← Сияса и кади

Сияса и кади · id 37051

التعريف بالمصطلح الشريف

ابن فضل الله العمري

Полный текст (320 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

بني الأرشي الأطباء بدمشق، ولولا أن معتقد دين النصرانية لطائفة اليعاقبة أنه لا يصح تعمد معمودي إلا باتصال من البطريرك، وأن كرسي البطريرك كنيسة الإسكندرية، فيحتاج إلى أخذ مطران بعد مطران من عنده، وإلا كان شمخ بأنفه على المكاتبة، لكنه مضطر إلى ذلك؛ ولأوامر البطريرك عنده ما لشريعته من الحرمة، وإذا كتب إليه كتابا فأتى ذلك الكتاب أول مملكته خرج عميد تلك الأرض فحمل الكتاب على رأس علم، ولا يزال يحمله بيده حتى يخرجه من أرضه؛ وأرباب الديانة من تلك الأرض كالقسوس والشمامسة حوله مشاة بالأدخنة، فإذا خرجوا من حد أرضهم تلقاهم من يليهم، أبدا كذلك في كل أرض بعد أرض، حتى يصلوا إلى أمجره فيخرج صاحبها بنفسه ويفعل مثل ذلك الفعل؛ إلا أن المطران هو الذي يحمل الكتاب لعظمته لا لتأبي الملك، ثم لا يتصرف الملك في أمر ولا نهي ولا قليل ولا كثير حتى ينادي للكتاب، ويجمع له يوم الأحد في الكنيسة، ويقرأ والملك واقف، ثم لا يجلس مجلسه حتى ينفذ ما أمره به. ورسم المكاتبة إليه: أطال الله بقاء الحضرة العالية، الملك الجليل، الهمام، الضرغام، الأسد، الغضنفر، الخطير، الباسل، السميدع، العالم في ملته، العادل في مملكته، المنصف لرعيته، المتبع لما يجب في أقضيته، عز الملة النصرانية، ناصر الملة المسيحية، ركن الأمة العيسوية، عماد بني المعمودية، حافظ البلاد الجنوبية، متبع الحواريين، والربانيين والقديسين، معظم كنيسة صهيون، أوحد ملوك اليعقوبية، صديق الملوك والسلاطين. (ويدعى له دعاء مفخما يليق به، لا يعلم له، وتكتب ألقاب السلطان قبل البسملة كعادة الطغراوات). دعاء وصدر يليقان به: وأظهر فعله على من يدانيه من كل ملك هو بالتاج

стр. 37

معتصب، ولكف اللجاج بالعدل منتصب، ولقطع حجاج كل معاند بالحق معتصر أو للحق مغتصب. صدرت هذه المفاوضة إلى حضرته العلية من حضرة القدس مسراها، ومن أسرة الملك القديم سراها، وعلى صفاء تلك السريرة الصافية ترد وإن لم يكن بها غليل، وإلى ذلك الصديق الصدوق المسيح تصل وإن لم تكن بعثت إلا من تلقاء الخليل. وأما الملوك السبعة المسلمون فلم يرد منهم كتاب، ولا صدر إليهم خطاب. صاحب ماردين وهو الآن الملك الصالح شمس الدين، صالح ابن الملك المنصور؛ وهو من أرتق؛ وهم أهل مملكة قديمة. كان جدهم من أكابر أمراء السلطان ملكشاه بن ألب أرسلان السلجوقي؛ ومن خدمته ترقى إلى الملك وصارت هذه المملكة بماردين وأعمالها في عقبه إلى الآن. ورسم المكاتبة إليه: أعز الله نصرة المقر الكريم، العالي، الكبيري، الملكي، الصالحي،

стр. 38

الشمسي، ولا زال ملكا تاجه المدايح، ومنهاجه المنايح، وطريقته إذا وصفت قيل: هذه طريقة الملك الصالح. أصدرناها إليه وشكرها تسوقه إليه حداة الركائب، وتشوق منه إلى لقاء الحبائب، وتثني على مكارمه التي كلما أقلعت منها سحائب أعقبت بسحائب، وتوضح العلم الكريم. صدر آخر: ولا زالت شمسه في قبة فلكها، وسماء ممالكه مملوءة حرسا شديدا وشهبا بملكها، ونعمه تتعب البحار إذا وقفت في طريقها، والغمائم إذا جازت في مسلكها. أصدرناها إليه والسلام متنوع على كرمه، متضوع بأطيب من أنفاس المسك في نعمه، متسرع إليه تسرع مواهبه إلى وفود حرمه، وتوضح للعلم الكريم. صدر ثالث: ولا زالت العفاة تلتحف بنعمائه، وتنتجع مساقط أنوائه، ويستضيء منه بأشرق شمس طلعت من الملك في سمائه. أصدرناها وثناؤها يساق عجلا، ومدائحها تجيد مترويا ومرتجلا، وشكرها لو رصع مع الجواهر لأقام عذر الياقوت إذا اكتسى خده الحمرة خجلا، وتوضح للعلم الكريم.

стр. 39

صاحب حصن كيفا وهو من بقايا الملوك الأيوبية، وممن تنظر إليه ملوك مصر بعين الإجلال لمكان ولائهم القديم لهم واستمرار الود الآن بينهم، وقد كان آخر وقت منهم الملك الصالح قصد الأبواب السلطانية، فلما أتى دمشق عقبه الأخبار بأن أخاه قد ساور سريره وقصد بسلطته سلطانه، فكر راجعا ولم يعقب؛ فما لبثت الأخبار أنجاءت بأنه حين صعد قلعته، وكر نحو سريره رجعته، وثب عليه أخوه المتوثب فقتله وسفك دمه، ثم أظهر عليه ندمه، وكتب إلى السلطان فأجيب بأجوبة دالة على عدم القبول لأعذاره؛ (ولبس وده على دخلة) والسرائر مكدرة، والخواطر بعضها من بعض منفرة. ورسم المكاتبة إليه: أدام الله نعمة المجلس العالي، الملكي، الفلاني (بالألقاب الملوكية) الأجلي، العالمي العادلي، المجاهدي، المؤيدي، المرابطي، المثاغري، الأوحدي، الأصيلي، الفلاني (باللقب المتعارف) عز الإسلام والمسلمين، بقية الملوك والسلاطين، نصرة الغزاة والمجاهدين، زعيم جيوش الموحدين، شرف الدول، ذخر المماليك، خليل أمير المؤمنين. (وربما قيل: عضد أمير المؤمنين إذا صغر). دعاء وصدر: واستعاد به من الدهر من عهود سلفه ما تسلف، وحاز له من مواريث الملك أكثر مما خلى له أوله وما خلف، وحط للرحال في حصن كيفا به

стр. 40

على ملك. أما المستجير به فيتحصن وأما فضله فلا يكيف، وأعال السحاب الذي يكل عن مجاراته ويجري هو ولا يتكلف. أصدرت هذه المكاتبة إليه ونوؤها يصوب، ولألأوها تشق به الظلماء الجيوبن وثناؤها على حسن بلائه في طاعة ربه يقول له: صبراً صبرا كما تعودتم يا آل يعقوب. صدر آخر ودعاء: وشد به بقية البيت، وحيا طلله البالي وأحيا رسمه الميت، وذكر به من زمان سلفه القديم ما لا يعرف في هيت، وأبقى منه ملكا من بني أيوب لا يثني وعده اللي ولا يقال فيه ليت، ونور الملك بغرته لا بما قرع السمع عن الشمع وورد المصابيح من الزيت، وحفظ منه جوادا لو عتبه أخوه السحاب على السبق لقال له: هيهات كم خلفت مثلك خلفي وخليت. أصدرت هذه المكاتبة إليه - أعز الله جانبه - والتحيات موشحة بنطقها، مصبحة لسجاياه الكريمة بخلقها، ساحبة إليه ذيل خيلائها إذ كانت به تختال، وبسببه على السرور تختال. صاحب أرزن بلده صغير وقدره كبير؛ من ملوك آل سلجوق ومن بقايا أولئك السلاطين الذين

