← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 37052

شرح سنن أبي داود للعباد

عبد المحسن العباد

Полный текст (18 341 стр.). Показаны 11166–11205 · переход к 11171.

стр. 11166

تراجم رجال إسناد حديث: (يا معشر التجار! إن البيع يحضره اللغو والحلف) قوله: [حدثنا مسدد]. هو مسدد بن مسرهد البصري، وهو ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي. [حدثنا أبو معاوية]. هو أبو معاوية محمد بن خازم الضرير، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن الأعمش] هو سليمان بن مهران الكاهلي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أبي وائل]. هو شقيق بن سلمة، وهو ثقة مخضرم، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن قيس بن أبي غرزة]. قيس بن أبي غرزة صحابي، أخرج له أصحاب السنن.

стр. 11167

شرح حديث: (يا معشر التجار! إن البيع يحضره اللغو) من طريق أخرى قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا الحسين بن عيسى البسطامي وحامد بن يحيى وعبد الله بن محمد الزهري قالوا: حدثنا سفيان عن جامع بن أبي راشد وعبد الملك بن أعين وعاصم عن أبي وائل عن قيس بن أبي غرزة ﵁ بمعناه، قال: (يحضره الكذب والحلف)، وقال عبد الله الزهري: (اللغو والكذب)]. أورد أبو داود الحديث من طريق أخرى وهو مثل الحديث السابق.

стр. 11168

تراجم رجال إسناد حديث: (يا معشر التجار! إن البيع يحضره اللغو) من طريق أخرى قوله: [حدثنا الحسين بن عيسى البسطامي]. الحسين بن عيسى البسطامي صدوق، أخرج له البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي. [وحامد بن يحيى]. حامد بن يحيى ثقة، أخرج له أبو داود. [وعبد الله بن محمد الزهري]. عبد الله بن محمد الزهري صدوق، أخرج له مسلم وأصحاب السنن. [حدثنا سفيان]. هو سفيان بن عيينة وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن جامع بن أبي راشد]. جامع بن أبي راشد ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [وعبد الملك بن أعين]. عبد الملك بن أعين صدوق، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [وعاصم]. هو عاصم بن بهدلة ابن أبي النجود، وهو صدوق له أوهام، أخرج له أصحاب الكتب الستة والبخاري ومسلم أخرجا له مقروناً. [عن أبي وائل عن قيس بن أبي غرزة]. مر ذكرهما.

стр. 11169

استخراج المعادن

стр. 11170

شرح حديث: (أن رجلاً لزم غريماً له بعشرة دنانير) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في استخراج المعادن. حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي حدثنا عبد العزيز -يعني ابن محمد - عن عمرو -يعني ابن أبي عمرو - عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ (أن رجلاً لزم غريماً له بعشرة دنانير، فقال: والله لا أفارقك حتى تقضيني أو تأتيني بحميل، فتحمل بها النبي ﵌ فأتاه بقدر ما وعده، فقال له النبي ﵌: من أين أصبت هذا الذهب؟ قال: من معدن، قال: لا حاجة لنا فيها، وليس فيها خير، فقضاها عنه رسول الله ﵌]. قوله: [باب في استخراج المعادن] ذكر استخراج المعادن في كتاب البيوع لأن المعادن إما أن تكون ذهباً وفضة فتكون أثمان السلع، وإما أن تكون من الأشياء الأخرى فتكون من السلع التي يحتاج إليها الناس، فهي مصدر من المصادر التي يحصل بها الذهب والفضة وكل أنواع المعادن من حديد أو غير ذلك. وقد أورد أبو داود حديث ابن عباس (أن رجلاً لزم غريماً له بعشرة دنانير)، أي: لم يسهل أمره، ولم يتركه حتى يأتي بحقه متى شاء، وإنما تابعه ولازمه ليحصل على حقه، وقال: إنني لا أتركك حتى تأتيني بحميل، أي: ضامن يضمن حقي، وإذا لم توفني فإنه يقوم بالوفاء بدلاً عنك، فالنبي ﷺ صار حميلاً له، أي: ضمن له حقه. قوله: [(فتحمل بها النبي ﷺ فأتاه بقدر ما وعده)]. أي: بقدر ما وعده من ذهب. قوله: [فقال له النبي ﷺ (من أين أصبت هذا الذهب؟ قال: من معدن، قال: لا حاجة لنا فيها، وليس فيها خير)]، قال بعض أهل العلم: إن المنع لم يكن من أجل أنها معدن، وإنما من أجل أمور أخرى، قيل: إنه لم يعطه ذهباً، وإنما أعطاه ذهباً مخلوطاً بترابه، ولم يكن متميزاً، ومعلوم أنه اتفق معه على دنانير، والدنانير معروفة المقدار والوزن، ولم تكن مخلوطة بالتراب، فهو لم يأت بالشيء الذي يكون مطابقاً لحقه حتى يكون موفياً له، وإنما أعطاه ذهباً مع ترابه، فهو ذهب غير معروف المقدار، وليس مساوياً لما يطالبه به، وهو عشرة دنانير، وليس المقصود من المنع كونه من معدن؛ لأن الذهب مثل غيره من المعادن أودعها الله في الأرض. قوله: [(فقضاها عنه رسول الله ﷺ ]. أي: قضى العشرة الدنانير التي كانت على ذلك الغريم، والنبي ﵊ ضمن له، وأعطى لصاحب الحق حقه عندما رآه ملازماً لغريمه.

стр. 11171

تراجم رجال إسناد حديث: (أن رجلاً لزم غريماً له بعشرة دنانير) قوله: [حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي]. عبد الله بن مسلمة القعنبي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة. [حدثنا عبد العزيز يعني ابن محمد]. عبد العزيز بن محمد الدراوردي صدوق، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن عمرو يعني ابن أبي عمرو]. عمرو بن أبي عمرو ثقة ربما وهم، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن عكرمة]. هو عكرمة مولى ابن عباس، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن ابن عباس]. هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، ابن عم النبي ﵊، وهو أحد العبادلة الأربعة من الصحابة، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ .

