← Сияса и кади

Сияса и кади · id 37051

التعريف بالمصطلح الشريف

ابن فضل الله العمري

Полный текст (320 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

كالسهام؛ في هيئة جبال وهي جمال، وتمايل دوحة فرعاء وهي في سرعة التنقل ظلال؛ لا تباري الرياح خفافها، ولا تمكن على الأرض من حافر الحر أخفافها؛ قد طويت طي الأنابيب، ووسمت الأرض ببدور حولها من حوافر الخيل محاريب؛ ومعها برسم حمل الأثقال كل عبادي لو رآه عبدة ابن الطبيب لقصر عليه القول، أو الراعي لما انصرف بعده إلى الشول؛ أو زين به فناء ابن زبانة لم تلقه في النعم الغارب، أو حميت به رواحل امرئ القيس لما سمع قول العائب؛ يحمل الجمل منها ما لو حمل الجبل بعضه لتصدع، ويكابد جهد السرى لا يشكو ولا يتوجع؛ قد ألف بادية الأعراب فلا ينفك بين حل ومرتحل، ولا يبالي حيث شد راكبه وحل؛ قد طوى على الظماء أحشاءه، وذلل وما كان يعجزه عز الآباء لو شاءه؛ ومعه من العجم البخاتي ما يقطع الأرض بسار يساريك نزل معه النجم في أفقه، ويدك الصخرة في طرقه؛ ويغنى بحلي أوبار عما يضاهي به من الحلل، وتباهي به ذوات القباب الخشب ربات الكلل؛ عزت نفوسا، وطلعت من المشرق شموسا؛ وقصرت أيديها واشتدت زنودها، كأنما تهم بمواثبة عدو يكيدها؛ تنصب في أقطار الأرض كأنها الغيوم السواجم، وتقلد من أوبارها بأطواق زين البراجم؛ لا تمتد معها سوائم العرب، ولا تسري معها إذا مد السحاب رواق أنوائه وضرب؛ ولا يستطيع

стр. 282

معها سلوك الوحول، ولا يحصل منها إلا على حوالات المحال إذا حصلت هي على حقيقة الوصول؛ تتباعد منها خطى وهي مثل أختها، وتتدانى منها شبها وإنما فضلت عليها البخاتي باستحقاقها لا ببختها. النوع الثاني: في جليل الوحوش، سباعه وغير سباعه في الأسد: وإذا بغابة تزأر أسودها، وتجأر منها حمر المنايا وسودها؛ قد دميت براثنا، وعطفت مثل الأثافي محاجنها؛ وتلظت كبودها الحرار، وأمن معها الاغترار؛ قد دارت حماليق حدقها، وظهرت عليها أماير حنقها؛ ولوت أذنابها وأقعت، وأعجلت الواصف أن ينعت؛ كأنما سربلت بالدماء، واقتطعت ذلك الغاب دون أسد السماء؛ لا تتباطأ المنايا عن وثباتها السراع، ولا يبعد مدى الآجال وليس بينها وبينه إلا قدر ذراع؛ لو نزل به العوام لأنكر نسبه في بني الأسد، أو أبو القرى لرأى ادعاء أبوته رأيا فسد؛ قد وقفت تحامي عن تلك الفريسة، وتمنع كل ضرغام منها أن يدخل خيسه؛ فخاف كل واحد تلك الغابة ومن دونها الكئيب الفرد، وصار إذا ذكر له الورد عطس قبل أن يشمه منذ قيل: الأسد الورد. في النمر: ووثب من تحت أكمة هناك نمر ما يدعى مثله لقاسط، ولا يتمطر مثله لقانط؛ قد سمر إهابه، ووقف وهو يوهم أنه يريد ذهابه؛ قد راب لونه المنمر، وعاب كل كلف برقة الخصر لما رأى خصره المزنر، لا يرجى خير لديه، ولا يطمع خفيف الجري بالفرار من بين يديه؛ لو شاء أن يثب الجبل لوثب، أو يكسر الصخر الأصم وسمع حسا لقيل وجب؛ لا ينفع منه حذار، ولا يحول بينه وبين غنيمته من

стр. 283

الغنم علو جدار؛ يفزع الرجل الجليد من لونه الأرقط، ويطن أنه من دماء الكسائر ما تنقط. في الذئب: وقد قيل إن بمنعرج اللوى ذئبا قد أخاف كل سائمة، وآلى إلى وكنها كل هائمة؛ وأخاف السرح فلم يمتد، وهاجم القطيع ولم يرتد؛ حتى فعل الفظيع، وقطع القطيع؛ وتوقدت حماليقه توقد السرج، وتموجت أعضاؤه تموج الخلج؛ وزان نحفه بوبره، وفتقت براثنه ما خاط بإبره، وطالما أبعد النجعة، وزار في الليل بعد هجعة؛ وفتن بخده الأسيل، وقعد على المائدة مع الإكليل؛ هذا وربما تجسس، وأبغض لأجله كل ديباج لكونه يسمى بأطلس. في الفيل: ومن فيل كأنه ليل ضاحك عن نهار، وطور خرطومه منه شفير منهار؛ كأنه راقص جاء يرقص بكمه، أو داخل على ملك عاجل الأرض بلثمه؛ له ناب لا يبالي بما ناب، لمع منه برق في سحاب، وانقض في الليل منه شهاب؛ بناء مشيد، من حجر لا أو حديد؛ لا يطاوله بنيان، مشيد على أربعة أركان؛ يموج كأنه سكران، ويمور كأنه ثعبان؛ ويصول كأنه إنسان، ويهول كأنه جان؛ سائس مسوس، رئيس مرؤوس؛ مطيع مطاع، يطل بين عينيه شجاع، يخف إلى الحرب حاملا على صهوته بعض القلاع. . في الكركدن: وأتى بكركدن لو نار شب في معقله لما نزح، ولو ثار له الكبش في الهيجاء لنطح؛ طالما رعى في بطن أمه، وجهد له الفيل ولم يقدر على سلمه؛ قد

стр. 284

عدم على كثرة ذوات الأوراق ما يباريه، وأقبل في بحر الآل كالمركب وقرنه ساريه؛ من شبهه قال هذا جبل غرس عليه وتد من الأوتاد، ومن نظره بين عينيه قال عمود سرب نسوة عند مقتاد. في الزرافة: قال الجاحظ: زعموا أن الزرافة خلق تولد بين الناقة من نوق الحبوش أي نوق الحبشة وبين البقرة الوحشية وبين الذيخ - وهو ذكر الضباع - قالوا: إن الذيخ يعرض للناقة من الحبوش فيسفدها فتلقح بولد يجيء خلقه بين الناقة والضبع، فإن كان الولد أنثى يعرض لها الثور الوحشي فيضربها فيصير الولد زرافة، وإن كان ذكرا تعرض للمهاة فألقحها فتلد زرافة أيضا. قال: ومنهم من زعم أنه لا تلقح الزرافة الأنثى من الزرافة الذكر، وإنما هو مركب. قال: وقالوا إن هذا مشهور باليمن والحبشة؛ وأسنان الذكور أكثر من أسنان الإناث؛ وإذا كانت أسنانها سودا دلت على هرمها، وإذا كانت بيضاء دلت على الفتاء. ومن أمراضها: الكلب؛ وهو كالجنون يعتريها كما يعتري الكلب فيقتلها - وكل من عضته وهي على هذه الحالة قتلته إلا ابن آدم فإنه ربما عولج فسلم؛ ومن أمراضها أيضا: الذبحة والنقرس. - ويقال في وصفها: كأنها كأس خمر جال عليه حبب، أو فضة نقط بها ذهب؛ قد ارتفع هاديها على ذنبها، وعلا رأسها على رقبتها حتى كاد يبلغ السماء بسببها؛ ليست للمها ولا للبقر، وإن لم تكن مما يجل فإنها ليست مما يحتقر. في الحمارة العتابية: وقد تساوى فيها الليل والنهار، واعتدل البياض

