Полный текст (18 341 стр.). Показаны 16171–16210 · переход к 16176.
стр. 16171
طريق أخرى لحديث: (لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال: من خلق الله)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن عمرو حدثنا سلمة -يعني ابن الفضل - حدثني محمد -يعني: ابن إسحاق - حدثني عتبة بن مسلم مولى بني تميم عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: فذكر نحوه، قال: (فإذا قالوا ذلك فقولوا: ﴿اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١ - ٤]، ثم ليتفل عن يساره ثلاثاً، وليستعذ من الشيطان)].
يعني: أن هذه الأمور إذا حصلت له فإنه يقول: ﴿اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص:١ - ٢] يذكر الله ويعظمه، وينصرف عن تلك الأشياء التي خطرت له، فالله واحد لا شريك له، وهو المتفرد بالخلق والإيجاد، وهو الذي يملك النفع والضر، وهو الذي بيده ملكوت كل شيء، وهو الخالق لكل شيء ، وهو الصمد الذي هو مستغنٍ عن كل من سواه، وكل من عداه فهو مفتقر إليه، ولا يستغني عن الله طرفة عين.
فيستحضر هذه المعاني العظيمة، التي تدل على وحدانية الله ، وعلى تفرده بالخلق والإيجاد، وعلى كمال غناه وفقر كل أحد إليه، وأنه لا يستغني عن الله طرفة عين، وفي ذلك الابتعاد عن هذا الذي يلقيه الشيطان في ذهن الإنسان، من مثل هذه الأمور السيئة التي من الصعوبة على الإنسان أن يتلفظ بها، وقد جاء عن النبي ﷺ أنه: (سئل عن الرجل يجد في نفسه ما يتعاظم أن يتكلم به؟ قال: وقد وجدتم ذلك؟ قالوا: نعم، قال: ذاك صريح الإيمان) يعني: كون الإنسان يستعظم هذه الأمور ويصعب عليه أن يتكلم بها، فهذا يدل على إيمانه.
لكن من يسهل عليه أن يتكلم بمثل هذه الأمور، أو تأتي شبه فيطلقها ويتبناها ويدعو إليها، فهذا هو الذي أصابه البلاء من الشيطان، بحيث أغواه في الداخل، ثم تجاوز الحد إلى أن أظهر ذلك وتبناه ودعا إليه.
قوله: [(﴿اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٢ - ٤])].
فهو لكونه صمداً غني عن كل من سواه، ثم أتى بعد ذلك ما يوضح ويبين استغناء الله فقال: (﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٣ - ٤]) فنفى عنه الأصول والفروع والنظراء الذين يشابهونه ويماثلونه وينادّونه، وإنما هو واحد في ذاته وفي صفاته، لا شريك له في الخلق والإيجاد، ولا شريك له فيما يختص به مما يتصف به من الصفات، ولا شريك له في العبادة، بل هو المستحق للعبادة وحده لا شريك له.
فقوله: [(((لَمْ يَلِدْ)) [الإخلاص:٣])] نفي للفروع، [(((وَلَمْ يُولَدْ)) [الإخلاص:٣])] نفي للأصول، [(﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤])] نفي للأشباه والنظراء.
стр. 16172
تراجم رجال إسناد الطريق الأخرى لحديث: (لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال: من خلق الله)
قوله: [حدثنا محمد بن عمرو].
محمد بن عمرو الرازي، وهو ثقة، أخرج له البخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجة.
[حدثنا سلمة -يعني: ابن الفضل -].
صدوق كثير الخطأ أخرج له أبو داود والترمذي وابن ماجة في التفسير.
[حدثني محمد -يعني ابن إسحاق -].
محمد بن إسحاق المدني، وهو صدوق أخرج حديثه البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.
[حدثني عتبة بن مسلم مولى بني تميم].
وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي.
[عن أبي سلمة بن عبد الرحمن].
أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وهو ثقة فقيه، أحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين على أحد الأقوال الثلاثة في السابع منهم، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي هريرة].
قد مر ذكره.
стр. 16173
شرح حديث الأوعال
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن الصباح البزاز حدثنا الوليد بن أبي ثور عن سماك عن عبد الله بن عميرة عن الأحنف بن قيس عن العباس بن عبد المطلب قال: (كنت في البطحاء في عصابة فيهم رسول الله ﷺ ، فمرت بهم سحابة فنظر إليها فقال: ما تسمون هذه؟ قالوا: السحاب، قال: والمزن؟ قالوا: والمزن، قال: والعنان؟ قالوا: والعنان، -قال أبو داود: لم أتقن العنان جيداً- قال: هل تدرون ما بعد ما بين السماء والأرض؟ قالوا: لا ندري، قال: إن بعد ما بينهما إما واحدة أو اثنتان أو ثلاث وسبعون سنة، ثم السماء فوقها كذلك، حتى عد سبع سماوات، ثم فوق السابعة بحراً بين أسفله وأعلاه مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم فوق ذلك ثمانية أوعال بين أظلافهم وركبهم مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم على ظهورهم العرش بين أسفله وأعلاه مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم الله ﵎ فوق ذلك)].
أورد أبو داود حديث العباس بن عبد المطلب، ومحل الشاهد منه في باب الرد على الجهمية نفاة الصفات أن الله تعالى فوق العرش، فإنه لما ذكر هذا الحديث بطوله، قال في آخره بعد أن ذكر العرش: [(والله فوق ذلك)] يعني فوق العرش.
وفوقية الله وعلوه قد جاءت في آيات كثيرة، فهو متصف بالعلو بأنواعه الثلاثة: علو القدر، وعلو القهر، وعلو الذات.
وجاء في الآيات والأحاديث الكثيرة أن الله تعالى فوق العرش، وأنه قد استوى على العرش، وأن الملائكة تعرج إليه، وكل ذلك يدل على علو الله ، وقد ذكر بعض أهل العلم أن أدلة علو الله تبلغ ألف دليل من الكتاب والسنة، لكثرتها وتنوعها.
وهذا الحديث فيه رجل ضعيف، فهو حديث ضعيف؛ ولكن الأمر الذي أورده أبو داود من أجله وهو ما يتعلق بعلو الله وفوقيته ثابت بالآيات الكثيرة والأحاديث المتواترة، فقد جاء الاستواء على العرش في سبع آيات من كتاب الله.
قوله: [(كنت في البطحاء في عصابة فيهم رسول الله ﷺ البطحاء هي المحصب، وهو مسيل واد فيه دقاق الحصباء فقيل له: المحصب، وهو في مكة.
قوله: [(فمرت بهم سحابة فنظر إليها فقال: ما تسمون هذه؟ قالوا: السحاب، قال: والمزن؟ قالوا: والمزن، قال: والعنان؟ قالوا: والعنان)].
هذه كلها أسماء للسحاب، قال تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ﴾ [الواقعة:٦٩]، ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [البقرة:١٦٤].
قوله: [(قال: هل تدرون ما بعد ما بين السماء والأرض؟)].
بعد ما بين السماء والأرض التي فيها ذلك السحاب، فالسحاب يكون في هذا العلو الذي بين السماء والأرض، كما قال الله : ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [البقرة:١٦٤].
قوله: [(إن بعد ما بينهما إما واحدة أو اثنتان أو ثلاث وسبعون سنة)].
يعني: مسيرة ثلاث وسبعين سنة أو اثنتين وسبعين سنة أو إحدى وسبعين سنة، يعني: أن المسافة بعيدة وشاسعة تقطع بهذه السنين.
قوله: [(ثم السماء فوقها كذلك، حتى عد سبع سماوات)].
يعني: أن ما بين كل سماء إلى سماء مثل هذا المقدار.
قوله: [(ثم فوق السابعة بحر بين أسفله وأعلاه مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم فوق ذلك ثمانية أوعال بين أظلافهم وركبهم مثل ما بين سماء إلى سماء)].
الأوعال من الحيوانات المتوحشة التي مما تكون في البر، وهو من الصيد، وهذا الوصف يخالف ما وصف به الملائكة بأنهم: ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [فاطر:١].
قوله: [(ثم على ظهورهم العرش بين أسفله وأعلاه مثل ما بين سماء إلى سماء)].
أي أن سمك العرش كذلك.
والحديث كما أسلفت فيه رجل ضعيف، فهو غير ثابت، ولكن الأمر الذي سيق الحديث من أجله وهو كون الله تعالى فوق العرش ثابت، وفي ذلك رد على الجهمية الذين يقولون: إن الله ليس فوق العرش، ويقولون: إنه في كل مكان، أو يقولون: إنه لا داخل العالم ولا خارج العالم، فإن قوله: [(فوق العرش)] يدل على خلاف ما قالوه وعلى إبطال ما قالوه.
стр. 16174
تراجم رجال إسناد حديث الأوعال
قوله: [حدثنا محمد بن الصباح البزاز].
