Полный текст (320 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
الباب الرابع: في المناور والمحرقات
أما المناور: فهي مواضع رفع النار في الليل، والدخان في النهار، للأعلام بحركات التتار إذا قصدوا البلاد للدخول لحرب أو لإغارة.
ولما يرفع من هذه النيران، أو يدخن من هذا الدخان، أدلة يعرف بها اختلاف حالات رؤية العدو والمخبر به باختلاف حالاتها، تارة في العدد، وتارة في غير ذلك. وقد أرصد من كل منور الديادب والنظارة: لرؤية ما وراءهم وإيراء ما أمامهم، ولهم على ذلك جوامك مقررة لا تزال دارة. فمنذ اصلح الله بين الفئتين، وأمن جانب الجهتين، قد قل بذلك الاحتفال،
وصرف عن البال.
والمناور المذكورة تارة تكون على رؤوس الجبال، وتارة تكون في أبنية عالية، ومواضعها تعرف بها أكثر السفارة؛ وهي من أقصى ثغور الإسلام كالبيرة والرحبة إلى حضرة السلطان بقلعة الجبل؛ حتى إن المتجدد بكرة بالفرات كان يعلم بها عشاء، والمتجدد عشاء كان يعلم بها بكرة.
стр. 247
فأما طريق الرحبة: فكان بنور بمدينة (عانا) قوم من النصاح (بحجة أمر سوى التنوير، ويستر عليهم أهل البلد حبا لملوكنا) فترى ناره أو دخانه (بخربة الروم) وبالجرف أيضا؛ ويرفع فيهما أو في إحداهما فيرى من كل منهما بوادي الهيكل؛ ويرفع فيه فيرى بالقناطر؛ ويرفع بالقناطر فيرى بالرحبة - وقاها - الله - ويرفع فيها فيرى في كواثل؛ ويرفع فيها فيرى في منظرة قباقب؛ ويرفع فيها فيرى بحفير أسد الدين؛ ويرفع فيها فيرى بالسخنة؛ ويرفع فيها فيرى بمنظرة أرك؛ ويرفع فيها فيرفع فيها فيرى بالبويب (وهو قنطرة بين أرك وتدمر) ويرفع فيها فيرى بمنظرة تدمر؛ ويرفع فيها فيرى بمنظرة البيضاء؛ ويرفع فيها فيرى بالحير؛ ويرفع فيها فيرى بجليجل؛ ويرفع فيها فيرى بالقريتين؛ ويرفع فيها فيرى بالعطنة؛ ويرفع فيها فيرى بثنية العقاب، ويرفع فيها فيرى بمئذنة العروس؛ ويرفع فيها لما حولها إنذارا للرعايا وضما للأطراف؛ ويرفع حول دمشق بالحبل المطل على برزة فيرى بالمانع، ويرفع به فيرى بتل قرية الكتيبة؛ ثم يرفع فيها فيرى بالطرة؛ ويرفع فيها فيرى بجبل أربد وبجبل عجلون، ثم يرفع بها فينور بجبل طيبة، ثم يرفع بها فيرى بالمنور المعمول إزاء البئر الذي برأس الجبل المنحدر إلى بيسان ويعرف بعقبة البريد (وقد عدل الآن بطريق البريد عنه) ويرى منه أطراف أعمال نابلس - نحو جبال أبزيق وما حولها - ويرفع من هذا المنور الذي برأس عقبة البريد فيرى بالجبل المعروف بقرية جينين؛ ثم يرفع منه فيرى بجبل فخمة؛ ثم يرفع منه فيرى بشرفة قاقون؛ ثم يرفع منه فيرى بأطراف أعمال نابلس، ويرى على قصد الطريق بذروة الجبل المصاقب لمجدل يابا؛ ثم يرفع منه فيرى بمركز ياسور (وقد عدل البريد الآن عنه)؛ ثم يرفع منه فيرى بالجبال المطلة على غزة؛ وترفع بغزة على
стр. 248
أعالي الحدب المعروف بحدب غزة. ثم لا منور ولا إخبار بلسان النار إلا على الجناح والبريد.
ثم اعلم أن من جميع ما ذكرناه مناور تتشعب إلى ما خرج عن جادة الطريق إلى البلاد الآخذة على جنب جنوبا وشمالا وشرقا وغربا. فأما هذه المناور الآن فرسوم قد عفت، وجسوم أكلت شعل النار أرواحها فانطفت؛ والحمد لله على أمن إطفاء نارها؛ وإخفاء منارها.
وأما المحرقات: فقد كان الاهتمام بها أول شيء؛ وهي مواضع مما يلي بلادنا من حد الشرق داخلة في تلك المملكة، كان يجهز رجال لتحرق زرعها ونباتها؛ وهي أراض مخصبة كانت تقوم بكفاية خيل القوم مرعى إذا قصدوا البلاد، فكانت تحرق إضعافا لهم وإقعادا لحركاتهم، إذ كانوا من عادتهم لا يتكلفون علوفة لخيلهم، بل يكلونها إلى ما تنبت الأرض: فإذا كانت أرضا مخصبة سلكوها، وإذا كانت مجد تجنبوها. وكانوا لا يفطنون لقصد حريقها، ثم فطنهم أهل المداجاة، فصاروا يربطون عليها الطريق؛ ويمسكون منها بالأطراف، وقتل عديد بسببها، وأحرقوا بأشد من نارها. ولكن ينفق في هذه المحرقات في كل سنة من الخزانة بدمشق جمل من الأموال، ويجهز فيها أجلاد الرجال. وكان شأنهم في الإحراق استصحاب الثعالب الوحشية والكلاب المنفرة، ثم يكمن المجهزون لذلك عند أمناء النصاح وفي كهوف الجبال وبطون الأودية؛ وتمضي الأيام حتى يكون يوم ريحه عاصف وهواؤه زعزع، تعلق النار موثوقة في أذناب الثعالب والكلاب، ثم تطلق الثعالب، والكلاب في أثرها وقد جوعت، فتجد الثعالب في الهرب، والكلاب في الطلب، فتحرق ما مرت به من الزرع والنبات، وتعلق الريح النار منه فيما جاوره، هذا إلى ما كانت تلقيه الرجال بأيديها في الليالي المظلمة، وعشايا الأيام المعتمة. وكان أصحابنا يجدون في هذا رفقا ودفعا عن مباغتة الأطراف ومهاجمة الثغور.
стр. 249
وهذه مواضع المحرقات وهي: ببلاد البقعة أرض البقعة، والثرثار، والقنية، وباشنزة، والهتاخ، ومشهد ابن عمرو، والمويلح، وبلاد نينوى وهي من الموصل الآن. ونينوى كانت ذات الذكر القديم، ويقال إنها البلد المرسل إليه يونس ﵇. والمحرقات بها: ببرطلة والقنيطرة؛ وقد كان علي باشا ابن حجك حين دانت له الدولة قد عزم على أن يبتني بها مدينة جليلة تكون مقرا للسلطان، إيثارا لعدم مفارقة الأوطان، فعاجله ما حم له من حمامه، وفراغ الدنيا من أيامه.
وتمام المحرقات: الوادي، والميدان، والباب (وأظنه يعرف بعرب طي)، والصويمعة، والمرج المعروف ببني زيد، والمرج المحترق، ومنازل الأويراتية (وهي أطراف هذه المواضع إلى جبل الأكراد. وكل هذه الأرض مجال خيلهم وقرارة سيلهم) وبلاد سنجار - المنطق، والمنظرة، والمزيدة، وتحت الجبال عند التليلات.
فأما أرض الجبال فإنها كانت لا تحرق، وأبوابها بغير طارق خير لا تطرق، إذ هي بلد البقية القادرية من ولد شيخ الإسلام عبد القادر الجيلي المعروف عند العامة بالكيلاني - نفع الله به وببقية الصالحة -؛ وهذه الذرية معظمة في الجهتين، ولهم عند ملوكنا المكانة العالية، لقديم سلفهم، وصميم شرفهم، ولما للإسلام وأهله من إسعافهم بما تصل إليه القدرة ويبلغه الإمكان.
ومن تمام المحرقات: البازار، وأعالي جبل سنجار، وكل ما يقدر عليه في تلك الديار. فهذا جملة ما على الخاطر، وغاية ما يستحضره على طول المدة الذاكر؛ وإنما هو مثال، وما تضرب به الأمثال.
стр. 250
القسم السابع
في أوصاف ما تدعو الحاجة إلى وصفه
مما يكثر ذكره في المكاتبات
ويشتمل على سبعة فصول:
الأول: في الآلات ما يندرج معها بحكم التبع.
الثاني: في الحيوان.
الثالث: في الأمكنة.
الرابع: في المياه وما هو من لازمها.
الخامس: في الكواكب.
