Полный текст (18 341 стр.). Показаны 15856–15895 · переход к 15861.
стр. 15856
تراجم رجال إسناد حديث (أيما رجل من أمتي سببته سبة أو لعنته لعنة في غضبي فاجعلها عليهم صلاة يوم القيامة
قوله: [حدثنا أحمد بن يونس].
أحمد بن يونس ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو الذي قال عنه الإمام أحمد: إنه شيخ الإسلام، فوصف شيخ الإسلام قديم.
[حدثنا زائدة بن قدامة الثقفي].
زائدة بن قدامة الثقفي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا عمر بن قيس الماصر].
عمر بن قيس الماصر صدوق ربما وهم، أخرج له البخاري في الأدب المفرد وأبو داود.
[عن عمرو بن أبي قرة].
عمرو بن أبي قرة ثقة، أخرج له البخاري في الأدب المفرد وأبو داود.
[حذيفة سلمان].
حذيفة وسلمان كل منهما صحابي جليل، وحديثهما عند أصحاب الكتب الستة.
стр. 15857
استخلاف أبي بكر ﵁
стр. 15858
شرح حديث أمر النبي ﷺ أبا بكر أن يصلي بالناس
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في استخلاف أبي بكر ﵁.
حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي حدثنا محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق قال: حدثني الزهري قال حدثني عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن أبيه عن عبد الله بن زمعة قال: (لما استعز برسول الله ﷺ وأنا عنده في نفر من المسلمين، دعاه بلال إلى الصلاة، فقال: مروا من يصلي للناس، فخرج عبد الله بن زمعة فإذا عمر في الناس، وكان أبو بكر غائباً، فقلت: يا عمر! قم فصل بالناس، فتقدم فكبر، فلما سمع رسول الله ﷺ صوته، وكان عمر رجلاً مجهراً، قال: فأين أبو بكر؟! يأبى الله ذلك والمسلمون، يأبى الله ذلك والمسلمون، فبعث إلى أبي بكر فجاء بعد أن صلى عمر تلك الصلاة، فصلى بالناس)].
أورد أبو داود هذه الترجمة: [باب في استخلاف أبي بكر ﵁].
وخلافة أبي بكر ﵁ اختلف فيها: فمن قائل: إنها ثبتت بالنص، ومن قائل: إنها ثبتت بالاتفاق المبني على النص، وإذا أريد بالنص أنه نص خاص من رسول الله ﷺ يقول فيه النبي: الخليفة بعدي فلان، فهذا لا وجود له، لا لـ أبي بكر ولا لغيره، فالنبي ﷺ ما قال: الخليفة بعدي فلان، أو يخلفني فلان، والدليل على ذلك أن عمر ﵁ لما طلب منه أن يستخلف لما طعن قال: إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني، يعني: أبا بكر، وإن لم أستخلف فلم يستخلف من هو خير، يعني: رسول الله ﷺ ، فالرسول ﷺ لم يستخلف بنص مكتوب أو بشيء ينص فيه على أن الخليفة بعده فلان، لكن جاءت نصوص كثيرة تدل على أحقية أبي بكر وأولويته بالخلافة، ومنها: تقديم الرسول ﷺ إياه في الصلاة في مرض موته، وكونه روجع في ذلك وفي كل مرة يراجع يصر ويؤكد على أن أبا بكر هو الذي يصلي بالناس، وقد فهم الصحابة ﵃ وأرضاهم من ذلك تقديمه بالخلافة من بعده، ولهذا قال عمر ﵁ يوم السقيفة: رضيك رسول الله ﷺ لأمر ديننا، أفلا نرتضيك لأمر دنيانا؟! ومن أوضح ما جاء في ذلك ما جاء في صحيح البخاري عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال لها في مرض موته: (ادعي لي أباك وأخاك لأكتب كتاباً، فإني أخشى أن يتمنى متمن أو يقول قائل: أنا أولى، ثم ترك الكتابة ﵊ وقال: يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر) يعني: أن هذا الذي أريد أن أكتبه سيتحقق، لأن الله تعالى يأبى إلا أبا بكر، والمؤمنون يأبون إلا أبا بكر، وقد أبى الله إلا أبا بكر وأبى المؤمنون إلا أبا بكر، وتمت بيعة الصديق ﵁ وأرضاه، وصاروا يلقبونه بخليفة رسول الله ﷺ ، وهي مع خلافة الخلفاء الثلاثة الذين بعده خلافة نبوة كما جاء ذلك في حديث سفينة مولى رسول الله ﷺ الذي مر بنا قريباً.
أورد أبو داود حديث عبد الله بن زمعة ﵁ قال: (لما استعز برسول الله -يعني: اشتد مرضه- وكان عنده مع جماعة من المسلمين من أصحاب رسول الله ﷺ ، جاءه بلال واستأذنه في الصلاة فقال: مروا من يصلي بالناس، فخرج ولم يكن أبو بكر موجوداً، فقال لـ عمر: صل بالناس، فصلى بالناس، فلما سمع النبي ﷺ تكبير عمر وكان جهوري الصوت رضي الله تعالى عنه وأرضاه قال: أين أبو بكر؟! -يعني: لماذا لا يصلي بالناس؟ - ثم قال: (يأبى الله ذلك والمسلمون، يأبى الله ذلك والمسلمون).
فهذا يدل على فضله وعلى تقديمه بالخلافة، وعلى أنه الأولى بأن يصلي، وقد جاءت الأحاديث التي فيها التنصيص على أن يصلي أبو بكر بالناس حيث قال: (مروا أبا بكر فليصل بالناس).
وبعد ذلك دعي أبو بكر وجاء بعد أن صلى عمر بالناس، والذي يبدو أنه صلى الصلوات التي بعد، وليس معنى ذلك أن هذه الصلاة أعيدت؛ لأن الصلاة حصلت بإمامة للناس، فما هناك شيء يدل على أنها هي نفسها أعيدت، وإنما صلى عمر هذه الصلاة لأن أبا بكر لم يكن موجوداً، ثم بعد ذلك صار الذي يصلي بالناس أبو بكر ﵁ وأرضاه.
стр. 15859
تراجم رجال إسناد حديث أمر النبي ﷺ أبا بكر أن يصلي بالناس
قوله: [حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي].
عبد الله بن محمد النفيلي ثقة، أخرج له البخاري وأصحاب السنن.
[حدثنا محمد بن سلمة].
محمد بن سلمة هو الباهلي، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري في جزء القراءة ومسلم وأصحاب السنن.
ومحمد بن سلمة الباهلي هذا في طبقة شيوخ شيوخ أبي داود، وهناك محمد بن سلمة في طبقة شيوخه، والمراد به المرادي المصري.
[عن محمد بن إسحاق].
محمد بن إسحاق المدني صدوق، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.
[قال: حدثني الزهري].
هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[قال: حدثني عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام].
وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبيه].
هو أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وهو ثقة فقيه، أحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين على أحد الأقوال الثلاثة في السابع منهم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، والفقهاء السبعة في عصر التابعين في المدينة ستة متفق على عدهم في الفقهاء السبعة، والسابع فيه خلاف، قيل: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، وقيل: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وقيل: سالم بن عبد الله بن عمر، والستة المتفق على عدهم هم: عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وعروة بن الزبير، وخارجة بن زيد، وسعيد بن المسيب، والقاسم بن محمد، وسليمان بن يسار، فهؤلاء الستة متفق على عدهم في الفقهاء السبعة، وقد ذكر ابن القيم ﵀ في كتابه أعلام الموقعين في أوله عدداً كبيراً من العلماء المفتين في عصر الصحابة وفي عصر التابعين وفي مختلف البلاد، ولما ذكر المدينة ومن كان فيها من الفقهاء في عصر التابعين ذكر الفقهاء السبعة، وذكر السابع منهم أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام هذا، وذكر بيتين من الشعر الثاني منهما يشتمل على الفقهاء السبعة وقال: إذا قيل من في العلم سبعة أبحر روايتهم ليست عن العلم خارجة فقل هم: عبيد الله عروة قاسم سعيد أبو بكر سليمان خارجة فالبيت الثاني مشتمل على ذكر السبعة، والسابع هو أبو بكر هذا الذي معنا في الإسناد، وكما ذكرت هناك قولان آخران أحدهما: أن السابع هو سالم بن عبد الله بن عمر، والثاني: أن السابع هو أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف.
[عن عبد الله بن زمعة].
عبد الله بن زمعة ﵁، وهو صحابي، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
стр. 15860
شرح حديث (ليصل للناس ابن أبي قحافة)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا أحمد بن صالح حدثنا ابن أبي فديك قال: حدثني موسى بن يعقوب عن عبد الرحمن بن إسحاق عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن عبد الله بن زمعة أخبره بهذا الخبر قال: (لما سمع النبي ﷺ صوت عمر -قال ابن زمعة - خرج النبي ﷺ حتى أطلع رأسه من حجرته ثم قال: لا لا لا، ليصل للناس ابن أبي قحافة، يقول ذلك مغضباً)].
