← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 37052

شرح سنن أبي داود للعباد

عبد المحسن العباد

Полный текст (18 341 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

تراجم رجال إسناد حديث: (من أمَّ الناس فأصاب الوقت فله ولهم) قوله: [حدثنا سليمان بن داود المهري]. هو سليمان بن داود المهري المصري أبو الربيع ثقة، أخرج حديثه أبو داود والنسائي. [حدثنا ابن وهب أخبرني يحيى بن أيوب]. ابن وهب تقدم ذكره، ويحيى بن أيوب صدوق ربما أخطأ، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن عبد الرحمن بن حرملة]. عبد الرحمن بن حرملة صدوق ربما أخطأ، أخرج له مسلم وأصحاب السنن. [عن أبي علي الهمداني]. أبو علي الهمداني هو ثمامة بن شفي ثقة، أخرج له مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة. [قال: سمعت عقبة بن عامر]. هو عقبة بن عامر الجهني ﵁ صاحب رسول الله ﷺ ، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

стр. 1927

كراهة التدافع على الإمامة

стр. 1928

شرح حديث: (إن من أشراط الساعة أن يتدافع أهل المسجد) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في كراهية التدافع على الإمامة. حدثنا هارون بن عباد الأزدي حدثنا مروان حدثتني طلحة أم غراب عن عقيلة امرأة من بني فزارة مولاة لهم عن سلامّة بنت الحر ﵂ أخت خرشة بن الحر الفزاري قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن من أشراط الساعة أن يتدافع أهل المسجد لا يجدون إماماً يصلي بهم)]. أورد أبو داود ﵀ هذه الترجمة وهي: [باب في كراهية التدافع على الإمامة]، والمقصود من ذلك: أن الناس يجتمعون ثم يريدون من بعضهم أن يصلي بهم. وكل منهم يمتنع؛ إما لعدم معرفته بأحكام الإمامة، أو لما عنده من نقص في ذلك هذا هو المقصود بالتدافع. وقد أورد أبو داود حديث سلامة بنت الحر أخت خرشة بن الحر رضي الله تعالى عنها أن النبي ﷺ قال: (إن من أشراط الساعة أن يتدافع أهل المسجد لا يجدون إماماً يصلي بهم) يعني: أن كل واحد يصلي ثم يمضي ولا يتقدم من يصلي بهم إماماً. وقوله: (من أشراط الساعة) أشراط جمع شرط، والشرط هو: العلامة، يعني: أن هذا من علامات الساعة. والحديث غير ثابت؛ لأن فيه مجهولين، ولكن من يكون أقرأ من غيره إذا طلب منه أن يتقدم فعليه أن يتقدم.

стр. 1929

تراجم رجال إسناد حديث: (إن من أشراط الساعة أن يتدافع أهل المسجد) قوله: [حدثنا هارون بن عباد الأزدي]. هارون بن عباد الأزدي مقبول، أخرج له أبو داود. [حدثنا مروان]. هو مروان بن معاوية ثقة يدلس أسماء الشيوخ، وتدليس أسماء الشيوخ هو: أن يذكر شيوخه بصيغ مختلفة، فقد يتوهم أن الشخص الذي يذكره غير معروف مع أنه معروف، وذلك لأنه ذكره بغير ما اشتهر به، وهذا نوع من أنواع التدليس؛ لأن هناك تدليس الشيوخ وتدليس الإسناد، فتدليس الشيوخ ليس فيه سقوط أحد، ولكنه يذكر شيخه بغير ما اشتهر به، كأن يذكر اسمه واسم جده، أو اسمه وكنيته، أو اسم أبيه إذا كان مشهوراً بغير نسبته إلى أبيه، فهذا يسمى تدليس الشيوخ، وكان مروان بن معاوية هذا معروفاً بتدليس الشيوخ، وهو ثقة أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [حدثتني طلحة أم غراب]. طلحة أم غراب لا يعرف حالها، أخرج حديثها أبو داود وابن ماجة. [عن عقيلة امرأة من بني فزارة مولاة لهم]. عقيلة امرأة من بني فزارة مولاة لهم، يعني: مولاة لبني فزارة، وهي أيضاً لا يعرف حالها، أخرج حديثها أبو داود وابن ماجة. [عن سلامة بنت الحر]. سلامة بنت الحر صحابية، أخرج لها أبو داود وابن ماجة. والمرأتان اللتان دونها كل منهما لا يعرف حالها، فالحديث غير صحيح.

стр. 1930

الأسئلة

стр. 1931

الواجب على المسلم من معرفة الله تعالى السؤال ما هو حد المعرفة المجملة الصحيحة لله تعالى؟ الجواب الإنسان يتعلم من أمور دينه ومن العقيدة ما لابد منه، ومن الأشياء التي يمكن أن يقال: إنها تناسب أن تكون جواباً لهذا السؤال أن الإنسان يطلع على كتاب الأصول الثلاثة وأدلتها؛ لأن هذا كتاب مختصر يشتمل على الأمور التي لا بد منها، وهو مبني على أصول ثلاثة هي: معرفة العبد ربه ودينه ونبيه محمد ﷺ التي هي موضوع سؤال القبر، فالإنسان يسأل في قبره عن ربه ودينه ونبيه، وهذا الكتاب الصغير الحجم العظيم النفع العظيم الفائدة يبين هذه الأصول الثلاثة بالأدلة.

стр. 1932

بيان أن الصلاة في جماعة ثانية أفضل من الصلاة منفرداً السؤال رجل تطهر في بيته ثم خرج للصلاة في المسجد فوجد الجماعة قد صلوا، ثم أنشأت جماعة ثانية فلم يصل معهم بل صلى منفرداً، فهل يكون له أجر الصلاة مع الجماعة لحديث: (فإن أتى المسجد وقد صلوا فأتم الصلاة كان كذلك)؟ الجواب يرجى له ذلك، لكن كونه يجد أناساً يصلون جماعة عليه أن يصلي معهم؛ لأنه أمكن وجود الجماعة، والإنسان يصلي وحده إذا لم تكن هناك جماعة؛ ولهذا الرسول ﷺ أرشد إلى إيجاد الجماعة، وقال في الذي يصلي وحده: (من يتصدق على هذا فيصلي معه؟) وكونه يصلي مع الناس جماعة خير له وأولى، وإن كان يحصل الأجر بنيته وقصده، وكونه يجد الجماعة ولا يصلي معهم هذا ليس بطيب.

