Полный текст (18 341 стр.). Показаны 16941–16980 · переход к 16946.
стр. 16941
شرح حديث (إن العبد إذا لعن شيئاً صعدت اللعنة إلى السماء)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في اللعن.
حدثنا أحمد بن صالح حدثنا يحيى بن حسان حدثنا الوليد بن رباح قال: سمعت نمران يذكر عن أم الدرداء أنها قالت: سمعت أبا الدرداء ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : (إن العبد إذا لعن شيئاً صعدت اللعنة إلى السماء، فتغلق أبواب السماء دونها، ثم تهبط إلى الأرض، فتغلق أبوابها دونها، ثم تأخذ يميناً وشمالاً، فإذا لم تجد مساغاً رجعت إلى الذي لعن، فإن كان لذلك أهلاً وإلا رجعت إلى قائلها)].
أورد أبو داود باباً في اللعن، واللعن: هو إطلاق اللعن على أحد، ومن المعلوم أن اللعن إنما يكون في حدود ما وردت به الشريعة، واللعن يكون لمن يستحقه، وقد جاء في نصوص الكتاب والسنة اللعن بالأوصاف؛ كقوله تعالى: ﴿لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران:٦١]، وقوله ﷺ : (لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال)، وقوله: (لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده)، وقوله: (لعن الله النامصة والمتنمصة)، وغيرها من الأحاديث الكثيرة في اللعن بالوصف، وليس بالعين.
وأما اللعن بالعين فكثير من العلماء يقولون: لا يلعن المعين؛ لأنه لا يدرى ما هي نهايته، وأي شيء ينتهي إليه، ولهذا كان بعض العلماء يتحرزون من اللعن، حتى من لعن الكفار، إذا كانوا على قيد الحياة، أو كانوا لا يعرفون النهاية التي كانوا عليها، ولهذا ذكر ابن كثير ﵀ في البداية والنهاية قصة نصراني أنشأ قصيدة يذم فيها الإسلام، ويذم فيها الرسول ﷺ ، وذكر أن ابن حزم أنشأ قصيدة طويلة رداً عليها، وقد أثبت القصيدتين، ولما ذكر قصيدة النصراني عقبها بقوله: فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين إن كان مات كافراً.
وذكر ابن كثير في ترجمة أبي نصر الفارابي أنه كان يقال عنه: إنه لا يقول بمعاد الأجساد، وإنما يقول بمعاد الأرواح فقط، ثم قال ابن كثير: فعليه إن كان مات على ذلك لعنة رب العالمين، ثم قال: وإن الحافظ ابن عساكر كتب تاريخاً واسعاً في دمشق، ولم يذكر الفارابي في تاريخه، مع أنه من أهل دمشق، قال: ولعله إنما تركه لقبحه ونتانته.
أي: لأنه يقول بعدم معاد الأجساد، وأنما تعاد الأرواح فقط.
ولهذا فالأصل عند أهل السنة أن المعين لا يلعن؛ لأن الإنسان قد يكون على شر، ثم يختم له بخير، وتكون نهايته على خير، ومن المعلوم أن الناس بالنسبة للنهايات والبدايات أربعة أقسام: منهم من تكون بدايته ونهايته طيبة، ومنهم من تكون بدايته ونهايته سيئة، ومنهم من تكون بدايته حسنة ونهايته سيئة، ومنهم من تكون بدايته سيئة ونهايته حسنة، فهذه أربعة أقسام للناس بالنسبة للبداية والنهاية، وهذا مثلما حصل لسحرة فرعون، فإن حياتهم كلها كانت مملوءة بالسحر والكفر والشر، ثم بعد ذلك آمنوا برب موسى وهارون، وقتلوا وانتهوا على خير، وختم لهم بخير.
وكذلك الذي يكون على حالٍ حسنة ثم يدركه الخذلان في آخر الأمر فيرتد عن الإسلام، ويموت على ذلك، فتكون نهايته سيئة، والعياذ بالله! وقد أورد أبو داود ﵀ هذا الحديث، وفيه أن اللعنة التي تصدر من الإنسان تذهب إلى السماء فتغلق أبواب السماء دونها، ثم ترجع إلى الأرض فتغلق أبواب الأرض دونها، ثم تذهب يميناً وشمالاً حتى تذهب إلى الذي قيلت فيه، فإن لم يكن كذلك وإلا رجعت إلى صاحبها.
стр. 16942
تراجم رجال إسناد حديث (إن العبد إذا لعن شيئاً صعدت اللعنة إلى السماء)
قوله: [حدثنا أحمد بن صالح حدثنا يحيى بن حسان].
أحمد بن صالح مر ذكره، ويحيى بن حسان ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة.
[حدثنا الوليد بن رباح].
الوليد بن رباح صدوق، أخرج له أبو داود.
[قال: سمعت نمران].
نمران مقبول، أخرج له أبو داود.
[يذكر عن أم الدرداء].
أم الدرداء هي هجيمة التابعية، وهي الصغرى من زوجتي أبي الدرداء؛ لأن هناك أم الدرداء الكبرى، وهي ليس لها رواية، واسمها خيرة، وأما هذه فهي هجيمة، وهي تابعية ثقة، أخرج لها أصحاب الكتب الستة.
[أنها قالت: سمعت أبا الدرداء].
أبو الدرداء هو عويمر رضي الله تعالى عنه صاحب رسول الله ﷺ ، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
وهذا الحديث في إسناده هذا المقبول، والألباني حسنه من أجل طريق أخرى مرسلة.
[قال أبو داود: قال مروان بن محمد: هو رباح بن الوليد سمع منه، وذكر أن يحيى بن حسان وهم فيه].
يعني: وهم في القلب.
ومروان بن محمد ثقة، أخرج له مسلم وأصحاب السنن.
стр. 16943
شرح حديث (لا تلاعنوا بلعنة الله ولا بغضب الله ولا بالنار)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا هشام عن قتادة عن الحسن عن سمرة بن جندب ﵁ عن النبي ﷺ قال: (لا تلاعنوا بلعنة الله، ولا بغضب الله، ولا بالنار)].
