Полный текст (18 341 стр.). Показаны 15961–16000 · переход к 15966.
стр. 15961
حكم من ينتقد سلف الأمة بالتقصير في كتابة التاريخ
السؤال
هناك رجل عندنا ينتقد سلف الأمة بالإهمال والتقصير الكبير في تدوين التاريخ الإسلامي، فيقول: وهذا بعكس أهل الغرب الذين دونوا تاريخهم، ويطعن أيضاً في أهل السنة حيث إنهم يروون عن الضعفاء والروافض، فلم يصححوا تلك المرويات التاريخية، فأصبح للمسلمين تاريخ غير ثابت، فما نصيحتكم لنا تجاه هذا الرجل، وهو أستاذ لنا في الجامعة؟
الجواب
هذا الكلام كلام باطل وغير صحيح، ومعلوم أن العلم قد دُوِّن، والتاريخ منه ما دون بالأسانيد، ومنه ما جاء بغير أسانيد، ولكن الثبوت لا يعتبر إلا بصحة الأسانيد، والشيء الذي لم تصح به الأسانيد فلا يعتبر ثابتاً، ولكن يمكن أن يذكر على سبيل الحكاية وما إلى ذلك، وأما رواية سلف هذه الأمة عن بعض أهل البدع فإنما هي في شيء لا يؤثر، ولا يتعلق ببدعهم، أو أن غيرهم تابعهم على ذلك ولم تقبل روايتهم على سبيل الاستقلال، وأما الشيء الذي يتعلق بالبدع فإنهم يجتنبونه، وقد تكلم العلماء وبينوا أحوال هؤلاء الذين تكلم فيهم من هذه الناحية، وبينوا الاعتذار عمن روى عنهم كما ذكر آنفاً.
والحاصل أن الواجب على كل مسلم أن يحفظ لسانه عن أن يتكلم في علماء أهل السنة والجماعة بما لا ينبغي، بل عليه أن يحسن الظن بهم، وأن يعرف أنهم قد بذلوا جهوداً عظيمة مضنية حفظ الله تعالى بها ما جاء عنه سبحانه وعن رسوله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، ورضي الله تعالى عن الصحابة ومن تبعهم بإحسان، والكلام في علماء أهل السنة ضرره كبير على المتكلم به، كما قال الطحاوي في عقيدة أهل السنة والجماعة: وعلماء السلف من السابقين ومن بعدهم من التابعين أهل الخبر والأثر، وأهل الفقه والنظر، لا يذكرون إلا بالجميل، ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل.
ثم هذا الذي يتكلم بمثل هذا الكلام ماذا قدم للإسلام، أو ماذا سيقدم للإسلام؟! كل ما قدم أنه جنى على نفسه بأن تكلم وقدح في علماء أهل السنة والجماعة بمثل هذا القدح، وغالباً أن مثل هؤلاء الذين يتكلمون في مثل هذا الشيء يعود عليهم مضرته، ولا يأتون بشيء تعود عليهم منفعته.
стр. 15962
حكم الخروج مع جماعة التبليغ للدعوة مع ما يرافق ذلك من تضييع الأهل والأولاد
السؤال
أود الاستفسار عما تطلبه جماعة التبليغ من النساء، وهو خروج المرأة لمدة ثلاثة أيام من منزلها مع مجموعة من النساء في بلد من البلدان داخل مصر، وأما أزواجهن فيكونون في مسجد قريب، ويقضون ثلاثة أيام في سماع ما يسمى بالبيان، وأنا زوجة لرجل من هذه الجماعة، وهو رجل فاضل، وعندي منه ثلاثة أولاد، لكن ولدي الأكبر -وهو في سن المراهقة- بدأ يسير في طريق البعد عن الله، ويفعل أشياء كثيرة مخالفة للهدى والشرع، وزوجي يلح علي أن أُخرج معي ابني في هذا الخروج؛ حتى يصلح الولد، لأنه مقتنع تماماً بهذا العمل، ويتهمني بأني أنا المسئولة عن ضياع ابني؛ لأني لا أسير معه بهذا الطريق، وأني سأضيع أولادي الآخرين بهذا السلوك، فهل طاعتي له في هذا الأمر واجبة؟ وإذا لم أطعه هل أدخل تحت من تُغضب زوجها فتلعنها الملائكة، علماً بأني دائماً أرد عليه بأن صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في المسجد؟
الجواب
النساء مأمورات بالقرار في البيوت، والاستقامة على طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ ، وأما هذا الخروج الذي انتهجته هذه الجماعة فهم غالباً مفتقرون إلى العلم، ومفتقرون إلى معرفة التوحيد، فهم لا يعنون بالتوحيد، ولا يعنون بالاشتغال بالعلم، ولهذا يأتون إلى العامي الذي لا يعرف شيئاً ويطلبون منه الخروج إلى الدعوة إلى الله ، وهو نفسه بحاجة إلى دعوة! والذي ينبغي عليهم وعلى غيرهم أن يتفقهوا في دين الله ، وأن يتعلموا العلم النافع، وأن يدعوا إلى الله على بصيرة.
وهذه المرأة عليها أن تناصح زوجها بأن يبقى معها وألا يخرج معهم، فيبقى هو وإياها يتعاونان على تربية الأولاد، وأما أن يخرج هو ويضيع أهله، أو يطلب من أهله أن تخرج أيضاً معه فإن هذا الخروج ليس بصحيح، وتفقه الإنسان في دين الله ، ومحافظته على أهله وعلى أولاده أفضل من أن يخرج وهو جاهل، ولا يحصل من وراء هذا الذهاب إلا أن يضيع أهله وأولاده.
فالحاصل أن على هذه المرأة أن تنصح زوجها بأن يترك الخروج معهم، وأن يبقى معها، وأن يحرصوا على التفقه في دين الله ، وعلى تربية الأولاد تربية طيبة.
стр. 15963
شرح سنن أبي داود [٥٢٦]
الإيمان بالقدر ركن من أركان الإيمان، فلا يصح إيمان العبد إلا بإيمانه بالقدر، ومنهج أهل السنة والجماعة في القدر وسط بين طائفتين منحرفتين عن الصواب ومجانبتين لطريق الحق، وهاتين الطائفتين هما: الجبرية المثبتة للقدر الزاعمة أن العبد مسير وليس بمخير، والقدرية النفاة الزاعمون أن العبد يخلق أفعاله.
стр. 15964
ما جاء في القدر
стр. 15965
الإيمان بالقدر من أركان الإيمان
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في القدر].
أورد أبو داود باباً في القدر، والقدر -كما جاء في حديث جبريل المشهور- من أصول الإيمان الستة، فقد سأل جبريل رسول الله ﷺ عن الإيمان فقال: (أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره)، وكان جبريل قد جاء إلى النبي ﷺ يسأله عن بعض أمور الدين والصحابة يسمعون، وكان المقصود من ذلك أن يسمع الصحابة الجواب فيعلمون بذلك دينهم، ولهذا قال في آخر الحديث: (هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم)، وقد جاء على صورة رجل غير معروف، والحديث سيأتي، وفيه أنه قال: (وتؤمن بالقدر خيره وشره).
وهذا من أصول الإيمان، والقدر هو سر من أسرار الله في خلقه، لا يعلمه إلا هو ، ولهذا لا يُتعمق في الأسئلة عنه؛ لأن التعمق فيه -كما قال بعض السلف- ذريعة الخذلان.
فعلى العبد أن يؤمن بما جاءت به النصوص، وأن يعلم أن الله حكيم في قدره، وحكيم في شرعه، وأنه تعالى يقدر الأمور لحكمة، كما أنه يشرع ما يشرع لحكمة، والإنسان في باب القدر يأخذ بما هو سائغ، فيأخذ بالأسباب التي تؤدي إلى السعادة في الدنيا والآخرة، ويستعين بالله على تحصيل ما يريد من الخير، ولا يعول على الأسباب ويغفل عن مسبب الأسباب، كما أنه لا يهمل الأسباب ويزعم أنه متوكل على الله، وأن الله إذا قدّر شيئاً فإنه سيأتي إليه وإن لم يفعل السبب، فكل هذا لا يسوغ، وإنما عليه أن يأخذ بالسبب، ويسأل الله أن ينفع به، كما جاء في حديث أبي هريرة في صحيح مسلم: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله)، فأمر بهذين الشيئين، وهما: فعْل الأسباب، وأن يستعين بمسبِّب الأسباب وهو الله ، فلا يأخذ بالأسباب ويغفل عن الله ، ويزعم أن هذه أمور مادية، فإذا وجد كذا وجد بسببه كذا هذا لا يصح؛ بل الأمر بيد الله ، فإذا شاء ألا يوجد المسبَّب لم يوجد، سواء وُجد السبب أو لم يوجد، فالإنسان يزرع ليحصل الزرع والفائدة، وقد يزرع ولا يحصل المقصود؛ لأنه قد تصيبه آفة، وقد يتزوج الإنسان لتحصيل الولد، ثم بعد ذلك قد لا يأتيه ولد مع أنه قد فعل السبب.
