← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 37052

شرح سنن أبي داود للعباد

عبد المحسن العباد

Полный текст (18 341 стр.). Показаны 16976–17015 · переход к 16981.

стр. 16976

شرح حديث (تفتح أبواب الجنة كل يوم إثنين وخميس) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا مسدد حدثنا أبو عوانة عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (تفتح أبواب الجنة كل يوم إثنين وخميس، فيغفر في ذلك اليومين لكل عبد لا يشرك بالله شيئاً، إلا من بينه وبين أخيه شحناء فيقال: أنظروا هذين حتى يصطلحا)]. أورد أبو داود حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى عليه وسلم قال: (تفتح أبواب الجنة كل يوم إثنين وخميس فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئاً)، أي: أنه يغفر لأصحاب الذنوب الأخرى إلا من كان بينهما بغضاء، فإنه يقال: أنظروا هذين حتى يصطلحا، أي: أمهلوهما حتى يصطلحا، وهذا فيه دليل على خطورة التباغض والتدابر والتنافر بين الناس، وأن اصطلاحهما خير، وأن إنهاء ما بينهما من الوحشة بحصول الوئام والمودة هو المطلوب، وكونه يرجى أمر هذين الاثنين ويحصل إنظارهما حتى يصطلحا يدل على خطورة الذنب الذي اقترفاه.

стр. 16977

تراجم رجال إسناد حديث (تفتح أبواب الجنة كل يوم إثنين وخميس) قوله: [حدثنا مسدد]. هو مسدد بن مسرهد البصري، وهو ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي. [حدثنا أبو عوانة]. هو أبو عوانة الوضاح بن عبد الله اليشكري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن سهيل بن أبي صالح]. سهيل بن أبي صالح صدوق، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وروايته في البخاري مقرونة. [عن أبيه]. أبوه هو أبو صالح واسمه ذكوان ولقبه السمان أو الزيات، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أبي هريرة]. أبو هريرة قد مر ذكره.

стр. 16978

حكم الهجر [قال أبو داود: النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم هجر بعض نسائه أربعين يوماً، وابن عمر ﵄ هجر ابناً له إلى أن مات. قال أبو داود: إذا كانت الهجرة لله فليس من هذا بشيء، وإن عمر بن عبد العزيز غطى وجهه عن رجل]. أورد أبو داود ﵀ حديث أن النبي ﷺ هجر نساءه أربعين يوماً، وهذا في القصة المشهورة وهي قصة هجره واعتزاله نسائه، حتى ظُن أنه طلقهن، فجاء عمر ﵁ إليه، وسأله: هل طلق نساءه؟ فقال: لا، فقال: الله أكبر. وهذا يعني أنه قد حصل الهجر من رسول الله ﷺ . وابن عمر هجر ابنه حتى مات، قيل: لعله إنما هجره في آخر حياته وإنه لم يحصل هجره مدة طويلة، وهجره ليس لأمور شخصية، وإنما هو لله ؛ وذلك لكونه توقف في تنفيذ حديث أو ما يتعلق بحديث. ثم قال أبو داود ﵀: الهجر إذا كان لله ليس من هذا القبيل، أي: ليس مما تقدم في الأحاديث التي فيها أنه لا يهجر أخاه فوق ثلاث؛ وذلك إذا كان من أجل حظوظ النفوس، وأما إذا كان من أجل الله فإنه لا بأس في الزيادة ولا مانع منها، كما حصل لـ كعب بن مالك ﵁ وصاحبيه، وقصتهم مشهورة. ثم قال: وعمر بن عبد العزيز ﵀ غطى وجهه عن رجل. أي: أنه أعرض عنه، ويمكن أن يكون هذا من قبيل الهجر لله، وأما إذا كان ليس من قبيل الهجر لله فإنه قد مر في الحديث أن إعراض كل واحد منهما عن الآخر لا يسوغ، وأن خيرهما الذي يبدأ بالسلام. والمشهور والمعروف أنه ﷺ هجر نساءه شهراً، لكن ما ذكره من كونه هجرهن أربعين يوماً لا أدري ما وجهه؛ بل قد جاء في الحديث أنه رفع عنهن الهجر في يوم التاسع والعشرين، فأتوه وقالوا: إن الشهر ما خرج، فقال: (إن الشهر يكون تسعة وعشرين) وهذا يوضح أنه هجرهن شهراً؛ لأنه خرج إليهن بعد أن أكمل التاسع والعشرين.