стр. 285

والسواد بمقدار؛ واستقامت خطوطها، وتدفقت فيها أنهار قدرها شطوطها؛ فتشمخت إعجابا، وجمعت شيبا وشبابا؛ وراقت حلتها المسهمة، وتخاطيطها المقسمة؛ وغدت روضة تفتح نوارها، وليلة يتخلل بين الظلماء أنوارها؛ قد فضض سبجها، وكثرت في أثناء لياليها الجون فرجها؛ وغدت وكأن النهار قد قد إهابها، وكأن البرق قد شقق سحابها؛ هذا على أنها لم تعد أمثالها في صورتها، ولا تخالفت أغصان الخطوط في شجرتها؛ حتى تلاقت عند طرف آذانها، وكفت شجراء الشجر بصحة تقسيم أغصانها. في الحمار الوحشي: وعن حمار حمار وحشي قد شمر فضل إهابه ليذهب، وجرى في مدى شوطه حتى كاد يتلهب؛ قد أسبل ذنبا كأنه من حرير ملون، وداس بحافر كأنه من قعب مكون وسن ضرسا طبع على خصي الذكور غيرة على الأتن، وقلب عينيه لفهم ما تؤدي إليه خبرة الأذن؛ فقتل بالسهم الصائل منه جد غيور، وردي منه قتيل طالما رد الإناث وأردي بالذكور. في البقر الوحشي: وجرت على يمناه بقرة وحشية قد اشتبكت أغصان قرونها، وأطلق أسهمها على كرائم النساء لحسن عيونها؛ فقصدها برمحه، وعدها من ربحه؛ هذا وقد كثر في السرب أمثالها إلا أنها كانت أقرب إليه، والمقصودة منه على كثرة البقر الذي تشابه عليه. في المها: وصادف في ذلك المهمه مها لا تردي الفوارس إلا بعيونها، ولا

стр. 286

تحب أبكار النساء إلا لشبه عونها؛ قد لبست من الديباج حللا، واكتست بالوبر فلم تبق خللا؛ فلو فطنت لها الغواني لما خرجت لبيوتها من كسر ولا فتنت بعيونها بين الرصافة والجسر. في الغزال: وسنح غزال سبى بحسن خفره، وسمح بإعطاء الرياح بعض خبره؛ قد تلفت بجيده، وانفتل يهزأ بالكلب في وصيده؛ لو عن للعشاق لهاموا، ولعذلوا لصائده ولاموا؛ ولما نصبوا بيوت أشعارهم لغيره على طريق، ولا قال قائل منهم: أنت منهم لليلى ما حييت طليق؛ ووراءه أم طلى لم تخف إلا على طلاها، ولم تحل إلا أن مسكا غلف روقها وأن كافورا طلاها؛ لم يفت العامرية معناها، على أنه لم يشبهها منها إلا جيدها وعناها. في الأرنب: ولم يكسو مثل وبرها، ولا سمع مثل خبرها؛ تحلت بصفات الذكور والإناث، وكادت لخفة جريها تكون ذات أجنحة مثنى وثلاث؛ لا يظن كل ذي وثب من الظباء معها إلا أنه يحجل، ولا يطمع في اللحاق بها أيد سراع وأرجل؛ ولا تدرك إلا إذا تحدرت من صبب، أو كانت في مجال الخيل فيه ركض وخبب؛ فأما إذا تعلقت بالجبال، أو تردت في مقتبل الخريف برد الظلال، فطائر لا يمسك، وأمل لا يدرك، ولا تصبر النفس عليه فيترك. في الثعلب: ومر ثعلب ظنه الكلب من أبناء جنسه، خرج بعد تحصنه بالوجار

стр. 287

طول حبسه؛ فنبهت عليه الكلاب، وأطلقت وراءه في الطلاب؛ فلم يزل يتلوى عليها في المطاردة مثل العنان، ويراوغ الكلب مراوغة البطل في الحرب العوان؛ ويهزأ بالقانص ببصبصة ذنبه، ويطفر كل طفرة يخاف فيها عنقود الثريا على عنبه. في الهرة: ومن هرة تنفق ما كسد، وتحكي في انتفاخها صولة الأسد؛ ذات أنس في الدار، وأس للغار؛ تخالس مخالسة الذئاب، وتسطو بأظفار وأنياب؛ طالما ساورت الأرقم، وتجرعت منه مر العلقم؛ وأكلت منه السم الذباح، واستوطنت البيوت وتركت ظاهرها للكلب النباح. النوع الثالث: في معلمات الصيد أول من صاد بالكلاب بالفرس، وأول من اتخذها (دارا)؛ وكذلك الفهد، وأول من اتخذ كسرى أنوشروان، وأول من صاد بالعقاب أهل المغرب، ولا يعد في الصقور ولا البزاة. وأول من صاد بالصقور الحرث بن معاوية بن كندة والسنقر منها، والعهد بجلبه إلى بلادنا قريب؛ وأول من صاد بالبازي البطالسة ملوك مصر. في الفهد: ومعه من الفهود رديف يبرز على الغزال الموت من مكمنه، ويأخذ في وسط السرب من مأمنه؛ يثب عليه وثبا، ويخالسه إما رأى شجرا أو كثبا؛ لا ينظر منه حيث التفت حركه، ولا يظن لحاقه ولا دركه؛ لا يزال يمهله حتى إذا أمسكه لم يكد يفلته، ولم يعد يسلطه مرسله وسكينه معه لم يصلته؛ فلم يستطع الظبي أن يفر لديه، ولا يتخفى منه وما فيه جارحة إلا وفيها عين تنظر إليه؛ وقد أعجب منه حرز

стр. 288

أحداقه، وذائب الكحل من آماقه، وحسن ما يروق في جيده من قلائده وأطواقه؛ هذا إلى لين جلدته، ورونق جدته، وما جمع من سواد وبياض، وكمائم لم تفتح في نوار رياض. في الكلب: وهو نوعان: السلوق والزغاري. فأما السلوقية فمنسوبة إلى (سلوق)، وهي من بلاد اليمن؛ ولها سلاح جيد وكلاب فره. وإناث الكلاب أسرع تعلما من ذكورها. قالوا: تتولد السلوقية بين الثعالب والكلاب، ولا يقبل التعليم إلا البطن الثالث منها. قال الجاحظ: وخير الكلاب ما كان لونه يذهب إلى لون الأسد بين الصفرة والحمرة، ثم البيض إذا كانت عيونها سوداء. قال: ويستدل فيها على الفراهة بطول ما بين يدي الكلب ورجليه، وبقصر ظهره؛ ويكون صغير الرأس، طويل العنق، غليظه، يشبه بعض خلقه بعضا، قصير اليدين، طويل الرجلين، غليط العضدين، أزرق العينين، عظيم المقلتين، ناتئ الحدق، طويل الخطم لطيفه، واسع الشدقين، ناتئ الجبهة عريضها، طويل الصدر غليظه، مضموم الإصبع، دقيق الوسط. ويكره في ذكورها طول الذنب، ولا يكره في إناثها. في السلوقية: وأطلقت من قداتها فانبثت تولول أنيابها، وتلوي أذنابها؛ وتحسب أنها مما طويت خصورها أنابيب، ومما مطرها الجري شآبيب؛ خرجت تبتغي رزقا، وتطلب عسفا لا رفقا؛ لا تدع كناسا إلا كنست، ولا سرب وحش إلا حتوفا، ولا تقرأ من مفرقاتها سطور سربها إلا حروفا؛ تجهد في فنائها، وتجد في إخراجها من

стр. 289

فنائها؛ وتزداد عليها كلبا لا يرطبه شحومها، ولا ينالها منها إلا دماؤها إلا لحومها. في الزغاريات: ولديه زغاريات منها كل صغير الحجم، ينقض كالنجم، يسلك كل طريق لا يسلك فجه، ويملك منه ما لا يملك من السلوقي المضاعف نسجه؛ يخرج كل ذات وكر، ويطأ إليها كل أرض يفتض منها عذرة البكر؛ لولاه لما حصل الصيد، وإذا فاته البطش باليد لم يفته بالكيد. النوع الرابع: الجوارح ويستحب في الجوارح كبر هامتها، ونتوء صدرها، واتساع حماليقها، وقوة إبصارها، وحدة مناسرها، وصفاء لونها، ونعومة رياشها، وقوة قوادمها، وتكاثف خوافيها، وثقل محملها، وخفة وثباتها، واشتدادها في الطلب، ونهمها في الأكل. ثم اعلم أن الطيور الجوارح نوعان: صقور وبزاة. فالصقر ما كان أسود العين، والبازي ما كان أصفر العين، على خلاف المسميات. ثم اعلم أن أشرف الجوارح المسماة في وقتنا: السناقر، وليس لها ذكر في القديم؛ وهي مجلوبة من البحر الشامي، مغالى في أثمانها. وقد كان الواحد منها يبلغ ألف دينار، ثم نزل عن تلك الرتبة، وانحط عن تلك الهضبة؛ وهو معدود في الصقور. واعلم أن الصقور هي: المختصة الآن بتسمية الصقر، وتسميها العرب:

стр. 290

الحر، ومنها الشاهين، والكوهية - وهي بحرية - والسقاوة، والجلمة. والبزاة هي: البازي، والزرق، والباشق - ويسمى اليؤيؤ - وأما العقاب فقد قدمنا أنه لا يعد في الصقور ولا في البزاة، وهو معدود في الجوارح وفي الطير الجليل؛ ونبهنا على ذلك لموضع الفائدة فيه، فليعلم ذلك. في العقاب: وأظلتها عقاب ربما أحسنت السهام بريشها عند المناب، وأضحت وكأن قلوب الطير حالين لدى وكرها الحشف البالي والعناب؛ ولا ينجو طريد من مخلبها، ولا يأمن وهو في الهواء بؤس منقلبها؛ تخاف الشمس في أفق السماء من شدة حرصها، ومذ تسمت بالغزالة ونظرت نار عينيها ما تحرت تجر النار إلى قرصها؛ قد أردفت بأمثالها من كل ذات إقدام لا يقدم عليها جبان، ولا تنشر الأعلام مثل أجنحتها وإن قيل لها عقبان؛ تتطامن لها الظباء كأنها إليها تضرع، وتتخبط لها حين تصرع.

стр. 291

في الصقر: ومن صقر لا تؤسى له جراح، ولا يدع من وحش يسرح ولا طائر يطير بجناح؛ أينما وجه لا يأتي إلا بخير، وحيثما أطلق كان حتف الوحش والطير؛ يدع أقطار الفلاة مجزرة، أو روضة بالدماء مزهرة؛ يجد إلى الطير في عنقه، ويحلق إلى السماء ويرجع وطائره في عنقه؛ تخافه العفر على نفوسها، وتخضع له ولأمثاله فما تخرج إلا والطير على رؤوسها؛ يزيد خبره في مضان الصيد على الخبر، وتخرج الظباء وقد انسجنت خوفا منه في ملاءة من العجاج مخيطة من قرونها بالإبر؛ شديد الأيد، قد بنى على الكسر حروف الصيد؛ يحمد مقتنيه أيامه الغر، ويقول له إذا تلفت إلى الصيد: إن جلبت ضيفا فأنت حر؛ لا يحب مستصحبه معه غلا مزاده، وأينما سار حامله وهو على يده كأن معه زاده. في السنقر: وبينها سنقر هو فيها ملك متوج، ورزق مروج؛ تجرأ على سفك الدماء، وأبى أن يطلب رزقه إلا من السماء؛ يود الكركي لو خلص من مخاليبه، ويخاف أن يسلم من خرط الشبكة ويقع في كلاليبه؛ يدرك الصيد ولا يؤجله، ويدفع صدره ثم يومي إليه برأسه كأنه يستعجله؛ قد جمع من المحاسن كل الصنوف، وكتبت عليه أسطر تقرأ بما تقرى به الضيوف. في الشاهين: ومن شاهين مذ حلق وراء الطير شاهت به الوجوه، وشاهدت الأمال به ما ترجوه؛ قد أصبح كل محلق بجناحه رهين يده، وكل سارب من الوحش طعام يومه أو غده؛ لا يتعبه خلف الطريدة بعد المدى، ولا يرده خوف مسافة ولا تقحم ردى؛ ريبة عام لم يمنع بطول دهر، وممتد منه في الطلق مثل ريح سليمان التي غدوها شهر ورواحها شهر. في الكوهية: ووتبعتها كوهية، هي بالمحاسن حرية، ولكثرة الأقدام مجرية؛ قد وكل يها أمر مطبخه، وأمد بها من الطير من ليس بمصرخه؛ لا تعف عن دم، ولا ترى

стр. 292

أطرافها إلا مثمرة بعناب أو مخضبة بعندم؛ قد أخلت من كل سانح، ولبست زي الراهب المتعبد وفتكت بكل سائح. في السقاوة: وأطل عليها بلاء اسمه السقاوة، وحنت عليها مخاليبها وهي كالحديد أو أشد في القساوة؛ حتى سالت الدماء كالمذانب، وكست الأرض حبرا من رياش الحبارى وفرى من جلود الأرانب؛ وجعلت في قبضة الكلب ما كانت عليه العين تدور، وتكفلت بكفاية المطبخ وملأت القدور. في الجلم: وخرج ومعه من الجلم كل صغير لا يحتقر، وصائد إلى سواه لا يفتقر؛ كأنما خلقت من داجي الظلم، وطبعت من حديد السيوف وإن سميت بالجلم؛ فأخذت دق الطير أخذا بغير رفق، وتسلطت عليها فما كانت إلا حمى الدق؛ ثم انفرد منها باثنين أرسلهما على كركي شذ عن رفاقه، وقارنه نحسان لسوء اتفاقه، فأخذاه عن اليمين وعن الشمالن وتبا له من الحياة الآمال؛ فهوى لديهما هويا، وغلب بهما - وضعيفان يغلبان قويا. في البازي: وأطلق منه بازي مهما لقي لقف، ومها خطا لديه خطف؛ كأنما خط جؤجؤ بقلم، أو رش عليه من الصباح والظلم؛ قد اعتد للطوارق، وادرأ بمثل الطوارق؛ قد دحض حجج الحجل، وكسرها حتى أبان عليها حمرة الخجل؛ لا

стр. 293

يسأل من الصيد عما نهب، ولا تعرف له قيمة إلا أن له عينا من ذهب. في الزرق: وحلق الزرق تحليق البازي المطل؛ والبطل المدل؛ قد تقاضى الطيور بغير دينه، واقتدر على ضعافها فدرة القوي ذي الذهب بعينه؛ وأضحت كل لائذة لا تغاث، والبزاة لا تفخر لأن الذكور لا تقاومها الإناث؛ وعطف من مخلبه حرف صلة وجناحه العائد، وأوقد من مقلته نارا لو شاء لشوى عليها الصائد. في الباشق: وانقضت البواشق على تلك الحانيات، ولقفت ما قدرت عليه من تلك الحائمات؛ ثم حطت على ما لبد منها في مكمنه، وأخذته بالخوف من مأمنه؛ وتهاوت من ناحية تلك السهام، وفعلت ما أمكنها وكان أكثر فعلها بالأوهام؛ ولم يبق ذو جناح منها حتى قش منها ما وقع تحت الأشجار، وينج في الطلق الواحد عدد البنج؛ وجار ولم يخط شيء من تلك السهام الرواشق، ولا رجعت منها إلا بقوت الجماعة وقد قيل إن ما فيها قوت الباشق. النوع الخامس: الطير الجليل اعلم أن الطير الجليل المعتد به في الواجب عند رماة البندق أربعة عشر طيرا: منها ثمانية تحمل عندهم بأعناقها، وستة تحمل بأسياقها. فأما الثمانية الأولى فهي: التم، والكي، والأوزة، واللغلغة، والأنيسة، والحبرج، والنسر، والعقاب.