إذاً: لابد مع فعل السبب من التوكل والاعتماد على الله ، وسؤاله أن ينفع بالسبب.
وكذلك لا يهمل الإنسان السبب ويقعد في بيته ويقول: لا أبحث عن الرزق؛ لأنه لو كان الله قد كتب لي شيئاً فسيأتيني إلى بيتي ولو لم أخرج، فهذا أيضاً أمر لا يسوغ، بل على الإنسان أن يفعل السبب لكن لا يعتمد عليه، فليس السبب هو كل شيء، لذلك فإن التوكل الحقيقي هو الذي يكون فيه الأخذ بالأسباب، وأما التوكل بدون أخذ الأسباب فهو تواكل وليس بتوكل، وهذا مثل فعل الجماعة الذين كانوا يحجون ولا يأخذون زاداً ويقولون نحن المتوكلون، وإذا سافروا سألوا الناس، أو تحرّوا من الناس أن يحسنوا إليهم، وقد تركوا أموالهم في بلدانهم، فتصير حقيقتهم أنهم متأكلون، وليسوا بالمتوكلين، وقد قال الرسول ﷺ : (لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصاً، وتروح بطاناً).
أي: أنها لم تجلس في أوكارها وتنتظر إلى أن يأتيها رزقها إليها، وإنما تراها إذا أصبحت خرجت من أوكارها خامصة البطون، (خماصاً).
أي: فارغة البطون، (وتروح بطاناً) أي: وترجع ممتلئة البطون، فهي قد أخذت بالأسباب، فعلى الإنسان أن يجمع بين الأمرين اللذين أرشد إليهما الرسول ﷺ بقوله: (احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز)، ثم إذا فعل الإنسان ما يقدر عليه فلا يقل إذا فاته ما أراد: (لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا، ولكن ليقل: قدر الله وما شاء فعل)، أي: أن هذا الذي وقع هو (قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان).
فلو أن إنساناً دخل في مشروع تجاري فلم يربح فيه فلا يقل: لو أني لم أدخل في هذا المشروع ودخلت في مشروع آخر لكان كذا وكذا، فيقال له: هذا الذي وقع هو الذي قدره الله ، ثم ما يدريك أنك إذا دخلت في المشروع الثاني أنه كان سيصير كذا وكذا؟ فكل ذلك غيب لا يعلمه إلا الله ، فعلى الإنسان أن يأخذ بالأسباب المشروعة ويستعين بالله .
стр. 15966
مراتب الإيمان بالقدر
القدر -كما هو معلوم- لابد فيه من أمور أربعة، وهذه الأمور هي مراتب القدر، فيجب الإيمان بها كلها، أولها: علم الله الأزلي، وهو أن الله علم أزلاً من قبل أن يخلق الخلق بأنه سيكون كذا وكذا وكذا، وكل شيء سيقع فالله تعالى قد علم بأنه سيقع، ولا يقع شيء في الوجود لم يكن الله تعالى قد علمه أزلاً، ولا يتجدد لله علم بشيء لم يكن معلوماً له أزلاً، بل كل ما هو كائن فقد علمه أزلاً، فعلم الله أزلي لا بداية له.
ثم أيضاً على العبد أن يؤمن بأن الله قد كتب مقادير الخلق في اللوح المحفوظ قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة كما جاء ذلك في الصحيح، قال رسول الله ﷺ : (لما خلق الله القلم قال له: اكتب، فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة)، فمعنى ذلك: أن كل شيء سيقع فقد كتب في اللوح المحفوظ، وهذه هي المرتبة الثانية.
والمرتبة الثالثة: أن من صفات الله الإرادة والمشيئة، ومعنى ذلك: أن الله شاء أن يحصل وأن يقع كذا، فيقع طبقاً لما شاء ، والإرادة مثل المشيئة إلا أنها تختلف عنها بأنها قد تأتي لمعنىً شرعي، والمشيئة لا تأتي إلا لمعنىً كوني فقط، ولا تأتي لمعنى شرعي، فإطلاقاتها في الكتاب والسنة كلها تتعلق بالقدر والقضاء والمشيئة الكونية، وأما الإرادة فإنها قد تأتي لمعنى كوني فتكون مثل المشيئة، وقد تأتي لمعنىً شرعي ديني، وبذلك تخالف المشيئة، فهي تتفق معها في الكونية، وتختلف عنها بأنها تأتي لمعنى شرعي، أي: أن بينهما عموماً وخصوصاً مطلقاً، فيجتمعان في المعنى الكوني، وتنفرد الإرادة بأنها تأتي لمعنى شرعي لا تأتي فيه المشيئة.
وهناك ألفاظ أخرى تأتي بمعنى المشيئة، أي: تأتي لمعنى كوني ولمعنى شرعي وهي: الحكم والإذن والكتاب والكلمات والتحريم وغير ذلك، وقد عقد ابن القيم ﵀ في كتابه (شفاء العليل) الذي يتعلق بالقدر فصلاً ذكر فيه ثلاثين باباً كلها تتعلق بمسائل القدر، وذكر من جملتها باباً يتعلق بالكلمات التي تأتي لمعنى كوني، أو لمعنى شرعي، مع التمثيل لها.
والفرق بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية أن الإرادة الكونية لابد من وقوعها، وأما الإرادة الشرعية فقد تقع وقد لا تقع، وهي تكون فيما يحبه الله، وما لا يحبه الله، وذلك قد يحصل وقد لا يحصل، فهذا الذي شرعه وأمر الناس به -وهو محبوب له- منهم من امتثله، ومنهم من لم يمتثله.
وأما الإرادة الكونية فلابد من وقوعها، فالشيء الذي قدره الله وقضاه لابد أن يقع، فمن الناس من يستجيب لشرع الله فتجتمع فيه الإرادتان الكونية والشرعية، ومنهم من لا يستجيب، فتتحقق فيه الإرادة الكونية فقط، وهي أنه شقي لم يمتثل ما يحبه الله ، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.
والناس يعرفون ما قدره الله وقضاه بأمرين: الأمر الأول: الوقوع، فكل ما وقع فإن الله قد شاءه؛ لأنه لو لم يشأه لم يقع، (ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك)، فالشيء المقدر لابد أن يوجد ولا يتخلف.
والمرتبة الرابعة: هي الخلق والإيجاد، أي: إيجاد الله وخلقه للشيء الذي علمه أزلاً، وكتبه في اللوح المحفوظ، وشاءه وأراده، فيقع كما علمه وكتبه وشاءه، فهذه المراتب الأربع لابد منها في القدر.
стр. 15967
لا تنافي بين كون أفعال العباد من كسبهم وهي من خلق الله
إن الله تعالى هو خالق كل شيء، فليس هناك أحد يخلق مع الله، ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [فاطر:٣] فالكل خلقه وإيجاده، ولكن لا يقال: إن العباد ليس لهم مشيئة ولا إرادة، بل لهم مشيئة وإرادة، ولهذا كلفوا وأمروا ونُهوا، وبيِّن لهم أن هذا الطريق يوصل إلى الجنة، وأن هذا الطريق يوصل إلى النار، وأن هذه الأعمال توصل إلى الجنة، وهذه الأعمال توصل إلى النار، وعندهم عقول يدركون ويفهمون بها، فمن عمل بعمل السعادة انتهى إلى السعادة، ومن عمل بعمل الشقاوة انتهى إلى الشقاوة، وقد جاء ذلك في حديث علي وسيأتي عند المصنف -لما قالوا: (يا رسول الله ألا نتكل على كتابنا- وندع العمل، قال: لا، اعملوا فكل ميسر، فأما أهل السعادة فييسرون إلى عمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة).
