← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 37052

شرح سنن أبي داود للعباد

عبد المحسن العباد

Полный текст (18 341 стр.). Показаны 15996–16035 · переход к 16001.

стр. 15996

الاعتماد على ما صح من السيرة السؤال إذا تم الاعتماد على الصحيح من السيرة فقط فسنضيع جزءاً كبيراً من السيرة النبوية، فكيف تريدون الاعتماد على ما صح فقط؟ الجواب ما جاء في السيرة لا يكون ثابتاً إلا إذا صح إسناده، وأما غير ذلك فلا يقال له: إنه ثابت، ولا يؤخذ به حتى يصح إسناده.

стр. 15997

حكم استضافة الداعية عمرو خالد السؤال نريد استضافة الداعية المعروف عمرو خالد فما رأيكم؟ الجواب لا تستضيفوه أبداً.

стр. 15998

حكم فتح باب الجرح والتعديل لكل أحد من الناس السؤال هل يصح أن يقال: إن باب الجرح لأهل البدع مفتوح لكل أحد من أهل السنة حتى الفساق؟ الجواب فساق أهل السنة أنفسهم بحاجة إلى سلامة من الجرح.

стр. 15999

الليل والنهار في الجنة السؤال هل في الجنة ليل ونهار؟ الجواب معلوم أن الليل والنهار إنما يكونان بالشمس والقمر وجريانهما، وقد جعلهما الله تعالى في الدنيا من أجل أن ينام الناس وينتشروا، فيستريحون بالليل، وينتشرون بالنهار لابتغاء الرزق، وتحصيل المعيشة، ولو جعل الله عليهم الليل سرمداً أو النهار سرمداً لحصل لهم من المشقة ما الله به عليم كما ذكره الله تعالى في القرآن، وأما الجنة فليس فيها إلا الضياء والنور، وليس فيها ليل ولا نهار.

стр. 16000

ذكر التفويض في لمعة الاعتقاد السؤال قال الإمام ابن قدامة ﵀ في (لمعة الاعتقاد) بعد أن تكلم عن آيات الصفات ووجوب الإيمان بها من غير تأويل ولا تشبيه، قال: وما أشكل من ذلك وجب إثباته لفظاً، وترك التعرض لمعناه، ونرد علمه إلى قائله، ونجعل عهدته على ناقله، فما صحة هذا الكلام؟ الجواب هذا غلط وليس بصحيح، فتفويض المعنى غير مسلَّم، بل المعنى ثابت على ما يليق بالله ، ومعلوم أن السميع غير البصير، فالبصر يتعلق بالمرئيات، والسمع يتعلق بالمسموعات، فلا يقال: إننا لا نفهم معنى البصر، ولا نفهم معنى السمع، ولا نفهم معنى القدرة، بل المعنى معلوم كما قال ذلك الإمام مالك بن أنس رحمة الله عليه عندما سئل كيف استوى؟ قال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، أي: السؤال عن الكيفية، فالمعنى ثابت، ولكنه ليس كما يليق بالمخلوقين، بل كما يليق بالله ، كما قال الله : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، فأثبت السمع والبصر، ونفى المشابهة، فله سمع لا كالأسماع، وبصر لا كالأبصار. وأما تفويض الكيف مع فهم المعنى فهو منهج أهل السنة والجماعة، وأما المفوضة الذين يقولون في صفات الله: الله أعلم بمراده بذلك، وإن المعنى لا يفهم، فمذهبهم باطل، وليس هذا منهج السلف ولا طريقتهم، بل طريقة السلف تفويض الكيف دون المعنى، وقد بيّن ذلك الإمام مالك بن أنس رحمة الله عليه حيث قال: الاستواء معلوم، -أي: ليس فيه تفويض- والكيف مجهول-أي: أنه يفوّض، والتفويض ليس منهج السلف، وإنما هو طريقة أهل البدع، ولا يصح أن يقال: إن مذهب السلف من الصحابة ومن سار على منوالهم هو التفويض ومن قال ذلك فقد ارتكب ثلاثة محاذير. الأول: أنه جاهل بمذهب السلف، والثاني: أنه مجهِّل لهم، أي نسبهم إلى الجهل، وأنهم لا يعلمون معاني ما خوطبوا به، لذلك فإنهم يقولون: الله أعلم بمراده، وهذا غلط، فقد فسروا قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] بأن الاستواء هو العلو والارتفاع، ففسروها بما تقتضيه اللغة. والثالث: أنه كاذب عليهم؛ لأن مذهبهم ليس هو التفويض، بل هو إثبات المعنى، كما قال الله : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، فالسمع معناه معروف، والبصر معناه معروف، ولا يقال: الله أعلم بمعنى السمع، والله أعلم بمعنى البصر، فالسمع يتعلق بالمسموعات، والبصر يتعلق بالمرئيات والمبصَرات، وسمع الله تعالى محيط بكل شيء، ولا يخفى عليه شيء، وكذلك بصره نافذ في كل شيء، ومحيط بكل شيء.

стр. 16001

قول الرجل لأخيه: وجدتك صدفة السؤال ما حكم قول الرجل لأخيه: وجدتك صدفة؟ الجواب إذا كان المقصود أن ذلك من غير قصد ولا إرادة فلا بأس به، وهذا هو الذي يسمونه اتفاقاً، أي: حصل اتفاقاً من غير قصد، فالإنسان كان لا يفكر فيه ثم لقيه اتفاقاً، وكل شيء بقضاء وقدره.

стр. 16002

إذا ركع الإمام قبل أن يكمل المأموم قراءة الفاتحة فماذا يفعل ؟ السؤال بعض الأئمة يستعجلون في الصلاة، فيركع أحدهم ولم يفرغ المأموم من قراءة الفاتحة، فهل يقطع المأموم قراءة الفاتحة ويركع أم ماذا يفعل؟ الجواب يكملها بسرعة ويلحق، وإذا كان الخلل من المأموم فإنه يتدارك الخلل، فبعض المأمومين قد يسهو، أو قد يطيل، وهو يعرف حال إمامه من الإسراع في القراءة، فعليه أن يعمل على أن ينهي الفاتحة قبل أن يركع الإمام، وإذا كان الإمام يستعجل فينبه إلى ضرورة ألا يتأخر ولا يستعجل.

стр. 16003

جواز إنابة خطيب الجمعة من يصلي بالناس السؤال خطب خطيب الجمعة، ولما انتهى من الخطبة أناب شخصاً آخر يصلي بالناس، فما حكم ذلك؟ الشيخ: يجوز. ولا بأس بذلك.

стр. 16004

حكم اتباع جنازة المبتدع السؤال جاء عن الفضيل بن عياض ﵀ أنه قال: من مشى في جنازة مبتدع فهو في غضب الله حتى يرجع، فهل هذا ينطبق على كل مبتدع في هذا الزمان؟ الجواب لا أدري عن صحة نسبة هذا الكلام إلى الفضيل، وكون من فعل ذلك فإنه يكون في غضب الله هذا من الأمور المغيبة، ولكن -كما هو معلوم- فإن هناك مبتدعة، وهناك من عنده بدعة وليس من أهل البدع، فأهل البدع مثل المعتزلة والخوارج.

стр. 16005

شرح سنن أبي داود [٥٢٧] حديث جبريل ﵇ في بيان مراتب الدين حديث عظيم، وقد أورده ابن عمر بطوله من أجل إثبات الإيمان بالقدر والرد على من ينكره، وفي هذا الحديث فوائد جمة منها: أهمية الشهادتين واشتمالهما على أنواع التوحيد الثلاثة، وكذلك قدرة الملائكة على التمثل بصورة البشر.