السادس: في الأزمنة.
السابع: في الأنواء.
стр. 251
الفصل الأول: في الآلات
وهي أنواع
النوع الأول: السلاح
في السيف: وسل منه سيفا يمضي حكمه على الرقاب، ويقضي على المرء بما تبقي بقاياه للأعقاب؛ يجد به اللاعب، ويتلقى بصدره المتاعب؛ ويدنو من العدو اقتباسه، ويعز عليه إذا تألى في الحرب فما يقسم به إلا رأسه؛ لا يمنع دونه زرد موضون، ولا بيض مكنون؛ قد توقد شعلا، وسفل الفرند في تياره وعلا؛ وكاد لولا السل يأكل غمده، ويقطع حتى بنده؛ وقد تردى حامله منه بابن صاعقه، وأرى الآجال منه كل بارقه؛ وقد قذف في اللج سعيره، وقبل في إبلاغ الآجال سفيره؛ كأن على متنه سلخ أيم، أو كأنه متلفع بقطع من غيم؛ قد أسبل الضارب منه ذيل ذبابه، وراع الأعداء فما خافوا من أسده المزمجر إلا سقوط ذبابه؛ فأدنى به لأجله كل محضر، وجنى منه ثمر الوقائع يانعا من ورق الحديد الأخضر.
- فيه: وسل سيفا سال المنون من لعابه، وسار الموت في إهابه؛ وتناوم عذاره ملء جفونه فما هجع، وتناوب للوثوب للمهح فما رجع، وتباكى على من قتل
стр. 252
فجرت دموعه دماء،
وتحرق على من سلم فتوقدت ضلوعه نارا وترقرقت مآقيه ماء.
في الرمح: وأعد له كل معتدل الكعوب، يجد به اللاعب وهو ملعوب؛ يضرس الحرب بأنيابه، ويتمسك الموت المطنب بأسبابه؛ يجري الدماء بالأنابيب، ويأخذ الفارس بالتلابيب؛ تحرز به المكاسب، ويلقط ببنانه من الأرواح ما لا يحصيه الحاسب؛ يود البرق المعترض في السماء لو أنه في هيئته تصور، ويتمنى نطاق البروج في السماء لو أنه بشرفاته تسور، ويتيمن الأولياء بثغره الضاحك ويتشاءم الأعداء بكعبه المدور؛ يري له كل طعنة نجلاء تفجر عينها الأنهار، ونطفة زرقاء يقدح شجرها الأخضر النار؛ يعد الموت لأسله كل سليل، ولا يوجد فيها مطعن وللطاعن فيها كل سبيل.
في الطبرزين وهو الطبر: وما منهم إلا من مشى أمام ركابنا بطبرزينه وهو الطبر، وأري من عيانه ما لا يبلغه الخبر؛ تقر له السيوف على نفوسها، ويمضي حكمه على الدبابيس فتحمله إلى رؤوسها؛ متى جرد من غلافه قيل: هذا معين قد نضخ؛ ومتى فتك به حامله إن شاء قتل فأجرى الدماء وإن شاء رضخ.
стр. 253
في السكين: وقد شرعت السكينة تنضنض لسانها، وتعطي على خشونة الحد ليانها؛ وقد كتب الفرند عليها سطورا، وضرب الشنبر عليها سورا؛ وأطلع ليل الغلف صبيحتها الغراء، وطبع حديدها الأزرق من الجوهر ما يصير بالدماء، ياقوتة حمراء، واتخذ منها الصاحب في وقت المضيق، ومثل الأخ حين وضعها في نحور الأعداء ولكنه شقيق.
في القوس: وتنكب قوسا موعد الأجيال إهلال هلالها، وتفيو الأبطال بظلالها، يشق غدران الزرد منها نون، ويرسل على عذرات الأعداء منها منون؛ تئن ولا يعرف علاج أمراضها، ويبعد على السيوف ما تقدر عليه من بلوغ أغراضها؛ قد أفاضت من السهام الراشقة سجلها، وأثبتت في مستنقع الموت رجلها؛ واستوت في قبضة الرامي، وباشرت القتل وناب غيرها الدامي؛ كم أماتت نفوس الأعداء بكمدها، وتقيأت دما من مهجهم بما رمت من كبدها، فأصمت الرمايا وما فارقت ظل الإبهام، وتقاسمت النصر هي والسيف ولكن كان لها دونه أوفر السهام.
- وفيها: وأخرج قوسه الأرواح في قبضتها، والبرق في خاطف ومضتها؛ والسهام قد أرخت ذوائب نصالها، والأوتار لا تروع بفصالها؛ كأنها نصف دائرة المنجنون، أو تعريقة
نون؛ ويشبع سغبها، ولا يدفع شغبها؛ معطية منوع، واهبة تروع؛ صابرة لا تعرف ندم، سائرة لها رجل إلا أنها لا تمشي بالقدوم؛ طائرة وما لها جناح، غائرة وما طلع على كوكبها الصباح؛ هلال لا يعوز رائيه بصير، ضاق فتر بمراميه عن مسير.
في السهام والكنائن: وقد اعتد معه من الكنائن كل ديمة، ذات وبل مستديمة؛
стр. 254
لما يصب منها من صوائب نبل قد بريت فيها السهام بري القداح، وريشت لصيد ما لا تصيده ذوات الجناح؛ ووصلت من النصول بكل مشتد العقب، قوي العصب؛ مرهف الصقال، مخوف الصيال؛ تقع حيث وقع، وإذا فاضت السيوف غدرانا بلت منه نقع؛ يصل إلى ما لو تطاول إليه الرمح للبب به معتقله، أو جال في خاطر السيف لضرب به ضاربه وقيد به صيقله؛ لا يتكشف ضلله إذا تجلى القتام، ولا تعيا حيله إذا أدرعت الفوارس لرد السهام؛ بلاء منزل، وقضاء مرسل؛ وحتف عاجل لا يلقاه إلا حائن، وضر بين ولهذا لا تزال تتشكى الكنائن.
في قوس البندق ويسمى الجلاهق: وبرز إلى مصارع الطير ومعه من قسي البندق كل صائلة بالحين، صائبة بالعين؛ قد تلفعت بالحرير، وتوشعت بالحبير؛ ولبست مثل حلل الربيع، وسلبت من ريش الطير المختلف الألوان ما ظهر عليها حسنه البديع؛ وقد تعقفت رؤوسها كأنها جيمات الأصداغ، وتدبجت قموصها فكأنها تعلمت من السماء حسن الأصباغ؛ وأوترت من الأوتار بما طلبت مثله من الطيور، وأسبلت عليها أزر مكداناتها لأن الحسناء لا يحسن بها السفور، قد أصمت ببندقها، ورمت الطيور من أفقها؛ وأصبح في يد قبضتها كل محلق بجناحه، ومخلق بدمه وجه مسائه أو صباحه، تمد من مقره بندقها في الوتر شبكا، وتزمجر ولا ترثي لمن شكا؛ ترمي الطير منها أمثال الأبابيل، ويمسك بوعدها في أخذ كل ما سنح في الجو لا كما يمسك الماء الغرابيل.
стр. 255
في الجراوة والبندق: ومعه جراوة كأنها أفق أنجم، أو كنانة أسهم؛ لا يزال الطير الآمن بطوالعها ينكب، وفي مطالعها يظل دمه إذا غاب كوكب منها بدا كوكب؛ قد بعدت بالبندق مراميها فما شاء راميها اغتصب، وصال به لا بها وبالقوس مما ليس في قوة جلد ولا عصب.
في العامود وهو الدبوس: ثم ضاق به المجال، وسئم سيفه من قطع الآجال؛ فاخترط من تحت فخذه عامودا تهد به الأبنية المشيدة، وتتساقط به الفوارس كأنها خشب في عمد ممددة؛
قد كمم بالحديد، وارتج موقعه فلما قيل إنه شاش عمم به رأس الصنديد؛ يموت به قتيله ولا يتنصف، ويفزع وجيبه وما هو إلا أصلاب رجال تقصف؛ يأمن به الضارب ما يخاف بالسيف في الضراب، ويقدمه قدامه لا تحميه عنه الحميلة ولا يبعد قربه القراب؛ لا ترى بشقشقته الأبطال إلا خمودا، ولجج السيوف إلا جمودا، ورأس القتيل إذا أهوى إليه إلا كان عليه من فلق الصباح عمودا؛ لا يحصن منه خوذة ولا سربال، ولا يهاب إبراق سيوف ولا نبال؛ تتكسر الأصلاب الصلاب به تكسر الزجاج، وتفلق به بيض الخوذ مثل بيض الدجاج.