لكن لا يجوز أن تسلب الإرادة والمشيئة من العبد كما هو قول الجبرية، ولا يجوز أن يقال: إن الله تعالى لم يقدر أعمال العباد ولم يخلقها، وإنهم هم الذين يخلقونها ويوجدونها كما هو قول القدرية النفاة (المعتزلة)، ولا يدخلون أفعال العباد في معنى الآيات العامة التي تدل على عموم خلقه، بل يدخلون تحتها ما لا يجوز أن يدخل، فيقولون: إن القرآن مخلوق، ويقولون: إذا كان الله خالق كل شيء فسيكون القرآن مخلوقاً، وأما أفعال العباد التي لا يجوز أن تخرج من خلق الله فإنهم يخرجونها، فأدخلوا ما لا يصلح دخوله، وأخرجوا ما لا يصلح خروجه، ولاشك أن كلتا الطائفتين منحرفتان عن الحق والهدى، ومجانبتان للصواب، والحق وسط بينهما.
فأهل السنة والجماعة وسط في باب القدر بين الجبرية المثبتة الغلاة في الإثبات، وبين القدرية النفاة، لأن السنة يقولون: إن أفعال العباد خلق الله ، وهي كسب للعباد، فقد حصلت بمشيئتهم وإرادتهم التابعة لمشيئة الله وإرادته، فالعباد ليسوا مستقلين بحيث إنهم يحصل منهم شيء في الوجود لم يقدره الله تعالى، ولا يقال: إنهم لا إرادة لهم ولا مشيئة، وإنهم مسيرون، وإنهم مثل الأشجار التي تحركها الرياح، ومثل حركة المرتعش، ولا يقال: إنهم مجبورون على أعمالهم، وكيف يكلفون وهم مجبورون؟! وكيف يقال لهم: افعلوا كذا وكذا وليس لديهم مشيئة ولا إرادة؟ بل لهم مشيئة وإرادة، لكن لا يقال: إن مشيئتهم وإرادتهم مستقلة، وإنهم قد يفعلون شيئاً لم يقدره الله تعالى، بل مشيئتهم تابعة لمشيئة الله: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير:٢٩]، ولهذا قال النبي ﷺ : (اعملوا فكل ميسر، فأما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة)، فهؤلاء عملوا بمشيئتهم وإرادتهم، وهؤلاء عملوا بمشيئتهم وإرادتهم، وكل ذلك يكون مطابقاً لما شاءه الله وقدره وقضاه، فأعمال العباد هي كسب للعباد وخلْق الله ، فتتعلق بمشيئتهم وإرادتهم، ويحمدون على حسنها، ويذمون على سيئها، وما حصل منهم من الحسن والسيئ فإنه داخل تحت خلق الله ومشيئته.
وأما ما جاء في الحديث: (والشر ليس إليك)، فليس معناه أنه ليس إلى الله خلقاً وإيجاداً، وإنما المقصود من ذلك -كما قال بعض أهل العلم- أن الله لا يخلق شراً محضاً لا خير فيه بوجه من الوجوه، بل إنه خلق الشر لحكمة، ويترتب عليه مصلحة وفائدة، فلا يقال: إنه تعالى يخلق شراً لا فائدة من ورائه ولا حكمة، ولا يترتب عليه مصلحة، بل كل ما يخلقه لحكمة، فالشر هو خلق الله، والخير هو خلق الله، وكل شيء بخلقه وإيجاده، وبقضائه وقدره، ولهذا فإن عقيدة المسلمين تدور وتنبني على كلمتين وهما: ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، فما أصابك لم يكن ليخطئك، وهذا هو الذي شاءه الله أن يكون، فلا يمكن أن يتخلف، وما أخطأك لم يكن ليصيبك؛ وهذا هو الذي قدر الله أنه لا يكون، فلا يمكن أن يحصل لك.
ولهذا جاء في حديث ابن عباس (واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعت على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك)، فلا يحصل في الوجود حركة إلا بقضاء الله وقدره كما قال ﵊: (كل شيء بقدر حتى العجز والكيس)، فحتى نشاط النشيط، وحركة المتحرك، وخمول الخامل كل ذلك مقدر.
وبهذا الجواب يتبين لنا أن العبد لا يكون مسيَّراً فقط أو مخيَّراً فقط، وإنما هو مسيَّر باعتبار ومخير باعتبار، فهو مخير وليس بمجبور، بمعنى أنه له مشيئة وإرادة، وقيل له: هذا يوصلك إلى الجنة، وهذا يوصلك إلى النار، فالإنسان يختار طريق السعادة أو طريق الشقاوة، ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد:١٠]، ومسيَّر باعتبار أنه لا يحصل منه شيء خارج عن مشيئة الله وإرادته، بل ما شاءه الله فلابد أن يوجد، لكن لا يقال: إن ما شاءه الله لابد أن يوجد، وليس للإنسان مشيئة ولا إرادة.
فالإنسان الذي ترتعش يده لا يكون هذا من فعله ولا من كسبه، ولا يقال له: كفّ يدك عن التحرك؛ لأنه لا يقدر على هذا، لكن إذا كان الإنسان يؤذي الناس فإنه يقال له: كف يدك عن الناس، ويؤدب حتى يكف؛ لأنه يستطيع أن يفعل ذلك، وهذا شيء بإرادته ومشيئته، وبهذا يتبيّن الفرق بين الشيء الذي يكون تحت مشيئة الإنسان، والشيء الذي ليس تحت مشيئته، فالجبرية يقولون: إن جميع حركات العباد كحركة المرتعش، أي: أن الإنسان ليس له مشيئة ولا إرادة، وهذا باطل.
وهذه المعاني التي ذكرتها الآن مما يتعلق بالقضاء والقدر، هي وغيرها ذكرتها في كتاب (شرح العقيدة القيروانية).
стр. 15968
شرح حديث (القدرية مجوس هذه الأمة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم قال: حدثني بمنى عن أبيه عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: (القدرية مجوس هذه الأمة، إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم)].
قال الإمام أبو داود السجستاني رحمه الله تعالى: [باب في القدر]، ثم أورد حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﷺ قال: (القدرية مجوس هذه الأمة، إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم)، والقدرية هم نفاة القدر، فيقولون: إن العبد خالق لفعله، وإن الله لم يقدر عليه الشر، وإنما العبد هو الذي فعله، ويقولون: إن الله تعالى منزه عن الفحشاء فلا يريدها، ومعلوم أن الخير والشر كله من الله ، وأن كل ما يقع في الوجود من خير وشر فهو بقضاء الله وقدره، ومشيئته وإرادته، وقد جاء في القرآن الكريم نسبة الهداية والإضلال إليه، وأنه يهدي من يشاء ويضل من يشاء، وأنه لو شاء لهدى الناس أجمعين، ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام:١٤٩]، فكل شيء بقضاء الله وقدره، ولا يقع في ملك الله إلا ما شاءه، فالقدرية هم نفاة القدر.
قوله: [(مجوس هذه الأمة)] أي: أنهم يشابهون المجوس الذين جعلوا للكون خالقَين، وهما: النور والظلمة، وأن الخير يرجع إلى النور، والشر يرجع إلى الظلمة، فهؤلاء جعلوا الخير يرجع إلى الله، والشر يرجع إلى العباد، وأن العباد هم الذين يخلقون أفعالهم، والله يقول: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد:١٦]، فهذه الآية عامة لا يخرج عنها شيء، فكل شيء مخلوق فهو من خلق الله وإيجاده، سواءً كان ذاتاً أو صفات، فالذوات مخلوقة، والصفات -وهي الأعمال- مخلوقة، ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦]، فهو خالق العباد، وخالق أفعال العباد، وهي كسب لهم، فيحمدون على حسنها، ويذمون على سيئها، ويثابون على حسنها، ويعاقبون على سيئها، فتضاف إليهم باعتبار الكسب، وتضاف إلى الله باعتبار الخلق والإيجاد، فلا يقع في ملك الله شيء لم يرده الله ، ويذكر أن أعرابياً سرقت له حمارة، فجاء إلى عمرو بن عبيد يطلب منه أن يدعو الله تعالى أن يردها عليه، فقال: اللهم! إنك لم تُرد أن تُسرق فسُرقت فارددها عليه، فقال الأعرابي: لا حاجة لي بدعائك، لأنه قد يريد ردّها فلا ترد، فهذا الأعرابي على الفطرة لذلك أنكر عليه هذه المقولة.