стр. 1933

حكم لبس المرأة بدلة خاصة ليلة عرسها السؤال ما الحكم الشرعي فيما جرت عليه عادة النساء في ليلة عرس إحداهن من لبسها بدلة تكون خاصة بتلك المناسبة من كونها بيضاء مزخرفة كبيرة الحجم؟ الجواب إذا كان ذلك ليس معروفاً عن الكفار، وليس مما اختص به الكفار أو مما جاء عن الكفار فلا بأس بأن تلبس المرأة ما شاءت من أجل التجمل لزوجها، سواء كان في أول ليلة أو في غير ذلك.

стр. 1934

حكم الصلاة فوق سقف المسجد السؤال ما حكم صلاة الجماعة فوق سقف المسجد؟ وهل يعتبر هذا داخل المسجد؟ وهل تصح صلاته؟ الجواب نعم تصح، وأي مانع يمنع من ذلك؟ فالإنسان له أن يصلي في سطح المسجد وفي البدروم إذا كان هناك بدروم تحت المسجد، كل ذلك لا بأس به، وكله يقال له مسجد؛ لأن سقف المسجد مسجد وله حكم المسجد.

стр. 1935

وقت غسل الجمعة السؤال هل غسل الجمعة يبتدئ بعد صلاة الفجر أم بعد الإشراق؟ الجواب سبق أن مر بنا أن أبا داود ذكر أنه إذا طلع الفجر واغتسل الإنسان يوم الجمعة فيجزئه عن غسل الجمعة ولو كان غسله عن جنابة، وهذا يعني أنه يبدأ من طلوع الفجر؛ لأن اليوم يبدأ بالفجر، وأبو داود ذكر هذا من فقهه؛ لأنه أشار إلى ذلك بقوله: إذا اغتسل المرء بعد طلوع الفجر يوم الجمعة أجزأه عن الجمعة ولو كان قد أجنب، يعني: أنه لو أجنب وطلع الفجر وعليه جنابة واغتسل بعد طلوع الفجر فإنه يجزئه عن غسل الجنابة وعن غسل الجمعة. والحاصل: أن وقت غسل الجمعة يبدأ من طلوع الفجر؛ لأن اليوم يبدأ بطلوع الفجر.

стр. 1936

جواز الهجر إن وجدت المصلحة لذلك السؤال بعض الناس لا يرون هجر أهل البدع والمعاصي في هذا الوقت، وقالوا: إن ذلك كان في زمن التشريع فقط، فما هو الحق؟ الجواب ليس بصحيح أن زمن التشريع هو زمن الهجر فقط وبعد ذلك لا يكون هجراً، بل تتبع المصلحة والفائدة في الهجر، فإذا كان يترتب عليه مصلحة وفيه فائدة فينبغي أن يفعل، وهذا في كل وقت وفي كل حين.

стр. 1937

الموقف مما تتردد فيه النفس السؤال في الحديث: (الإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس) هل هذا لكل شخص، أم لأهل العلم والتقوى؟ الجواب الإنسان إذا تردد في شيء ونفسه لم تكن مطمئنة إليه فعليه أن يسأل أهل العلم إذا كان ليس بعالم، وأما إذا كان من أهل العلم وكان عنده معرفة وتردد في شيء هل هو سائغ أو غير سائغ؟ وهل هو مباح أو غير مباح؟ فليتركه إذا كان من أهل العلم، وأما إذا كان من غيرهم فعليه أنه يسأل، ولكنه إذا كان هناك شيء ما اطمأنت إليه النفس ولا ارتاح إليه الإنسان، وفيه شيء من المحاذير، فتركه أولى كما جاء في الحديث الذي ذكره النووي في كتاب رياض الصالحين: (لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذراً مما به بأس) وفي الحديث الآخر: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك). وبعض الناس يمكن أنه يتردد في شيء سائغ لا إشكال فيه، وقد يكون متفقاً عليه، ولكن لجهله لا يعرف الحكم الشرعي فيكون في نفسه منه شيء، وهذا لا عبرة به.

стр. 1938

شرح سنن أبي داود [٠٨٠] لما للإمامة من علو رتبة في الدين فلا يقدم لها إلا من كان يتصف بالعلم في الدين، فيختار لها أقرأ القوم وأعلمهم بالسنة؛ فإن كانوا في ذلك سواء فأكبرهم سناً.