стр. 41

دوخوا الدول وملكوا العبيد والخول، واعتدلت التيجان على مفارقهم، ودكت الجبال بمجرى سوابقهم؛ وهو ملك لا يعرف قدر صآلته ولاكنه جلالته. آخر من أعرف منهم هو الأمير الملقب بالملك القاهر؛ ويتهم بمذهب النصيرية، وله إحسان إلى من يمر به وإلى الرعية؛ إلا أن الأكراد أمراء الجبال المطلة عليه والمجاورة له قد نكصوا أطرافه وأكثروا تخطف رعاياه وتحيف بلاده. ورسم المكاتبة إليه: صدرت هذه المكاتبة إلى المجلس السامي، الملكي، الفلاني، الأجلي، الكبيري، العالمي، المجاهدي، المؤيدي، المرابطي، الأوحدي، الفلاني، عز الإسلام، شرف الملوك في الأنام، بقية السلاطين، نصر الغزاة والمجاهدين، ولي أمير المؤمنين. صاحب بدليس هو الأمير شرف الدين، أبو بكر؛ ويتهم بمذهب النصيرية، وبلده صغير ودخله يسير، وعمله ضيق؛ وهو طريق المارة وقصاد الأبواب السلطانية إلي الأردو إذا لم يكن بالعراق؛ وله خدم مشكورة.

стр. 42

ورسم المكاتبة إليه: صدرت هذه المكاتبة إلى المجلس السامي، الأميري (أسوة الأمراء). صاحب هراة ولا يجري على الألسن إلا صاحب هرى. وكان ملكها الملك غياث الدين، ولك أسمع أعجميا يقول إلا: قياس الدين؛ وكان ملكا جليلا نبيلا مفخما معظما، له مكانة عند الملوك الهولاكوهية، ومنزلة رفيعة علية. وكان بين غياث الدين وبين النوين جوبان مودة أكيدة وصداقة عظيمة؛ فلما دارت به دوائر الزمان وأفضت به الحال إلى الهرب لجأ إلى صاحب هرى هذا، على إنه يسهل له الدخول إلى صاحب الهند، أو إلى ملك ما وراء النهر، فأجابه وأنزله، وبسط أمله؛ وأسر له الخداع حتى اطمأن إليه، فأصعده إلى قلعته ليضيفه فصعد ومعه ابنه جلوقان، وهو ابنه من خوندة بنت السلطان خذابنده. وكان جلوقان هذا هو الذي أجيب إلى تزويجه ببنت السلطان الملك الناصر، وعلى هذا تمت قواعد الصلح. وبنى جوبان أمره على أنه بعد التزويج يأخذ له ملك بيت هولاكو بشبهة أنه ابن بنت خذابندا، وأنه لم يبق بعد أبي سعيد من يرث الملك سواه؛ ثم يستضيف له ملك مصر والشام بشبهة أنه بنت صاحب مصر هي التي ترث الملك من أبيها، فحالت المنايا دون الأماني؛ وحال صعود جوبان وابنه جلوقان القلعة أمسكهما غياث الدين وخنقهما ليتخذ بذلك وجها عند السلطان بو سعيد، وبعث بذلك إلى بو سعيد فشكر له إمساكهما وأنكر عليه التعجيل في قتلهما فاعتذر: بأنني لو لم اقتلهما لم آمن استعداد من معهما

стр. 43

لمحاصرتي، فقبل عذره وطلب من إبهام جوبان ليعرف أنه قد قتل، وكان فيه زيادة سلعة ظاهرة يعرف بها، فجهزه إليه فأكرم رسله وبعث إليه بالخلع، وأمر بإصبع جوبان فطيف بها في الممالك؛ ثم سألت بغداد خاتون، بنت جوبان - وكان قد تزوج بها أبو سعيد وكلف بها الكلف الشديد - في نقل أجسادهما فنقلت، فعقدت لهما المآتم ثم أمرت بحملهما إلى مكة المعظمة ثم إلى المدينة المشرفة ليدفنا في التربة الجوبانية التي كان جوبان أعدها لدفنه في حال حياته، فمكنت من ذلك إلا من الدفن فإنهما دفنا بالبقيع. ثم حضر غياث الدين حضرة أبي سعيد فأكرم وأعطي العطايا السنية ثم لم يلبث أن مات وولي ابنه. ولم يحضرني الآن اسمه. ولم يكن صاحب هذه المملكة ممن يكاتب عن السلطان حتى كانت واقعة جوبان فكتب إليه. ورسم المكاتبة إليه: أعز الله نصر المقر الكريم، العالي، العالمي، العادلي،

стр. 44

المجاهدي، المؤيدي، المرابطي، المثاغري، الأوحدي، الملك الفلاني، شرف الملوك والسلاطين، خليل أمير المؤمنين. ملوك كيلان وهم جماعة كل منهم مستقل بنفسه، متفرد بملكه، على ضيق بلادهم وقرب مجاورة بعضهم من بعض والجبل والبحر يحصرانهم: الجبل من جنوبهم والبحر من شمالهم؛ وهو البحر الطبرستاني المسمى حيث هو بالقلزم وليس به، وهو بحر لا يتصل بالمحيط لا بمصب منه ولا بمصب إليه؛ وهؤلاء رسلهم قليلة وكتبهم أقل من القليل. ورسم المكاتبة إليه: نحو ما يكتب به إلى صاحب حصن كيفا، إلا صاحب بومن فإنه يكتب إليه بالجناب، وهو مثلهم في بقية الألقاب.

стр. 45

الأكراد وهم خلائق لا تحصى وأمم لا تحصر؛ ولولا أن سيف الفتنة بينهم يستحصد قائمهم، وينبه نائمهم، لفاضوا على البلاد، واستضافوا إليهم الطارف والتلاد؛ ولكنهم رموا بشتات الرأي وتفرق الكلمة، لا يزال بينهم سيف مسلول، ودم مطلول، وعقد نظام محلول، وطرف باكية بالدماء مبلول؛ ولهم رأسان كل منهما جليل، ولكل منهما عدد غير قليل؛ وهما صاحب جولمرك، وصاحب عقرشوش. والكبير منهما الذي تتفق طوائف الأكراد - مع اختلافها - على تعظيمه والإشارة بأنه فيهم الملك المطاع والقائد المتبع، هو صاحب جولمرك؛ وهو صاحب مملكة متسعة ومدن وقلاع وحصون، وله قبائل وعشائر وأنفار. وهو ينسبون إلى عتبة بن أبي سفيان بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف؛ وكانت قد انتهت الإمرة فيهم إلى الملك أسد الدين موسى بن مجلي بن موسى بن منكلان. وكان رجلا عظيما نهابا وهابا، تجله ملوك المماليك الجليلة وتعظمه حكام الأردو وصاحب مصر. وإشارته مقبولة عند الجميع. وإذا اقتتلت طائفتان من الأكراد فتقدم إليهما بالكف كفوا، وسمعوا له سمع مراعي لا سمع مطيع. والقائم الآن من بنيه الملك عماد الدين مجلي؛ وهو رجل يحب أهل العلم والفضل، ويحل منهم عنده من أتاه أعظم محل. كتب لي قاضيه إن أخوته من ظهر أبيه هم: عز الدين؛ وزيد الدين؛ وأعمامه: عز الدين شير، وشمس الدين شيخ أمير، والأمير داوود، وحسام الدين. وما منهم إلا وله حكم وتصرف؛ ومرجعهم كلهم إلى الملك عماد الدين صاحب جولمرك. وأما الثاني فهو صاحب عقرقوش؛ وملوكها الآن من أولاد المبارزكك؛ وكان مبارز الدين كك رجلا شجاعا كريما تغلب عليه غرائب من الهوس فيدعي أنه ولي من