وهذا الحديث حسنه الألباني وفيه انقطاع، فقد قيل: إن أبا حازم لم يسمع من ابن عمر، لكن قال بعض أهل العلم: إن أبا حازم كان موجوداً مع ابن عمر في المدينة، وكان في زمانه، فيكون قد أدركه ولقيه وعاصره، فإذا روى عنه فإنه يكون مقصوراً على شروط مسلم؛ لأن مسلم - لا يشترط العلم بالسماع، وإنما يكفي المعاصرة مع إمكان السماع، وهذا موجود في أبي حازم مع ابن عمر، فإنه من الممكن أن يروي عنه، ولهذا حسن الحديث الشيخ الألباني.
وفيه بيان ذم هذه الفرقة الضالة وأنهم مضاهئون للمجوس الذين يقولون بتعدد الخالقين، والقرآن والسنة يردان عليهم، وقد ذكرنا بعض الأدلة فيما سبق.
وأما عن تكفيرهم؛ فمن أنكر منهم علم الله تعالى الأزلي فلا شك في كفره، وأما القدرية المعتزلة الذين يثبتون العلم فما أعلم شيئاً يتعلق بتكفيرهم.
стр. 15969
تراجم رجال إسناد حديث (القدرية مجوس هذه الأمة)
قوله: [حدثنا موسى بن إسماعيل].
هو موسى بن إسماعيل التبوذكي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم].
عبد العزيز بن أبي حازم صدوق، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبيه].
أبو حازم سلمة بن دينار ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن عمر].
هو عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما الصحابي الجليل، أحد العبادلة الأربعة من الصحابة، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ .
стр. 15970
شرح حديث (لكل أمة مجوس، ومجوس هذه الأمة الذين يقولون لا قدر)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن كثير أخبرنا سفيان عن عمر بن محمد عن عمر مولى غفرة عن رجل من الأنصار عن حذيفة أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (لكل أمة مجوس، ومجوس هذه الأمة الذين يقولون: لا قدر، من مات منهم فلا تشهدوا جنازته، ومن مرض منهم فلا تعودوهم، وهم شيعة الدجال، وحق على الله أن يلحقهم بـ الدجال)].
وهذا في الجملة مثل الذي قبله إلا أن فيه: (لكل أمة مجوس، ومجوس هذه الأمة -أي: أمة محمد ﷺ الذين يقولون لا قدر وهم شيعة الدجال، وحقّ على الله أن يلحقهم بـ الدجال).
وهذا الحديث في إسناده رجل مجهول، ورجل ضعيف، فالرجل المجهول هو عمر مولى غفرة، والرجل المبهم هو رجل من الأنصار.
قوله: [(من مات منهم فلا تشهدوا جنازته، ومن مرض منهم فلا تعودوهم)].
إذا كان يترتب عليه تأديبهم، ورجوعهم فهو عام في جميع أهل البدع، لكن لا يقال: كل من كان عنده بدعة فإنه يطبق عليه هذا الكلام، وإنما هو في أهل البدع، وأصحاب المذاهب المبتدعة، فمن كان منهم مسلماً وليس بكافر فتترك عيادته تأديباً وزجراً وردعاً لهم ولغيرهم، وهذا أمر مطلوب، وهو هنا نصّ في القدرية.
стр. 15971
تراجم رجال إسناد حديث (لكل أمة مجوس ومجوس هذه الأمة الذين يقولون لا قدر)
قوله: [حدثنا محمد بن كثير].
هو محمد بن كثير العبدي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[أخبرنا سفيان].
هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، وهو ثقة فقيه، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن عمر بن محمد].
عمر بن محمد ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي.
[عن عمر مولى غفرة].
هو عمر بن عبد الله مولى غفرة، وهو ضعيف، أخرج له أبو داود والترمذي.
[عن رجل من الأنصار].
رجل من الأنصار مبهم هنا.
[عن حذيفة].
هو حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنهما الصحابي الجليل، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
стр. 15972
شرح حديث (إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا مسدد أن يزيد بن زريع ويحيى بن سعيد حدثاهم قالا: حدثنا عوف حدثنا قسامة بن زهير حدثنا أبو موسى الأشعري أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض؛ جاء منهم الأحمر والأبيض والأسود وبين ذلك، والسهل والحزْن، والخبيث والطيب).
زاد في حديث يحيى: (وبين ذلك)، والإخبار في حديث يزيد].
أورد أبو داود حديث أبي موسى الأشعري ﵁: (إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، جاء منهم الأحمر والأبيض والأسود): أي: جاءت منهم هذه الألوان والهيئات، (والسهل والحزن والخبيث والطيب) السهل الذي فيه سهولة ولين ورقة ورفق، والحزونة هي الشدة والغلظة، فالسهل والحَزْن متقابلان، والخبيث والطيب متقابلان.
قوله: [زاد في حديث يحيى (وبين ذلك)].
أي: بين السهولة والحزونة، أي: وسط بين ذلك.
قوله: [والإخبار في حديث يزيد].
المقصود بالإخبار هنا التحديث؛ لأن الموجود (حدثنا) وليس فيه (أخبرنا)، فيستعملون (أخبرنا) بمعنى (حدثنا)، وبعض العلماء يفرق بين حدثنا وأخبرنا، فيأتي بـ (حدثنا) إذا سمع الحديث من لفظ الشيخ، ويأتي بـ (أخبرنا) إذا قرئ على الشيخ وهو يسمع، ومن العلماء من يسوي بينهما، وهنا فيه التسوية بينهما؛ لأنه قال: والإخبار، مع أنه قال: حدثنا.
стр. 15973
تراجم رجال إسناد حديث (إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض)
قوله: [حدثنا مسدد].
هو مسدد بن مسرهد، وهو ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي.
[أن يزيد بن زريع].
يزيد بن زريع ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[ويحيى بن سعيد حدثاهم].
هو يحيى بن سعيد القطان، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا عوف].
هو عوف بن أبي جميلة الأعرابي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا قسامة بن زهير].
قسامة بن زهير ثقة، أخرج له أبو داود والترمذي والنسائي عن أبي موسى.
[حدثنا أبو موسى].
هو أبو موسى الأشعري وهو عبد الله بن قيس الأشعري ﵁، صاحب رسول الله ﷺ ، وهو مشهور بكنيته ونسبته، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
стр. 15974
شرح حديث علي (اعملوا فكل ميسر، أما أهل السعادة فييسرون للسعادة)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا مسدد بن مسرهد حدثنا المعتمر سمعت منصور بن المعتمر يحدث عن سعد بن عبيدة عن عبد الله بن حبيب أبي عبد الرحمن السلمي عن علي قال: (كنا في جنازة فيها رسول الله ﵌ ببقيع الغرقد، فجاء رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فجلس ومعه مخصرة، فجعل ينكت بالمخصرة في الأرض، ثم رفع رأسه فقال: ما منكم من أحد، ما من نفس منفوسة إلا قد كتب الله مكانها من النار أو من الجنة، إلا قد كتبت شقية أو سعيدة، قال: فقال رجل من القوم: يا نبي الله! أفلا نمكث على كتابنا وندع العمل فمن كان من أهل السعادة ليكونّن إلى السعادة، ومن كان منا من أهل الشقوة ليكونن إلى الشقوة؟ قال: اعملوا فكل ميسر؛ أما أهل السعادة فييسرون للسعادة، وأما أهل الشقوة فييسرون للشقوة، ثم قال نبي الله ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل:٥ - ١٠])].
أورد أبو داود حديث علي بن أبي طالب ﵁: (أن النبي ﷺ كان في البقيع وكانوا معه، فجلس ومعه مخصرة -وهي عصا صغيرة-، فجعل ينكت بها في الأرض) أي: يخطط بها، وهذا -كما يقولون- عمل المهموم (فقال ﵊: ما من نفس منفوسة).