أورد أبو داود حديث سمرة بن جندب: (لا تلاعنوا بلعنة الله، ولا بغضب الله ولا بالنار)، هذا نهي عن أن يلعن الرجل أخاه أو يدعو عليه بالنار، أو يدعو عليه بالغضب، أو غير ذلك، وهذا فيه النهي عن هذه الأعمال التي هي التكلم باللعن، أو بالدعوة بالغضب، أو بالنار، أو أن يكون من أهل النار، أو أن يجعل من أهل النار.
стр. 16944
تراجم رجال إسناد حديث (لا تلاعنوا بلعنة الله ولا بغضب الله ولا بالنار)
قوله: [حدثنا مسلم بن إبراهيم].
هو مسلم بن إبراهيم الفراهيدي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا عن هشام].
هو هشام الدستوائي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن قتادة].
هو قتادة بن دعامة السدوسي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن الحسن].
هو الحسن بن أبي الحسن، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن سمرة بن جندب].
سمرة بن جندب صحابي، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
والحديث جاء من طريق الحسن عن سمرة، ولكن الألباني حسنه أو صححه من أجل شواهد أخرى.
стр. 16945
شرح حديث (لا يكون اللعانون شفعاء ولا شهداء)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا هارون بن زيد بن أبي الزرقاء حدثنا أبي قال: حدثنا هشام بن سعد عن أبي حازم وزيد بن أسلم أن أم الدرداء قالت: سمعت أبا الدرداء ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا يكون اللعانون شفعاء ولا شهداء)].
أورد أبو داود حديث أبي الدرداء ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا يكون اللعانون شفعاء ولا شهداء)، وهذا بيان لذنبهم، ووصفهم بأنهم لا يكونون ممن يشفعون، ولا ممن يشهد يوم القيامة، وهذا يدل على خطورة هذا العمل الذي هو الاتصاف باللعن.
стр. 16946
تراجم رجال إسناد حديث (لا يكون اللعانون شفعاء ولا شهداء)
قوله: [حدثنا هارون بن زيد بن أبي الزرقاء].
هارون بن زيد بن أبي الزرقاء صدوق، أخرج له أبو داود والنسائي.
[حدثنا أبي].
أبوه ثقة، أخرج له أبو داود والنسائي.
[قال: حدثنا هشام بن سعد].
هشام بن سعد صدوق له أوهام، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.
[عن أبي حازم].
أبو حازم هو سلمة بن دينار، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[وزيد بن أسلم].
زيد بن أسلم ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[أن أم الدرداء قالت: سمعت أبا الدرداء].
أم الدرداء وأبو الدرداء قد مر ذكرهما.
стр. 16947
شرح حديث ابن عباس في النهي عن لعن الريح
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا أبان ح وحدثنا زيد بن أخزم الطائي حدثنا بشر بن عمر حدثنا أبان بن يزيد العطار حدثنا قتادة عن أبي العالية قال زيد: عن ابن عباس ﵄: أن رجلاً لعن الريح، وقال مسلم: إن رجلاً نازعته الريح رداءه على عهد النبي ﷺ فلعنها، فقال النبي ﷺ : (لا تلعنها فإنها مأمورة، وإنه من لعن شيئاً ليس له بأهل رجعت اللعنة عليه)].
أورد أبو داود حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أن رجلاً لعن الريح، فنهاه رسول الله ﷺ وقال: لا تلعنها فإنها مأمورة، من لعن شيئاً وليس له بأهل رجعت اللعنة عليه)، أي: رجعت اللعنة على صاحبها، ومغبتها وضررها على الذي حصلت منه، وهو متكلم بها.
стр. 16948
تراجم رجال إسناد حديث ابن عباس في النهي عن لعن الريح
قوله: [حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا أبان].
هو أبان بن يزيد العطار، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة.
[ح وحدثنا زيد بن أخزم الطائي].
زيد بن أخزم الطائي ثقة، أخرج له البخاري وأصحاب السنن.
[حدثنا بشر بن عمر].
بشر بن عمر ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
والإسناد الأول عالٍ، والثاني نازل؛ لأن بين المصنف وبين أبان واسطة واحدة في الإسناد الأول وواسطتين في الإسناد الثاني.
[حدثنا أبان بن يزيد العطار حدثنا قتادة عن أبي العالية].
قتادة مر ذكره، وأبو العالية هو رفيع بن مهران، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن عباس].
هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، ابن عم النبي ﷺ ، وأحد العبادلة الأربعة من الصحابة، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ .
стр. 16949
الأسئلة
стр. 16950
حكم قول: (عليه من الله ما يستحق)
السؤال
ما حكم قول: (عليه من الله ما يستحق)؟
الجواب
يبدو أنها لا بأس بها؛ لأن هذه عبارة سهلة، والإنسان الذي يوغل في الضلال، ويحصل منه ضرر كبير، فإذا قيل فيه مثل هذا فلا بأس بذلك؛ لأن هذه تقال، ويأتي ذكرها.
стр. 16951
حكم لعن من مات على الكفر
السؤال
إذا مات الإنسان على الكفر قطعاً فهل يلعن ويبشر بالنار، مثل مسيلمة الكذاب؟
الجواب
لا شك أن من مات على الكفر ليس له إلا النار، ويكون خالداً مخلداً فيها أبد الآباد؛ لأن العبرة هو الموت على الكفر، والعبرة بالخواتيم، فمن مات على الكفر ولم يؤمن بالله فهو من أهل النار، وهو مطرود من رحمة الله، ولا يغفر الله له، كما قال الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨].
стр. 16952
الفرق بين ابن علية الثقة وابن علية الجهمي
السؤال
ما الفرق بين ابن علية الثقة، وبين الذي قال عنه الذهبي: جهمي هالك؟
الجواب
الجهمي هو إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم، هذا هو الجهمي الهالك، وهو الذي ذكره الذهبي في الميزان، وأما الثقة الإمام الذي يأتي ذكره في أسانيد الحديث كثيراً فهو أبوه: إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم، وابنه إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم هو الذي يأتي في كتب الفقه في المسائل الشاذة، فعندما يأتي ذكر مسألة شاذة وفيها ابن علية فالمراد به الابن.