في العصا: وقد خف عليه محملها فهو لا يضعها عن عاتقه، ولا يعد سواها لإزالة عائقه؛ قد اتخذ منها آية موسوية أصبحت بها يده بيضاء، وتصرف بها كيف شاء؛ وكان يعتمد عليها إذا وقف، ويجمع عليها فريقه إذا اختلف؛ وطالما قرع بها كاهل المنازع، وكان له في قمع الأعداء بها غير هذا من المنافع: يلين قسوتهم إذا امتنعوا، ويلقف بالادراء بها ما صنعوا.
стр. 256
في البيضة: وقد لبس منها بيضة زانها بياض مفرقه، وطلع فيها طلوع البدر في أفقه؛ وأتى فيها كأنه قد تلبس شعلة لهب، وعكس بها شعاع الشمس كأنها فضة قد مسها الذهب؛ لا يجد له السيف فيها مضربا، ولا يمد له العجاج عليها مضربا؛ لم يزل يوصف صبرها المذكور، ويلبس الكوافي منها من لا يطمع بما تحت ذيله الذكور؛ قد جعلت نفسها دون رأس لابسها فداء، وآلت أن لا تزال تدفع عنه أعداء.
في الدرع: وأقبل في سابغة ضاقت عيونها فلمحت المنون ازورارا، واطردت متونها تشب الوقائع نارا؛ تكحل بالغبار خزر حدقها، وتطرق أبواب الشجاعة بحلقها؛ ترد على الشمس شعاعها، وتبدي على اللمس مناعها؛ لام ليست للتعريف، وموج غني عن التصريف؛ بأسها شديد، وبصرها حديد، وبحرها بعائمه لا يميد؛ تلافيها السيوف فتقف عند حدها، وتخاطبها ألسنة الرماح فتحسن في ردها؛ تفيض على النصال فتخمد لها برقا، وتحشر مجرمي الذوابل زرقا؛ تسمع حديثا للقتال منقولا، ونرد الطاعن فيها مغلولا.
في الترس: وحمل بيده ترسا لا يزال به السيف ينكص على عقبه، ويرد وما زاد على أن حصل منه على عجبه؛ كأنما صنع لمدافعة الأجل، أو صنع ليحمل عن الضارب فضيحة
ما يلقاه من الخجل؛ كأنما شب فيه الموت والتهب، وطلعت من مشرقه الشمس فقيل إنها ترس من الذهب.
стр. 257
النوع الثاني: آلات الحصار
في المنجنيق: وأنذرتها المنجنيق ما بعدها، وحذرتها: إلا تتخلى وتلقي ما عندها؛ فلما أبت إلا امتناعا، وأن ترخي عقيلتها المخطوبة عليها من الستائر قناعا، تقدمت إليها المجانيق وقد شدت نطاقها، وشمرت للحرب ساقها، ورمت قبل القلعة قلب ساكنها بالوجل، ولطخت قبل الدماء بالشفق خدها بالخجل، واستأنت في قصدها وجاءت إليها على عجل؛ ورغت رعودها وتلك هدة واجب، وقامت في قتالها بالواجب، وأثرت في أبدان البدنات أمرا، وتقدمت فما خلت في طريقها حجرا؛ وجادلت السور فما أحسن الرد، ولعبت معه لعب النرد؛ فنشط اللاغب، وانبسط اللاعب، حتى (استردتا خيذتها) المغصوبة، وغلبت لما جارت عليها الفصوص والمناجيق منصوبة؛ فقلعت السور والباشورة، وقلبت المدينة من صورة إلى صورة، فما مضت إلا ساعة، وقد بقي صيتها إلى بقاء الساعة.
وفيه: ونصبنا عليها من المناجيق ما سامى قلاعها، وسام اقتلاعها؛ وهدم
стр. 258
سورها، وهتم ثغورها؛ وفجر حجارتها لا بالأنهار، وأضجر سيارتها وما غاب نهار؛ وأتت على البلد ومن فيه، وأتت على ما نطق به لسانها ملء فيه؛ وما هان أمرها وهو عنيد، ولا لان قلبها وهو حديد؛ ولا قصر باعها وهو طويل، ولا اختصر عنانها وهو مديد؛ من كل محكمة الترتيب، من كل محكمة الترتيب، محكمة التدريب، مبسوطة اليد تنادي السماء من مكان قريب؛ مفتولة الساعد، مقبولة المساعد؛ يتحرك لسانها كأنها تعاتب، ويتحرر سنانها كأنها قلم كاتب؛ لها فخذ كريم لا تلوي به على نسب، وحبل متين ولا يتمسك منه بسبب؛ قد أثبتت في مستنقع الموت رجلها، وأنبتت في غابات القنا أصلها؛ وأصبحت كالرجال، لا يعرف ما في صناديقها المقفلة، وكالأعمال لا تخف كفاتها المثقلة؛ لا تكاثر في مجال، ولا تكابر أنها تلقف ما صنعوا من عصي وحبال؛ قد استلت كأنها عقاب، وامتدت كأنها سحاب؛ وهدرت كأنها رعود، واستترت كأنها خود؛ واضطرمت كأنها حريق، واضطربت كأنها طليق؛ وأطلت كأنها أجل، وولت كأنها وجل، وطلت دماء دبت في صفحات البذيات كأنها خجل؛ وأنت وغيرها الثاكل، وسغبت وفي الثغور الممضغ منها فضلة الآكل؛ فناجت تلك الشرفات
بما محى محاسنها، وتتبع في المكان مكامنها؛ وأرعدت فرائص الحجارة، وأخلت السور من النظارة؛ وولجت المدينة وولعت بمبانيها الهائلة ففرقت شملها، وبعقودها الطائلة فحلت نظمها وعجلت حلها؛ وألقت عن المدينة نطاق السور، وفكت عن الجيد عقد جيبه المزرور؛ ودخلت العساكر المنصورة إلى داخل المدينة هجما من كل مكان، ووثبا على آثار الثور كأنه ما كان؛ وملك البلد بمجموعه ورفعت به الأعلام، وسمعت به دعوة الإسلام؛ وتسنمت ذروة الأبراج للأذان، وتسلمت ولصانع المنجنيق اليد وله الإحسان.
في الزيارات: وشد من الزيارات كل ذات معجزة خارقة، ورجل دائسة في
стр. 259
الأرض ولها يد لأعناق المعاقل خانقة؛ تهدر مثل الفنيق، إذا أزبد، وتباري المنجنيق فتقول: هذه صنعة ما لي فيها يد.
في الستائر: وتسترت تلك المحجبه، وتسورت بأسوار أخرى من الستائر غدت النواظر منها متعجبه، ثم طفقت لا تنظر إلى من وراء ستور تلك الستائر، ولا يعرف بها ما في داخلها إلا كما يعرف ما في السرائر؛ وقفت دريئة للسهام إلا أنها سهام المنجنيق، وصبابة لكل صب لا يرى منظرها الأنيق؛ وأقام من فيها خلفها يخاتل، وغايته أن يدافع عن نفسه وهو يوهم أنه يقاتل.
في السهام الخطائية: ومن السهام خطائية لا تخطي صوابها، ولا تخطي مهلك قرية مصائبها؛ قد حشيت صدورها غضبا، وكاثرت السهام بأجنحة النار غلبا، لا تنكب طرقها، ولا تفرق الأعداء ويحرقهم إلا رعدها المجلجل وبرقها.
في مكاحل البارود: ومن مكاحل كم أعمى عين بلد كحلها، وكم لقح بدنة مبدنة فحلها؛ وكم رمى فيها نطفة نار، واشتملت أحشاؤها منه على جنين كانت النار عليها به أهون من العار؛ لا تبالي بالأعداء إذا أخرجت لهم خفايا سرها،
стр. 260
ولا تخشى إذا أبدت للقوم خبايا شرها؛ تورد القلاع منا النار ذات الوقود، وترض ببنادقها رؤوس الشرفات وتكسر أضلاع العقود؛ فكم دخل بندقها المدينة هجما، وقذف شيطانها المريد بشهاب كأن له رجما.
في قوارير النفط: وقد صدمهم من النفط تلك القوارير، وأجيل في بحر أفكارهم أخبار تلك القواقير؛ ورمت القلاع منها ببلاء يقتلع قليعتها، ويسد ذريعتها؛ فإذا هي في تلك البروج متسلقة، وبحبال تلك العقيلة متعلقة؛ ثم إذا بها قد نشرت عليها رايتها الحمراء، ودبت
بعقارب البارود المصررة الضراء؛ وامتدت أغصان شجرتها وقد توقدت نارا تتأجج، وتفتحت وردا إلا أنه كلما ذبل تضرج.