стр. 46

الأولياء يقبل النذر؛ وكانت تنذر له النذور تقربا إليه بما تنفق عليه لا اعتقادا فيه فيسر بذلك؛ فإذا أتاه النذر أضاف إليه مثله من ماله وتصدق بهما جميعا. وأهل هذا البيت يدعون عراقة الأصل في الإمرة، وقدم السؤدد في الحشمة، ويقولون إنهم عقدت إليهم ألوية الغمارة وتسلموا أزمة هذه البلاد، وتسنموا صهوات هذه الصياصي بمناشير الخلفاء، وأنهم كانوا لهم أهل وفاء؛ ولهم وفي هذا حكايات كثيرة، وأخبار مأثورة؛ وهم أهل تنعم ورفاهية ونعمة ظاهرة، وبزة فاخرة، وآدر مزخرفة، ورياض مفوقة، وخيول مسومة، وجوارح معلمة، وخدم وغلمان، وجوار حسان، ومعازف وقيان، وسماط ممدود وخوان، وأهل عشرة وأخوان. وموقع بلادهم من أطراف بلادنا قريب والمدعو منهم من الرحبة وما جاورها يكاد يجيب. وملوكنا تشكر لهم إخلاص نصيحة، وصفاء سريرة صحيحة. والقائم فيهم الآن شجاع الدين ابن الأمير نجم الدين خضر ابن المبارز كك؛ ولم يبلغ الآن مبلغ أبيه، ولا أظنه يقاربه ولا يدانيه؛ على أنه قد ملك ملكه، ونظم سلكه. ورسم المكاتبة إلى كل منهما: أدام الله نعمة المجلس العالي، الأميري، (والألقاب التامة الكاملة). وأما بقية أمرائهم فجلتهم الأكابر: صدرت هذه المكاتبة إلى المجلس السامي الأميري بالياء. والألقاب من الطبقة الثانية، وما دونها لمن دونهم. ومما ينبه عليه أن في طرق المارين ومسالك المسافرين من بلادنا إلى خراسان، ومنها إلينا، ينجم في بعض الأحيان أهل فساد يعمدون إلى عميد يقدمونه عليهم فيقطعون السبل ويخيفون الطرق؛ وتطير سمعة عميدهم، وتنتشر في قريبهم وبعيدهم، فيكاتب ذلك العميد من أبواب الملوك، ويضطر إليه لفتح الطريق للسلوك؛ ويكون من غير بيت الإمرة، ولا أهل القديم. وربما هوى نجمه، فانقطع

стр. 47

بانقطاع عمره اسمه؛ مثل (الجملوك) الخارج بطريق خراسان، والغرس بالو الخارج فيما يقارب بلاد شهرزور، ومثل الخارجين على (دربند القرابلي). وهؤلاء لا يعرف لأحد منهم رتبة محفوظة، ولا قانون في رسم المكاتبة معروف؛ والشأن فيما يكتب إلى هؤلاء بحسب الاحتياج وقدر ما يعرف لهم من اشتداد الساعد، وعدد المساعد. ولقد كتبنا إلى كل من الجملوك والغرس بالو بالسامي بالياء، وجهزت إليهما الخلع وأتحفا بالتحف. أمراء الأتراك بالبلاد المعروفة الآن ببلاد الروم، وتسمى الآن ببلاد الدروب؛ وهي البلاد المنحصرة بين بحري القرم - وهو المسمى ببحر نيطش وما ينطش - وفي الغرب إلى الخليج القسطنطيني، وتنتهي متشاملة إلى القسطنطينية، وتسمى اسطنبول: وهي

стр. 48

قاعدة ملوك الروم، ومنها تعقد راياتهم وتقوم؛ وتنتهي جنوبا إلى بلاد (ابن لاون) وهي بلاد الأرمن، يحدها البحر الشامي. وهذه البلاد بلاد متسعة، وهي مفرقة لملوك مجتمعة، وإنما هم لا يطلق عليهم إلا اسم الإمارة؛ ولا انتظام لكلمتهم، ولا اجتماع لجملتهم؛ وأكبرهم صاحب كرميان، وله بينهم وضع محفوظ، ونظام مرعي. فأما ملوكنا، فأجل من لديهم منهم جماعة بني قرمان، لقرب ديارهم، وتواصل أخبارهم، ولنكاياتهم في متملك (سيس) وأهل بلاد الأرمن، واجتياحهم لهم من ذلك الجانب مثل احتياج عساكرنا لهم من هذا الجانب؛ فمكاتباتنا إلى بنى قرمان لا تكاد تنقطع؛ وأما إلى البقية فأقل من القليلن وأخفى من مرأى الضئيل. وهم: الأول: صاحب كرميان: ولم يكتب إليه مدة مقامي بالأبواب السلطانية؛ ويشبه أن تكون المكاتية إليه (بالمقر) نظير صاحب ماردين، لكن بأبسط ألقاب، إذ هي أدعى لاستحسانهم لقلة معارفهم. وعلى هذا التقدير يكون رسم المكاتبة إليه: (أعز الله نصر المقر الكريم، العالي، الملكي، الأجلي، العالمي، العادلي، المجاهدي، المؤيدي، المرابطي، المثاغري، المظفري، المنصوري، الفلاني، عون الإسلام والمسلمين، فخر الملوك والسلاطين، نصير الغزاة والمجاهدين، زعيم

стр. 49

الجيوش، مقدم العساكر، ظهير أمير المؤمنين. فإن لم يسمح له بكل هذه المخاطبة، ولم يؤهل لنظير هذه المكاتبة، كتبت له هذه الألقاب مع (الجناب الكريم) وخوطب بالإمارة إن لم يسمح له بالمخاطبة بالملك. الثاني: صاحب كصطمونية: وكانت آخر وقت لسليمان باشا؛ وكان أميرا كبيرا، كثير العدد، موفور المدد، ذا هيبة وتمنع. ثم مات وورث ملكه ابنه إبراهيم شاه، وكان عاقا لأبيه، خارجاً عن مراضيه، وكان في حياته متفردا بمملكة (سنوي)، وهي الآن داخلة في ملكه، ومنخرطة في سلكه. ورسم المكاتبة إليه: (أدام الله نعمة المجلس العالي، الأميري) (بأكمل الألقاب، وأتم ما يكتب في هذا الباب). الثالث: صاحب أرمناك: وهو ابن قرمان المقدم الذكر. ورسم المكاتبة إليه: (أدام الله نعمة المجلس العالي) (بأكمل الألقاب وأكبرها، وأجمعها وأكثرها). ولإخوته أيضا رسوم في المكاتبات؛ فأكثرهم قدرا،

стр. 50

وأفتكهم نابا وظفرا، الأمير بهاء الدين موسى، وحضر إلى باب السلطان وتلقى بالإجلال، وأحل في ممتد الظلال، وأورد موارد الزلال، وأري ميامن اسعد من طلعة الهلال. وحج مع الركب المصري وقضى المناسك، وأسبل في ثرى تلك الربى بقية دمعه المتماسك، وشكر أمراء الركب دينه المتين، وذكروا ما فيه من حسن اليقين، وعاد إلى الأبواب السلطانية وأجلس في المرتين مع أمراء المشور، وأشرك في الرأي وسأل السلطان في منشور يكتب له بما يفتح بسيفه من بلاد الأرمن يقاتل بعلمه المنشور، ويجتني من شجر المران جنى عسله المشور، فكتبته له، واستقر رسم مكاتبته نظير مكاتبة أخيه وهو مثله، وشبيه فضله فضله؛ فأما بقية قرمان فدونهما في المكاتبة. الرابع: صاحب طنغزلو: ورسم المكاتبة إليه: (صدرت هذه المكاتبة إلى المجلس العالي الأميري). الخامس: صاحب توازا: وهو في المكاتبة نظير صاحب طنغزلو. اسمه في زماننا (علي أرينه). السادس: صاحب عيدلي: وهو في زماننا (دندار) أخو يونس صاحب انطاليا. وهو في المكاتبة نظير صاحب توازا. السابع: صاحب فاويا: وهو مراد الدين حمزة؛ وهو ملك مضعوف، ورجل بمجالس أنسه مشغوف. ورسم المكاتبة إليه: (صدرت هذه المكاتبة إلى المجلس السامي الأميري) بالياء.