محمد بن الصباح البزاز ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا الوليد بن أبي ثور].
هو ضعيف، أخرج له البخاري في الأدب المفرد وأبو داود والترمذي وابن ماجة.
[عن سماك].
سماك بن حرب، وهو صدوق أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.
[عن عبد الله بن عميرة].
هو مقبول، أخرج له أبو داود والترمذي وابن ماجة.
[عن الأحنف بن قيس].
وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن العباس بن عبد المطلب] عم رسول الله ﷺ ، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
стр. 16175
ذكر ما نقله السندي في شرح حديث الأوعال والتعليق عليه
قال السندي في حاشيته على ابن ماجة (الأوعال جمع وعل، والمراد أن الملائكة على صورة الأوعال، (ثم الله فوق ذلك) تصويراً لعظمته وفوقيته على العرش بالعلو والعظمة والحكم، لا الحلول والمكان انتهى.
هذه العبارة غير صحيحة، فالله تعالى بذاته وصفاته فوق عرشه، وهو كما يليق به، ولا يجوز أن يتكلم في أمور أخرى ما جاء إثباتها ولا نفيها في الكتاب والسنة، والله عظيم الذات وعظيم القدر، وعلي الذات وعلي القدر وعلي القهر، وكل هذه الصفات لله وهو متصف بها، وهو بذاته فوق عرشه كما صرح بذلك علماء أهل السنة، ومنهم ابن أبي زيد القيرواني في مقدمة رسالته فإنه قال: فوق العرش المجيد بذاته؛ لكن كيفية استوائه على عرشه لا يبحث عنها، كما قال الإمام مالك رحمة الله عليه لما سأله سائل: كيف استوى؟ قال: الاستواء معلوم والكيف مجهول.
فالاستواء معلوم لأن الناس خوطبوا بكلام يفهمونه، والاستواء معروف أنه العلو والارتفاع، ولهذا فسروه بالعلو والارتفاع، فمعنى أن الله استوى على عرشه أنه ارتفع عليه وعلا عليه، لكن كيفية هذا هي التي لا تعلم، ولهذا فإن أهل السنة يعتقدون التفويض في الكيف دون التفويض في المعنى، بخلاف المبتدعة الذين هم إما مفوضة يقولون: الله أعلم بمراده، فلا يعرفون معنى ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، ومعنى ذلك أن الناس خوطبوا بكلام لا يفهمون معناه، وإما مؤولة.
والصحابة ﵃ وأرضاهم فهموا معنى ما خوطبوا به؛ ولم يسألوا عن المعنى لأنهم عارفون بالمعنى، ولكن السؤال عن الكيفية هو الذي لا يجوز.
قال في الحاشية: ولقد كتب الشيخ زاهد الكوثري في مقالاته مقالة باسم الصورة والأوعال، ونقل عن ابن العربي قوله: أمور تلقفت عن أهل الكتاب ليس لها أصل في الصحة.
ونحن نقول: حديث الأوعال لم يثبت، ولكن ما يتعلق بعلو الله واستوائه على عرشه قد أثبته أهل السنة والجماعة وتأوله من تأوله من المبتدعة، وزاهد الكوثري هو من هؤلاء المبتدعة الذين انحرفوا عن الجادة وعن الصراط المستقيم، وصار عنده كلام كثير في النيل من أهل السنة ولمزهم والتعرض لهم، فهو فيما يتعلق بالعقيدة منحرف وليس من أهل السنة والجماعة، بل هو من ألد أعداء أهل السنة والجماعة.
стр. 16176
طريق ثانية لحديث الأوعال وتراجم رجال إسنادها
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا أحمد بن أبي سريج أخبرنا عبد الرحمن بن عبد الله بن سعد ومحمد بن سعيد قالا: أخبرنا عمرو بن أبي قيس عن سماك بإسناده ومعناه.
ذكر المصنف هذا الحديث بإسناد آخر، فقال عندما وصل إلى سماك: [بإسناده ومعناه].
قوله: [حدثنا أحمد بن أبي سريج].
أحمد بن أبي سريج هو أحمد بن الصباح بن أبي سريج، وهو ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والنسائي.
[أخبرنا عبد الرحمن بن عبد الله بن سعد].
ثقة، أخرج له البخاري في جزء القراءة وأصحاب السنن.
[ومحمد بن سعيد].
ثقة، أخرج له أبو داود والنسائي.
[عن عمرو بن أبي قيس].
صدوق له أوهام، أخرج حديثه البخاري تعليقاً وأصحاب السنن.
[عن سماك].
مر ذكره.
وفيه عبد الله بن عميرة الذي هو مقبول.
стр. 16177
طريق ثالثة لحديث الأوعال وتراجم رجال إسنادها
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا أحمد بن حفص حدثني أبي حدثنا إبراهيم بن طهمان عن سماك بإسناده ومعنى هذا الحديث الطويل].
ثم ذكر حديث الأوعال بإسناد ثالث وأحال على الإسناد الأول، وأنه بإسناده ومعناه، وكله عن سماك عن عبد الله بن عميرة عن الأحنف بن قيس عن العباس.
قوله: [حدثنا أحمد بن حفص].
أحمد بن حفص بن عبد الله، وهو صدوق أخرج له البخاري وأبو داود والنسائي.
[حدثني أبي].
هو حفص بن عبد الله، وهو صدوق، أخرج له البخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجة.
[حدثنا إبراهيم بن طهمان].
ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن سماك].
قد مر ذكره.
стр. 16178
شرح حديث أطيط العرش بالله تعالى
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عبد الأعلى بن حماد ومحمد بن المثنى ومحمد بن بشار وأحمد بن سعيد الرباطي قالوا: حدثنا وهب بن جرير -قال أحمد: كتبناه من نسخته.
وهذا لفظه- قال: حدثنا أبي، سمعت محمد بن إسحاق يحدث عن يعقوب بن عتبة عن جبير بن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه عن جده قال: أتى رسول الله ﷺ أعرابي فقال: (يا رسول الله! جهدت الأنفس، وضاعت العيال، ونهكت الأموال، وهلكت الأنعام، فاستسق الله لنا، فإنا نستشفع بك على الله، ونستشفع بالله عليك، قال رسول الله ﷺ : ويحك! أتدري ما تقول؟ وسبَّح رسول الله ﷺ ، فما زال يسبح حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه، ثم قال: ويحك! إنه لا يستشفع بالله على أحد من خلقه، شأن الله أعظم من ذلك، ويحك! أتدري ما الله؟ إن عرشه على سماواته لهكذا -وقال بإصبعه مثل القبة- مثل القبة عليه، وإنه ليئط به أطيط الرحل بالراكب).
قال ابن بشار في حديثه: (إن الله فوق عرشه، وعرشه فوق سماواته) وساق الحديث.
وقال عبد الأعلى وابن المثنى وابن بشار: عن يعقوب بن عتبة وجبير بن محمد بن جبير عن أبيه عن جده، والحديث بإسناد أحمد بن سعيد هو الصحيح، وافقه عليه جماعة منهم يحيى بن معين وعلي بن المديني، ورواه جماعة عن ابن إسحاق كما قال أحمد أيضاً، وكان سماع عبد الأعلى وابن المثنى وابن بشار من نسخة واحدة فيما بلغني].
أورد أبو داود حديث جبير بن مطعم النوفلي ﵁ أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ وقال: [(جهدت الأنفس، وضاع العيال، ونهكت الأموال، وهلكت الأنعام، فاستسق الله لنا؛ فإننا نستشفع بك على الله، ونستشفع بالله عليك)] فلما قال: [(نستشفع بالله عليك)] قال ﵇: [(ويحك! أتدري ما تقول؟ وسبح الرسول ﷺ ، فما زال يسبح حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه، ثم قال: ويحك! إنه لا يستشفع بالله على أحد من خلقه، شأن الله أعظم من ذلك!)].
أي: وإنما الاستشفاع يكون من المخلوق، حيث يطلب منه أن يشفع مثلما يشفع النبي ﷺ في الحياة الدنيا، بأن يطلب منه الدعاء فيدعو ويجيب الله دعوته، وفي الآخرة تطلب منه الشفاعة عندما يكون الناس في الموقف فيشفع، وكذلك يشفع في الخروج من النار، وشفاعة رسول الله ﷺ أنواع متعددة، فالشفاعة تكون من الأدنى إلى الأعلى أما أن يشفع الأعلى عند الأدنى فلا، والقول بأن الله يستشفع به على خلقه قول خطير وأمر عظيم، ولهذا سبَّح النبي ﷺ مستعظماً ومتعجباً، وقال: [(شأن الله أعظم من ذلك)].
ثم ذكر أنه فوق عرشه، وأن عرشه فوق مخلوقاته، وقال: [(إنه ليئط به أطيط الرحل بالراكب)] والرحل هو الخشب الذي يجعل على البعير ويركب عليه الراكب، وإذا كان الراكب ثقيلاً فإنه يصير له صوت من ثقل الراكب عليه.