أورد أبو داود الحديث من طريق أخرى، وهو مثل الذي قبله، وفيه أنه قال: لا لا، يعني: لا يصل أحد غير أبي بكر، وقوله: ابن أبي قحافة هو أبو بكر ﵁، وهذا فيه إشارة قوية ودلالة واضحة على أنه الأحق بالأمر من بعد رسول الله ﷺ .
стр. 15861
تراجم رجال إسناد حديث (ليصل للناس ابن أبي قحافة)
قوله: [حدثنا أحمد بن صالح].
هو أحمد بن صالح المصري، وهو ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي في الشمائل.
[حدثنا ابن أبي فديك].
ابن أبي فديك هو محمد بن إسماعيل بن مسلم بن أبي فديك، وهو صدوق، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[قال: حدثني موسى بن يعقوب].
موسى بن يعقوب صدوق سيئ الحفظ، أخرج له البخاري في الأدب المفرد وأصحاب السنن.
[عن عبد الرحمن بن إسحاق].
عبد الرحمن بن إسحاق صدوق، أخرج له البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأصحاب السنن.
[عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة].
ابن شهاب مر ذكره، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة هو أحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الله بن زمعة].
عبد الله بن زمعة مر ذكره.
стр. 15862
الأسئلة
стр. 15863
صعود النبي ﷺ على حراء وعلى أحد قصتان متغايران
السؤال
جاء في بعض الأحاديث أن النبي ومن معه أهتز بهم أحد وفي بعضها أنه حراء فهل هي قصة واحدة أم عدة قصص؟
الجواب
صعود النبي ﷺ جبل أحد أو حراء مع بعض الصحابة وقع على التعدد، قاله الحافظ في الفتح في الجزء السابع، ثم ذكر رواية في مسلم أنه ﷺ صعد حراء ومعه جملة من الصحابة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم، فالقصتان مختلفتان، ذكر ذلك في فضائل الصحابة في فضل أبي بكر.
стр. 15864
الحكم على حديث (القدرية مجوس هذه الأمة)
السؤال
ما حكم حديث: (القدرية مجوسية هذه الأمة)؟
الجواب
حديث (القدرية مجوس هذه الأمة) هو حديث حسن، حسنه الألباني في الطحاوية والروض والمشكاة والظلال والصحيحة رقم (٢٧٤٨)، وقال: إن له عدة طرق، فتبين أن للحديث أصلاً، وليس بمنكر، فضلاً عن أن يكون موضوعاً، ونقل عن الحافظ تقويته للحديث.
стр. 15865
حكم الذبح والصدقة عند تجدد النعم
السؤال
هل يجوز الذبح عند تجدد النعم على المسلم؟
الجواب
شكر الله على النعم سائغ ومطلوب، وإذا حصل للإنسان نعمة أو حصل له شيء فذبح ذبيحة وتصدق بها شكراً لله على ذلك، لا أعلم شيئاً يمنع منه؟
стр. 15866
شرح سنن أبي داود [٥٢٢]
إن من عقيدة أهل السنة والجماعة: السكوت عما حصل في الفتنة بين الصحابة، فهم يعتقدون أن الصحابة مجتهدون في ذلك لا يعدمون الأجر والأجرين، ويسلمون صدورهم وألسنتهم من الخوض أو الطعن في الصحابة ﵃ وأرضاهم، وأن من خرج عن هذا فقد ابتدع في الدين، وضل عن هدي رب العالمين.
стр. 15867
ما يدل على ترك الكلام في الفتنة
стр. 15868
شرح حديث (إن ابني هذا سيد، وإني أرجو أن يصلح الله به بين فئتين من أمتي)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ما يدل على ترك الكلام في الفتنة.
حدثنا مسدد ومسلم بن إبراهيم قالا: حدثنا حماد عن علي بن زيد عن الحسن عن أبي بكرة ح وحدثنا محمد بن المثنى عن محمد بن عبد الله الأنصاري قال: حدثني الأشعث عن الحسن عن أبي بكرة قال: قال رسول الله ﷺ للحسن بن علي: (إن ابني هذا سيد، وإني أرجو أن يصلح الله به بين فئتين من أمتي) وقال في حديث حماد: (ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين عظيمتين)].
يقول الإمام أبو داود السجستاني رحمه الله تعالى: [باب ما يدل على ترك الكلام في الفتنة].
لأن ما جرى من فتن وأمور حصلت بين الصحابة فإنه يترك الكلام فيها، وهذا هو معنى ما جاء عن كثير من العلماء في كتب العقائد، لا سيما المختصرة منها: الكف عما شجر بين الصحابة، يعني: من عقيدة أهل السنة والجماعة الكف عما شجر بينهم، وألا يتكلم فيهم إلا بخير، وأن تحسن بهم الظنون، وأن يحمل ما جرى منهم على أحسن المحامل، وفي ذلك سلامة القلوب وطهارتها ونظافتها من أن يقع فيها شيء لا يليق في حق بعض الصحابة، فالواجب الترحم على الجميع والترضي عنهم، واعتقاد أنهم لا يعدمون الأجر أو الأجرين، فمن اجتهد منهم فأصاب فله أجران ومن اجتهد فأخطأ فله أجر واحد.
وقد جاء عن بعض أهل العلم أنه قال: إن الفتن التي كانت في أيامهم قد صان الله منها سيوفنا، فنسأله أن يصون منها ألسنتنا، يعني: ما كنا في زمانهم حتى يكون لأيدينا مشاركة، وبقيت الألسن فنسأل الله أن يصونها وأن يحفظها من أن تتكلم فيهم بما لا ينبغي وبما لا يليق، بل الواجب محبة الجميع وتعظيمهم وتوقيرهم، وألا يشتغل بما جرى بينهم، وإذا اشتغل به فيكون بالاعتذار وبيان سلامتهم، وكثير مما نقل عنهم زيد فيه ونقص منه، وبعضه كذب، وما صح منه فهم دائرون فيه بين الأجر والأجرين، إما مجتهدون مصيبون فلهم أجران، وإما مجتهدون مخطئون فلهم أجر واحد، والخطأ منهم مغفور، هذا هو الواجب في حق أصحاب رسول الله ﷺ ورضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.
وقد أورد أبو داود حديث أبي بكرة رضي الله تعالى عنه أن النبي ﵊ كان على المنبر ومعه ابنه الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما، فقال ﵊: (إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين من أمتي)، وفي بعض الروايات: (بين فئتين من المسلمين عظيمتين) وهذا يدل على إخبار النبي ﵊ بأمر مغيب يأتي في المستقبل، وهو من دلائل نبوته ﵊، وذلك من الإيمان بالغيب؛ لأن الإيمان بالغيب يكون عن أخبار ماضية وعن أمور مستقبلة، وعن أمور موجودة لكنها غير مشاهدة ولا معاينة، وهذا مما حصل فيه الإخبار عن أمر مستقبل وقريب من زمنه ﷺ ، فإنه أخبر ﷺ في هذا الحديث أن هذا الغلام سيصلح الله به بين فئتين من المسلمين، وقد فهم من هذا أن الحسن سيعيش، وأنه لن يموت طفلاً، بل سيبقى حتى يصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين؛ لأن الرسول ﷺ أخبر عن ذلك، وخبره لا يتخلف، بل هو صدق، وهو لا ينطق عن الهوى صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وقد حصل هذا الذي أخبر به النبي ﷺ بعد وفاته بثلاثين سنة، فتحقق هذا الذي أخبر به النبي ﵊، واجتمعت كلمة المسلمين بتنازل الحسن ﵁ وأرضاه، وسمي ذلك العام الذي هو عام (٤١) هـ عام الجماعة، لاجتماع كلمة المسلمين، وكونه صار لهم خليفة اجتمع عليه الناس وصارت الكلمة واحدة، وتحقق ذلك الذي أخبر به الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
وفيه إطلاق السيد على المخلوق، وقد جاء إطلاقه على الله ، فالله تعالى من أسمائه السيد، ويطلق على المخلوق سيد كما جاء في هذا الحديث حيث قال: (إن ابني هذا سيد).
وفيه أيضاً وصف الفئتين اللتين يحصل الصلح بينهما بأنهما مسلمتان، وهذا فيه بيان أن هؤلاء الذين حصل بينهم الخلاف مسلمون وأن كلمتهم ستجتمع بتنازل هذا الرجل العظيم لـ معاوية رضي الله تعالى عن الجميع، وقد جاء عن سفيان بن عيينة ﵀ أنه كان يقول: إن قول النبي ﷺ في هذا الحديث: (من المسلمين) يعجبنا جداً، يعني: وصف الطائفتين بأنهما من المسلمين مع اقتتالهم واختلافهم، فهو يقول ﵀: إن هذا يعجبنا جداً؛ لأنه حكم بإسلام الجميع، وأن هذا اختلاف بين مسلمين، وأن هذا الاتفاق حصل بين فئتين عظيمتين من المسلمين على يد الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهما.