وهكذا إذا جاء ذكر الأصم في مسائل الشذوذ، فهناك الأصم شيخ للحاكم، وهو ثقة، وهو أبو العباس الأصم، وأما الذي يأتي ذكره في مسائل الشذوذ فهو أبو بكر بن كيسان الأصم.
стр. 16953
حكم قول: فلان هالك
السؤال
هل يجوز قول القائل: فلان هالك؟
الجواب
إذا كان المقصود ذمه، بمعنى: أنه متصف بصفة ذميمة، وقيل فيه هذا مبالغة في ذمه، مثل ما يقال: جهمي هالك، فمثل هذا لا بأس به، ومثل هذا يقال في الرواة، ومن العبارات التي تقال في الرواة قولهم في إبراهيم بن إسماعيل بن علية الذي يأتي ذكره في كتب الفقه عند المسائل الشاذة: جهمي هالك، ومن أقواله: إن الإجارة لا تجوز؛ لأنها بمثابة بيع شيء غير موجود، فهي غير جائزة، وهذا قول شاذ، وقد قال عنه الذهبي في الميزان: جهمي هالك.
стр. 16954
حكم الإقسام على الله
السؤال
هل يجوز الإقسام على الله؛ كأن يقول الرجل: والله! ليعطيني الله كذا من الخير، أو والله لينصرني الله على عدوي؟
الجواب
ليس من المناسب أن يقول الإنسان: والله! ليعطيني الله كذا وكذا، وقد جاء في قصة الربيع في قصة السن الذي كسر أن الرسول ﷺ قال: (كتاب الله القصاص)، فقال ولي أمرها: (والله! لا تكسر سن الربيع) وكان أولياء البنت التي كسر سنها قد طالبوا بالقصاص، وامتنعوا عن العفو، ولكن بعد ذلك جاءوا وعفوا، فقال الرسول ﷺ عند ذلك: (إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره)، فإن هذا أقسم ولكن الله تعالى سخر هؤلاء.
أما أن يقول الإنسان: والله! ليعطيني الله كذا، فقد يكون في هذا شيء من الاعتداء في الدعاء.
стр. 16955
شرح سنن أبي داود [٥٥٩]
من محاسن دين الإسلام أنه أمر بالألفة والأخوة والترابط، وأمر بكل ما يؤدي إلى الأخوة وتماسكها وترابطها، ونهى عن كل ما يفلك أواصرها، ومن ذلك الهجر، فقد نهى الشرع عن الهجر فوق ثلاثة أيام لغير سبب شرعي، بل وجاء الوعيد الشديد فيمن يفعل ذلك.
ثم رخص في الكذب في ثلاث حالات فقط، بعد أن حرم تحريماً لا مرية فيه، وإنما كانت هذه الإباحة لمصلحة شرعية محققة، وهذا من مقاصد الشريعة، كما أمرت الشريعة بالنصيحة، وحذرت من الغش والخيانة، حتى يبقى المجتمع المسلم متماسكاً مترابطاً قوياً.
стр. 16956
باب فيمن دعا على من ظلمه
стр. 16957
شرح حديث عائشة أنه سرق لها شيء فجعلت تدعو عليه
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب فيمن دعا على من ظلمه.
حدثنا ابن معاذ حدثنا أبي حدثنا سفيان عن حبيب عن عطاء عن عائشة ﵂ قالت: (سرق لها شيء فجعلت تدعو عليه، فقال لها رسول الله ﷺ : لا تسبخي عنه)].
أورد الإمام أبو داود السجستاني ﵀ هذه الترجمة بعنوان: باب فيمن دعا على من ظلمه، أي: أنه يجوز للمظلوم أن يدعو على من ظلمه، وإذا تجاوز ولم يدع عليه فذلك هو الأولى، كما جاء في القرآن في قوله : ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [النحل:١٢٦].
وقد أورد أبو داود حديث عائشة ﵂: أنه سرق لها شيء فدعت على من سرقه، فقال لها رسول الله ﷺ : (لا تسبخي عنه)، قيل: إن معنى ذلك: لا تخففي عنه العقوبة في دعائك عليه، أي: فلو تركتيه دون أن تخففي عليه العقوبة حتى يحصل عقوبة كاملة فهو الذي ينبغي، لكن هذا المعنى فيه نكارة؛ لأن كون الرسول ﷺ يأمرها ألا تدعو عليه حتى يحصل عقوبة كاملة ليس بواضح، وهو خلاف منهج الرسول ﷺ الذي هو رءوف رحيم، كما وصفه الله بقوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨].
والحديث من جهة الإسناد فيه حبيب بن أبي ثابت، وهو كثير التدليس والإرسال، وقد روى هنا بالعنعنة، وعلى هذا فالحديث فيه ضعف من جهة الإسناد، وفيه أيضاً نكارة من جهة المعنى، والله تعالى أعلم.
стр. 16958
تراجم رجال إسناد حديث عائشة أنه سرق لها شيء فجعلت تدعو عليه
قوله: [حدثنا ابن معاذ].
هو عبيد الله بن معاذ، وهو ثقة، أخرج له البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي.
[حدثنا أبي].
أبوه معاذ بن معاذ العنبري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا سفيان].
هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن حبيب].
هو حبيب بن أبي ثابت، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو كثير التدليس والإرسال.
[عن عطاء].
يحتمل أن يكون ابن أبي رباح وأن يكون عطاء بن يسار، وقد روى عنهما حبيب بن أبي ثابت جميعاً، وكل منهما ثقة، أخرج لهما أصحاب الكتب الستة.
[عن عائشة].