النوع الثالث: الآلات الملوكية
في التخت: وعقد لإجماع على ملكه، ونظم لاجتماع في سلكه؛ فانحل الرتاج، وحل على التخت فحلى على التخت والتاج؛ وكان للسرير، أجل مما جلل به من الحرير؛ وأعظم مما صفح به من الذهب، بعض ما وهب؛ فشرف قدر ذلك العود، وتمنى أن زمانه في الغصن الأخضر لا يعود؛ وأتى تخت أفريدون دونه، وود عرش بلقيس أن يكونه؛ فما علا مثله قدر تخت، ولا قدر لمثله بخت.
في المنطقة: وأنعم عليه بمنطقة شد بها ظهره، وشد أزره؛ وناط بها من
стр. 261
العلائق ما يحسن تحت عاتقه، ولا يزال يذكر بها عند المنعم بها بعلائقه؛ قد زينت بها الحضور، وتطلب ما ضاع تحتها من طيب الثياب فأصبحت عليه تدور؛ فضم ذلك الوشاح الخصر إليه، وقال ذهبه: كم لي أدور وما وقعت لي عين عليه.
في الخاتم: وتناول خاتم الأمان بيده، وختم على ما ختم بعسجده؛ فكأنما سلب به الثريا ما كانت يدها قد ادخرته لبنانها، وجعلته ألسنة الشموس الملغلغة خاتما لبيانها.
في المنديل: وتناول منه منديل الأمان، وكفيل السلامة الوافي بالضمان؛ يشد الوسط فلا ينحل، ويقوم مقام المنطقة في المحل؛ جرت على عادة الطمأنينة به الجواد، وبشر يدا تناولته بأنها لا تمس بعده بمنديل إلا أعراف الجياد.
في الحرمدان: والحرمدان كمامة ثمر، وغمامة سماء تحتها قمر؛ دوح أوراق، وقرارة ما تكدر أوراق؛ كأنما قدت من جلدة الليل، وعلقت بالثريا وطرفت بسهيل.
في القلم: وقلمه بالسيوف الركع يخدم، والرماح بمطاولته تقرع السن مما تندم؛ توقى سود أهدابه بالأجفان، وينزل لقرى كرمه الضيفان؛ يروع بالصرير، وينقل عن الأسود الزئير؛ قد قصر مجاريه، وعد من الأبرار لتمجيد باريه.
في الدواة: وما فتئت أرشية الأقلام تستقي من قليبها، وتستر بخضابها الأسود بياض مشيبها؛ منبع الأرزاق، وموضع الإرفاق، ذات الليل الذي
стр. 262
كله نجوم وأقمار، ومنبت السمرات ذوات الأثمار؛ قد تردت بمثل جناح العقاب، وأردت الأعداء وجعلت بأيدي
الأولياء العقاب.
وفيها: وقدمت له الدواة وهي رتبة التشريف، وآلة التصريف؛ والأفق الذي يبعث إلى كل أرض غماما، ويراسل في كل دوح حماما؛ وتحوي حكم الأقاليم أقلامها، وينفلق عن صباح المعاني ظلامها؛ وتتفجر الأرزاق من منبعها، ويشكر أيادي النيل وما يجيء من القلم قدر إصبعها؛ يروع الأعداء مدد مدادها، وتخاف لقاها ولا تهاب الجيوش لأنها تعلم أنها إنما جاءت لتكثير سوادها.
في المرملة: وماج منها كثيب، ونبع قليب؛ وهبت بها رمال، ودبت مثل أكارع النمال؛ وملأت سحبها مدارج الدروج، وسدت على فضاء البيضاء الفروج؛ فأنبتت لوقتها الرياض، وجمعت بالرمل الحمرة والبياض؛ فجاءت على تفصيل ما فيها والجملة، وبدت من تحت سجوفها كل رملة أحسن من رملة؛ فأبهج ذلك الرداء الرخيص مشبرقا، وسحب ذيله برمل زرود والنقا؛ فعاد قرطاسي القرطاس كميتا لم يخضبه النجيع، ونوار المهرق شقيقا لم ينبته الربيع؛ وأمنت به سماء الخط أن تطمس، وأظلت أنداء السحب بيوم قد أشمس؛ فبث في بياض النهار حمرة الشفق، وكلل السطور بما يكلل به لؤلؤ الطل الورق؛ وتنبهت به تلك الحروف فعبرت أحسن التعبير، وغدت وكأن رمالها من الطيب مسك والتراب عبير.
في السرج واللجام: وكم ثم سرج ينافسه الجبين في تكوينه، والهلال في
стр. 263
تلوينه؛ يضيء منه كوكب، ويسري منه أمن مركب؛ كأنه فتر قد أشار بقرب المسير، أو مخلف جاء به البشير؛ كأنما غشاه الأصيل بذهبه، أو وشاه البرق بلهبه؛ قرن بأمثاله وإن لم تستو كل شروط المقابلة، وأضحت عليها أولياؤنا إخوانا على سرر متقابلة؛ هذا إلى لجم لو لم تمسك الخيل الشكائم لطارت، ولو لم تأبه لها بالأعنة لما سارت؛ مما لم يصح لملك قبلنا ولا تهيا، ولا قاد في عنانه البرق وقد أسرج وألجم بالثريا.
في الكور والزمام: وأرخينا أزمة المطي وما منها إلا موشح على كوره، متأهب لبكوره؛ قد تقلدت بزمامها، وتقدمت المطايا لاهتمامها؛ وأفلت من الكور هلالا، ومدت من الوشح ظلالا؛ وأمست لا يحثها إلا بارق على أضا، ولا تبعد على راكبها مسافة وزمامها بيده وما ضاق الفضا.
في السوط: وقد لها سوطا يزيد في أدبها، ويوجب به في السرعة دأبها؛ فلم يزل يسوق
عهاد جيادها ببرقه، ويصبه عليها فتتصبب عرقا مثل ودقه.
في الأعلام - وهي العصائب: ونشرت العصائب المنصورة فهبت بالسعادة ريحها، وظللت الكتائب فيحها؛ وحومت حولها العقبان واثقة بما تطعم من جزرها، وبما تطمع به من نهاب عسكرها؛ وعرفت لها ميامن كل راية صفراء، ورفعت فجرت وراءها الجيوش ونصبت للإغراء؛ وأحاطت بالعصابة السوداء الخليفتية فكانت سويداء قلبها، ومضت بها فكانت سيوفا بعثت من قربها.
في المظلة - وهي الجتر: ورفعت علينا قبة تظللنا من الشمس حيث سرنا،
стр. 264
وتقيم معنا حيث صرنا؛ لم يرفع على غير الرماح أساسها، ولم يتوج بغير السماء رأسها؛ قد بنيت على صهوات الجياد، وأعدت دون الأبنية لأوقات الجلاد؛ فهي رواقنا المنصوب في كل سرى وسير، وبساط ملكنا السليماني الذي تسري أمامه الوحش وتظلله الطير.
في الطبول: ودقت الطبول حتى ظن أن الأرض قد انقلبت، وأن الجبال مع الرجال قد أجلبت؛ حتى خيلت في يوم العرض أنه يوم القيامة، وأنه يوم العرض الأكبر فما تمنى امرؤ إلا السلامة.
في البوقات: وأعدت البوقات في جنبات العسكر المنصور، وأرجفت الأرض فما قيل إلا أن إسرافيل نفخ في الصور؛ وقد أعلن نفرها، ولم يسمع في الحرب إلا سفرها؛ فلم يزل يفاجئ الأعداء منها الانتكاس، ويرسل عليهم بإرعاد السيوف بها شواظا من نار ونحاس؛ فلو زجر البحر بصوتها لم يجر، ولولا الريح أسمع من حجر.
في الصرناي - وهو الزمر: وقد صبر ذلك الصرناي، على الصبر على الناي؛ لولاه لم يعرف زنام، ولا اشتهر حديثه مع المعتصم بين الأنام؛ لم يبلغ مدى صوته شبابه، ولا يحق لبياض مشيبها إلا أن يفدي شبابه.
في المشدة - وهي الرقبة: وشدت على فرس النوبة الرقبة السلطانية تعجب النظار، وتحدث المسرة بما فيها من ذائب النضار؛ كأنما لمعت بذهب البروق
стр. 265
غواديها، وعلمت الخيل مقدار الشرف بها فطالت به هواديها؛ وذلك في ساعة تحققت بها الآمال ما كانت مرتقبة، وبيد ولي ما شد منها رقبة حتى فك ألف رقبة.
في الغاشية: وحملت الغاشية بين أيدينا وسارت بها الحاشية، وطار بها الخبر فمل يبق إلا
قال: هل أتاك حديث الغاشية؛ ومشى بها حاملها وهي تتمايل سرورا ببلوغ الأرب، وفرحا بأيامنا المقبلة أوجب لها هذا الطرب.