стр. 11172

اجتناب الشبهات

стр. 11173

شرح حديث: (إن الحلال بين وإن الحرام بين) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في اجتناب الشبهات. حدثنا أحمد بن يونس قال: حدثنا أبو شهاب حدثنا ابن عون عن الشعبي قال: سمعت النعمان بن بشير ﵄ ولا أسمع أحداً بعده يقول: سمعت رسول الله ﵌ يقول: (إن الحلال بين، وإن الحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات -وأحياناً مشتبهة- وسأضرب لكم في ذلك مثلاً: إن الله حَمى حِمى، وإن حِمى الله ما حرم، وإنه من يرع حول الحِمى يوشك أن يخالطه، وإنه من يخالط الريبة يوشك أن يجسر)]. قوله: [باب في اجتناب الشبهات] المقصود بالشبهات: الأشياء التي لم يتبين حلها من حرمتها، فليست من الحلال البين، ولا من الحرام البين، وإنما هي مشتبهة لا يدرى هل هي حلال أو حرام، هذه هي المشتبهات. إذاً: تنقسم الأشياء إلى ثلاثة أقسام: منها ما هو حلال بين، ومنها ما هو حرام بين، ومنها ما لم يعرف حرمته ولا حله وإنما هو مشتبه، وقد يشتبه على بعض الناس، ويتضح حكمه لبعض الناس، ولهذا قال: (لا يعلمهن كثير من الناس)، ومعناه أن بعض الناس قد يعلم أن هذا المشتبه من الحرام البين أو من الحلال البين، ومن عرف أن هذا المشتبه من الحرام البين فإنه يجتنبه لزوماً، ومن عرف أنه من الحلال البين فله أن يفعله، والاحتياط والورع في تركه؛ لأنه قد يكون حراماً، ففي تركه السلامة المحققة، وإذا فعله مع عدم جزمه بحله، ومع احتمال الحرمة؛ فإنه يكون في نفسه منه شيء، فالطريقة المثلى التي بينها رسول الله ﵊ هي أن يترك المشتبه حتى لا يعرض الإنسان نفسه لأن يكون قد فعل أمراً محرماً. قوله: (إن الحلال بين، وإن الحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات، وأحياناً يقول: مشتبهة) يعني: أحياناً يقول: مشتبهة، وأحياناً يقول: مشتبهات. قوله: (وسأضرب لكم في ذلك مثلاً، إن الله حَمى حِمى، وإن حِمى الله ما حرم، وإنه من يرع حول الحمى يوشك أن يخالطه، وإنه من يخالط الريبة يوشك أن يجسر). ضرب النبي ﷺ مثلاً مشاهداً معايناً لكون الشيء يكون حلالاً بيناً وحراماً بيناً ومشتبهاً لا يدرى هل هو حلال أم حرام، وهو أن هناك حِمى قد منع من الوصول إليه، فالإنسان الذي يبتعد عن الحمى يسلم، ومن حام حول الحمى فقد يدخل في الحمى لأنه قريب منه فيقع فيه، وهذا من ضرب رسول الله ﷺ للأمثال حتى يتضح المعقول بالمحسوس، فإن المكان إذا كان محمياً لا يسمح لأحد أن يرعى غنمه فيه، فإن كان بعيداً منه فإنه قد سلم؛ لأن الغنم ليست قريبة منه فتقع فيه، ومن رعى حوله فيمكن أن تنطلق الغنم وتصل إلى مكان المنع، فكذلك الذي يقدم على المشتبهات ويفعلها فإنه قد يكون ذلك المشتبه حراماً فيقع فيه، ولكن السلامة في تركه والاستبراء للعرض وللدين، كما جاء في بعض روايات الحديث: (فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه) استبرأ لدينه لكونه لم يقع في أمر محرم، ولعرضه حتى لا يلام ويقال: إنه فعل كذا وفعل كذا. قوله: (وإنه من يرع حول الحمى يوشك أن يخالطه، وإنه من يخالط الريبة يوشك أن يجسر). من يخالط الريبة يمكن أن يقع في المحرم، كما أن الراعي الذي يحوم حول الحمى يمكن أن تقع غنمه في الحمى، فيكون قد وقع في أمر محذور وأمر ممنوع منه. والحديث ورد بأطول من هذا في الصحيحين، وهو قوله ﵊: (إن الحلال بين، وإن الحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب)، وهذا الحديث جاء في الصحيحين بألفاظ مختلفة، وأورده النووي في الأربعين النووية؛ لأنه من الأحاديث الجامعة، فهو من جوامع كلمه ﷺ .

стр. 11174

تراجم رجال إسناد حديث: (إن الحلال بين وإن الحرام بين) قوله: [حدثنا أحمد بن يونس]. أحمد بن يونس ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا أبو شهاب]. هو عبد ربه بن نافع، وهو صدوق يهم، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي. [حدثنا ابن عون]. هو عبد الله بن عون، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن الشعبي]. هو عامر بن شراحيل الشعبي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [سمعت النعمان بن بشير]. النعمان بن بشير صاحب رسول الله ﷺ ، صحابي ابن صحابي، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وهو من صغار الصحابة، وقد توفي رسول الله ﵊ وعمره ثمان سنوات، وقد جاء عنه التصريح بالسماع من رسول الله ﷺ لهذا الحديث، ففي الصحيحين قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن الحلال بين، وإن الحرام بين)، وكان عمره ثمان سنوات لما توفي رسول الله ﵊، وهذا مما يستدل به العلماء على تحمل الصغير في حال صغره وروايته في حال كبره، فتكون روايته معتبرة؛ لأن العبرة بحال الأداء، ومثله الكافر إذا تحمل في حال كفره وأدى في حال إسلامه، فإن روايته معتبرة، فهو يحكي عن شيء حصل في حال الكفر ثم يؤديه في حال الإسلام.