стр. 1939

من أحق بالإمامة ؟

стр. 1940

شرح حديث: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب من أحق بالإمامة: حدثنا أبو الوليد الطيالسي حدثنا شعبة أخبرني إسماعيل بن رجاء سمعت أوس بن ضمعج يحدث عن أبي مسعود البدري قال: قال رسول الله ﷺ : (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله وأقدمهم قراءة، فإن كانوا في القراءة سواء فليؤمهم أقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فليؤمهم أكبرهم سناً، ولا يُؤَمُّ الرجلُ في بيته ولا في سلطانه، ولا يُجلَس على تكرمته إلا بإذنه) قال شعبة: فقلت لـ إسماعيل: ما تكرمته؟ قال: فراشه]. أورد أبو داود هذه الترجمة وهي: [باب من أحق بالإمامة] يعني: من هو الذي يكون أولى وأحق من غيره بأن يكون إماماً للناس يصلي بهم؟ وقد أورد أبو داود ﵀ أحاديث تتعلق ببيان من هو الأولى، ومحصلها: أنه يقدم الأقرأ، ثم الأعلم بالسنة، ثم الأقدم هجرة، ثم الأكبر سناً. وقد أورد أبو داود رحمه الله تعالى حديث عقبة بن عمرو الأنصاري البدري عن النبي ﷺ أنه قال: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله). قيل: إن المراد بالأقرأ: هو الذي يكون أكثر حفظاً وأخذاً للقرآن، وقيل: هو الذي يكون أحسن قراءة، وفي الحديث الذي سيأتي بعد هذا الحديث: (ثم أعلمهم بالسنة)، والمراد بذلك: سنة الرسول ﷺ وبيان الأحكام الشرعية، مثل أحكام الصلاة، والأمور المطلوبة في الصلاة، بحيث يكون على علم بها، ولو حصل له شيء من السهو أو نحوه فإنه يعرف أحكام الصلاة. وقال بعض أهل العلم: إن قوله: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله) لا يكون المقصود من ذلك من يكون أكثر حفظاً وإن كان لا يعلم شيئاً من السنة، ولا يعرف شيئاً من الأحكام، حيث إن الصحابة ﵃ وأرضاهم كانوا يُعنون بكتاب الله حفظاً وتدبراً وتأملاً وفقهاً وتعلماً وتعليماً، فقد ثبت عن رسول الله ﷺ من حديث عثمان بن عفان كما في البخاري أنه قال: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه). وجاء عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: (كنا إذا تعلمنا عشر آيات من القرآن لم نتجاوزهن حتى نتعلم معانيهن والعمل بهن، فتعلمنا العلم والعمل جميعاً). ومعنى هذا: أنهم كانوا يُعنون بمعرفة القرآن وما اشتمل عليه القرآن، وكذلك أيضاً العلم بالسنة وبأحكام الشريعة، بل كانوا ﵃ وأرضاهم يتناوبون في رعاية الإبل وفي العمل في بساتينهم، كما كان يتناوب عمر ﵁ وجاره الأنصاري، وكما جاء عن عقبة بن عامر الجهني ﵁ أنه قال: (كنا نتناوب رعاية الإبل)، فالذين لا يذهبون لرعي الإبل يكونون في مجلس النبي ﷺ ، فإذا جاء الغائب فإنهم يعلمونه ما تعلموه من النبي ﷺ . فكانوا يهتمون بالقرآن وبالسنة وبالفقه في الدين، وقد قال ﵊: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين) وعلى هذا: فإن السنة وردت عن رسول الله ﷺ بهذا التفصيل، فيقدم الأقرأ إذا كان عالماً بالسنة، وعنده علم بأحكام الصلاة، وأما إذا لم يكن عنده علم بالأحكام وإنما كان مجرد قارئ أو حافظ وليس متمكناً ولا عالماً بأحكام الصلاة، وليس عنده الفقه والعلم، فمن كان عنده شيء من القرآن ولكن عنده الفقه في السنة والعلم بالأحكام الشرعية وبأحكام الصلاة بالذات يقدم على غيره، ولهذا قال بعض أهل العلم: إن الرسول ﷺ قدم أبا بكر ﵁ مع أن المشهور أن أقرأ الصحابة هو أبي بن كعب؛ لأن الصحابة ﵃ وأرضاهم كلهم كانوا يُعنون بالقراءة وبفهم القرآن وبالعلم بالسنة، فكان أبو بكر ﵁ هو المقدم على غيره في ذلك، وإن كان بعض الصحابة قد اشتهر بالقراءة كـ أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه. ومنهم من قال: إن تقديم النبي ﷺ إياه فيه إشارة إلى خلافته، وإلى أنه الأحق بالأمر من بعده؛ ولهذا ذكر ذلك عمر ﵁ يوم السقيفة حيث قال: (رضيك رسول الله ﷺ لأمر ديننا أفلا نرتضيك لأمر دنيانا؟!) وعلى هذا: فإن الأحق هو الأقرأ إذا كان عنده علم بالسنة وبأحكام الصلاة وبالفقه، ولكنه إذا كان مجرد حافظ وليس عنده علم بالسنة فإن من يكون أقل منه حفظاً وجمعاً للقرآن وهو عالم بالسنة يكون مقدماًً على ذلك الذي هو مجرد حافظ وليس عنده فقه في الدين ولا معرفة بالسنن. قوله: [(يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله وأقدمهم قراءة)]. كلمة: (أقدمهم قراءة) هذه جاءت في بعض الروايات، ولكن الذي جاء في بعضها: (أقدمهم هجرة)، وهذا إنما يكون بعد الدرجة الثانية التي هي العلم بالسنة كما جاء ذلك مبيناً في الحديث الذي سيأتي، وهو أيضاً في صحيح مسلم، فإنه ذكر الترتيب على هذا الوجه العلم بالقراءة، ثم بالسنة، ثم الأقدم هجرة، ثم الأكبر سناً. وكذلك أورده أبو داود بعد ذلك، فتكون القراءة أولاً، ثم السنة ثانياً، ثم الهجرة ثالثاً، ثم التقدم في السن رابعاً. قوله: [(فإن كانوا في القراءة سواء فليؤمهم أقدمهم هجرة)]. وهنا لم يذكر العلم بالسنة، ولعل سبب عدم ذكره: أن الصحابة ﵃ وأرضاهم كانوا يرون أن الاشتغال بالقرآن يكون معه الاشتغال بالسنة، وأنهم كانوا يعنون بالقرآن وبالسنة، وأنهم كانوا لا يتجاوزن العشر الآيات من القرآن إلا بعد أن يتعلموا معانيهن والعمل بهن، فليسوا مجرد قراء يحفظون دون أن يكونوا متفقهين، ودون أن يكونوا فاهمين، ودون أن يكون عندهم علم بالأحكام الشرعية، بل كانوا يحفظون ويتفقهون في الدين، ويعرفون ما تقتضيه الآيات وما جاءت به السنن مما هو تفسير للآيات وبيان لها؛ لأن السنة تفسر القرآن وتبّينه، وتدل عليه وتوضحه. فهذا سبب عدم ذكر السنة، مع أنه قد جاء في الرواية التي بعدها، وقد يكون عدم ذكر السنة حصل من بعض الرواة. قوله: [(فإن كانوا في القراءة سواء فليؤمهم أقدمهم هجرة)]. أي: من كان أسبق في الهجرة والانتقال من بلد الشرك إلى بلاد الإسلام فإنه يكون مقدماً على غيره؛ وذلك لسبقه ولهذا كان المهاجرون ﵃ وأرضاهم لهم ميزة على غيرهم من الأنصار؛ لأنهم جمعوا بين الهجرة والنصرة، فالأنصار عندهم النصرة فقط وليس عندهم الهجرة، فإذا كانوا مهاجرين فيكون أقدمهم هجرة هو المقدم على غيره في الأحقية بإمامة الناس في الصلاة، فإن كانوا في الهجرة سواء فيقدم أكبرهم سناً، وذلك لاحترام الكبير وتوقيره ما دام أنه مساوٍ لغيره في الأمور السابقة، وإنما حصل تفضيله لأجل السن، حيث يقدم الأكبر، ومعلوم أن تقديم الكبير قد جاءت فيه نصوص كثيرة، فقد كان النبي ﷺ يقول للصغير الذي يريد أن يتحدث قبل الكبير: (كبّر)، يعني: دع الكبير يتكلم قبلك. قوله: [(ولا يؤم الرجل في بيته)]. إذا كان الرجل في منزله فهو أحق وأولى بالإمامة من غيره إذا كان عنده علم بأحكام الصلاة، وعنده حفظ شيء من القرآن، ويستطيع أن يؤم الناس ويقرأ القراءة السليمة، فما دام في بيته فهو المقدم، ولكنه إذا قدم غيره فله ذلك، ولا يلزم أن يكون هو الذي يصلي بالناس، ولكن الأحقية هي له. قوله: [(ولا في سلطانه)]. يعني: أن الوالي هو الذي يكون الأحق بالإمامة، فهو أحق من غيره حيث يكون أهلاً لذلك، وحيث يكون متمكناً من الإمامة فإنه يكون أولى من غيره ما دام أنه هو السلطان؛ ولهذا كان الولاة هم الذين يتولون الصلاة في الجُمع والجماعات، وكذلك في الأعياد كانوا يؤمون الناس، والأمراء كانوا يتقدمون الناس ويصلون بهم، وقد جاء في الأحاديث ما يتعلق بالصلاة وراء الأمراء، فالوالي هو المقدم على غيره وهو الأحق. قوله: [(ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه)]. التكرمة: مكان الرجل الذي قد هيأه للجلوس، أو الفراش الذي فُرش، فهو الأحق في وضع الناس بها وإجلاس الناس عليها، فما كل إنسان يأتي ويختار له مكاناً دون أن يكون الرجوع في ذلك إلى صاحب المكان؛ لأنه قد يكون هناك أماكن يريد أن يخص بها بعض الناس، وهذا حقه، فله أن يُقدّم وله أن يؤخر من شاء، فلا يجلس على تكرمته إلا بإذنه؛ لكيلا تكون الأمور فوضى، إلا إذا قال له صاحب البيت: تفضل اجلس في هذا المكان. فإنه يأتي ويجلس في المكان الذي يجلسه فيه. قوله: [قال شعبة فقلت لـ إسماعيل: ما تكرمته؟ قال: فراشه]. التكرمة هي الفراش الذي يتخذه شيئاً ليكرم به من يريد، ويخص به من يخص، والله أعلم.