في الخيل الجفتا - وذكرت هنا لمناسبتها هذه الآلات -:
وتقدم (الجفتا) وهما راكبان على فرسين أشهبين صوحب بينهما حتى تآلفا، وأبيضا لما طبعا على الصفا؛ قد اقتسما اليمين والشمال، وسارا وهما للهدو مثل دبيب النمال؛ ما انفصلا مذ اعتنقا، ومذ تلازما ما افترقا؛ داما على ود غير مختلف، واتحدا حتى صارا كالواحد مثل لام الألف.
النوع الرابع: آلات السفر
في المحفة: واتخذ من المحفة مهدا يجد به راكبه الراحة، ويقطع به البر
стр. 266
وكأنه مركب يشق به البحر سباحة؛ لا يعرف ممتطي صهوته بعد المدى أو اقترب، ولا مرتقي ذروته متى طلع نجم أو غرب؛ قد حملت على البغال فهي تمور مورا، ويجوب بها الفلا لا تعرف نجدا ولا غورا؛ يصل السري وعينه لا تفارق الغرار، ولا يكلف يده مسك العنان ولا العذار.
في المحمل: وقدمت الركاب، ورفعت تلك القباب؛ وحدا بها الحادي، وطار بها إذا أطربها بجانب الوادي؛ فتراقصت البخت بتلك القباب حتى مالت عذبها، ومادت على تلك التلاع الشوارف كسبها؛ وأضحت تسأل لديها الذمم، وأمست الريح كالغيرى تجاذبها فصول الريط واللمم؛ وشدت على مطا الطايا منها بروج مشيدة، وكسيت أحسن الملابس لما كانت معنا مجردة.
في الخيام: ونصبت له من الخيم في كل أرض دار محلال، وشيدت أفنية تتفيأ لها ظلال؛ قد سدت الأطناب عمدها، وكأن وتد السماء عامود ووتد الأرض وتدها؛ وأقلت قمرا واستقلت فلكا، وسمت سماء تحوي ملكا؛ وبني منها من الخيام كل رفيع، وكل بيت بني على الأسباب والأوتاد ولم يدركه التقطيع؛ فوسعت الأرض تلك الأفنية؛ وأربت عن جملة السماء تلك الأبنية؛ وأصبح بينما تزاح أعذارها للمقام تزال، وأهلها لا يستقر بهم وطن ولا دار كأنهم فوق متن الريح نزال؛ فأحسنت في صحابتها، وأمطرت لا نوء دون سحابتها؛ ولم يزل حولها موارد هيام، وحيث نصبت قيل: سقيت الغيث أيتها الخيام.
стр. 267
في الخركاه: ورفعت منها قبة امتدت السحب دون سجوفها، وعقدت قبة السماء على
سقوفها؛ وعمرت عمر النسور ما عاش لبدها، وربطت ربط السوابق لا ينزل عنها طول الدهر لبدها؛ وقوي بقوة التركيب على ضعف تلك الأعضاء وهنها، ولا ينفش بسوافي الريح عهنها، ولا تزال لبابيدها الحمر مشربة ندى ورد الخدود، مؤذنة بطول بقائها الأيام مالكها بالخلود.
في أداوي الماء: وحملت معهم أداوي ماء يتبرد في تلك الهواجر بنسيمها، ويقال في ظل نعيمها؛ ولا يستأمن عليها كل خديم، ولا يغضب المتزود بها أن يقدد ولا يقد لها أديم؛ لو أنها وعود لما استطاع إخلافها، أو أمهات لما رضي إلا أخلافها؛ سحب تسري مع حاملها، وتغنيه فلا ينتجع مواقع الغمام استغناء بحاصلها.
في الحياض: وقد صدرت عن تلك الحياض الإبل بريها، وامتلأت جنباتها بما طالت به يد عبقريتها؛ ثم أضحت تلك الرواء دوافق، يمتاح لها الدلاء كأنها سعوب منصبة، ويمتار منها كل قربة لا ترد كأنها تعتقد ذلك قربة.
في الجفان: وشكرا لتلك الموائد الممدودة، واجفان المورودة، وتلك
стр. 268
المناسف التي لو كانت كالجبال لكانت بكثرة امتداد الأيدي إليها قد نسفت، أو كالجمال البوارك لكانت بأثقال ما حملت من الطعام قد عسفت؛ ومن جفان كالجواب، ما للائم فيها جواب.
في القدور: وق أمسوا ألي أقدار عالية، وقدور بذهب النيران حالية؛ كأنها جبال راسية، أو جمال سارية، من كل قدر كأنها على موقد النر زنجية متوركة، أو ليلة ظلماء بأطراف النهار من كل ناحية متمسكة.
في نار القرى: وقد لبس الليل بها قميصا من أرجوان، وبات موقدها مثل ملك يدعو إلى رضوان؛ كم تفرعت منها في الليل شجرة ذهب، أو انقض كوكب له ذنب؛ قد أدرع الليل منها بزعفران، ونبت محمر الشقيق في مواقد النيران؛ فغشيها الطارق والمنتاب، ودنا منها كل ساري ليل إلا المرتاب.
في الأثافي: وتخلفت ثلاث تلك الأثافي وقد فرشت بعدهم الرماد، وأصبحت في جملة الجماد؛ كأنها نقط الثناء من سؤال كل سائل: أين ثووا، أو نقط الشين من قول كل قائل: هنا كانوا أو هنا شووا؛ لا تمر عليها الركائب إلا مجدة، ولا يأتي إلا لعل حروفها تستمد من تلك الأسافي مدة.
في أضواء المشاعل: وتكاثرت تلك الأضواء حتى طوت جنح الليل، وطفح
стр. 269
النهار مثل السيل، وامتلأت الآفاق نجوما فلم يحتج أحد يسأل عن سهيل؛ هذا وخبرها دون العيان، وعنصرها مثل العقيان.
في الفانوسين: وقد توقد في دجى الليل منهما فرقدان، وتآلف منهما أخوان متقدان؛ تنظر الظلماء منهما بعينين، وتولول شعلهما فتحسبهما السابقة أذنين؛ قد حملا على رؤوس الرماح تطعن بهما لبة الظلام، وتنشر منهما عليها مذهبات الأعلام؛ فلم يخف بهما منار، وكل علم في رأسه نار.
النوع الخامس: آلات الصيد
في الفخ: وسقط على داهية ضمت له بين الجوانح، وضمنت لحتفه ما في أيدي الجوارح؛ وأمسكه قوس الفخ بكيده، وزاده قيدا على قيده؛ فأعجزه المصير، وضاق به منه فتر عن مسير.
في الشباك: وألقيت لها شباك إصابتها بعيونها، وصارت لمنونها؛ وجمعت عليها أطرافها فلم ينج منها حاسر ولا مدرع، ولا خلص من حبالها سابق ولا متبع؛ وأمسكت تلك الأبطال المدججة إمساك النقد، وألقتها في شباكها ولم تستعذ من شر النفاثات في العقد؛ فساقت حتى أقصى قصيها، واستلانت أعصى عصيها، وجاءت إليها بسحر السحرة بما ألقت من حبالها وعصيها؛ فأمسكت تلك السوانخ، ووقف في ميادينها تلك السوابح.
стр. 270
في الزبريطانة: ورمى بالزبريطانة فقذف ليلها المظلم أنجما، وأتبع بها مارد الطير فأمسى بشهبها مرجما؛ فنفخ بها في غير ضرم؛ وانتفخ من غير ورم؛ وقام ينفث فيها فألقى سم الأساود، ومد إلى شم الذرى بساعد، وسرحها بيده فكان السماك الرامح، وأكثر بها الصرعى فكان سعد الذابح؛ وصبب منها فوارة بنادقها الصغار ما تساقط من الماء، ووشيجها المقوم ما صعد إلى السماء.
في الصنانير: وعطفت لها من الصنانير تلك المحاجن، وأعلقت فيها تلك المحاسن؛ ودلت إليها في خيط كان لعنقها حبلا من مسد، وشممت هواء الدنيا فكان سببا لها إلى مفارقة الروح الجسد، وأخرجت من تحت ستور الماء مخباتها، واستؤذنت أبكارها وإذنها صماتها؛ ثم لما لببت تلك الطرائد وخيطت بتلك الأسافي أفواهها، وريعت بشنقها في تلك الجبال
وفي لجج البحر أشباههان حملت منكسة على رمال من قصب، وأصيبت بسهام ما وصلت بجلد ولا عصب.
النوع السادس: آلات المعاملة
في الميزان: ونصب من الميزان عدل يرجع إليه، ويعتمد في الإنصاف عليه؛ محسن لا يغير إحسانه، ومنصف بغير الحق لا يحرك لسانه؛ لا يسعى به إلا من
стр. 271
نجح، ولا يثقل في كتفه إلا من رجح؛ يرد بقيامه بالقسطاس المستقيم المفتري، وإن لم يكن من الميزان برج الزهرة فربما كان بيت المشتري؛ ولم يزل يستعاذ من خفته، ويعز من ثقل كفه بما في كتفه؛ وقد أعد يوم القيامة لأعمال الأنام، ورآه سيد هذه الأمة قد تدلى من السماء فيما قصه من المنام.