стр. 11175

شرح حديث: (إن الحلال بين وإن الحرام بين) من طريق أخرى قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي أخبرنا عيسى عن زكريا عن عامر الشعبي قال: سمعت النعمان بن بشير ﵄ يقول: سمعت رسول الله ﵌ يقول بهذا الحديث، قال: (وبينهما مشبهات لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ دينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام)]. أورد أبو داود الحديث من طريق أخرى عن النعمان بن بشير، وفيه التصريح بسماعه من رسول الله ﷺ . قوله: [(وبينهما مشبهات لا يعلمها كثير من الناس)]. وهذا فيه أن هذا المشتبه الذي لا يدرى هل هو من الحلال البين أو من الحرام البين بعض الناس يعلمه، لكن كثير من الناس تخفى عليهم أحكامها، ولا يهتدي إليها كل أحد. قوله: [(فمن اتقى الشبهات استبرأ عرضه ودينه)]. يعني: من ترك الأمور المشتبهة سلم من أن يعرض دينه لشيء من النقص بأن يفعل أمراً محرماً، وصان عرضه عن أن يتكلم فيه بأن يقال: فلان فعل كذا، وفلان ما عنده ورع، هذا هو معنى (استبرأ لعرضه) ومثله حديث: (مطل الغني ظلم، يحل عرضه وعقوبته) يعني: كون الإنسان عنده حق ثم هو يماطل صاحبه فهو ظلم لصاحب الحق، وهذا المطل يحل عرضه بأن يتكلم فيه صاحب الحق فيقول: منعني حقي، عمل معي كذا وكذا، وعقوبته أي: حبسه إذا كان قادراً على السداد والوفاء ولكنه مماطل. قوله: [(فمن اتقى الشبهات استبرأ عرضه ودينه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام)]. لأن الأمر إذا كان مشتبهاً ليس واضحاً أنه حلال، فلعله يكون حراماً، فإذا وقع فيه الإنسان فقد وقع في الأمر المحرم، فالاحتياط هو ترك الشبهات، وليس كل من وقع في الشبهات يقع في الحرام، فقد تكون الشبهة حلالاً فلا يقع فيه، لكن من استمرأ أن يأتي الأمور المشتبهة فقد يكون شيء منها حراماً.

стр. 11176

تراجم رجال إسناد حديث: (إن الحلال بين وإن الحرام بين) من طريق أخرى قوله: [حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي]. إبراهيم بن موسى الرازي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [أخبرنا عيسى]. هو عيسى بن يونس بن أبي إسحاق، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن زكريا]. هو زكريا بن أبي زائدة، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن الشعبي سمعت النعمان بن بشير]. مر ذكرهما.

стр. 11177

اللحوم المستوردة من المشتبهات من المشتبهات -مثلاً:- اللحوم المستوردة إذا لم يعرف طريقة ذبحها، أما إذا عرفت طريقة ذبحها، وأنها تذبح ذبحاً شرعياً، فهي حلال، لكن إذا جاءت من بلد لا تعرف طريقتهم في الذبح، وقد يذبحون ذبحاً شرعي أو غير شرعي، فهذا الأمر مشتبه. والأولى أن الإنسان يأخذ لحماً مذبوحاً في البلد يطمئن لذبحه، فهذا أولى من أن يأكل لحماً فيه اشتباه، وأيضاً الشراء من المنتجين في البلد أولى من الشراء من الخارج، وإن كان الشراء منهم جائزاً مثل جواز الزواج بالنصرانية وباليهودية، لكن أيهما أولى الزواج من مسلمة أو من كافرة؟ لاشك أن الزواج من المسلمة أولى، وإن كان الزواج من الكتابية جائزاً، لكن الحلال ليس كله على حد سواء، فهذا أولى من هذا، وكون الإنسان يتزوج بمسلمة أولى من أن يتزوج بكافرة من أهل الكتاب.

стр. 11178

شرح حديث: (ليأتين على الناس زمان لا يبقى أحد إلا أكل الربا) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن عيسى حدثنا هشيم أخبرنا عباد بن راشد قال: سمعت سعيد بن أبي خيرة يقول: حدثنا الحسن منذ أربعين سنة عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال النبي ﵌، (ح) وحدثنا وهب بن بقية حدثنا خالد عن داود -يعني ابن أبي هند - وهذا لفظه، عن سعيد بن أبي خيرة عن الحسن عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﵌ قال: (ليأتين على الناس زمان لا يبقى أحد إلا أكل الربا، فإن لم يأكله أصابه من بخاره، قال ابن عيسى: أصابه من غباره)]. أورد أبو داود حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (ليأتين على الناس زمان لا يبقى أحد إلا أكل الربا، فإن لم يأكله أصابه من بخاره أو أصابه من غباره) يعني: أنه ما أحد يسلم أن يقع في شيء من الربا، لكن الحديث ضعيف؛ لأن فيه انقطاعاً بين الحسن وأبي هريرة، فهو لم يسمع منه، ولأن فيه أيضاً شخصاً مقبولاً لا يحتج به إلا عند المتابعة، لكن الانقطاع بين الحسن وأبي هريرة كافٍ في عدم ثبوته.

стр. 11179

تراجم رجال إسناد حديث: (ليأتين على الناس زمان لا يبقى أحد إلا أكل الربا) قوله: [حدثنا محمد بن عيسى]. هو محمد بن عيسى الطباع، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري تعليقاً وأبو داود والترمذي في الشمائل والنسائي وابن ماجة. [حدثنا هشيم]. هو هشيم بن بشير الواسطي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [أخبرنا عباد بن راشد]. عباد بن راشد صدوق له أوهام، أخرج حديثه البخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجة. [سمعت سعيد بن أبي خيرة]. سعيد بن أبي خيرة مقبول، أخرج له أبو داود والنسائي وابن ماجة. [حدثنا الحسن]. هو الحسن بن أبي الحسن البصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أبي هريرة]. هو أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر الدوسي، صاحب رسول الله ﷺ ، وأكثر أصحابه حديثاً على الإطلاق ﵁ وأرضاه. [(ح) وحدثنا وهب بن بقية]. هو وهب بن بقية الواسطي، وهو ثقة، أخرج له مسلم وأبو داود والنسائي. [حدثنا خالد بن عبد الله]. هو خالد بن عبد الله الواسطي الطحان، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن داود يعني ابن أبي هند]. داود بن أبي هند ثقة كان يهم، أخرج حديثه البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن، وهذا الحديث لفظ ابن أبي هند. [عن سعيد بن أبي خيرة عن الحسن عن أبي هريرة]. تقدم ذكرهم.