стр. 16979

ما جاء في التحذير من سوء الظن

стр. 16980

شرح حديث (إياكم والظن! فإن الظن أكذب الحديث) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في الظن. حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إياكم والظن! فأن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا ولا تجسسوا)]. أورد أبو داود هذه الترجمة: باب في الظن، والظن: هو أن يظن الإنسان بأخيه سوءاً أو يتهمه بشيء ولم يكن متحققاً منه، فإن كونه ينقدح في ذهنه هذا الشيء ويصر عليه أو يتابعه في نفسه، فإن هذا لا شك مضرة كبيرة، وقد وصفه النبي ﷺ في هذا الحديث بأنه أكذب الحديث، أي: حديث النفس؛ لأن الظن إنما يحصل في النفس، وما يجري في النفس هو أحاديث، لكن أسوأ ما يكون في حديث النفس هو ظن السوء، ولهذا جاء عن بكر بن عبد الله المزني كما ذكر ذلك الحافظ ابن حجر في ترجمته في تهذيب التهذيب أنه قال: إياك من الكلام الذي إن أصبت فيه لم تؤجر وإن أخطأت فيه أثمت، وهو سوء ظنك بأخيك. لأنك إن أصبت فيه لا تحصل أجراً؛ لأنك ظننت به سوءاً، فإن كنت على صواب وكان ظنك مطابقاً لما فيه فلن تحصل أجراً، وإن كنت مخطئاً فأنت آثم، فالإثم محقق وحاصل، والفائدة غير متحققة. وقد أورد أبو داود حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: (إياكم والظن! فإن الظن أكذب الحديث) قوله: (إياكم) أي: أحذركم من الظن. ثم قال: (ولا تحسسوا ولا تجسسوا) , قيل: التجسس والتحسس بمعنى واحد، وهذا مثل الكذب والمين والبهتان، فالكذب والبهتان والمين ألفاظ مترادفة مثل: قام ووقف وجلس وقعد، كل هذه من الألفاظ المترادفة التي يختلف اللفظ فيها ويتحد المعنى، ومنهم من قال: إن بينهما فرقاً، لكن لا أعرف فرقاً دقيقاً في ذلك، قال في عون المعبود في الفرق بينهما: قال المناوي: أي: لا تطلبوا الشيء بالحاسة، كاستراق السمع وإبصار الشيء خفية، (ولا تجسسوا) أي: لا تتعرفوا خبر الناس بلطف كما يفعل الجاسوس. والنتيجة واحدة؛ لأن هذا بالحاسة وهذا أيضاً يكون بالحاسة.

стр. 16981

تراجم رجال إسناد حديث (إياكم والظن! فإن الظن أكذب الحديث) قوله: [حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن أبي الزناد]. أبو الزناد هو عبد الله بن ذكوان المدني، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن الأعرج]. هو عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أبي هريرة]. أبو هريرة قد مر ذكره.

стр. 16982

ما جاء في النصيحة والحياطة

стр. 16983

شرح حديث (المؤمن مرآة المؤمن) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في النصيحة والحياطة. حدثنا الربيع بن سليمان المؤذن حدثنا ابن وهب عن سليمان -يعني ابن بلال - عن كثير بن زيد عن الوليد بن رباح عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: (المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن أخو المؤمن يكف عليه ضيعته ويحوطه من ورائه)]. أورد أبو داود هذه الترجمة: باب في النصيحة والحياطة، أي: ينصح الإنسان لأخيه ويكون ناصحاً له، وهذا من مقتضى الأخوة، وقد جاءت أحاديث كثيرة في النصيحة، منها الحديث المشهور الذي رواه مسلم في صحيحه: (الدين النصيحة، قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم)، ومنها قول جرير ﵁: (بايعت رسول الله ﷺ على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم)، وكذلك الحديث الذي فيه: (ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم، ومنها النصيحة)، وغير ذلك من الأحاديث التي جاءت عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه. وقد أورد أبو داود حديث أبي هريرة: (المؤمن مرآة أخيه) ومعلوم أن كونه مرآة أخيه يعني أنه ينصح له، وأن يكون له مثل المرآة، فإن الإنسان إذا وقف أمام المرآة عرف ما فيه من خلل ومن عيب ومن شيء يحب إزالته؛ لأنه رآه بنفسه، ومعلوم أن الإنسان لا يرى ما فيه مما هو ظاهر إلا إذا وقف أمام المرآة، لكن غيره إذا رآه يراه في كل وقت وفي كل حين، فهو ينبهه على ما فيه من خلل وعلى ما فيه من نقص، وينصحه، ويكون عوناً له على ما يعود عليه بالخير؛ وذلك بأن يكون عوناً له على طاعة الله وعلى طاعة الرسول ﷺ ، ويحذره من معصية الله ورسوله ﵊، ويأمره أن يكون على استقامة وعلى هدى، فيسعى جاهداً إلى أن يكون مع أخيه على هذه الهيئة التي وصفها رسول الله ﷺ بقوله: (المؤمن مرآة أخيه)، فكما أن الإنسان يرى ما يحتاج إلى تداركه بنفسه إذا وقف أمام المرآة، فإن غيره إذا رآه وفيه شيء فينبغي أن يزيله عنه، وهو قد لا يدري عنه فعليه أن ينبهه عليه، وإذا كان يرى فيه خللاً فيما يتعلق بدينه وعبادته ورأى نقصاً في دينه، فإنه ينبهه على ذلك، وهذا يدخل تحت هذا التشبيه من رسول الله ﵊ في قوله: (المؤمن مرآة أخيه). وقوله: (والمؤمن أخو المؤمن يكف عليه ضيعته) أي: يكون عوناً له على المحافظة على كل ما من شأنه المحافظة عليه. وقوله: (ويحوطه من ورائه) المقصود من حياطته التي جاءت في الترجمة بعد كلمة النصيحة: أنه ينصح له في حضوره وفي غيابه، وإذا كان وراءه فإنه يذب عنه ويكف عن عرضه ولا يلحقه ضرر منه، وإذا حصل من غيره ضرر له فإنه يعمل على نصح ذلك الذي حصل منه تلك الغيبة أو النميمة أو غير ذلك من الأشياء، فيدافع عنه سواء كان ذلك في حضوره أو في غيابه.