стр. 15869
تراجم رجال إسناد حديث (إن ابني هذا سيد، وإني أرجو أن يصلح الله به بين فئتين من أمتي)
قوله: [حدثنا مسدد].
هو مسدد بن مسرهد البصري، وهو ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي.
[ومسلم بن إبراهيم].
هو مسلم بن إبراهيم الفراهيدي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[قالا: حدثنا حماد].
هو حماد بن زيد، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن علي بن زيد].
هو علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف، أخرج له البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأصحاب السنن.
[عن الحسن].
هو الحسن بن أبي الحسن البصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي بكرة].
هو أبو بكرة نفيع بن الحارث ﵁ صاحب رسول الله ﷺ ، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[ح وحدثنا محمد بن المثنى].
(ح) أي: طريق أخرى، ومحمد بن المثنى العنزي أبو موسى الملقب بـ الزمن ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة، رووا عنه مباشرة وبدون واسطة.
[عن محمد بن عبد الله الأنصاري].
محمد بن عبد الله الأنصاري ثقة، من كبار شيوخ البخاري، وممن روى عنهم الثلاثيات، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[قال: حدثني الأشعث].
الأشعث يحتمل أن يكون الأشعث بن عبد الله الحداني أو الأشعث بن عبد الملك الحمراني، وكل منهما محتج به، فالأول: صدوق أخرج له البخاري تعليقاً وأصحاب السنن، والثاني: ثقة أخرج له البخاري تعليقاً وأصحاب السنن، وقد ذكر في ترجمة محمد بن عبد الله الأنصاري أنه روى عنهما جميعاً، وكذلك في ترجمة الحسن أنهما رويا عنه جميعاً، وهو محتمل لهذا ولهذا، وكل منهما حجة.
والمحشي يقول: إنه الأشعث بن عبد الملك الحمراني؛ لأن المصنف أخرجه برقم (٣٧٧٥) من رواية ابنه عنه فاتضح أنه ابن عبد الملك الحمراني.
[عن الحسن عن أبي بكرة].
الحسن وأبو بكرة مر ذكرهما في الإسناد السابق، وعلى هذا فالإسناد الذي مر وفيه علي بن زيد بن جدعان لا يؤثر؛ لأن هذا إسناد يغني عن الطريق الأولى.
стр. 15870
مناسبة حديث (إن ابني هذا سيد) للتبويب في ترك الفتن
أما مناسبة الحديث للترجمة فهو من جهة أن ما حصل من الصلح كان قبله اختلاف وفتنة، وقد انتهت بهذا الذي تم على يد الحسن رضي الله تعالى عنه، أي: أن الفتن التي حصلت قبل ذلك الصلح من الأشياء التي كان المطلوب أن يكف عن الكلام فيها وألا يتكلم فيها إلا بما هو خير وبما هو لائق في حق أصحاب رسول الله ﷺ .
стр. 15871
ما جرى من الاقتتال بين الصحابة لا يدخل في قوله (إذا التقى المسلمان بسيفهما)
وهناك من يستدل بحديث: (إذا التقى المسلمان بسيفيهما) الحديث، على أن ما جرى بين الصحابة رضوان الله عليهم داخل ضمن الوعيد، ولا نص يستثني الصحابة من ذلك.
والحق أنه ليس من هذا القبيل؛ لأن الصحابة ﵃ وأرضاهم حصل ما حصل منهم باجتهاد، وكل منهم كان يرى أنه على حق، وأما اللذين ذكرا في الحديث فإنهما يلتقيان وكل واحد منهما يريد أن يقتل الآخر، أي: يريد أن يعتدي عليه، ولا يرى أنه على الحق.
стр. 15872
حديث حذيفة (ما أحد من الناس تدركه الفتنة إلا أنا أخافها عليه إلا محمد بن مسلمة) وتراجم رجال إسناده
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا الحسن بن علي حدثنا يزيد أخبرنا هشام عن محمد قال: قال حذيفة: (ما أحد من الناس تدركه الفتنة إلا أنا أخافها عليه، إلا محمد بن مسلمة، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا تضرك الفتنة)].
أورد أبو داود حديث حذيفة بن اليمان ﵁، أنه قال: (ما أحد من المسلمين إلا وأخشى عليه الفتنة ما عدا محمد بن مسلمة؛ فإن النبي ﷺ قال فيه: لا تضرك الفتنة) وسيأتي أنه اعتزل الفتن قوله: [حدثنا الحسن بن علي].
هو الحسن بن علي الحلواني، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا النسائي.
[حدثنا يزيد].
هو يزيد بن هارون الواسطي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[أخبرنا هشام].
هو هشام بن حسان، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن محمد].
هو محمد بن سيرين، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن حذيفة].
هو حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنه، وهو صحابي جليل أخرج له أصحاب الكتب الستة.
стр. 15873
شرح أثر حذيفة (إني لأعرف رجلاً لا تضره الفتن شيئاً)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عمرو بن مرزوق أخبرنا شعبة عن الأشعث بن سليم عن أبي بردة عن ثعلبة بن ضبيعة قال: دخلنا على حذيفة فقال: إني لأعرف رجلاً لا تضره الفتن شيئاً، قال: فخرجنا فإذا فسطاط مضروب، فدخلنا فإذا فيه محمد بن مسلمة ﵁، فسألناه عن ذلك، فقال: ما أريد أن يشتمل علي شيء من أمصاركم حتى تنجلي عما انجلت].
أورد أبو داود حديث حذيفة من طريق أخرى، وهو مثل الذي قبله قال: إني لأعرف رجلاً لا تضره الفتنة، ثم إنهم رأوا فسطاطاً منصوباً يعني: خيمة، فدخلوا وإذا فيه محمد بن مسلمة، فسألوه عن شأنه فقال: ما أريد أن يشتمل علي شيء من أمصاركم حتى تنجلي عما انجلت، يعني: الفتن، وهو يريد أن يعتزل الناس حتى تنتهي الفتنة وتنجلي.
стр. 15874
تراجم رجال إسناد أثر حذيفة (إني لأعرف رجلاً لا تضره الفتن شيئاً)
قوله: [حدثنا عمرو بن مرزوق].
عمرو بن مرزوق ثقة له أوهام، أخرج له البخاري وأبو داود.
[حدثنا شعبة].
هو شعبة بن الحجاج الواسطي البصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن الأشعث بن سليم].
الأشعث بن سليم ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي بردة].
هو أبو بردة بن أبي موسى، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن ثعلبة بن ضبيعة].
ثعلبة بن ضبيعة مقبول، أخرج له أبو داود.
[عن حذيفة].
حذيفة مر ذكره.
[فإذا فيه محمد بن مسلمة فسألناه عن ذلك].
محمد بن مسلمة صحابي، أخرج له أصحاب السنن.
стр. 15875
أثر حذيفة (إني لأعرف رجلاً لا تضره الفتن شيئاً) من طريق أخرى وتراجم رجال إسناده
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا مسدد حدثنا أبو عوانة عن الأشعث بن سليم عن أبي بردة عن ضبيعة بن حصين الثعلبي بمعناه].
وهذا إسناد آخر بمعنى اللفظ المتقدم في الإسناد السابق.
قوله: [حدثنا مسدد حدثنا أبو عوانة].
أبو عوانة هو الوضاح بن عبد الله اليشكري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أشعث بن سليم عن أبي بردة عن ضبيعة بن حصين الثعلبي].
في الإسناد المتقدم ثعلبة بن ضبيعة، وهنا قال: ضبيعة بن حصين، وهو هو.
وهذا الحديث صحيح، ويقول في العون: هذا الحديث سكت عنه المنذري.
стр. 15876
شرح أثر علي في سبب مسيره إلى البصرة لملاقاة أهل الجمل
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا إسماعيل بن إبراهيم الهذلي حدثنا ابن علية عن يونس عن الحسن عن قيس بن عباد قال: قلت لـ علي ﵁: أخبرنا عن مسيرك هذا، أعهد عهده إليك رسول الله ﷺ أم رأي رأيته؟ فقال: ما عهد إلي رسول الله ﷺ بشيء، ولكنه رأي رأيته].