стр. 11180

حكم أخذ الحوالات عن طريق البنوك الربوية هذا الحديث لم يثبت، ولو ثبت فإن ما أخبر به الرسول ﷺ يقع، ولا يتخلف ما أخبر به النبي ﵊، لكن الحديث غير ثابت، فلا يقال: إن الواقع أنه ما أحد يسلم من الربا، وأن له نصيباً من الربا، فالتعامل في المصارف يمكن للإنسان أن يكون مرابياً ويمكن أن يكون غير مراب؛ فكون الإنسان يأتي إليه مال عن طريق البنوك الربوية لا يقال: إنه حرام عليه، وإنه كالربا، بل للمسلم أن يعامل الكفار، ومعلوم أن الكفار يتعاملون بأمور محرمة، ونحن لا نسأل ونقول: من أين جاء هذا المال؟ وهل هو ثمن خمر أو ثمن خنزير؟ بل نأخذه ولا نسأل عنه، والأصل هو السلامة، فهذا من جنسه، بمعنى: أن كون الإنسان تأتيه حوالة عن طريق البنك الربوي، فإنه يأخذها، ولا يقال: إنه أخذ حراماً، وإنما الحرام كونه يأخذ الفائدة المحرمة مقابل الإيداع، هذا هو الربا، وأما أن تأتي لك حوالة عن طريق البنك، فلا يقال: إنك أكلت ربا أو أخذت ربا.

стр. 11181

شرح حديث: (أجد لحم شاة أخذت بغير إذن أهلها) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن العلاء أخبرنا ابن إدريس أخبرنا عاصم بن كليب عن أبيه عن رجل من الأنصار قال: (خرجنا مع رسول الله ﵌ في جنازة، فرأيت رسول الله ﷺ وهو على القبر يوصي الحافر: أوسع من قبل رجليه، أوسع من قبل رأسه، فلما رجع استقبله داعي امرأة، فجاء وجيء بالطعام فوضع يده، ثم وضع القوم فأكلوا، فنظر آباؤنا رسول الله ﵌ يلوك لقمة في فمه، ثم قال: أجد لحم شاة أخذت بغير إذن أهلها، فأرسلت المرأة قالت: يا رسول الله! إني أرسلت إلى البقيع يشترى لي شاة فلم أجد، فأرسلت إلى جار لي قد اشترى شاة أن أرسل إلي بها بثمنها فلم يوجد، فأرسلت إلى امرأته فأرسلت إلي بها، فقال رسول الله صلى الله عليه آله وسلم: أطعميه الأسارى)]. أورد أبو داود حديث رجل من الأنصار مبهم، ومعلوم أن جهالة الصحابة لا تؤثر؛ لأنهم عدول ولا يحتاجون إلى تعديل من بعد ثناء الله عليهم وثناء رسوله ﷺ ، والجهالة في غيرهم تؤثر وتضر، وفيهم لا تضر ولا تؤثر، ولا يعني كونهم عدولاً أنهم معصومون، فإن العصمة ليست لأحد إلا للرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام، ولكنهم عدول وخيار يعتمد على كلامهم، ويعول على ما جاء عنهم من الرواية، وكل راو من الرواة دون الصحابة لابد من معرفة حاله من الثقة والضعف وغير ذلك إلا الصحابة فإن المجهول فيهم في حكم المعلوم، ولهذا لا يؤثر إذا قيل: عن رجل من الأنصار، أو عن رجل صحب النبي ﷺ ، أو عن رجل من أصحاب رسول الله ﵊؛ فإن ذلك كاف في عدالته وقبول خبره. وقد ذكر هذا الصحابي أنه رأى رسول الله ﷺ على قبر يوصي الحافر الذي يحفر القبر أن أوسع من جهة رجليه، وأوسع من جهة رأسه، حتى يكون القبر واسعاً غير ضيق يضم الميت بعضه إلى بعض. قوله: [(فلما رجع استقبله داعي امرأة فجاء وجيء بالطعام فوضع يده)]. أي: فلما رجع استقبله داعي امرأة تدعوه إلى طعام، فلما جاء ومد يده ومد الناس أيديهم تبعاً له ﷺ جعل يلوك قطعة من اللحم في فمه ثم قال: (أجد لحم شاة أخذت بغير إذن أهلها)، وهذا علمه الرسول ﷺ بالوحي؛ لأنه لا يعلم الغيب إلا ما أطلعه الله عليه، وليس كل غيب يعلمه رسول الله ﷺ ، فالذي يعلم الغيب على الإطلاق هو الله ، وقد جاء في كثير من الأحاديث أن النبي ﵊ لا يعلم الغيب، مثل قصة العقد الذي فقدته عائشة في سفر، وجلسوا حتى الصباح في البحث عن العقد، ثم نفد الماء فأنزل الله آية التيمم، فتيمموا وصلوا، ولما يئسوا من الحصول على العقد أثاروا الإبل للرحيل، وإذا العقد تحت الجمل الذي كانت تركب عليه عائشة، فلو كان النبي ﷺ يعلم الغيب على الإطلاق لقال من أول وهلة: العقد تحت الجمل، لكنه ما عرف ذلك حتى ثار الجمل ووجد العقد تحته. وكذلك عائشة ﵂ لما رميت بالإفك ما كان يعلم ﵊ بالحقيقة حتى تألم وتأثر، وأرسل عائشة إلى أهلها، وقال لها: (إن كنت ألممت بذنب فتوبي إلى الله واستغفريه)، ولم يعلم براءتها إلا بعد أن نزلت آيات تتلى في سورة النور، فعند ذلك عرف أنها بريئة، وقبل ذلك مضت مدة طويلة وهو لا يعلم حقيقة الأمر، فلو كان يعلم الغيب مطلقاً لعلم براءتها من أول الأمر، وأخبر ﵊ أنه يوم القيامة يذاد عن حوضه أناس من أصحابه، قال: (فأقول: أصحابي! فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك) فحتى بعد وفاته ﷺ هو أيضاً لا يعلم بما فعل أصحابه من بعده؛ لأن الرسول ﷺ قيل له: (إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك)، والمعنى: أن فيهم من ارتد، وهم الذين ارتدوا من أصحابه وقاتلهم أبو بكر الصديق ﵁ بالجيوش المظفرة، حتى عاد الناس إلى ما كانوا عليه في زمن النبي ﷺ . والحاصل: أن الله تعالى يطلع نبيه على ما شاء من غيبه، ولا يطلعه على كل الغيب، فالاطلاع على جميع الغيوب هو من خصائص الله ؛ ولهذا أمر الله نبيه أن يقول: ﴿قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ [الأنعام:٥٠]، وقال: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ [الأعراف:١٨٨]. قوله: [(فأرسلت المرأة قالت: يا رسول الله إني أرسلت إلى البقيع يشترى لي شاة)]. أخبرت المرأة بالذي حصل، وهو أنها أرسلت إلى البقيع -وهو المكان الذي تباع فيه الغنم- من يشتري لها شاة، فلم يجد، وكان أحد جيرانها قد اشترى شاة، فأرسلت إليه تطلب منه أن يعطيها الشاة بثمنها، فلم تجد صاحب الشاة الذي هو صاحب البيت، فطلبت من امرأته أن تعطيها إياها، فأعطتها الشاة بدون إذن زوجها، فأخذت الشاة بغير إذن صاحبها الذي هو صاحب البيت. والشاهد من إيراد الحديث فيما يتعلق بالشبهات: هو ترك النبي ﷺ لأكل هذه الشاة بعد أن علم أنها أخذت بغير إذن أهلها، فالرسول ﷺ وأصحابه تركوا الأكل منها، وقال: (أطعميه الأسارى) ولعل المقصود بذلك أسارى الكفار، فيطعم ذلك للكفار بدلاً من أن يتلف ولا يستفاد منه، وهذا يدل على أن المال الذي يكون بيد الإنسان وهو غير حلال يتخلص منه بطريقة مناسبة، ومثله ما يسمى بالفوائد الربوية، وهي في الحقيقة مضار، فمن وقع في يده شيء منها، ثم جاء يسأل: ماذا يصنع فيها؟ ف الجواب أنه يصرف ذلك المال في أمور ممتهنة مثل تعبيد طرق أو بناء حمامات، أو ما إلى ذلك من الأشياء التي ليست في أمور شريفة، فيصرف المال في مثل ذلك للتخلص منه، كما أرشد النبي ﷺ المرأة إلى التخلص من هذه الشاة بهذه الطريقة.