стр. 294

وأما الستة الثانية فهي: الكركي، والغرنوق، والمرزم، والصوغ، والشبيطر، والعناز. وهذه الطيور منها عشرة طيور الشتاء وهي: الكركي، والإوزة، واللغلغة، والأنيسة، والحبرج، والتم، والصوغ، والعناز، والعقاب، والنسر. والأنيسة أشرفها. والأربعة الباقية طيور الصيف وهي: الكي، والغرنوق، والمرزم، والشبيطر. وقال بعضهم: الإوز شتوي صيفي؛ وإنما قيل طيور الصيف والشتاء بحسب الوجدان. ومن شرطهم استتمام خصال ثمان وهي: الأدب، والصدق، والشجاعة، والمروءة، والكرم، والمودة، والوفاء، والفتوة. فأما قولهم: (الوجوه) فهو أن تقف الرماة إذا خرجوا إلى (البرز) مع طلوع الفجر - وهو أول وقت خروج الطائر من الماء - إلى حين طلوع الشمس؛ فما يصرعه في ذلك الوقت يسمى: (وجه غداة)؛ فإذا طلعت الشمس خرجوا من المقامات، وصبح بعضهم بعضا؛ فإذا خرج الطير وصرع في ذلك الوقت شيء يسمى: (وجه صباح) و (وجه مصبح)؛ فإذا كان لهم طائر يدخل الماء ويخرج منه فذلك يسمى: (وجه خوارج) و (وجه رواجع)؛ وأما (وجه العشاء) فهو أن لا يبقى من الطير في الصحراء شيء إلا ويأتي، وهو أوسع الوجوه وقتا. فإذا خرجوا من (المقامات) باركوا في المصروع و (حملوه). والتبريك والحمل أن يقول الرجل للطير المصروع: (بارك الله فيك) ثم يرفعه بيده. و (الحمل) يقوم للصارع مقام الشهادة.

стр. 295

والمقامات على قدر ما يقع في الخطة؛ ويقال لمن جاء في آخرها: بطيحة - والوقوف في مقام التحمل على قدر القدمة في الرمي. ولا يقبل عندهم إلا شهاداتهم؛ والشاطر عندهم من كانت له صروع كثيرة وإحسان ونكت. والإحسان أن يصرع الرامي طيرين من جفة، أو طيرين من زمزوم، أو طيرين من خمسة، أو من أربعة، أو من ثلاثة، أو أن يصرع (المصطحب): وهو أن يمر به طائران فيصرعهما جميعا. والنكت هي صراع الأطيار الكثيرة من زمزوم وما أشبهه. ومن اقترف منهم ذنبا عقد له مجلس: فإذا قطع الحاكم فيه - أي حكم عليه - نزل عن قدمته، ونودي عليه، وهذا هو (الإقعاد). في ذكر البرز: وبرزنا للرمي ومعنا قسي لا تتشكى معها الأوتار، ولا تزال طالبة للطير بالأوتار؛ في رفقة قد خرجوا في طلق، وإخوان صدق أحدقوا بالملق؛ آثروا التغرب على حب الديار، وبدوا أقمارا طالعة في سحب الغبار؛ في وجوه ما منها إلا ما ليس له شبيه، وعرف بأن يومه ذو الوجهين وهو وجيه. مرة والشمس ما طلعت، ولا سرحت الغزالة في فضاء النهار ولا رتعت؛ ومرة غدا اليوم مع أمس، والتقم المغرب قرص الشمس؛ بينا ترى الطير سائرة، إذا من عينها بالساهرة؛

стр. 296

وبينما تكون رتعا، إذا بهم في محاريب قسيها ركعا؛ وقد أعددنا معنا من الجراوات كل حمراء تكن موتا أحمر، وتقذف نجوما تظل بها ذوات الأجنحة تقمر؛ وقد أكنت من البندق كل مرمية مرموقة، متفرقة وكلها من طينة واحدة مخلوقة؛ كأنها من حصى الجمار حيث تحذف، أو من شهود الزور - والعجب أن منها الجرح وهي تقذف؛ حتى أخذنا مواضعنا وللطير في الماء مواقع، كأنها من فوقه فواقع؛ فلم تزل حتى نكدنا لطيب عيشنا سرورها، ونقطنا بالبندق سطورها؛ ولم نعد حتى عدم بيننا الإعسار، وأثرينا بما كسبت أيدينا ملء اليمين نحمل قسينا باليسار؛ ولم يك بأسرع مما عاجلنا تلك الصرعى فحصلت، ولم نسأل بأي ذنب قتلت؛ ولم يبق منا إلا من عرف منهجه القويم، وعاد إلى مستقره يروي الحديث عن قديم. فمن تم تم خلقه، وقدم على الطير المعتد به في الواجب بما أوجبه حقه؛ قد تميز شيده من قاره، وخاض منه النهار في الليل وغالى فيه فعلق برجله ومنقاره؛ حسن في خلقه المستتم، وحق لسناه المشرق أن يسمى بدر التم؛ فرماه ببندقة طال عليه بعدها الأسف، وأسقط عليه بعدها الأسف، وأسقط عليه كسفا وهكذا البدر إذا قابل كرة الأرض انكسف. ومن كي أرزق الجلباب، قد أطرق إطراق الشروق وخف خفة الشباب؛ كأنه في تخييمه ثمامة، وفي تحويمه غمامة؛ قد مسح بجناحه على الماء، وأكل كل حوت إلا حوت السماء؛ فصوب إليه صائبة أصابه مقتها، ولم تعده لما ألم وقتها. ومن إوز يمشي مشية المتمايل، ويهتز هزة المتخايل؛ قد تمايل إعجابا، ولبس من بياض ريشه وزرقته سنجابا؛ ينظر النظر الشزر لكثرة الارتقاب، ويلتفت

стр. 297

تلفت الظباء إلا أنها زادت عليها بلين الرقاب؛ فلسعتها عقرب قوسه، وقل لديها أنصاره على كثرة خزرجه لديه وأوسه. ومن لغلغ رفلت في جلابيب أخواتها، واشتملت على أكثر أدواتها؛ قد تطاير منها رماد عن لهب، وفتنت بعيون أحسن من ذي عين من الذهب؛ تحارب بسحر الحدق، وتشهد - لمشابهتها للترك - أن من قال: (شبيه الشيء منجذب إليه)، صدق؛ فلم يكن بأعجل مما رماها، وصرعها وكانت تظن أنه يتحاماها. ومن أنيسة قد لبست من كل الألوان، وقل وجودها في كل أوان؛ لا توجد مثلها آنسة، ولا يلقى شبيهها ظبية كانسة؛ قد أصبحت لا تحدث إلا أخبارها، ولا يخير رام بينها وبين جليل الطير إلا يترك الكل ويختارها؛ فرماها ببندقة ألقتها يديه، وأصابتها في المقتل مع عزتها عليه. ومن حبرج كأنه زهر روض منمق بين الزروع، أو فارس حرب خرج وعلى أكتافه صدأ الدروع؛ لا يجزع لطول بينه، ولا يخاف إذا سرح أن يصيبه الوتر بعينه؛ كأنه على ذهب يدرج، وإذا ذكر كل جليل كان حقيرا في جنب الحبرج؛ فأقصدته رمية عجل بها الرامي سريعا، فخر لديه صريعا. وطار عليه نسر قد اصحر على إلف مثله في البيوت، وفر على أنه يسلم ولم

стр. 298

يدر أنه يموت؛ قد شمر فاضل السربال، وأوى إلى الجبل ليعتصم به فلم يعصمه شيء من الجبال؛ عرف لعفافه عن الدماء بالخير، ونسبت إليه القبة المعروفة به فأصبح صاحب القبة والطير؛ لو صارعه كل الباع لصرعه، أو حلق مع أخويه: النسر الطائر والواقع لما طار واحد منهما معه؛ فتصدى له الرامي حتى رماه من قنته، وأخرج ملكه المحجب من قبته. ثم طارت عليه عقاب من العقبان فتخاء كاسرة، مدرعة حاسرة؛ ما أمت سربا إلا انشعبت، ولا حملت على يد إلا وأضحت ترمي بظل ذي ثلاث شعب؛ قد فتكت بكل طائر حتى لم يدع لها قرنا، وسطت على الظباء فكم أهلكت قرنا. فرماها بحين من بندقه، وأراح منها كل ظبي في كناسه وطائر في أفقه. ومر على إثرها كركي انسل من خيطه، وأقبل يستن في شوطه؛ كأنما جللته السماء بردائها، أو كسته لون الماء من تساقط أندائها قد شف لونا عن العنبر الورد، وزين الأفق لما حلق في شفقيه بذهب ولازورد؛ فعاجله الرامي في تعرضه، وعاجله ببندقة خر لديها - وأزرق الصبح يبدو قبل أبيضه. فتبعه غرنوق حسن المجتلا، مقدم على الغرانيق العلا؛ قد أدرع مثل