стр. 51

الثامن: صاحب برسا: وهو أرخان بن عثمان. وهو نظير صاحب فاويا في المكاتبة. التاسع: صاحب أكبرا: وهو في زماننا دمرخان بن قراشي. ومكاتبته نظير مكاتبة صاحب برسا. العاشر: صاحب مرمرا: وهو بخشي بن قراشي. ورسم المكاتبة إليه: (صدرت هذه المكاتبة إلى المجلس العالي). الحادي عشر: صاحب مغنيسيا: واسمه (صاروخان). والمكاتبة إليه: (السامي) بالياء. الثاني عشر: صاحب نيف: وهو علي باشا أخو صاروخان صاحب مغنيسيا المقدم ذكره. ورسم المكاتبة إليه مثل أخيه المذكور. الثالث عشر: صاحب بركي: وهو إبن أيدين. والمكاتبة إليه: أدام الله تعالى نعمة المجلس العالي) بالألقاب التامة. الرابع عشر: صاحب فوكه: وهو أرخان بن منتشا. والمكاتبة إليه نظير صاحب بركي. الخامس عشر: صاحب أنطاليا: وهو خضر بن يونس. ورسم المكاتبة إليه: (صدرت هذه المكاتبة إلى المجلس العالي) السادس عشر: صاحب قراصار: واسمه زكريا. ورسم المكاتبة إليه: (هذه المكاتبة إلى المجلس السامي) بلا ياء.

стр. 52

عظماء الملوك بإيران وتوران وما والاهما من البلاد الشرقية من مجر الفرات إلى مطلع الشمس أعلم أن إيران مملكة الأكاسرة؛ وهي من الفرات إلى نهر جيحون حيث بلخ، ومن البحر الفارسي وما صاقبه من البحر الهندي إلى البحر المسمى بالقلزم، بحر طبرستان. وهي المملكة الصائرة إلى بيت هولاكو؛ وقد دخل فيها مملكة الهياطلة، وهي بلاد مازندران وما يليها إلى آخر كيلان؛ وجيلان، وبلاد الجيل؛ وطبرستان واقعة بينهما، أعني بين مازندران وكيلان؛ ومازندران الآخذة شرقا وكيلان الآخذة غربا. وأما توران فهي: مملكة الخاقانية، كانت في القديم بيد أفراسياب ملك الترك؛ وهي من نهر بلخ إلى مطلع الشمس على سمت الوسط؛ فما اخذ عنها جنوبا كان بلاد السند، ثم الهند، وما اخذ عنها شمالا كان بلاد الخفجاج، وهم طائفة القبجاق، وبلاد الصقلب، والجهاركس، والروس، والماجار، وما جاورهم من طوائف الأمم المختلفة سكان الشمال. ويدخل في توران ممالك كثيرة وبلاد واسعة وأعمال شاسعة وأمم مختلفة لا تكاد تحصى؛ تشمل على بلاد غزنة، والباميان، والغوز، وما وراء النهر (وهذا النهر الذي يشار إليه هو جيحون) نحو بخارى وسمرقند، والصغد، والخوجند، وغير ذلك؛ وبلاد تركستان، وأشروسنة، وفرغانة، وبلا صاغون، وطراز، وصريوم وبلاد الخطا نحو بشمالق والمالق

стр. 53

إلى قراقوم (وهي قرية جنكز خان التي أخرجته وعريسته التي أدرجته) ثم ما وراء ذلك من بلاد الصين، وصين الصين. وكل هذه ممالك جليلة، وأعمال حفيلة، وملةكها سلاطين عظام، وملوك كرام، قد أكرمهم الله الآن بالإسلام، وشرفهم بإتباع سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام. فأما مملكة إيران: فكان العهد بها أن تكون لرجل واحد وسلطان فرد مطاع؛ وعلى هذا ضمت الأيام إلى حين توفي السلطان أبو سعيد، فصاح في جنباتها كل ناعق، وقطع رداءها كل جاذب، وتفرد كل متغلب بجانب، فهي الآن نهبى بأيديهم. فأما عراق العرب، فهو بغداد وبلادها وما يليها من ديار بكر وربيعة ومضر، بيد الشيخ حسن الكبير وهو الحسن بن الحسين بن أقبغا من طائفة النورانيين؛ وكان جده نوكراً لهولاكو بن طولى بن جنكزخان المجرد لقتل الباطنية، فاستولى على إيران بمجموعها. (والنوكر هو الرفيق). - وأما بقية ديار بكر فهي بيد إبراهيم شاه بن بارنباي بن ثوتاي. وأما مملكة أذر بيجان، وهي قطب مملكة إيران، ومقر كرسي ملوكها من بني جنكزخان، فهي بيد جنكزخان، وهي بيد أولاد جوبان، وبها ألقان القائم الآن سليمان شاه. ولا أعرف صحة نسبه ولا سياقته بالدعوى. وأما خراسان فبيد القان طغيتمريار وهو صحيح النسب، غير أني لم أعرف أسماء آبائه.

стр. 54

وأما بلاد الروم فقد أضيف إلى إيران منها قطعة صالحة وبلاد نازحة؛ وهي الآن بيد (أرتنا) وقد نُبه على ذلك ليعرف. وأما رسم المكاتبة إلى القان الجامع لحدودها، والناظم لعقودها - كما كان أبو سعيد - فهو كتاب يكتب في قطع البغدادي الكامل، تُبدأ فيه - بعد البسملة وسطر من الخطبة - بالطغرا المكتتبة بالذهب المزمك بألقاب سلطاننا على عادة الطغراوات، ثم تكمل الخطبة وتفتتح ببعدية إلى أن تساق الألقاب وهي: الحضرة الشريفة، العالية، السلطانية، الأعظمية، الشاهنشاهية، الأوحدية، الأخوية، القانية، الفلانية (من غير أن يخلط فيها الملكية لهوانها عليهم وانحطاطها لديهم) ثم يدعى له بالأدعية المعظمة المفخمة الملوكية: من إعزاز السلطان، ونصر الأعوان، وخلود الأيام، ونشر الأعلام، وتأييد الجنود، وتكثير الوفود، وغير ذلك مما يجري هذا المجرى. ثم يقال ما فيه التلويح والتصريح بدوام الوداد، وصفاء الاعتقاد، ووصف الأشواق، وكثرة الأتواق، وما هو من هذه النسبة. ثم يؤتى على المقاصد ويختم بدعاء جليل، وتستعرض الحوائج والخدم، ويوصف التطلع إليها، ويظهر التهافت عليها. وهذا الكتاب تكتب جميع خطبته وطغراه وعنوانه بالذهب المزملك، وكذلك كل ما وقع في أثنائه من اسم جليل، وكل ذي شأن نبيل: من اسم الله تعالى، أو لنبينا (ص)، أو لأحد من الأنبياء والملائكة ﵈، أو ذكر لدين الإسلام، أو ذكر سلطاننا أو السلطان المكتوب إليه أو ما هو متعلق بهما. مثاله: (عندنا وعندكم) و (لنا ولكم) و (كتابنا وكتابكم)، وكل هذا يكتب بالذهب؛ وما سواه يكتب السواد. فأما العنوان فهو بهذه الألقاب إلا أن ينتهي إلى اللقب الخاص، ثم يدعى له بدعوة أو دعوتين نحو: (أعز الله سلطانها، وأعلى شأنها) أو نحو ذلك، ثم يسمى اسم السلطان المكتوب إليه، ثم يقال (خان) كما كنا نكتب فنقول: (أبو سعيد بهادر