стр. 1941

تراجم رجال إسناد حديث: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله) قوله: [حدثنا أبو الوليد الطيالسي]. هو أبو الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا شعبة]. هو شعبة بن الحجاج الواسطي ثم البصري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [أخبرني إسماعيل بن رجاء]. إسماعيل بن رجاء ثقة، أخرج له مسلم وأصحاب السنن. [سمعت أوس بن ضمعج]. أوس بن ضمعج ثقة، أخرج له مسلم وأصحاب السنن. [عن أبي مسعود البدري]. هو عقبة بن عمرو الأنصاري البدري ﵁ صاحب رسول الله ﷺ ، مشهور بكنيته، وقد يحصل التباس بينه وبين ابن مسعود، فـ ابن مسعود مشهور بنسبته إلى أبيه، وكنيته أبو عبد الرحمن، وأما عقبة بن عمرو فكنيته أبو مسعود؛ ولهذا فإن كثيراً من الطبعات التي طبع فيها بلوغ المرام وكذلك شروحه يأتي فيها هذا الحديث الذي معنا، فيكتبون ابن مسعود بدل أبي مسعود. حديث عقبة بن عمرو الأنصاري البدري ﵁ أخرجه أصحاب الكتب الستة.

стр. 1942

طريق ثانية لحديث: (يؤم الناس أقرؤهم لكتاب الله) وتراجم رجال إسنادها قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا ابن معاذ حدثنا أبي حدثنا شعبة بهذا الحديث قال فيه: (ولا يؤم الرجل الرجل في سلطانه)]. أورد أبو داود الحديث من طريق أخرى، وفيه: (ولا يؤم الرجل الرجل في سلطانه)، أي: الرجل الذي هو صاحب السلطان لا ينبغي أن يؤمه رجل آخر في مكان سلطانه. قوله: [حدثنا ابن معاذ]. هو عبيد الله بن معاذ بن معاذ العنبري، ثقة، أخرج حديثه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي. [حدثنا أبي]. هو معاذ بن معاذ العنبري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا شعبة]. أي: حدثهم شعبة بالإسناد المتقدم، وقد مرّ ذكره. [قال أبو داود: وكذا قال يحيى القطان عن شعبة: (أقدمهم قراءة)]. يعني: أن هذا الذي جاء عن شعبة قد جاء أيضاً عن يحيى القطان وفيه قال: (أقدمهم قراءة)، وهو كما جاء في الرواية المتقدمة، ولكن الحديث الذي سيأتي فيه أنه لما ذكر السنة قال: (أقدمهم هجرة) ولم يقل: (أقدمهم قراءة)، وإنما الذي فيه أنه قال: (أقدمهم هجرة)، هو المناسب، بخلاف قوله: (أقدمهم قراءة)، فإنها مع قولة: (أقرؤهم لكتاب الله) بينهما شيء من التماثل أو التداخل. فالذي يبدو أن الصواب: (أقدمهم هجرة)، وليس: (أقدمهم قراءة)، ولكن ذكر القراءة معناه: أن يكون الإمام أسبق في القراءة، وعلى هذا فقد يكون الأقدم قراءة هو الأصغر سناً، لكن أغلب الروايات فيها: (أقدمهم هجرة) كما جاء في صحيح مسلم، وليس فيه ذكر الأقدم في القراءة، وكذلك عند أبي داود كما سيأتي. قوله: [وكذا قال يحيى القطان]. هو يحيى بن سيعد القطان، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

