظالم ولا يهمل، يملي له ثم يأخذه: (إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته)، ولهذا قال سبحانه: ﴿وَكُذِّبَ مُوسَى﴾ [الحج:٤٤] مع ما جاء به من البينات العظيمة. ثم بين أنه أهلك الأمم الماضية، فقال: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ [الحج:٤٥]. فقوله: ((فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ)) يعني: كثير من القرى. ((أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ)) يعني: بسبب تكذيبها لنبيها. يعني: أهلكهم الله وأزال ما هم فيه من النعيم والقصر المشيد المحكم أو المرتفع أو المطلي بالجص، فلم يغن عنهم ولم يدفع عنهم، وكذلك عطلت آبارهم بعد أن كان عليها الورد، فهذا فيه تحذير لهذه الأمة أن تسلك مسلك أولئك فيصيبها ما أصابهم، ولهذا قال: ((فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ)) أي: بعد أن كانوا أعداداً كثيرة وآبارهم لها ورد وقصورهم محكمة زالت هذه الأشياء، فصارت البئر معطلة والقصر خاوياً والبلدة خاوية على عروشها. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ((أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ)) أي: بأبدانهم وبفكرهم أيضاً، وذلك كاف كما قال ابن أبي الدنيا في كتاب (التفكر والاعتبار): حدثنا هارون بن عبد الله حدثنا سيار حدثنا جعفر حدثنا مالك بن دينار قال: أوحى الله تعالى إلى موسى ﵇: أن يا موسى اتخذ نعلين من حديد وعصا، ثم سح في الأرض واطلب الآثار والعبر حتى تتخرق النعلان وتكسر العصا. وقال ابن أبي الدنيا: قال بعض الحكماء: أحيي قلبك بالمواعظ، ونوره بالفكر، وموته بالزهد، وقوه باليقين وذلله بالموت وقدره بالفناء، وبصره فجائع الدنيا، وحذره صولة الدهر وفحش تقلب الأيام، واعرض عليه أخبار الماضين، وذكره ما أصاب من كان قبله، وسر في ديارهم وآثارهم، وانظر ما فعلوا وأين حلوا وعم انقلبوا، أي: فانظر ما حل بالأمم المكذبة من النقم والنكال، فتكون ﴿فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ [الحج:٤٦] أي: فيعتبرون بها ((فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ)). أي: ليس العمى عمى البصر، وإنما العمى عمى البصيرة، وإن كانت القوة الباصرة سليمة، فإنها لا تنفذ إلى العبر ولا تدري ما الخبر، وما أحسن ما قاله بعض الشعراء في هذا المعنى وهو أبو محمد عبد الله بن محمد بن حيان الأندلسي الشنتريني وقد كان وفاته سنة سبع عشرة وخمسمائة: يا من يصيخ إلى داعي الشقاء وقد نادى به الناعيان الشيب والكبر إن كنت لا تسمع الذكرى ففيم ترى في رأسك الواعيان السمع والبصر ليس الأصم ولا الأعمى سوى رجل لم يهده الهاديان العين والأثر لا الدهر يبقى ولا الدنيا ولا الفلك الأعلى ولا النيِّران الشمس والقمر ليرحلن عن الدنيا وإن كرها فراقها الثاويان البدو والحضر]. وأبلغ من هذا قول الله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧]. وقال سبحانه: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِينْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء:٣٤]. وقال سبحانه: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر:٣٠ - ٣١].

стр. 829

تفسير قوله تعالى: (ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده) قال الله تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ * وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [الحج:٤٧ - ٤٨]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يقول تعالى لنبيه ﷺ : ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾ [الحج:٤٧] أي: هؤلاء الكفار الملحدون المكذبون بالله وكتابه ورسوله واليوم والآخر كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال:٣٢]. ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾ [ص:١٦]. وقوله: ﴿وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ [الحج:٤٧] أي: الذي قد وعد من إقامة الساعة، والانتقام من أعدائه، والإكرام لأوليائه. قال الأصمعي: كنت عند أبي عمرو بن العلاء فجاء عمرو بن عبيد فقال: يا أبا عمرو وهل يخلف الله الميعاد؟ قال: لا، فذكر آية وعيد، فقال له: أمن العجم أنت؟ إن العرب تعد الرجوع عن الوعد لؤماً وعن الإيعاد كرماً، أو ما سمعت قول الشاعر: لا يرهب ابن العم مني سطوتي ولا أنثني عن سطوة المتهدد فإني وإن أوعدته أو وعدته لمخلف إيعادي ومنجز موعدي]. كان عمرو بن عبيد رئيس المعتزلة هو وواصل بن عطاء، فجاء إلى أبي عمرو وقال له: هل يخلف الله وعيده؟ لأن المعتزلة يعتقدون أنه يجب على الله أن ينفذ وعيده في العصاة، وألا يغفر لهم ويرحمهم، بل يخلدهم في النار، فقال عمرو بن عبيد: هل يخلف الله وعيده؟ فبين له أبو عمرو وقال: إن هناك فرقاً بين إخلاف الوعد وبين إخلاف الوعيد، فالعرب تعد إخلاف الوعد لؤماً، وإخلاف الوعيد كرماً، فإذا هددت إنساناً وتوعدته ثم أخلفت وعيدك فهذا كرم منك، أما إذا وعدت إنساناً ثم أخلفت وعدك فهذا لؤم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج:٤٧] أي: هو تعالى لا يعجل، فإن مقدار ألف سنة عند خلقه كيوم واحد عنده بالنسبة إلى حكمه، لعلمه بأنه على الانتقام قادر، وأنه لا يفوته شيء، وإن أجل وأنظر وأملى، ولهذا قال بعد هذا: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [الحج:٤٨]. قال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن عرفة حدثني عبدة بن سليمان عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم خمسمائة عام). ورواه الترمذي والنسائي من حديث الثوري عن محمد بن عمرو به، وقال الترمذي: حسن صحيح. وقد رواه ابن جرير عن أبي هريرة موقوفاً فقال: حدثني يعقوب حدثنا ابن علية حدثنا سعيد بن الجريري عن أبي نضرة عن سمير بن نهار قال: قال أبو هريرة: (يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل الأغنياء بمقدار نصف يوم، قلت: وما مقدار نصف يوم؟ قال: أو ما تقرأ القرآن؟ قلت: بلى، قال: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج:٤٧]). وقال أبو داود في آخر كتاب الملاحم من سننه: حدثنا عمرو بن عثمان حدثنا أبو المغيرة حدثنا صفوان عن شريح بن عبيد عن سعد بن أبي وقاص عن النبي ﷺ أنه قال: (إني لأرجو ألا تعجز أمتي عند ربها أن يؤخرهم نصف يوم. قيل لـ سعد وما نصف يوم؟ قال: خمسمائة سنة). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن إسرائيل عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج:٤٧] قال: من الأيام التي خلق الله فيها السماوات والأرض. رواه ابن جرير عن ابن بشار عن ابن مهدي، وبه قال مجاهد وعكرمة، ونص عليه أحمد بن حنبل في كتاب (الرد على الجهمية). وقال مجاهد: هذه الآية كقوله: ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة:٥]. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا عارم محمد بن الفضل حدثنا حماد بن زيد عن يحيى بن عتيق عن محمد بن سيرين عن رجل من أهل الكتاب أسلم قال: إن الله تعالى خلق السماوات والأرض في ستة أيام، ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج:٤٧] وجعل أجل الدنيا ستة أيام، وجعل الساعة في اليوم السابع، ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج:٤٧] فقد مضت الستة الأيام وأنتم في اليوم السابع، فمثل ذلك كمثل الحامل إذا دخلت شهرها في أية لحظة ولدت كان تماماً]. هذا الأثر فيه رجل من أهل الكتاب مجهول، لكنه أسلم. وعلى كل حال فالله أعلم كم مدة الدنيا، ولكن هناك أشراط للساعة، فإذا انتهت أشراط الساعة تكون الساعة بعدها، ولا يعلم في أي وقت، أما هذا التفسير أن عمر الدنيا على هذا الحديث سبعة آلاف سنة، وقد مضت ستة آلاف وبقي ألف فهذا المتن فيه نكارة، ثم أيضاً فيه رجل من أهل الكتاب مجهول، فلو ثبت أنه من الصحابة فالصحابة كلهم عدول، لكن ما ذكر أنه من الصحابة، وإنما ذكر أنه أسلم. ثم إنه قال: (إن الله تعالى خلق السماء). يعني: ما نسبه إلى النبي ﷺ ، فهذا فيه هذا الرجل المجهول، والمتن فيه نكارة.