وهذا الحديث الذي فيه أن العرش يئط بالله غير صحيح، وفي إسناده من هو متكلم فيه، ولكن الشيء الذي ساقه أبو داود من أجله -وهو أن الله تعالى فوق عرشه- قد جاء في آيات كثيرة وأحاديث عديدة عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، والحجة بها دونه، ويكفي ما ورد مما صح عما لم يصح.
يقول الخطابي: هذا الكلام إذا أجري على ظاهره كان فيه نوع من الكيفية، والكيفية عن الله وصفاته منفية، فعقل أن ليس المراد منه تحقيق هذه الصفة، ولا تحديده على هذه الهيئة، وإنما هو كلام تقريب أريد به تقرير عظمة الله وجلاله سبحانه، وإنما قُصد به إفهام السائل من حيث يدركه فهمه، إذ كان أعرابياً جلفاً لا علم له بمعاني ما دق من الكلام، وبما لطف منه عن درك الإفهام، وفي الكلام حذف وإضمار، فمعنى قوله: (أتدري ما الله؟) معناه: أتدري ما عظمة الله وجلاله؟) وأقول: هذا كلام لا حاجة إليه، والحديث كما هو معلوم غير ثابت، وأما كون الله تعالى فوق عرشه فإنه ثابت في الآيات الكثيرة والأحاديث المتواترة.
стр. 16179
تراجم رجال إسناد حديث أطيط العرش
قوله: [حدثنا عبد الأعلى بن حماد].
هو لا بأس به، أخرج له البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي.
[ومحمد بن المثنى].
محمد بن المثنى أبو موسى الزمن، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو شيخ لأصحاب الكتب الستة.
[ومحمد بن بشار].
محمد بن بشار الملقب بندار، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو شيخ لأصحاب الكتب الستة.
[وأحمد بن سعيد الرباطي].
وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة.
[قالوا: حدثنا وهب بن جرير].
وهب بن جرير بن أبي حازم، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا أبي].
وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[سمعت محمد بن إسحاق].
محمد بن إسحاق المدني، وهو صدوق، أخرج حديثه البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.
[يحدث عن يعقوب بن عتبة].
وهو ثقة، أخرج له أبو داود والنسائي وابن ماجة.
[عن جبير بن محمد بن جبير بن مطعم].
وهو مقبول، أخرج له أبو داود.
[عن أبيه].
محمد بن جبير، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن جده].
وهو جبير بن مطعم النوفلي صاحب رسول الله ﷺ ، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
قوله: [وقال عبد الأعلى وابن المثنى وابن بشار: عن يعقوب بن عتبة وجبير بن محمد بن جبير].
ساق أبو داود إسناد الحديث على لفظ الشيخ الأخير أحمد بن سعيد الرباطي، وفيه أن يعقوب بن عتبة يروي عن جبير بن محمد، وأنه تلميذه، وأما الثلاثة الشيوخ الأول فإنهم أتوا بالواو بدل (عن) فصار جبير بن محمد مع يعقوب بن عتبة يرويان عن محمد بن جبير.
قوله: [والحديث بإسناد أحمد بن سعيد هو الصحيح] معناه أن الصحيح هو ما جاء عن أحمد بن سعيد وهو أن يعقوب بن عتبة يروي عن جبير بن محمد بن جبير بلفظ (عن)، وهي صيغة أداء، وليس فيه لفظ الواو التي هي صيغة عطف، ثم ذكر ما يؤيد ذلك، وهو أن أناساً آخرين رووه كما رواه أحمد بن سعيد، بل إن محمد بن إسحاق قد رواه عنه أناس آخرون كما رواه أحمد بن سعيد الرباطي، قال أبو داود: [وافقه عليه جماعة، منهم يحيى بن معين وعلي بن المديني ورواه جماعة أن ابن إسحاق كما قال أحمد أيضاً].
فأيد أبو داود لفظ أحمد بن سعيد بوجوه هي: أولاً: أن يحيى بن معين وغيره قد وافقوه، ورووه بعن كما رواه هو.
ثانياً: أن محمد بن إسحاق رواه عنه أناس آخرون كما رواه أحمد بن سعيد أي بصيغة (عن).
ثم أضاف إلى ذلك أن رواية الشيوخ المخالفين لـ أحمد بن سعيد كائنة من نسخة واحدة، ولهذا جاء اتفاقهم على ذكر الواو، قال: [وكان سماع عبد الأعلى وابن المثنى وابن بشار من نسخة واحدة فيما بلغني].
стр. 16180
شرح حديث وصف أحد ملائكة العرش
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا أحمد بن حفص بن عبد الله حدثني أبي حدثنا إبراهيم بن طهمان عن موسى بن عقبة عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ قال: (أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش، إن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام)].
أورد أبو داود هذا الحديث عن جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنهما.
قوله: [(أذن لي)] الرسول ﷺ إذا قال: أذن لي، فالآذن له هو الله، كما أنه إذا قال: أمرت ونهيت، فالآمر والناهي هو الله، وأما الصحابة إذا قالوا: أمرنا بكذا ونهينا عن كذا، فالآمر والناهي لهم رسول الله ﷺ .
قوله: [(أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش، إن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام)].
أي: فإذا كان ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه سبعمائة عام، فكيف ببقية جسمه؟ أي فهو على ضخامة عظيمة لا يعلم كنهها وقدرها إلا الله .
وقد ذكر هذا الحديث في هذا الباب لأنه يتعلق بإثبات العرش، والله تعالى فوق العرش.
стр. 16181
تراجم رجال إسناد حديث وصف أحد ملائكة العرش
قوله: [حدثنا أحمد بن حفص بن عبد الله حدثني أبي].
مر ذكرهما.
[حدثنا إبراهيم بن طهمان].
مر ذكره أيضاً.
[عن موسى بن عقبة].
موسى بن عقبة المدني، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن محمد بن المنكدر].
ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن جابر بن عبد الله].
وهو أحد الصحابة السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ .
стр. 16182
شرح حديث وضع النبي أصبعيه على عينه وأذنه لإثبات صفتي السمع والبصر
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا علي بن نصر ومحمد بن يونس النسائي المعنى قالا: حدثنا عبد الله بن يزيد المقرئ حدثنا حرملة -يعني ابن عمران - حدثني أبو يونس سليم بن جبير مولى أبي هريرة قال: سمعت أبا هريرة يقرأ هذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء:٥٨]، إلى قوله تعالى: ﴿سَمِيعًا بَصِيرًا﴾، قال: (رأيت رسول الله ﷺ يضع إبهامه على أذنه والتي تليها على عينه)، قال أبو هريرة: (رأيت رسول الله ﷺ يقرؤها ويضع أصبعيه) قال ابن يونس: قال المقرئ: يعني أن الله سميع بصير، يعني أن لله سمعاً وبصراً.
قال أبو داود: وهذا رد على الجهمية].
أورد أبو داود حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قرأ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء:٥٨]، ويضع إبهامه على أذنه والأصبع التي تليها على عينه، أي: أنه يبين السمع والبصر، ولكن ليس في ذلك تشبيه، وإنما هو بيان للسمع والبصر، وأن الله تعالى سميع بصير.
ومعلوم أن الله له سمع وبصر، لا كالأسماع والأبصار، وللمخلوقين أسماع وأبصار معروفة مشاهدة معاينة، وما يضاف إلى الله من السمع والبصر يختلف عما يضاف إلى المخلوقين من السمع والبصر، وإنما فعل الرسول ﷺ ذلك ليبين إثبات السمع والبصر لله تعالى، وليس في ذلك شيء سوى هذا، ولهذا قال في آخره نقلاً عن المقرئ: [يعني أن لله سمعاً وبصراً].
قوله: [وفي ذلك رد على الجهمية] أي الذين ينفون صفتي السمع والبصر عن الله ، والله جمع بين إثبات السمع والبصر وتنزيهه عن المشابهة، فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، فأثبت السمع والبصر ونفى المشابهة.
فالتشبيه أن يقول الإنسان: لله سمع كسمعي وبصر كبصري، وأما أن يقول: سمع لا كالأسماع وبصر لا كالأبصار، فهذا ليس فيه تشبيه.
وليس لأحد الآن إذا روى هذا الحديث أن يصنع كما صنع رسول الله ﷺ ؛ لأنه قد يفعل ذلك من لا يفهم، فيترتب على ذلك المحذور الذي هو التشبيه، أو تصور التشبيه، ولا نفصل فنقول: إن كان بين طلبة علم يعرفون جاز ذلك، بل نقول: يكفي قراءة الحديث، فإنه واضح في تحديد المراد.