ما من نفس منفوسة أي: مولودة، والمرأة إذا ولدت يقال لها: نفساء؛ لأنه يسيل منها الدم، ونفست يعني: خرج منها الدم، ويقال للدم: نفس، وهناك كلمة مشهورة عن إبراهيم النخعي قال فيها: ما لا نفس له سائلة لا ينجس الماء إذا مات فيه، أي: ما لا دم له سائل، فالمراد بقوله: (منفوسة) أي: مولودة، (إلا وكتبت شقية أو سعيدة، وكتب مكانها من الجنة أو النار)، وهذا شيء قد سبق به القضاء والقدر، وقد كتب ومضى، (فقال رجل: يا رسول الله! ألا نتكل على كتابنا وندع العمل؟) أي: ما دام أنه قد سبق القضاء والقدر بأن الشقي شقي، وأن السعيد سعيد، وأن الذي في الجنة في الجنة، والذي في النار في النار، فما دام الأمر كذلك ألا ندع العمل، وسيصير الكل إلى مكانه: إما إلى الجنة وإما إلى النار؟ (فقال له النبي ﷺ : اعملوا) أي: إنّ هذه الغايات والنهايات التي قدرها الله من الشقاوة والسعادة قد قدّر الله تعالى أعمالاً تؤدي وتوصل إليها، فالذي يعمل خيراً ويوفق لسلوك طريق الخير ينتهي به الحال إلى الغاية الحميدة المقدرة وهي السعادة، وإذا سلك واختار طريق الشر -وهذا بمشيئته وإرادته وعمله- فإن ذلك سيؤدي به إلى الغاية السيئة وهي الشقاوة، وبهذا تكون الغاية مقدرة، والوسيلة مقدرة، والله تعالى قد قدّر أن هذا سيعمل بعمل أهل الجنة فيكون من أهل الجنة، وأن هذا سيعمل بعمل أهل النار فيكون من أهل النار.
وهذا الذي فعله الإنسان بمشيئته وإرادته لا يخرج عن مشيئة الله وإرادته، بل هو تابع لمشيئة الله، فما قدره وقضاه لابد أن يكون، حيث قدر أن هذا يعمل بعمل أهل السعادة وينتهي إلى السعادة، وأن هذا يعمل بعمل أهل الشقاوة وينتهي إلى الشقاوة، فالوسيلة مقدرة والغاية مقدرة، وكل شيء يقع في الوجود فقد سبق به القضاء والقدر، فبين النبي ﷺ بهذا الجواب أن المطلوب هو التقرب إلى الله بالأعمال الصالحة، والناس مأمورون بما يعود عليهم بالخير، ومنهيون عما يعود عليهم بالشر، وقد بين الله لهم طريق الخير من طريق الشر كما قال: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد:١٠]، فمن وفقه الله فإنه يعمل الأعمال الصالحة التي تفضي به إلى السعادة، ومن خذله الله ولم يوفقه فإنه يعمل الأعمال الخبيثة التي توصله إلى الشقاوة وإلى النار.
وهذا البيان من أوضح البيان في أن المقصود هو العمل، والقدر سر من أسرار الله في خلقه، لا يعلمه إلا الله .
стр. 15975
تراجم رجال إسناد حديث علي (اعملوا فكل ميسر، أما أهل السعادة فييسرون للسعادة)
قوله: [حدثنا مسدد بن مسرهد حدثنا المعتمر].
المعتمر بن سليمان بن طرخان التيمي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[سمعت منصور بن المعتمر].
هو منصور بن المعتمر الكوفي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن سعد بن عبيدة].
سعد بن عبيدة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الله بن حبيب].
عبد الله بن حبيب هو أبو عبد الرحمن السلمي ثقة مقرئ، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن علي ﵁].
علي بن أبي طالب أمير المؤمنين، ورابع الخلفاء الراشدين الهادين المهديين، صاحب المناقب الجمة، والفضائل الكثيرة، رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وحديثه عند أصحاب أهل الكتب الستة.
стр. 15976
ترجمة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب نقلاً عن كتاب (عشرون حديثاً من صحيح البخاري)
وهذا الحديث سبق أن وضعته ضمن الأحاديث التي اخترتها من (صحيح البخاري)، وهو الحديث التاسع عشر، وقد ذكرت بعض النقول فيما يتعلق بشرحه، وفيما يتعلق بالقضاء والقدر، فسنقرأ منه الآن شيئاً من الفوائد التي اشتمل عليها الشرح، وأنا لما اخترت العشرين حديثاً من (صحيح البخاري) حرصت على أن اختار لكل واحد من الخلفاء الراشدين حديثاً من أحاديثه، وأترجم له بترجمة أنقل فيها جملة من الثناء عليه، ومن بيان فضائله ومناقبه.
فـ علي بن أبي طالب هو: (أمير المؤمنين، وابن عم سيد الأولين والآخرين، ورابع الخلفاء الراشدين، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، وأحد الستة الذين جعل عمر بن الخطاب ﵁ الأمر إليهم شورى من بعده، أبو الحسن علي بن أبي طالب ﵁، قال الحافظ في التقريب: علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم الهاشمي، ابن عم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وزوج ابنته، من السابقين الأولين، والمرجح أنه أول من أسلم، وهو أحد العشرة، مات في رمضان سنة أربعين، وهو يومئذ أفضل الأحياء من بني آدم في الأرض بإجماع أهل السنة، وله ثلاث وستون سنة على الأرجح).
أي: أنه بعد وفاة الخلفاء الذين قبله لم يكن هناك أحد أفضل منه، وليس في الصحابة أفضل منه بعد الخلفاء الراشدين الثلاثة، وهذا باتفاق أهل السنة.
قال: ورمز لكون حديثه في الكتب الستة، وقال الخزرجي في الخلاصة: (علي بن أبي طالب عبد مناف بن عبد المطلب بن هاشم).
وعبد مناف هو اسم أبي طالب فقد كان مشهوراً بكنيته، وأبو طالب هو عمّ النبي ﷺ وأعمام الرسول ﷺ الذين أدركهم الإسلام أربعة وهم: حمزة والعباس وأبو طالب وأبو لهب، فـ أبو طالب اسمه عبد مناف، وأبو لهب اسمه عبد العزى، فوفق اثنان ودخلا في الإسلام، وتشرفا بصحبة رسول الله ﷺ ، وخذل اثنان فماتا على الكفر، ولم يدخلا في الإسلام، وقد قال الحافظ ابن حجر: إن من غريب الاتفاق الذي حصل أن هؤلاء الأعمام الأربعة وفق اثنان منهما للإسلام، وأسماؤهم توافق أسماء المسلمين، ولم يوفق اثنان لذلك، وأسماؤهم تماثل أسماء الكفار، فهي معبدة لغير الله .
قال: (علي بن أبي طالب عبد مناف بن عبد المطلب بن هاشم الهاشمي، أبو الحسن، ابن عم النبي ﵌، وختَنُه على ابنته، أمير المؤمنين يكنى أبا تراب، وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم، وهي أول هاشمية ولدت هاشمياً، له خمسمائة حديث وستة وثمانون حديثاً، اتفقا على عشرين، وانفرد البخاري بتسعة، ومسلم بخمسة عشر).
وهذه من فوائد (الخلاصة) للخزرجي، فهو إذا ذكر الصحابة ذكر جملة ما لهم من الأحاديث في الكتب الستة، وعدد الأحاديث التي اتفق عليها البخاري ومسلم، وعدد الأحاديث التي انفرد بها البخاري، وعدد الأحاديث الذي انفرد بها مسلم، ومثل هذا لا يوجد في التقريب.
قال: (شهد بدراً والمشاهد كلها، وروى عنه أولاده: الحسن والحسين ومحمد وفاطمة وعمر، وابن عباس والأحنف وأُمم، قال أبو جعفر: كان شديد الأدمة، ربعة إلى القصر، وهو أول من أسلم من الصبيان جمعاً بين الأقوال، قال له النبي ﵌: (أنت مني بمنزلة هارون من موسى)).