стр. 830

تفسير قوله تعالى: (قل يا أيها الناس إنما أنا لكم نذير مبين) قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ * فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ * وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [الحج:٤٩ - ٥١]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يقول تعالى لنبيه ﷺ حين طلب منه الكفار وقوع العذاب واستجعلوه به: ((قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ)) أي: إنما أرسلني الله إليكم نذيراً لكم بين يدي عذاب شديد، وليس إلي من حسابكم من شيء، أمركم إلى الله إن شاء عجل لكم العذاب، وإن شاء أخره عنكم، وإن شاء تاب على من يتوب إليه، وإن شاء أضل من كتب عليه الشقاوة، وهو الفعال لما يشاء ويريد ويختار، ﴿لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [الرعد:٤١]، ﴿إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ * فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ أي: آمنت قلوبهم وصدقوا إيمانهم بأعمالهم، ((لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ)) أي: مغفرة لما سلف من سيئاتهم، ومجازاة حسنة على القليل من حسناتهم. قال محمد بن كعب القرظي: إذا سمعت الله يقول: ((وَرِزْقٌ كَرِيمٌ)) فهو الجنة. وقوله: ((وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ)) قال مجاهد: يثبطون الناس عن متابعة النبي ﷺ ، وكذا قال عبد الله بن الزبير: مثبطين، وقال ابن عباس: ((معاجزين)) مراغمين. ((أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ)) أي: وهي النار الحارة الموجعة الشديد عذابها ونكالها، أجارنا الله منها، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ العَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ﴾ [النحل:٨٨]]. يعني: أن الله تعالى يقرن بين الترغيب والترهيب، إذا ذكر المؤمنين ذكر بعدهم الكفار، وإذا ذكر الكفار ذكر بعدهم المؤمنين، وإذا ذكر جزاء المؤمنين ذكر بعده جزاء الكافرين، وإذا ذكر أوصاف المؤمنين ذكر بعده أوصاف الكافرين؛ ليكون المؤمن بين الخوف والرجاء، وليعبد الإنسان ربه بالخوف والرجاء، ويكون بين الترغيب والترهيب، كما قال سبحانه: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ﴾ [الحجر:٤٩ - ٥٠]. وقال سبحانه: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأعراف:١٦٧]. وفي هذه الآية: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الحج:٥٠] وهو الجنة. ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [الحج:٥١] هذا ترغيب في المؤمنين وصفاتهم وأعمالهم وثوابهم، وترهيب من الكفار وصفاتهم وأعمالهم.

стр. 831

تفسير سورة الحج [٥٢ - ٦٢] النبي ﷺ معصوم من الخطأ والسهو والنسيان في تبليغه ما أنزل الله من ربه، فقصة الغرانيق بعيدة وضعيفة سنداً ومتناً، والكفار لا يزالون يشكون ويشككون فيما أنزل الله حتى يروا الساعة بغتة فيؤمنوا يوم لا ينفع نفس إيمانها، وقد أعد الله لهم بسبب شكهم وجحودهم عذاباً مهيناً، كما أعد للمؤمنين نعيماً مقيماً في جنات نعيم.