стр. 299

الزرد، وتوقد ضرمه ثم برد؛ كأنما أطبقت أجفانه على جمر، أو عصر من عنقود الثريا ما أوعاه في مقلته من خمر؛ فأصابه الرامي في جناحه، وعد تحصيله من أول نجاحه. ثم حلق عليه صوغ كأنه رقيق غيم، أو متدرع بسلخ أيم؛ كأن بقية نرجس بفيه، أو ليل ذر على الصباح بين قوادمه وخوافيه؛ قد أتعب الرامي، وابعد عليه المرامي؛ إلا أن أجله أعجله، وأتاه على يده ما أجله ولا أجله. ثم عارض مرزما، وعاين منه مثل نوئه منسجما؛ قد أبرز كميه بين درعيه، وتوقى من الصدر والجناح مصرعيه؛ فظل يدل بما عليه من جوشن مورد، وجؤجؤ عبل عليه درع مزرد؛ فلم يدافع حذارة ما حلق إليه، ولا أقبل إلا ورشاش الدماء عليه؛ فقام إليه على فرقه، ورماه فلم يخط ما بين مغرزه ومفرقه. ثم استقبله شبيطر بنيته سوية، وآيته في تلقف الثعبان موسوية؛ يأكل الحية ولا يتشكى أوجاعا، ويلقم كل بطل ولا يدع شجاعا؛ قد تقاصر كل جليل عن قدره؛ وألقى جوشنه من جناحيه من وراء ظهره؛ وتلقى بصدره فقعد له وهو مرتفق، وسقاه بصوائبه كأسا منه لم يفق؛ فلما لم يبق إلا انصرافه من مقامه، وعوده بعد بأسائه في الطير وانتقامه. عن له عناز قد تجلل بذوائبه، وأضاء برقه في جون سحائبه؛ وقد طلع في السواد منه مثل بدره، وتجلبب به إلا ما قل منه عن صدره؛ فتحلى من رياشه بما لم

стр. 300

تجده العفر، وأشرق بياضه في السواد مثل نور هدى في كفر؛ فعجل له باستقباله الحمام، وكان لطيوره التمام. النوع السادس: طيور مختلفة الحمام الهدي: وهو الرسائلي. وأجوده الخضر والغر؛ فإذا اسود الحمام حتى يدخل في الاحتراق صار مثل الزنجي الشديد البطش القليل المعرفة. والأبيض وما ضرب فيه البياض لا يجيء من الغاية لضعف قوته؛ وعلى قدر ما يعتريه من البياض يعتريه من الضعف. ويختار منها كل قصير المنقار، طويل العنق، طويل القوادم من غير إفراط، ولحوق الخوافي بعضهن ببعض، وصلابة القصب من غير انتفاخ ولا يبس، وعظم الفخذين، وقصر الساقين، وغلظ الأصابع، وقصر الذنب، وتوقد الحدقتين، وصفاء اللون. ويقال فيه: وهو حمام علم منه ما علمت الجوارح، وذلل منه ما ذللت من الخيول الجوامح؛ وأخذت بالتدريج، وانتخب منها كل زوج بهيج؛ ونزلت الأبراج لأنها أمثال النجوم، وحلقت حتى لا تزداد عليها بتحليق البرق الغيوم؛ وجعلت لاستطلاع الأخبار، وعرف بها من العلم ما لم تؤت مثله الأحبار. في سائر الحمام مما هب وهدر: وشدت الحمائم على تلك الأفنان، وبكت

стр. 301

بكاء آدم وما أخرجت من الجنان؛ قد نبهت بعد هدر كل نائم، وسلت بعد طول سبات كل هائم؛ تارة يغني وتارة تنوح، وتجمجم ويحق لها أن تبوح. في القطاة: وكم من قطاة علق بها شرك تجاذبه بجناحها وتغالبه بجماحها؛ لا يرد كدر بها كدر الماء، ولا يبعد عليها ثنائي بهماء، ولا يخفى عليها طريق بر مقفر ولا ما به ماء. في الحجل: وأخرج من الحجل كل متولجة، وأظهر كل متحرجة، وصاد منها كل مخبلة من شدة الخوف ومبنجة؛ وسبى منها كل ذات حلة دكنا موردة، وكل هيفاء غادة خصورها ممنطقة مشددة. في الدراج: ومن الدراج كل ذات رداء موقوم، وجلباب كأنه أول شفق فيه لآخر رقوم، طابت طعاما، ولم يعدها الصائد إلا أنعاما. في الغراب: وهو الذي ينعق بالخراب، ويؤذن بالاغتراب؛ وما زال ينمى له الحين، وينسب إلى الفراق ويقال: غراب البين. في البط: وقد لبست أحسن الرياش، وأكثرت شق الأنهار فأضحى عليها منه مثل الرشاش؛ قد تتوجت بمثل أجنحة الطواويس، وصفقت بأجنحتها فأشبهت أصوات النواقيس؛ وعقفت أذنابها كأنها أطراف قسي البندق التي تصيبها، ولازمت زرقة الجو مما قل منه نصيبها؛ ورضيت بالعلقة من العلق حبا بالقناعة، ووقفت على فرد رجل زيادة في الطاعة. في الديك: ووثب على أعلا الجدار، والفجر قد هم بالبدار؛ فصفق بالجناح، وشمر ذيله ليخوض غدير الصباح؛ هذا وقد استشاط والتهب، وصاغ له منقارا من ذهب؛ وجناحه قد حسن تكوينه، وحسب من نوار الربيع تلوينه؛ واختال لما صحت

стр. 302

نقوشه، واعتدل عليه شربوشه؛ وفضل بلا خلاف، وصفت عينه فلم تعد وصف السلاف. في الدجاج: وقد أشرف من ذلك الدجاج، على مثل قوارير الزجاج؛ من كل مسمرة الدستبان، منها زهر الفول وسائرهن زهر البستان؛ مطعمات لهن بر ممنون، ومتشابهات كأنهن بيض مكنون؛ كأن في أعرافهن نارا تؤجج، وكأن كل دجاجة منهن بطل مدجج؛ يصلح بهن المزاج، ويكتفى في العلاج؛ أجل ما أكل الصحيح والسقيم، وراق الشرب منهن الديباج الرقيم.

стр. 303

الفصل الثالث: في الأمكنة في مدينة مسورة: وهي مدينة تصرف عنها العين، وتصرف فيها العين؛ وقد أضحت غرة في وجه الدهماء، وأمست في الأرض أخت البلدة التي في السماء؛ قد شد بالسور على خصرها النطاق، ونجم بها طالع الأنجم النفاق؛ ذات أزقة وسيعة، وأدور فيها لمنازل الأقمار وديعة، قد فصلت منطقتها بالبروج، وفضلت على كل بلد حظ ساكنها منها الخروج. في آثار دمنة: فأصبحت لا ترى إلا آثار مساكنها، ولا تروي إلا أخبار ساكنها؛ قد غدت أطلالا تجر عليها الرياح أذيالها، وتسرح فيها النعام رئالها؛ كأنها لم تكن ملعبا للحبائب، ولا مرأى للربائب؛ قد تجدلت تلك الجدران، وأوقدت بالجوانح ما أطفئ منها من النيران؛ وانتضى عليها البرق سيفه فخر ذلك البناء المشمخر، وضرخ في جنباتها جواد الرعد المسبطر؛ وفرطذلك العقد المنضد، وفصل ذلك العقد المعضد؛ فشكها في خيطه الغمام، وحل فيها عقد صبره