وقد قال له هذا لما خلفه في المدينة في غزوة تبوك، وكان الرسول ﷺ قد استنفر الناس، وأعلن للناس أنه سيغزو الروم، وكان من عادته ﷺ أنه إذا أراد غزوة ورّى بغيرها، فإذا أراد أن يذهب إلى جهة الشمال فإنه يسأل -مثلاً- عن طرق في جهة الجنوب، فالذي يسمع مثل هذه الأسئلة يظن أنه سيذهب إلى جهة الجنوب؛ وفعله هذا إنما هو لإخفاء مسيره على الأعداء الذين يريد أن يغزوهم حتى لا يستعدوا له، وأما في غزوة تبوك فإنه قد أعلن لهم أنه سيغزو الروم، وأمر الناس بالاستعداد لذلك؛ لأن المسافة بعيدة وكان ذلك في الصيف، والصيف حار، والعدو كبير، فأراد أن يستعد الناس، ثم إنه خلّف علياً في المدينة ليكون قائماً بشئون أهل بيته، ومن بقي في المدينة من أهل الأعذار، ولما خرج الرسول ﷺ وأصحابه نظر علي وإذا به وحده مع النساء والصبيان، مع أنه من أهل الشجاعة ﵁، ويريد أن يجاهد في سبيل الله ولا يريد أن يتخلف عن رسول الله ﷺ ، فلحق بالنبي ﷺ وقال: (يا رسول الله! أتخلفني في النساء والصبيان؟ فقال له الرسول ﷺ : أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟) أي: إني خلفتك في المدينة حتى أرجع كما خلف موسى أخاه هارون حتى يرجع، وهذا لا يدل على أنه أولى من غيره بالخلافة، وإنما يدل على أن النبي ﷺ خلف قريباً له, وأما موسى فقد خلف أخاه والفرق بين المشبه والمشبه به أن المشبه به نبي خلف نبياً، وأما المشبه فنبي خلف قريبه؛ لأنه لا نبي بعد رسول الله ﷺ ، ولهذا قال: (ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟ إلا أنه لا نبي بعدي)، فهذا هو الفرق بين المشبه والمشبه به، وهو لا يعني أنه هو الخليفة من بعده؛ لأن موسى إنما خلف أخاه هارون مدة غيبته، ونبينا محمد ﷺ خلف علياً ﵁ مدة غيبته، فلا يدل هذا على أنه أحق بالخلافة من غيره، ولا يدل على أنه أفضل من غيره، وإنما يدل على فضله، ثم إنّ النبي ﷺ لم يقل له ذلك ابتداءً، وإنما قال له ذلك تطييباً لخاطره لما قال: أتخلفني في النساء والصبيان.
قال: (وفضائله كثيرة، وقد استشهد ليلة الجمعة لإحدى عشرة ليلة بقيت أو خلت من رمضان سنة أربعين، وهو حينئذ أفضل من على وجه الأرض.
وذكر الحافظ ابن حجر في (مقدمة الفتح) أن له عند البخاري تسعة وعشرين حديثاً، وقال ابن حجر في (الإصابة) أبو الحسن أول الناس إسلاماً في قول كثير من أهل العلم، ولد قبل البعثة بعشر سنين على الصحيح، فَرُبّي في حجر النبي ﵌ ولم يفارقه، وشهد معه المشاهد إلا غزوة تبوك، فقال له بسبب تأخيره بالمدينة: (ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟)، وزوّجه ابنته فاطمة، وكان اللواء بيده في أكثر المشاهد، ولما آخى النبي ﵌ بين أصحابه قال له: (أنت أخي)، ومناقبه كثيرة، حتى قال الإمام أحمد: لم ينقل لأحد من الصحابة ما نقل لـ علي، وتتبع النسائي ما خُصّ به من دون الصحابة فجمع من ذلك شيئاً كثيراً بأسانيد أكثرها جياد، وقال الذهبي في (تذكرة الحفاظ): أبو الحسن الهاشمي، قاضي الأئمة، وفارس الإسلام، وخَتنُ المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كان ممن سبق إلى الإسلام ولم يتلعثم، وجاهد في الله حق جهاده، ونهض بأعباء العلم والعمل، وشهد له النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالجنة، وقال: (من كنت مولاه فـ علي مولاه)، وقال له: (أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعد)، وقال: (لا يحبك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق)، ومناقب هذا الإمام جمة أفردتها في مجلد وسميته بـ (فتح المطالب في مناقب علي بن أبي طالب) ﵁، وقال الحافظ ابن حجر في (الإصابة): ومن خصائص علي قوله ﵌ يوم خيبر: (لأدفعن الراية غداً إلى رجل يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، يفتح الله على يديه، فلما أصبح رسول الله ﵌ غدوا كلهم يرجو أن يُعطاها، فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: أين علي بن أبي طالب فقالوا: هو يشتكي عينيه، فأُتي به فبصق في عينيه، فدعا له فبرئ، فأعطاه الراية).
أخرجاه في الصحيحين من حديث سهل بن سعد انتهى.
وقد روى هذا الحديث غير سهل أكثر من اثني عشر صحابياً ذكرهم في (تهذيب التهذيب).
стр. 15977
شرح حديث الجنازة نقلاً عن كتاب (عشرون حديثاً من صحيح البخاري)
قال: (قوله: (كان النبي ﵌ في جنازة فأخذ شيئاً فجعل ينكت به الأرض)، جاء في بعض الروايات -كما تقدم في التخريج- أن ذلك كان في بقيع الغرقد، وجاء في بعضها بيان ذلك الشيء الذي ينكت به الأرض وأنه عود، وفي بعضها: مخصرة، وهي العصا، وسميت بذلك؛ لأنها تحمل تحت الخصر غالباً للاتكاء عليها، ومعنى (ينكت): أي يخط في الأرض خطاً يسيراً مرة بعد مرة، وذلك فعل المفكر المهموم.
قوله: (قالوا: يا رسول الله! أفلا نتكل؟)، ورد في بعض النصوص تعيين السائل، ففي بعضها أنه سراقة بن مالك بن جعشم، وفي بعضها: أنه شريح بن عامر الكلابي، وفي بعضها: أنه عمر ﵁، وفي بعضها: أنه أبو بكر ﵁، قال الحافظ ابن حجر بعد ذكرها: والجمع بينها أن تحمل على تعدد السائلين عن ذلك.
قوله: (أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل): قال الحافظ ابن حجر والفاء معقبة لشيء محذوف تقديره: فإذا كان كذلك أفلا نتكل، وحاصل
السؤال
ألا نترك مشقة العمل فإنا سنصير إلى ما قدر علينا؟ وحاصل
الجواب
لا مشقة؛ لأن كلاً ميسر لما خلق، وهو يسير على من يسره الله عليه.
قال الطيبي: الجواب من الأسلوب الحكيم: منعهم عن ترك العمل، وأمرهم بالتزام ما يجب على العبد من العبودية، وزجرهم عن التصرف في الأمور المغيبة، فلا يجعل العبادة وتركها سبباً مستقلاً لدخول الجنة والنار، بل هي علامات فقط.
انتهى.
وهذا الحديث أصل في باب القضاء والقدر، وأنه قد سبق قضاء الله تعالى بكون المكلفين فريقين: فريقاً في الجنة، وفريقاً في السعير.
قال النووي: قال الإمام أبو المظفر السمعاني: سبيل معرفة هذا الباب التوقيف من الكتاب والسنة دون محض القياس ومجرد العقول، فمن عدل عن التوقيف فيه ضل وتاه في بحار الحيرة، ولم يبلغ شفاء النفس، ولا يصل إلى ما يطمئن به القلب؛ لأن القدر سر من أسرار الله تعالى التي ضربت من دونها الأستار، اختص الله به، وحجبه عن عقول الخلق ومعارفهم؛ لما علمه من الحكمة، وواجبنا أن نقف حيث حد لنا ولا نتجاوزه، وقد طوى الله تعالى علم القدر عن العالم، فلم يعلمه نبي مرسل، ولا ملك مقرب.
انتهى.
وقال الطحاوي في عقيدة أهل السنة: وأصل القدر سر الله تعالى في خلقه، لم يطلع على ذلك ملك مقرب، ولا نبي مرسل، والتعمق والنظر في ذلك ذريعة الخذلان، وسُلَّم الحرمان، ودرجة الطغيان، فالحذر كل الحذر من ذلك نظراً وفكراً ووسوسة، فإن الله تعالى طوى علم القدر عن أنامه، ونهاهم عن مرامه كما قال الله تعالى في كتابه: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣]، وقال: فلو اجتمع الخلق كلهم على شيء كتبه الله فيه أنه كائن ليجعلوه غير كائن لم يقدروا عليه، ولو اجتمعوا كلهم على شيء لم يكتبه الله تعالى فيه ليجعلوه كائناً لم يقدروا عليه، جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة، وما أخطأ العبد لم يكن ليصيبه، وما أصابه لم يكن ليخطئه، وقال: فويل لمن صار لله تعالى في القدر خصيماً، وأحضر للنظر فيه قلباً سقيماً، لقد التمس بوهمه في محض الغيب سراً كتيماً، وعاد بما قال فيه أفّاكاً أثيماً.
من فقه الحديث وما يستنبط منه.
أولاً: مشروعية اتباع الجنازة.
ثانياً: أن متبع الجنازة عليه أن يتذكر الآخرة، وأن يظهر عليه أثر ذلك.
ثالثاً: موعظة العالم أصحابه عند القبور.