стр. 11182

تراجم رجال إسناد حديث: (أجد لحم شاة أخذت بغير إذن أهلها) قوله: [حدثنا محمد بن العلاء]. هو محمد بن العلاء بن كريب أبو كريب، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [أخبرنا ابن إدريس]. هو عبد الله بن إدريس، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [أخبرنا عاصم بن كليب]. عاصم بن كليب صدوق، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن. [عن أبيه]. أبوه صدوق، أخرج له البخاري في رفع اليدين وأصحاب السنن. [عن رجل من الأنصار]. وهو صحابي مبهم كما تقدم.

стр. 11183

آكل الربا وموكله

стр. 11184

شرح حديث: (لعن رسول الله آكل الربا وموكله) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في آكل الربا وموكله. حدثنا أحمد بن يونس حدثنا زهير حدثنا سماك حدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه ﵁ قال (لعن رسول الله ﵌ آكل الربا وموكله وشاهده وكاتبه)]. قوله: [باب في آكل الربا وموكله] أي: حكمه، وأنه ملعون على لسان رسول الله ﷺ . وقد أورد المصنف هذا الحديث عن عبد الله بن مسعود قال: (لعن رسول الله ﷺ آكل الربا وموكله وشاهده وكاتبه) آكل الربا هو الذي يأخذ الربا، وليس المقصود بذكر الأكل قصر الانتفاع على الأكل، بل الحكم واحد ولو استعمله في غير الأكل، كأن يشتري به لباساً أو سيارة أو بيتاً، ولكنه ذكر الأكل لأنه أغلب وجوه الانتفاع، وقد قال الله في القرآن: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء:١٠]، فهو من هذا القبيل، ذكر الأكل لأنه أهم وجوه الانتفاع. وموكله هو الذي دفعه؛ لأن المعاملة فيها آخذ ومعطي، فآكله هو الذي أخذه، وموكله هو الذي دفعه، وكاتبه هو الذي يكتب بين الآكل والموكل، والشهود هم الذين يشهدون على عقد الربا، فهؤلاء ملعونون أيضاً؛ لأن مساعدتهم والكتابة لهم والشهادة على أمر محرم من التعاون على الإثم والعدوان، وكلهم ملعونون على لسان رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.

стр. 11185

تراجم رجال إسناد حديث: (لعن رسول الله آكل الربا وموكله) قوله: [حدثنا أحمد بن يونس حدثنا زهير]. هو زهير بن معاوية، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا سماك]. هو سماك بن حرب، وهو صدوق، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن. [حدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود]. عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أبيه]. أبوه هو عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، الصحابي الجليل، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

стр. 11186

الأسئلة

стр. 11187

حال حديث قبيصة: (إذا صليت الفجر فقل ثلاثاً: سبحان الله العظيم وبحمده تعافى من العمى والجذام والفالج) السؤال حديث أخرجه الإمام أحمد في مسنده قال: حدثنا يزيد بن هارون عن الحسن عن أبي كريمة قال: حدثني رجل من أهل البصرة عن قبيصة بن المخارق ﵁ قال: (أتيت رسول الله ﷺ فقال لي: يا قبيصة! ما جاء بك؟! قلت: كبرت سني، ورق عظمي، فأتيتك لتعلمني ما ينفعني الله به. قال: يا قبيصة! ما مررت بحجر ولا شجر ولا مدر إلا استغفر لك، يا قبيصة! إذا صليت الفجر فقل ثلاثاً: سبحان الله العظيم وبحمده تعافى من العمى والجذام والفالج، يا قبيصة! قل: اللهم إني أسألك مما عندك، وأفض علي من فضلك، وانشر علي رحمتك، وأنزل علي من بركاتك) ما مدى صحة هذا الحديث؟ الجواب كونه يعافى من العمى والجذام والفالج بهذا الدعاء فيه نكارة، ثم الإسناد فيه رجل مبهم، فالظاهر عدم ثبوت هذا الحديث.