стр. 16183
تراجم رجال إسناد حديث وضع النبي أصبعيه على عينه وأذنه
قوله: [حدثنا علي بن نصر].
علي بن نصر هو الجهضمي، وهو ثقة، أخرج له مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي.
[ومحمد بن يونس النسائي].
وهو ثقة، أخرج له أبو داود.
[حدثنا عبد الله بن يزيد المقرئ].
وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا حرملة -يعني ابن عمران -].
وهو ثقة، أخرج له البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة.
[حدثني أبو يونس سليم بن جبير مولى أبي هريرة].
وهو ثقة أخرج له البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأبو داود والترمذي.
[سمعت أبا هريرة].
قد مر ذكره.
стр. 16184
نقل كلام صاحب عون المعبود في شرح حديث وضع النبي أصبعيه على عينه وأذنه
ذكر صاحب عون المعبود في شرح هذا الحديث كلاماً نفيساً فقال: قال الإمام الخطابي في معالم السنن: وضعه أصبعيه على أذنه وعينه عند قراءته: ((سَمِيعًا بَصِيرًا)) معناه: إثبات صفة السمع والبصر لله سبحانه، لا إثبات العين والأذن، لأنهما جارحتان والله سبحانه موصوف بصفاته منفياً عنه ما لا يليق به من صفات الآدميين ونعوتهم، ليس بذي جوارح ولا بذي أجزاء وأبعاض: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١].
انتهى.
ورد عليه بعض العلماء فقال: قوله: لا إثبات العين والأذن إلى آخره، ليس من كلام أهل التحقيق، وأهل التحقيق يصفون الله تعالى بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله، ولا يبتدعون لله وصفاً لم يرد به كتاب ولا سنة، وقد قال تعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه:٣٩]، وقال: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر:١٤]).
فقد ورد إثبات العين لله ، وأما الأذن فلم يرد فيها إثبات ولا نفي، فلا يجوز التكلم فيها لا إثباتاً ولا نفياً؛ لأن هذا شيء غير معلوم ولم يأت به نص، ومعلوم أن صفات الله وما يضاف إليه هو من علم الغيب ولا يتكلم في الغيب إلا عن طريق الوحي، ولم يأت وحي بذكر الأذن، فلا يجوز إثباتها ولا نفيها؛ لأن الله تعالى أعلم بذاته وصفاته، فلا يضاف إليه شيء ما ورد، ولا ينفى عنه شيء لا يعلم عنه هل هو متصف به أو غير متصف به؛ لأن الله تعالى بيَّن من صفاته ما بين وسكت عما سكت عنه.
وقوله: ليس بذي جوارح ولا بذي أجزاء وأبعاض؛ كلام مبتدع مخترع لم يقله أحد من السلف لا نفياً ولا إثباتاً، بل يصفون الله بما وصف به نفسه ويسكتون عما سكت عنه، ولا يكيفون ولا يمثلون ولا يشبهون الله بخلقه، فمن شبه الله بخلقه فقد كفر، وليس ما وصف الله به نفسه ووصفه به رسوله تشبيهاً، وإثبات صفة السمع والبصر لله حق كما قرره الشيخ.
انتهى كلامه.
قلت: ما قاله هو الحق، وما قاله الخطابي ليس من كلام أهل التحقيق، وعليك أن تطالع كتاب الأسماء والصفات للبيهقي، وإعلام الموقعين، واجتماع الجيوش، والكافية الشافية، والصواعق المرسلة، وتهذيب السنن كلها لـ ابن القيم ﵀، وكتاب العلو للذهبي، وغير ذلك من كتب المتقدمين والمتأخرين.
стр. 16185
نقل كلام الحافظ ابن حجر في الكلام على الصفات
فائدة: قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: أخرج أبو القاسم اللالكائي في كتاب السنة عن أم سلمة ﵂ قالت: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإقرار به إيمان، والجحود به كفر.
ومن طريق ربيعة بن أبي عبد الرحمن أنه سئل: كيف استوى على العرش؟ فقال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، وعلى الله الرسالة، وعلى رسوله البلاغ، وعلينا التسليم.
وأخرج البيهقي بسند جيد عن الأوزاعي أنه قال: كنا والتابعون متوافرون نقول: إن الله على عرشه، ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته.
وأخرج الثعلبي من وجه آخر عن الأوزاعي أنه سئل عن قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤] فقال: هو كما وصف نفسه.
وأخرج البيهقي بسند جيد عن عبد الله بن وهب قال: كنا عند مالك فدخل رجل فقال: يا أبا عبد الله! ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، كيف استوى؟ فأطرق مالك فأخذته الرحضاء، ثم رفع رأسه، فقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، كما وصف به نفسه، ولا يقال: كيف؟ وكيف عنه مرفوع، وما أراك إلا صاحب بدعة، أخرجوه! وفي رواية عن مالك: والإقرار به واجب، والسؤال عنه بدعة.
وأخرج البيهقي من طريق أبي داود الطيالسي قال: كان سفيان الثوري وشعبة وحماد بن زيد وحماد بن سلمة وشريك وأبو عوانة لا يحددون ولا يشبهون، ويروون هذه الأحاديث ولا يقولون: كيف؟ قال أبو داود: وهو قولنا، قال البيهقي: وعلى هذا مضى أكابرنا.
وأسند اللالكائي عن محمد بن الحسن الشيباني أنه قال: اتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالقرآن وبالأحاديث التي جاء بها الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في صفة الرب من غير تشبيه ولا تفصيل، فمن فسر شيئاً منها وقال بقول جهم فقد خرج عما كان عليه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأصحابه وفارق الجماعة؛ لأنه وصف الرب بصفة لا شيء.
هذا هو تفسير الجهمية الذي نتيجته وصف الله بأنه لا شيء، ومعناه أن النهاية أن يقال: إنه لا وجود للذات، لأن الصفات قد نفيت عنها.
فالتفسير الذي ذمه محمد بن الحسن هو تفسير الجهمية، وليس بيان المعنى وتوضيح المعنى.
قال: ومن طريق الوليد بن مسلم قال: سألت الأوزاعي ومالكاً والثوري والليث بن سعد عن الأحاديث التي فيها الصفة، فقالوا: أمروها كما جاءت بلا كيف.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الشافعي أنه يقول: لله أسماء وصفات لا يسع أحداً ردها، ومن خالف بعد ثبوت الحجة عليه فقد كفر، وأما قبل قيام الحجة فإنه يعذر بالجهل، فنثبت هذه الصفات وننفي عنه التشبيه كما نفى عن نفسه فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١].
وأسند البيهقي عن أبي بكر الضبعي أنه قال: مذهب أهل السنة في قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] قال: بلا كيف.
والآثار فيه عن السلف كثيرة، وهذه طريقة الشافعي وأحمد بن حنبل.
وقال الترمذي في الجامع عقب حديث أبي هريرة في النزول: وهو على العرش كما وصف به نفسه في كتابه، كذا قال غير واحد من أهل العلم في هذا الحديث وما يشبهه من الصفات.
وقال في باب فضل الصدقة: تثبت هذه الروايات ونؤمن بها ولا نتوهم ولا يقال: كيف؟ كذا جاء عن مالك وابن عيينة وابن المبارك أنهم قالوا: أمروها بلا كيف، وهذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة، وأما الجهمية فأنكروها وقالوا: هذا تشبيه! وقال إسحاق بن راهويه: إنما يكون التشبيه لو قيل: يد كيد، وسمع كسمع.
وقال في تفسير المائدة: قال الأئمة نؤمن بهذه الأحاديث من غير تفسير، منهم الثوري ومالك وابن عيينة وابن المبارك.
وقال ابن عبد البر: أهل السنة مجمعون على الإقرار بهذه الصفات الواردة في الكتاب والسنة، ولم يكيفوا شيئاً منها، وأما الجهمية والمعتزلة والخوارج فقالوا: من أقر بها فهو مشبه.
وقال إمام الحرمين: اختلفت مسالك العلماء في هذه الظواهر، فرأى بعضهم تأويلها والتزم ذلك في آي الكتاب وما يصح من السنن، وذهب أئمة السلف إلى الانكاف عن التأويل وإجراء الظواهر على مواردها، وتفويض معانيها إلى الله تعالى.
هذه العبارة المنقولة عن إمام الحرمين في تفويض المعاني إلى الله غير صحيحة، بل المعاني معلومة، ومعلوم أن السمع غير البصر، والبصر غير الاستواء، والاستواء غير الكلام، وكل هذه المعاني فهمها الصحابة؛ لأنهم خوطبوا بالقرآن وهو بلغتهم، ولم يسألوا النبي ﷺ عن تلك المعاني لأنهم قد فهموها، فلا يفوض المعنى ولكن يفوض الكيف.