أورد أبو داود هذا الأثر عن علي بن أبي طالب ﵁، وقد سئل عن مسيره في بعض الأحوال التي التقى فيها مع من يقابله من المسلمين، وذلك في الجمل أو صفين، فقيل: هل مسيرك هذا شيء عهد إليك به رسول الله ﷺ أو أنه رأي رأيته؟ فأخبر بأنه لم يعهد إليه الرسول ﷺ بشيء من ذلك، وإنما هو رأي رآه، واجتهاد حصل منه رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
стр. 15877
تراجم رجال إسناد أثر علي في سبب مسيره إلى البصرة لملاقاة أهل الجمل
قوله: [حدثنا إسماعيل بن إبراهيم الهذلي].
إسماعيل بن إبراهيم الهذلي ثقة، أخرج له البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي.
[حدثنا ابن علية].
هو إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن يونس عن الحسن].
يونس هو ابن عبيد وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، والحسن تقدم.
[عن قيس بن عباد].
قيس بن عباد ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي.
[قلت لـ علي].
علي هو أمير المؤمنين ورابع الخلفاء الراشدين الهادين المهديين، رضي الله تعالى عنه وأرضاه، صاحب المناقب الجمة، والفضائل الكثيرة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
стр. 15878
شرح حديث (تمرق مارقة عند فرقة من المسلمين)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا القاسم بن الفضل عن أبي نضرة عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (تمرق مارقة عند فرقة من المسلمين يقتلها أولى الطائفتين بالحق)].
أورد أبو داود حديث أبي سعيد الخدري في الخوارج أنه قال: (تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين تقتلهم أولى الطائفتين بالحق) والمقصود من ذلك الخوارج الذين خرجوا بعدما حصل التحكيم وانحازوا في مكان يقال له: حروراء، وحصل منهم ما حصل، وقاتلهم علي ﵁ وأرضاه، وقال النبي ﷺ في هذا الحديث: (تقتلهم أولى الطائفتين بالحق)، وهذا يدلنا على أن علياً ﵁ أولى من غيره.
وقوله: (على حين فرقة من المسلمين) هو مثل الحديث الذي مر في قوله: (يصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين)، فإنه وصف المختلفين والمفترقين أنهم مسلمون، فهذا مثل ذاك، وهو يدل على أن علياً ﵁ كان محقاً، وأنه أولى بالحق، ومعاوية ﵁ كان مجتهداً، وكل من المجتهدين من أصحاب رسول الله ﷺ لا يعدمون الأجر أو الأجرين، فالمجتهد المصيب له أجران، والمجتهد المخطئ له أجر واحد، وخطؤه مغفور رضي الله تعالى عن الجميع.
والخوارج هم الذين خرجوا من جيش علي ﵁ بعدما حصل التحكيم، ولا يقال عن جيش معاوية: خوارج، وإنما هم مجتهدون؛ لأن معاوية ﵁ رأى أن يقتص أولاً من الذين قتلوا عثمان رضي الله تعالى عنه وأرضاه، ثم يسلم الشام، وعلي ﵁ رأى أنه يتم تسليم الشام أولاً ثم ينظر في الأمر، وكل وقف عند رأيه، وحصل ما حصل، وكلهم كما ذكرت لا يعدمون الأجر أو الأجرين.
قال في عون المعبود: أجمع العلماء على أن الخوارج مسلمون، فأقول: إن بعض العلماء كفرهم.
стр. 15879
تراجم رجال إسناد حديث (تمرق مارقة عند فرقة من المسلمين)
قوله: [حدثنا مسلم بن إبراهيم].
مسلم بن إبراهيم مر ذكره.
[حدثنا القاسم بن الفضل].
القاسم بن الفضل ثقة، أخرج له البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأصحاب السنن.
[عن أبي نضرة].
هو أبو نضرة المنذر بن مالك بن قطعة، وهو ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.
[عن أبي سعيد].
هو أبو سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، صاحب رسول الله ﷺ ، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ ، وهذا الإسناد رباعي.
стр. 15880
أقوال كبار أئمة السلف في وجوب السكوت عما شجر بين الصحابة ﵃
قال الإمام عبد الله بن المبارك ﵀: من استخف بالعلماء ذهبت آخرته.
وهذا مذكور في كتاب سير أعلام النبلاء.
وقال الإمام الطحاوي ﵀: علماء السلف من السابقين ومن بعدهم من التابعين أهل الخير والأثر، وأهل الفقه والنظر، لا يذكرون إلا بالجميل، ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل.
وقال الحافظ ابن عساكر: واعلم -يا أخي وفقنا الله وإياك لمرضاته وجعلنا ممن يخشاه ويتقيه حق تقاته- أن لحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة؛ لأن الوقيعة بما هم منه براء أمر عظيم، والتناول بأعراضهم بالزور والافتراء مرتع وخيم، والاختلاق على من اختار الله منهم خلق ذميم، وقد عد أهل العلم الطعن للصحابة زندقة مفضوحة، وقرروا أنه لا يبسط لسانه فيهم إلا من ساءت طويته في النبي ﷺ وصحابته والإسلام والمسلمين.
وهذا مذكور في كتاب الإمامة لـ أبي نعيم الأصفهاني.
وقال عمر بن عبد العزيز ﵀ حيث سئل عن القتال الذي حصل بين الصحابة: تلك دماء طهر الله يدي منها، أفلا أطهر منها لساني؟! مثل أصحاب رسول الله ﷺ مثل العيون، ودواء العيون ترك مسها.
وهذا مذكور في مناقب الشافعي للرازي.
وسئل الحسن البصري عما حصل بين الصحابة فقال: قتال شهده أصحاب محمد ﷺ وغبنا، وعلموا وجهلنا، واجتمعوا فاتبعنا، واختلفوا فوقفنا.
من الجامع لأحكام القرآن للقرطبي.
وقال الإمام أحمد رحمه الله تعالى بعد أن قيل له: ما تقول فيما كان بين علي ومعاوية؟ قال: ما أقول فيهم إلا الحسنى.
من مناقب الإمام أحمد لـ ابن الجوزي.
وقال أبو عبد الله بن بطة ﵀ أثناء عرضه لعقيدة أهل السنة والجماعة ومن بعدهم: نكف عما شجر بين أصحاب رسول الله ﷺ ، وقد شهدوا المشاهد معه، وسبقوا الناس بالفضل، وقد غفر الله لهم، وأمرك بالاستغفار لهم، والتقرب إليه بمحبتهم، وفرض ذلك على لسان نبيه، وهو يعلم ما سيكون منهم، وأنهم سيقتتلون، وإنما فضلوا على سائر الخلق لأن الخطأ العمد قد وضع عنهم، وكل ما شجر بينهم مغفور لهم.
من الإبانة.
وقال الإمام أبو عبد الله القرطبي ﵀: لا يجوز أن ينسب إلى أحد من الصحابة خطأ مقطوع به، إذ كلهم اجتهدوا فيما فعلوه، وأرادوا الله ، وهم كلهم لنا أئمة، وقد تعبدنا بالكف عما شجر بينهم، وألا نذكرهم إلا بأحسن الذكر لحرمة الصحبة، ولنهي النبي ﷺ عن سبهم، ولأن الله غفر لهم وأخبرنا بالرضا عنهم.
من الجامع لأحكام القرآن.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في ذكر عقيدة أهل السنة والجماعة: ويمسكون عما شجر بين الصحابة، ويقولون: إن هذه الآثار المروية في مساوئهم منها ما هو كذب ومنها ما قد زيد فيه ونقص وغير عن وجهه، والصحيح منه هم فيه معذورون، إما مجتهدون مصيبون وإما مجتهدون مخطئون.
من العقيدة الواسطية.
ونقل الحافظ ابن حجر عن أبي المظفر السمعاني ﵀ أنه قال: التعرض إلى جانب الصحابة علامة على خذلان صاحبه، بل هو بدعة وضلاله.
من فتح الباري.
انتهى.
وهذه فوائد عظيمة تتعلق بأصحاب رسول الله ﷺ ، وبعضها يتعلق بأهل العلم، وهذا هو اللائق في أصحاب رسول الله ﷺ ، والواجب أن تكون الألسنة والقلوب سليمة ونظيفة في حقهم، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في العقيدة الواسطية: ومن أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله ﷺ .
فتكون القلوب سليمة خالية من الحقد والغيظ والبغض، والألسنة سليمة خالية من السب والذم والثلب والعيب، وإذا كانت الغيبة محرمة في حق سائر المسلمين، فإن الاغتياب لأصحاب الرسول ﷺ أشد حرمة فهم خير هذه الأمة والواسطة بيننا وبين رسول الله ﷺ ، والذين نقلوا الكتاب والسنة إلى الناس؛ والغيبة لهم وقيعة في خير الناس، وفيمن ساق الله للناس الخير على أيديهم، وهو الوحي الذي تلقوه من رسول الله ﷺ ثم أدوه إلى من بعدهم، فمن حسن حظ المرء أن يكون قلبه ولسانه نظيفين نزيهين سليمين في حق الصحابة، ومن علامة السوء وسوء الحظ للإنسان أن يحرك لسانه فيما لا ينبغي في حقهم، وأن يقع في قلبه شيء مما لا ينبغي في حقهم جميعاً رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.