стр. 16006

ما جاء في القدر

стр. 16007

شرح حديث جبريل في مراتب الدين قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عبيد الله بن معاذ حدثنا أبي حدثنا كهمس عن ابن بريدة عن يحيى بن يعمر قال: (كان أول من تكلم في القدر بالبصرة معبد الجهني فانطلقت أنا وحميد بن عبد الرحمن الحميري حاجين أو معتمرين فقلنا: لو لقينا أحداً من أصحاب رسول الله ﵌ فسألناه عما يقول هؤلاء في القدر! فوفق الله لنا عبد الله بن عمر داخلاً في المسجد، فاكتنفته أنا وصاحبي فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إلي، فقلت: أبا عبد الرحمن! إنه قد ظهر قبلنا ناس يقرءون القرآن ويتقفرون العلم، يزعمون أن لا قدر والأمر أنف؟ فقال: إذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم وهم برآء مني والذي يحلف به عبد الله بن عمر لو أن لأحدهم مثل أحد ذهباً فأنفقه ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر. ثم قال: حدثني عمر بن الخطاب قال: بينا نحن عند رسول الله ﵌ إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا نعرفه، حتى جلس إلى النبي ﷺ فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمد! أخبرني عن الإسلام؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً. قال: صدقت، قال: فعجبنا له يسأله ويصدقه! قال: فأخبرني عن الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره. قال: صدقت. قال: فأخبرني عن الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. قال: فأخبرني عن الساعة؟ قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل. قال: فأخبرني عن أمارتها؟ قال: أن تلد الأمة ربتها وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان. قال: ثم انطلق فلبثت ثلاثاً، ثم قال: يا عمر! هل تدري من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم)].

стр. 16008

طريقة السلف في الاستدلال أورد أبو داود ﵀ هنا حديث عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، وهو حديث جبريل المشهور، وهو مشتمل على الإيمان بالقدر؛ وأنه أحد أصول الإيمان الستة، التي أجاب بها رسول الله ﷺ عن سؤال جبريل عن الإيمان فذكر: (وتؤمن بالقدر خيره وشره). وحديث جبريل هذا حديث عظيم، بين النبي ﷺ في آخره أن جبريل جاء يعلم الدين، وكان تعليمه للدين بإلقائه السؤال على الرسول ﷺ فأضاف إليه أنه معلم للدين؛ لأنه سأل أسئلة ويريد من النبي ﷺ أن يجيب عليها، حتى يتعلم الناس الذين عنده الدين من رسول الله ﷺ ، فأضيف التعليم إليه كما هو مضاف إلى رسول الله ﷺ ؛ لأنه هو الذي أجاب وهو الذي بيّن، وقد كان جبريل عالماً بالجواب، ولكنه أراد أن يسأل حتى يسمع الحاضرون الجواب. وقد أورد ابن عمر ﵁ الحديث بطوله من أجل الاستدلال على الإيمان بالقدر، وهذه طريقة الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، فقد كانوا إذا سئلوا أحياناً يجيبون، وأحياناً يأتون بالدليل، وأحياناً يأتون بالدليل دون الجواب اكتفاءً بالدليل؛ لكن ابن عمر ﵁ بيّن حكم القدر وشأنه وأيضاً ساق الحديث الطويل كله من أجل قوله: (وتؤمن بالقدر خيره وشره). وفي هذا أن الصحابة ﵃ وأرضاهم كانوا إذا سئلوا عن شيء ساقوا الحديث الطويل من أجل اشتماله على جزئية معينة؛ لأنهم بهذا الجواب يعطون السائل ما سأل ويزيدونه على ذلك أموراً أخرى.

стр. 16009

اهتمام التابعين بالعلم وسؤال الصحابة عن ذلك وقد ذكر في الحديث أن يحيى بن يعمر وحميد بن عبد الرحمن الحميري خرجا من العراق حاجين أو معتمرين، أي: سافرا إلى مكة في حج أو عمرة، فكان من مهمتهم بالإضافة إلى كونهم يؤدون هذا النسك أنهم يتفقهون في الدين، وأن يخبروا بما حصل عندهم من أمور منكرة، فيرجعون في ذلك إلى أصحاب رسول الله ﷺ ؛ لأن الصحابة ﵃ هم الذين يرجع إليهم في معرفة الأحكام الشرعية في زمانهم؛ لأنهم شاهدوا التنزيل ورأوا النبي الكريم ﷺ ، وسمعوا حديثه. وفي هذا دليل على حرص التابعين على لقي الصحابة، وسؤالهم عن الأمور المشكلة. قوله: [(خرجنا حاجين أو معتمرين)]، شك أهو حج أو عمرة. قوله: [(فقلنا: لو لقينا أحداً من أصحاب رسول الله)]. أي لعلنا نلقى أحداً من أصحاب الرسول ﷺ ، فنبدي هذا الذي ظهر في بلادنا. قوله: [(فوفق الله لنا عبد الله بن عمر)] يعني: أنه حصل أنهما لقيا عبد الله بن عمر وهو داخل المسجد فاكتنفاه عن يمينه وعن شماله، قال يحيى بن يعمر: (فظننت أن صاحبي سيكل الحديث إلي)، أي أنه فهم من صاحبه حميد بن عبد الرحمن الحميري أنه واكل الحديث إليه ليبدأ بالكلام ويسأل، وكانا قد اكتنفاه حتى كان كل واحد منهما على تمكن من سماع كلامه، وما يجيب به، واستيعابه، بحيث لا يفوته منه شيء، ثم أيضاً هذا الاكتناف يدل على حرص التابعين على الاستفادة من الصحابة.

стр. 16010

كلام القدرية في خلق أفعال العباد فسأله يحيى بن يعمر وقال: (إنه ظهر قبلنا). يعني: في بلدنا (أناس يقرءون القرآن ويتقفرون العلم). يعني: عندهم اشتغال بالعبادة واشتغال بالعلم، وهم يقرءون القرآن ويشتغلون به، ويتقفرون العلم أي يجتهدون في تحصيله، وفي معرفته والبحث عنه، ولكن الشيء الذي ينكر والشيء الذي ظهر منهم أنهم يقولون لا قدر، وأن الأمر أنف، أي أنه مستأنف وليس هناك علم سابق، بمعنى أن العباد يوجدون أفعالهم ويخلقونها، وأن الله تعالى لم يقدر عليهم شيئاً، فقال عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه: (إذا لقيتموهم فأخبروهم أنني بريء منهم وأنهم برآء مني، والذي يحلف عبد الله بن عمر لو أن لأحدهم مثل أحد ذهباً ما تقبله الله منه، حتى يؤمن بالقدر خيره وشره)، ثم ساق الحديث عن أبيه من أجل قوله: (وتؤمن بالقدر خيره وشره). وفي هذا الكلام من ابن عمر دليل على أن من لا يؤمن بالقدر فعمله مردود، وذلك لأنه أتى بشيء لا يقبل معه عمل، وهو عدم الإيمان بالقدر، الذي هو أصل من أصول الدين. وقد ذكر الحافظ ابن رجب ﵀ عن هؤلاء أنهم يقولون: إنه ما تقدم قدر ولا علم، وإن الله تعالى لا يعلم بالأشياء إلا بعد وقوعها، وهؤلاء هم الغلاة في نفي القدر؛ لأنهم ينفون العلم الأزلي بكل شيء، وعلى هذا فقول الله : ﴿أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٣١] ﴿وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ [الطلاق:١٢] لا تدخل فيه أفعال العباد التي يدعي هؤلاء أنهم يخلقونها وأن الله تعالى لا يعلمها ولا يقدرها، وهؤلاء كفرهم العلماء. قال: وأما الذين لا ينكرون العلم فقد جاء عن جماعة من أهل العلم أنهم قالوا: ناظروا القدرية بالعلم، فإن أقروا به خصموا وإن أنكروه كفروا، وقال: إن في تكفيرهم خلافاً بين العلماء.