стр. 11188

حال حديث: (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه) السؤال ما حال حديث: (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)؟ الجواب هذا من أحاديث الأربعين النووية، والذي أعلم أنه صحيح.

стр. 11189

حكم الجمع بين الذهب والفضة في الزكاة السؤال من ملك مقداراً من الذهب لم يبلغ النصاب، وكذلك مقداراً من الفضة لم يبلغ النصاب، فهل يضم النقدين؟ الجواب نعم، يضم بعضهما إلى بعض، وإذا كان مجموعهما نصاباً يزكي.

стр. 11190

شرح سنن أبي داود [٣٨٤] لقد حرم الله تعالى الربا بكل أنواعه وصوره في كتابه وحرمه رسوله ﷺ في سنته، فينبغي على المؤمن تركه وعدم التعامل به، كما ينبغي عليه ترك الحلف في البيع والشراء، فإن الحلف منفقة للسلعة ممحقة للبركة، وعليه أن يجتنب الدين ما استطاع إلا أن يكون عازماً على أدائه، فإن كان كذلك أدى الله تعالى عنه، وما كان في الجاهلية لا يبقى في الإسلام، إلا ما أقره الإسلام فإنه يبقى ثابتاً ومعتبراً.

стр. 11191

وضع الربا

стр. 11192

شرح حديث: (ألا إن كل ربا من ربا الجاهلية موضوع) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في وضع الربا. حدثنا مسدد حدثنا أبو الأحوص حدثنا شبيب بن غرقدة عن سليمان بن عمرو عن أبيه ﵁ قال: سمعت رسول الله ﵌ في حجة الوداع يقول: (ألا إن كل ربا من ربا الجاهلية موضوع، لكم رءوس أموالكم لا تَظلمون ولا تُظلمون، ألا وإن كل دم من دم الجاهلية موضوع، وأول دم أضع منها دم الحارث بن عبد المطلب، كان مسترضعاً في بني ليث فقتلته هذيل، قال: اللهم هل بلغت؟ قالوا: نعم ثلاث مرات، قال: اللهم اشهد. ثلاث مرات)]. قوله: [باب في وضع الربا] أي: إبطال الربا الذي حصل في الجاهلية وأدركه الإسلام، وذلك أن ما كان موجوداً في الجاهلية من معاملات ومن أمور محرمة، فما انتهى الأمر فيها قبل أن يدخلوا في الإسلام لا يبحث عنه، ولا يرد منه شيء من هذا لهذا، فالذي مضى في الجاهلية مضى على ما هو عليه، ولكن ما أدركه الإسلام بمعنى أنه جاء الإسلام وهذا الربا موجود فإنه يبطل، ويكون للإنسان رأس ماله دون أن يأخذ الربا المحرم، وكذلك إذا كان هناك قتل في الجاهلية فإنه بمجيء الإسلام ينتهي الأمر، ولا يطالب بعد الإسلام بشيء حصل في الجاهلية، وكذلك إذا كان هناك أمور محرمة أخرى لا يبحث عنها، لكن إذا عرف أن هناك شيئاً لا يقره الإسلام مما كان موجوداً في الجاهلية، مثل نكاح أكثر من أربع، أو نكاح أختين أو ما إلى ذلك؛ فإن هذا لا يقره الإسلام، ولا يبقى في الإسلام، وما جاء الإسلام وأقره فإنه يكون ثابتاً ومعتبراً بحكم الإسلام، ومن المعاملات المباحة التي كانوا يتعاملون بها، وجاء الإسلام وأقرها: اعتبار الولي في النكاح، فإن هذا مما كان في الجاهلية وأقره الإسلام، كما جاء ذلك عن عائشة في الصحيح، ومثل المضاربة فقد كانت معمولاً بها في الجاهلية وجاء الإسلام وأقرها. وقد أورد أبو داود ﵀ حديث عمرو الأحوص ﵁ أن النبي ﷺ قال في حجة الوداع: (إن ربا الجاهلية موضوع) يعني: أنه ملغى ومبطل، وأن للناس رءوس أموالهم ويترك الربا، وإن كانت المعاملة الربوية انتهت في الجاهلية، وأخذ الربا في الجاهلية، فإنه لا يطلب منه أن يعيد الربا الذي أخذه في الجاهلية؛ لأن الإسلام يجب ما قبله والتوبة تجب ما قبلها، والإسلام يهدم ما كان قبله، ولكن يبطل ما أدركه الإسلام، فالإسلام يقر ما كان مشروعاً ومباحاً، ويمنع ويلغي ما كان محرماً وغير سائغ. وكذلك القتل الذي حصل بينهم في الجاهلية لا يطالبون به في الإسلام، فلو أن رجلاً قتل آخر في الجاهلية ثم أسلم فلا يقام عليه الحد في الإسلام، فالإسلام يهدم ما كان قبله، ومن سرق أشياء في الجاهلية ثم أسلم فلا يجب عليه أن يردها. والجاهلية هي ما كان قبل الإسلام، وقبل مجيء النبي ﷺ ، وقبل أن يدخل الكفار الذين كانوا في زمن النبي ﷺ في الإسلام. قال: (وأول دم أضع منها دم الحارث بن عبد المطلب). ثم إنه ﷺ قال: (ألا هل بلغت؟) وكررها ثلاثاً وقال: (اللهم اشهد) وكررها ثلاثاً، وقد جاء ذلك أيضاً في حديث جابر ﵁ في حجة الوداع.

стр. 11193

تراجم رجال إسناد حديث: (ألا إن كل ربا من ربا الجاهلية موضوع) قوله: [حدثنا مسدد]. هو مسدد بن مسرهد البصري، وهو ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي. [حدثنا أبو الأحوص]. هو أبو الأحوص سلام بن سليم الحنفي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا شبيب بن غرقدة]. شبيب بن غرقدة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن سليمان بن عمرو]. سليمان بن عمرو مقبول، أخرج له أصحاب السنن. [عن أبيه]. أبوه صحابي، أخرج له أصحاب السنن. والحديث في سنده مقبول إلا أنه جاء له شاهد صحيح، فهو ثابت عن رسول الله ﷺ .