وقد نقلت في آخر كتابي الانتصار للصحابة الأخيار نقولاً عديدة في هذا الأمر، ومن أعظمها وأشدها وأوضحها ما قاله أبو زرعة الرازي رحمة الله عليه: إذا رأيتم من ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله ﷺ فاعلموا أنه زنديق، وذلك أن الكتاب حق، والرسول حق، وإنما أدى إلينا الكتاب والسنة أصحاب رسول الله ﷺ ، فهم يريدون أن يجرحوا شهودنا فيبطلوا الكتاب والسنة، فالجرح بهم أولى، وهم زنادقة.
стр. 15881
شرح سنن أبي داود [٥٢٣]
لقد اصطفى الله تعالى للنوة خيرة البشر وهم الأنبياء، وفاضل بينهم كما هو معلوم في القرآن الكريم الذي هو كلامه، وجعل سيد الخلق وأفضلهم هو محمد ﷺ ، أما ما جاء في السنة من النهي عن التمييز أو التفضيل بين الأنبياء فله محامل قد ذكرها العلماء في مصنفاتهم.
стр. 15882
التخيير بين الأنبياء
стр. 15883
شرح حديث (لا تخيروا بين الأنبياء)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في التخيير بين الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا أهيب حدثنا عمرو -يعني ابن يحيى - عن أبيه عن أبي سعيد الخدري أنه قال: قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (لا تخيروا بين الأنبياء)].
أورد أبو داود ﵀ باب التخيير بين الأنبياء، والمقصود بالتخيير أن يقال: فلان خير من فلان، هذا هو التخيير، ومعلوم أن القرآن والسنة جاءا بالتفضيل، قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة:٢٥٣]، وقال: (وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا﴾ [الإسراء:٥٥]، فالتفضيل ثابت في الكتاب وفي سنة الرسول ﷺ ، وقد أورد أبو داود ﵀ هذا الحديث في جملة أحاديث، وهو حديث أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: (لا تخيروا بين الأنبياء) أي: لا تقولوا: فلان خير من فلان، وهذا النهي المقصود به: أنهم لا يخيرون من تلقاء أنفسهم من غير أن يكون مبنياً على أساس، أو أن يكون في التخيير تقليل من شأن بعضهم، وأما إذا كان التخيير مبنياً على علم ومبنياً على النصوص؛ فإن هذا أمر مطلوب، مع توقير الجميع وتعظيم الجميع ومحبة الجميع، ولكن يعتقد التفضيل الذي جاءت به النصوص؛ لأن التفضيل من أمور الغيب، وهذا من الأمور الغيبية، فلا يقال: فلان خير من فلان إلا بدليل، لأن هذا أمر غيبي، ومعناه: أنه خير عند الله، وأنه أفضل عند الله، وهذا لا يعلم إلا عن طريق الوحي، فالتخيير المنهي عنه هو الذي يكون مبنياً على غير علم ومبنياً على غير وحي، أو مبيناً على عصبية أو حمية، أو يكون في التخيير تقليل من شأن بعض الأنبياء، وأما إذا كان التخيير مبنياً على نصوص الوحي فإن هذا لا بأس به، والله تعالى قد ذكر في كتابه العزيز أنه فضل بعضهم على بعض.
стр. 15884
تراجم رجال إسناد حديث (لا تخيروا بين الأنبياء)
قوله: [حدثنا موسى بن إسماعيل].
هو موسى بن إسماعيل التبوذكي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا أهيب].
هو أهيب بن خالد، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا عمرو -يعني ابن يحيى -].
هو عمرو بن يحيى المازني، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبيه].
وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي سعيد الخدري].
أبو سعيد الخدري ﵁ هو سعد بن مالك بن سنان الخدري، مشهور بنسبته وكنيته، كنيته: أبو سعيد، ونسبته: الخدري، واسمه: سعد بن مالك بن سنان، وهو صحابي جليل، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ ، وهم: أبو هريرة وابن عمر وابن عباس وأبو سعيد وأنس وجابر وأم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنهم وعن الصحابة أجمعين، ستة رجال وامرأة واحدة، وقد ذكرهم السيوطي في ألفيته حيث قال: والمكثرون في رواية الأثر أبو هريرة يليه ابن عمر وأنس والبحر-يعني ابن عباس- كالخدري وجابر وزوجة النبي
стр. 15885
شرح حديث (ما ينبغي لعبد أن يقول: إني خير من يونس بن متى)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا حفص بن عمر حدثنا شعبة عن قتادة عن أبي العالية عن ابن عباس عن النبي ﵌ أنه قال: (ما ينبغي لعبد أن يقول: إني خير من يونس بن متى)].
أورد أبو داود حديث ابن عباس مرفوعاً: (ما ينبغي لعبد أن يقول: إني خير من يونس بن متى) ويونس بن متى ﵊ أحد المرسلين الذين جاء ذكرهم في القرآن في عدة مواضع، وذكره الله باسمه، وذكره بوصفه في موضعين، فقال: ﴿وَذَا النُّونِ﴾ [الأنبياء:٨٧] يعني: صاحب الحوت، والنون: اسم للحوت، وجمعه: نينان، كالحوت جمعه: حيتان، وقال في وصفه: ﴿وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ [القلم:٤٨].
والرسول ﷺ قال هذا لما جاء في القرآن عنه من أنه لم يصبر على ما حصل من قومه؛ فذهب مغاضباً وحصل له ما حصل، والواجب توقير رسل الله عليهم الصلاة والسلام ومحبتهم والثناء عليهم وذكرهم بما يليق بهم، ولا يقال في حق يونس أي شيء وقد حصل منه ما حصل، وقد نهى النبي ﵊ أن يقال: إنه خير منه، وإنه يصبر بخلاف الذي حصل من يونس ﵊، فقال: (ما ينبغي لعبد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى) ومتى هو اسم أبيه.
стр. 15886
تراجم رجال إسناد حديث (ما ينبغي لعبد أن يقول: إني خير من يونس بن متى)
قوله: [حدثنا حفص بن عمر].
حفص بن عمر ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والنسائي.
[حدثنا شعبة].
هو شعبة بن الحجاج الواسطي، وقد مر ذكره.
[عن قتادة].
هو قتادة بن دعامة السدوسي البصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي العالية].
هو رفيع بن مهران الرياحي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن عباس].
هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ابن عم النبي ﵊، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ .
стр. 15887
شرح حديث (ما ينبغي لنبي أن يقول إني خير من يونس بن متى)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عبد العزيز بن يحيى الحراني قال: حدثني محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن إسماعيل بن أبي حكيم عن القاسم بن محمد عن عبد الله بن جعفر أنه قال: كان رسول الله ﷺ يقول: (ما ينبغي لنبي أن يقول: إني خير من يونس بن متى)].
أورد أبو داود حديث عبد الله بن جعفر رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﷺ قال: (ما ينبغي لنبي أن يقول: أنا خير من يونس بن متى)، وفي الحديث السابق قال: (ما ينبغي لعبد) وهو لفظ عام، وهنا قال: (ما ينبغي لنبي)، والنبي ﷺ أخبر بأنه سيد ولد آدم، ومعلوم أنه خير منه وخير من جميع المرسلين، فنبينا محمد ﵊ هو سيد المرسلين وأفضلهم ﵊، وأولو العزم من الرسل خمسة، وهو أفضلهم ﵊، وهم: نبينا محمد ﵊، وإبراهيم وموسى وعيسى ونوح، هؤلاء الخمسة هم أولو العزم من الرسل الذين ذكرهم الله في كتابه فقال: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف:٣٥] وجاء ذكرهم في سورتين: في سورة الأحزاب، وفي سورة الشورى، في سورة الأحزاب في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ [الأحزاب:٧]، وفي سورة الشورى في قوله: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [الشورى:١٣] الآية، فإن هؤلاء الخمسة قد ذكروا في هاتين الآيتين، وهم أفضل الرسل وخير الرسل، وأفضلهم نبينا محمد ﵊، ويليه إبراهيم وهو خليل، ثم يليه موسى وهو كليم، ونبينا محمد ﷺ خليل كليم، فاجتمع فيه ما تفرق في غيره، فالخلة لإبراهيم، والتكليم لموسى، ونبينا محمد ﷺ له الوصفان جميعاً، فهو خليل الرحمن كما هو كليم الرحمن، فقد كلمه ليلة المعراج عندما عرج به إلى السماء صلوات الله وسلامه عليه، وسمع كلام الله من الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
ولا يعارض ما جاء من بيان تفضيله ﷺ على غيره من الرسل ومنهم يونس هذا الحديث، وهو قوله: (ما ينبغي لنبي)، وقد أخبر أنه سيد الناس يوم القيامة؛ لأن الممنوع منه أن يقول: إنه خير منه، والرسول ﷺ قال ما قال في حقه لأنه أفضل منه وأفضل من غيره، فلا يكون هناك تعارض بين كون الرسول ﷺ قال: (أنا سيد ولد آدم -أو قال: سيد الناس- يوم القيامة)، وبين قوله: (ما ينبغي لنبي أن يقول)، وهو نبي ﷺ وقد قال هذه المقالة؛ لأنه مبلغ ما له من الفضل صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، حتى يعتقد ذلك، وحتى يؤمن بذلك؛ لأن الرسول ﷺ ليس هناك نبي بعده يخبر بمنزلته وبفضله وبدرجته عند الله، بخلاف الأنبياء السابقين فإنه قد جاء بعدهم أنبياء يبينون فضل من تقدمهم، ويبينون شيئاً من أحوال من تقدمهم، أما نبينا محمد ﷺ فليس بعده نبي يخبر عن عظيم قدره وعن منزلته، فلذلك أخبر ﷺ فيما يتعلق بشخصه ﷺ من أجل أن يعتقد ذلك؛ لأنه جاء بشريعة كاملة، وقد بين ما يتعلق به وبغيره، صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
стр. 15888
تراجم رجال إسناد حديث (ما ينبغي لنبي أن يقول إني خير من يونس بن متى)
قوله: [حدثنا عبد العزيز بن يحيى الحراني].