стр. 16984

تراجم رجال إسناد حديث (المؤمن مرآة المؤمن) قوله: [حدثنا الربيع بن سليمان المؤذن]. الربيع بن سليمان المؤذن هو المرادي صاحب الشافعي، وهو ثقة أخرج حديثه أصحاب السنن. [حدثنا ابن وهب عن سليمان يعني ابن بلال]. ابن وهب مر ذكره، وسليمان بن بلال ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن كثير بن زيد]. كثير بن زيد صدوق يخطئ، أخرج له البخاري في جزء القراءة وأبو داود والترمذي وابن ماجة. [عن الوليد بن رباح]. الوليد بن رباح صدوق، أخرج له البخاري تعليقاً وأبو داود والترمذي وابن ماجة. [عن أبي هريرة]. أبو هريرة قد مر ذكره.

стр. 16985

إصلاح ذات البين

стр. 16986

شرح حديث (ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في إصلاح ذات البين. حدثنا محمد بن العلاء حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن سالم عن أم الدرداء عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: إصلاح ذات البين، وفساد ذات البين الحالقة)]. أورد أبو داود هذه الترجمة بعنوان: باب في إصلاح ذات البين، والمقصود بذلك: الإصلاح بين الناس إذا حصل منهم تباين وافتراق، والبين المقصود به: الفرقة، يقال: بان كذا من كذا، أي: تميز عنه وفارقه، وبانوا أي: ذهبوا وبعدوا. فالمقصود بإصلاح ذات البين: إصلاح ما يحصل من فرقة ووحشة ومن تباغض وتدابر بين الناس، فيسعى المصلح للإصلاح بينهم، ويقرب بينهم بحيث يزول ما في النفوس، ويحل الإخاء والمودة بدل الوحشة والفرقة. وقد أورد أبو داود حديث أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه قال: قال ﷺ : (ألا أخبركم بأفضل من درجه الصيام والصلاة والصدقة؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: إصلاح ذات البين، وفساد ذات البين هي الحالقة) أي: أنها تحلق الدين, فليس المقصود حلق الشعر وإنما حلق الدين، وهذا يبين خطورة ما يحصل من الفرقة بين الناس، وأنه سبب الأضرار الكبيرة التي تجري بينهم، وما يترتب على ذلك من اعتداء بعضهم على بعض وكلام بعضهم في بعض، ولكنه إذا أصلح بينهم وأزيلت الفرقة فإن النفوس تتقارب وتتآلف وتسلم من الأخطار التي تترتب على ذلك. وقد بين النبي ﷺ في الحديث عظم شأن الإصلاح بين الناس، وما يترتب على التقارب والتآلف وصفاء النفوس من الخير الكثير، وما يحصل بخلاف ذلك من ضرر كبير، وقد ذكر الصلاة والصيام لأن هذه عبادات مقصورة غير متعدية لا تتجاوز صاحبها، والصدقة متعدية النفع، ولكنها تتعلق بالنفع الدنيوي وحصول الفائدة في المعاش، ولكن إصلاح ذات البين يترتب عليه الخير الكثير؛ لما فيه من زوال الوحشة وزوال الفرقة وحصول الخير الكثير في ذلك، واندفاع الأضرار الكبيرة التي وصف ضدها وهو فساد ذات البين بأنها الحالقة، وليس المراد أنها تحلق الشعر، وإنما المراد: أنها تحلق الدين، وهذا يدل على الخطورة، ويوضح ذلك تفضيل الإصلاح على درجة الصوم والصلاة والصدقة.

стр. 16987

تراجم رجال إسناد حديث (ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة) قوله: [حدثنا محمد بن العلاء]. هو محمد بن العلاء بن كريب أبو كريب، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا أبو معاوية]. هو أبو معاوية محمد بن خازم الضرير الكوفي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن الأعمش]. هو سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن عمرو بن مرة]. عمرو بن مرة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن سالم]. هو سالم بن أبي الجعد، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أم الدرداء]. أم الدرداء هي هجيمة التابعية وهي ثقة، أخرج لها أصحاب الكتب الستة. [عن أبي الدرداء]. أبو الدرداء هو عويمر، وهو صحابي، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

стр. 16988

شرح حديث (لم يكذب من نمى بين اثنين ليصلح) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا نصر بن علي أخبرنا سفيان عن الزهري ح وحدثنا مسدد حدثنا إسماعيل ح وحدثنا أحمد بن محمد بن شبويه المروزي حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أمه ﵂ أن النبي ﷺ قال: (لم يكذب من نمى بين اثنين ليصلح)، وقال أحمد بن محمد ومسدد: (ليس بالكاذب من أصلح بين الناس فقال خيراً أو نمى خيراً)]. بعد أن بين أبو داود ﵀ في الحديث السابق عظم إصلاح ذات البين، وما فيه من الفائدة الكبيرة وخطورة بقاء ذات البين على ما هي عليه من الفرقة، وأنها تحلق الدين؛ أتى بهذا الحديث الذي فيه ترخيص الرسول ﷺ في أن يكذب الإنسان من أجل أن يصلح بين الناس؛ لأن الكذب وإن كان فيه ضرر إلا أن ضرره في هذا الباب مغمور في جانب المصلحة التي تترتب عليه، ولكنه إذا حصل ذلك بالتعريض فإن هذا أولى من التصريح حيث أمكن. والكذب قد أبيح في الإصلاح بين الناس، ولكنه إذا حصل بالتلويح وبالتعرض دون التصريح لا شك أنه أولى، ولكن هذه المفسدة التي تترتب على الكذب إذا كانت لمصلحة كبيرة فإنها تكون مغمورة في جانب الفوائد الكبيرة التي ترتبت على إصلاح ذات البين وزوال الفرقة، ولكن -كما قلت- إذا حصل المقصود عن طريق التعريض بأن يأتي بكلام يريد به شيئاً وذاك يفهم منه شيئاً آخر فهو أولى، وذلك بأن يأتي إليه مثلاً ويقول: علمت من فلان أنه يحبك ويدعو لك، ويقصد أنه واحد من المسلمين، وهو يحب المسلمين ويدعو للمسلمين، فهو داخل في هذا العموم، وكونه يقول مثل هذا الكلام هو صادق فيه؛ لأن المسلم يحب المسلمين ويدعو لهم، فيأتي بهذا التعريض على اعتبار أنه داخل في هذا العموم، ومثل هذا لا بأس به. وقد أورد أبو داود حديث أم كلثوم بنت عقبة قالت: قال النبي ﷺ : (لم يكذب من نمى بين اثنين ليصلح) أي: لم يكذب كذباً يترتب عليه إثم، بل هذا كذب لمصلحة وكذب هو مأجور عليه، ولكنه -كما قلت- إذا حصل بالتعريض فهو أولى.