стр. 832

تفسير قوله تعالى: (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته) قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ * وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الحج:٥٢ - ٥٤]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قد ذكر كثير من المفسرين هاهنا قصة الغرانيق، وما كان من رجوع كثير من المهاجرة إلى أرض الحبشة ظناً منهم أن مشركي قريش قد أسلموا، ولكنها من طرق كلها مرسلة، ولم أرها مسندة من وجه صحيح، والله أعلم]. نعم قصة الغرانيق هذه مشهورة، وملخصها: أن النبي ﷺ كان يقرأ قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى﴾ [النجم:١٩ - ٢٠]، وهذه هي الأصنام الثلاثة المشهورة عند العرب، فاللات: صنم لأهل الطائف، والعزى: شجرة يعبدها قريش، ومناة: بالمشلل لأهل المدينة، فألقى الشيطان على لسان النبي ﷺ : تلك الغرانيق العلى، وإن شافعتهن لترتجى، فلما قضى النبي ﷺ السورة سورة النجم سجد، وسجد معه المسلمون والمشركون، وشاع أن قريشاً أسلمت، فجاء المهاجرون من الحبشة ظناً منهم أن أهل مكة أسلموا، ثم بعد ذلك أحكم الله آياته، ونسخ ما ألقاه الشيطان، فعاد المشركون إلى أشد ما كانوا عليه من الإيذاء، ولكن سندها ضعيف، وطرقها كلها مرسلة. ولكن ذكر الحافظ ابن حجر في فتح الباري: أن مجموع الروايات قد يشد بعضها بعضاً، والشيخ الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب ﵀ ذكر هذه القصة، وأخذ العبرة منها، وإن كان لا يلزمه إثباتها، فذكر هذه القصة، وقال: إن النبي ﷺ خاف من الله خوفاً عظيماً، لما ألقى الشيطان على لسانه في أمنيته، فإذا كان النبي ﷺ وهو بهذه المثابة فكيف بغيره؟! قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن حبيب حدثنا أبو داود حدثنا شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير قال: (قرأ رسول الله ﷺ بمكة النجم، فلما بلغ هذا الموضع: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى﴾ [النجم:١٩ - ٢٠]، قال: فألقى الشيطان على لسانه: تلك الغرانيق العلى. وإن شفاعتهن ترتجى)]. في لفظ: لترتجى. قال: [(قالوا: ما ذكر آلهتنا بخير قبل اليوم، فسجد وسجدوا، فأنزل الله هذه الآية: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحج:٥٢])]. فقوله: ((إِلَّا إِذَا تَمَنَّى)) أي: إذا تلا، ﴿أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج:٥٢] أي: في تلاوته. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ورواه ابن جرير عن بندار عن غندر عن شعبة به بنحوه، وهو مرسل، وقد رواه البزار في مسنده، عن يوسف بن حماد عن أمية بن خالد عن شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ فيما أحسب، الشك في الحديث: (أن النبي ﷺ قرأ بمكة سورة النجم، حتى انتهى إلى ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ [النجم:١٩])]. وذكر بقيته، ثم قال البزار: لا يروى متصلاً إلا بهذا الإسناد، تفرد بوصله أمية بن خالد، وهو ثقة مشهور. وإنما يروى هذا من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس]. ورواية الكلبي عن أبي صالح ضعيفة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم رواه ابن أبي حاتم عن أبي العالية عن السدي مرسلاً، وكذا رواه ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي ومحمد بن قيس مرسلاً أيضاً، وقال قتادة: (كان النبي ﷺ يصلي عند المقام إذ نعس فألقى الشيطان على لسانه وإن شفاعتها لترتجى. وإنها لمع الغرانيق العلى، فحفظها المشركون) وأجرى الشيطان أن النبي ﷺ قد قرأها]، يعني: أجرى على أسماعهم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فزلت بها ألسنتهم، فأنزل الله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى﴾ [الحج:٥٢]، الآية. فدحر الله الشيطان. ثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا موسى بن أبي موسى الكوفي حدثنا محمد بن إسحاق المسيبي حدثنا محمد بن فليح عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب قال: (أنزلت سورة النجم، وكان المشركون يقولون: لو كان هذا الرجل يذكر آلهتنا بخير أقررناه وأصحابه، ولكنه لا يذكر من خالف دينه من اليهود والنصارى بمثل الذي يذكر آلهتنا من الشتم والشر، وكان رسول الله ﷺ قد اشتد عليه ما ناله وأصحابه من أذاهم وتكذيبهم، وأحزنه ضلالهم، فكان يتمنى هداهم، فلما أنزل الله سورة النجم قال: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى * أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنثَى﴾ [النجم:١٩ - ٢١]، ألقى الشيطان عندها كلمات حين ذكر الله الطواغيت، فقال: وإنهن لهن الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لهي التي ترتجى، وكان ذلك من سجع الشيطان وفتنته، فوقعت هاتان الكلمتان في قلب كل مشرك بمكة، وذلت بها ألسنتهم، وتباشروا بها، وقالوا: إن محمداً قد رجع إلى دينه الأول، ودين قومه. فلما بلغ رسول الله ﷺ آخر النجم، سجد وسجد كل من حضره من مسلم أو مشرك، غير أن الوليد بن المغيرة كان رجلاً كبيراً، فرفع ملء كفه تراباً فسجد عليه) فعجب الفريقان كلاهما من جماعتهم في السجود لسجود رسول الله ﷺ ، فأما المسلمون فعجبوا لسجود المشركين معهم على غير إيمان ولا يقين، ولم يكن المسلمون سمعوا الذي ألقى الشيطان في مسامع المشركين، فاطمأنت أنفسهم لما ألقى الشيطان في أمنية رسول الله ﷺ ، وحدثهم به الشيطان أن رسول الله ﷺ قد قرأها في السورة، فسجدوا لتعظيم آلهتهم. ففشت تلك الكلمة في الناس، وأظهرها الشيطان، حتى بلغت أرض الحبشة، ومن بها من المسلمين عثمان بن مظعون وأصحابه، وتحدثوا أن أهل مكة قد أسلموا كلهم، وصلوا مع رسول الله ﷺ ، وبلغهم سجود الوليد بن المغيرة على التراب على كفه، وحدثوا أن المسلمين قد أمنوا بمكة، فأقبلوا سراعاً، وقد نسخ الله ما ألقى الشيطان، وأحكم الله آياته، وحفظه من الفرية، وقال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ [الحج:٥٢ - ٥٣]. فلما بين الله قضاءه وبرأه من سجع الشيطان، انقلب المشركون بضلالتهم وعداوتهم المسلمين، واشتدوا عليهم. وهذا أيضًا مرسل. وفي تفسير ابن جرير عن الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام نحوه، وقد رواه الحافظ أبو بكر البيهقي في كتابه (دلائل النبوة) فلم يجز به موسى بن عقبة]. يعني: لم يتجاوز موسى بن عقبة. المقصود أن قصة الغرانيق، كلها أسانيدها مرسلة، يعني: ليس فيها حديث مرفوع إلى النبي ﷺ أو موقوف عن الصحابة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وساقه من مغازيه بنحوه قال: وقد روينا عن أبي إسحاق هذه القصة. قلت: وقد ذكرها محمد بن إسحاق في السيرة بنحو من هذا، وكلها مرسلات ومنقطعات، والله أعلم. وقد ساقها البغوي في تفسيره مجموعة من كلام ابن عباس ومحمد بن كعب القرظي وغيرهما بنحو من ذلك، ثم سأل هاهنا سؤالاً: كيف وقع مثل هذا مع العصمة المضمونة من الله تعالى لرسوله صلاة الله وسلامه عليه؟ ثم حكى أجوبة عن الناس، من ألطفها: أن الشيطان أوقع في مسامع المشركين ذلك، فتوهموا أنه صدر عن رسول الله ﷺ ، وليس كذلك في نفس الأمر، بل إنما كان من صنيع الشيطان لا عن رسول الرحمن ﷺ ، والله أعلم. وهكذا تنوعت أجوبة المتكلمين عن هذا بتقدير صحته. وقد تعرض القاضي عياض ﵀ في كتاب (الشفاء) لهذا