قال إمام الحرمين: والذي نرتضيه رأياً وندين الله به عقيدة اتباع سلف الأمة؛ للدليل القاطع على أن إجماع الأمة حجة، فلو كان تأويل هذه الظواهر حتماً لأوشك أن يكون اهتمامهم به فوق اهتمامهم بفروع الشريعة، وإذا انصرم عهد الصحابة والتابعين على الإضراب عن التأويل كان ذلك هو الوجه المتبع.
انتهى.
وقد تقدم النقل عن أهل العصر الثالث، وهم فقهاء الأمصار كـ الثوري والأوزاعي ومالك والليث ومن عاصرهم، وكذا من أخذ عنهم من الأئمة، فكيف لا يوثق بما اتفق عليه أهل القرون الثلاثة وهم خير القرون بشهادة صاحب الشريعة؟! انتهى كلام الحافظ ﵀.
وهذا الكلام الأخير الذي ذكره الحافظ بعد كلام إمام الحرمين كلام عظيم جميل لو سلم من الأمور الأخرى التي جاءت في الفتح من ذكر أمور غير واضحة تدل على أنه ليس ثابتاً على عقيدة مستقرة فيما يتعلق بالأسماء والصفات.
стр. 16186
الأسئلة
стр. 16187
علاقة الجعد بن درهم بلبيد بن الأعصم
السؤال
هل صحيح أن الجعد بن درهم يرجع نسبه إلى لبيد بن الأعصم الذي سحر النبي ﷺ ؟
الجواب
لا أعرف أنه يرجع إليه، ولكن الذي أعرف أنه أخذ عقيدته عن لبيد بن الأعصم، أي أنه أخذ هذا المذهب عن اليهود، وهذا هو الذي ذكره بعض أهل العلم ومنهم شيخ الإسلام.
стр. 16188
المسافة بين كل سماء وسماء
السؤال
قوله ﷺ في حديث الأوعال: (إن ما بعد ما بينهما واحدة أو اثنتان أو ثلاث وسبعون سنة) أي بين كل سماء وسماء، ألا يعارض هذا ما روي أن بين كل سماء وسماء مسيرة خمسمائة عام؟
الجواب
بلى يعارضه، لكن حديث الأوعال غير ثابت، أو يقال: جاء ذكر السبعين على سبيل التكثير.
стр. 16189
مقياس المسافة بين السماوات
السؤال
هل المقصود بالمسافة المذكورة بين السماوات في الحديث هي التي يقطعها الإنسان برجله أو على الدابة؟
الجواب
الناس كانوا يعرفون سير الدواب، وكان التقدير بذلك في الغالب لا بسير الأقدام؛ لأن الأقدام لا يحصل بها قطع المسافات الشاسعة وإنما يكون على الدواب.
وهذه المسافات الشاسعة قطعها الرسول ﷺ في ليلة واحدة ذهاباً وإياباً حين عرج به إلى السماء صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، حتى وصل إلى ما فوق السماوات وكلمه ربه وفرض عليه الصلوات الخمس، وهذا يدل على كمال قدرة الله ، وأن الله أقدر رسوله ﷺ بأن رفعه إليه وتجاوزها في ليلة واحدة؛ لأنه ذهب في الليل ورجع في الليل صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
وأيضاً هذا من الأمور الغيبية، وهذا يدل على كمال قدرة الله .
وأيضاً: قد حصل لسليمان بن داود ﵊ من الملك ما لم يحصل لغيره، ولا يكون لأحد من بعده، وذلك أن الله تعالى سخر له الريح، وسخر له الجن والإنس والطير، حتى أتي إليه العرش الذي كان في اليمن قبل أن يرتد إليه طرفه وهو بالشام، قال الله: ﴿قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ * قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ [النمل:٣٩ - ٤٠]، وهذا شيء لم يحصل في هذا الزمان الذي ظهر فيه التقدم في الصناعة، ولن يصلوا إلى ذلك أبداً؛ لأن هذا الذي حصل لسليمان ملك أعطاه الله له ولن يعطيه أحداً من بعده، وهذا من كمال قدرة الله .
стр. 16190
حكم تفسير صفة الاستواء بالجلوس
السؤال
هل يصح أن يفسر الاستواء في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] بالجلوس؟
الجواب
الاستواء أكثر ما ورد فيه أنه الارتفاع والعلو، وقد جاء عن السلف أربع كلمات في معناه وهي: علا، وارتفع، وصعد، واستقر.
فهذه الأربع الكلمات هي التي جاءت عن السلف، وقد ذكرها ابن القيم في نونيته، ولكن أكثر ما جاء عنهم التعبير بعلا وارتفع، لكن هذا العلو وهذا الارتفاع لا يعلم كنهه وكيفيته؛ لأن الذات لا تعلم كيفيتها فكذلك صفاتها لا تعلم كيفيتها، كما يقول بعض العلماء: الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات، فكما أننا نثبت لله ذاتاً لا تشبه الذوات، فيجب علينا أن نثبت له صفات لا تشبه الصفات، لأن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات.
стр. 16191
شرح سنن أبي داود [٥٣٤]
أهل السنة والجماعة يثبتون رؤية الله تعالى في الآخرة، وهي أعظم نعيم في الجنة للمؤمنين، وقد ثبتت بالنصوص القرآنية المحكمة والأحاديث المتواترة، وإنما ينكرها المبتدعة من الجهمية والمعتزلة والخوارج وغيرهم ممن يأخذون بالمتشابه ويتركون المحكم.
стр. 16192
رؤية الله
стр. 16193
شرح حديث جرير بن عبد الله في الرؤية
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في الرؤية.
حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير ووكيع وأبو أسامة عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن جرير بن عبد الله ﵁ أنه قال: كنا مع رسول الله ﷺ ، جلوساً، فنظر إلى القمر ليلة البدر، ليلة أربعة عشرة، فقال: (إنكم سترون ربكم كما ترون هذا لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا، ثم قرأ هذه الآية: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه:١٣٠]).
قوله: [باب في الرؤية] أي في رؤية الله ، وكون المؤمنين يرونه بأبصارهم يوم القيامة، والرؤية حق، فإنها ثابتة في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وقد جاءت الأحاديث المتواترة عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه تدل على ثبوت الرؤية في الدار الآخرة.
وأما بالنسبة للدنيا فقد شاء الله ألا يُرى، وادخر للمؤمنين رؤيته إلى الدار الآخرة؛ لأن رؤيته تكون أعظم نعيم لأهل الجنة، فجعلت في دار النعيم، ولم يجعلها الله في الدنيا، ولو شاء لفعل، فرؤيته في الدنيا ممكنة ولكنه شاء أن يجعلها في الدار الآخرة، وأن تكون غيباً يستعد الموفقون له بالأعمال الصالحة التي توصلهم إلى ذلك النعيم، فإن أعلاه وأكمله النظر إلى وجه الله .
وقد جاء في الحديث عن رسول الله ﷺ : (إنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا) وهو حديث أخرجه مسلم في صحيحه، وهو يدل على أن رؤية الله لا تحصل في الدنيا، وأن الله تعالى شاء ألا يُرى إلا في الآخرة.
стр. 16194
رؤية النبي ﷺ لربه في الدنيا
أما بالنسبة لنبينا محمد ﵊ فقد اختلف في رؤيته لربه ليلة المعراج، ولكن القول الصحيح الذي دلت عليه الأدلة أنه لم يره، ويكون داخلاً في قوله ﷺ : (إنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا)، أو: (إنه لن يرى أحد منكم ربه حتى يموت)، فالراجح أن النبي ﷺ لم ير ربه، ولما سئل ﵊: هل رأيت ربك؟ ما قال: نعم.
رأيت ربي! ولكنه قال: (رأيت نوراً)، وفي رواية أنه قال: (نور أنى أراه؟) يعني أنه إنما رأى نور الحجاب الذي قال عنه ﷺ : (حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه)، فهذه الأدلة تدل على أنه ما رأى ربه، ولو كان النبي ﷺ رأى ربه لبين ذلك، وقال: نعم رأيت ربي.
وجاء في حديث صحيح أنه ﷺ رأى ربه في المنام، أما في اليقظة فلا.
стр. 16195
الحكمة من تأخير رؤية الله إلى الآخرة
الرؤية هي النعمة العظيمة والفائدة الكبيرة، ولم يجعلها الله لأحد في الدنيا حتى تبقى غيباً، وحتى يستعد كل مسلم للظفر بها والحصول عليها، كما أن أمور الآخرة قد أخفاها الله عن الناس ولم يطلعهم عليها ولا على ما في الجنة من النعيم، ولما صلى النبي ﷺ بالناس صلاة الكسوف عرضت عليه الجنة وهو يصلي بالناس، ورأى عناقيد العنب متدلية فمد يده ليتناول قطفاً منها، وكان الصحابة وراءه يصلون، فرأوا يده الكريمة تمتد ولم يروا الذي مدت إليه، ثم إنه عرضت عليه النار فرجع القهقرى ولم يعرفوا لماذا فعل ذلك، ولما فرغ سألوه عن ذلك، فقال ﵊: (مددت يدي لآخذ عنقوداً من العنب ثم تركت، ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا).