стр. 16011

قدرة الملائكة على التمثل بهيئة البشر ثم ساق ابن عمر الحديث عن أبيه عمر بن الخطاب ﵁ قال: (بينما نحن جلوس عند رسول الله ﷺ أي: كانوا جالسين عند النبي ﷺ يستفيدون منه ويتفقهون ويتحملون عنه السنن، فذكر أنه طلع عليهم رجل غريب، لا يعرفه أحد منهم، ومع ذلك لا يظهر عليه أثر السفر؛ لأن شعره شديد السواد، ولباسه شديد البياض، والمعروف أن المعتاد من حال المسافر أنه يصير شعره أشعث وعليه غبار السفر، ولكن هذا على خلاف ما اعتادوه وما ألفوه، فكان موضع استغراب منهم. وهذا الذي جاء هو جبريل، وكان يأتي إلى النبي ﷺ في صوره غير معروفة كما في هذا الحديث، وكان يأتي في صورة دحية بن خليفة الكلبي، وكان من أجمل الصحابة رضي الله تعالى عنه. وفي هذا بيان أن الملائكة خلقهم الله ذوي أجنحة مثنى وثلاث ورباع، وهم يطيرون بأجنحتهم، ويتحول أحدهم من هيئته التي هو عليها إلى هيئة إنسان، وذلك مثلما جاء ضيوف إبراهيم ﵇ إليه وإلى لوط في صور رجال، وكذلك أتى جبريل ﵇ إلى مريم في صورة رجل. وجبريل ﵇ خلقه عظيم، وله ستمائة جناح كما ثبت في الحديث عن رسول الله ﷺ ، وقد رآه النبي ﷺ على هيئته مرتين: مرة ليلة المعراج فوق السماوات، ومرة رآه في الأرض وقد سد الأفق. ومعلوم أن أصل الملائكة غير أصل البشر، فإن الملائكة خلقوا من نور والبشر خلقوا من تراب، وقد جاء في القرآن أن آدم ﵊ خلق من تراب، والجان خلق ﴿مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾ [الرحمن:١٥] وجاء في صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال: (خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار وخلق آدم مما وصف لكم). فهذا المخلوق العظيم من نور يتحول إلى هيئة إنسان. فلما جاء جبريل ﵇ إلى رسول الله ﷺ وصل إليه (أسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع يديه على فخذيه)، وبدأ يسأل الأسئلة التي يريد من ورائها أن يسمع الحاضرون الجواب عليها، ليتعلموا الدين، كما قال النبي ﷺ في آخر الحديث: (هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم). وفي هذا دليل على أن السائل يمكن أن يسأل ليعلم الجواب لكونه جاهلاً به، ويمكن أن يسأل وهو عالم بالجواب، والمقصود من ذلك أن يسمع الحاضرون الجواب، فيريد أن يشاركه غيره بمعرفة الجواب عن السؤال الذي يسأل عنه.

стр. 16012

أهمية الشهادتين في أركان الإسلام ثم بدأ بالأسئلة فقال: (يا محمد أخبرني عن الإسلام؟ فقال ﵊: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً. قال: صدقت، قال: فعجبنا له يسأله ويصدقه)؛ لأن من شأن السائل أنه إذا أعطي الجواب أنه يأخذه، وأما إذا قال: صدقت! فمعناه أن الجواب معروف عنده؛ لأن الذي يقول: صدقت هو العالم بالجواب، حيث حصل الجواب طبقاً لما عنده فقال: صدقت! والرسول ﷺ أجاب ببيان الإسلام بأمور ظاهرة، وهي: الشهادتان والصلاة والزكاة والصيام والحج، وهذه أركان الإسلام الخمسة التي بني عليها كما جاء في حديث ابن عمر: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان)، ومعنى ذلك: أن هذه الخمس هي الأسس التي يقوم عليها الإسلام، وأولها الشهادتان. والشهادتان هي الأساس لبقية الأركان، ولكل عمل من الأعمال، فهما أصل من الأصول الخمسة ولكنهما الركن الركين والأساس المتين الذي تقوم عليه بقية الأركان؛ لأن الصلاة والزكاة والصيام والحج وكل عمل من الأعمال لابد أن يكون مبنياً على شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإلا فإن العمل لا عبرة به، كما قال الله : ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ [الفرقان:٢٣].

стр. 16013

تلازم الشهادتين ثم إن الشهادتين متلازمتان، لا تنفك إحداهما عن الأخرى، ولا تقبل إحداهما بدون الأخرى، فمن شهد أن لا إله إلا الله ولم يشهد أن محمداً رسول الله لم تنفعه شهادته، فأهل الكتاب إذا شهدوا أن لا إله إلا الله ولم يشهدوا أن محمداً رسول الله لا ينفعهم ذلك، بل لابد من الشهادة، بمحمد ﷺ بعد مبعثه، فهم مكلفون بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإذا لم يحصل منهم ذلك فإنهم لا يكونون من أهل الإسلام، ولا يقال: إنهم يتبعون الأنبياء السابقين، لأن الأنبياء أمروا أتباعهم باتباعه إذا بعث، لأن الرسالات ختمت ببعثته ونسخت، ومن تمسك بها وأعرض عما جاء به النبي الكريم ﷺ فإنه كافر ومآله إلى النار خالداً فيها أبد الآباد. ومما يدل على ذلك أنه قد جاء في حق موسى ﵇ أن النبي ﵊ قال: (لو كان موسى حياً ما وسعه إلا اتباعي). فالرسول الذي يزعم اليهود أنهم أتباعه لو كان حياً لم يسعه إلا اتباع محمد ﷺ ، أما عيسى بن مريم ﵊ الذي يزعم النصارى أنهم أتباعه، فإنه قد رفع إلى السماء، وسينزل في آخر الزمان ويقتل الدجال، ويضع الجزية فلا يقبل إلا الإسلام، ويحكم بشريعة نبينا محمد ﵊، ولا يحكم بالإنجيل الذي أنزل عليه؛ لأن الإنجيل قد نسخ ولم يبق في الأرض إلا شريعة نبينا محمد ﵊ التي هي خالدة باقية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

стр. 16014

معنى شهادة أن لا إله إلا الله ثم لابد من معرفة معنى الشهادتين: فالشهادة الأولى معناها: الشهادة لله بالوحدانية والألوهية، فهو واحد في ربوبيته، وواحد في ألوهيته، وواحد في أسمائه وصفاته. واحد في ربوبيته فلا شريك له في خلق السماوات والأرض ولا في خلق غيرهما، وهو رب العالمين -والعالمون كل من سوى الله- والله تعالى هو الخالق وكل من سواه مخلوق، فالخلق خلقه، وكل شيء إنما وجد بخلقه وإيجاده ، وهو المتصرف في الكون كيف يشاء، فهو الذي يحيي ويميت ويبسط الرزق لمن يشاء ويقدر. وتوحيد الربوبية: هو توحيد الله تعالى بأفعاله، أي أن الله واحد في أفعاله، وهي الخلق والرزق والإحياء والإماتة وتدبير الكون. وهو واحد في ألوهيته: أي أنه المعبود وحده الذي لا تصرف العبادة لغيره، بل يجب أن تكون خالصة له ، هذا هو توحيد الألوهية، وهو توحيد الله بأفعال العباد كالدعاء، والخوف، والرجاء، والتوكل، والرغبة، والرهبة، والإنابة والاستعاذة، والاستغاثة، والذبح، والنذر، وغيرها من أفعال العباد، التي يجب أن تكون كلها لله ، أي أنه يخص بها ويعبد بها ولا يعبد بها غيره، ولا يشرك معه أحد في العبادة، لا ملك مقرب، ولا نبي مرسل. وكيف تصرف العبادة لمن كان عدماً فأوجده الله؟! وكيف يعبد المخلوق مخلوقاً مثله؟! فإذن العبادة لا تكون إلا للخالق الموجد الذي خلق الخلق كلهم، ولم يشاركه في الخلق أحد، فكذلك يجب أن يفرد بالعبادة، ولا يشاركه فيها أحد. ومعنى أشهد أن لا إله إلا الله: لا معبود بحق إلا الله، أو: لا معبود حق إلا الله. فالنفي إنما هو للألوهية الحقة، وإلا فإن الألوهية الباطلة موجودة وكثيرة، وقد قال الكفار لما دعاهم النبي ﷺ : (يا أيها الناس قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا) قالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٥] فالنفي ليس للوجود، وليس المعنى: لا إله موجود إلا الله، لأن هناك آلهة موجودة ولكنها باطلة، فعلم أن خبر (لا إله) هو: حق، أو: بحق، وبهذا تخرج الآلهة الأخرى؛ لأنها بباطل أو أنها باطل. فلا يصح ولا يجوز أن يقال: لا إله موجود إلا الله؛ لأن الآلهة التي تعبد مع الله وتعبد من دون الله موجودة، ولكن الذي يختص به الله ويخرج به من سواه أن نقول: لا إله حق أو لا إله بحق إلا الله. فشهادة أن لا إله إلا الله تقوم على ركنين: النفي والإثبات، نفي عام في أولها، وإثبات خاص في آخرها، فالنفي في (لا إله) والإثبات في (إلا الله) والنفي عام حيث تنفي الألوهية عن كل من سوى الله، والإثبات الخاص هو أن تثبتها لله وحده. والتوحيد الأول الذي هو توحيد الربوبية لم ينكره الكفار الذين بعث فيهم الرسول ﷺ ، بل كانوا مقرين بهذا التوحيد، وقد جاء في القرآن آيات تدل على إقرارهم كقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان:٢٥].