стр. 304

الإلمام؛ فهدت تلك الأركان، وهدمت ما كأن شيئا منها كان؛ فأصبحت تسقى بماء العبرات، وتروى بأجاج لا يرويها العذب الفرات. في قلعة شاهقة: وهي أي قلعة يقص دونها قوادم النسر، وتعرف بضمها إلى النجوم أن جميع القلاع غيرها مبني على الكسر؛ قد ذلت الرياح عن طرقها، ونزلت الكواكب دون أفقها؛ ومتت إليها البروق بأسباب لم تقطع، وفصل عليها ثوب السحاب لكنه مذ وقع دونها ما توقع؛ قد استعلت على قنة جبل ازداد بها رفعة منار، وأصبح بها - وهو صخر - علما في رأسه نار. في حصن شاهق محصن: ودونه جبال رفيعة، وأودية منيعة؛ وقد بني على قنة يقع دونها النسر الطائر، ويقنع بدون طيفها الخيال الزائر؛ قد آلت السحب إلا تفرجت عنه فروجها، والشهب إلا ميزت منه بروجها؛ قد أذكى البرق فيه شعله، وغلقت عليه السماء أبوابها المقفلة؛ وأنكرت الشمس فيه الأيام، وخفيت دونه الأهلة فما رئيت إلا في التمام؛ وتمنطقت أسواره بالمجانيق التي حالت العهود، وحلت العقود؛ وهدرت في كل ناحية فنيقها، ونزلت في كل جهة فريقها؛ ورداء أسواره من المقاتلة أسوار، ومن أهل النوب من جرت معهم أطوار؛ وما عملت في صخوره المعاول، ولا دبت نقوبها في المفاصل، ولا نفذت منه المادة ولا انقطع عنه الواصل. في منازل بلد: وأحدق بذلك البلد، وقطع من نسله كل ما ولد، وحسمت عنه مواد الحلب حتى قل منه الجلد؛ وضربت حولها الخيام، وكثر عليها القتام؛ ودارت بها العساكر فكانت وشاحا، وأحدقت بها إحداق الأجفان بالعين إلا أنها كانت وقاحا؛ وصبرت على قطع المدد وقطع المدد حتى كادت تلقي بأيديها إلى السلم، وتسقط من الضعف لعدم القوت لا لوجود السقم؛ ثم إن طائفة منهم سلمت بالأمان، وسلمت بالإيمان؛ وطائفة أصرت على الامتناع حتى أخذت قبضا، ووفى السيف منهم فرضا؛

стр. 305

ولو أسلموا سلموا، وهكذا يأخذ الله الذين ظلموا؛ وشب الفريقان، وشب الحريقان؛ فلما التقى الجمعان، وأن الصدعان؛ أتوا وقد غليت مراجل صدورهم، وغلبت سحب المغافر على كوامل بدورهم؛ وألد كل ذي حنق، وجن كل ذي شطن يقطع الحلق؛ وظلل القتام، وطبع الموت فيه على الرقاب بخاتمه طابعا ما يفكه الختام؛ إلا أن العاقبة كانت للمتقين، وكتب لهم النصر - ولله الحمد - قد تحقق عن يقين. في المسجد والمحراب: وأتى من المسجد بيت العبادة، ودار السعادة؛ وجهه إلى بيت الله الحرام، وميقات الصلاة والإحرام؛ واستقبل المحراب فكان لصدفته درا، وبين أحناء ضلوعه سرا؛ ثم قام وقنت، وأطال متنفلا لم يخشى العنت. في المنبر: واخضر به عود المنبر، ونظر به إلى من بر؛ وضمخ طيبا، إذ منه ضم خطيبا؛ وأضاء في حلل السواد حتى كان يشرق، واهتز بالندى حتى كاد يورق؛ وأطرب إذ ضرب منه عود تشجي نغماته الفصيحة، ونفح عود يشب بنار تلك القريحة. في المئذنة: وقد رفعت منها سبابة تتشهد، ومنارة تشهد فيها النجوم لمن يتشهد؛ تسبح فيها بالغدو والآصال رجال، ويعرف بها الأوقات والآجال؛ تذكر القانت في محرابه، وتنبه النائم لما هو أحرى به. في حي حلول: وشاقه تذكر اللقا، وساقه إلى حي على أيمن النقا؛ فأشرف منه على بيوت قد أشرعت إلى الرياح، وشرعت حولها الرماح؛ وأكنت لياليها السود

стр. 306

أقمارا، وأطلعت أيامها الشموس نهارا؛ ورتعت في جنباتها الجآذر، وصرف عنها صرف الزمان ما يحاذر؛ وانبثت إماؤها في تهيئة الأهب، والاستعداد لليل وصدر النهار ما ذهب؛ وقد حصلت لقرى الضيفان الجفان، وفتكت بذوي الصبابة قبل قواتل السيوف الأجفان؛ وقد أطلت فتية الحي تشد بهم تلك السلاهب، ويتدارك بهم بقية الليل الذاهب؛ وقد قال ولدان الحي: تعالوا - إلى أن يأتي الصيد - نحطب، ورقبوا الطارق وما نخاله إلا عنقاء مغرب؛ فإذا هم به وقد حط رحله والشمس قد انحطت للغروب، والفتية قد نزلوا من الركوب؛ فبات يعلل على نارهم، ويأخذ في التأهب للرحيل ووده لا يخرج من ديارهم؛ ثم لم يجد بدا من الانصراف، حين ألقى الليل عنه الطراف؛ هذا وخطيب الدجى لم يتمزق أهبه، ولم يشرق دواء الصباح ذهبه. في مرج أخضر: ونزل بمرج كأنما فرش بإستبرق، وطلع الصباح في ليله المتراكم فأشرق؛ قد اتسع للرائد فيه مدى طرفه، وامتد إلى غايته أمد طرفه؛ واخضر كأنما خلع عليه العذار، وحسن كأنما قبلت به الأعذار؛ وقد نسجت ديباجته الأنواء، وقرطت زمرده الأنداء؛ كأنما عبثت بنسيمه فارات المسك فرضها، أو عرضت عليه فضة الفضاء في تلك الجوانب ففضها؛ وقد طرفه بزهر الربيع أوانه، وضلل عليه قوس السماء فنفضت عليه ألوانه، فما حل في أكنافه إلا من اذكره خضرة العيش، وثبته ومع هذا وثب به الطيش.

стр. 307

في روضة غناء: هذا وهو إلى جانب روضة تولت خيوط الأنواء نسج غلائلها، ورقم خمايلها؛ وتعليق سيوف الجداول من جنباتها المخضرة في خمائلها؛ وقد وشعت مرطها، وحلت إلى الأنداء قرطها؛ ونفضت عليها البكر والأصائل أصباغها، وأطالت عليها ظلال الصباح والعشي إسباغها؛ فجاءت ببدائع الألوان، وأقبلت باكورة تعد من بداية الأوان؟ في شجر بادية: وثم شجر له دواء وما له ثمر، وسمر لا يجتنى منها إلا طرائف السمر؛ وقد جعلت تلك المهامه أدواحا، وكانت لجسوم تلك القفار أرواحا؛ فلم يبق إلا من توقى بها حر الهجير، وتعلق بذمة ظلالها من نار الرمضاء يستجير؛ فأطالت ذماء كل روح، وطابت مقيلا أنست لمفارق الخيام بذي طلوح. في بر مقفر: واستقبل برا لا تسلك فيه القطا، ولا يستعجل فيه البطا، وقد بعد ما بين جنبيه، وعلقت دون أقصاه المطي فلا تنتهي إليه؛ لو سلكه النجم لضل، أو اقتحمه الريح المتشامخ لذل؛ أو سقته السيارة لما اهتدت إلى الماء ببيت امرئ القيس، أو دليل خالد لما نسب في أمره إلى الكيس؛ لا تعرف فيه اليعافير كيف تتجه، ولا العصافير في أي قطر هي لأمره المشتبه؛ يفني في أقل مداه الزاد والظهر، ويفنى الجديدان: اليوم والليلة، ويقصر المديدان: المقام والشهر.

стр. 308

في مفازة: وقطع مفازة لا يقطعها كل حديد، ولا تذرعها أيدي المطي مثل كل البيد؛ يلوك فيها العارف الحصا خوفا من جفاف فمه، ونشاق ماء حياته ودمه؛ لا يفيد في سلوكها النادم العض على الأصابع، ولا يدري القادم عليها ما الله به صانع؛ لا ينهل فيها الماء المحمول إلا نهلة الطائر، ولا يعلم فيها المنقطع للبس نعله أين يقدم السائر؛ لا يدرك فيها مأمول، ولا يقتل العيس إلا الظلماء والماء فوق ظهورها محمول. في رمل: ودخل في تلك الرمال فنسفها نسفا، وأوطأها حافرا وخفا؛ ولم يرعه شوامخ تلك الكثبان، ولا لوافح نار الهجير في وجوه الركبان؛ والرمل قد طار شرره، وظهر أثره؛ وسالت في تلك الشعاب أوديته، ولفت في معارف تلك الطرق أرديته؛ وعقدت منه كل عقدة لا تحلها الأنامل، ونسجت من رماله كل شقة لا تفتل خيوطها الأنامل؛ وقد امتنع جانبه فلا يقدر وارد مائه على نهل، ولا يزال يحدث منه عن أبي ذر ويسلكه أبو جهل. في كثيب: وكم عاجت المطايا على كثيب، وكم عادت على أيمنه وذكرت حاجة كئيب؛ ماجت في الأرض تلك الروادف، ومالت فأمسكتها من الرواجف؛ ونهدت في أعالي بطون تلك الأودية كأنها نهود، ونظمت كاللآليء في أجياد تلك السفوح كأنها عقود؛ وعلت كأنها لتلك المذللة أسنمة، وظلت عن تلك القلل كأنها مسلمة؛ قد امتدت للزلزال أسبابا دون الأوتاد، وعدت من صغار الجبال فكانت لها كالأولاد؛ ودارت نطاقا بذلك الفضاء كأنها مخيمة، وتقاصرت عن مدى الجبال كأنها بغير الثريا مختمة. في جبل شاهق: وكم دونه من جبل لا يبلغ الطرف أدناه، ولا يقطع النسر المحلق منه إلا دون مناه؛ لا تظن الشمس عليه إلا إكليلا، ولا يرى البدر المعلق في ذاره إلا قنديلا؛ تقع دونه الرياح ظلعا، وتزور النجوم حتى تغدو عيونها حولا ولا تستطيع إليه تطلعا.