عبد العزيز بن يحيى الحراني صدوق ربما وهم، أخرج له أبو داود والنسائي.
[حدثني محمد بن سلمة].
هو محمد بن سلمة الحراني، وهو ثقة، أخرج له البخاري في جزء القراءة ومسلم وأصحاب السنن.
[عن محمد بن إسحاق].
هو محمد بن إسحاق المدني، وهو صدوق، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.
[عن إسماعيل بن أبي حكيم].
إسماعيل بن أبي حكيم ثقة، أخرج له مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة.
[عن القاسم بن محمد].
هو القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وهو أحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين، ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الله بن جعفر].
هو عبد الله بن جعفر بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهما، وهو صحابي أخرج له أصحاب الكتب الستة.
стр. 15889
شرح حديث (لا تخيروني على موسى)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا حجاج بن أبي يعقوب ومحمد بن يحيى بن فارس قالا: حدثنا يعقوب قال: حدثنا أبي عن ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وعبد الرحمن الأعرج عن أبي هريرة قال: (قال رجل من اليهود: والذي اصطفى موسى! فرفع المسلم يده فلطم وجه اليهودي، فذهب اليهودي إلى رسول الله ﵌ فأخبره، فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: لا تخيروني على موسى، فإن الناس يصعقون، فأكون أول من يفيق، فإذا موسى باطش في جانب العرش، فلا أدري أكان ممن صعق فأفاق قبلي، أو كان ممن استثنى الله ].
أورد أبو داود حديث أبي هريرة ﵁ أن رجلاً من اليهود قال: والذي اصطفى موسى، وفي بعض الروايات: على العالمين، فغضب المسلم الذي سمعه ولطمه؛ لأنه فضله على محمد؛ حيث قال: على العالمين، ومعناه: أنه فضله تفضيلاً مطلقاً، فلطمه المسلم، وجاء اليهودي واشتكى المسلم إلى رسول الله ﷺ ، فعند ذلك قال: (لا تخيروني على موسى)، وقيل في الجواب عن هذا الذي ورد في الحديث من النهي عن تخييره على موسى وتفضيله على موسى وبين ما جاء من تفضيله على غيره مثل قوله ﷺ : (أنا سيد ولد آدم)، وقوله: (أنا سيد الناس يوم القيامة)؛ أن النهي يحمل على أنه حصل قبل أن يعلم بمنزلته وبتفضيله على غيره، أو أن النهي محمول فيما إذا كان التخيير أو التفضيل مبنياً على التعصب والعصبية، وليس مبنياً على النصوص، فيوجد في التوفيق بين الحديثين هذان الجوابان.
وقد بين النبي ﷺ أن شيئاً حصل لموسى وهو أنه قال: (إن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق، فأجد موسى آخذاً بالعرش، فلا أدري أفاق قبلي أم كان ممن استثنى الله)، وجاء في بعض الأحاديث أنه قال: (فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة يوم الطور)، وقيل: إن هذا الصعق الذي يحصل إنما هو يوم القيامة عندما يتجلى الله لفصل القضاء بين الناس فإنهم يصعقون جميعاً، فيكون النبي ﷺ أول من يفيق من هذه الصعقة، فيجد موسى آخذاً بقائمة العرش، فالنبي ﷺ يقول: (لا أدري، هل أفاق قبلي) يعني صعق وأفاق قبلي، (أم جوزي بصعقة الطور) التي حصلت في الدنيا، كما قال الله: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ [الأعراف:١٤٣] فحصل له الصعق مرتين: مرة في الدنيا، ومرة في يوم القيامة، هذا إن حصل له الصعق في الآخرة، وإن لم يحصل له الصعق في الآخرة، بل سلم من ذلك الصعق، فيكون جوزي بصعقة يوم الطور التي حصلت له في الدنيا، والتي ذكرها الله في القرآن: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف:١٤٣]، فيكون شأن موسى بالنسبة لهذا الصعق الذي حصل للناس إما أنه حصل له ما حصل لهم، أو أنه لم يحصل له ذلك ولكن حصل له شيء في الدنيا مثله، فجوزي عن تلك الصعقة التي في الدنيا بأنه سلم من هذه الصعقة في الآخرة، وقد جاء في هذا رواية: (أو كان ممن استثنى الله)، فإما أن يكون المقصود به أنه استثني فلم يصعق؛ لأنه قد حصل له ذلك في الدنيا كما جاء في الحديث الآخر، أو يكون المقصود منه: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر:٦٨]، لكن هذه الصعقة التي في هذه الآية المراد بها صعقة الموت لمن كان حياً في آخر الزمان، فهناك صعقة الموت، ثم صعقة البعث، ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر:٦٨] أي: ممن لم يشأ الله أن يحصل له الموت، كالذين خلقوا في الجنة ولم يشأ الله موتهم كالحور العين، فإنهن خلقن للبقاء في الجنة، فلا يحصل لهن موت فيكن ممن استثني.
وهذا نقله شارح الطحاوية عن أبي الحجاج المزي، وقال به أيضاً ابن كثير، فذكروا أن الصعق إنما هو في الآخرة عندما يأتي الله لفصل القضاء، وأن موسى ﵊ إما أن يكون صعق مرة أخرى يوم القيامة فيفيق قبل النبي ﷺ ، أو أنه لم يصعق ولكنه جوزي بصعقة الدنيا عندما تجلى الله للجبل وخر موسى صعقاً، كما جاء ذلك مبيناً في سورة الأعراف.
стр. 15890
تراجم رجال إسناد حديث (لا تخيروني على موسى)
قوله: [حدثنا حجاج بن أبي يعقوب].
حجاج بن أبي يعقوب، ثقة، أخرج له مسلم وأبو داود.
[ومحمد بن يحيى بن فارس].
هو محمد بن يحيى بن فارس الذهلي، وهو ثقة، أخرج له البخاري وأصحاب السنن.
[حدثنا يعقوب].
هو يعقوب بن أبي إبراهيم بن سعد، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا أبي].
أبوه ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن شهاب].
ابن شهاب هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وعبد الرحمن الأعرج عن أبي هريرة].
أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
وعبد الرحمن بن هرمز الأعرج ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
وأبو هريرة عبد الرحمن بن صخر الدوسي ﵁، صاحب رسول الله ﷺ ، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﵊، بل هو أكثرهم حديثاً.
[قال أبو داود: وحديث ابن يحيى أتم].
ابن يحيى هو محمد بن يحيى الذهلي.
стр. 15891
شرح حديث (قال رجل لرسول الله: يا خير البرية! فقال رسول الله: ذاك إبراهيم)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا زياد بن أيوب حدثنا عبد الله بن إدريس عن مختار بن فلفل يذكر عن أنس أنه قال: (قال رجل لرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم: يا خير البرية! فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ذاك إبراهيم ﵇].
عرفنا أن المقصود بالتخيير بين الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أن يقال: فلان خير من فلان، أو فلان أفضل من فلان، فـ (خير) هذه أفعل تفضيل تحذف الهمزة من أولها، ومثلها في ذلك كلمة شر، فإنها تحذف الهمزة من أولها، ويؤتى بها بدون همزة اختصاراً، وأصلها: أخير وأشر، فيقال: خير وشر، وهاتان اللفظتان يؤتى بهما للمفاضلة وبيان أن هذا أفضل من هذا.