стр. 16015

التلازم بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية ويأتي في القرآن كثيراً توحيد الربوبية لا لأن الكفار أنكروه، ولكن لينتقل منه إلى توحيد الألوهية، وليلزم من أقر به أن يقر بالألوهية، ولهذا يقولون: توحيد الربوبية مستلزم لتوحيد الألوهية بمعنى أن من أقر بالأول يلزمه أن يقر بالثاني، فإذا اعترف بأن الله الخالق وحده الرازق وحده المحيي وحده المتصرف بالكون وحده، لزمه أن يقر بأن الله هو المعبود وحده، فلا يعبد مع الله مخلوقاً، وإنما يعبد الخالق وحده، فكما أنه متفرد بالخلق والإيجاد، فكذلك يجب أن يفرد بالعبادة وحده لا شريك له. ويأتي في القرآن كثيراً تقرير توحيد الربوبية للانتقال لتوحيد الألوهية والإلزام به، كما قال الله في سورة النمل: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا﴾ [النمل:٦٠]. هذا تقرير توحيد الربوبية، والمقصود من هذا السياق: ﴿أإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [النمل:٦٠]، استفهام إنكار معناه أن الذي انفرد بالخلق والإعجاز، لماذا لا يفرد بالعبادة؟ فإذاً هذا التقرير ليس لأنهم منكرون له فيلزمون به، بل هم مقرون؛ لكن المقصود من ذلك الانتقال إلى الإلزام بالألوهية، ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ [النمل:٦٠] أي: يسوون بين الله وغيره. ثم قال: ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاًءَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [النمل:٦١]. وهكذا يأتي في القرآن تقرير توحيد الربوبية من أجل الانتقال منه إلى الإلزام بالألوهية. وكذلك العكس، فإنهم يقولون: توحيد الألوهية متضمن لتوحيد الربوبية، أي: أن من أقر بالألوهية فقد أقر بالربوبية ضمناً، لأنه لا يصلح أن يثبت الألوهية وينكر الربوبية، فمن يعبد الله وحده ويخصه بالعبادة لا يقول: إن لله شريكاً في خلق السماوات والأرض، ولكن من أقر بالربوبية قد ينكر الألوهية كما حصل من الكفار الذين بعث فيهم النبي ﷺ ، فجاء الإلزام لهم بالألوهية كما تقدم.

стр. 16016

توحيد الأسماء والصفات فالله واحد في ربوبيته، واحد في ألوهيته، وكذلك واحد في أسمائه وصفاته؛ فالله تعالى له أسماء حسنى وصفات عليا، ولكن هذه الأسماء والصفات إنما تعرف من الكتاب والسنة، فلا يضاف إلى الله شيء إلا إذا جاء في الكتاب والسنة، فالأسماء والصفات لابد من الدليل عليها، لأنها غيب، والغيب لا يعرف إلا عن طريق الوحي، فنثبت لله من الأسماء والصفات كل ما أثبته لنفسه وأثبته له رسوله ﷺ على وجه يليق بكماله وجلاله، دون تمثيل أو تشبيه أو تكييف، ودون تحريف أو تعطيل أو تأويل، بل كما قال الله : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]. فأثبت السمع والبصر بقوله: ((وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ))، ونفى المشابهة بقول: ((لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)). فله سمع لا كالأسماع، وله بصر لا كالأبصار فيجب أن يكون توحيد الأسماء والصفات قائماً على أساس الإثبات مع التنزيه، لا الإثبات مع التشبيه، ولا التنزيه مع التعطيل، ولهذا كان أهل السنة والجماعة وسطاً بين المشبهة الذين أثبتوا وشبهوا، والمعطلة الذين قالوا: إن الله منزه عن صفات المخلوقين، فعطلوا الصفات اللائقة بالله ، فآل أمرهم إلى أن شبهوا الله بالمعدومات، أما أهل السنة والجماعة فإنهم أثبتوا ولم يعطلوا، ومع إثباتهم لم يشبهوا ولم يمثلوا، بل نزهوا، كما قال الله : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١].

стр. 16017

أنواع التوحيد ثلاثة لا رابع لها هذه أنواع التوحيد الثلاثة، وقد دل الكتاب العزيز عليها بالاستقراء؛ لأنه ليس هناك دليل يدل على هذا التقسيم، ولكن عرف بالاستقراء من نصوص الكتاب والسنة أنه ينقسم إلى ثلاثة أنواع: ربوبية، وألوهية، وأسماء وصفات، وليس هناك قسم رابع، وما يذكر من أن هناك أنواعاً من التوحيد تضاف إليها فغير صحيح؛ لأنها ترجع إليها ولا تخرج عنها، فالذين قالوا: هناك توحيد الاتباع، يقال لهم: إن الاتباع داخل في الألوهية؛ لأن التوحيد يقوم على ركنين: أن تكون العبادة خالصة لله، وأن تكون مطابقة لسنة رسول الله ﷺ ، فالإخلاص هو معنى: أشهد أن لا إله إلا الله، ومطابقة السنة هو معنى: أشهد أن محمداً رسول الله، وإذا اختل أحد هذين الشرطين لم يقبل العمل، فإن اختل الإخلاص رد العمل؛ لقول الله في الحديث القدسي: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه). وإن أختل شرط المتابعة رد العمل، لقوله ﷺ : (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد). إذاً توحيد الاتباع لا يقال: إنه قسم من أقسام التوحيد، فيضاف إلى الأقسام الثلاثة. وكذلك لا يقال: إن هناك توحيد الحاكمية وإنه يضاف إلى أنواع التوحيد الثلاثة، بل الحاكمية لها حالتان: فإما أن يراد بها طريق التشريع والحكم الكوني، فهذا يرجع إلى توحيد الربوبية، وإما أن يراد بها الأحكام الشرعية، والآيات القرآنية والأحاديث النبوية المشتملة على الأحكام، فهذا يدخل في توحيد الألوهية؛ لأن العبادة ما عرفت إلا عن طريق الكتاب والسنة، والأحكام الشرعية ما عرفت إلا عن طريق الكتاب والسنة، فلا يقال: إنه قسم يضاف إلى الأقسام الثلاثة. إذاً: فالاستقراء -وهو تتبع نصوص الكتاب والسنة- يبين أن أنواع التوحيد ثلاثة، كما هو مذهب أهل السنة والجماعة: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات.

стр. 16018

ذكر أنواع التوحيد في سورة الفاتحة سورة الفاتحة مشتملة على أنواع التوحيد الثلاثة، وسورة الناس مشتملة على أنواع التوحيد الثلاثة. فقوله في سورة الفاتحة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] يشتمل على أنواع التوحيد الثلاثة، فقوله ((الْحَمْدُ لِلَّهِ)). فيه توحيد الألوهية؛ لأن فيه إسناد الحمد وإضافته إلى الله، وهو عبادة، وتوحيد الألوهية هو إفراد الله بالعبادة. وقوله: ((لِلَّهِ)) هذا اسم من أسماء الله الحسنى، بل هو أعظم أسماء الله، بل هو الاسم الذي تنسب إليه الأسماء كما قال الله : ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الأعراف:١٨٠] ويخبر بالأسماء عنه فيقال: والله غفور رحيم، والله عزيز حكيم، فالله مبتدأ، وغفور خبر، فتأتي الأسماء مضافة إليه وتابعة له أو منسوبة إليه، وهذا هو توحيد الأسماء والصفات. وقوله: ((رَبِّ الْعَالَمِينَ))، هذا توحيد الربوبية، والعالمون هم: كل من سوى الله، فالله تعالى ربهم الموجد لهم، المتصرف فيهم كيف يشاء، وأيضاً الرب من أسماء الله كما قال الله : ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس:٥٨]. إذاً: الآية الأولى مشتملة على الربوبية والألوهية والأسماء والصفات. وقوله: ﴿الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ﴾ [الفاتحة:١] اسمان من أسماء الله يدلان على صفة من صفات الله وهي الرحمة، ففيه توحيد الأسماء والصفات، وأسماء الله ليس فيها اسم جامد، بل كلها تدل على معانٍ، وكل اسم منها يشتق منه صفة، فالرحمن يدل على الرحمة، والرحيم يدل على الرحمة، والعزيز يدل على العزة، والحكيم يدل على الحكمة، والعليم يدل على العلم، والبصير يدل على البصر، والسميع يدل على السمع، والخبير يدل على الخبرة، وهكذا كل اسم يدل على صفته، لكن العكس لا يكون؛ لأن من صفات الله اليد والوجه، ولا يؤخذ منها أسماء؛ لأنها صفات ذاتية، ومن صفات الله الفعلية الاستهزاء والمكر والكيد، ولا يؤخذ منها أسماء، فلا يقال: مستهزئ ولا ماكر ولا كائد من أسماء الله.