стр. 309

في واد عميق: ونزل قرارة واد لا ترى فيه الشمس إلا عند زوالها، والأقمار إلا بعد تمام هلالها؛ لو تهدر إلا مهواته الريح لخر صاعقا، أو الرعد لشق ثوب السحاب ونزل زاعقا.

стр. 310

الفصل الرابع: في المياه ولوازمها في البحر: والبحر سماء يمشي في مناكبها، ويمتطي كواهل كواكبها؛ أفلاكها الدائرة، فلكها السائرة؛ وملائكتها المسبحة بأسمائها، حيتانها السابحة في مائها؛ تنشأ منه السحائب، ويخرج الدر منه بين الصلب والترائب؛ تجري فيه السفن في موج كالجبال آياته لا تحتجب، وكله عجب حتى ليس فيه عجب. في تنكر البحر: وتنكر البحر بعد أصحابه، ونكر معروفه لأصحابه؛ وأقبل عليهم بوجه مكفهر قد قطبه، وخرق في جنب السفينة قد قطبه؛ والريح قد شرد باللجج شردها، والأمواج قد أحكم في التقدير سردها؛ وقد تزاحمت الأفواج، وتلاحمت الأمواج، وتلاطمت الحيتان بعضها ببعض، وقد كشفت الريح البحر حتى كادت تبين قرارة الأرض؛ والخوف متوقع، والموت منتظر ولكن أين حدث في البلقع. في إصحاب البحر: وقد أصحب البحر بعد امتناع جانبه، وتلوي مجانبه، وتلوي مجانبه؛ وأصحب وكف؛ وغدت السفن كأنها سرر مرفوعة، والقلاع منشورة كأنما السماء بها مرقوعة؛ وقد لان من الرياح ما اخشوشن، وبان البحر لتكسر موجه كأنه لابس جوشن؛ وصفت سريرة مائه وكانت قد تكدرت تكدر الخب، وتسهلت عريكة ريحه، وكانت قد تعسرت عسر الحب. وهو الآن طيع العنان، حسن العيان، كيفما أخذت به أصحب، وانقاد بعدما كان قد استصعب.

стр. 311

في نهر جار: فطنب بجانب نهر يتلوى أرقمه، ويمر النسيم على ديباجه الساذج فيرقمه؛ يروع حصاه حالية العذارى؛ ويظهر صفاء باطنه لظاهره اعتذارا؛ كأنما ذاب فرند في مائه، أو تفرى ليل عن سمائه؛ فجاء بدمع العين، وغسل حتى صدأ البين. في غدر: وفي تلك الفيح غدران كأنها عشور في مصاحف، ووجوه حسان في بيض ملاحف؛ كل غدير منها كأنه درهم، وكل أتي كأنه يجمع أرقم؛ قد امتدت في ذلك الفضاء، وسالت في إنائها المصوغ من الذهب الأحمر بالفضة البيضاء؛ وقد صقلت عليها الرياح سوالفها، وتذكرت حولها فتية الحي مآلفها؛ وأرخت عليها الرياض خضر برودها، وحامت النفوس الظماء منها على ورودها. في منهل مورود: ووردنا منه نطفة زرقاء تروي الصدي، وتروي بأقرب سند حديث السحاب من طريق الندي؛ يرشف من حبابها مثل الثغور، ومن رضابها ما تقل به الخمور؛ قد نشرت منه شققا بيضاء وقصرتها الشمس، وحمتها مسافتها البعيدة من اللمس؛ تحدرت من غر طوال الذوائب، ونزلت على صفاء الأرض من صفو السحائب؛ وتولت الريح نفي قذاتها، ونفع شاربيها بدفع أذاتها؛ فكانت مثل صفاء الدمعة، ورقة الشمعة، وثياب أهل الإيمان البيض يوم الجمعة. في ماء آجن: ولم تجد الإبل على تحرق أكبادها، وتخرق أكتادها، وامتداد لياليها وأيامها بأوامها، وذهاب مددها، بعطش كبدها، إلا ماء سار من حمأة

стр. 312

كدر، وعلا رأسه المشيب مما بلغ من كبر؛ كأنما صب الزيت على مائه، أو غشي صباح غديره بظلمائه؛ وقد أصبح كأنه نقيع حناء، وبقية ما عل أرقمه من زمان حواء؛ لا تقربه الدواب ولا كثير من الناس، ولا تهون المصيبة به إلا إذا وجد بعد الإياس. في السفن: وأطار من السفن كل خفيفة الجناح، خفية الجماح؛ تمد من القلوع أجنحة، وتعد من المجاذيف أسلحة؛ تجل أن تقاس بدهم الخيل، أو تشبه نجب قلوعها المنشرة بنهار أو ليل؛ قد اتخذت سماء البحر ميدانا، وحطت على موجة البحر غربانا؛ وشالت انفها تتنسم الأرواح، ومدت كفها وكتب على الماء ما خطت في الألواح؛ فكأن كل واحدة منها على البحر ثوب فيه قصر، وكأن الماء عين محدقة وهو فيها سواد البصر. في السمك: وثم من عجائب المخلوقات ما يتجاوز طور العقل، ويتجوز فيه أهل النقل؛ ومنها نوع السمك الذي تنوعت مخلوقاته، واجتمعت في البحر متفرقاته؛ وحسن في ذلك المهرق منه تعريف كل نون، واجتلاء كل حسناء كأنها بيض مكنون؛ وتنوع ما يخرج من البحر من ذلك اللحم الطري، وطلوع كل حوت ما يعوزه إلا المشتري؛ وبيان كل بنية كأنما يقشر منها سبيكة فضة، أو تخرج منها جمارة

стр. 313

غضة على انبعاثها في صفحة الماء، وانبثاثها كالنجوم في السماء، وتلببها بأمثال الجواشن، وإطلالها في مثل الخود من تلك الرواشن؛ وتلك الظهور الجؤجؤية، والقمص الؤلؤية؛ والبطون التي كأن لمسها من حرير، والأذناب التي لو سحبت في خطة الأخطل لجرى وراءها جرير.

стр. 314

الفصل الخامس: في الكواكب في الشمس: وقد طلعت الشمس العائبة، وحال الذهب في تلك البودقة الذائبة؛ وأسفرت تلك المخدرة، وأطلعت تلك الشارقة المنورة؛ وأفلتت من شرك النجوم تلك الغزالة، وأقبلت تحت قناع الشفق وما عليها إلا غلالة. في الهلال: وقد جرى في تلك اللجج الغزار زورقه، وورثه أصيله أو ورده شفقه؛ وتقوس كأنه حاجب، وانشق كأنه حاجب، وانشق كأنه نون أجادها كاتب. في القمر: وقد أوقد في الليل ذلك السراج، وزينت قبة الفلك تلك الجامة الزجاج؛ وأتم تمامه، واستدار كأنه هامه - أستغفر الله - بل عمامه. في النجوم: وقد طفت على ذلك اللج مواقع النجوم، وتفرقت مواقع تلك الأنواء السجوم؛ وقذف ذلك البحر لؤلؤه، وانهد ذلك البازي جؤجؤه؛ ومدت تلك الشبكة، ووقع فيها الحوت فخافت السمكة؛ وقد طعنت أسنتها النوافذ الليل حتى أنهرت فتقه، وهلهلت ثوبه ولولا الحسن لما أظهرت عتقه.