стр. 55

خان) فقط، ويطمغ بالذهب بطمغات عليها ألقاب سلطاننا؛ وتكون الطمغات على الأوصال: يبدأ بالطمغة على اليمين في أول وصل، ثم على اليسار في ثاني وصل، ثم على هذا النمط إلى أن ينتهي في الآخر على اليمين. ولا يختم على الطرة البيضاء؛ والكاتب يخلي لمواضع الطمغة مواضع الكتابة، تارة يمنةة وتارة يسرةة. وحكام دولة هذا السلطان: أمراء الألوس؛ وهم أربعة، أكبرهم (بكلاري بك) وهو أمير الأمراء، كما كان قطلو شاه عند غازان، وجوبان عند خذابندا ثم عند بو سعيد؛ وهؤلاء الأمراء الأربعة لا يفصل جليل أمر إلا بهم؛ فمن غاب منهم كتب اسمه في اليرالغ، وهي المراسيم كما يكتب لو كان حاضرا، ونائبه يقوم عنه. وهم لا يمضون أمراً إلا بالوزير؛ والوزير يمضي الأمور دونهم، ويأمر نوابهم فتكتب أسمائهم: فالوزير هو حقيقة السلطان، وهو المتفرد بالحديث بالمال والولاية والعزل حتى في جلائل الأمور، كما أن (بكلاري بك) يتحدث في أمر العسكر بمفرده. فأما الاشتراك في أمور الناس فبهم أجمعين، وليس للأمراء في غالب ذلك من العلم إلا ما علم نوابهم. ورسم المكاتبة إليهم: (بكلاري بك): أعز الله نصر المقر الكريم.

стр. 56

والثلاثة الذين دونه: أدام الله نصر الجناب. ويقال لكل منهم (النويني) ومثل هذا مكاتبة (أرتنا) بالروم، وأمير التومان بديار بكر: من سوناي وبنيه وكذلك سائر الأمراء والنوينات وهم أمراء التوامين. ورسم المكاتبة إلى الوزير: (ضاعف الله نعمة المجلس العالي، الأميري، الوزيري) على عادة مكاتبات الوزراء بألقاب الوزارة؛ فإن لم يكن له إمرة يقال: (الوزيري) ولا يقال: (الصاحبي) لهوانها لديهم. وعادة ما يكتب إلا (بكلاري بك) في قطع النصف، وما يكتب إلى أمراء النوينات والوزير في قطع الثلث. وأما مملكة توران فهي منقسمة ثلاثة أقسام:. كان آخر العهد بها إلى انقضاء الأيام الناصرية؛ وبها سلطانان مسلمان وسلطان كافر، وهو أكبر الثلاثة، وهو المسمى بالقان الكبير صاحب التخت، وهو صاحب الصين والخطا ووارث تخت جنكزخان؛ ولم يكن يكاتب لترفعه وإبائه، وطيرانه بسمعة آبائه؛ ثم تواترت الآن الأخبار بأنه قد أسلم ودان بدين الإسلام، ورقم كلمة التوحيد على ذوائب الأعلام؛ وإن صح - وهو المؤمل - فقد ملأت الأمة المحمدية الخافقين، وعمت المشرق والمغرب وامتدت بين ضفتي البحر المحيط.

стр. 57

وأما الملكان المسلمان فأحدهما صاحب السراي وخوارزم والقرم ودشت القبحاق؛ وهي المملكة المعروفة ببيت بركة. كان يسمى صاحبها في قديم الزمان - زمان الخلفاء وما قبله - صاحب السرير، وكان صاحبها في الأيام الناصرية: السلطان أزبك خان؛ وقد خطب إليه السلطان فزوجه بنتاً تقرباً إليه. وما زال بين ملوك هذه المملكة وبين ملوكنا قديم اتحاد، وصدق وداد، من أول أيام الظاهر بيبرس وإلى آخر وقت. والملك الآن فيهم في أولاد أزبك: أما (تني بك) أو (جاني بك)، وأظنها في (تني بك). ورسم المكاتبة إليه: - إن كتب بالعربي - رسم ما يكتب إلى صاحب إيران كما تقدم، وإلا فالأغلب أن يكتب إليه بالمغلي، وذلك مما كان يتولاه أيتمش المحمدي، وطاير بغا الناصري، وإرغدلق الترجمان، ثم صار يتولاه قوصون الساقي. وأما الثاني منهما فهو صاحب غزنة وبخارى وسمرقند وعامة ما وراء النهر. وآخر ما استقرت لترما شيرين؛ وكان حسن الإسلام، عادل السيرة، طاهر الذيل،

стр. 58

مؤثراً للخير، محباً لأهله، مكرما لمن يرد عليه من العلماء والصلحاء وطوائف الفقهاء والفقراء. والمكاتبة إليه على رسم مكاتبة صاحب إيران. وأما القان الكبير: فإن صح إسلامه وقدرت المكاتبة إليه تكون المكاتبة إليه كذلك أو أجل من ذلك؛ وهؤلاء الثلاثة وصاحب إيران أولاد جنكزخان. دعاء وصدر: وعرفه قدر ما أنعم به عليه، وسلمه من مفاتيح الأرض من شرقها إليه، وفضله به على ملوك بيته، إذ جعل ذهب الشمس أول ما يصاغ دونهم لتاجه، ودينارها أول ما يقع في يديه؛ ولا زال لربه عبداً شكورا، عارفاً بحق أنعمه من قبل أن يكون شيئاً مذكورا، منيبا إليه إذا كان الناس إما شاكراً وإما كفورا، ليؤدي بالشكر حق المنعم، ويتقرب إلى الله بما يتقبله منه وإنما يتقبل الله من المسلم. حضرته العالية مخدومة، وأسرته الزاهية بخواتم القبل مختومة، وعداوة الأعداء بصدق محبته مخصومة، والقلوب لأخبار وداده مصدقة، والبحار بكرمه مصفقة، والركائب بحديثه مشرقة ومغربة، ومبعدة ومقربة. ما انفصل حين، وجمع الناس لملوك مصلحين، فلا يستغرب إذا جمعت الأقطار فرق شعاعها، وضمت

стр. 59

شموسها المشرقة في كل صباح فرائد النجوم في خيوط شعاعها، لمحاسنها التي تتألف من نفر، وتقيم الحجة إذا قيل فيها ﴿إن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر﴾. صاحب الهند وأما غير هؤلاء فهو صاحب الهند، واسمه أبو المجاهد محمد بن طغلقشاه؛ وهو أعظم ملوك الأرض شرقاً وغرباً، وجنوباً وشمالاً، وبراً وبحراً، وسهلاً وقفراً، وسمته في بلاده (الإسكندر الثاني). وبالله إنه يستحق أن يسمى بذلك ويوسم به: لاتساع بلاده، وكثرة أعداده، وعزر أمداده، وشرف منابت الأرض، ووفور معادنه، وما تنبته أرضه، ويخرجه بحره، ويجبى إليه، ويرد من التجار عليه. وأهل بلاده أمم لا تحصى، وطوائف لا تعد. حدثنا عبد الله دفتر خوان والافتخار، وهما الرسولان الواصلان فيما تقدم منه، ما لو سكنت النفوس إلى براءتهما من التعصب فيه لحكى منه العجائب وحدث