стр. 16019

ليس الدهر من أسماء الله وقد جاء عن بعض أهل العلم أنه قال: إن من أسماء الله الدهر، أخذاً من قوله ﷺ : (يؤذيني ابن آدم؛ يسب الدهر، وأنا الدهر، بيدي الأمر أقلب الليل والنهار) ولكن هذا غير صحيح، والدهر اسم جامد، وقوله فيه: (وأنا الدهر) ليس معنى ذلك أنه اسم من أسمائه، وإنما هذا بيان أن من سب الدهر فقد سب الله؛ لأن الدهر هو الزمان، والزمان يتقلب، والله تعالى هو المقلب، ومن سب المقلَّب رجعت سبته إلى المقلَّب، ولهذا قال بعده: (بيدي الأمر أقلب الليل والنهار)؛ لأن الدهر ليس فاعلاً متصرفاً، وإنما هو متصرف فيه. فهذا هو معنى الحديث، وليس معناه أن الدهر اسم من أسماء الله؛ لأن أسماء الله كلها حسنى -ولا يقال: إنها حسنة فقط- بل هي حسنى أي: بالغة في الحسن نهايته وكماله.

стр. 16020

سر التنصيص على يوم الدين في سورة الفاتحة وقوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤] يوم الدين هو: الجزاء والحساب يوم القيامة، والناس يجازون يوم القيامة بأعمالهم إن خيراً فخير وإن شراً فشر، والله تعالى مالك الدنيا والآخرة، ومالك كل شيء، فلماذا قيل: مالك يوم الدين مع أنه مالك الدنيا والآخرة؟ لأن ذلك اليوم هو الذي يظهر فيه الخضوع لرب العالمين من كل أحد، أما في الدنيا فقد وجد من يتكبر ومن يتجبر، بل قد وجد من قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤] ووجد من قال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨]. أما الآخرة فليس هناك إلا الذل والخضوع لله ، ففي ذلك اليوم يظهر السؤدد، وهذا هو سر التنصيص على يوم الدين، والله أعلم. ونظير هذا قول الرسول ﷺ : (أنا سيد الناس يوم القيامة) مع أنه سيد الناس في الدنيا والآخرة، ولكن خص بالذكر يوم القيامة؛ لأنه يظهر فيه سؤدده على الخليقة كلها من أولها إلى آخرها، وذلك أنه يشفع الشفاعة العظمى التي تستفيد منها الخليقة كلها من أولها إلى آخرها، ولهذا قيل لمقامه ذاك: المقام المحمود الذي يحمده عليه الأولون والآخرون. ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] توحيد ألوهية، وقدم المفعول للحصر، أي: نعبدك وحدك ولا نعبد معك غيرك، ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦] توحيد ألوهية؛ لأنه دعاء، والدعاء هو العبادة كما قال رسول الله ﷺ . ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة:٦ - ٧] الذين هم أهل التوحيد، ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧] الذين جانبوا التوحيد، وكفروا بالله . فإذاً: هذه السورة مشتملة على أنواع التوحيد الثلاثة في مواضع متعددة.

стр. 16021

اشتمال سورة الناس على أنواع التوحيد الثلاثة كذلك سورة الناس: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [الناس:١ - ٦] مشتملة على أنواع التوحيد الثلاثة. فالآية الأولى فيها كالآية الأولى في سورة الفاتحة، فقوله: ((أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ)) فيه توحيد ألوهية؛ لأن الاستعاذة من توحيد الألوهية. وقوله: ((بِرَبِّ النَّاسِ)) فيه توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات؛ لأن من أسماء الله الرب، ورب الناس معناه: خالق الناس وموجد الناس ومربي الناس بالنعم . وقوله: ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾ [الناس:٢] فيه توحيد الربوبية، أي: هو مالكهم وملكهم، وفيه أيضاً توحيد الأسماء والصفات؛ لأن من أسماء الله الملك. وقوله: ﴿إِلَهِ النَّاسِ﴾ [الناس:٣] فيه توحيد الألوهية وتوحيد الأسماء والصفات؛ لأن من أسماء الله الإله. فهذه أنواع التوحيد الثلاثة اشتملت عليها سور القرآن، ويتضح ذلك بأول سورة وآخر سورة في المصحف، الفاتحة والناس، وهما الفاتحة والخاتمة. وعلى هذا فإن شهادة أن لا إله إلا الله تتضمن الإيمان بأن الله واحد في ألوهيته، وواحد في ربوبيته، وواحد في أسمائه وصفاته، وواحد في العبادة، والخلق إنما خلقوا للعبادة، كما قال الله : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] وقال: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦]، وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥] فإن الرسل أرسلت للدعوة إلى توحيد العبادة، والكتب أنزلت حتى يعبد الله طبقاً لما أمر به. والله تعالى إنما خلق الخلق ليؤمروا وينهوا، فقوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] أي: إلا لآمرهم وأنهاهم، أي: أنهم أمروا بالعبادة، ولو قدر الله أن يعبدوه ما تخلف عن عبادته أحد، كما قال الله : ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام:١٤٩] وقال: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة:١٣]. إذاً أول أركان الإسلام هو شهادة أن لا إله إلا الله، وقد عرفنا ما يتعلق بها، وعرفنا أنها اشتملت على أنواع التوحيد الثلاثة، وأن أنواع التوحيد الثلاثة دل عليها استقراء نصوص الكتاب والسنة، وعرفنا التمثيل لذلك في سورة الفاتحة وسورة الناس.

стр. 16022

معنى شهادة أن محمداً رسول الله أما شهادة أن محمداً رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، فقد قال فيها شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ في الأصول الثلاثة هي: طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع، فهي تشتمل على هذه الأمور. فشهادة أن محمداً رسول الله تقتضي أن يطاع في كل ما يأمر به، وأن ينتهى عن كل ما ينهى عنه، وأن يصدق بكل خبر يخبر به، وأن لا يعبد الله إلا طبقاً لما جاء به، فلا يعبد بالبدع والمنكرات والمحدثات، وإنما يعبد بالوحي الذي جاء به من عند الله كتاباً وسنة، فالعبادة لابد أن تكون خالصة لله، وأن تكون مطابقة لسنة رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه. ويدخل في ذلك محبته ﵊ محبة تفوق محبة كل مخلوق، ولا يتقدم عليه أحد في المحبة من الخلق، كما قال ﵊: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين). فوالدا الشخص اللذان كانا سبباً في وجوده وقد قاما بتنشئته وتربيته والإحسان إليه، حتى بلغ مبلغ الرجال وصار رجلاً سوياً، وكذلك أولاده الذين تفرعوا منه، وهو يحبهم ويشفق عليهم، لا يؤمن حتى يكون رسول الله ﷺ أحب إليه منهم، وذلك لأن المنفعة التي حصلت من الوالدين هي أنهما كانا سبب وجوده وقاما بتنشئته، لكن المنفعة التي حصلت له بسبب الرسول ﷺ أعظم، وهي الهداية للصراط المستقيم، والخروج من الظلمات إلى النور، فصارت محبته تفوق محبة الوالدين والأولاد. وقوله: (والناس أجمعين) يعم من كان للإنسان به علاقة ومن ليس له به علاقة من الناس، فلابد أن تكون محبة الرسول ﷺ في قلبه مقدمة على محبة كل من سواه من الناس، فهذا هو معنى شهادة أن محمداً رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، والله تعالى أعلم.