وقد شاء الله أن تكون أمور الآخرة غيباً، وألا تكون علانية؛ لأنها لو كانت علانية لم يتميز من يؤمن بالغيب ممن لا يؤمن بالغيب.
стр. 16196
ذكر بعض الأدلة القرآنية على الرؤية
أهل السنة والجماعة قد أجمعوا واتفقوا على ثبوت رؤية الله في الدار الآخرة، وخالف في ذلك بعض المبتدعة فقالوا: إن الله لا يرى في الدنيا ولا في الآخرة.
ومما جاء في القرآن الكريم دالاً على ثبوت الرؤية لله ، قوله في سورة القيامة: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣]، فإن (ناضرة) الأولى من النضرة وهي البهجة والسرور، أي أن وجوههم فيها نضرة وجمال، وفيها إضاءة وإشراق، كما قال الله : ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ [المطففين:٢٤].
وقوله: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٣]، هي من النظر، وهي معداة بإلى، أي أنها تنظر إلى ربها، والنظر إذا عدي بإلى فإنه يكون بالأبصار، وإذا عدي بفي فإنه يكون بالتفكر والاعتبار كما في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الأعراف:١٨٥] أي: يتفكروا ويعتبروا.
وكذلك جاء في القرآن الكريم قول الله : ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥] أي الكفار، قال الشافعي رحمة الله عليه: فلما حجب هؤلاء في حال السخط، دل على أن أولياءه يرونه في حال الرضا.
وقال الله : ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦]، وقد جاء في السنة الثابتة عن رسول الله ﷺ أن الحسنى هي الجنة، والزيادة هي النظر إلى وجه الله، كما في صحيح مسلم من حديث صهيب رضي الله تعالى عنه.
وكذلك قول الله : ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ [الأنعام:١٠٣]، فإن هذه الآية تدل على أنه يُرى لكنه لا يحاط به رؤية، كما أنه يعلم ولا يحاط به علماً، فالناس يعلمون عن الله ولكن لا يحيطون به علماً، وكذلك المؤمنون يرونه في ولا يحيطون به رؤية، فنفي الإدراك شيء خاص، وهو قدر زائد على الرؤية، ونفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم، فإذا نفي الإدراك الذي هو الإحاطة، فإن نفيه لا يستلزم نفي الأعم الذي هو الرؤية، فإن الله تعالى يرى ولا يدرك.
ومن أهل العلم من قال: إن قوله: ((لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ)) أي: في الدنيا، فهي لا تدركه في الدنيا، وإنما تدركه في الآخرة.
стр. 16197
الرد على منكري الرؤية
قوله تعالى: ((لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ)) هو مما يستدل به أهل البدع الذين ينفون الرؤية عن الله مطلقاً في الدنيا والآخرة، وهم المعتزلة والخوارج والجهمية وغيرهم من المبتدعة الذين يأخذون المتشابه ويتركون المحكم، ومن المحكم قوله: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٣]، فإنه دليل صريح على إثبات الرؤية.
وكذلك يستدلون بقول الله : ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣])) [الأعراف:١٤٣].
فموسى لما سمع كلام الله اشتاق إلى رؤيته، وطمع فيها فسألها، فقال له الله: ((لَنْ تَرَانِي)) أي: في الدنيا، وموسى ﵊ ما سأل الله أمراً مستحيلاً لا يتصور حصوله، ومن المستحيل أن يكون موسى ﵊ لا يعلم أن رؤيته تعالى مستحيلة ثم يسألها، وإنما سأل أمراً ممكناً وليس مستحيلاً، ولكن منعه الله مما سأل لكونه شاء ألا يرى إلا في الدار الآخرة.
وأيضاً: أبصار الناس في هذه الحياة ليس عندها القدرة أمام تجلي الله والنظر إليه، ولو أراد لأعطاهم من القدرة في الدنيا ما يتمكنون به من رؤيته؛ ولهذا يعطيهم القدرة في الدار الآخرة.
ثم أيضاً علق ذلك على استقرار الجبل مكانه أمام تجلي الله ، ولكنه اندك، وإذا اندك الجبل مع صلابته وقوته ولم يثبت أمام تجلي الله ، فالإنسان الذي هو من لحم ودم وعظام أولى ألا يثبت، قال تعالى: ﴿لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف:١٤٣]، وعلى هذا فإن الآية لا تدل على نفي الرؤية عن الله مطلقاً، وإنما تدل على النفي في الدنيا، وأما بالنسبة للآخرة فهي ثابتة بالآيات الواضحة الجلية، وبالأحاديث المتواترة عن رسول الله ﷺ ، فقد بلغ عدد الصحابة الذين رووها عن رسول الله ﵊ ما يقرب من ثلاثين صحابياً، وقد أورد ذلك ابن القيم ﵀ في كتابه ((حادي الأرواح)) وذكر أسماء الصحابة أولاً، ثم سرد أحاديثهم.
стр. 16198
معنى تشبيه رؤية الله برؤية القمر ليلة البدر
أورد أبو داود ﵀ بعض الأحاديث في رؤية الله في الدار الآخرة، فأورد أولاً حديث جرير بن عبد الله البجلي ﵁.
قوله: [كنا مع رسول الله ﷺ جلوساً، فنظر إلى القمر ليلة البدر] يعني: في ليلة من الليالي، وبين ذلك بأنه ليلة أربع عشرة من الشهر، وهي إحدى ليالي الإبدار؛ لأن ليالي الإبدار هي في الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر، حيث يكون القمر فيها مستديراً، ويكون ضوءه شديداً، وتستمر الإضاءة أكثر الليل.
قوله: [فقال: (إنكم سترون ربكم كما ترون هذا لا تضامُّون في رؤيته)] معناه: لا تتزاحمون على رؤيته، فلا يلتصق بعضكم ببعض وينضم بعضكم إلى بعض ليراه كل أحد، فإنكم كلكم ترونه، ومما يوضح ذلك ويقربه أن ذلك كما ترون هذا القمر.
وهذا تشبيه للرؤية بالرؤية وليس للمرئي بالمرئي، فليس تشبيهاً لله بالقمر، وإنما هو تشبيه لرؤية الله التي تحصل في الآخرة بهذه الرؤية المحققة التي تحصل لكل أحد منكم، فهو من قبيل إثبات الرؤية وتشبيهها بالرؤية، وليس من قبيل تشبيه المرئي بالمرئي.
وفي بعض الروايات: (لا تُضَامُون في رؤيته) أي: لا يحصل الضيم لأحد منكم بأن لا تحصل له الرؤية، فرؤية الله حاصلة للجميع في الآخرة كما أن رؤية القمر حاصلة في الدنيا، أي أنه يراه في الآخرة كل من شاء سبحانه أن يراه.
ثم إن النبي ﷺ أرشد إلى عمل من الأعمال الصالحة التي هي من أسباب تحصيل الثواب الجزيل، الذي أعلاه وقمته النظر إلى وجه الله ، فقال: (فإن استطعتم ألا تغلبوا) معناه: إن استطعتم ألا يغلبكم أحد، وذلك بأن تكونوا من السابقين إلى الإتيان بهاتين الصلاتين: صلاة قبل غروب الشمس وصلاة قبل طلوعها، ومقصوده بذلك العصر والفجر، وكل الصلوات مطلوبة، ولكن هاتان الصلاتان نص عليهما لأنه يحصل فيها اجتماع الملائكة، كما ثبت في الصحيح: (يتعاقبون فيكم ملائكة في الليل وملائكة في النهار، ويجتمعون في صلاة العصر وصلاة الفجر) فيشهدهما الملائكة الذين يبدءون والذين ينتهون، فالذين يأتون يحضرون هذه الصلاة، والذين سيصعدون وقد انتهت مهمتهم يحضرون هذه الصلاة، فتجتمع المجموعتان من الملائكة المتعاقبة في هاتين الصلاتين.
ثم إن هاتين الصلاتين جاء التنصيص عليهما؛ لأن الفجر تكون في آخر الليل، عندما يكون الناس قد طاب لهم الفراش، ولذ لهم المنام، لاسيما إذا كان في الشتاء، فيكونون في مكان دافئ، والإنسان الذي يوفقه الله يترك هذا الذي يعجبه وترتاح إليه نفسه من الدفء، ويسعى إلى الصلاة، ليحصِّل الأجر والثواب، ولهذا جاء في أذان الفجر: الصلاة خير من النوم، أي: الصلاة خير من النوم الذي طاب لكم وارتحتم إليه واستغرقتم فيه.
والعصر تكون في آخر النهار، أي وقد تعب الناس وكدحوا في الأعمال، فالذي لا يبالي ولا يهمه شأن الصلاة يمكن أن ينام ويتركها.