стр. 60

عنه بالغرائب. وقد حدثنا قوم آخرون، وكلهم ثقات معتبرون منهم الفقيه سراج الدين الهندي مدرس البيدمرية بالقاهرة والتاج البزي والشيخ مبارك الأبتايتي بما ظهر من مجموع كلامهم، بأن عسكر هذا السلطان نحو التسعمائة ألف فارس، وعنده زهاء ألفي فيل يقاتل عليها، وخلق من العبيد مقاتلة تقاتل رجالة مع سعة الملك والحال، وكثر الدخل والمال، وشرف النفس والآباء، مع الاتضاع للعلماء والصلحاء، وكثرة الإنفاق، وعميم الإطلاق، ومعاملة الله تعالى بالصدقة، وإخراج الكفاف للمرتزقه، بمرتبات دائمة، وإدرارات متصلة؛ ولقد أرسل مالا برسم الحرمين وبيت المقدس، وهدية للسطان تزيد على ألف ألف دينار، فقطع عليها الطريق باليمن، وقتل محضرها بأيدي مماليكه، لأمر بيت بليل، ثم قتل قاتلوه، وأخذ أهل اليمن المال وأكلوه، وكتب عن سلطاننا إلى صاحب اليمن في هذا كتاب منه: (وقد عددت عليه فعلته) وقيل فيه: (وفعل ما لا يليق، وأمسى وهو يعد من الملوك فأصبح يعد من قطاع الطريق)، وجرى في هذه الكلمة نبأ ليس هذا موضعه. عدنا إلى ذكر صاحب الهند فنقول إن رسم المكاتبة إليه رسم المكاتبة إلى القانات الكبار المقدم ذكرهم: في هيئة الكتاب، وما يكتب به، والطغرا والخطبة. فأما ألقابه فهي: (المقام الأشرف، العالي، المولوي، السلطاني، الأعظمي، الشاهنشاهي، العالمي، العادلي، المجاهدي، المرابطي، المثاغري، المظفري، المؤيدي، المنصوري، إسكندر الزمان، سلطان الوقت والأوان، منبع الكرم والإحسان، المعفي على ملوك آل ساسان، وبقايا أفراسياب وخاقان، ملك البسيطة،

стр. 61

سلطان الإسلام، غياث الأنام، أوحد الملوك والسلاطين)؛ ويدعى له. ولم نكتب إليه في ذلك الوقت لقبا ينسب إلى الخلافة نحو (خليل أمير المؤمنين) وما يجري هذا المجرى إذ كان قد بلغنا أنه يربأ بنفسه إلا أن يدعى بالخلافة، ويرى له فضل الإنافة. دعاء وصدر: ولا زال سلطانه للأعداء مبيرا، وزمانه بما قضى به من خلود ملكه خبيرا، وشأنه وإن عظم يتدفق بحرا ويرسي ثبيرا، ومكانه - وإن جل أن يجلببه مسكي الليل - يملأ الأرجاء أرجا والوجود عبيرا، وإمكانه يستكين له الإسكندر خاضعا وإن حاز نعيما جما وملكا كبيرا، ولا برحت الملوك بولائه تتشرف، وآلائه تتعرف، وبما تطبع مهابته من البيض بيض الهند في المهج تتصرف. المملوك يخدم بدعاء يحلق إلى أفقه، ويحل العلياء والمجرة في طرقه، ويهدي منه ما يعتدل به التاج فوق مفرقه، ويعتد له النجم وهو لا يثنيه إلا وسادة تحت مرفقه، ويسمو إلى مقام جلاله ولا يسأم من دعاء الخير، ولا يمل إذا مالت النجوم عن السير، ولا يزال يصف ملكه المحمدي بأكثر مما وصف به الملك السليماني وقد

стр. 62

قال: وأوتينا من كل شيء وعلمنا منطق الطير. فأما غير هؤلاء من السلاطين الكبراء والملوك العظماء ممن يكاتب من ملوك الإسلام على نأي الديار وبعد المزار ممن لم يبلغ أدنى سعي هؤلاء الملوك فهو: صاحب البلغار والسرب وبلاده في متاخمة مملكة صاحب السراي؛ وربما أنه يظهر لصاحب السراي الانقياد والطاعة؛ وكانت رسله قد وصلت إلى الأبواب السلطانية تطلب له الألوية والأعلام، فجهزت إليه مع مات جرت العادة بمثله من التشريف والسيفين والشعار والخيل المسرجة الملجمة. ورسم المكاتبة إليه على ما كتب: (أعز الله نصر الجناب الكريم، العالي، الملكي، الأجلي، الكبيري، العالمي، العادلي، المجاهدي، المؤيدي، المرابطي، المشاغري، الأوحدي، سيف الإسلام والمسلمين، ناصر الغزاة والمجاهدين، زعيم الجيوش، مقدم العساكر، جمال الملوك والسلاطين، ذخر أمير المؤمنين.

стр. 63

فهؤلاء جملة من بكاتب من ملوك الإسلام شرقا وغربا وبعدا وقربا. فأما رسم المكاتبة إلى ملوك الكفار، ممن بعد أو قرب بالجوار فأبعدهم صيتا وأجلهم قدرا، وأنبههم ذكرا، وأكثرهم سمعة في حديث وقديم: ملك الروم صاحب القسطنطينية وقد كان قبل غلبة الفرنج ملكا جليلا، ترجع إليه من عبد الصليب سائر الملوك، ويفتقر إليه منهم الغني والصعلوك؛ وكتب التواريخ مشحونة بأخباره، وذكر وقائعه وآثاره؛ وأول من ألبس هامه الذلة، وأصار جمعه إلى القلة، هارون الرشيد حين أغزاه أبوه المهدي إياه، فأزال الشمم من أنفه، وثنى جامح عطفه. فأما غزوات مسلم ابن عبد الملك ويزيد بن معاوية فإنها لم تبلغ فيه حد الكناية، ولا أعظمت له الشكاية. وهذا الملك الآن كان السلطان (أزبك) قد كاد يبتز تاجه، ويعقم نتاجه، ويخل من جانب البحر المغلق رتاجه، فاحتاج إلى مداراته وبذل له نفائس المال، وصحب أيامه على مضض الاحتمال؛ وكانت له عليه قطيعة مقرره، وجملة مال مقدره. فأما الآن بعده فقد عميت علينا منهم الأخبار، وتولى بالدنيا الإدبار: ورسم المكاتبة إليه: (ضاعف الله بهجة الحضرة العالية المكرمة، حضرة الملك الجليل، الخطير، الهمام، الأسد، الغضنفر، الباسل، الضرغام، المعرق، الأصيل، الممجد، الأثير، الأثيل، البلالاوس، الريدراغون، ضابط الممالك

стр. 64

الرومية، جامع البلاد الساحلية، وارث القياصرة القدماء، محيي طرق الفلاسفة والحكماء، العالم بأمور دينه، العادل في ملكه، معز النصرانية، مؤيد المسيحية، أوحد ملوك العيسوية، مخول التخوت والتيجان، حامي البحار والخلجان، آخر ملوك اليونان، ملك ملوك السريان، عماد بني المعمودية، رضي الباب بابا رومية، ثقة الأصدقاء، صديق المسلمين، أسوة الملوك والسلاطين). ثم يكتب اسمه هنا ويدعى له. دعاء وصدر يليقان به: (وجعل له مع الإسلام يدا لا تزعزعه من أوطانه، ولا تنزعه من سلطانه، ولا توجب له إلا استقرار لتيجانه، واستمرار بملكه على ما دارت على حصونه مناطق خلجانه، ولا برحت ثمار الود تدنو من أفنانه، ومواثيق العهد تبويء له ما يسر به من إشادة معالم سلفه وشد بناء يونانه. أصدرناها وشكره كجاره البحر لا يوقف له على آخر، ولا يوصف مثل عقده الفاخر، ولا يكاثر إلا قيل: أين هذا القليل من هذا الزاخر؟). دعاء آخر: ونظم سلكه، وحمى ملكه، وكفى محبيه هلكه، وأجرى بوده ركائبه وفلكه، ووقاه كذب الكاذب وكف إفكه، وأشهد على وده الليل والنهار، (وما عند كافوره هذا كف ولا مسكه هذا مسكه).