عائشة أم المؤمنين ﵂ وأرضاها، الصديقة بنت الصديق، وهي واحدة من سبعة أشخاص عرفوا بكثرة الحديث عن النبي ﷺ .
стр. 16959
حكم الدعاء على الظالم
الدعاء على الظالم جاء فيه حديث معاذ المشهور عندما بعثه الرسول ﷺ إلى اليمن، فإنه أمره أن يدعو إلى التوحيد أولاً، فإذا أجابوه إلى التوحيد ينتقل إلى الأمر بالصلوات الخمس، وإذا جابوه إلى الصلوات الخمس ينتقل إلى الدعوة إلى إخراج الزكاة من الأغنياء وإعطائها الفقراء، ثم قال في آخره: (فإن هم أجابوك إلى ذلك فإياك وكرائم أموالهم) أي: إياك أن تأخذ النفائس من الأموال، ثم قال: (واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب)، أي: أنه لو أخذ كرائم الأموال فإنه يكون قد ظلم أصحاب الأموال، فلا يأخذ من الجيد الذي هو نفائس الأموال، ولا من رديء المال، وإنما يأخذ من أوساطه، ولهذا قال: (وإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينها وبين الله حجاب)، ومعنى ذلك: أن من أخذ منه شيء لا يجب عليه وأخذ منه قهراً، وبدون رضاه، فإن ذلك يكون ظلماً عليه من العامل، فإذا دعا عليه فليس بين دعوته وبين الله حجاب.
стр. 16960
حكم الدعاء على الحكام
والحاكم الظالم يدعى له بالهداية والتوفيق، وأن يوفقه الله تعالى لنصرة الدين، هذا هو الذي ينبغي؛ فإن طريقة أهل السنة والجماعة: الدعاء للولاة، وعدم الدعاء عليهم؛ لأنهم إذا صلحوا حصل بصلاحهم الخير الكثير، فطريقة أهل السنة والجماعة الدعاء للولاة، وطريقة أهل البدع الدعاء عليهم.
стр. 16961
ما جاء فيمن يهجر أخاه المسلم
стр. 16962
شرح حديث (لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب فيمن يهجر أخاه المسلم.
حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن ابن شهاب عن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخواناً، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليالٍ)].
أورد أبو داود هذه الترجمة بعنوان: باب فيمن يهجر أخاه المسلم، وهجر المسلم إما أن يكون لأمور دنيوية، وأمور شخصية، وأمور تجري بين الناس، فهذا لا يسوغ الهجر فيه أكثر من ثلاث ليال، فإنه قد يحصل شيء فتتباعد النفوس فيما بينها في هذه المدة، لكن لا يجوز أن يتجاوز هذا المقدار الذي هو ثلاث ليالٍ.
وأما إذا كان الهجر لله ، مثل هجران أهل البدع، وأهل المعاصي، فإذا كان الهجر مفيداً لهم، ومؤثراً عليهم، لاسيما إذا كان من شخص يؤثر هجره كأن يكون والداً، أو أن يكون شخصاً مسئولاً، وإذا هجر يؤثر هجره على المهجور، فإن هذا أمر مطلوب، وإذا كان الهجر لا يترتب عليه مصلحة، أو كان الهجر في أمور غير واضحة، أو لم يكن التهاجر لمن عصى، أو حصل منه شيء، فإن هذا من الفتن التي يبتلى بها بعض الناس، ولهذا الواجب هو الحذر، وأن يكون الإنسان في مثل هذه الأمور على حيطة في دينه، فلا يسعى إلى إفساد قلوب الناس.
فالهجر إذا كان لله فإنه سائغ، ولكن ممن يفيد هجره وينفع، وإذا كان لحظ النفس، فإنه يجوز في حدود ثلاثة أيام، ولا يجوز أن يتجاوز ثلاثة أيام، وقد جاءت الأحاديث في ذلك عن رسول الله ﷺ ، ومنها حديث أبي هريرة هذا، الذي أورده المصنف أولاً، وهو أن النبي ﷺ قال: (لا تباغضوا) أي: لا تأتوا بالأسباب التي تجلب البغضاء بينكم، ولا تفعلوا الأسباب التي تسبب البغضاء، وإنما اعملوا على وجود الأسباب التي تسبب الألفة والمودة والصفاء والتقارب والتآلف، وابتعدوا عن الأسباب التي يترتب عليها تنافر النفوس والقلوب، وتدابر وتباغض وافتراق، بل احرصوا على الألفة وعلى المودة.
وقوله: (ولا تحاسدوا) أي: لا يحسد بعضكم بعضاً، فمن حصلت له نعمة من الله فلا يحسده أخوه على هذه النعمة ويتمنى زوالها عنه سواء حصلت له أم لم تحصل له.
والحسد الذي بمعنى الغبطة لا بأس به، وهو أن يتمنى الإنسان إذا رأى غيره على خير وعلى استقامة أن يكون مثله، وأن يكون له مثل ما له دون أن يتمنى زوال ما معه، بل يبقى ذلك الفضل له ويحب أن يكون له فضل مثل ذلك الفضل، فهذا حسد بمعنى الغبطة وهو محمود، وقد جاء عن الرسول ﷺ ما يدل على ذلك.
وأما إذا كان الحسد المذموم الذي ينتج عن نفس خبيثة بأن يكره حصول الخير للغير وبقاء النعمة عنده ويتمنى زوالها عنه، فإن هذا من الحسد المذموم الذي نهى عنه الرسول ﷺ .
وقوله: (ولا تدابروا) أي: لا يحصل منكم التقاطع بحيث إن الشخصين إذا التقيا يعرض كل منهما عن الآخر فيوليه دبره ولا يوليه وجهه، فلأجل التقاطع الذي يكون بينهم ينتج عن ذلك أن كل واحد منهما يولي الآخر دبره بدلاً من وجهه، فيحصل بذلك التدابر، والتدابر معناه: أن كل واحد يولي الآخر دبره؛ لأنه لا يريد أن يلقاه ولا يريد أن يسلم عليه ولا يريد أن يتكلم معه.