стр. 315

في المجرة: وقد ركد نهر المجرة، وانهار جرفها وصار كل ناحية ذرة، وكأنه حديقة نوار، فصار لما التأم كله أنوار. في الثريا: والثريا عنقود منور، وقدح مصور؛ وخاتم في بنان حبشي، ونوار في حدائق الصباح والعشي؛ ولم يطل الليل مذ قيس بشبرها، وأحسن ما شبهت بصفحة مهرق رشت عليها الظلماء من حبرها. في الجوزاء: وقد زادت الجوزاء في الطول، وشالت عصاها على الشول؛ وامتدت كأنها ذراع، وطالت كأنها باع؛ وشدت كأنها طنب ممدود، وانفصلت كأنها جيد محدود؛ وتهدلت فرع، ودرت كأنها ضرع؛ تعرف بين النجوم، وتسفر على البقية وجوم.

стр. 316

الفصل السادس: في الأزمنة في الصباح: وقد رقت تلك البكر، ووضحت تلك الغرر؛ وحسنت تلك الصبح المسفرة، وأصبحت بها الأيام ضاحكة مستبشرة؛ وقد أخذت مجامع الحسن تلك المبادي، وأولت بيض الأيادي؛ وجليت تلك السماء الفضية، وجليت تلك المرآة التي كانت من بقايا الليل صدية؛ ودبت حمرة الشفق في وجه النهار، وتوقدت جمرة الصباح إلا أنها من نور لا نار؛ وكان انفتاق الضوء في أخريات الليل مثل شجر ياسمين ينفض، وأقبل النهار في شبابه إلا أن شباب النهار أبيض؛ وباكر الصباح بالصبوح، ودفن الهموم والزق لديه مذبوح؛ وشرب على ماء ورد الشفق مثله من المدام، وجاهر النهار ولم يخش الملام. في شدة الحر: وحمي وطيس الهجير، وقيد الراكب بحبل الشمس مثل الزنجير؛ وود الماشي على الأرض لو وقى قدمه بأم رأسه، والملتظي في ذلك الحر لو وصل الرياح بأنفاسه؛ كأن كل حصاة من جمره تتوقد، وكأن مدى ما بين كل خطوتين ما بين الأرض والفرقد؛ شموسه السم المذاب، ونطفه العذاب العذاب؛ لا يتمسك له إلا بآل من آل، وذمته من شعلة رمل يشب لها ذبال؛ ألفح من نار العتاب، وأشد لظى في القلوب من فراق الأحباب. في شدة البرد: واشتد البرد حتى أرق العظام ودقها، وفرق الأجسام وشقها؛

стр. 317

وعجل النافض لمن ود أن تعقبه الحمى، والرعدة حتى فصص الأجسام عظما عظما؛ وفعل في الأبدان ما يفعله الموت في الجمود، وفي المواقد ما يفعل طول المكث من الخمود؛ وترك الريق في الفم لا يذوب؛ والمدعي أنه يقدر أن ينطق لا يظن أنه كذوب. في الغبوق: وآخر الغبوق حتى خفق جناح الشمس للغروب؛ وانحل مسك المساء حتى كاد في ما ورد الشفق يذوب؛ ثم عب في غبوقه، ووصله بالليل حتى ضرب الشجر ببوقه. في العشايا: وزاد نحول الأصيل ورق مدامه فكاد وجنح العصر للطفل، واعتل نير النهار إلا أنه ما أفل؛ وقد كادت الشمس تتوارى، وتفتح في روض المغرب نوارا؛ إلا أن دينارها ما سقط؛ وغراب الليل لحب أشعتها ما لقط. في شدة الظلماء: واشتد الظلام فلم يتوضح غلسه، ولا زنر بالنجوم أطلسه؛ كأنه استعار سواد قلب العاذل، وعرض الغني الممسك عن الباذل؛ قد آلى الصباح أنه فيه ما ينير، وحرن فخيم وقعد على أنه لا يسير.

стр. 318

الفصل السابع: في الأنواء في الرياح: وصفقت قوادم الرياح، وخفت السفن بها للرواح؛ وخفيت على العيون فما تعرف إلا بخفقها، ولا تشكر صنائع السحب إلا إذا تغاضت لها عن حقها؛ فإنها هي التي تنشئها في السماء، وتنشرها فتبسط جناحها المبلول بالماء؛ لا يعرف مركزها فيتبع، ولا يعرف إلا أنها ما بين اثنين إلى أربع. في ريح عاصف: ثم استحالت ريحا تدمر كل شيء أتت عليه، وتقتلع دون الجبل المطل كل ما لديه؛ رغت رعودها القواصف، وعنست زعازعها العواصف؛ فلم تدع طريقا ما أنكرت معارفه، ولا ذا رياش ما سلبت مطارفه؛ ولا بحرا لم يصعب جانبه، ويقطع المركب الذي يجر باللبان جاذبه؛ فجأر إلى ربه الربان، ولم يسطع على مجمر البرق العود ولا نفع اللبان. في السحاب: وأما السحاب فقد تراكمت ضلله، وصبغت المفارق

стр. 319

حلله؛ قد طبق ما بين الشرق والغرب، وأذنت نباله الراشقة بالحرب؛ وكأن دون السماء سماء، وفوق الماء ماء؛ ولم يبق معهم إلى فريق مذهب، ولا لطريق مذهب؛ قد أخذ من كل جانب، وسال بالبحر لا بالمذانب. في الرعد: وأما الرعد فقد صرخ، ونفخ في أذن السماء حتى انتفخ؛ ولم يظن سامعه إلا أن قد شققت، وأن السحاب قد مزقت؛ وأن الجبال قد دحيت، وأن صورة الوجود قد محيت؛ فترك القلوب واجفة، والأرض راجفة، والظنون لا تستبعد أن تتبعها الرادفة. في البرق: والبرق قد نبض عرقه، ووضح بين جمة الليل السوداء فرقة؛ وعلقت منه سلاسل من ذهب، وأوقدت مجامر من لهب؛ ولم يظن إلا أن أشهب الصباح قد رقد في أدهم الليل، أو أن عمودا من فضة قد تحدر في صبب السيل. في نزول المطر والبرد والثلج: وحجبت السماء السحب ثم أخذت في الانسكاب، وجاءت بأفواج المطر: بعضه قد جمد وبعضه قد ذاب؛ وأصبحت صبيحة ليلة والناس بين ماء وطين، وأنواع من ذائب طل ومفتر ثغور وسقيط ياسمين؛ وأصبحت الأرض كلها قارورة، وذيول الأنواء المرفوعة عليها مجرورة، والثلج قد زاد في برد رضابها، والبرق قد أرسل برد أنوائه إلى الآفاق بالرضى بها، والسحاب قد مد خيوطه، والمحل قد أماته الثلج وذر من الكافور حنوطه.

стр. 320

في الآل: قد عب عبابه، وغر سرابه؛ وطبق أطباق الغمام، وانتشر انتشار الظلام؛ وأفعم واديه بالخديعة، وعدم السياسة من ظن أنه الشريعة؛ ولم يطفح نهره إلا بالخراب، ولا أتت القرب لتملأ منه إلا راحت وهي فارغة الجراب. قال المملي - أجزل الله له الثواب -: وهذا آخره وبتمامه ثم الكتاب؛ وليعذر من وقف عليه، فقد علم الله كيف كان يتلقف قلم الاستملاء، ويتخطفه مسارعة من لسان الإملاء، حتى كتب في غاية الاستعجال، وحسب عند حاضريه مما يجري مجرى الارتجال، لخمود خاطري، وجمود ماطري، وإعراضي عن هذه الصناعة، التي قلت منها البضاعة؛ وعلمت أن إنفاق رأس مالي من العمر فيها كان إضاعة؛ على أنه - وإن لم يكن فيه طائل، عند ذوي الفضائل، فقد لا يقع - لتوسعهم في العلم - موقع النقص لديهم، لعلمهم إذا كسد عندهم أن قوما له ينفق عليهم. والله يوفقنا لما هو أصلح، وبفتح علينا - فقد قرعنا بابه - والله يفتح.