стр. 65

ملك الكرج وبلاد الكرج أمها مدينة تفليس، وموقع هذه البلاد بين بلاد الروم المذكورة أولا وبين بلاد أرمينية؛ وهي بلاد جليلة ومملكة مفخمة، وكأنها مقتطعة من البلادين، ولها ملك قائم، وبها ملك دائم، وسلطان بيت هولاكو بمملكة إيران يحكم عليها، ويرالغه تصل إليها، إلا أنه لا يطغى بها سيله، ولا تجوس خلال ديارها للحرب المضرمة خيله، وإنما له بها تومان اتخذها سدادا لثغرها، وقياما بأمرها؛ منزلهم فسيح بواديها؛ أهل حل وترحال، وتنقل من حال إلى حال. وآخر من كان له منهم في هذه البلاد سمعه، وأقيلت به للمهابة صرعه، الشيخ محمود بن جوبان، وكان باسلا لا يطاق، ورجلا مر المذاق؛ ولما جرت الكائنة لأبيه، لاذ بالسلطان (أزبك قان)؛ ثم لم تطل له مده، ولا انفرجت له حلق شده، وأتاه أجله وما استطاع رده. وأما عسكر الكرج فهم صليبة دين الصليب، وأهل البأس والنجدة منهم. (ويقال في المسلمين الكرد وفي النصارى الكرج) وهم للعساكر الهولاكوهية عتاد وذخر، ولهم بهم وثوق وعليهم اعتماد، ولا سيما لأولاد جوبان وبنيه، وبقايا مخلفيه، لسالف إحسان جوبان إليهم، ويد مشكورة كانت له عندهم، وكان صديق ملكهم (برطلما) يغرس عنده الصنائع، ويسترعيه الودائع، فكان أخص خصص به، وأصدق صديق له، يدعوه للمهم، ويستصرخ به في الملم، ويعده رداءا لعسكره، ومزيلا لمنكره، وبرطلما عهدي به حي يرزق من أجل ملوك النصرانية، وأعرق انساب

стр. 66

بني المعمودية، وقد كان كاتب الأبواب الشريفة السلطانية بسبب كنيسة المصلبة، وأن ترفع عنها الأيدي المتغلبة، فبرزت الأوامر المطاعة بإعادتها عليهم وقد كانت أخذت منهم؛ وهي بظاهر القدس الشريف واتخذت مسجدا، وعز هذا على طوائف العلماء والصلحاء. وإن لم يعمل سدى. قيل: إن كان يحسن لجوبان قصد البلاد، ويبذل له عليه الطارف والتلاد. ورسم المكاتبة إليه: (أدام الله بهجة الحضرة العلية، حضرة الملك الجليل الهمام، الباسل، الضرغام، السميدع، الكرار، الغضنفر، المتخت، المتوج، العالم في ملته، العادل في رعيته، بقية الملوك الأغريقية، سلطان الكرج، ذخر ملك البحار والخلج، حامي حمى الفرسان، وارث آبائه في الأسرة والتيجان، سياج بلاد الروم وإيران، سليل اليونان، خلاصة ملوك السريان، بقية أبناء الملوك والتيجان معز النصرانية، مؤيد العيسوية، مشيح الأبطال المسيحية، معظم بيت المقدس بعقد النية، عماد بني المعمودية، ظهير الباب بابا رومية، مواد المسلمين، خالصة الأصدقاء المقربين، صديق الملوك والسلاطين. وقد يقال: (مصافي المسلمين، موافي الملوك والسلاطين). دعاء يليق به: (وحمى ملكه بوده لا بجنده، وبوفائه بعهده لا بجيشه ومد بنده، وبما عندنا من سجايا الإحسان لا بما يظن أنه من عنده، وبما في رأينا الموري لا بما يقدح النار من زنده).

стр. 67

مملك سيس وهو ملك عريق من أبناء الملوك، يزعم أن أصله من البيت القسطنطيني؛ ومن ملك منهم سمي (التكفور)، سمةجرت عليهم منذ كانوا وإلى الآن. وعندي نظر في دعواهم أنهم من البيت القسطنطيني، إذ كان أهل ذلك البيت هم صليبة الروم، ومعتقدهم معتقد الملكانية، والبيت التكفوري أرمن ومعتقدهم معتقد اليعاقبة أو ما يقاربه، وبين المعتقدين بعد عظيم وبون ناء. والذي نعرف من حال هذا البيت أن جدهم الأكبر كان رئيس النصارى بهذه البلاد في سالف الدول، وزمان الملوك الأول، والنصارى هم أهل المدرة وصنائعهم فيها شتى بين نجار وفعول وأكرة، وكانت طاعتهم آخرا لبقية الملوك السلاجقة بالروم، وعليهم جزية مقررة، وطاعة

стр. 68

معروفة؛ والعمال والشحاني على البلاد من جهة الملك السلجوقي حتى ضعفت تلك الدولة، وسكنت شقائق تلك الصولة، وانتدب بعضهم لقتال بعض، وصارت الكلمة شورى، والرعية فوضى، وشوامخ المعاقل مجالا للتخريب، والبلاد المصونة قاصية من الغنم للذيب، فطمع هذا اللعين، واستنسر بغاثه، واشتد إنكاثه، ورأى سواما لا ذائد عنه فساقه، ومتاعا لا حامية له فملأ منه أوساقه، واستولى على هذه البلاد وتملكها، وتحيف مواريث بني سلجوق واستهلكها. وهذه البلاد منها ما يسمى العواصم، ومنها البلاد التي كانت تسمى قديما الثغور؛ وكانت تسمى بذلك لمثاغرتها الروم؛ وحدها من القبلة وانحراف للجنوب بلاد بغراص وما يليها، ومن الشرق جبال الدربندات، ومن الشمال بلاد ابن قرمان،

стр. 69

ومن الغرب سواحل الروم المفضية إلى العلايا وأنطاليا. وكان يفصل بينها وبين بلاد الإسلام نهر جاهان وقد أخذ في أخريات الأيام الناصرية عدة بلاد مما وراءه أمها آياس؛ وقد كان أخذ بعض ذلك أيام المنصور لاجين، واستنيب به أستدمر الكرجي، ثم أعيد إلى الأرمن بمواطأة أستدمر إذ قتل لاجين وضعفت الدولة، وعل الأرمن قطيعة مقدرة كانت بلغت ألف ألف ومائتي ألف درهم مع أصناف، ثم حط لهم منها، وهم الآن بين طاعة وعصيان. ولملوك البيت الهولاكوهي عليهم حكم قاهر، وفيهم أمر نافذ، قبل ضعف شوكتهم، ولين قسوتهم، وخلو غابهم من قسورتهم. وهم أخبث عدو للإسلام، وأثرهم بالصالحية باق، ولو مكنوا من دمشق لمحوا آثارها، وأنسوا أخبارها. ولقد صاهر ملكها الآن صاحب قبرص لأمر لا بلغاه وقصد لا سوغاه؛ على أن متملك سيس كان سلطاننا وصيه من أبيه، وصية