стр. 16989

تراجم رجال إسناد حديث (لم يكذب من نمى بين اثنين ليصلح) قوله: [حدثنا نصر بن علي]. هو نصر بن علي بن نصر بن علي الجهضمي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [أخبرنا سفيان]. هو سفيان بن عيينة، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن الزهري ح وحدثنا مسدد حدثنا إسماعيل]. هو إسماعيل بن علية، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ح وحدثنا أحمد بن محمد بن شبويه المروزي]. أحمد بن محمد بن شبويه المروزي ثقة، أخرج له أبو داود. [حدثنا عبد الرزاق]. هو عبد الرزاق بن همام الصنعاني اليماني، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [أخبرنا معمر عن الزهري]. هو معمر بن راشد البصري ثم اليماني، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن]. حميد بن عبد الرحمن بن عوف ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أمه]. أمه صحابية، أخرج لها أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة.

стр. 16990

شرح حديث أم كلثوم بنت عقبة (ما سمعت رسول الله يرخص في شيء من الكذب إلا في ثلاث) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا الربيع بن سليمان الجيزي حدثنا أبو الأسود عن نافع -يعني ابن يزيد _ عن ابن الهاد أن عبد الوهاب بن أبي بكر حدثه عن ابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن عن أمه أم كلثوم بنت عقبة ﵂ قالت: (ما سمعت رسول الله ﷺ يرخص في شيء من الكذب إلا في ثلاث، كان الرسول ﷺ يقول: لا أعده كاذباً: الرجل يصلح بين الناس يقول القول ولا يريد به إلا الإصلاح، والرجل يقول في الحرب، والرجل يحدث امرأته، والمرأة تحدث زوجها)]. أورد أبو داود حديث أم كلثوم بنت عقبة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: (ما سمعت الرسول ﷺ يرخص في شيء من الكذب إلا في ثلاث)، ومعنى ذلك: أن الكذب الأصل فيه التحريم، ولكنه رخص في هذه الأمور الثلاثة؛ وذلك لأن الكذب فيها يترتب عليه مصلحة كبيرة ومصلحة عظيمة، وتغتفر مفسدة الكذب بجانب المصالح العظيمة المترتبة على ذلك، ومنها الإصلاح بين الناس، وهذا محل الشاهد. وقوله: (والرجل يقول في الحرب) أي: يقول القول الذي فيه تشجيع للمسلمين وتقوية لنفوسهم، وكذلك فيه إخافة العدو، والعمل الذي يكون فيه ضرر وحصول رعب بين الأعداء يكون فعله سائغاً، وإذا حصل ذلك بالتورية فإن هذا هو الذي ينبغي، وإن حصل أنه يكذب لمصلحة كبيرة تترتب على نصرة المسلمين وعلى خذلان الكفار فلا بأس؛ لأن الرسول ﷺ رخص في ذلك، ولكن إن حصل المقصود بدون التصريح بل بتورية فإنه هذا هو الذي ينبغي، فيقول مثلاً: إن المدد آتٍ، وإن المدد كثير، ويقصد أن المدد آتٍ من الله، وأن الله تعالى يأتي بالمدد، والناس يفهمون أن المدد جيوش جاءت، وهو وإن لم يكن هناك جيوش جاءت بالإمداد، ولكن كونه يقول: إنه سيأتي مدد وإن المدد كثير، فإنه يقصد أنه سيكون لكم عون من الله، وما إلى ذلك من العبارات، وقد جاء في الحديث: (الحرب خدعة). ومن ذلك أن يخفي ويكتم الأخبار عن الأعداء حتى لا تصل إليهم، والرسول ﷺ كان من عادته أنه إذا أراد أن يغزو إلى جهة معينة ورى عنها، فكان إذا عزم أنه يذهب إلى جهة الجنوب يجعل الناس يستعدون ولكن لا يدرون إلى أي اتجاه سيذهبون، ويسأل عن الطرق في جهة الشمال، فالذي يسمع السؤال يظن أنه سيذهب شمالاً، فمادام أن الجيش الآن يهيأ وهو يسأل عن الطريق من جهة الشمال وهو عازم على أن يذهب جنوباً، فإن هذا من التورية، وكذلك أيضاً ما حصل في عمرة القضاء، فإنه لما قدم رسول الله ﷺ بلغه مقالة الكفار: (إنه يقدم عليكم قوم وهنتهم حمى يثرب) فأمر ﷺ أصحابه أن يرملوا في الأشواط الثلاثة الأول، وإذا كانوا بين الحجر الأسود والركن اليماني حيث تكون الكعبة حاجبة بينهم وبين الكفار الذين هم في الجهة الشمالية في جهة الحجر يمشون ويأخذون نفسهم بدلاً من الحركة التي كانت تحصل في المواطن التي يراها الكفار، وهذا كله من إظهار قوة المسلمين وإن كان عندهم شيء من الضعف، لكن يظهرون بالقوة، ولكنه ﷺ لما حج حجة الوداع رمل من الحجر إلى الحجر، فبقيت هذه السنة، وكان أصلها هو هذا الذي حصل للمسلمين في عمرة القضاء. والحاصل: أن الحرب خدعة، كما قال ذلك رسول الله ﷺ ، وأمير الجيش يأتي بكل ما يشجع قومه وجماعته الذين معه ويعمل كل ما يخيف أعداءهم. وقوله: (والرجل يحدث امرأته والمرأة تحدث زوجها) أي: فيما يجلب المودة بينهما، وما يكون سبباً في الألفة بينهما؛ بحيث إنه يقول لها ما يجعلها تألفه، وهي تقول له ما يكون سبباً في إلفه لها.