وأورد أبو داود هذا الحديث عن أنس ﵁: (أن رجلاً قال للنبي ﷺ : يا خير البرية! فقال ﵊: ذاك إبراهيم)، ومعلوم أن النبي ﷺ أفضل من إبراهيم، وهو أفضل من جميع المرسلين عليهم أفضل الصلاة وأتم التسليم، وأفضل الأنبياء بعده إبراهيم؛ لأن إبراهيم خليل الرحمن ونبينا محمد ﵊ خليل الرحمن، ويلي إبراهيم موسى ﵇؛ لأنه كليم الرحمن، وقد اجتمع في نبينا محمد ﵊ ما تفرق في غيره، فهو خليل الرحمن، وكليم الرحمن، وإبراهيم خليل الرحمن، وموسى كليم الرحمن.
قوله: (ذاك إبراهيم) أي: الذي هو خير البرية، قال ذلك مع كونه ﷺ هو خير من إبراهيم وغيره، فقيل: إنه قال ذلك قبل أن يعلم بتفضيله على غيره وأنه أفضل البشر جميعاً، وقيل: إنه قال ذلك على سبيل التواضع.
وفي هذا الحديث دليل على فضل إبراهيم ﵊ وتفضيله، لكنه لا يدل على أنه أفضل من نبينا محمد ﵊.
стр. 15892
تراجم رجال إسناد حديث (قال رجل لرسول الله: يا خير البرية! فقال رسول الله: ذاك إبراهيم)
قوله: [حدثنا زياد بن أيوب].
زياد بن أيوب ثقة، أخرج حديثه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي.
[حدثنا عبد الله بن إدريس].
عبد الله بن إدريس ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن مختار بن فلفل].
مختار بن فلفل صدوق له أوهام، أخرج له مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي.
[عن أنس].
هو أنس بن مالك ﵁، خادم رسول الله ﷺ ، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﵊، وهذا الإسناد من رباعيات أبي داود، وهي أعلى الأسانيد عنده.
стр. 15893
شرح حديث (أنا سيد ولد آدم، وأول من تنشق عنه الأرض)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عمرو بن عثمان حدثنا الوليد عن الأوزاعي عن أبي عمار عن عبد الله بن فروخ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵌: (أنا سيد ولد آدم، وأول من تنشق عنه الأرض، وأول شافع، وأول مشفع)].
أورد أبو داود حديث أبي هريرة ﵁ وفيه بيان جملة من فضائله وخصائصه ﵊ التي اختص بها وتميز بها عن غيره، وأولها قوله ﷺ : (أنا سيد ولد آدم)، وهذا يدل على فضله على جميع البشر ﵊، وأنه سيدهم، وقد جاء هذا الحديث في صحيح مسلم بلفظ: (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة)، وجاء في حديث الشفاعة: (أنا سيد الناس يوم القيامة) ثم ذكر حديث الشفاعة، وهو ﷺ سيد البشر في الدنيا والآخرة، ولكنه نص هنا على يوم القيامة لأن ذلك اليوم هو اليوم الذي يظهر فيه سؤدده على البشر من أولهم إلى آخرهم، وذلك أنهم في ذلك الموقف يموج بعضهم في بعض، ويبحثون عمن يشفع لهم إلى ربهم، فيأتون إلى آدم فيعتذر، ثم إلى نوح فيعتذر، وإلى إبراهيم فيعتذر، وإلى موسى فيعتذر، وإلى عيسى فيعتذر، ثم يأتون إلى نبينا محمد ﵊ فيتقدم للشفاعة، ويقول: أنا لها، فيشفعه الله ، وهذه هي الشفاعة العظمى، فيظهر سؤدده على الجميع في ذلك الموقف؛ لأن شفاعته حصلت للجميع واستفاد منها الجميع، وحصل أثر هذه الشفاعة وفائدتها لكل أهل الموقف، من لدن آدم إلى الذين قامت عليهم الساعة، وقيل لها: المقام المحمود؛ لأنه يحمده عليها الأولون والآخرون.
وقد أخبر الرسول ﷺ بهذه الأمور عن نفسه لأنه مبين عن الله كل ما يلزم الأمة أن تعتقده، وأن تأخذ به، وأن تعول عليه، ومن ذلك بيان ومعرفة قدر النبي ﷺ عند الله، وأن له هذه الميزات وهذه الفضائل؛ ليعتقدوها وليعرفوا قدره ﷺ عند ربه، فهو ﵊ آخر الأنبياء وليس بعده نبي، بخلاف الأنبياء السابقين فإنه قد جاء بعدهم من الأنبياء من بين فضائلهم، وما يتميز به كل واحد منهم، فقد بين نبينا محمد ﵊ فضائل المرسلين، وبين ما اختص به بعضهم، وأما نبينا ﵊ فليس بعده نبي، وليس بعده وحي يأتي فيه تشريع وبيان ما يحتاج إليه الناس، فالشريعة كاملة تامة، وانتقل النبي ﷺ إلى الرفيق الأعلى بعد أن بلغ البلاغ المبين وأدى للناس كل ما يحتاجون إليه، ولم يتركهم محتاجين إلى شيء، فلا تحتاج هذه الشريعة إلى تكميل، ولا إلى إضافات، ولا إلى بدع ومحدثات.
وفي هذا الحديث دليل على أنه يقال للمخلوق: سيد، ويكون ذلك لمن يستحق السيادة، ولا تقال لكل أحد، بل قد جاء النهي عن إطلاقها على من لا يستحقها كالمنافقين، فلا يقال للمنافق: سيد، ولا يقال للكافر: سيد، ولا يقال لمن لم يستحق السيادة إنه سيد، وقد جاء في السنة أيضاً إطلاق السيادة على بعض الصحابة، فقد قال النبي ﷺ في حق سعد بن معاذ: (قوموا إلى سيدكم)، فإطلاق ذلك على المخلوق سائغ، وقد جاء ما يدل على أن السيد هو الله ، وهو من أسمائه ، ويجمع بين هذا وهذا: بأن السؤدد الكامل الذي لا يماثله شيء هو المضاف إلى الله ، وأما المخلوق فيضاف إليه السؤدد الذي يناسبه، ولكن لا يغالى ولا يتجاوز الحد في ذلك.
стр. 15894
اختصاص النبي بأنه أول من ينشق عنه القبر، وأول شافع ومشفع
قوله: [(وأول من ينشق عنه القبر)] أي: أول من يبعث، وهذه من خصائصه ﵊.
ثم قال: (وأول شافع، وأول مشفع)، فهو أول من يتقدم للشفاعة، وهو أول من تجاب وتحقق شفاعته، وقد جمع بينهما في الحديث لبيان أن الأولية حاصلة له في الحالتين، وذلك أنه قد يحصل التقدم للشفاعة بأن يتقدم شخص ويتقدم شخص، ثم قد يشفع الثاني قبل الأول، لكن جاء في هذا الحديث ما يدل على أن النبي ﷺ اجتمعت فيه الأوليتان: الأولية المتعلقة بالتقدم للشفاعة، والأولية المتعلقة بقبول الشفاعة وتحقيقها وحصولها، فهذه من خصائصه ﵊ وميزاته، وقوله في هذا الحديث: (أول من ينشق عنه القبر) يدلنا على أن المقبورين باقون في قبورهم، وبالنسبة للرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام فهم باقون في قبورهم على هيئتهم التي وضعوا فيها، فلا تأكلهم الأرض، ولا تغير الأرض شيئاً منهم؛ لأن الله تعالى حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء، وهم يخرجون منها عند البعث، ولا يخرجون قبل البعث، فلا يقال: إن جسد الرسول ﷺ أو غيره يخرج من قبره ويبقى القبر ليس فيه جسد، بل إن كل ميت باق في قبره، فإن كان نبياً فإنه باق على هيئته، وإن كان غير نبي فمن الناس من يبقى على هيئته، ومنهم من تأكله الأرض، كما قال الله : ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ﴾ [ق:٤] أي: فنحن سنعيده من التراب عند البعث، والأجساد التي أكلتها الأرض هي التي ترجع ذراتها حتى يتكون منها الإنسان الذي قبر، ولا يبعث جسد جديد غير الجسد الذي دفن، بل إن الجسد الذي دفن هو الذي يبعث، وإذا كانت الأرض قد أكلته فإن الله تعالى يعلم ما أخذته الأرض فيعيده، فترجع كل ذرة من ذرات جسده إلى مكانها، ثم يبعث الله ذلك الجسد الذي كان في الدنيا ثم قبر، ولا يبعث جسداً آخر، ولا يخرج أحد من قبره قبل البعث، وأما بعض الدجالين من غلاة الصوفية فإنهم يقولون: إن الرسول ﷺ يخرج من قبره، ويصافح بعضهم يقظة لا مناماً، فهذا من الدجل، وهو مخالف لما جاء في الكتاب والسنة، فهو يخالف ما جاء في هذا الحديث: (وأول من ينشق عنه القبر)، فالنبي ﷺ هو أول من يخرج من القبر، وقولهم مخالف للقرآن في قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:١٦]، فالناس لا يبعثون ولا يخرجون من قبورهم قبل يوم القيامة، وإنما يكون ذلك إذا جاء البعث والنشور، ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:١٦]، وهؤلاء الضلال من الصوفية يقولون: إن الرسول ﷺ طلع من قبره، ومد يده لبعض ممن يزعمون أن فيه الولاية! وهذا من الدجل كما ذكرنا.