стр. 833

كلام القاضي عياض في قصة الغرانيق وقد أورد المحقق كلام القاضي عياض مختصراً. قال ﵀: فاعلم أكمرك الله أن لنا في الكلام على مشكل هذا الحديث مأخذين: أحدهما: في توهين أصله. والثاني: على تسليمه. أما المأخذ الأول: فيكفيك أن هذا حديث لم يخرجه أحد من أصل الصحة ولا رواة ثقة بسند سليم متصل وإنما أولع به وبمثله المفسرون والمؤرخون المولعون بكل غريب المتلقفون من الصحف كل صحيح وسقيم. وصدق القاضي بكر بن العلاء المالكي حيث قال: لقد بلي الناس ببعض أهل الأهواء والتفسير، وتعلق بذلك الملحدون مع ضعف نقلته، واضطراب رواياته، وانقطاع إسناده، واختلاف كلماته، فقائل يقول: إنه في الصلاة، وآخر يقول: قالها في نادي قومه حين أنزلت عليه السورة، وآخر يقول: قالها وقد أصابته سنة، وآخر يقول: بل حدث نفسه فسها، وآخر يقول: إن الشيطان قالها على لسانه، وإن النبي ﷺ لما عرضها على جبريل قال: ما هكذا أقرأتك، وآخر يقول: بل أعلمهم الشيطان أن النبي ﷺ قرأها، فلما بلغ النبي ﷺ ذلك قال: (والله ما هكذا أنزلت). إلى غير ذلك من اختلاف الرواة. ومن حكيت هذه الحكاية عنه من المفسرين والتابعين لم يسندها أحد منهم، ولا رفعها إلى صاحب، وأكثر الطرق عنهم فيها ضعيفة واهية. والمرفوع فيه حديث شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال -فيما أحسب الشك في الحديث: (أن النبي ﷺ كان بمكة) وذكر القصة. قال أبو بكر البزار: هذا لا نعلمه يروى عن النبي ﷺ بإسناد متصل يجوز ذكره إلا هذا، ولم يسنده عن شعبة إلا أمية بن خالد، وغيره يرسله عن سعيد بن جبير، وإنما يعرف عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس. فقد بين لك أبو بكر ﵀ أنه لا يعرفه من طريق يجوز ذكره سوى هذا، وفيه من الضعف ما نبه عليه، مع وقوع الشك فيه -كما ذكرناه- الذي لا يوثق به، ولا حقيقة معه. أما حديث الكلبي فمما لا تجوز الرواية عنه ولا ذكره؛ لقوة ضعفه وكذبه، كما أشار إليه البزار ﵀. والذي منه في الصحيح: (أن النبي ﷺ قرأ: ﴿وَالنَّجْمِ﴾ [النجم:١]، وهو بمكة، فسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس). هذا توهينه من طريق النقل. أما من جهة المعنى، فقد قامت الحجة وأجمعت الأمة على عصمته ﷺ ، ونزاهته عن مثل هذه الرذيلة، إما من تمنيه أن ينزل الله عليه مثل هذا من مدح آلهة غير الله، وهو كفر، أو يتسور عليه الشيطان ويشبه عليه القرآن، حتى يجعل فيه ما ليس منه، ويعتقد النبي ﷺ أن من القرآن ما ليس منه، حتى ينبهه جبريل ﵇، وهذا كله ممتنع في حقه ﷺ . أو يقول ذلك النبي ﷺ من قبل نفسه عمداً وذلك كفر، أو سهو، وهو معصوم من هذا كله. ووجه ثان: هو استحالة هذه القصة نظراً وعرفاً، وذلك أن هذا الكلام لو كان كما روي لكان بعيد الالتئام، متناقض الأقسام، ممتزج المدح بالذم، متخاذل التأليف والنظم، ولما كان النبي ﷺ ولا من بحضرته من المسلمين وصناديد المشركين ممن يخفى عليهم ذلك. وهذا لا يخفى على أدنى متأمل، فكيف بمن رجح حلمه، واتسع في باب البيان ومعرفة فصيح الكلام علمه؟!! ووجه ثالث: أنه قد علم من عادة المنافقين ومعاندي المشركين وضعفة القلوب والجهلة من المسلمين نفورهم لأول وهلة، وتخليط العدو على النبي ﷺ لأقل فتنة، وتعيرهم المسلمين والشماتة بهم الفينة بعد الفينة، وارتداد من في قلبه مرض ممن أظهر الإسلام لأدنى شبهة، ولم يحك أحد في هذه القصة شيئاً سوى هذه الرواية الضعيفة. ووجه رابع: ذكر الرواة لهذه القضية أن فيها نزلت: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ [الإسراء:٧٣]، الآيتين. وهاتان الآيتان تردان الخبر الذي رووه؛ لأن الله تعالى ذكر أنهم كادوا يفتنونه حتى يفتري، وأنه لولا أن ثبته لكاد يركن إليهم. فمضمون هذا ومفهومه: أن الله تعالى عصمه من أن يفتري، وثبته حتى لم يركن إليهم قليلاً، فكيف كثيراً؟! وهم يروون في أخبارهم الواهية أنه زاد على الركون والافتراء بمدح آلهتهم، وأنه قال ﷺ : (افتريت على الله، وقلت ما لم يقل)، وهذا ضد مفهوم الآية، وهي تضعف الحديث لو صح، فكيف ولا صحة له؟! وهذا مثل قوله تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ﴾ [النساء:١١٣]. وأما المأخذ الثاني: فهو مبني على تسليم الحديث لو صح. وقد أعاذنا الله من صحته، ولكن على كل حال فقد أجاب عن ذلك أئمة المسلمين بأجوبة منها الغث والسمين. ثم ذكر الأجوبة على ذلك، وممن أنكرها الإمام ابن خزيمة وقال: هذا من وضع الزنادقة، وهذا هو الصواب. للاستزادة: انظر: (الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير) لـ محمد أبي شهبة، (ونصب المجانيق لإبطال قصة الغرانيق) لـ محمد ناصر الدين الألباني، والله أعلم. وعلى كل حال فالقصة هذه معروف أن طرقها كلها مرسلة.