стр. 1943

طريق ثالثة لحديث: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله) وتراجم رجال إسنادها قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا الحسن بن علي حدثنا عبد الله بن نمير عن الأعمش عن إسماعيل بن رجاء عن أوس بن ضمعج الحضرمي قال: سمعت أبا مسعود ﵁ عن النبي ﷺ بهذا الحديث قال (فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة) ولم يقل: (فأقدمهم قراءة)]. يعني: أن هذه رواية ثانية ليس فيها ذكر: (وأقدمهم قراءة) ولكن فيها ذكر السنة قبل الهجرة وبعد القراءة، وفي صحيح مسلم هذا الترتيب، وفيه بعد ذلك: (فأكبرهم سناً). وقد أورد أبو داود ﵀ حديث عقبة بن عمرو من طريق أخرى، وفيه ذكر الأقدم قراءة ثم الأعلم بالسنة، ثم من يكون أقدم هجرة، ولم يقل: (أقدمهم قراءة) والحديث سبق أن مرت الإشارة إليه. [قال أبو داود: رواه حجاج بن أرطأة عن إسماعيل قال: (ولا تقعد على تكرمة أحد إلا بإذنه)]. ثم ذكر أبو داود ﵀ الحديث من طريق الحجاج بن أرطأة عن إسماعيل أنه قال: (ولا تقعد على تكرمة أحد إلا بإذنه)، يعني: أنه نهى الرجل أن يقعد على تكرمة أحد إلا بأن يأذن له في أن يجلس في المكان المتميز أو المكان الذي قد يكون خصصه له أو لأحد من الناس، فله أن يقدم ويؤخر في فراشه وفي المكان الذي هيأه لإكرام الناس من يشاء. قوله: [حدثنا الحسن بن علي]. هو الحسن بن علي الحلواني ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا النسائي. [حدثنا عبد الله بن نمير]. عبد الله بن نمير ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن الأعمش]. الأعمش هو سليمان بن مهران الكاهلي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن إسماعيل بن رجاء عن أوس بن ضمعج الحضرمي قال: سمعت أبا مسعود]. إسماعيل بن رجاء وأوس بن ضمعج وأبو مسعود قد مر ذكرهم. وقوله: [قال أبو داود: رواه حجاج بن أرطأة]. الحجاج بن أرطأة صدوق كثير الأخطاء والتدليس، وحديثه أخرجه البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأصحاب السنن.

стр. 1944

شرح حديث عمرو بن سلمة في قصة إمامته بقومه قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد أخبرنا أيوب عن عمرو بن سلمة ﵁ قال: (كنا بحاضر يمر بنا الناس إذا أتوا النبي ﷺ ، فكانوا إذا رجعوا مروا بنا فأخبرونا أن رسول الله ﷺ قال: كذا وكذا، وكنت غلاماً حافظاً، فحفظت من ذلك قرآناً كثيراً، فانطلق أبي وافداً إلى رسول الله ﷺ في نفر من قومه، فعلمهم الصلاة، فقال: يأمكم أقرؤكم. وكنت أقرأهم لما كنت أحفظ، فقدموني، فكنت أؤمهم وعلى بردة لي صغيرة صفراء، فكنت إذا سجدت تكشفت عني، فقالت امرأة من النساء: واروا عنا عورة قارئكم، فاشتروا لي قميصاً عمانياً، فما فرحت بشيء بعد الإسلام فرحي به، فكنت أؤمهم وأنا ابن سبع سنين أو ثمان سنين)]. أورد أبو داود ﵀ حديث عمرو بن سلمة الجرمي ﵁، وفيه أنهم كانوا في مكان على ممر طريق الناس الذين يذهبون إلى الرسول ﷺ ويرجعون، وعندما يرجع الناس من عند رسول الله ﷺ كان هو ممن يستقبلهم، فكان يتعلم القرآن من هؤلاء الذين يمرون بهذا الماء وبهذا المكان. وذكر هنا أن أباه وجماعة من قومه ذهبوا وافدين إلى رسول الله ﷺ ، وجاء في بعض الروايات: أنه ذهب مع أبيه، وأنهم وفدوا على رسول الله ﷺ فعلمهم، وكان مما علمهم أنه يؤمهم أقرؤهم لكتاب الله، فنظروا وإذا عمرو بن سلمة هو أكثرهم حفظاً وأكثرهم قراءة، فقدموه إماماً لهم وعمره سبع أو ثمان سنوات، وكان ﵁ عليه بردة إذا تكشفت ظهر شيء من عورته، وجاء في البخاري أنها كانت تنحسر لضيقها أو لصغرها، فكانت تتقلص فتبدوا عورته، وفي بعض الروايات أنه كان فيها فتق، وكانت موصلة، يعني: ليست قطعة واحدة، وإنما هي قطع خيط بعضها ببعض، فكان عندما يسجد يظهر شيء من عورته، فقالت امرأة: واروا عنا سوءة قارئكم، فاشتروا له قميصاً عمانياً، يعني: مصنوع في عمان، وهي من بلاد البحرين أو قريبة من البحرين، قال: فما فرحت بشيء بعد الإسلام أشد مني فرحاً بهذا القميص. وقيل: إن السبب في فرحة أنه كان قبل ذلك غير مرتاح إلى ذلك اللباس الذي عليه، لضيقه ولعدم كماله، ولكونه يحتاج إلى أنه يمسكه حتى لا يسقط. وقيل: إن سبب فرحه لكونه كان صغيراً، والصغار يفرحون بالألبسة الجديدة، وقيل غير ذلك، وقد يكون فرحه من جهة كونه ساتراً سالماً مما كان يحصل من ذلك اللباس الأول الذي كان فيه ذلك الفتق أو كان فيه ذلك الصغر الذي ينحسر وتبدو العورة، قد يكون هذا هو أقرب الأسباب في كونه فرح بذلك. وقوله: (فكنت أؤمهم وأنا ابن سبع أو ثمان سنين) قالوا: وهذا فيه دليل على إمامة الصبي المميز، أي: أنه يؤم الناس إذا كان أحفظ من غيره، وإذا كان أعلم من غيره فإنه يقدم على غيره في الإمامة، وبعض أهل العلم قال بجواز ذلك مطلقاً في الفرائض والنوافل استناداً إلى هذا الحديث، وبعضهم خصصه بالنوافل دون الفرائض، وبعضهم لم يجز ذلك. وفي إمامة الصبي للناس دليل على ائتمام المفترض بالمتنفل؛ لأن الصغير صلاته نافلة؛ لأنه ليس مكلفاً وليس من أهل التكليف؛ وحجه لو حج قبل البلوغ يكون نافلة، وإذا بلغ فإنه يحج حجة الإسلام، ولا تغنيه تلك الحجة التي حجها في حال صغره وقبل بلوغه. فهذا من الأدلة التي يستدل بها على ائتمام المفترض بالمتنفل، ومن ذلك أيضاً حديث معاذ ﵁ في قصه صلاته بقومه صلاة العشاء كما سيأتي، أي: أنه كان يصلي بهم صلاة العشاء وهو متنفل وهم مفترضون، وهذا الحديث الذي هنا هو مثل ما جاء في حديث معاذ في أن المفترض يصلي خلف المتنفل. والحديث دليل على أن الصبي المميز إذا كان أعلم من غيره أو كان مقدماً على غيره في القراءة والعلم أنه يقدم في الصلاة، وأن إمامته صحيحة. عن عمرو بن سلمة ﵁ قال: (كنا بحاضر)]. يعني: في مكان يقيمون فيه يقال له: حاضرة أو حاضر، وقد جاء في بعض الروايات: أنهم كانوا على ماء يمر به الناس. وقوله: [(كنا بحاضر يمر بنا الناس إذا أتوا)]. يعني: إذا أتوا من عند النبي ﷺ . وقوله: [(إذا أتوا النبي ﷺ فكانوا إذا رجعوا مروا بنا فأخبرونا أن رسول الله ﷺ قال: كذا وكذا وكنت غلاماً حافظاً)]. يعني: أنه كان يستقبلهم، وكانوا يخبرونه بما تلقوه من رسول الله ﷺ فيحفظه من يحفظ، وكان هذا الغلام حافظاً وحريصاً، فكان يأخذ منهم، فحفظ قرآناً كثيراً كما جاء عنه أنه قال: حفظت قرآناً كثيراًً؛ أي: بسبب هذا التلقي للركبان الذين كانوا يأتون من عند النبي ﷺ مارين بمائهم الذي هم فيه. قوله: [(فانطلق أبي وافداً إلى رسول الله ﷺ في نفر من قومه فعلمهم الصلاة)]. وجاء في بعض الروايات أنه وفد مع أبيه؛ ولهذا قالوا عنه: إنه صحابي صغير؛ لأنه لقي النبي ﷺ . وقوله: [(فعلمهم الصلاة فقال: يؤمكم أقرؤكم وكنت أقرأهم لما كنت أحفظ، فقدموني فكنت أؤمهم وعلي بردة لي صغيرة صفراء)]. ذكرها هنا أنها صغيرة، وجاء في بعض الروايات أنها كانت موصلة، يعني: ليست قطعة واحدة، وإنما كانت مخيطة قطعة مع قطعة، وهذا يدل على ما كانوا عليه من الحاجة ومن قلة ذات اليد. وقوله: [(فكنت إذا سجدت تكشفت عني)]. يعني: يحصل انحسارها، كمن كان عليه إزار، والإزار قد يكون قصيراً فيتكشف لابسه، وذلك لا يؤثر في الصلاة ما دام أن هذه ضرورة، وأنه انكشاف غير مقصود، وأن ذلك الانكشاف يزول بجر القميص أو جر الإزار. قوله: [(فقالت امرأة من النساء: واروا عنا عورة قارئكم)]. يعني: غطوها، فاشتروا له قميصاً. قوله: [(فاشتروا لي قميصاً عمانياً، فما فرحت بشيء بعد الإسلام فرحي به، فكنت أؤمهم وأنا ابن سبع سنين أو ثمان سنين)].