стр. 16991

تراجم رجال إسناد حديث أم كلثوم بنت عقبة (ما سمعت رسول الله يرخص في شيء من الكذب إلا في ثلاث) قوله: [حدثنا الربيع بن سليمان الجيزي]. الربيع بن سليمان الجيزي ثقة، أخرج حديثه أبو داود والنسائي. [حدثنا أبي الأسود]. أبو الأسود هو النضر بن عبد الجبار، وهو ثقة، أخرج له أبو داود والنسائي وابن ماجة. [عن نافع يعني ابن يزيد]. نافع بن يزيد ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة. [عن ابن الهاد]. ابن الهاد هو يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد، وهو ثقة مكثر، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [أن عبد الوهاب بن أبي بكر حدثه]. عبد الوهاب بن أبي بكر ثقة، أخرج له أبو داود والنسائي. [عن ابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن عن أمه أم كلثوم بنت عقبة]. ابن شهاب مر ذكره، وحميد بن عبد الرحمن بن عوف ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة، وأمه صحابية، أخرج لها أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة.

стр. 16992

الأسئلة

стр. 16993

حكم الحلف على الكذب المرخص فيه السؤال هل يمكن أن يحلف الإنسان إذا كذب في المواطن التي يجوز فيها الكذب؟ الجواب لا ينبغي أن يحلف، وإنما يأتي بكلام بدون حلف.

стр. 16994

حكم الكذب للإصلاح بين الزوجين السؤال أبي يأمرني بالكذب لأصلح بينه وبين زوجته، فهل يجوز لي الكذب تبعاً لأبي؟ الجواب لا تكذب؛ لأن الحديث جاء في الترخيص بالكذب بين الزوجين، ولكن إذا احتاج الأمر إلى أن يدخل بينهما ليصلح فيمكن أن يكذب على اعتبار أنه من قبيل إصلاح ذات البين، فإذا كان هناك فرقة فيمكن أن يكذب، ولكن كونه يوري هو أحسن.

стр. 16995

تفضيل الصلح على غيره السؤال هل للقاضي أن يبدأ دائماً بالإصلاح، فقد يكون في ذلك ظلم لأحد المتخاصمين؟ الجواب إذا أمكن الإصلاح بينهم وكل من الطرفين رضي، فكما يقول العوام: إذا اصطلح الناس استراح القاضي، فإذا حصل التراضي بينهم فلا إشكال، لكنه لا يلزمهم، فإذا أصر أحدهم وقال: أنا لا أريد أن أصطلح معه ولا أريد أن أسامحه في شيء وإنما أريد حقي الذي أعطيته إياه، والذي ليس لي لا أريده، فله ذلك، ولكن كونه يصلح بين الناس هو أولى؛ لأن الصلح بين الناس يجعلهم يخرجون متآلفين، بخلاف الحكم، فإن الحكم يكون فيه أحدهم راضياً والآخر في نفسه شيء.

стр. 16996

حكم السلام على المعشوق السؤال هل للعاشق أن يترك السلام على المعشوق لأنه يتأثر بذلك، وهل يدخل هذا في الهجر الوقائي؟ الجواب عليه أن يتوب إلى الله من هذا الشر ومن هذا البلاء الذي هو فيه، وأن يتقي الله ، ولا يعشق هذا العشق المحرم الذي سببه ضعف الإيمان وضعف اليقين، فعليه أن يتقي الله عز جل، ولا يحرص على الاتصال بهذا الشخص، ولكنه عندما يلقاه يسلم عليه، وأما إذا كانت نفسه فيها شر، ثم بعد ذلك يتابعه أو يحرص على الاتصال به فلا يجوز، بل عليه أن يحرص على الابتعاد عنه.

стр. 16997

حكم الهجر لحظوظ النفس السؤال اتهمني بعض الإخوة بالكذب وسبني، وقال ذلك لبعض الإخوة، فهجرته، فهل هذا من أمور الدنيا؟ الجواب كل هذا لا شك أنه من حظوظ النفس؛ لأنه وصفك بوصف أو قال فيك وصفاً شانك وأنت هجرته لمصلحة نفسك، فهو أولاً يجب عليه -إذا كان الأمر كما ذكرت- أن يعتذر منك، وإذا لم يعتذر منك ولقيته فسلم عليه.