стр. 834

أقوال المفسرين في قوله تعالى: (إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿إلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج:٥٢]، هذا فيه تسلية من الله لرسوله صلوات الله وسلامه عليه، أي: لا يهديك فقد أصاب مثل هذا من قبلك من المرسلين والأنبياء]. لا يهيدنك، يعني: لا يضعفك. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال البخاري قال ابن عباس: (فِي أُمْنِيَّتِهِ): إذا حدث ألقى الشيطان في حديثه، فيبطل الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄: ﴿إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج:٥٢]، يقول: إذا حدث ألقى الشيطان في حديثه. وقال مجاهد: ﴿إِذَا تَمَنَّى﴾ [الحج:٥٢]، يعني: إذا قال، ويقال: ﴿أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج:٥٢]، قراءته، ﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة:٧٨]، يقرءون ولا يكتبون. قال البغوي: وأكثر المفسرين قالوا: معنى قوله: ﴿تَمَنَّى﴾ [الحج:٥٢]، أي: تلا وقرأ كتاب الله، ﴿أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج:٥٢]، أي: في تلاوته، قال الشاعر في عثمان ﵁ حين قتل: تمنى كتاب الله أول ليلة وآخرها لاقى حمام المقادر]. يعني: عثمان ﵁ قرأ القرآن في أول الليلة، وفي آخرها لاقاه الحمام، يعني: الموت، وذلك حين قتل ﵁. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال الضحاك: ﴿إِذَا تَمَنَّى﴾ [الحج:٥٢]، إذا تلا، قال ابن جرير: هذا القول أشبه بتأويل الكلام. وقوله: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ [الحج:٥٢]، حقيقة النسخ لغة: الإزالة والرفع. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄: أي: فيبطل الله ما ألقى الشيطان. وقال الضحاك: نسخ جبريل بأمر الله ما ألقى الشيطان، وأحكم الله آياته. وقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ [الحج:٥٢]، أي: بما يكون من الأمور والحوادث، لا تخفى عليه خافية، ﴿حَكِيمٌ﴾ [الحج:٥٢] أي: في تقديره وخلقه وأمره له الحكمة التامة والحجة البالغة؛ ولهذا قال: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [الحج:٥٣]، أي: شك وشرك وكفر ونفاق، كالمشركين حين فرحوا بذلك، واعتقدوا أنه صحيح من عند الله، وإنما كان من الشيطان. قال ابن جريج: ﴿لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [الحج:٥٣]، هم: المنافقون، ﴿وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحج:٥٣]، هم المشركون. وقال مقاتل بن حيان: هم اليهود، ﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ [الحج:٥٣]، أي: في ضلال ومخالفة وعناد بعيد، أي: من الحق والصواب].

стр. 835

تفسير قوله تعالى: (وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك) قال الله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ﴾ [الحج:٥٤]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أي: وليعلم الذين أوتوا العلم النافع الذي يفرقون به بين الحق والباطل، والمؤمنون بالله ورسوله أن ما أوحيناه إليك هو الحق من ربك، الذي أنزله بعلمه وحفظه وحرسه أن يختلط به غيره، بل هو كتاب عزيز، ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢]. وقوله: ﴿فَيُؤْمِنُوا بِهِ﴾ [الحج:٥٤]، أي: يصدقوه وينقادوا له، ﴿فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحج:٥٤]، أي: تخضع وتذل له قلوبهم، ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الحج:٥٤]، أي: في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فيرشدهم إلى الحق واتباعه، ويوفقهم لمخالفة الباطل واجتنابه، وفي الآخرة يهديهم الصراط المستقيم الموصل إلى درجات الجنات، ويزحزحهم عن العذاب الأليم والدركات].