стр. 16023

الأسئلة

стр. 16024

أهمية الرجوع إلى أهل العلم السؤال هل يستفاد من حديث جبريل الذي سأل فيه النبي عن الإسلام والإيمان والإحسان أن للمسلمين مرجعية وهم العلماء، بينما في هذا الزمان لم يعد طلبة العلم فضلاً عن العامة يرجعون إلى العلماء وقت الفتن؟ الجواب نعم. حديث جبريل يدل على ذلك؛ لأن الناس الذين كانوا في العراق لما وجد القول بالقدر رجعوا إلى أصحاب رسول الله ﷺ ، وقالوا: لعلنا نجد أحداً من أصحاب النبي ﷺ فنسأله عما وجد في بلدنا، فكان أن وجدوا عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه، فهذا يدل على الرجوع إلى أهل العلم، والله تعالى يقول: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣] والذي يرجع إليهم في أمور الدين، وعند حصول الأمور المنكرة التي فيها خروج عن الدين، والتي فيها انحراف عن الدين، هم أهل العلم الذين يبينون الأحكام الشرعية، ويبينون فساد الطرق المنحرفة عن الجادة وعن الصراط المستقيم.

стр. 16025

ذكر يحيى بن يعمر لمحاسن القدرية عند سؤال ابن عمر عن قولهم السؤال أشكل علي في حديث جبريل أنه لبيان بدعة القدرية ولكن يحيى بن يعمر وحميد بن عبد الرحمن ذكرا لـ ابن عمر محاسنهم من العبادة والاجتهاد في العلم، ولم ينكر ابن عمر ذلك، فهل في ذلك ما يدل على الموازنات؟ الجواب لا يدل على ذلك، ولكن هذا يبين أن هؤلاء لم يكونوا منحرفين عن العبادة؛ لأنهم عندهم عبادة، وعندهم قراءة قرآن، لكن وجد منهم هذا الأمر المنكر، فالمقصود من ذلك حتى يعرف أن هذا الذي حصل لم يكن من أناس لا علاقة لهم بالدين ولا يشتغلون به، بل هم منتسبون إلى الدين، ولكنهم جاءوا بهذه البدعة، فلا يدل هذا على أنه لا يذكر مبتدع حتى تذكر حسناته قبل ذلك؛ لأن المقصود من هذا ليس ذكر الحسنات، وإنما المقصود من ذلك بيان أن هؤلاء ما جاء هذا الكلام منهم لأنهم بعيدون عن المسلمين، وليسوا على الإسلام، ولا يشتغلون بالقرآن ولا يشتغلون بالعلم، بل هم مجتهدون، ولكن البلاء جاء من الانحراف والبدعة التي حصلت لهم. ومعلوم أن المهم في الأمر هو المسئول عنه، ولكن هذا تمهيد من أجل بيان حالهم، وأن لا يظن أنهم منحرفون في الأصل انحرافاً كلياً، بل عندهم شيء من الدين، ولكنهم أتوا بهذه البدعة الخبيثة. والرسول ﷺ لما استشارته المرأة وذكرت له اللذين خطباها وهما معاوية وأبو جهم، أجابها ببيان حالهما من حيث التزوج، فقال: (أما معاوية فصعلوك لا مال له، وأما أبو جهم فلا يضع العصا عن عاتقه) وما قال: معاوية كاتب الوحي، ومعاوية رجل ذكي، بل أتى بالشيء الذي يهمها، وهذان اللذان سألا ابن عمر ﵁ أرادا أن يبينا أن هؤلاء ينتسبون للإسلام ويقرءون القرآن ويتقفرون العلم، ومع ذلك يقولون بهذه المقالة الخبيثة.

стр. 16026

حكم ذكر الأب باسمه الصريح السؤال هنا قول ابن عمر في حديث جبريل: حدثني عمر، هل يؤخذ منه جواز ذكر الأب باسمه صراحة؟ الجواب الأصل أن الإنسان يذكر أباه بأبوته له، ويجوز ذكره في مثل هذه الحال باسمه، لكن عندما يخاطب أباه يخاطبه بالأبوة، ولا يخاطبه باسمه.

стр. 16027

حكم الاستدلال على التمثيل بتمثل جبريل في صورة بشر السؤال هل يستدل بحديث جبريل في مراتب الدين على جواز التمثيل، حيث إن جبريل ﵇ تمثل بصورة بشر؟ الجواب لا يدل على التمثيل، لأن التمثيل كذب، وأما هذا فمخلوق كان على هيئة تسد الأفق وله ستمائة جناح، وقد جاء بهذه الهيئة الحقيقية؛ لأن نفس الخلقة التي تسد الأفق تحولت إلى هذا، ولا يقال: هذه صورة جبريل وجبريل جالس في مكانه أو باق في مكانه على هيئته، وإنما هو نفسه هذا الخلق الكبير انكمش حتى صار على هذه الهيئة، وجاء كذلك من أجل أن يقدروا على أن يستفيدوا منه؛ لأنه لو جاء على هيئته العظيمة لما استطاعوا أن يستفيدوا منه، ولما طلب الكفار إنزال الملائكة أخبر الله تعالى بأنه لو أنزل ملكاً لجعله على هيئة رجل، حتى يتمكنوا من التفاهم معه. فالاستدلال على التمثيل بهذا لا يجوز؛ لأن التمثيل كذب مخالف للواقع، ولأن الغالب فيه أنه كذب من أجل الإضحاك، والكذب إذا كان معه إضحاك يكون أسوأ وأسوأ.

стр. 16028

شرح سنن أبي داود [٥٢٨] مراتب الدين من خلال حديث جبريل ثلاثة: الإسلام، والإيمان، والإحسان، وأعظم المراتب وأكملها الإحسان: وهو استشعار حضور الله وعظمته في كل وقت وحين، ولا يصل لهذه المرتبة إلا من أكرمه الله ورفع قدره ومنزلته، وفي هذا الحديث فوائد جمة وغزيرة منها: بيان المقصود بأركان الإيمان، وما ينطوي تحته من المسائل والفوائد المهمة، وبيان معنى الإحسان وعلامات الساعة وغيره.

стр. 16029

تابع شرح حديث جبريل في مراتب الدين

стр. 16030

الصلاة من أعظم أركان الإسلام قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عبيد الله بن معاذ حدثنا أبي حدثنا كهمس عن ابن بريدة عن يحيى بن يعمر قال: (كان أول من تكلم في القدر بالبصرة معبد بن الجهني، فانطلقت أنا وحميد بن عبد الرحمن الحميري حاجين أو معتمرين فقلنا: لو لقينا أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فسألناه عما يقول هؤلاء في القدر، فوفق الله لنا عبد الله بن عمر داخلاً في المسجد، فاكتنفته أنا وصاحبي، فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إلي، فقلت: أبا عبد الرحمن! إنه قد ظهر قبلنا ناس يقرءون القرآن ويتقفرون العلم، يزعمون ألا قدر، والأمر أنف؟ فقال: إذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم، وهم برآء مني، والذي يحلف به عبد الله بن عمر! لو أن لأحدهم مثل أحد ذهباً فأنفقه ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر. ثم قال: حدثني عمر بن الخطاب قال: بينا نحن عند رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا نعرفه، حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمد! أخبرني عن الإسلام؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً. قال: صدقت. قال: فعجبنا له يسأله ويصدقه! قال: فأخبرني عن الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره. قال: صدقت. قال: فأخبرني عن الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. قال: فأخبرني عن الساعة؟ قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل. قال: فأخبرني عن أماراتها؟ قال: أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان. قال: ثم انطلق، فلبثت ثلاثاً ثم قال: يا عمر! هل تدري من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم)]. حديث جبريل ﵇ حديث عظيم مشتمل على أمور عظيمة مهمة، وقد مر جملة منه في الدرس الماضي حتى وصلنا فيه إلى سؤال جبريل عن الإسلام، وأن الرسول ﷺ أجابه فقال: (أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سببيلاً) وقد ذكرنا أن هذه الأركان الخمسة هي التي بني عليها الإسلام، وأن الشهادتين هما أساس لبقية الأركان، وشرحنا الشهادتين. ثم أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين الصلاة، ولهذا لما أرسل النبي ﷺ معاذ بن جبل ﵁ إلى اليمن ورسم له الخطة التي يسير عليها في الدعوة إلى الله ، قال له: (إنك تأتي قوماً أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن هم أجابوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة)، فهي أهم الأركان، وهي أول شيء يدعى إليه بعد التوحيد، وقد جعلها تالية للشهادتين؛ لأنها أعظم الأركان بعد الشهادتين؛ ولأنها صلة وثيقة بين العبد وبين ربه حيث تتكرر في اليوم والليلة خمس مرات. وبقية الأركان ليست مثلها، فمنها ما يتكرر في السنة، ومنها ما يتكرر في العمر. ومن المعلوم أن الصلاة يمكن أن يعرف بها من يكون ولياً من أولياء الله، ومن يكون بخلاف ذلك، لأنك إذا صحبت إنساناً تستطيع أن تكتشفه في خلال أربع وعشرين ساعة، فإن كان من المحافظين على الصلاة فهي علامة خير، وإن كان بخلاف ذلك فهي علامة شر، بخلاف الزكاة فإنها لا تجب إلا على الأغنياء، ولا تجب إلا في السنة، ولا تجب إلا بشروط، فلا يعرف بها المرء بسرعة. والصيام لا يجب إلا شهراً في السنة، والحج لا يجب في العمر إلا مرة واحدة، وأما الصلاة فتجب في اليوم والليلة خمس مرات، فهي كما قال بعض أهل العلم: صلة وثيقة بين العبد وبين ربه؛ لأنه لا يفرغ من صلاة إلا وهو يفكر في الصلاة التي تليها، وهكذا خلال أربع وعشرين ساعة، فإنه لازم عليه وواجب عليه أن يأتي بهذه الصلوات الخمس التي فرضها الله على عباده. وأمر الصلاة عظيم، وشأنها كبير، وقد جاءت نصوص كثيرة تدل على عظم شأنها، وأنها علامة تميز بين المؤمن والكافر، فالحد الفاصل بين المرء وبين الكفر والشرك ترك الصلاة، كما جاءت أحاديث كثيرة تتعلق بفضلها وعظم شأنها، وكذلك صلاة الجماعة ووجوبها، وأن التخلف عنها من علامات النفاق. ويليها الزكاة، وهي قرينتها في كتاب الله ونفعها متعد؛ لأنها تتعلق بالإحسان إلى الفقراء والمساكين، ولكنها لا تجب في السنة إلا مرة واحدة، وبعد ذلك الصيام، وهو لا يجب في السنة إلا شهراً واحداً، والحج لا يلزم في العمر إلا مرة واحدة، وما زاد على ذلك فهو تطوع.