стр. 16998

حكم من مات وهو هاجر لأخيه السؤال إذا هجر شخص أخاه فوق ثلاثة أيام لحظوظ النفس، ثم مات، فهل يلقى الله ولم يرفع له عمل؟ الجواب كما هو معلوم كل من كان ذنبه دون الشرك فأمره إلى الله ، وإذا كان قتل النفس دون الشرك فإن ما يشبهه يكون دونه.

стр. 16999

أهمية النصيحة السؤال عندي صديق لي وهو كثير الكذب وسيء الأخلاق، ولم أنصحه لأنني لا أستطيع نصحه بسبب حيائي منه، فهل أهجره ولا أكلمه؟ الجواب انصحه ولا تستح منه، فإنك حين تستحي منه ثم تتركه يتمادى في ضلاله لا تنفعه؛ بل انفعه، وأنقذه مما هو فيه.

стр. 17000

شرح سنن أبي داود [٥٦٠] الغناء ينبت النفاق في القلب، وهو من أسباب الوقوع في الفواحش، فهو رقية الزنا، وهو اللهو الذي يصد عن دين الله تعالى، ولا يجتمع هو والقرآن في قلب أبداً، لذا يجب على كل مسلم ومسلمة الابتعاد عنه والتحذير منه. وهو الخطوة الأولى للوقوع في حبائل الشيطان ومكائدة.

стр. 17001

النهي عن الغناء

стр. 17002

شرح حديث الربيع بنت معوذ (جاء رسول الله فدخل علي صبيحة بُني بي) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في النهي عن الغناء. حدثنا مسدد حدثنا بشر عن خالد بن ذكوان عن الربيع بنت معوذ بن عفراء ﵂ قالت: (جاء رسول الله ﷺ فدخل علي صبيحة بُني بي، فجلس على فراشي كمجلسك مني، فجعلت جويريات يضربن بدف لهن، ويندبن من قتل من آبائي يوم بدر، إلى أن قالت إحداهن: وفينا نبي يعلم ما في الغد، فقال: دعي هذه وقولي الذي كنت تقولين)]. أورد الإمام أبو داود السجستاني رحمه الله تعالى هذه الترجمة بعنوان: باب في النهي عن الغناء، والأحاديث التي أوردها ليس فيها نهي، وإنما فيها ذكر الغناء فقط، وليس فيها ذكر تحريمه أو النهي عنه، وسيأتي في الباب الذي بعده ما يدل على كراهية الغناء كما تدل عليه هذه الترجمة، وعلى هذا فإن ذكر النهي هنا غير مستقيم، ولعل الترجمة ليس فيها ذكر النهي؛ لأن الحديثين اللذين أوردهما لا نهي فيهما، وإنما فيهما إخبار فقط عن حصول الغناء. وقد أورد أبو داود حديث الربيع بنت معوذ رضي الله تعالى عنها أن النبي ﷺ دخل عليها صبيحة بُني بها وعندها جوارٍ يضربن بالدف ويغنين ويندبن ما حصل لآبائها يوم بدر، وفيه قولهن: وفينا نبي يعلم ما في غد، فالرسول ﷺ أنكر عليهن هذه الكلمة، وأقرهن على ما حصل منهن، وهذا يدل على أن الضرب بالدف في الأعراس من النساء سائغ ومشروع، وقد جاء ذلك في أحاديث عديدة ومنها هذا الحديث. وفي هذا الحديث أنه إذا حصل غناء فيه مثل هذا الكلام الذي ليس فيه محذور وهو خاص بالنساء ولا يتعداهن إلى الرجال؛ فإنه لا بأس به، لكن لا يكون على طريقة الإطراب، وإنما على طريقة ذكر شيء من النشيد الذي فيه معانٍ جميلة، ولكن يكون خاصاً بالنساء، والنبي ﷺ أنكر المنكر وأقر ما سوى ذلك، والمنكر هو قولهن أو قول إحداهن: وفينا نبي يعلم ما في غد؛ لأن هذا مما لا يعلمه إلا الله ، كما قال الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ [لقمان:٣٤]. وهذا يدل على أن الرسول ﷺ لا يعلم الغيب على الإطلاق؛ لأن الغيب على الإطلاق لا يعلمه إلا الله ، كما قال تعالى: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل:٦٥]، وكذلك الرسول ﷺ أمره الله أن يقول: ﴿قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ [الأنعام:٥٠]، وقال: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ [الأعراف:١٨٨]، فهذا يبين أن علم الغيب على الإطلاق من خصائص الله، وأن الرسول ﷺ لا يعلم من الغيب إلا ما أطلعه الله عليه، وقد أطلعه على كثير من الغيوب، ولكنه لم يطلعه على كل غيب.

стр. 17003

تراجم رجال إسناد حديث الربيع بنت معوذ (جاء رسول الله فدخل علي صبيحة بُني بي) قوله: [حدثنا مسدد]. مسدد بن مسرهد ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي. [حدثنا بشر]. بشر بن مفضل ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن خالد بن ذكوان]. خالد بن ذكوان صدوق، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن الربيع بنت معوذ بن عفراء]. الربيع بنت معوذ ﵂ صحابية، أخرج لها أصحاب الكتب الستة. وهذا الإسناد رباعي من أعلى الأسانيد عند أبي داود ﵀.

стр. 17004

حكم ضرب الرجال للدف وسماعه ولا يجوز سماع هذا الغناء من قبل الرجال، والرجال لا يضربون بالدفوف، وإنما يضرب بالدفوف النساء، وأيضاً لا يجوز أن تسمع النساء الرجال؛ لأن ذلك يؤدي إلى الفتنة، وإنما يكون بينهن وخاصاً بهن فلا يتعداهن إلى غيرهن من الرجال.