رابعاً: إثبات القدر، وأنه ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.
خامساً: مراجعة العالم والاستفسار منه عما قد يشكل.
سادساً: أن السعادة والشقاوة بتقدير الله وقضائه.
سابعاً: الرد على الجبرية؛ لأن التيسير ضد الجبر، فالجبر لا يكون إلا عن كره، ولا يأتي الإنسان الشيء بطريق التيسير إلا وهو غير كاره له.
ثامناً: الرد على القدرية؛ لأن أفعال العباد وإن صدرت عنهم فقد سبق علم الله بوقوعها بتقديره .
تاسعاً: أن العمل الطيب أمارة على الخير، والعكس بالعكس.
عاشراً: النهي عن ترك العمل والاتكال على ما سبق به القدر، بل تجب الأعمال والتكاليف التي ورد الشرع بها، وكل ميسر لما خلق له.
حادي عشر: أن السنة تبين القرآن، وتوضحه، وتدل عليه).
стр. 15978
الأسئلة
стр. 15979
معنى الكلمات الشرعية والكونية، والفرق بينهما
السؤال
ما معنى الكلمات الكونية والكلمات الشرعية، وما الفرق بينهما؟
الجواب
الكلمات الكونية هي مثل الإرادة الكونية، والكلمات الشرعية مثل الإرادة الشرعية، فالكلمات الشرعية هي الأوامر والنواهي، والقرآن من كلمات الله الشرعية، فهو أوامر ونواهٍ وأخبار، وأما الكلمات الكونية فهي الكلمات القدرية، وذلك مثل: كلمة الإرادة والمشيئة، ولهذا جاء في قوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام:١١٥] أي: صدقاً في الأخبار، وعدلاً في الأوامر والنواهي، وهي الكلمات الشرعية، فالكلمات الشرعية مشتملة على أخبار وأحكام، فأخبارها صادقة، وأحكامها عادلة.
стр. 15980
أقسام القدرية
السؤال
هل القدرية صنف واحد أو فيهم غلاة وغير غلاة؟
الجواب
القدرية هم أولاً صنفان متقابلان، ثم إن النفاة فيهم غلاة.
стр. 15981
من نفى علم الله تعالى فهو من غلاة القدرية
السؤال
من نفى علم الله ﵎ فهل هو من غلاة القدرية؟
الجواب
قال الشافعي رحمة الله عليه: ناظروا القدرية بالعلم؛ فإن أقروا به خصموا، وإن أنكروه كفروا، ومن نفى ذلك فلا شك أنه من غلاة القدرية.
стр. 15982
الإيمان قول وعمل واعتقاد
السؤال
جاء عن جماعة من السلف في تعريف الإيمان قولهم: الإيمان قول وعمل، ولم يذكروا الاعتقاد بالقلب؟
الجواب
الذين قالوا: الإيمان قول وعمل لا يريدون إخراج الاعتقاد بالقلب عن هذا؛ لأن العمل -كما هو معلوم- عمل بالقلب، وعمل باللسان، وعمل بالجوارح، فالقلوب لها أعمال، كما أن الجوارح لها أعمال.
стр. 15983
يكون الكفر بالتكذيب وغير التكذيب
السؤال
تقول المرجئة: إن الإيمان هو التصديق بالقلب فقط، فهل من يقول: إن الكفر كله تكذيب يكون موافقاً لقول المرجئة؟
الجواب
الكفر يكون بالتكذيب وغير التكذيب، فليس خاصاً بالتكذيب، فسب الله مثلاً كفر، مع أنه ليس بتكذيب.
стр. 15984
ردّ المرجئة للأدلة التي فيها التنصيص على زيادة الإيمان ونقصانه
السؤال
بماذا يجيب المرجئة عن الآيات والأحاديث التي فيها التنصيص على زيادة الإيمان ونقصانه؟
الجواب
المرجئة غلبوا جانب الوعد، وأهملوا جانب الوعيد، فأخذوا بأحاديث الوعد، وأهملوا أحاديث الوعيد، وعكْسهم الخوارج الذين غلبوا جانب الوعيد، وأهملوا جانب الوعد، وأما أهل السنة والجماعة فأعملوا النصوص جميعاً.
стр. 15985
حكم بيع الأرض بالأرض متساوياً ومتفاضلاً
السؤال
هل يجوز بيع الأرض بالأرض؟ وهل يلحق هذا بالأصناف الربوية الستة؟ الجوانب: يجوز بيع الأرض بالأرض متساوياً ومتفاضلاً، وليس لذلك علاقة بالربا.
стр. 15986
حكم الاحتفال باليوم العالمي للمعلم
السؤال
يحتفل الناس باليوم العالمي للمعلم، وفيه توزّع جوائز للمعلمين، فما حكم هذا العمل، وما حكم تخصيص مثل هذا اليوم بذلك؟
الجواب
هذا من الأمور المحدثة.
стр. 15987
الخلع فسخ وليس بطلاق
السؤال
هل يعتبر الخلع طلاقاً بائناً؟
الجواب
هناك خلاف، والأظهر أنه ليس بطلاق، ولهذا لا يحتاج إلى عدة طلاق، وإنما يكتفى فيه استبراء الرحم بحيضة، فالأصح فيه أنه فسخ وليس بطلاق.
стр. 15988
هل الخلع بينونة صغرى أو كبرى ؟
السؤال
هل يعتبر الخلع بينونة صغرى أو كبرى؟
الجواب
هو بينونة، وتملك نفسها بمجرد دفعها للشيء الذي اتفق عليه من العوض ولا يملك هو رجعتها، ولكن إذا أراد أن يرجع إلى ما كان عليه فإنه يحتاج إلى عقد ومهر جديدين، وإلا فإنه ليس له حق الرجعة، فقد بانت منه بحصول الاتفاق على الفسخ، ولكنه لا يعتبر طلاقاً.
стр. 15989
وجه قول السلف في تعريف الإيمان: قول وعمل، ولم يذكروا الاعتقاد
السؤال
بالنسبة لقول السلف في تعريف الإيمان: الإيمان قول وعمل، ألا يقال: إن السلف أدخلوا الاعتقاد في القول؛ لأن القول إذا أطلق يشمل قول القلب واللسان؟
الجواب
يمكن، ولكن من ناحية العمل، فالقلوب لها أعمال، والجوارح لها أعمال.
وأما إطلاق القول على ما يقوم في القلوب فالأصل أن الكلام هو ما يسمع من المتكلم ويفهم، لكن قد يطلق القول أحياناً على ما يقوم في القلب دون أن ينطق به الإنسان إذا قيد، كما قال الله : ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ [المجادلة:٨]، فلما جاءت كلمة: ((في أنفسهم)) عُرف أن هذا يرجع إلى القلب، لكن لو لم تأت لانصرف إلى الكلام المسموع من المتكلم، وكذلك قول الصحابي: (إن النبي ﷺ كان إذا قام يطيل من الركوع حتى أقول في نفسي قد نسي) لكن الأصل أن القول يكون بالكلام، ولهذا جاء في الحديث: (إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم أو تعمل).
ولو طلق الإنسان في قلبه فلا يعتبر مطلقاً، وكذلك لو أعتق في قلبه فلا يعتبر معتقاً حتى يوجد منه اللفظ الذي يحصل به العتق والطلاق.
стр. 15990
حكم الموعظة عند كل قبر
السؤال
عندنا في الأردن بعض الإخوة يعملون موعظة على كل قبر بعد الدفن، فهل في هذا شيء؟
الجواب
لم يأت شيء في هذا بعد الدفن، وإنما جاء قبل الدفن، وأما بعد الدفن فيقفون على القبر ويدعون للميت ثم ينصرفون، لكن إذا حصل تذاكر أو كلام عابر قبل الدفن فلا بأس به كما جاء في الحديث.
стр. 15991
أصل مقولة: إن القدر سر الله في خلقه
السؤال
مقولة: إن القدر سر الله في خلقه، هل هي أثر؟
الجواب
هي من كلام الطحاوي ﵀، ومعناه: أنه شيء خفي اختص الله تعالى به، ولا يعلم حقيقته إلا هو ، وله الحكمة البالغة في ذلك، فهو من الأسرار الخفية التي لا يبحث عنها، ولا يتعمق فيها، وأما الكلام في القدر طبقاً لما جاءت به النصوص فهذا أمر مطلوب، ولكن المحذور هو التعمق فيه، والاعتراض عليه؛ ولهذا قال الله يقول: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام:١٤٩]، فمن حكمته أن جعل الناس فريقين، وهذا لا يعني: أنهم مجبورون بل لديهم عقول وإرادة ومشيئة، ويقدمون بأنفسهم على ما ينفعهم وما يضرهم.