وكون الرسول ﷺ حي في قبره حياة برزخية لا يعني ذلك: أنه يخاطب ويطلب منه شيء، وإنما يسلم عليه، ويدعى له فقط، فيدعى له ولا يدعى هو، والله تعالى هو الذي يدعى، والخلق كلهم يدعى لهم ولا يدعون، فلا يطلب شيء من رسول الله ﷺ ، ولا يقول إنسان: يا رسول الله! الشفاعة، يا رسول الله! أريد كذا، يا رسول الله! حقق لي كذا، بل تطلب الشفاعة من الله، فيقال: اللهم! شفع فيَّ نبيك، اللهم! اجعلني من الفائزين بشفاعته، اللهم! اجعلني ممن أكرمته بشفاعة نبيك محمد ﵊، فيطلبها من الله ولا يطلبها من غيره، فالدعاء عبادة، والعبادة إنما تكون لله ، فلا يطلب من النبي ﷺ شيء وهو في قبره، ومما يدل على أن النبي ﷺ لا يطلب منه شيء وهو في قبره أن الصحابة ﵃ وأرضاهم كانوا في زمنه ﵊ إذا حصل جدب أو قحط فإنهم يأتون إليه ويطلبون منه الدعاء، فيدعو لهم ويغيثهم الله ، ولما توفي رسول الله ﷺ لم يذهبوا إلى قبره ويطلبوا منه الدعاء أن الله يغيثهم، وإنما طلبوا من بعضهم أن يدعو، كما حصل من عمر ﵁، فقد حصل في زمنه جدب وقحط فخرج بالناس للاستسقاء، وطلب من العباس عم النبي ﷺ أن يقوم ويدعو، وقال: اللهم! إنا كنا إذا أجدبنا توسلنا إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، قم يا عباس! فادع الله، واختار العباس مع أن غير العباس أفضل منه لأنه عم النبي ﷺ ، وهو أقرب الناس إليه، ولو كان النبي ﷺ يورث عنه المال لورثه العباس؛ لأنه أقرب القرابات إليه، وقد قال ﵊: (ألحقوا الفرائض بأهلها، فما أبقت الفرائض فلأولى رجل ذكر)، فاختاره ﵁ لأنه عم النبي ﷺ ، وعمر أفضل منه، وبعض الصحابة أفضل منه كـ عثمان وعلي، وهؤلاء موجودون في زمن عمر ﵁، ومع ذلك لم يطلب منهم ذلك، وإنما طلبه من عمه؛ لأنه أقرب الناس إليه، وليس المقصود هو التوسل بشخص العباس، وإنما المقصود قرابة العباس من الرسول ﷺ ، ولهذا قال: إنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، فلو كان طلب الدعاء من النبي ﷺ وهو في قبره سائغاً لما عدل عمر ﵁ إلى طلب الدعاء من العباس، ولقال: يا رسول الله! ادع الله أن يغيثنا، فلما عدل عمر بن الخطاب ﵁ والصحابة معه إلى طلب الدعاء والسؤال من الله عن طريق حي موجود معهم، ولم يتقدموا بذلك إلى النبي ﷺ دل هذا على أنه لا يجوز الطلب من النبي ﷺ وهو في قبره شيء، وغيره من باب أولى.
ومما يدل على ذلك أيضاً أن البخاري ﵀ عقد في (كتاب المرضى) من صحيحه باب: قول المريض: وا رأساه! وذكر حديث عائشة لما قالت: (وا رأساه! فقال رسول الله ﷺ : لو كان ذاك وأنا حي دعوت لك، واستغفرت لك) أي: لو مت قبلي دعوت لك واستغفرت لك، فهذا يدل على أن الدعاء إنما هو في الحياة، وأنه لا يطلب منه شيء بعد وفاته صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، ولو كان الأمر سواء ولا فرق بين قبل الموت وبعده لما قال لها ذلك؛ لأن الأمر سيان، فلما قال لها ذلك دل على أن هذا إنما يطلب منه في حياته ﷺ ، ولا يطلب منه شيء وهو في قبره، وأما ما ابتلي به بعض الناس من الجهل المطبق الذي حملهم على أن يأتوا إلى قبر النبي ﷺ ويخاطبونه ويقولون: يا رسول الله! أريد كذا، يا رسول الله! حقق لي كذا، يا رسول الله! مدد، فكل هذا من الشرك بالله ؛ لأنه هو طلب من النبي ﷺ شيئاً لا يطلب إلا من الله .
ويستدل البعض بقوله ﷺ : (أنا سيد ولد آدم) على ملازمة قوله: سيدنا كلما ذكر النبي ﷺ ، والصحابة ﵃ لم يفعلوا ذلك وهم أشد الناس محبة للرسول ﷺ من غيرهم، وهم أسبق الناس إلى كل خير، وأحرص الناس على كل خير، والدليل على هذا: هذه الأحاديث التي نقرؤها، فالكتب الستة وغيرها كلها تنتهي إلى الصحابي، والصحابي يقول: قال رسول الله ﷺ كذا، ولو كانوا يقولون: سيدنا لنقل ذلك عنهم، فقد عرفنا أن أبا داود وغيره من المصنفين في الحديث يميزون بين كلمة (النبي) وكلمة (الرسول) فيما إذا قال أحد الرواة: قال رسول الله ﷺ ، وقال الآخر: قال النبي ﷺ ، فإنهم يميزون بين هذا وهذا، فيقولون: فلان قال: النبي، وفلان قال: رسول الله، مع أن النتيجة واحدة، فالنبي هو الرسول والرسول هو النبي، والمقصود بذلك شخص واحد، لكن كل هذا للحفاظ على اللفظ، فلو كانت كلمة (سيدنا) موجودة لحافظوا عليها وأبقوها، ولم يتركوها، فدل هذا على أن الالتزام بذلك ليس من طريقة الصحابة ولا السلف الصالح، نعم هو سيدنا ﷺ ، لكن كونه لا يأتي ذكره إلا ويؤتى بهذا فلم يكن الصحابة على هذا.
стр. 15895
التفضيل بين الملائكة وصالحي البشر
نقل صاحب (العون) عن النووي ﵀ أنه قال: في الحديث دليل على تفضيله ﷺ على الخلق كلهم، ومذهب أهل السنة أن الآدميين أفضل من الملائكة، وهو ﷺ أفضل من الآدميين وغيرهم.
وقد ذكرت فيما مضى أن مسألة التفضيل بين صالحي البشر والملائكة مسألة خلافية، وذكرت أن شارح الطحاوية ذكر هذه المسألة، وذكر أدلة الفريقين، وجواب كل فريق على الآخر، وانتهى إلى الوقف وعدم الجزم، والمشهور عند أهل السنة أن صالحي البشر مفضلون على الملائكة، والمسألة خلافية بين أهل السنة، فمنهم من يقول بخلاف هذا القول.
وقد ذكر بعض الإخوان أن ابن القيم ﵀ نقل عن شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أنه سئل عن صالحي بني آدم والملائكة أيهما أفضل؟ فأجاب: إن صالحي البشر أفضل باعتبار كمال النهاية، والملائكة أفضل باعتبار البداية، فإن الملائكة الآن في الرفيق الأعلى منزهون عما يلابسه بنو آدم، مستغرقون في عبادة الرب، ولا ريب أن هذه الأحوال الآن أكمل من أحوال البشر، وأما في يوم القيامة بعد دخول الجنة فيصير حال صالحي البشر أكمل من حال الملائكة.
ثم قال: وبهذا التفصيل يتبين سر التفضيل، وتتفق أدلة الفريقين، ويصالح كل منهم على حقه.
انتهى.
على كل؛ لا شك أن هذا الكلام الذي قاله شيخ الإسلام واقع من ناحية أن الملائكة الآن معصومون ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦]، وأنهم ليس لهم عمل غير العبادة، ولا يحصل منهم الخطأ والعصيان، وأما بالنسبة للآخرة فلا شك أن البشر مكرمون، لكن كونهم أفضل من الملائكة في الدار الآخرة الله تعالى أعلم.
ونقل بعض الإخوان أن شيخ الإسلام ﵀ ذكر في مجموع الفتاوى: أن همته لم تنبعث لتحقيق القول في هذه المسألة حتى وجدها أثرية سلفية صحابية.
следующие страницы →