في الكيل: ومنذ فتح الكيل فمه صدق، واعتبروا به ولم يبق إلا مصدق؛ ورجعوا إلى حكمه وهو أصلح، ومذ علم على رقمه وتقلصت شفته قيل: أفلح؛ قد طلع رقمه، واضطلع به قرمه؛ أحد ما أمر القرآن بالوفاء بقسطه، وصح به السلم بشرطه؛ لم يسغ للذراع ولا للميزان تصريفه، ولا أدرك أحدهما مده ولا نصيفه.
في الذراع: وقد صح معه القياس، وقدر عليه اللباس، وتفاصل على الرضى به الناس؛ ميزان نصب بالقسط لا يفتقر إلى مثاقيل، ولا يرجع عنده ثقيل؛ لا يحتاج في إعطاء الحق إلى تعليق، ولا يضطر إلى تدقيق النظر لتحقيق؛ به تحصر المساحة، وتبرأ الساحة؛ ويحد من الحد ما يتبع، ويقوم به نوء الذراع ولا يقاس للثريا بشبر ولا للجوزاء بإصبع.
في المقص: وذكر هنا تبعا -: وهو الذي طالما واصله المرء فقطعن وجهد فلم يقع، في كل يد له غير درهم فاقتنع؛ روحان في جسد، واثنان بقلب واحد خلا من الحسد؛ كم صاح فأصبح كل ذي شقة بعيدة به صاعقا، وجثا بين القوم على ركبتيه ثم قص قصا صادقا.
стр. 272
النوع السابع: آلات الطرب
في الدف: وضرب بالدف فأحسن إذا ضرب، وجاء بمجموع الطرب؛ قد حمل الشمس منه دارة القمر، وطلع وحسنه قد بهر العيون وقمر؛ فناسب في فتح بنانه عليه وانضمامه، وأظهر نقص آلات الطرب كلها بتمامه.
في الشبابة: ولم يزل يهوى منها ناحلة صفراء باد شحوبها، ظاهر نحيبها؛ أنابيب في
أجوافها الريح تصفر، إذا سد منها منخر جاش منخر؛ الرماح بها كل على القصب، وبنان ممسكها مملك وهي تاجه الذي به اعتصب؛ يود هفيف الدوح أنه منها يتعلم، ويقول لديها الحضور الصموت ونحن سكوت والهوى يتكلم؛ قد جلب الملهى بها السرور أو سبب، واستعار طربها لوصف الحبائب فلهذا إذا ذكر حبيبه قيل قد شبب.
في العود: آلة لا يضرب بها إلا مجيد، ولا تكون إلا بين صدر وجيد؛ يسر وقد وتر، ويطلق وهو في قبضة اليد قد أسر؛ كأنما علمته الحمائم أصواتها حين نشأت في الدوح، وألقتها عليه فنقلها إلى الغناء من النوح؛ كم عمر مجالس السرور وهو في مثل الحرب، وأطرب وهو في تقييد وضرب؛ ماس رطيبا، وطاب ولا غرو للعود إذا نفخ طيبا.
في الرباب: وضرب بالرباب فتذكر زمانه بالحبائب، وأيامه بتلك الربائب؛ فاهتز إلى الأحباب، وطرب بزينب والرباب؛ وطاب صوته على الترديد، ورق وقلبه
стр. 273
من حديد؛ فلاحت به لأوقات السرور شارقة، وحثت به كؤوس المدام ولا غرو أن يكون للرباب بارقة.
في الطنبور: آلة لولاها لما حصل النفاق لدنانير، ولا احتاج الطرب في دخوله إلى دستور الدساتير؛ حسن موضوعان وتفرق كل طرب فيه وجاء مجموعا.
في الجنك - وهو آلة محدثة -: وضمت من الجنك ما طال عنقا، وطاب عبقا؛ وأحدث فأحدث الطرب، واختصت العجم منه بما لم يعهد للعرب؛ لا يبعد من مقاربه فهم، ولا يكون سهم سرور إلا والجنك دونها هو المتصل بالسهم.
النوع الثامن: آلات اللعب
في النرد: وهو للزمان مثال، ولجملة السنة تمثال؛ مهاركه عدد أيام الشهر، وفصوصه تجيء مثل القضاء والقدر في تصريف الدهر؛ وخصاله سبعة كالجمعة؛ وبيضه وسوده مثل الليالي والأيام، وكله نقص ويطلب فيه التمام؛ وفيه تمثال لمدد الآجال، والتنقل من حال إلى حال؛ وما يأتي بغير كسب وما لابد فيه من أنه يكتسب، وما يكون بسبب وغير سبب؛ مما نجم من آفاق العجم إلا أنه محرم، ونار تتضرم.
стр. 274
في الشطرنج: معركة لا تطل فيه الدماء، وميدان خيل لا تجري فيه الشهباء ولا الدهماء؛ قد قرنت رخاخه، ونصبت للخيل فخاخه؛ وامتدت أسوار بيادقه، وقعدت شاهاته الملوك
على نمارقه؛ وأوسعت فيه الأفكار المجال، وأتت فيه بغرائب البداية والارتجال؛ وطالما عقد فيه البند، وأوري بالمراشقة فيه الزند؛ وهالت فيه الأفيال، وبلغت فيه الفرازين ما لم تبلغه الأقيال.
النوع التاسع: المسكرات وآلاتها
في وصف الخمر على الجادة المعتادة: وسعى الساقي بكاسها، وصب الذهب من أكياسها؛ وفض عنها طينة ختام كانت طابعا لشمسها، ودواء مما يخامر العقول من مسها؛ وراضها بالمزاج ولولاه لجمحت، ولاينها بملاطكفته حتى جنحت؛ وافتض منها بكرا لم تعنس، وقدح منها نارا لو رآها عابدها لزمزم أو العيسوي لقدس.
في ذمها: وهي التي أترع الشيطان كأسها دهاقا، ولم يرض إلا بالعقول عليها إنفاقا؛ لم تورف كرمتها الظلال إلا لظلال، ولا خلقت طينتها إلا للخبال؛ أول ما سودت بالقار صحيفة دنها، وأساءت بالمساورة معاشرة خدنها؛ ولم تنكر خباثة الخندريس، وأن تعريش الحبب على مائها عرش إبليس.
في الكأس: والكأس هلال مالت شفته، وأفق محمر الشفق تمت صفته؛ شب في الكف والتهب، والكأس من فضة والراح من ذهب؛ كأنه تعريقة نون في يد الكاتب، أو معدن أصبح به حامل الكأس الكاسب.
في القدح: تكون من جوهر مكنون، وتجسد من هواء مظنون؛ واتخذ خدرا
стр. 275
لابنة العنب، وطاف به الساقي فأصبح منه في راحة وهو في تعب؛ قهقه عليه الإبريق فصدح، وطار منه شرار المدام فقيل قدح.
في الإبريق: ولم يبق في ذلك المجلس إبريق حتى أتلع جيده، وملأ من ودج الراووق وريده؛ حتى غردت في دوحه البلابل؛ وطعنت الهموم بتلك الذوابل؛ وتنبهت بها المسرات وهي نيام، ومالت رقابها كأنها إوز بأعلى الرقمتين قيام؛ ولم يزل يدار حتى خفت الأوقار، ولم يبق في الإبريق إلا لواث فمه كأنما تناول ياقوتا بمنقار.
في ذم الحشيش: - وهي لا تحمد في حال -: وهي وإن كانت مما تنبت الأرض من قواتل السموم، والمضنيات للجسوم، فإنها حرام وإن لم ينص على تحريمها، حطام وإن رعى قوم في هشيمها؛ ضررها لا يعد، وإن لم يجب الحد فيها فإنه يجب التعزير وربما كان أمضى
من الحد؛ ومن رآها وقذر منها وعلم أنها نجسة العين، وأن آكلها لاستيلاء السوداء عليه مثل غراب البين؛ وقد أساء آكلها لنفسه ما اختار، وأشبه البهائم فإن الحشيش ما يأكله إلا الحمار.