стр. 836

تفسير قوله تعالى: (ولا يزال الذين كفروا في مرية منه) قال الله تعالى: ﴿وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ * الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [الحج:٥٥ - ٥٧]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يقول تعالى مخبراً عن الكفار: إنهم لا يزالون في مرية، أي: في شك من هذا القرآن، قاله ابن جريج واختاره ابن جرير. وقال سعيد بن جبير وابن زيد: ﴿مِنْهُ﴾ [هود:١٧]، أي: مما ألقى الشيطان. ﴿حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً﴾ [الحج:٥٥]، قال مجاهد: فجأة. وقال قتادة: ﴿بَغْتَةً﴾ [الحج:٥٥]، بغت القوم أمر الله، وما أخذ الله قوماً قط إلا عند سكرتهم وغرتهم ونعمتهم، فلا تغتروا بالله، إنه لا يغتر بالله إلا القوم الفاسقون. وقوله: ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ [الحج:٥٥]، قال مجاهد: قال أبي بن كعب: هو يوم بدر، وكذا قال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وقتادة وغير واحد، واختاره ابن جرير. قال عكرمة ومجاهد في رواية عنهما: هو يوم القيامة لا ليل له. وكذا قال الضحاك والحسن البصري. وهذا القول هو الصحيح، وإن كان يوم بدر من جملة ما أوعدوا به، لكن هذا هو المراد؛ ولهذا قال: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ [الحج:٥٦]، كقوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤]، وقوله: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ [الفرقان:٢٦]]. ففي هذه الآيات الكريمات بيان حكمة الله سبحانه، وأنه ما أرسل من رسول إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته، فقال تعالى: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحج:٥٣]. وقال: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحج:٥٤]، وقال: ﴿وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾ [الحج:٥٥]. وهذه من الحكم: أن الله تعالى يجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض، وهم المنافقون والقاسية قلوبهم، وهم الكفار من اليهود والمشركين، وأما المؤمنون فيثبتهم الله، فيعلمون أنه الحق، فتخضع له قلوبهم. قوله تعالى: ﴿وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ﴾ [الحج:٥٥]، أي: من هذا القرآن، والمرية: الشك، ﴿حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ [الحج:٥٥]، وهو يوم القيامة، ويوم القيامة يوم طويل، وليس فيه ليل، ولكن فيه الشمس حارة، تدنو من الرءوس، فتكون قدر ميل من الرءوس، فيحصل للناس من الكرب والشدة ما الله به عليم، فيموج الناس بعضهم في بعض، ويذهبون إلى الأنبياء يطلبون منهم أن يسألوا ربهم الشفاعة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ [الفرقان:٢٦]. ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [الحج:٥٠]، أي: آمنت قلوبهم، وصدقوا بالله ورسوله، وعملوا بمقتضى ما علموا، وتوافق قلوبهم وأقوالهم وأعمالهم]. قوله: (وتوافق) على حذف إحدى التائين، والتقدير: وتتوافق قلوبهم وأقوالهم وأعمالهم. وقوله: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [الحج:٥٠]، فيها جمع بين الإيمان والعمل الصالح، فالإيمان إذا أطلق دخل فيه العمل، ولكن عطف العمل عليه لأهميته، فيكون العمل ذكر مرتين: مرة يكون داخلاً في مسمى الإيمان، والمرة الثانية: في العطف، والإيمان يتحقق بالعمل الصالح وهو جزء من الإيمان. والعمل الصالح: هو أداء الواجبات وترك المحرمات. فإن قيل: إن الواو للعطف، والعطف يقتضي المغايرة، قلنا: ليس كل عطف يقتضي المغايرة. وقد يقال: إنه إذا عطف العمل على الإيمان صار غير داخل فيه، وإذا لم يعطف عليه دخل فيه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [﴿فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [يونس:٩]، أي: لهم النعيم المقيم، الذي لا يحول ولا يزول ولا يبيد. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ [الحج:٥٧]، أي: كفرت قلوبهم بالحق وجحدته وكذبوا به، وخالفوا الرسل واستكبروا عن اتباعهم، ﴿فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [الحج:٥٧]، أي: مقابلة استكبارهم وإبائهم عن الحق، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر:٦٠]، أي: صاغرين].

стр. 837

تفسير قوله تعالى: (والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ليرزقنهم الله رزقاً حسناً) قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ * لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ * ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ [الحج:٥٨ - ٦٠]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يخبر تعالى عمن خرج مهاجراً في سبيل الله ابتغاء مرضاته وطلباً لما عنده، وترك الأوطان والأهلين والخلان، وفارق بلاده في الله ورسوله، ونصرة لدين الله، ﴿ثُمَّ قُتِلُوا﴾ [الحج:٥٨]، أي: في الجهاد، ﴿أَوْ مَاتُوا﴾ [الحج:٥٨]، أي: حتف أنفهم من غير قتال على فرشهم، فقد حصلوا على الأجر الجزيل، والثناء الجميل، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء:١٠٠]، وقوله: ﴿لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ [الحج:٥٨]، أي: ليجرين عليهم من فضله ورزقه من الجنة ما تقر به أعينهم، ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ * لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ﴾ [الحج:٥٨ - ٥٩]، أي: الجنة، كما قال تعالى: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ [الواقعة:٨٨ - ٨٩]، فأخبر أنه يحصل له الراحة والرزق وجنة النعيم، كما قال هاهنا: ﴿لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ [الحج:٥٨]، ثم قال: ﴿لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ﴾ [الحج:٥٩]، أي: بمن يهاجر ويجاهد في سبيله، وبمن يستحق ذلك، ﴿حَلِيمٌ﴾ [الحج:٥٩]، أي: يحلم ويصفح ويغفر لهم الذنوب ويكفرها عنهم بهجرتهم إليه وتوكلهم عليه، فأما من قتل في سبيل الله من مهاجر أو غير مهاجر فإنه حي عند ربه يرزق، كما قال تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران:١٦٩]، والأحاديث في هذا كثيرة كما تقدم]. وهذا فيه تنويه بالمهاجرين والمجاهدين وفضلهم، فالمهاجر في سبيل الله والمجاهد ثوابهما عظيم وأجرهما كبير، ولهذا نوه الله بفضل المجاهد في هذه الآية، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ * لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ﴾ [الحج:٥٨ - ٥٩]، وهذا فيه وعد بالرزق الحسن، وما بالك برزق وصفه الله بأنه حسن؟! وإدخالهم مدخلاً يرضونه، فهم أحياء عند ربهم، وأرواحهم تتنعم بواسطة حواصل طير خضر تسرح في الجنة، ترد أنهارها وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل معلقة تحت العرش، كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح وهذا خاص بالشهداء. وأما المؤمن غير الشهيد فإنه إذا مات فإن روحه تنقل إلى الجنة، وتتنعم وحدها، وتأخذ شكل طائر، كما في الحديث عنه ﷺ : (نسمة المؤمن على طائر علق في شجر الجنة حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه)، يعني: أنه يأكل من شجر الجنة يتنعم وحده. فالشهيد أفضل تنعماً، فإن روحه تتنعم بواسطة حواصل طير خضر؛ لأنهم بذلوا أجسادهم وأتلفوها في الله فعوضهم الله أجساداً أخرى تتنعم بواسطتها، وأما المؤمن غير الشهيد فإن روحه تتنعم وحدها؛ لأن المؤمن إذا مات تنقل روحه إلى الجنة، والكافر تنقل روحه إلى النار، والعياذ بالله، ولها صلة بالجسد؛ بأن تتنعم أو تعذب بواسطة الجسد، ولكن النعيم والعذاب في البرزخ على الروح أكمل، والأحكام على الروح أغلب. وكذلك أيضاً الشهيد له فضل عظيم، ومن ذلك: أنه يأمن من الفتان في القبر، ولا يناله من الألم عند موته إلا كما يألم من قرصته عقرب، أي: إلا من جنس ألم القرصة، ويجري عليه رزقه كل يوم، وله فضل عظيم. والهجرة من بلاد الكفار واجبة مع القدرة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأما من توفي في سبيل الله من مهاجر أو غير مهاجر فقد تضمنت هذه الآية الكريمة مع الأحاديث الصحيحة إجراء الرزق عليه، وعظيم إحسان الله إليه. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا المسيب بن واضح حدثنا ابن المبارك عن عبد الرحمن بن شريح، عن ابن الحارث يعني: عبد الكريم عن ابن عقبة يعني: أبا عبيدة بن عقبة قال: قال شرحبيل بن السمط: طال رباطنا وإقامتنا على حصن بأرض الروم، فمر بي سلمان يعني: الفارسي ﵁، فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من مات مرابطاً أجرى الله عليه مثل ذلك الأجر، وأجرى عليه الرزق، وأمن من الفتانين، واقرءوا إن شئتم: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ * لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ [الحج:٥٨ - ٥٩])]. الفتانان هما منكر ونكير، وفيه أن من مات مرابطاً في سبيل الله أجرى الله عليه الرزق كل يوم، وأمن من الفتان، أي: فتان القبر، وهو السؤال، وجاء في الحديث الآخر: (قيل: يا رسول الله! هل يفتن الشهيد في قبره؟ قال: كفى ببارقة السيف على رأسه فتنة). وهذا من خصائص الشهيد: أنه لا يفتن، ولا يسأل. والله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء:١٠٠]، فإذا مات في سبيل الله أو قتل فهو شهيد. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال أيضاً: حدثنا أبو زرعة حدثنا زيد بن بشر أخبرني همام أنه سمع أبا قبيل وربيعة بن سيف المعافري يقولان: كنا برودس، ومعنا فضالة بن عبيد الأنصاري صاحب رسول الله ﷺ ، فمر بجنازتين: إحداهما: قتيل، والأخرى متوفى، فمال الناس على القتيل، فقال فضالة: ما لي أرى الناس مالوا مع هذا، وتركوا هذا؟! فقالوا: هذا القتيل في سبيل الله، فقال: والله ما أبالي من أي حفرتيهما بعثت، اسمعوا كتاب الله: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا﴾ [الحج:٥٨]، حتى بلغ آخر الآية]. يعني: أن الله تعالى سوى بين من قتل أو مات فحكم كل منهما أنه شهيد، فمن مات وهو في الطريق أو في وقت القتال أو في غير وقت القتال فحكمه حكم الشهيد. كما قال تعالى في الآية: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء:١٠٠]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال أيضاً: حدثنا أبي حدثنا عبدة بن سليمان أنبأنا ابن المبارك أنبأنا ابن لهيعة حدثنا سلامان بن عامرالشيباني أن عبد الرحمن بن جحدم الخولاني حدثه: أنه حضر فضالة بن عبيد في البحر مع جنازتين، أحدهما أصيب بمنجنيق والآخر توفي، فجلس فضالة بن عبيد عند قبر المتوفى، فقيل له: تركت الشهيد فلم تجلس عنده؟ فقال: ما أبالي من أي حفرتيهما بعثت، إن الله يقول: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ [الحج:٥٨]، الآيتين. فما تبتغي أيها العبد إذا أدخلت مدخلاً ترضاه، ورزقت رزقًا حسنًا والله ما أبالي من أي حفرتيهما بعثت]. وذلك لأن الله تعالى أخبر أن من قتل أو مات له هذان الرزقان: أن يرزقه الله رزقاً حسناً، ويدخله مدخلاً يرضاه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ورواه ابن جرير عن يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهب أخبرني عبد الرحمن بن شريح عن سلامان بن عامر قال: كان فضالة برودس أميراً على الأرباع، فخرج بجنازتي رجلين: أحدهما: قتيل، والآخر: متوفى، فذكر نحو ما تقدم].