стр. 17005

حكم ضرب المرأة الدف لزوجها ولا يجوز للزوجة أن تضرب الدف لزوجها في غير العرس.

стр. 17006

حكم ضرب النساء للدف عند الرجال والجواري اللاتي كن موجودات عنده ﷺ كن جواري صغيرات، ومعلوم أن النساء لا يحضرن عند الرجال ولا يضربن الدف بين الرجال، وإنما يكون النساء وحدهن ويضربن وحدهن، فلعلهن كن صغيرات.

стр. 17007

حكم القول بأن الرسول يعلم الغيب وقولهن: (وفينا نبي يعلم ما في غد) قول لا يجوز، ولا شك أن الكفر الذي فيه خفاء والذي يكون فيه اشتباه لابد فيه من إقامة الحجة، ولكن ليس كل كفر فيه اشتباه؛ لأن من الكفر ما لا يكون فيه اشتباه مثل سب الله ، فهذا لا يقال: فيه اشتباه، ولا يقال: يحتاج إلى أن تقام على من فعله الحجة، وأما الأمور التي فيها خفاء فتقام على صاحبها الحجة. ثم أيضاً الرسول ﷺ حصل له في الجملة اطلاع على أمور مستقبلة، وقد جاءت أحاديث كثيرة عن الرسول فيها ذكر أمور علمها بتعليم الله إياه، لكن إطلاق القول بأن كل ما يكون في المستقبل يعلمه الرسول ﷺ هو الخطأ والغلط، وإلا فإن الرسول ﷺ علم كثيراً من الغيوب في المستقبل، ومن ذلك ما أخبر به الرسول عن أشراط الساعة، وعما يجري في المستقبل من الفتن، وكذلك ما كان قريباً من زمانه ﵊ من الأمور التي أخبر بها مثل قوله: (إنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً)، وكذلك قوله عن الحسن: (ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين) فكل هذا إخبار عن أمر مستقبل أطلعه الله تعالى عليه، لكن المنكر هو القول بأنه يعلم الغيب في المستقبل على الإطلاق.

стр. 17008

دخول الرسول ﷺ على غير محارمه والرسول ﷺ جاء في هذا الحديث أنه دخل على الربيع بنت معوذ، ولكن لا يعني ذلك أنه كان وحده معها، بل يجوز أن يكون زوجها موجوداً، ولكن حتى لو لم يحصل وجود زوجها فإن الرسول ﷺ ثبت عنه شيء لا يلحق به غيره ولا يقاس غيره عليه.

стр. 17009

حكم تلحين ما يسمى بالأناشيد الإسلامية اشتغل كثير من الشباب المسلم اليوم بما يسمى بالأناشيد الإسلامية، ويدعي بعضهم أنها وسيلة من وسائل الدعوة، وغالباً ما يكون هذا من أجل محبة الأصوات ومحبة النشيد أو الطريقة التي يكون بها النشيد، وهذا غير لائق، وإنما الشعر وإلقاؤه يكون بالطريقة التي كانت معروفة في زمنه ﷺ ، مثلما كان حسان يلقي، أما أن يجتمع أناس ويأتون بأصوات يتغنون بها، أو تكون عند بعض الناس هي المقصودة وليس المقصود المعنى فهذا مما لا ينبغي، ولهذا فإن هذه الأناشيد أو هذه الطريقة لم تكسب الدعوة الإسلامية شيئاً، بل كانت نتيجتها أن افتتن بمثل سماع هذه الأصوات التي قد تطرب أو قد تعجب بعض الناس، وأما كون الناس يستفيدون منها ويترتب عليها فائدة فهذا ما لم يكن.

стр. 17010

شرح حديث (لما قدم رسول الله المدينة لعبت الحبشة لقدومه) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا الحسن بن علي حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن ثابت عن أنس ﵁ قال: (لما قدم رسول الله ﷺ المدينة لعبت الحبشة لقدومه فرحاً بذلك، لعبوا بحرابهم)]. أورد أبو داود هذا الحديث عن أنس ﵁ وفيه: (أنه لما قدم رسول الله ﷺ المدينة لعبت الحبشة فرحاً بقدومه، لعبوا بحرابهم) وهذا ليس فيه ذكر غناء، إلا أن يكون جاء في بعض طرقه شيء من ذلك، وإلا فإن الغناء لا ذكر له في هذا الحديث.

стр. 17011

تراجم رجال إسناد حديث (لما قدم رسول الله المدينة لعبت الحبشة لقدومه) قوله: [حدثنا الحسن بن علي]. هو الحسن بن علي الحلواني، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا النسائي. [حدثنا عبد الرزاق]. هو عبد الرزاق بن همام الصنعاني اليماني، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [أخبرنا معمر]. هو معمر بن راشد الأزدي البصري ثم اليماني، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن ثابت]. هو ثابت بن أسلم البناني، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أنس]. هو أنس بن مالك ﵁ خادم رسول الله ﵊، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ .

стр. 17012

كراهية الغناء والزمر

стр. 17013

شرح حديث (سمع ابن عمر مزماراً فوضع أصبعيه في أذنيه) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب كراهية الغناء والزمر. حدثنا أحمد بن عبيد الله الغداني حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا سعيد بن عبد العزيز عن سليمان بن موسى عن نافع أنه قال: (سمع ابن عمر ﵄ مزماراً, قال: فوضع أصبعيه على أذنيه، ونأى عن الطريق، وقال لي: يا نافع! هل تسمع شيئاً؟ قال: فقلت: لا، قال: فرفع أصبعيه من أذنيه، وقال: كنت مع النبي ﷺ فسمع مثل هذا فصنع مثل هذا). قال أبو علي اللؤلؤي: سمعت أبا داود يقول: هذا حديث منكر]. أورد أبو داود هذه الترجمة: باب كراهية الغناء والزمر، والغناء: هو الأصوات التي تكون من المغني، وأما الزمر فهو الصوت الذي يكون بآلة أو استخدام آلة لتحسن الصوت، أو يكون فيها شيء يطرب مضموماً إلى الصوت، فكل منهما غير سائغ إلا فيما يتعلق بالغناء، وفيما يتعلق بالذي مر في ذكر ضرب النساء بالدف، وأنهن كن يغنين بأشعار سليمة ليس فيها غرام وليس فيها فتنة، وإنما كن يغنين بكلام جميل، فلا بأس به إذا كان خاصاً بالنساء لا يتعداهن إلى غيرهن. وقد أخرج أبو داود عن نافع قال: (سمع ابن عمر مزماراً فوضع أصبعيه في أذنيه، ونأى عن الطريق) أي: الذي سمع فيه هذا الصوت، ثم قال لـ نافع: أتسمع؟ قال: لا، فأخرج أصبعيه من أذنيه، ثم قال: (إني كنت مع النبي ﷺ فسمع مزماراً ففعل مثلما فعلت) أي: أنه وضع أصبعيه في أذنيه، وهذا يدل على أن استعمال المزامير غير سائغ، وقد جاء ما يدل على ذلك في أحاديث أخرى منها الحديث الذي في البخاري: (يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف)؛ لأن المعازف هي آلات الطرب وآلات اللهو. وقد ذكر أن النبي ﷺ سمع مثل هذا الذي سمعه ابن عمر، وأن النبي ﷺ وضع أصبعيه في أذنيه كما وضع ابن عمر، أي: أن ابن عمر فعل ذلك اقتداء برسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.

стр. 17014

تراجم رجال إسناد حديث (سمع ابن عمر مزماراً فوضع أصبعيه في أذنيه) قوله: [حدثنا أحمد بن عبيد الله الغداني]. أحمد بن عبيد الله الغداني صدوق، أخرج له البخاري وأبو داود. [حدثنا الوليد بن مسلم]. الوليد بن مسلم ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا سعيد بن عبد العزيز]. سعيد بن عبد العزيز ثقة، أخرج له البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأبو داود. [عن سليمان بن موسى]. سليمان بن موسى صدوق، أخرج له مسلم في المقدمة وأصحاب السنن. [عن نافع]. نافع مولى ابن عمر ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [قال: سمع ابن عمر]. هو عبد الله بن عمر ﵄ الصحابي الجليل، أحد العبادلة الأربعة من الصحابة، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ . وقوله: [قال أبو علي اللؤلؤي: سمعت أبا داود يقول: هذا حديث منكر]. أبو علي اللؤلؤي هو أحد رواة سنن أبي داود، وقد روى هنا عن أبي داود أنه قال: إن هذا حديث منكر، والإسناد كما هو أمامنا صحيح، ولا يظهر وجه لنكارته. وبعض العلماء -أظنه الخطابي - قال: إن هذا كأنه شيء خفيف، وإلا فإن مقتضى ذلك الإنكار والمبالغة في الإنكار. والمنكر عند العلماء هو: ما يخالف الضعيف فيه الثقة، وهنا لا يوجد ضعيف في الإسناد، بل كل من فيه إما ثقة وإما صدوق.

стр. 17015

الإنكار على أصحاب المزامير والملاهي الماجنة قال الخطابي: المزمار الذي سمعه ابن عمر هو صفارة الرعاء، وقد جاء ذلك مذكوراً في هذا الحديث من غير هذه الرواية، وهذا وإن كان مكروهاً فقد دل هذا الصنع على أنه ليس في غلظ الحرمة كسائر الزمور والمزاهر والملاهي التي يستعملها أهل الخلاعة والمجون، ولو كان كذلك لأشبه ألا يقتصر في ذلك على سد المسامع فقط دون أن يبلغ فيه من النكر مبلغ الردع والتنكيل. انتهى. يعني: كأنه شيء خفيف ليس كفعل أهل المجون والخلاعة والاستهتار. فقضية الإنكار مطلوبة، والإنسان إذا سمع أمراً منكراً وإن لم يكن مستمعاً له فإنه ينبه عليه، لكن لعل الأمر كما قال الخطابي، وكون ابن عمر فعل هذا حينما سمع المزمار معنى ذلك أن ما كان أعظم وأشد فهو من باب أولى أن يفعل معه هكذا. ولعل مولاه فعل مثلما فعل، ولكنه أراد هو ألا يسمع ذلك ولو عن طريق التحقق من كونه انتهى أو ما انتهى، فسأل مولاه، ولعل نافعاً فعل مثلما فعل ابن عمر، فإذا رآه يفعل فإنه سيفعل مثلما فعل، لكن كأنه ثقل عليه أن يفتح أذنيه ويسمع، فأراد أن يتحقق أن الصوت انتهى بأن يفتح مولاه أذنيه ويسمع، ثم يخبره بأن الصوت قد انقطع، حتى يرجع ابن عمر إلى ما كان عليه قبل سماعه، واللائق بـ نافع أنه سيفعل مثلما فعل ابن عمر.
следующие страницы →