стр. 276
الفصل الثاني: في الحيوان وأنواعه
النوع الأول: في الحيوان المذلل المعد للركوب
في الخيل: اعلم أن صفات الخيل المستحسنة كثيرة امتلأت بها الكتب، وكثرت بها المعرفة حتى بقيت لا تكاد تجهل؛ وجماعها في الفرس أن يكون من عظم خلقه كالبنيان، وفي سرعة انعطافه مثل العنان، وفي اشتداد جريه مثل الطيران؛ ويكون رقيق لحم الخدين، واسع الشدقين، جاحظ العينين، حديد الحدقتين، مؤلل الأذنين، عريض الجنبين، ناتئ الصدر، قصير الوظيف، طويل النسا، قصير المطا، واسع الخطى، عريض الكفل، سائل الذيل، قصير عجم الذنب، صلب الحافر مقبقبه كأنه قعب الحالب، لين الجلد، ناعم البشرة، كأن دهنا سكب عليه.
وأزينها الشهب، وأصبرها الكمت، وأسبقها الشقر، وأحدها الدهم. وما
стр. 277
سلم فيها من الوضح كان أشد - والغرة والحجول من الوضح -.
وهي نوعان: عراب وهماليج.
ويقال فيها: وقد أتحفناه من الخيل بكل سابق تقصر عنه الرياح، ويقص الطير وراءه الجناح؛ تظن السحب عن مباراته مشغولة، والبروق عند مجاراته مشكولة؛ لا يسمع للرعد وراءه إلا الأنين، ولا يرى النهار في ليل عجاجه إلا حمل أو جنين.
فمن أشهب جواد بما في يده، سابق يعد يومه الأبيض لغده، كأنما قمصه النهار بردائه، أو سمح له البدر التمام بروائه؛ قد صيغ من لجين، وصين نور البصر منه بسواد العين. - ومعه شهباء من جنسه لا تحدث عن غيرها محاسن الأنباء، ولا تعرف لحلب زبدة إلا لكونها حكتها وتسمت بالشهباء.
ومن أخضر لم يبعد عليه أرب، أخضر الجلد من بيت العرب؛ يطلع في أكمام اللبس نوارا، ويقدح من الشجر الأخضر نارا؛ إذا أم نازحا اقترب؛ وإذا بلله الركض جر ذيله على المجرة وملأ الدلو إلى عقد الكرب. - تتلوه خضراء عجلت بالشراء، وأقاما عذر بني أمية
في حب الخضراء.
ومن أدهم كم دهم الأعداء رعب غرته المطلة، ودهى الأنواء بما أبكى سحبها المستهلة، وسلب الظلماء حلتها ثم دار على هلالها ومعه تتمة أربعة أهلة؛ أو عن
стр. 278
لعنترة خياله لم يذكر لبان أدهمه، أو رأى البدر غرته لزرر في الليل جيبه على درهمه؛ إذا بلغ قبل ارتداد الطرف مداه كان قد اقتصر، وإذا قصر به أمد السرور زيد فيه سواد القلب والبصر.
ومن كميت، كم حي على تمني مثله كميت؛ وقد أسجف سواد الليل ذيل شفقه، وذر فتيت المسك على ورد ألقه؛ وخرط كالعقيقه، ورخص بملأ العليقه، وأشبه الروض فإن لم يكنه كان شقيقه.
ومن أشقر أغر كأنه قبس يتلهب؛ وقد قيد بحجولة لئلا يذهب؛ كأنما سلب البرق رداءه الموشع، ووقفت له الشمس كما وقفت ليوشع؛ وقر له كل سابق بأنه مسبوق، وأذعن له في الميدان لما جاء وعليه أثر الخلوق؛ - يجنب إلى جانبه شقراء طارت من زندة شراره، وأتت ما بين شقيقه وبهاره؛ لا يدانيها جواد ليس معها يدان، ولا يباريها إذا قيل له: هذه الشقراء وهذه الميدان.
ومن أصفر حبشي كأنما علق سبج بديناره، أو امتد خيط من الليف في أصيل نهاره؛ لا يفوته ما أراد من التحصيل، ولا ينكر له إذا كان كريما وهو أصيل.
стр. 279
ويدانيه صفراء فاقع لونها تسر الناظرين، وتسوء المناظرين؛ كأنها سبيكة ذهب أفرغت، أو في ورش المغرب قد صبغت؛ لا تزال تتجمل بها الكتائب المنصورة، وتتقدم الجنائب منها صفراء كأنها راية السلطان المنشورة.
- ومن ذي بلق كأنما هو لابس بردين، أو جامع لضدين؛ إلا أنه قد ضم بردا وأرخى بردان وامتد فيه جنح الليل والنهار قد تبدى. - ويليه بلقاء تسوي مبلغ خراجهان وتدل على تمام الحسن باعتدال مزاجها؛ قد جاءت وفق ما أراد، وازداد حسنها بما جمعت من البياض والسواد.
- ومن الأكاديش الرهاوين كل سابق يبلغ الأمد القصي، ويخدم ركابه منه الخادم الخصي؛ يتمشى مشية المتمايل، ويظهر على بقية الخيل وهو المتخايل؛ أهون ما تمر به الوحول، وأسهل عليه قنن الجبال التي لا تتقحم مشاقها الوعول؛ قد أعرق في بني الأصفر فجاء كأنه
دينار، وأقام في الروم سناقبس فتلهب كأنه نار؛ وتكفل براحة راكبه فكأن صهوته أوطأ المهود، وأخف ظهرا من الجياد العربية في قطع العقبة الكؤود؛ كم حام في قلة شاهق من النسور، ونزل إلى قرارة واد لا يطن مستوطنه منه النشور؛ يتحدر تحدر الماء، ويصعد صعود الدعاء المتقبل فلا يزال حتى تفتح له أبواب السماء.
في البغال: وأكرم بها بغلة لا تغلو بقيمة، ولا تفخر إلا بنفسها لا بالأصول القديمة؛ يعتبر في الحسن جميع أحوالها، ويعتذر لها إذا قصرت العمومة بما طال من شرف أخوالها؛ ذروة أعدت لعالم، وصهوة لخليفة أو وزير أو حاكم؛ تتدفق كالسيل،
стр. 280
وتترفق ولا يعجزها مطلع سهيل؛ لا يلحقها ما يلحق الخيل من الزهو، ولا ترتاد إلا للجد لا للهو؛ ذلت سكينة كأنما سمعت إنذارا، أو قدمت أعذارا، وأناة كأنما تراقب في دوس الأرض حذارا، وتبلغ الأقصى ولا يبل لها الركض سالفا ولا عذرا.
في الحمر: وبعث إليه بحمار صعيدي، لا ينسب راكبه إلى كبرن ولا ينقص عما يتعالى إليه جياد الخيل إلا قدر شبر؛ ولم يزل على راكبه السكينة، وهو أحد الثلاثة التي نوه الله بذكرها في قوله: ﴿والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة﴾؛ يبلغ عليه المدى البعيد، وييمم به الساري حيث شاء لأنه من الصعيد؛ مئونته خفيفة، ومقتنيه يسرجه ولا يجد عليه خيفة؛ وقد ركبت مثله الأنبياء، ولم يقتن غيره الأولياء؛ يؤمن منه النفار، وتقنعه النغبة من الجفار؛ لا يخشى راكبه بعد المهوى إذا سقط، ولا يعدم من محاسن البغال إلا عين الحاسد فقط؛ يحصل به ما يراد من الفرس في طول الأسفار، ويطمئن مودعه به إذا كان هو المثل فيما يحمل من الأسفار.
في الإبل: وهي نوعان: عجم وعراب؛ ثم العراب رواحل وجمال أثقال.
وقد أعددنا لبلوغ الغاية من الإبل ما اقتدنا به كل صعب، وحملنا عليه معنا كل صحب؛ وقدمنا منها سفائر ليل، وسفائن آل هي أقدر على قطع تياره من سوانح الخيل؛ واخترنا منها رواحل تطوي بها المراحل، وتساق سحبها التي هي كالإبل إلى البلد الماحل؛ وارتدنا منها كل طائر في الزمام، ضامر كالقسي يرمي بقتبه
стр. 281
كالسهام؛ في هيئة جبال وهي جمال، وتمايل دوحة فرعاء وهي في سرعة التنقل ظلال؛ لا تباري الرياح خفافها، ولا تمكن على الأرض من حافر الحر أخفافها؛ قد طويت طي الأنابيب، ووسمت الأرض ببدور حولها من
حوافر الخيل محاريب؛ ومعها برسم حمل الأثقال كل عبادي لو رآه عبدة ابن الطبيب لقصر عليه القول، أو الراعي لما انصرف بعده إلى الشول؛ أو زين به فناء ابن زبانة لم تلقه في النعم الغارب، أو حميت به رواحل امرئ القيس لما سمع قول العائب؛ يحمل الجمل منها ما لو حمل الجبل بعضه لتصدع، ويكابد جهد السرى لا يشكو ولا يتوجع؛ قد ألف بادية الأعراب فلا ينفك بين حل ومرتحل، ولا يبالي حيث شد راكبه وحل؛ قد طوى على الظماء أحشاءه، وذلل وما كان يعجزه عز الآباء لو شاءه؛ ومعه من العجم البخاتي ما يقطع الأرض بسار يساريك نزل معه النجم في أفقه، ويدك الصخرة في طرقه؛ ويغنى بحلي أوبار عما يضاهي به من الحلل، وتباهي به ذوات القباب الخشب ربات الكلل؛ عزت نفوسا، وطلعت من المشرق شموسا؛ وقصرت أيديها واشتدت زنودها، كأنما تهم بمواثبة عدو يكيدها؛ تنصب في أقطار الأرض كأنها الغيوم السواجم، وتقلد من أوبارها بأطواق زين البراجم؛ لا تمتد معها سوائم العرب، ولا تسري معها إذا مد السحاب رواق أنوائه وضرب؛ ولا يستطيع
стр. 282
معها سلوك الوحول، ولا يحصل منها إلا على حوالات المحال إذا حصلت هي على حقيقة الوصول؛ تتباعد منها خطى وهي مثل أختها، وتتدانى منها شبها وإنما فضلت عليها البخاتي باستحقاقها لا ببختها.