стр. 838

بيان معنى قوله تعالى: (ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب به) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ﴾ [الحج:٦٠]، الآية. ذكر مقاتل بن حيان وابن جرير: أنها نزلت في سرية من الصحابة لقوا جمعاً من المشركين في شهر محرم، فناشدهم المسلمون لئلا يقاتلوهم في الشهر الحرام، فأبى المشركون إلا قتالهم، وبغوا عليهم، فقاتلهم المسلمون، فنصرهم الله عليهم، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ [الحج:٦٠]]. فقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾ [الحج:٦٠]، يعني: أن المسلمين قاتلوا دفاعاً ولم يبتدئوا بالقتال في الشهر الحرام، وإنما قاتلهم المشركون، فعاقبهم الله بنصر المسلمين عليهم.

стр. 839

تفسير قوله تعالى: (ذلك بأن الله يولج الليل في النهار وأن الله هو العلي الكبير) قال الله تعالى: [﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ * ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج:٦١ - ٦٢]]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يقول تعالى منبهاً على أنه الخالق المتصرف في خلقه بما يشاء، كما قال: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران:٢٦ - ٢٧]، ومعنى إيلاجه الليل في النهار والنهار في الليل إدخاله من هذا في هذا، ومن هذا في هذا، فتارة يطول الليل ويقصر النهار، كما في الشتاء، وتارة يطول النهار ويقصر الليل، كما في الصيف]. أي: من حكمة الله تعالى أنه يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل، بحيث: يدخل هذا في هذا، وهذا في هذا، ففي فصل الشتاء يولج الليل في النهار، فيطول الليل حتى ينتهي في الطول، في شدة البرد، والنهار ينتهي في القصر، ثم يولج النهار في الليل، فلا يزال النهار يأخذ من الليل حتى يتساوى الليل والنهار، في أول فصل الربيع، ثم لا يزال النهار يطول حتى ينتهي النهار في الطول في شدة الحر في شدة الصيف، وينتهي الليل في القصر، ثم يولج الليل في النهار، فيأخذ الليل من النهار، ولا يزال يأخذ حتى يتساوى الليل والنهار، في فصل الخريف، ثم لا يزال الليل يطول حتى ينتهي الطول في فصل الشتاء، وهكذا. ولله الحكمة البالغة. وبهذا تحصل الفصول الأربعة: الربيع، والخريف، والشتاء، والصيف، ويتساوى الليل والنهار في أول فصل الخريف، وفي أول فصل الربيع، مرتين، وينتهي الليل في الطول في الشتاء، وينتهي النهار في الطول في الصيف.