стр. 16031

العلاقة بين الإسلام والإيمان وجبريل ﵇ سأل رسول الله ﷺ عن الإسلام ففسره بالأعمال الظاهرة التي هي الشهادتان وهي قول باللسان، والأركان الأخرى التي هي أعمال بالجوارح؛ من صلاة وزكاة وصيام وحج، وكلها أمور ظاهرة، ولهذا فإن الإسلام في الأصل هو الاستسلام لله، ومعنى ذلك: أن هذا الاستسلام يظهر على الجوارح. ثم إنه سأله عن الإيمان، فقال: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والقدر خيره وشره). وهذه هي أركان الإيمان الستة، وقد فسره بأمور باطنة، وهي تناسب المعنى اللغوي الذي هو التصديق، وهو ما يقوم بالقلب، فأضيف إلى الإسلام ما يناسب معناه اللغوي، وهو الاستسلام والانقياد، وأضيف إلى الإيمان ما يناسب معناه اللغوي وهو ما يقوم بالقلب من التصديق. وكما هو معلوم أن الإيمان لابد أن يكون بالقلب وباللسان وبالعمل، ولكن عند اجتماعهما أعطي الإسلام ما يناسب المعنى اللغوي وهو الظاهر، وأعطي الإيمان ما يناسب المعنى اللغوي وهو ما يقوم بالقلب من التصديق، ومن المعلوم أن لفظ الإيمان والإسلام من الألفاظ التي إذا جمع بينهما في الذكر فرق بينهما في المعنى، وإذا انفرد أحدهما شمل المعاني المفرقة عند الاجتماع، وفي حديث جبريل لما كان السؤال عن الإسلام والإيمان وزع المعنى العام عليهما، فأعطي الإسلام الأمور الظاهرة، وأعطي الإيمان الأمور الباطنة، لكن إذا جاء لفظ الإسلام منفرداً مستقلاً، فإنه يشمل الأمور الظاهرة والباطنة، كما قال الله : ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣] فليس المقصود من ذلك الأمور الظاهرة فقط دون ما يقوم بالقلوب، وكذلك قوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩] ليس المقصود من ذلك ما جاء في حديث جبريل: (أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله إلخ) بل يدخل فيه أركان الإسلام وأركان الإيمان، وكذلك الإيمان عندما يأتي منفرداً يشمل الظاهر والباطن. قوله: (أن تؤمن بالله) الإيمان بالله يعني: الإيمان بوجوده، وربوبيته، وألوهيته، وأسمائه وصفاته، وقد مر ما يتعلق ببيان الربوبية والألوهية والأسماء والصفات، وهذا الركن الأول من أركان الإيمان مثل الركن الأول من أركان الإسلام؛ لأن ذاك أساس يتبعه كل ما وراءه، وهذا أساس يتبعه كل ما وراءه؛ فالإيمان بالله يتبعه ما وراءه، ولهذا جاءت الضمائر مضافة إليه: بالله ملائكته كتبه رسله، فهو الأساس وغيره تابع له، أي: أن الإيمان بالملائكة تابع للإيمان به، والإيمان بالرسل تابع للإيمان به، والإيمان بالكتب تابع للإيمان به، والإيمان باليوم الآخر تابع للإيمان به، والإيمان بالقدر تابع للإيمان به، ومن لم يؤمن بالله لا يؤمن بهذه الأمور.

стр. 16032

الإيمان بالملائكة قوله: (أن تؤمن بالله وملائكته)، الإيمان بالملائكة أحد أصول الإيمان الستة، والملائكة عالم من العوالم التي خلقها الله ، وقد خلقهم من نور كما ثبت ذلك في الحديث عن رسول الله ﷺ حيث قال: (خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم) والملائكة خلقهم الله ذوي أجنحة، مثنى وثلاث ورباع، وجبريل له ستمائة جناح كما جاءت بذلك السنة عن رسول الله ﷺ ، وهم يطيرون بأجنحتهم، ويتحولون إلى صورة الإنسان كما جاء في أول الحديث، وكما جاء في قصة ضيوف إبراهيم، وفي مجيء جبريل إلى مريم بصورة بشر. وهم ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦]، فهم مستسلمون منقادون دائماً وأبداً، وقد وكلوا بأعمال كثيرة، فمنهم الموكل بالوحي، ومنهم الموكل بالقطر، ومنهم الموكل بالموت، ومنهم الموكل بالجنة والنار، ومنهم الموكل بالحفظ والكتابة، ومنهم الموكل بالجبال، ومنهم الموكل بالأرحام، ويجب التصديق والإيمان بكل ما جاء في الكتاب وثبتت به السنة عن رسول الله ﷺ من أخبار الملائكة. وهم خلق كثير لا يعلمه إلا الله ، ومما يدل على كثرتهم الحديث الصحيح في البيت المعمور وهو في السماء السابعة، وقد جاء في الحديث: (أنه يدخله كل يوم سبعون ألفاً من الملائكة، ثم لا يعودون إليه)، ومعنى هذا: أنه كل يوم يدخل سبعون ألفاً ولا يتاح لمن دخله أن يرجع إليه مرة أخرى، والحديث يدل على كثرتهم، وأنهم جند لا يحصيهم إلا الله ، وكذلك الحديث الذي فيه: (أن جهنم لها سبعون ألف زمام، وكل زمام معه سبعون ألف ملك يجرونها). وكل إنسان معه حفظة وكتبة من الملائكة. وقدم ذكرهم على غيرهم في الأصول الستة؛ لأنهم هم الذين يأتون بالوحي إلى الرسل؛ فهم الواسطة بين الله وبين رسله، ثم ذكر بعدهم الكتب؛ لأنهم ينزلون بالكتب، ثم جاء ذكر الرسل؛ لأنهم هم الذين تصل إليهم الكتب من الملائكة، فجاء الترتيب بذكر الإيمان بالملائكة؛ لأنهم الذين يأخذون عن الله، ثم الذي يأخذونه هو الكتب وينزلون بها، ثم الرسل الذين تنتهي الرسالة إليهم، حيث ينتهي الرسول الملكي إلى الرسول البشري فيبلغه ما أنزل عليه. وقد جاء وصف الملائكة بالرسالة لا بالنبوة: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج:٧٥] ﴿جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ﴾ [فاطر:١] فوصفوا بأنهم رسل، وما وصفوا بأنهم أنبياء، وعلى هذا فإن الأصل في هذا الباب أن الإيمان بالملائكة من علم الغيب، وأنه لا يثبت فيهم إلا ما ثبت بالدليل، ولا يتكلم بشيء من غير علم؛ لأن علم الغيب لا يعرف إلا بالوحي. فالإيمان بالله من علم الغيب؛ وإضافة شيء من الصفات والأسماء إليه، لا يثبت إلا عن طريق الوحي، ولا يعلمه الناس من تلقاء أنفسهم، والإيمان بالملائكة من الإيمان بالغيب؛ لأنهم لا يشاهدون ولا يعاينون، بل يكونون قريبين من الإنسان يكتبون ويحفظون، ومع ذلك لا يشاهدهم الناس، ومثلهم الجن الذين يكونون حول الإنس ولا يشاهدونهم ولا يعاينونهم، كما قال الله : ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف:٢٧].