قوله: (وكونوا عباد الله إخواناً) أي: هذه الأخوة التي منحكم الله إياها وهي أخوة الإسلام كونوا عليها بأن يحب كل واحد لأخيه ما يحبه لنفسه، ويحرص على ألا يكون هناك تباغض وتحاسد وتدابر بينه وبين أخيه المسلم.
ثم لما ذكر التدابر الذي هو أن يولي كل واحد الآخر دبره قال: (ولا يحل لأحد أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليالٍِ) أي: إذا كان هناك في النفوس شيء لأمور دنيوية أو لأمور شخصية أو خاصة فيما بينه وبين غيره من التعامل ولم يكن ذلك لله ، فلا يحل له أن يهجره أكثر من ثلاث، وإنما عليه أن يحرص على أن يلتقي به وأن يزيل ما بينه وبينه، وأن يسلم أحدهما على الآخر، وألا يستمرا على هذه الهيئة الرديئة، وأما إذا كان الهجر لله وكان يترتب عليه مصلحة، فإنه لا مانع من الزيادة على ذلك؛ لأن الهجر الذي هو محدد بهذا المقدار هو الهجر الذي هو لمصلحة النفس وللحظوظ الدنيوية وللأشياء التي تجري بين الناس عادة وليست من أجل الله، أما إذا كان من أجل الله فإن الزيادة سائغة، والرسول ﷺ هجر كعب بن مالك وصاحبيه ومنع الناس من كلامهم خمسين ليلة حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، ثم بعد ذلك تاب الله عليهم ونزل القرآن بتوبتهم، فالزيادة على ثلاث ليالٍ فيما يتعلق بحق الله، وفيما يترتب عليه مصلحة ذلك سائغ، وقد جاءت به الشريعة.
стр. 16963
تراجم رجال إسناد حديث (لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا)
قوله: [حدثنا عبد الله بن مسلمة].
هو عبد الله بن مسلمة القعنبي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة.
[عن مالك].
هو مالك بن أنس إمام دار الهجرة المحدث الفقيه، أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن شهاب].
هو محمد بن مسلم بن عبيد اللهَ بن شهاب الزهري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أنس].
هو أنس بن مالك ﵁ صاحب رسول الله ﷺ وخادمه، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ ، وأنس ﵁ من صغار الصحابة، والزهري من صغار التابعين، وصغار التابعين يروون عن صغار الصحابة وهذا مثال على ذلك.
وهذا الإسناد رباعي، وهو من أعلى الأسانيد عند أبي داود؛ لأن أعلى شيء عنده الرباعيات وهذا منها.
стр. 16964
سبب تحديد الهجر بثلاث ليالٍ
والحديث يدل على أن الهجر الذي يجري بين النفوس يحدد بثلاث ليالٍ بحيث لا يتجاوزها، والعدد ثلاثة هو أقل الجمع، أي: بعد الواحد والمثنى؛ لأن الأعداد: مفرد ومثنى وجمع، والثلاثة هي أقل جمع عند النحاة، وإلا فإن أقل الجمع عند الفقهاء وفي الفرائض اثنان، وأقل الجماعة اثنان: إمام ومأموم، والجماعة التي يتقدم فيها الإمام تكون من ثلاثة إلا في حق المرأة مع الرجل، فالمرأة صف والرجل صف، وأما حصول الجماعة فتحصل باثنين، ويكون المأموم بجوار الإمام، ولكن إذا صاروا ثلاثة فيتقدم الإمام ويكون الاثنان وراءه، وكذلك عند الفرضيين الجمع أقله اثنان؛ لأن الله يقول: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء:١١] وإذا وجد اثنان من الإخوة فإنهما يحجبان الأم من الثلث إلى السدس، فالحجب لا يتوقف على وجود ثلاثة، بل الحجب يحصل بوجود اثنين؛ لأن الله قال فيما يتعلق بالنسبة للإخوة لأم: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء:١٢] أي: إذا كانوا أكثر من الواحد صاروا شركاء في الثلث.
فأقل الجمع في الفرائض وفي الفقه اثنان، وأقل الجمع فيما يتعلق بالمفرد والمثنى والجمع ثلاثة.
وقد جاء في الحديث أنه إذا خرج ثلاثة فعليهم أن يؤمروا واحداً منهم، وكذلك أيضاً ورد: (الراكب شيطان، والراكبان شيطان، والثلاثة ركب).
وكذلك لم يأت نص يدل على أقل عدد في الجمعة والتجميع، ولكن الذي تدل عليه النصوص ويفهم من النصوص أن الثلاثة يمكن أن يجمعوا، فإمام واثنان مأمومان يمكن أن تحصل بهم الجمعة، ولكن الواحد مع الثاني لا يحصل بهما جمعة، وإنما يحصل بهما جماعة.
قال العظيم آبادي: وإنما جاز الهجر في ثلاث وما دونه لما جبل عليه الآدمي من الغضب، فسمح بذلك القدر ليرجع فيها ويزول ذلك العرض ولا يجوز فوقها، وهذا فيما يكون بين المسلمين من عتب وموجدة، أو تقصير يقع في حقوق العشرة والصحبة دون ما كان من ذلك في جانب الدين.
وهذا الكلام صحيح، لكن ليس فيه جواب عن سبب تحديده بثلاث، ولكن لعل السبب -والله وأعلم- أن الثلاثة أقل الجمع أو أقل عدد يكون فيه الجمع، فالثلاثة هو العدد الذي يترتب عليه جمعة، ويترتب عليه التأمير في السفر، ويترتب عليه كمال الأخوة في السفر، ولا شك أن النفوس جبلت على حصول الغضب، والغضب يمكن أن يشتد في البداية، ثم يتلاشى شيئاً فشيئاً، ولكن تحديد هذا المقدار بثلاثة أيام يحتاج إلى دليل.
стр. 16965
شرح حديث (لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن ابن شهاب عن عطاء بن يزيد الليثي عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام، يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام)].