стр. 840

إثبات الأسماء والصفات لله تعالى قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [الحج:٦١] أي: سميع بأقوال عباده، بصير بهم، لا يخفى عليه منهم خافية في أحوالهم وحركاتهم وسكناتهم]. فالسميع والبصير اسمان من أسماء الله، وفيهما إثبات السمع والبصر لله، وأسماء الله مشتقة ومشتملة على المعاني والصفات، فاسم الله السميع فيه إثبات صفة السمع، فهو سميع بسمع، واسم الله البصير فيه إثبات البصر لله، فهو بصير ببصر، خلافاً للمعتزلة الذين يثبتون الأسماء بدون معان، وبدون صفات، ويقولون: سميع بلا سمع، وبصير بلا بصر، وهذان الاسمان هما من الصفات الذاتية الملازمة لذات الرب التي لا تنفك عنه سبحانه.

стр. 841

تفسير قوله تعالى: (ذلك بأن الله هو الحق) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولما تبين أنه المتصرف في الوجود، الحاكم الذي لا معقب لحكمه، قال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ [الحج:٦]، أي: الإله الحق الذي لا تنبغي العبادة إلا له؛ لأنه ذو السلطان العظيم، الذي ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وكل شيء فقير إليه، ذليل لديه، ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ [الحج:٦٢]، أي: من الأصنام والأنداد والأوثان، وكل ما عبد من دونه تعالى فهو باطل؛ لأنه لا يملك ضراً ولا نفعاً].

стр. 842

إثبات صفة العلو والعظمة لله سبحانه قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج:٦٢]، هذه الآية فيها إثبات صفة الألوهية لله ، وأنه الإله المعبود بحق وأن كل معبود سواه فهو معبود بباطل، كما قال: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة:٢٥٥]، وقال: ﴿الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ [الرعد:٩]، فكل شيء تحت قهره وسلطانه وعظمته، لا إله إلا هو، ولا رب سواه؛ لأنه العظيم الذي لا أعظم منه، العلي الذي لا أعلى منه، الكبير الذي لا أكبر منه، تعالى وتقدس وتنزه عما يقول الظالمون المعتدون علواً كبيراً]. في هذه الآية إثبات اسمي العلي والكبير لله، فهو علي متصف بالعلو، فله علو الذات، فذاته علية فوق العرش وفوق السماوات، وله علو القدر والشأن والعظمة، وله علو القهر والسلطان، فالعلو أنواعه ثلاثة، وكلها ثابتة لله: علو القدر، وعلو القهر، وعلو الذات كما قال العلامة ابن القيم: والفوق أنواع ثلاث كلها لله ثابتة بلا نكران والكبير أيضاً من أسماء الله، فهو المعبود بالحق، وكل معبود سواه فهو معبود بباطل، فالشمس والقمر والنجوم والكواكب والأشخاص والأصنام والأوثان كلها عبدت بالباطل، والعبادة بحق هي عبادة الله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج:٦٢]، وقد ورد اسم الكبير أيضاً في قوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ [الرعد:٩]، ففيهما إثبات اسم الكبير والمتعال الذي تفرد بالعبودية فيقال: عبد الكبير، عبد المتعال. وبعض الناس يسميه عبد العال، والعال ليس من أسماء الله، وإنما من أسمائه المتعال، كما في هذه الآية، فينبغي أن يقال: عبد المتعال، وكل اسم ثبت لله يعبد به، مثل: عبد العلي، عبد المتعال، عبد الجبار، عبد العليم، عبد السميع، عبد البصير.

стр. 843

تفسير سورة الحج [٦٣ - ٧٢] يمتن الله تعالى على عباده بإنعامه عليهم بجملة عظيمة من النعم، ومنها: إنزال الماء على الأرض فتخضر به إنباتاً وإزهاراً، وإمساك السماء عن الوقوع على الأرض لكيلا يهلك أهلها، وإجراء الفلك في البحر لتحصيل منافع العباد، وإحياؤهم من بعد الموت والعدم، وفي معرض ذلك يبين تعالى كفر الإنسان لنعم الله تعالى عليه، ومن كفره منازعة الرسول ﷺ فيما جاء به، ورده الدلائل القرآنية حين تتلى، وبسط يده بالسوء إلى أولياء الله.

стр. 844

تفسير قوله تعالى: (ألم تر أن الله أنزل من السماء ماءً فتصبح الأرض مخضرة) قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ * لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ * أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ * وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الإِنسَانَ لَكَفُورٌ﴾ [الحج:٦٣ - ٦٦].

стр. 845

بيان قدرة الله قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهذا -أيضاً- من الدلالة على قدرته وعظيم سلطانه، وأنه يرسل الرياح فتثير سحاباً، فتمطر على الأرض الجرز التي لا نبات فيها وهي هامدة يابسة سوداء ممحلة، ﴿فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [الحج:٥]، وقوله جل وعلا: ﴿فَتُصْبِحُ الأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [الحج:٦٣] الفاء هاهنا للتعقيب، وتعقيب كل شيء بحسبه، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً﴾ [المؤمنون:١٤]، الآية. وقد ثبت في الصحيحين أن بين كل شيئين أربعين يوماً، ومع هذا هو معقب بالفاء، وهكذا هاهنا قال: ﴿فَتُصْبِحُ الأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ [الحج:٦٣]، أي: خضراء بعد يبسها ومحولها]. أي: بعد أن كانت الأرض يابسة ممحلة تصبح مخضرة، وهذا دليل على إحياء الله الموتى، وكثيراً ما يدلل على إحياء الموتى بإحياء الأرض بالنبات بعد يبسها ومحولها، وذلك بأن ينزل الله عليها الماء فتنبت وتصير خضراء، فكذلك الأموات يحييهم الله بعد أن كانوا أمواتاً، فيعيد الحياة إليهم؛ لأنه قدير، وهو قادر على أن يعيدهم من الذرات التي تحولوا إليها. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد ذكر عن بعض أهل الحجاز أنها تصبح عقب المطر خضراء، فالله أعلم]. فالفاء للتعقيب في قوله تعالى: (فتصبح)، يعني: إذا نزل الماء فإنه يعقبه اخضرار الأرض، وهذا التعقيب قد يطول وقد يقصر، مثل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا﴾ [المؤمنون:١٤] فبين كل طور وطور أربعون يوماً، فالنطفة تكون أربعين يوماً، ثم تكون العلقة أربعين يوماً، ثم تكون المضغة أربعين يوماً، واخضرار الأرض قد يكون في أقل من هذه المدة.
следующие страницы →