стр. 70

أشهد عليها أهل مملكته، وجعلها وسيلة لبقاء دولته، وكتب له تقليدا عوض أبيه من إنشائي، وجهز له من حلَّفه فحلف، وألبسه التشريف فلبس وقبّل الأرض به وخدم. ورسم المكاتبة إليه: صدرت هذه المكاتبة إلى حضرة الملك، الجليل، البطل، الباسل، الهماه، السميدع، الضرغام، الغضنفر، ليغون بن أوشين، فخر الملة المسيحية، ذخر الأمة النصرانية، عماد بني المعمودية، صديق الملوك والسلاطين. دعاء: وفقه الله لطاعة يكنفه ذمامها، ويقيه مصارع السوء التزامها، وتجري له بالسلامة في النفس والمال أحكامها. دعاء آخر: ولا عدم من بيننا الكرم الذي أجاره، والأمن الذي أمن جاره، والأمان الذي وسع عليه وجاره، والعفو الذي وقاه في الدنيا قبل الآخرة نارا وقودها الناس والحجارة. دعاء آخر: أبقاه الله لولاء يبديه، وفرض من الخدمة يؤديه، ودين في ذمته من القطيعة يقوم به مع طرائف ما يهديه. دعاء آخر: أراه الله ما يستدفع به من مواضي السيوف البلاء إذا نزل، والسمهري الذي لا يرويه البحر إذا نهل، والسيل الذي لا يقف في طريقه شيء ولا يمشي على مهل. دعاء آخر: صان الله بمصانعته من أهل ملته كل قبيل وأمن بمداراته من

стр. 71

خوف جيوشنا المنصورة كل سبيل، وصد عنه بصدق صداقته بعث جنودنا الذي لا يرد وأوله بالفرات وآخره بالنيل. دعاء آخر: لا زال يوقى بطاعته بوادر الأسنة، وعوادي الخيل موشحة بالأعنة، وعيث الجيش حيث لا يبقى إلا أحد الأقسام الثلاثة: القتل أو الأسر أو المنة. دعاء آخر: جنب الله رأيه سوء التعكيس، وشر ما يزين مثله إبليس، وأخذ جنائب قلاعه وأول تلك الجنائب سيس. ملك سنوب ويقال بالسين والصاد؛ وهي بلد على ضفة الخليج القسطنطيني، وملكها رومي من بيت الملك القديم، يقرب إلى صاحب القسطنطينية، ويقال أن أباه أعرق من آبائه في السلطان، وليس ملكه بكبير، ولا عدده بكثير. وبينه وبين أمراء الأتراك حروب، يكون في أكثرها المغلوب. ورسم المكاتبة إليه مثل متملك سيس. وهذا دعاء يليق به: وكفاه شر ما ينوب، وروّح خاطرة في الشمال بريا ما يهب من الجنوب، ووقاه سوء فعل يورث الندم وأول ما يقرع السن سنوب، وأحسن له في الولاء المآل، وحقق له في دفع البلاء الآمال، وجعله بالطاعة من حزب أهل اليمين إذا قضت الأقدار أن يكون من أهل الشمال.

стр. 72

ملك رودس وهي جزيرة تقابل شطوط الجزيرة الرومية، وأهلها في البحر حرامية: إذا ظفروا بالمسلم أخذوا ماله وأحيوه فباعوه أو استخدموه، وإذا ظفروا بالفرنجي أخذوا ماله وقتلوه ورسم المكاتبة إليه مثل متملك سيس، إلا أنه لا يقال فيها (معز بابا رومية) وتختصر بعض ألقابه لأنه دونه. دعاء يليق به: قدّم الله له الأعذار، وكفاه توابع الإنذار، وحذره عاقبة البغي قبل أن لا ينفع الحذار. دعاء آخر: فك الله من وثاقه كل مأسور، وأقال كل غراب له من الرجوع وجناحه مكسور، وعصمه بالتوبة مما اقترف لا بالبحر ولو أنه سبعة بحور، وسور مدينته ولو أنه مائة سور. صاحب جزيرة المصطكا وهي جزيرة حقيرة صغيرة لا تبعد مدى من الإسكندرية، وصاحبها صغير لا في

стр. 73

مال ولا رجال، وجزيرته ذات قحط لا يطر شاربها بزرع، ولا يدر حالبها بضرع، إلا أنها تنبت هذه الشجرة فتحمل منها وتجلب، وترسى السفن عليها بسببها وتطلب؛ وفي ملكها خدمة لرسلنا إذا ركبوا ثبج البحر، وتجهيز لهم إلى حيث أرادوا، وتنجيز لهم إذا توجهوا وإذا عادوا. ورسم المكاتبة إليه: كالذي قبله. أدعية تليق به: (وفقه الله لطاعته، وأنهضه من الولاء بقدر طاقته). دعاء آخر: (وفقه الله لطاعته، وقبل منه قدر استطاعته). دعاء آخر: (أطاب الله قلبه، وأدام إلينا قربه). دعاء آخر: (لا زال إلى الطاعة يبادر، وعلى الخدمة أنهض قادر، ومكانه تزم إليه ركائب السفن بكل وارد وصادر). الأذفونش ملك الأندلس وبيده جمهور الأندلس، وبسيوفه فنيت جحاجحها الشُّمُس، وهو وارث ملك

стр. 74

(لذريق) الملك. وكان بأيديهم قطعة منها - أعني النصارى - أيام بني أمية حتى زالت أيامهم، ونكست أعلامهم، وخمدت سورتهم، وأخذ قسورتهم، وتقسم ملك الخلافة بأيدي ملوك الطوائف كبني عباد وبني الأفطس وبني صمادح وبني جهور وبني سعيد وغيرهم من كل قريب وبعيد، وأصبحت البلاد نهبا صيح في حجراته، وقلبا قطع بحسراته، وفرق ذلك الشمل الملتم، وأخمد ذلك الجمر المضطرم؛ ثم عاثت ذئاب النصارى في سرح الإسلام، ودبت عقاربهم في ظلل الظلام، وأمد أمير المسلمين يوسف بن تاشفين ﵀ بعساكره الجزيرة، وقرب نواه الشطون

стр. 75

من تلك المدن المستزيرة، وطرد على نعاجهم الذئاب، وقهر عداهم وأسرع الإياب؛ وكانت تلك الكائنة التي أخذ فيها ابن عباد، وانقرض ملكه وباد. وعادت النصارى تزأر عواديها، وتسأر الموت في كؤوس ساقيها، وأخذت عرائس تلك المدن مثل دار الخلافة قرطبة، والزهراء، والزاهرة، وإشبيلية، وبلنسية، وتلك الجبال الراسية والسفن المرسية؛ وكانت قد أخذت طليطلة، وهي القاعدة الأولى، والمملكة العضمى، والعقيلة الكبرى، وأم إقليم الأندلس، وتخت لذريق الملك، وأخذ الثغر الأعلى: سرقسطة، وطوي بساط تلك البسطة، واستعلت اليد الكافرة، واستعلنت الكلمة الظافرة، وحبس آخر من بقي من رمق المسلمين في شرق الأندلس نواحي أغرناطة والمرية، في بقعة كمفحص القطاة ضيقا، ومدرج النمل طريقا، وقد أناخ به كلكله، وأديم به توكله؛ إلا أن الله وعد دينه أن لا يخذل، وأن مصونه لا يبذل؛ وها هم الآن - وابن الأحمر، ملك المسلمين بالأندلس، آونة وآونة تارة محاربة وتارة مهادنة؛ إلا أن الله قد جرد لهم من السلطان أبي الحسن المريني - أعز
следующие страницы →