النوع الثاني: في جليل الوحوش، سباعه وغير سباعه
في الأسد: وإذا بغابة تزأر أسودها، وتجأر منها حمر المنايا وسودها؛ قد دميت براثنا، وعطفت مثل الأثافي محاجنها؛ وتلظت كبودها الحرار، وأمن معها الاغترار؛ قد دارت حماليق حدقها، وظهرت عليها أماير حنقها؛ ولوت أذنابها وأقعت، وأعجلت الواصف أن ينعت؛ كأنما سربلت بالدماء، واقتطعت ذلك الغاب دون أسد السماء؛ لا تتباطأ المنايا عن وثباتها السراع، ولا يبعد مدى الآجال وليس بينها وبينه إلا قدر ذراع؛ لو نزل به العوام لأنكر نسبه في بني الأسد، أو أبو القرى لرأى ادعاء أبوته رأيا فسد؛ قد وقفت تحامي عن تلك الفريسة، وتمنع كل ضرغام منها أن يدخل خيسه؛ فخاف كل واحد تلك الغابة ومن دونها الكئيب الفرد، وصار إذا ذكر له الورد عطس قبل أن يشمه منذ قيل: الأسد الورد.
في النمر: ووثب من تحت أكمة هناك نمر ما يدعى مثله لقاسط، ولا يتمطر مثله لقانط؛ قد سمر إهابه، ووقف وهو يوهم أنه يريد ذهابه؛ قد راب لونه المنمر، وعاب كل كلف برقة
الخصر لما رأى خصره المزنر، لا يرجى خير لديه، ولا يطمع خفيف الجري بالفرار من بين يديه؛ لو شاء أن يثب الجبل لوثب، أو يكسر الصخر الأصم وسمع حسا لقيل وجب؛ لا ينفع منه حذار، ولا يحول بينه وبين غنيمته من
стр. 283
الغنم علو جدار؛ يفزع الرجل الجليد من لونه الأرقط، ويطن أنه من دماء الكسائر ما تنقط.
في الذئب: وقد قيل إن بمنعرج اللوى ذئبا قد أخاف كل سائمة، وآلى إلى وكنها كل هائمة؛ وأخاف السرح فلم يمتد، وهاجم القطيع ولم يرتد؛ حتى فعل الفظيع، وقطع القطيع؛ وتوقدت حماليقه توقد السرج، وتموجت أعضاؤه تموج الخلج؛ وزان نحفه بوبره، وفتقت براثنه ما خاط بإبره، وطالما أبعد النجعة، وزار في الليل بعد هجعة؛ وفتن بخده الأسيل، وقعد على المائدة مع الإكليل؛ هذا وربما تجسس، وأبغض لأجله كل ديباج لكونه يسمى بأطلس.
في الفيل: ومن فيل كأنه ليل ضاحك عن نهار، وطور خرطومه منه شفير منهار؛ كأنه راقص جاء يرقص بكمه، أو داخل على ملك عاجل الأرض بلثمه؛ له ناب لا يبالي بما ناب، لمع منه برق في سحاب، وانقض في الليل منه شهاب؛ بناء مشيد، من حجر لا أو حديد؛ لا يطاوله بنيان، مشيد على أربعة أركان؛ يموج كأنه سكران، ويمور كأنه ثعبان؛ ويصول كأنه إنسان، ويهول كأنه جان؛ سائس مسوس، رئيس مرؤوس؛ مطيع مطاع، يطل بين عينيه شجاع، يخف إلى الحرب حاملا على صهوته بعض القلاع. .
في الكركدن: وأتى بكركدن لو نار شب في معقله لما نزح، ولو ثار له الكبش في الهيجاء لنطح؛ طالما رعى في بطن أمه، وجهد له الفيل ولم يقدر على سلمه؛ قد
стр. 284
عدم على كثرة ذوات الأوراق ما يباريه، وأقبل في بحر الآل كالمركب وقرنه ساريه؛ من شبهه قال هذا جبل غرس عليه وتد من الأوتاد، ومن نظره بين عينيه قال عمود سرب نسوة عند مقتاد.
في الزرافة: قال الجاحظ: زعموا أن الزرافة خلق تولد بين الناقة من نوق الحبوش أي نوق الحبشة وبين البقرة الوحشية وبين الذيخ - وهو ذكر الضباع - قالوا: إن الذيخ يعرض للناقة من الحبوش فيسفدها فتلقح بولد يجيء خلقه بين الناقة والضبع، فإن كان الولد أنثى يعرض لها الثور الوحشي فيضربها فيصير الولد زرافة، وإن كان ذكرا تعرض للمهاة فألقحها فتلد زرافة أيضا. قال: ومنهم من زعم أنه لا تلقح الزرافة الأنثى من الزرافة الذكر، وإنما هو مركب. قال: وقالوا إن هذا مشهور باليمن والحبشة؛ وأسنان الذكور أكثر
من أسنان الإناث؛ وإذا كانت أسنانها سودا دلت على هرمها، وإذا كانت بيضاء دلت على الفتاء. ومن أمراضها: الكلب؛ وهو كالجنون يعتريها كما يعتري الكلب فيقتلها - وكل من عضته وهي على هذه الحالة قتلته إلا ابن آدم فإنه ربما عولج فسلم؛ ومن أمراضها أيضا: الذبحة والنقرس.
- ويقال في وصفها:
كأنها كأس خمر جال عليه حبب، أو فضة نقط بها ذهب؛ قد ارتفع هاديها على ذنبها، وعلا رأسها على رقبتها حتى كاد يبلغ السماء بسببها؛ ليست للمها ولا للبقر، وإن لم تكن مما يجل فإنها ليست مما يحتقر.
في الحمارة العتابية: وقد تساوى فيها الليل والنهار، واعتدل البياض
стр. 285
والسواد بمقدار؛ واستقامت خطوطها، وتدفقت فيها أنهار قدرها شطوطها؛ فتشمخت إعجابا، وجمعت شيبا وشبابا؛ وراقت حلتها المسهمة، وتخاطيطها المقسمة؛ وغدت روضة تفتح نوارها، وليلة يتخلل بين الظلماء أنوارها؛ قد فضض سبجها، وكثرت في أثناء لياليها الجون فرجها؛ وغدت وكأن النهار قد قد إهابها، وكأن البرق قد شقق سحابها؛ هذا على أنها لم تعد أمثالها في صورتها، ولا تخالفت أغصان الخطوط في شجرتها؛ حتى تلاقت عند طرف آذانها، وكفت شجراء الشجر بصحة تقسيم أغصانها.
في الحمار الوحشي: وعن حمار حمار وحشي قد شمر فضل إهابه ليذهب، وجرى في مدى شوطه حتى كاد يتلهب؛ قد أسبل ذنبا كأنه من حرير ملون، وداس بحافر كأنه من قعب مكون وسن ضرسا طبع على خصي الذكور غيرة على الأتن، وقلب عينيه لفهم ما تؤدي إليه خبرة الأذن؛ فقتل بالسهم الصائل منه جد غيور، وردي منه قتيل طالما رد الإناث وأردي بالذكور.
في البقر الوحشي: وجرت على يمناه بقرة وحشية قد اشتبكت أغصان قرونها، وأطلق أسهمها على كرائم النساء لحسن عيونها؛ فقصدها برمحه، وعدها من ربحه؛ هذا وقد كثر في السرب أمثالها إلا أنها كانت أقرب إليه، والمقصودة منه على كثرة البقر الذي تشابه عليه.
في المها: وصادف في ذلك المهمه مها لا تردي الفوارس إلا بعيونها، ولا
следующие страницы →