стр. 1945

تراجم رجال إسناد حديث عمرو بن سلمة في قصة إمامته بقومه قوله: [حدثنا موسى بن إسماعيل]. هو موسى بن إسماعيل التبوذكي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا حماد]. هو حماد بن سلمة ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن الأربعة. [أخبرنا أيوب]. هو أيوب بن أبي تميمة السختياني ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن عمرو بن سلمة]. هو عمرو بن سلمة الجرمي رضي الله تعالى عنه صحابي صغير، أخرج حديثه البخاري وأبو داود والنسائي. والحديث أخرجه البخاري.

стр. 1946

طريق ثانية لحديث عمرو بن سلمة في قصة إمامته بقومه، وتراجم رجال إسنادها قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا النفيلي حدثنا زهير حدثنا عاصم الأحول عن عمرو بن سلمة بهذا الخبر قال: (فكنت أؤمهم في بردة موصلة فيها فتق، فكنت إذا سجدت خرجت استي)]. هذا يفيد بأن تلك البردة مع كونها صغيرة -كما في الحديث السابق- فهي أيضاً كانت موصلة، يعني: أنها قطع خيط بعضها مع بعض، وكان فيها فتق، يعني: ثقب، فكان تبدو عورته أو شيء من عورته من هذا الفتق أو من أسفل هذه البردة، كما جاء في البخاري أنه كان إذا سجد تقلصت، يعني: انكمشت لضيقها. قوله: [حدثنا النفيلي]. النفيلي هو عبد الله بن محمد بن علي بن نفيل النفيلي ثقة، أخرج له البخاري وأصحاب السنن. [حدثنا زهير]. هو زهير بن معاوية ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا عاصم الأحول] هو عاصم بن سليمان الأحول ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن عمرو بن سلمة]. هو عمرو بن سلمة قد مر ذكره.