أورد أبو داود حديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال: (لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام، يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام)، أي: أن كل واحد يعرض عن الآخر أو يعرض أحدهما عن الآخر والثاني لم يعرض، وهذا غير سائغ، وقد بين ﵇ أن خيرهما هو الذي يبدأ بالسلام؛ لأنه يدل على سلامته وعلى حرصه على الألفة وعلى بغضه وكراهيته للفرقة، ولذا كان هو الذي يبادر بالسلام، ويبادر إلى إزالة الكدر الذي حصل للنفوس، وذلك بأن يتكلم مع صاحبه، ويعتذر له، أو يأتي بأسلوب يهون ما في نفس صاحبه بحيث تعود المياه إلى مجاريها، ويعود الصفاء إلى ما كان عليه من قبل.
وهذا من المواضع التي يقولون فيها: إن النافلة أفضل من الواجب؛ فإن ابتداء السلام سنة ورده واجب، والسنة هنا خير وأفضل من الواجب؛ لأن الذي فعل السنة هو الذي حصلت له الخيرية، لقوله: (وخيرهما الذي يبدأ بالسلام).
стр. 16966
تراجم رجال إسناد حديث (لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام)
قوله: [حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن ابن شهاب عن عطاء بن يزيد الليثي].
عبد الله بن مسلمة ومالك وابن شهاب مر ذكرهم.
وعطاء بن يزيد الليثي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي أيوب الأنصاري].
أبو أيوب الأنصاري هو خالد بن زيد رضي الله تعالى عنه صاحب رسول ﷺ ، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وهو الذي نزل عليه الرسول ﷺ لما قدم المدينة وصار ضيفاً عليه في داره.
стр. 16967
من فوائد السلام
والتدابر الذي هو نتيجة الهجر ينقطع معه، ولا شك أن وجود السلام دليل على السلامة وسبب للسلامة وللألفة والصفاء؛ لأن ما بعده يتبعه، بخلاف ما إذا انقطع السلام فمعنى ذلك أن التدابر والتقاطع بلغ أشده.
فإذا رد أحدهما على الآخر السلام فإن الذي ينبغي مع هذا أن يعمل مع السلام على إزالة ما في النفوس؛ وذلك بأن يحصل بينهما التواد والكلام الحسن الجميل بحيث يزول ما في النفوس.
стр. 16968
شرح حديث (لا يحل لمؤمن أن يهجر أخاه فوق ثلاث)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة وأحمد بن سعيد السرخسي أن أبا عامر أخبرهم قال: حدثنا محمد بن هلال قال: حدثني أبي عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا يحل لمؤمن أن يهجر مؤمناً فوق ثلاث، فإن مرت به ثلاث فليلقه فليسلم عليه، فإن رد ﵇ فقد اشتركا في الأجر، وإن لم يرد عليه فقد باء بالإثم.
زاد أحمد: وخرج المسلم من الهجرة)].
أورد أبو داود حديث أبي هريرة ﵁ وهو مثل الذي قبله.
وقوله: (لا يحل لأحد أن يهجر أخاه فوق ثلاث، فإن مرت ثلاث فليلقه فليسلم عليه)، أي: أنه لا يستمر على هذا الطريقة، وإنما يحرص على أن يلقاه ويسلم عليه، وإذا سلم عليه فمعناه: أنه أخذ بأسباب الألفة وابتعد عن أسباب الفرقة، وذاك إن رد ﵇ اشترك معه في الأجر، وإن امتنع من رد السلام عليه فإنه يبوء بالإثم، فالذي امتنع من رد السلام هو الذي يبوء بالإثم، والآخر يسلم من الإثم، وأيضاً يكون قد خرج من الهجر؛ لأنه مادام أنه سلم ووجد منه السلام فمعناه أنه أخذ بأسباب السلامة التي مفتاحها السلام وبدايتها السلام، ولكن الكمال في أن يزول ما في النفوس، وأن يحصل الصفاء والوئام والمودة.
والحديث ضعفه الألباني من أجل هلال بن أبي هلال، ولكن معناه مثل ما تقدم في الأحاديث.
стр. 16969
تراجم رجال إسناد حديث (لا يحل لمؤمن أن يهجر أخاه فوق ثلاث)
قوله: [حدثنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة].
هو عبيد الله بن عمر بن ميسرة القواريري، وهو ثقة، أخرج له البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي.
[وأحمد بن سعيد السرخسي].
أحمد بن سعيد السرخسي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا النسائي.
[أن أبا عامر أخبرهم].
أبو عامر هو عبد الملك بن عمرو العقدي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[قال: حدثنا محمد بن هلال].
محمد بن هلال صدوق، أخرج له البخاري في الأدب المفرد وأبو داود والنسائي وابن ماجة.
[حدثني أبي].
أبوه هلال بن أبي هلال مقبول، أخرج له البخاري في الأدب المفرد وأبو داود والنسائي وابن ماجة.
[عن أبي هريرة].
هو أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر الدوسي ﵁، صاحب رسول الله ﷺ ، وهو أكثر الصحابة حديثاً على الإطلاق.
стр. 16970
شرح حديث (لا يكون لمسلم أن يهجر مسلماً فوق ثلاثة)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن المثنى حدثنا محمد بن خالد بن عثمة حدثنا عبد الله بن المنيب -يعني المدني - قال: أخبرني هشام بن عروة عن عروة عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: (لا يكون لمسلم أن يهجر مسلماً فوق ثلاثة أيام، فإذا لقيه سلم عليه ثلاث مرار كل ذلك لا يرد عليه فقد باء بإثمه)].
أورد أبو داود حديث أم المؤمنين عائشة ﵂ وهو مثل الحديث الذي قبله، وفيه أنه يسلم عليه ثلاثاً، وذلك حتى يتحقق أنه سمع؛ لأنه قد يكون في المرة الأولى أو الثانية لم يسمع، فلا يبني على مجرد كونه ألقى السلام؛ لوجود احتمال أنه لم يسمع، بل يتأكد ويتحقق أنه سمع؛ وذلك بأن يكرر السلام ثلاثاً، هذا هو المقصود والمراد من التكرار.