стр. 15992
حكم دعوة أهل البدع إلى حفل الزفاف من أجل دعوتهم
السؤال
هل بإمكاني دعوة بعض أهل البدع إلى حفل زفافي بغية دعوتهم إلى الحق، علماً أنهم يدعون إلى بدعهم في القرية التي أسكن فيها؟
الجواب
إذا كانت الدعوة يترتب عليها مصلحة استمالتهم والتوصل إلى هدايتهم فهذا مقصد حسن، وأمر طيب.
стр. 15993
حكم الطبق الخيري
السؤال
تقيم مدارس الجمعية الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم القسم النسوي ما يسمى بالطبق الخيري، وهو أن تصنع كل طالبة شيئاً من المأكولات، ثم تباع هذه الأشياء في المدرسة لصالح الجمعية، فهل في هذا العمل شيء، خصوصاً وقد أُخبرتُ أنه من عادات النصارى؟
الجواب
أنا ما أعرف أن هذا من عادات النصارى، فمثل هذا الأمر نعتقد أنه لا بأس به؛ لأن فيه فائدة، فكل واحد يتبرع بشيء يأتي به، ثم يباع ذلك بثمن، ويكون ذلك الثمن لصالح الجمعية، فهذا من جنس التبرع، فلو أن كل واحدة تبرعت بنقود بدلاً من الطعام فلا فرق.
стр. 15994
الجمع للمطر
السؤال
يوجد في فرنسا مسجد، وإمامه دائماً ما يجمع بين المغرب والعشاء، حتى لو كان المطر يسيراً، فهل نصلي معه إذا جمع، أو ننوي النافلة؟
الجواب
إذا كان المطر متواصلاً، ويصعب على الناس الذهاب والإياب فإنه يسوغ، وأما أن يجمع لمجرد نزول شيء من المطر، فهذا لا يصلح ولا ينبغي، ولاسيما والوضع الآن في كثير من البلاد يختلف عما كان عليه من قبل من حيث وجود الدحض في الأرض، أو وجود ما يلتصق على الناس في ثيابهم وأرجلهم، فإذا أتوا للصلاة في المسجد أتوا وهم ملوثو الأرجل، أما الآن فالطرق مسفلتة، ولا يحصل شيء مما كان موجوداً من قبل، وأما إذا كان المطر يصب، وكان في ذهابهم ورجوعهم مشقة، فهذا قد جاءت السنة بمشروعيته، لكن ينبغي أن ينبه على أنه ليس كل نزول مطر يكون معه جمع بين الصلوات، فهذا رخصة وليس بسنة.
стр. 15995
هل يخرج النبي عن طور البشرية عند نزول الوحي عليه
السؤال
هل صحيح أن النبي ﷺ إذا أوحي إليه خرج عن طور البشرية، ودليل ذلك: أنه عندما ينزل إليه الوحي يتصبب عرقاً؟
الجواب
لا يخرج عن طور البشرية في هذا، وإنما يتصبب عرقاً لكونه ينزل عليه أمر عظيم، فهو بشر لا يخرج عن بشريته، وقد كان ﷺ إذا نزل عليه الوحي يصيبه أمر عظيم، حتى أن بعض الصحابة يحكي: أن رجله تكاد ترضّ رجل من وقعت عليه ممن حوله من الصحابة من شدة الثقل الذي يحصل له صلوات الله وسلامه وبركاته عليه عند نزول الوحي.
стр. 15996
الاعتماد على ما صح من السيرة
السؤال
إذا تم الاعتماد على الصحيح من السيرة فقط فسنضيع جزءاً كبيراً من السيرة النبوية، فكيف تريدون الاعتماد على ما صح فقط؟
الجواب
ما جاء في السيرة لا يكون ثابتاً إلا إذا صح إسناده، وأما غير ذلك فلا يقال له: إنه ثابت، ولا يؤخذ به حتى يصح إسناده.
стр. 15997
حكم استضافة الداعية عمرو خالد
السؤال
نريد استضافة الداعية المعروف عمرو خالد فما رأيكم؟
الجواب
لا تستضيفوه أبداً.
стр. 15998
حكم فتح باب الجرح والتعديل لكل أحد من الناس
السؤال
هل يصح أن يقال: إن باب الجرح لأهل البدع مفتوح لكل أحد من أهل السنة حتى الفساق؟
الجواب
فساق أهل السنة أنفسهم بحاجة إلى سلامة من الجرح.
стр. 15999
الليل والنهار في الجنة
السؤال
هل في الجنة ليل ونهار؟
الجواب
معلوم أن الليل والنهار إنما يكونان بالشمس والقمر وجريانهما، وقد جعلهما الله تعالى في الدنيا من أجل أن ينام الناس وينتشروا، فيستريحون بالليل، وينتشرون بالنهار لابتغاء الرزق، وتحصيل المعيشة، ولو جعل الله عليهم الليل سرمداً أو النهار سرمداً لحصل لهم من المشقة ما الله به عليم كما ذكره الله تعالى في القرآن، وأما الجنة فليس فيها إلا الضياء والنور، وليس فيها ليل ولا نهار.
стр. 16000
ذكر التفويض في لمعة الاعتقاد
السؤال
قال الإمام ابن قدامة ﵀ في (لمعة الاعتقاد) بعد أن تكلم عن آيات الصفات ووجوب الإيمان بها من غير تأويل ولا تشبيه، قال: وما أشكل من ذلك وجب إثباته لفظاً، وترك التعرض لمعناه، ونرد علمه إلى قائله، ونجعل عهدته على ناقله، فما صحة هذا الكلام؟
الجواب
هذا غلط وليس بصحيح، فتفويض المعنى غير مسلَّم، بل المعنى ثابت على ما يليق بالله ، ومعلوم أن السميع غير البصير، فالبصر يتعلق بالمرئيات، والسمع يتعلق بالمسموعات، فلا يقال: إننا لا نفهم معنى البصر، ولا نفهم معنى السمع، ولا نفهم معنى القدرة، بل المعنى معلوم كما قال ذلك الإمام مالك بن أنس رحمة الله عليه عندما سئل كيف استوى؟ قال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، أي: السؤال عن الكيفية، فالمعنى ثابت، ولكنه ليس كما يليق بالمخلوقين، بل كما يليق بالله ، كما قال الله : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، فأثبت السمع والبصر، ونفى المشابهة، فله سمع لا كالأسماع، وبصر لا كالأبصار.
وأما تفويض الكيف مع فهم المعنى فهو منهج أهل السنة والجماعة، وأما المفوضة الذين يقولون في صفات الله: الله أعلم بمراده بذلك، وإن المعنى لا يفهم، فمذهبهم باطل، وليس هذا منهج السلف ولا طريقتهم، بل طريقة السلف تفويض الكيف دون المعنى، وقد بيّن ذلك الإمام مالك بن أنس رحمة الله عليه حيث قال: الاستواء معلوم، -أي: ليس فيه تفويض- والكيف مجهول-أي: أنه يفوّض، والتفويض ليس منهج السلف، وإنما هو طريقة أهل البدع، ولا يصح أن يقال: إن مذهب السلف من الصحابة ومن سار على منوالهم هو التفويض ومن قال ذلك فقد ارتكب ثلاثة محاذير.
الأول: أنه جاهل بمذهب السلف، والثاني: أنه مجهِّل لهم، أي نسبهم إلى الجهل، وأنهم لا يعلمون معاني ما خوطبوا به، لذلك فإنهم يقولون: الله أعلم بمراده، وهذا غلط، فقد فسروا قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] بأن الاستواء هو العلو والارتفاع، ففسروها بما تقتضيه اللغة.
والثالث: أنه كاذب عليهم؛ لأن مذهبهم ليس هو التفويض، بل هو إثبات المعنى، كما قال الله : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، فالسمع معناه معروف، والبصر معناه معروف، ولا يقال: الله أعلم بمعنى السمع، والله أعلم بمعنى البصر، فالسمع يتعلق بالمسموعات، والبصر يتعلق بالمرئيات والمبصَرات، وسمع الله تعالى محيط بكل شيء، ولا يخفى عليه شيء، وكذلك بصره نافذ في كل شيء، ومحيط بكل شيء.
следующие страницы →