стр. 16199
تراجم رجال إسناد حديث جرير بن عبد الله في الرؤية
قوله: [حدثنا عثمان بن أبي شيبة].
ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي، وإلا النسائي فقد أخرج له في عمل اليوم والليلة.
[حدثنا جرير].
جرير بن عبد الحميد الضبي الكوفي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[ووكيع].
وكيع بن الجراح الرؤاسي الكوفي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[وأبو أسامة].
أبو أسامة حماد بن أسامة، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن إسماعيل بن أبي خالد].
وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن قيس بن أبي حازم].
وهو ثقة مخضرم، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو الذي قيل عنه: إنه تيسر له أن يروي عن العشرة المبشرين بالجنة أو غالبية العشرة المبشرين بالجنة.
[عن جرير بن عبد الله].
جرير بن عبد الله البجلي ﵁، صاحب رسول الله ﷺ ، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
стр. 16200
شرح حديث أبي هريرة في الرؤية
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا إسحاق بن إسماعيل حدثنا سفيان عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه أنه سمعه يحدث عن أبي هريرة قال: قال ناس: (يا رسول الله! أنرى ربنا يوم القيامة؟ قال: هل تضارون في رؤية الشمس في الظهيرة ليست في سحابة؟ قالوا: لا، قال: هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر ليس في سحابة؟ قالوا: لا، قال: والذي نفسي بيده! لا تضارون في رؤيته إلا كما تضارون في رؤية أحدهما)].
أورد أبو داود حديث أبي هريرة وهو مثل الذي قبله، وفيه أنه ﷺ سأله أصحابه ﵃ وأرضاهم: (أنرى ربنا يوم القيامة؟ فقال: هل تضارون في رؤية الشمس في الظهيرة ليست في سحاب؟)، يعني ليس هناك سحاب يمنع من رؤيتها، بل هي واضحة جلية، وذلك في منتصف النهار.
قوله: [(هل تضارون)] يعني: هل يضر بعضكم بعضاً من أجل أن تتمكنوا من رؤيتها، أم أن كلاً يراها دون أن يكون بحاجة إلى أن يزاحم غيره بحيث يتضرر به بسبب الازدحام؟ والمعروف أنهم يرون الشمس إذا لم يكن دونها سحاب بسهولة ويسر، وبدون تعب ومشقة، وبدون مضرة تحصل لأحد؛ لأنها في السماء، وهي آية من آيات الله، وإذا كان هذا في مخلوق من مخلوقات الله، فأولى أن يرى الله وهو الخالق لكل شيء ولا يتضرر الناس في رؤيته.
وكذلك القول بالنسبة للقمر ليلة البدر ليس في سحاب، فهذا الحديث كالذي قبله فيه تشبيه الرؤية بالرؤية، وليس تشبيه المرئي بالمرئي.
ثم إن النبي ﷺ لما قرر لهم هذا الشيء وأخبرهم أنه لا يحصل لهم تضار في رؤية الشمس ولا رؤية القمر، أقسم وقال: (والذي نفسي بيده لا تضارون في رؤيته)، ومعناه: أن رؤية الله في الآخرة محققة لكم كما أن رؤيتكم للشمس والقمر في الدنيا محققة.
وهذا من كمال بيانه صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، لأنه أثبت لهم الرؤية بهذا التمهيد الذي يتضح به الأمر، لأنهم لما سألوه عنها سألهم: هل يضارون في رؤية الشمس في الظهيرة؟ وهل يضارون في رؤية القمر ليلة البدر؟ ولما تقرر لهم أن هذا أمر محقق، قال: إن رؤيتكم لله أمر محقق، كما أن هذا الذي تشاهدونه وتعاينونه أمر محقق، وهو ﵊ أكمل الناس بياناً وأفصحهم لساناً.
стр. 16201
تراجم رجال إسناد حديث أبي هريرة في الرؤية
قوله: [حدثنا إسحاق بن إسماعيل].
وهو ثقة، أخرج له أبو داود.
[حدثنا سفيان].
سفيان بن عيينة المكي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن سهيل بن أبي صالح].
وهو صدوق، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، ورواية البخاري عنه مقرونة.
[عن أبيه].
أبو صالح السمان، وهو ذكوان، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي هريرة].
عبد الرحمن بن صخر الدوسي، صاحب رسول الله ﷺ ، وهو أكثر الصحابة حديثاً على الإطلاق، ﵁ وأرضاه.
стр. 16202
شرح حديث أبي رزين في الرؤية
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد، ح وحدثنا عبيد الله بن معاذ حدثنا أبي حدثنا شعبة المعنى، عن يعلى بن عطاء عن وكيع -قال موسى: ابن عدس - عن أبي رزين -قال موسى: العقيلي - قال: قلت يا رسول الله، أكلنا يرى ربه، قال ابن معاذ: مخلياً به يوم القيامة؟ وما آية ذلك في خلقه؟ قال: (يا أبا رزين! أليس كلكم يرى القمر، قال ابن معاذ: ليلة البدر مخلياً به؟ -ثم اتفقا- قلت: بلى، قال: فالله أعظم، قال ابن معاذ: قال: فإنما هو خلق من خلق الله، فالله أجل وأعظم)].
أورد أبو داود حديث أبي رزين العقيلي ﵁، أنه قال: قلت يا رسول الله! أكلنا يرى ربه قال ابن معاذ: مخلياً به يوم القيامة؟ يعني أن في رواية ابن معاذ زيادة: (مخلياً به يوم القيامة) أي: رؤية مستقلة، وليس معنى ذلك أنه لا يشاركه أحد في الرؤية، ولكنه يراه كل أحد وهو في موقعه وفي مكانه، كما أن القمر يراه كل أحد وهو في مكانه، فيراه وهو خال وحده، ويراه ومعه غيره، وإذا كانوا مع بعض لا يتزاحمون، ويراه المسافر في الفلاة، ويراه الذي يكون نازلاً في البر، والذي يكون في المدن أو في أي مكان؛ لأنه فوق الجميع.
قوله: [(وما آية ذلك في خلقه؟)] أي: ما علامة هذه الرؤية في خلق الله ؟ وهذا السؤال فيه بيان أنه طلب منه أن يوضح له ذلك بمثال من آيات الله ، ومن آيات الله الليل والنهار والشمس والقمر، فالشمس والقمر هما من آيات الله الدالة على كمال قدرته، فطلب آية من آيات الله الكونية، والآية هي العلامة، فهو يريد أن يعرف علامة في الخلق ومثالاً يوضح أن رؤية الله يوم القيامة تتحقق كما يتحقق الشيء الذي يضرب به المثل، فالنبي ﷺ بيَّن ما يحصل لهم في القمر، وأنه يراه كل أحد مخلياً به، وكذلك تكون رؤية الله يوم القيامة، بل قد قال ما يوضح أنها أولى فقال: (فالله أعظم).
стр. 16203
تراجم رجال إسناد حديث أبي رزين في الرؤية
قوله: [حدثنا موسى بن إسماعيل].
موسى بن إسماعيل التبوذكي البصري، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا حماد].
حماد بن سلمة بن دينار البصري، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.
[وحدثنا عبيد الله بن معاذ].
هو عبيد الله بن معاذ العنبري، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي.
[حدثنا أبي].
معاذ بن معاذ العنبري، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا شعبة].
شعبة بن الحجاج الواسطي ثم البصري، وهو ثقة، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن يعلى بن عطاء].
وهو ثقة أخرج له البخاري في جزء القراءة ومسلم وأصحاب السنن.
[عن وكيع، قال: موسى: ابن عدس].
أي: موسى بن إسماعيل الذي هو الشيخ الأول، والمعنى أنه نسبه فقال: وكيع بن عدس، وأما عبيد الله بن معاذ فقد قال: (عن وكيع) فقط، ولم ينسبه، فـ أبو داود لما ذكر رواية الشيخين ذكر الذي نسبه والذي لم ينسبه.
ووكيع بن عدس مقبول، أخرج له أصحاب السنن.
[عن أبي رزين قال موسى: العقيلي].
وهو لقيط بن صبرة العقيلي، وهو صحابي، أخرج له البخاري في الأدب المفرد وأصحاب السنن.
وموسى نسب أبا رزين هنا فقال: العقيلي، كما نسب وكيعاً، وأما ابن معاذ فإنه لم ينسبهما، وهذا فيه بيان دقة المحدثين، وأن الشخص إذا حصل منه تميز في شيء فإنهم ينبهون على ذلك.
стр. 16204
شرح سنن أبي داود [٥٣٥]
أهل السنة والجماعة يثبتون صفة اليد لله تعالى، وكذا صفة النزول إلى السماء الدنيا، ولم ينكر هاتان الصفتان إلا المبتدعة من الجمهية وغيرهم.