стр. 16971
تراجم رجال إسناد حديث (لا يكون لمسلم أن يهجر مسلماً فوق ثلاثة)
قوله: [حدثنا محمد بن مثنى].
هو محمد بن المثنى أبو موسى الزمن، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة.
[حدثنا محمد بن خالد بن عثمة].
محمد بن خالد بن عثمة صدوق يخطئ، أخرج له أصحاب السنن.
[حدثنا عبد الله بن المنيب يعني المدني].
عبد الله بن المنيب المدني لا بأس به، وعبارة (لا بأس به) هي بمعنى صدوق، أخرج له أبو داود والنسائي.
[عن هشام بن عروة].
هشام بن عروة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عروة].
هو عروة بن الزبير بن العوام، وهو ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عائشة].
عائشة أم المؤمنين ﵂ قد مر ذكرها.
стр. 16972
شرح حديث (لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث فمن هجر فوق ثلاث فمات دخل النار)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن الصباح البزاز حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا سفيان الثوري عن منصور عن أبي حازم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، فمن هجر فوق ثلاث فمات دخل النار)].
أورد أبو داود حديث أبي هريرة ﵁, وهو مثل الذي قبله، وفيه: أن من هجر فوق ثلاث -أي: لحظ الدنيا- فمات دخل النار، أي: إذا مات من غير توبة، ومعلوم أن دخول النار إذا حصل لصاحب المعصية ليس دخولاً يترتب عليه خلود، وإنما هو دخول مؤقت يخرج منه بعدما يعاقب على ما اقترفه من الذنب، وهذا إن لم يشأ الله العفو عنه، وإن عفا عنه فإنه لا يدخل النار، ولكن من استحق النار لذنب اقترفه ولم يتجاوز الله عنه فإنه إذا دخلها لابد وأن يخرج منها، ولا يبقى في النار أبد الآباد إلا الكفار الذين هم أهلها، والذين لا سبيل لهم إلى الخروج منها.
стр. 16973
تراجم رجال إسناد حديث (لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث فمن هجر فوق ثلاث فمات دخل النار)
قوله: [حدثنا محمد بن الصباح البزاز].
محمد بن الصباح البزاز ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا يزيد بن هارون].
هو يزيد بن هارون الواسطي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[أخبرنا سفيان الثوري عن منصور].
سفيان الثوري مر ذكره، ومنصور بن المعتمر ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي حازم].
أبو حازم هو سلمان الأشجعي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي هريرة].
أبو هريرة قد مر ذكره.
стр. 16974
شرح حديث (من هجر أخاه سنة فهو كسفك دمه)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا ابن السرح حدثنا ابن وهب عن حيوة عن أبي عثمان الوليد بن أبي الوليد عن عمران بن أبي أنس عن أبي خراش السلمي ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (من هجر أخاه سنة فهو كسفك دمه)].
أورد أبو داود حديث أبي خراش حدرد بن أبي حدرد السلمي ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (من هجر أخاه سنة فهو كسفك دمه)، وهذا يدل على أنه ذنب كبير ألحقه بأخيه وأضافه إلى أخيه وأنه بمثابة سفك دمه, ومعلوم أن سفك الدم من أخطر وأشنع الأمور التي تحصل بين الناس، وهذا يدل على خطورة الهجر الكثير، وقد جاءت النصوص الكثيرة التي مرت بأن الهجر للمصالح الشخصية إنما يكون في حدود ثلاثة أيام، وأن الإنسان لا يزيد عليها، فإذا زاد فإنه يستحق النار كما مر في الحديث السابق، وإذا وصل إلى هذا المقدار الذي هو سنة فإنه يكون كسفك الدم.
стр. 16975
تراجم رجال إسناد حديث (من هجر أخاه سنة فهو كسفك دمه)
قوله: [حدثنا ابن السرح].
ابن السرح هو أحمد بن عمرو بن السرح، وهو ثقة أخرج حديثه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة.
[حدثنا ابن وهب].
هو عبد الله بن وهب المصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن حيوة].
هو حيوة بن شريح المصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي عثمان الوليد بن أبي الوليد].
أبو عثمان الوليد بن أبي الوليد قال عنه الحافظ ابن حجر: لين الحديث، والشيخ الألباني صحح هذا الحديث، وقال: إنه قال فيما مضى: إن في إسناده ليناً، وهو هذا الرجل اللين، وأنه لم ينقل توثيقه إلا عن ابن حبان، ولكنه وجد بعد ذلك أن أبا زرعة الرازي أو أبا حاتم الرازي وثقه، فعند ذلك صحح حديثه وأورده في السلسلة الصحيحة.
وأبو عثمان هذا أخرج له البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأصحاب السنن.
[عن عمران بن أبي أنس].
عمران بن أبي أنس ثقة، أخرج له البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأصحاب السنن.
[عن أبي خراش].
أبو خراش هو حدرد بن أبي حدرد، وهو صحابي، أخرج له البخاري في الأدب المفرد وأبو داود.
стр. 16976
شرح حديث (تفتح أبواب الجنة كل يوم إثنين وخميس)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا مسدد حدثنا أبو عوانة عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (تفتح أبواب الجنة كل يوم إثنين وخميس، فيغفر في ذلك اليومين لكل عبد لا يشرك بالله شيئاً، إلا من بينه وبين أخيه شحناء فيقال: أنظروا هذين حتى يصطلحا)].
أورد أبو داود حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى عليه وسلم قال: (تفتح أبواب الجنة كل يوم إثنين وخميس فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئاً)، أي: أنه يغفر لأصحاب الذنوب الأخرى إلا من كان بينهما بغضاء، فإنه يقال: أنظروا هذين حتى يصطلحا، أي: أمهلوهما حتى يصطلحا، وهذا فيه دليل على خطورة التباغض والتدابر والتنافر بين الناس، وأن اصطلاحهما خير، وأن إنهاء ما بينهما من الوحشة بحصول الوئام والمودة هو المطلوب، وكونه يرجى أمر هذين الاثنين ويحصل إنظارهما حتى يصطلحا يدل على خطورة الذنب الذي اقترفاه.