стр. 16033

الإيمان بالكتب قوله: (وكتبه). الكتب هي من كلام الله ، وكلام الله لا ينحصر ولا ينتهي، لأنه لا بداية له ولا نهاية له، والمخلوقات كلها محصورة، ولهذا جاء في القرآن الكريم آيتان تدلان على سعة كلام الله وكثرته، وأنه لا يحاط به، وأن البحور الزاخرة لو تحولت مداداً يكتب به لنفدت البحور ولو ضوعفت أضعافاً مضاعفة؛ لأنها لو ضوعفت مع سعتها وكثرة مائها فهي محصورة، وكلام الله لا ينحصر؛ قال الله : ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾ [الكهف:١٠٩]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [لقمان:٢٧] فهاتان الآيتان الكريمتان دالتان على أن كلام الله لا ينحصر. والقرآن من كلام الله، والتوراة من كلام الله، والإنجيل من كلام الله، والزبور من كلام الله، وكل كتاب أنزله الله فهو من كلامه، وكل كلام سمعه منه ملك أو إنس فإنه من كلامه، ومعلوم أن الرسول ﷺ كلمه الله وأن موسى كلمه الله، فكل منهما كليم الله، وإذا دخل أهل الجنة فإنه يكلم أهل الجنة. والإيمان بالكتب يكون بأن نصدق بما جاء في الكتاب والسنة من كتب أنزلها الله، وكذلك ما لم يذكر لنا؛ لأنه ليس كل كتاب قص علينا، وكل رسول قد أنزل الله عليه كتاباً كما قال الله : ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [الحديد:٢٥]، فنؤمن بالذي سمي باسمه، والذي لم يسم نؤمن به على سبيل الإجمال وإن لم نعرف اسمه، فالتوراة والإنجيل والزبور كلها كتب منزلة، فالزبور كتاب أنزله الله على داود، وكتاب أنزله الله على موسى وهو التوراة، وكتاب أنزله الله على عيسى وهو الإنجيل، وكذلك صحف إبراهيم وموسى، وهذه هي التي سميت في القرآن، وغيرها لم يسم، ونحن نؤمن بالجميع، ونقول: إن هذه الكتب من جملة كلام الله. ونعلم أن هذه الكتب مشتملة على ما فيه الخير والسعادة لمن أنزلت عليه، وأن من أخذ بها فقد سعد، ومن أعرض عنها فقد خاب وخسر.

стр. 16034

الإيمان بالرسل قوله: (ورسله) الإيمان برسل الله وهم من البشر، أرسلهم الله وأوحى إليهم، وأمرهم بالتبليغ، وقاموا بأداء ما كلفوا به على التمام والكمال، ودلوا أممهم على كل ما أمروا بتبليغه لهم، وما بعث الله من نبي إلا ودل أمته على خير ما يعلم لها، وحذرها من شر ما يعلم لها، كما جاءت بذلك السنة عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه. ونحن نؤمن بمن سمي منهم على سبيل التفصيل، ومن لم يسم نؤمن به وإن لم نعرف اسمه، والله ذكر في القرآن خمسة وعشرين، جاء ثمانية عشر منهم في سورة الأنعام، قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:٨٣ - ٨٦]. ويبقى بعدهم سبعة وهم: آدم وهود وشعيب وصالح ومحمد ﷺ وذو الكفل وإدريس، وقد جاء سبعة عشر منهم في سورة الأنبياء. هؤلاء الخمسة والعشرون جاء ذكرهم في القرآن، فنحن نؤمن بهم وبأسمائهم وهم الذين قصوا علينا، ونؤمن بغيرهم ممن لم يقص علينا. ثم إن هناك رسلاً وهناك أنبياء، والفرق بين النبي والرسول كما قال بعض أهل العلم: أن الرسول هو الذي أوحي إليه بشريعة ابتداءً، وأنزل عليه الكتاب، وأمر بتبليغه، والنبي هو الذي أمر بأن يبلغ رسالة سابقة، ولم ينزل عليه كتاب، ولكنه كلف بأن يحكم بكتاب، أو أن يبلغ كتاباً. وهذا مثل أنبياء بني إسرائيل من بعد موسى الذين قال الله عنهم في سورة المائدة: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ [المائدة:٤٤] فقوله: ((الَّذِينَ أَسْلَمُوا)) صفة كاشفة، وهناك قال: إنهم يحكمون بالتوراة، والتوراة أنزلت على موسى، وإذاً هم مأمورون بأن يبلغوا التوراة، ولهذا فالنبي مرسل كما قال الله : ﴿وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الأَوَّلِينَ﴾ [الزخرف:٦] وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ﴾ [الحج:٥٢] فوصف الرسول بأنه مرسل، والنبي بأنه مرسل، إلا أن هذا أرسل بكتاب وبشرع جديد أنزل عليه، وهذا يبلغ رسالة سابقة، ويحكم بكتاب سابق أنزل على من قبله ولم ينزل عليه. وقد جاء في القرآن وصف بعض الرسل بأنهم أنبياء ورسل، كما جاء في حق نبينا محمد ﵊: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ [المائدة:٤١] وجاء: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ [الأنفال:٦٤] فخاطبه الله بالنبوة، وخاطبه بالرسالة. وجاء في حق موسى قول الله : ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ [مريم:٥١] وجاء في حق إسماعيل: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ [مريم:٥٤] فنبينا محمد ﵊ أول ما نزل عليه الوحي لم يؤمر بالتبليغ، ثم نزلت سورة المدثر فصار رسولاً نبياً فهو قد نبئ بإقرأ وأرسل بالمدثر كما قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ في الأصول الثلاثة، فيكون بذلك قد جمع بين النبوة والرسالة صلوات الله وسلامه وبركاته عليه. والواجب هو التصديق والإيمان بكل ما جاء من أسمائهم، ومن الأخبار التي جاءت عنهم، ونحن لا نعرف ذلك إلا بالكتاب العزيز أو بالسنة.

стр. 16035

الإيمان باليوم الآخر قوله: (اليوم الآخر) وهو الذي بعد اليوم الأول، أي: الدنيا، والحد الفاصل بين الدنيا والآخرة الموت، فكل من مات انتقل من الدنيا إلى الآخرة، وهذه الآخرة فيها حياة برزخية، وحياة بعد البعث، ولكنها كلها على طريقة واحدة من ناحية أنها دار جزاء وليست دار عمل، وقد قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، كما ذكره البخاري عنه في كتاب الرقاق: إن الدنيا قد ارتحلت مدبرة، وإن الآخرة قد ارتحلت مقبلة، ولكل منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب، وغداً حساب ولا عمل. الحساب يبدأ بالموت، والعذاب يبدأ بالموت؛ لأن الإنسان يعذب في قبره، سواءً كان كافراً أو مسلماً استحق العذاب. ويدل على عذاب الكفار في القبور قول الله عن آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦] وبالنسبة للمسلمين ما جاء في قصة الرجلين اللذين كان أحدهما لا يستبرئ من البول، وكان الثاني يمشي بالنميمة، وقد أطلع الله نبيه ﷺ على سبب عذابهما في القبر، ووضع جريدتين على قبريهما، وقال: (لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا).
следующие страницы →