стр. 11194

كراهية اليمين في البيع

стр. 11195

شرح حديث: (الحلف منفقة للسلعة ممحقة للبركة) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في كراهية اليمين في البيع. حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح حدثنا ابن وهب (ح) وحدثنا أحمد بن صالح حدثنا عنبسة عن يونس عن ابن شهاب قال: قال لي ابن المسيب: إن أبا هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: (الحلف منفقة للسلعة، ممحقة للبركة)، قال ابن السرح: للكسب، وقال: عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي ﵌]. قوله: [باب في كراهية اليمين في البيع] اليمين إذا كانت كاذبة فهي محرمة، وإذا كانت غير كاذبة فينبغي تركها، والإنسان يخبر بالشيء دون أن يحلف، ولا يجعل الله عرضة لليمين، وإنما يخبر بالشيء على ما هو عليه دون أن يحلف، ولكن إن حلف وكان صادقاً فإن ذلك لا يضره، وإن كان كاذباً في حلفه فإن ذلك يضره لكونه كذب، وإن ترتب شراء بسبب هذه اليمين الكاذبة فإن ذلك يكون سبباً في محق البركة من وراء هذا البيع أو من وراء هذا الشراء. وقد أورد أبو داود حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (الحلف منفقة للسلعة ممحقة للبركة)، وفي لفظ أحد شيخي أبي داود: (ممحقة للكسب) يعني: أن الحلف ينفق السلعة، ويروجها، ويجعل للمشتري فيها رغبة، وقد جاء في حديث السبعة الذين لا يكلمهم الله: (المنفق سلعته بالحلف الكاذب)، أي: المروج بضاعته بالحلف الكاذب، فالحلف منفقة للسلعة، وفيه ترويج لها، وترغيب فيها، ولكنه ممحقة للبركة، فهو سبب في ذهاب البركة من هذه الأموال التي حصّلها بسبب بيع هذه السلعة التي نفقها بالحلف الكاذب.

стр. 11196

تراجم رجال إسناد حديث: (الحلف منفقة للسلعة ممحقة للبركة) قوله: [حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح]. هو أحمد بن عمرو بن السرح المصري، وهو ثقة، أخرج حديثه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة. [حدثنا ابن وهب]. هو عبد الله بن وهب المصري، وهو ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ح وحدثنا أحمد بن صالح]. أحمد بن صالح مصري ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي في الشمائل. [حدثنا عنبسة]. هو عنبسة بن عبد الواحد المصري، وهو ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً وأبو داود. [عن يونس]. هو يونس بن يزيد الأيلي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن ابن شهاب]. هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري، وهو ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن ابن المسيب]. هو سعيد بن المسيب، وهو ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أبي هريرة]. هو أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر الدوسي، صاحب رسول الله ﷺ ، وهو أكثر الصحابة حديثاً على الإطلاق.

стр. 11197

الرجحان في الوزن والوزن بالأجرة

стр. 11198

شرح حديث: (زن وأرجح) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في الرجحان في الوزن والوزن بالأجر. حدثنا عبيد الله بن معاذ حدثنا أبي حدثنا سفيان عن سماك بن حرب حدثني سويد بن قيس ﵁ قال: (جلبت أنا ومخرفة العبدي بزاً من هجر، فأتينا به مكة، فجاءنا رسول الله ﵌ يمشي، فساومنا بسراويل فبعناه، وثم رجل يزن بالأجر، فقال له رسول الله ﵌: زن وأرجح)]. قوله: [باب في الرجحان في الوزن والوزن بالأجر]، الترجمة مشتملة على أمرين: الأول: أن الإنسان عندما يزن يرجح، بمعنى أنه إذا وضع المعيار الذي يوزن به في كفة، ووضعت السلع التي توزن في كفة؛ فلا تكون الكفتان متساويتين، بل المشروع أن يحصل الرجحان، وذلك بأن تميل الكفة التي فيها السلعة عن الكفة الثانية التي فيها المعيار الذي يوزن به، هذا هو الرجحان. الثاني: الوزن بالأجر، فيجوز أن يكون مع الإنسان ميزان، ويزن للناس بالأجر، أو مكيال ويكيل للناس بالأجر، أو يقسم للناس بالأجر، أو ما إلى ذلك من الأشياء التي يكون فيها إفادة للناس. وقد أورد أبو داود حديث سويد بن قيس ﵁ قال: (جلبت أنا ومخرفة) -وفي بعض الألفاظ مخرمة العبدي (بزاً من هجر)، والبز هو القماش، (فأتينا به مكة، فجاءنا رسول الله ﷺ يمشي، فساومنا بسراويل فبعناه) أي: فباعوه للنبي ﵊، (وثم) أي: هناك شخص (يزن بالأجر)، أي: يوجد في السوق رجل عنده ميزان، والناس يزنون عنده ويعطونه أجرة على الوزن، فقال له الرسول ﷺ : (زن وأرجح)، أقره على أن يزن بالأجر، وأمره أن يرجح في الوزن، بمعنى أن يزيد في الكفة التي فيها السلع التي توزن بحيث تميل الكفة، وليس معنى ذلك أنها تميل ميلاً عظيماً، فهذا قد يكون فيه ظلم، لكن يميل الميزان ميلاً يسيراً من غير أن يكون هناك إضرار بصاحب السلعة، هذا هو الذي أرشد إليه الرسول الكريم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، فدل هذا الحديث على ما ترجم له المصنف من جهة إرجاح الميزان، وجواز أن يزن الإنسان للناس أو يكيل لهم أو يقسم لهم بالأجرة. وهذا الرجحان للاستحباب وليس للوجوب؛ لأن الواجب هو حصول المماثلة في الميزان، لكن هذا على سبيل الاستحباب وعلى سبيل الاحتياط أيضاً، وهذا الرجحان يحصل بالميل اليسير. وكل شخص يزن يشرع له إرجاح الوزن، سواء كان هو بائع السلعة أو كان الذي يزن عاملاً عند صاحب السلعة، أو كان شخصاً عنده ميزان يزن للناس بالأجر، فإن الجميع مأمورون بأن يرجحوا الميزان. وأجرة الوزن تكون بحسب الاتفاق بين البائع والمشتري، إما على البائع أو على المشتري. وذكر الوزن في هذا الحديث لا علاقة له بشراء السراويل، فإن السراويل لا توزن.