стр. 16977
تراجم رجال إسناد حديث (تفتح أبواب الجنة كل يوم إثنين وخميس)
قوله: [حدثنا مسدد].
هو مسدد بن مسرهد البصري، وهو ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي.
[حدثنا أبو عوانة].
هو أبو عوانة الوضاح بن عبد الله اليشكري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن سهيل بن أبي صالح].
سهيل بن أبي صالح صدوق، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وروايته في البخاري مقرونة.
[عن أبيه].
أبوه هو أبو صالح واسمه ذكوان ولقبه السمان أو الزيات، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي هريرة].
أبو هريرة قد مر ذكره.
стр. 16978
حكم الهجر
[قال أبو داود: النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم هجر بعض نسائه أربعين يوماً، وابن عمر ﵄ هجر ابناً له إلى أن مات.
قال أبو داود: إذا كانت الهجرة لله فليس من هذا بشيء، وإن عمر بن عبد العزيز غطى وجهه عن رجل].
أورد أبو داود ﵀ حديث أن النبي ﷺ هجر نساءه أربعين يوماً، وهذا في القصة المشهورة وهي قصة هجره واعتزاله نسائه، حتى ظُن أنه طلقهن، فجاء عمر ﵁ إليه، وسأله: هل طلق نساءه؟ فقال: لا، فقال: الله أكبر.
وهذا يعني أنه قد حصل الهجر من رسول الله ﷺ .
وابن عمر هجر ابنه حتى مات، قيل: لعله إنما هجره في آخر حياته وإنه لم يحصل هجره مدة طويلة، وهجره ليس لأمور شخصية، وإنما هو لله ؛ وذلك لكونه توقف في تنفيذ حديث أو ما يتعلق بحديث.
ثم قال أبو داود ﵀: الهجر إذا كان لله ليس من هذا القبيل، أي: ليس مما تقدم في الأحاديث التي فيها أنه لا يهجر أخاه فوق ثلاث؛ وذلك إذا كان من أجل حظوظ النفوس، وأما إذا كان من أجل الله فإنه لا بأس في الزيادة ولا مانع منها، كما حصل لـ كعب بن مالك ﵁ وصاحبيه، وقصتهم مشهورة.
ثم قال: وعمر بن عبد العزيز ﵀ غطى وجهه عن رجل.
أي: أنه أعرض عنه، ويمكن أن يكون هذا من قبيل الهجر لله، وأما إذا كان ليس من قبيل الهجر لله فإنه قد مر في الحديث أن إعراض كل واحد منهما عن الآخر لا يسوغ، وأن خيرهما الذي يبدأ بالسلام.
والمشهور والمعروف أنه ﷺ هجر نساءه شهراً، لكن ما ذكره من كونه هجرهن أربعين يوماً لا أدري ما وجهه؛ بل قد جاء في الحديث أنه رفع عنهن الهجر في يوم التاسع والعشرين، فأتوه وقالوا: إن الشهر ما خرج، فقال: (إن الشهر يكون تسعة وعشرين) وهذا يوضح أنه هجرهن شهراً؛ لأنه خرج إليهن بعد أن أكمل التاسع والعشرين.
стр. 16979
ما جاء في التحذير من سوء الظن
стр. 16980
شرح حديث (إياكم والظن! فإن الظن أكذب الحديث)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في الظن.
حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إياكم والظن! فأن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا ولا تجسسوا)].
أورد أبو داود هذه الترجمة: باب في الظن، والظن: هو أن يظن الإنسان بأخيه سوءاً أو يتهمه بشيء ولم يكن متحققاً منه، فإن كونه ينقدح في ذهنه هذا الشيء ويصر عليه أو يتابعه في نفسه، فإن هذا لا شك مضرة كبيرة، وقد وصفه النبي ﷺ في هذا الحديث بأنه أكذب الحديث، أي: حديث النفس؛ لأن الظن إنما يحصل في النفس، وما يجري في النفس هو أحاديث، لكن أسوأ ما يكون في حديث النفس هو ظن السوء، ولهذا جاء عن بكر بن عبد الله المزني كما ذكر ذلك الحافظ ابن حجر في ترجمته في تهذيب التهذيب أنه قال: إياك من الكلام الذي إن أصبت فيه لم تؤجر وإن أخطأت فيه أثمت، وهو سوء ظنك بأخيك.
لأنك إن أصبت فيه لا تحصل أجراً؛ لأنك ظننت به سوءاً، فإن كنت على صواب وكان ظنك مطابقاً لما فيه فلن تحصل أجراً، وإن كنت مخطئاً فأنت آثم، فالإثم محقق وحاصل، والفائدة غير متحققة.
وقد أورد أبو داود حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: (إياكم والظن! فإن الظن أكذب الحديث) قوله: (إياكم) أي: أحذركم من الظن.
ثم قال: (ولا تحسسوا ولا تجسسوا) , قيل: التجسس والتحسس بمعنى واحد، وهذا مثل الكذب والمين والبهتان، فالكذب والبهتان والمين ألفاظ مترادفة مثل: قام ووقف وجلس وقعد، كل هذه من الألفاظ المترادفة التي يختلف اللفظ فيها ويتحد المعنى، ومنهم من قال: إن بينهما فرقاً، لكن لا أعرف فرقاً دقيقاً في ذلك، قال في عون المعبود في الفرق بينهما: قال المناوي: أي: لا تطلبوا الشيء بالحاسة، كاستراق السمع وإبصار الشيء خفية، (ولا تجسسوا) أي: لا تتعرفوا خبر الناس بلطف كما يفعل الجاسوس.
والنتيجة واحدة؛ لأن هذا بالحاسة وهذا أيضاً يكون بالحاسة.
следующие страницы →