وقد رد أهل السنة على المبتدعة بالحجج البينة والنقول السلفية الصحيحة.
стр. 16205
الرد على الجهمية
стр. 16206
شرح حديث (يطوي الله السماوات يوم القيامة)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في الرد على الجهمية.
حدثنا عثمان بن أبي شيبة ومحمد بن العلاء أن أبا أسامة أخبرهم عن عمر بن حمزة قال: قال سالم: أخبرني عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : (يطوي الله السماوات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرضين، ثم يأخذهن -قال ابن العلاء: بيده الأخرى- ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟).
أورد أبو داود هذه الترجمة: باب في الرد على الجهمية، وقد سبق قبل ذلك باب في الجهمية، والموضوع واحد، وقد جاء هذا الباب في نسخة صحيحة كما ذكر صاحب عون المعبود، وفي غالب النسخ لا يوجد هذا الباب، ولكن إذا حذف هذا الباب على ما هو في أكثر النسخ، فإن الأحاديث التي فيه لا تناسب باب الرؤية، بل هي تتعلق بالرد على الجهمية، قال: ولعل هذا من عمل النساخ، يعني التقديم والتأخير، وإلا فإن الترجمة مكررة مع السابقة، وقد تقدم الكلام على ما يتعلق بالجهمية وبيان فساد مذهبهم، وكان أغلب ما جاء في ذلك من النصوص يتعلق بعلو الله وفوقيته واستوائه على عرشه؛ فإن الجهمية ينكرون صفات الله ويؤولونها، وهذان الحديثان اللذان أوردهما المصنف في هذا الباب يتعلقان بموضوع صفات الله ، وهما مثل ما تقدم في الباب الذي سبق، وهو باب في الجهمية.
أورد أبو داود ﵀ حديث عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: (يطوي الله السماوات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى).
الطي ضد البسط، وفي قوله: (ثم يأخذهن بيده اليمنى) إثبات اليد لله ، وإثبات أن لله يدين، فهنا ذكر اليد اليمنى، ثم قال: (بيده الأخرى).
وقد جاء في القرآن الكريم أن لله يدين، قال تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥]، وقال: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة:٦٤]، فلله يدان حقيقيتان، وهما من صفاته الذاتية القائمة بذاته .
والواجب هو الإيمان والتصديق بسائر الصفات على طريقة واحدة، وهي أن يثبت لله كل ما أثبته لنفسه، وأثبته له رسوله ﷺ ، من غير تشبيه ومن غير تعطيل، بل هو إثبات مع التنزيه، على حد قول الله : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، فأثبت السمع والبصر في قوله: ((وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ))، ونفى المشابهة في قوله: ((لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ))، والله تعالى لا يشبه أحداً من خلقه، وصفاته ثابتة له كما يليق به ، ولا يجوز نفيها عنه، ولا تحريفها ولا تعطيلها.
فالحديث فيه إثبات اليدين لله ، والجهمية ينكرون ذلك، ويؤولون كل الصفات الثابتة.
قوله: [(ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟)] في ذلك اليوم لا يكون هناك تجبر ولا تكبر، لأن التجبر والتكبر إنما يكونان في الدنيا، أما في ذلك اليوم فيكون الجميع خاضعين لله ، وقد سبق أن أشرت قريباً إلى أن قول الله : ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤]، فيه نص على ملكه يوم الدين مع أنه مالك كل شيء، لأن ذلك اليوم هو اليوم الذي يخضع فيه الجميع لرب العالمين، فلا يوجد تكبر وتجبر، ولهذا قال هنا: (أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟) أي الذين كانوا كذلك في الدنيا.
قوله: [(ثم يطوي الأرضين، ويأخذهن بيده الأخرى، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟) الله هو المالك لكل شيء، والسماوات والأرض كلها ملك الله، والدنيا والآخرة كلها ملك الله، والله تعالى هو الخالق وما سواه مخلوق، وهو المتصرف في كل شيء .
стр. 16207
تراجم رجال إسناد حديث (يطوي الله السماوات يوم القيامة)
قوله: [حدثنا عثمان بن أبي شيبة ومحمد بن العلاء].
عثمان بن أبي شيبة مر ذكره، ومحمد بن العلاء هو أبو كريب، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[أن أبا أسامة أخبرهم عن عمر بن حمزة].
أبو أسامة مر ذكره، وعمر بن حمزة ضعيف، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجة.
[قال: قال سالم].
سالم هو ابن عبد الله بن عمر، وهو ثقة فقيه، أحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين على أحد الأقوال الثلاثة في السابع منهم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[أخبرني عبد الله بن عمر].
عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄، الصحابي الجليل أحد العبادلة الأربعة من الصحابة، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ .
والحديث فيه ضعف، ولكن قد جاء من طريق أخرى، وهو ثابت عن رسول الله ﷺ ، ومعناه في القرآن أيضاً.
стр. 16208
شرح حديث (ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا القعنبي عن مالك عن ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وعن أبي عبد الله الأغر عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا، حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟)].
أورد أبو داود حديث أبي هريرة ﵁ في النزول، وأحاديث النزول متواترة عن رسول الله ﷺ ، وهي تدل على علو الله ، وتدل على أنه ينزل إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، وأنه ينادي فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يستغفرني فأغفر له؟ والمقصود من إيراد الحديث هنا هو ذكر النزول، وهو من صفات الله الفعلية؛ لأنه متعلق بالمشيئة والإرادة، أما الصفات الذاتية فلا تتعلق بمشيئة ولا إرادة.
والنزول كغيره من الصفات يقال فيها: كل ما هو ثابت لله في الكتاب والسنة يجب إثباته على الوجه اللائق بكماله وجلاله، ولا يسأل عن كيفيته، لأن الذات لا تعرف كيفيتها، فلا يعرف كيفية الصفات التي تتصف بها، والكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات، فكما أننا نثبت لله ذاتاً لا تشبه الذوات، ولا نسأل عن كيفيتها، فكذلك نثبت له الصفات على الوجه اللائق بكماله وجلاله دون أن نسأل عن الكيفية ودون أن يحصل تشبيه، ودون أن يحصل تنزيه يؤدي إلى التعطيل، وإنما هو تنزيه مع الإثبات الذي يكون مطابقاً لما جاء في قول الله : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١].
وإذا كانت الذات لا يعلم كنهها، فلا يعلم كيفية نزولها، والله فوق العرش، وينزل كما يليق به، ومعلوم أن المخلوقات لا تحوي الله ، وأنه لا يكون حالاً في المخلوقات، ولا تكون المخلوقات حالة فيه، وإنما نثبت كل ما جاء في الكتاب والسنة على ما يليق بالله، دون أن نبحث عن الكنه والكيفية.
ذكر عن عبد الرحمن بن مهدي أنه قال لشاب عندما سمعه يتكلم في ذات الله وصفاته ويشبهها: صف لي طائراً بثلاثة أجنحة، كيف ركب الثالث؟ فسكت الشاب.
فقال له: كيف بخلقٍ من خلق الله وهو جبريل له ستمائة جناح، كيف ركبت؟ فسكت الشاب، فقال ابن مهدي: كيف تتكلم في ذات الله؟ قيل: فتاب الشاب من التشبيه! وهذا الأثر رواه اللالكائي، وهو مثال طيب، فإذا كان هذا مخلوق من مخلوقات الله ، جاء وصفه بأن له هذه الأجنحة، ومع ذلك لا يعرف الإنسان كيف ركبت؛ لأنه لا يعرف ذات الملك حتى يعرف اتصافه بتلك الصفة، والله أخفى عن الناس الملائكة وكيفيتهم، وإذا رأوهم فإنما يرونهم بصورة البشر، كما جاءوا إلى إبراهيم وإلى لوط، وجاء جبريل إلى مريم، وجاء إلى نبينا محمد ﵊ بصورة رجل من أصحابه، وبصورة رجل غير معروف، ورآه النبي ﷺ على الكيفية التي خلقه الله عليها، وله ستمائة جناح قد سد الأفق، وقد رآه فوق السماوات عندما عرج به إلى السماء ﷺ ؛ فإذا كان هذا في مخلوق من مخلوقات الله، فالواجب أن يسكت عن التفكير في كيفية ذات الله .
стр. 16209
تراجم رجال إسناد حديث (ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا)
قوله: [حدثنا القعنبي].
عبد الله بن مسلمة بن قعنب القعنبي، ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة.
[عن مالك].
مالك بن أنس إمام دار الهجرة المحدث الفقيه، أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن شهاب].
محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري، ثقة فقيه، وهو من صغار التابعين، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي سلمة بن عبد الرحمن].
أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي عبد الله الأغر].
هو سلمان الأغر، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي هريرة].
عبد الرحمن بن صخر الدوسي ﵁، وقد مر ذكره.
стр. 16210
الأسئلة
следующие страницы →