стр. 11199

تراجم رجال إسناد حديث: (زن وأرجح) قوله: [حدثنا عبيد الله بن معاذ]. هو عبيد الله بن معاذ بن معاذ العنبري، وهو ثقة، أخرج له البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي. [حدثنا أبي]. أبوه هو معاذ بن معاذ العنبري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا سفيان]. هو سفيان الثوري، وهو ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن سماك بن حرب]. سماك بن حرب صدوق، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن. [عن سويد بن قيس]. سويد بن قيس ﵁، صاحب رسول الله ﷺ ، وحديثه أخرجه أصحاب السنن.

стр. 11200

شرح حديث: (زن وأرجح) من طريق أخرى قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا حفص بن عمر ومسلم بن إبراهيم المعنى قريب قالا: حدثنا شعبة عن سماك بن حرب عن أبي صفوان بن عميرة قال: أتيت رسول الله ﵌ بمكة قبل أن يهاجر بهذا الحديث، ولم يذكر: يزن بأجر. قال أبو داود: رواه قيس كما قال سفيان، والقول قول سفيان]. أورد أبو داود الحديث من طريق أخرى، وهنا قال: أبو صفوان بن عميرة، ذكره بكنيته، وهناك ذكره باسمه. [قال أبو داود: رواه قيس كما قال سفيان، والقول قول سفيان]. وفيه إثبات هذه الزيادة، وهي كونه يزن بالأجر.

стр. 11201

تراجم رجال إسناد حديث: (زن وأرجح) من طريق أخرى قوله: [حدثنا حفص بن عمر]. حفص بن عمر ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والنسائي. [ومسلم بن إبراهيم]. هو مسلم بن إبراهيم الفراهيدي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [المعنى قريب]. يعني: معنى رواية حفص ورواية مسلم قريب بعضها من بعض. [حدثنا شعبة]. هو شعبة بن الحجاج الواسطي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن سماك بن حرب عن أبي صفوان بن عميرة]. مر ذكرهما.

стр. 11202

مخالفة سفيان لشعبة في حديث: (زن وأرجح) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا ابن أبي رزمة سمعت أبي يقول: قال رجل لـ شعبة: خالفك سفيان، قال: دمغتني، وبلغني عن يحيى بن معين قال: كل من خالف سفيان فالقول قول سفيان]. أورد أبو داود كلاماً في الموازنة والمقارنة بين سفيان الثوري وشعبة، وكل منهما وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، والثقات الأثبات يوازن بينهما، ويقدم من هو أحفظ على من هو دونه، فمن كانت أغلاطه أقل كان هو المقدم، وهو الأثبت، وإن كانت أغلاطهما جميعاً قليلة، لكن بعضها أقل من بعض، فمن كان أقل أغلاطاً وأقل خطأً فإنهم يفضلونه على صاحبه، وإن كان كل منهما جبلاً في الحفظ، لكن عند المقارنة الدقيقة بين الاثنين فمن كانت أغلاطه أقل قدموه. وقد ذكر أبو بكر الحازمي في كتابه: (شروط الأئمة الخمسة) الموازنة بين مالك وسفيان بن عيينة وروايتهما، وقال: مالك مقدم على سفيان في الحفظ؛ لأن سفيان عدت أغلاطه فبلغت كذا وكذا، ومالك عدت أغلاطه فكانت أقل، فهو مقدم على سفيان بن عيينة. قوله: [قال رجل لـ شعبة: خالفك سفيان، قال: دمغتني]. يعني: أن القول قول سفيان، فهو أحفظ مني، ويقدم قوله على قولي. قوله: [وبلغني عن يحيى بن معين قال: كل من خالف سفيان فالقول قول سفيان]. هذا يعني أن سفيان متمكن في الحفظ.

стр. 11203

تراجم رجال إسناد أثر مخالفة سفيان لشعبة في حديث: (زن وأرجح) قوله: [حدثنا ابن أبي رزمة]. هو محمد بن عبد العزيز بن أبي رزمة، وهو ثقة، أخرج له البخاري وأصحاب السنن. [سمعت أبي]. أبوه هو عبد العزيز بن أبي رزمة، وهو ثقة، أخرج له أبو داود والترمذي. [وبلغني عن يحيى بن معين]. يحيى بن معين ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

стр. 11204

شرح قول شعبة: كان سفيان أحفظ مني قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا وكيع عن شعبة قال: كان سفيان أحفظ مني]. ذكر المصنف هذا الأثر الذي فيه اعتراف شعبة بأن سفيان أحفظ منه، وهذا يوضح معنى قوله: دمغتني، فليس معناها إنكاراً، وإنما هو اعتراف بفضل سفيان وحفظه. واعتراف شعبة لـ سفيان بالحفظ يدل على الإنصاف، ويدل أيضاً على فضل هذا المعترف ونبله، وأنه لا يدعي شيئاً وهو يعتقد خلافه، وقد يقول الإنسان ذلك على سبيل التواضع، ولكن قول غيره هنا يطابق هذا الذي قاله من كون سفيان مقدم على غيره؛ يعني على شعبة وغير شعبة، فهذا الذي قاله شعبة لم ينفرد به حتى يقال: لعله تواضع منه، بل هذا هو الواقع.

стр. 11205

تراجم رجال إسناد قول شعبة: كان سفيان أحفظ مني قوله: [حدثنا أحمد بن حنبل]. هو أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني، الإمام الفقيه المحدث، أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. [حدثنا وكيع]. هو وكيع بن الجراح الرؤاسي الكوفي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن شعبة]. مر ذكره.
следующие страницы →