стр. 1947

طريق ثالثة لحديث عمرو بن سلمة في قصة إمامته بقومه، وتراجم رجال إسنادها قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا قتيبة حدثنا وكيع عن مسعر بن حبيب الجرمي حدثنا عمرو بن سلمة عن أبيه ﵄: (أنهم وفدوا إلى النبي ﷺ ، فلما أرادوا أن ينصرفوا قالوا: يا رسول الله! من يؤمنا؟ قال: أكثركم جمعاً للقرآن أو أخذاً للقرآن، قال: فلم يكن أحداً من القوم جمع ما جمعته، قال: فقدموني وأنا غلام وعلي شملة لي، فما شهدت مجمعاً من جرم إلا كنت إمامهم، وكنت أصلي على جنائزهم إلى يومي هذا). قال: أبو داود: ورواه يزيد بن هارون عن مسعر بن حبيب الجرمي عن عمرو بن سلمة أنه قال: (لما وفد قومي إلى النبي ﷺ لم يقل: عن أبيه]. أورد أبو داود الحديث عن عمرو بن سلمة الجرمي من طريق أخرى، وفي بعض الطرق أنه قال: عن أبيه، وفي بعضها: أنه لم يقل: عن أبيه، وإنما ذكر الرواية عن نفسه، والذي في البخاري أنها عنه لا عن أبيه، وما ذكر عن أبيه إلا في بعض الطرق، وهذه الطريق التي ذكرها أبو داود فيها أنه عن أبيه، وأيضاً جاء من هذه الطريق التي هي عن مسعر بن حبيب الجرمي أنه لم يقل فيها: عن أبيه، وإنما عن عمرو بن سلمة نفسه، وأكثر الروايات التي في البخاري وفي غيره عنه لا عن أبيه. وقوله: [(أنهم وفدوا إلى النبي ﷺ فلما أردوا أن ينصرفوا قالوا: يا رسول الله! من يؤمنا؟ قال: أكثركم جمعاً للقرآن أو أخذاً للقرآن. فلم يكن أحد من القوم جمع ما جمعته، قال: فقدموني وأنا غلام وعلي شملة لي)]. الشملة هي البردة التي تقدم وصفها. وقوله: [(فما شهدت مجمعاً من جرم إلا كنت إمامهم)]. وهذا فيه أنه كان إمامهم في الفرائض والنوافل؛ لأنه قال: (ما شهدت مجمعاً من جرم إلا كنت إمامهم) أي: أنه كان يؤمهم دائماً. وقوله: [(وكنت أصلي على جنائزهم إلى يومي هذا)]. أي: كان يصلي بهم الفرائض ويصلي على جنائزهم.

стр. 1948

تراجم رجال إسناد حديث عمرو بن سلمة من طريق رابعة قوله: [حدثنا قتيبة]. هو قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا وكيع]. هو وكيع بن الجراح الرؤاسي الكوفي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن مسعر بن حبيب الجرمي]. هو مسعر بن حبيب الجرمي ثقة، أخرج له أبو داود. [حدثنا عمرو بن سلمة عن أبيه]. عمرو بن سلمة قد مر ذكره، وأبوه هو سلمة بكسر اللام ابن قيس ويقال: نفيع، ويقال غير ذلك الجرمي البصري صحابي له وفادة، وهو والد عمرو، أخرج له البخاري وأبو داود والنسائي. وقوله: [قال أبو داود: ورواه يزيد بن هارون]. هو يزيد بن هارون الواسطي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن مسعر بن حبيب عن عمرو بن سلمة لم يقل فيه: عن أبيه]. مسعر بن حبيب وعمرو بن سلمة مر ذكرهما.

стр. 1949

حكم إمامة الصبي غير المحتلم في الجمعة ذكر بعضهم أن الشافعي ﵀ يقول: يؤم الصبي غير المحتلم إذا عقل الصلاة إلا في الجمعة. وأنا لا أعلم شيئاً يخصصها، بل الجمعة وغير الجمعة كلها سواء؛ ولهذا قال: (ما شهدت جمعاً إلا كنت إمامهم).

стр. 1950

شرح أثر ابن عمر: (لما قدم المهاجرون الأولون نزلوا العصبة) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا القعنبي حدثنا أنس -يعني: ابن عياض - ح وحدثنا الهيثم بن خالد الجهني المعنى حدثنا ابن نمير عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر ﵄ أنه قال: (لما قدم المهاجرون الأولون نزلوا العصبة قبل مقدم النبي ﷺ ، فكان يؤمهم سالم مولى أبي حذيفة ﵁، وكان أكثرهم قرآناً). زاد الهيثم: (وفيهم عمر بن الخطاب وأبو سلمة بن عبد الأسد ﵄. أورد أبو داود ﵀ أثر ابن عمر رضي الله تعالي عنهما أن المهاجرين الأولين لما قدموا المدينة نزلو العصبة أو العصبة بضم العين وقيل بفتحها وقيل بسكون الصاد، وهي مكان في المدينة في جهة قباء. وقوله: (قبل مقدم النبي ﷺ . يعني: أن هؤلاء هاجروا أولاً، وتقدموا الرسول ﷺ . وقوله: [(فكان يؤمهم سالم مولى أبي حذيفة وكان أكثرهم قرآناً)]. وسبب إمامته بهم أنه كان أكثرهم قرآناً، وهذا فيه دليل على تقديم الأقرأ، ومن المعلوم أن الأقرأ عند الصحابة هو الذي يكون أقرأ وأعلم بالسنة، يعني: عنده قراءة وعلماً ليس مجرد قراءة فقط دون أن يكون عنده علم. وقوله: [زاد الهيثم: (وفيهم عمر بن الخطاب وأبو سلمة بن عبد الأسد)]. الهيثم هو ابن خالد. والمقصود أنه كان مولى، ومع هذا كان يؤمهم وفيهم من هو من مشهوري الصحابة ومن أهل الأنساب فيهم، ولكن كان يؤمهم وهو مولى لأنه كان أقرأهم لكتاب الله ، ومثل هذا ما جاء في صحيح مسلم في قصة ابن أبزى الذي خلفه أميراً لـ عمر بن الخطاب ﵁ على مكة، فلقي عمر ﵁ ذلك الأمير فسأله: من وليت على أهل مكه؟ قال: وليت عليهم ابن أبزى، قال: ومن ابن أبزى؟ قال: رجل من الموالي؟! قال: وليت عليهم مولى؟! قال إنه عالم بكتاب الله عارف بالفرائض، فعند ذلك قال عمر: قال: رسول الله ﷺ : (إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين).

стр. 1951

تراجم رجال إسناد أثر ابن عمر: (لما قدم المهاجرون الأولون نزلوا العصبة) قوله: [حدثنا القعنبي]. القعنبي هو عبد الله بن مسلمة بن قعنب القعنبي ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة. [حدثنا أنس يعني ابن عياض]. أنس بن عياض ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ح وحدثنا الهيثم بن خالد الجهني]. الهيثم بن خالد الجهني ثقة، أخرج حديثه أبو داود. [المعنى]. يعني: أن الشيخين روايتهم متفقة في المعنى وإن اختلفت في اللفظ. [حدثنا ابن نمير]. عبد الله بن نمير ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن عبيد الله]. هو عبيد الله بن حفص بن عاصم بن عمر العمري المصغر ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن نافع]. هو نافع مولى ابن عمر ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن ابن عمر]. هو عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ صاحب رسول الله ﷺ ، وأحد العبادلة الأربعة من أصحابه الكرام، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ .

стр. 1952

شرح حديث: (إذا حضرت الصلاة فأذنا، ثم أقيما، ثم ليؤمكما أكبركما سناً) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا مسدد حدثنا إسماعيل ح وحدثنا مسدد حدثنا مسلمة بن محمد المعنى واحد عن خالد عن أبي قلابة عن مالك بن الحويرث ﵁ أن النبي ﷺ قال له أو لصاحب له: (إذا حضرت الصلاة فأذنا، ثم أقيما، ثم ليؤمكما أكبركم سناً) وفي حديث مسلمة قال: (وكنا يومئذٍ متقاربين في العلم) وقال في حديث إسماعيل: قال خالد قلت لـ أبي قلابة: فأين القرآن؟ قال: إنهما كانا متقاربين]. أورد أبو داود حديث مالك بن الحويرث رضي الله تعالى عنه أنه جاء مع صاحب له إلى الرسول ﷺ ، ولما أرادوا الانصراف قال لهما ﷺ : (إذا حضرت الصلاة فأذنا وأقيما)، يعني: أنه أمرهما بأن يوجد فيهما الأذان، وذلك بأن يؤذن واحد منهما، وليس معناه أنهم كلهم يؤذنون، إلا أن يكون المقصود أن واحداً يؤذن والثاني يتابعه، يعني: يقول مثل ما يقول، فتكون الإضافة إليهما جميعاً لاعتبار أن واحداً يؤذن وواحداً يتابعه ويقول مثل ما يقول، كما قال ﷺ : (إذا سمتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن). فقوله: (أذنا) يعني: يؤذن واحد منكم وليس كلكم تؤذنون؛ لأن الذي يؤذن هو واحد وليس الكل، فما دام أنهم مع بعض وأنهم رفقاء بعضهم مع بعض فيؤذن واحد منهم، ويمكن أن التثنية المقصود بها أنه يوجد الأذان، أو أن واحداً يؤذن والثاني يجيبه ويقول مثل ما يقول. وقوله: (ثم أقيما) أي: واحد يقيم والثاني يجيبه، قالوا: وهذا مما يستدل به على أن الإقامة مثل الأذان يجاب فيها المؤذن كما يجاب في الأذان؛ لأنها كلها ذكر لله ، والنبي ﷺ قال: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول المؤذن) فيتابع في الأذان ويتابع في الإقامة، وعلى هذا فيقال في قوله: (ثم أقيما) ما قيل في قوله: (أذنا) يعني: يؤذن واحد منكم ويقيم، واحد منكم، أو واحد يؤذن والثاني يتابعه وواحد يقيم والثاني يتابعه. وقوله: (ثم ليؤمكما أكبركما سناً) هذا ليس فيه تعرض لكثرة القراءة، ولا للعلم بالسنة، قيل: لعل السبب في ذلك أن هذه قضية خاصة في اثنين، وكانا قد تعلما من الرسول ﷺ سوياً، والرسول يعرف بأنهم متساويان، ولهذا أرشد إلى تقديم الأكبر، ومعنى هذا: أن القراءة هي المقدمة، والعلم بالسنة مقدم، والهجرة مقدمة، ولكن هذين الاثنين لعل حالهما كانت متفقة أو متماثلة، والرسول ﷺ يعرف ما عندهما، وقد جاءا إليه وتعلما منه ثم ذهبا إلى قومهما فقال لهما النبي ﷺ ما قال. وقوله: [وفي حديث مسلمة قال: (وكنا يومئذ متقاربين في العلم)]. يعني: أن هذا هو السبب الذي جعل النبي ﷺ يقدم أكبرهما، وقيل: إن هذا فيه إدراج. وقوله: [وقال في حديث إسماعيل: قال خالد: قلت لـ أبي قلابة: فأين القرآن؟ قال: إنهما كانا متقاربين]. يعني: أنه ما ذكر يؤمهم أقرؤهم كما جاء في الأحاديث الأخرى، والسبب أنهما كانا متقاربين، فمن أجل ذلك الرسول ﷺ قال: (ليؤمكما أكبركما سناً).

стр. 1953

تراجم رجال إسناد حديث: (إذا حضرت الصلاة فأذنا، ثم أقيما، ثم ليؤمكما أكبركما سناً) قوله: [حدثنا مسدد]. هو مسدد بن مسرهد البصري ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي. [حدثنا إسماعيل]. هو إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم المشهور بـ ابن علية ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ح وحدثنا مسدد حدثنا مسلمة بن محمد]. مسلمة بن محمد لين الحديث، أخرج له أبو داود. [المعنى واحد عن خالد]. هو خالد بن مهران المشهور بـ الحذاء أو الملقب الحذاء ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أبي قلابة]. هو أبو قلابة عبد الله بن زيد الجرمي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن مالك بن الحويرث]. مالك بن الحويرث ﵁ وأرضاه صاحب رسول الله ﷺ ، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

стр. 1954

شرح حديث: (ليؤذن لكم خياركم، وليؤمكم قراؤكم) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا حسين بن عيسى الحنفي حدثنا الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (ليؤذن لكم خياركم، وليؤمكم قراؤكم)]. أورد أبو داود حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: (ليؤذن لكم خياركم وليؤمكم قراؤكم). وقوله: (ليؤذن لكم خياركم) يعني: من يكونوا ذا أمانة وفضل؛ وذلك أن الأذان مسئولية ويترتب عليه أحكام ومن ذلك دخول الوقت، وكون الناس يصلون في الوقت يحتاج إلى أمانة، وكذلك أيضاً يترتب عليه الإفطار والإمساك عند أذان الفجر، وعند أذان المغرب، وكل ذلك أمانة؛ ولهذا قال: (خياركم) وقال: (وليؤمكم قراؤكم) يعني: من يكونوا أقرأ، وهذا مطابق لقوله: (أقرؤكم لكتاب الله) الذي تقدم في الأحاديث السابقة.

стр. 1955

تراجم رجال إسناد حديث: (ليؤذن لكم خياركم، وليؤمكم قراؤكم) قوله: [حدثنا عثمان بن أبي شيبة]. عثمان بن أبي شيبة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي. [حدثنا حسين بن عيسى الحنفي]. حسين بن عيسى الحنفي ضعيف، أخرج له أبو داود وابن ماجة. [حدثنا الحكم بن أبان]. الحكم بن أبان صدوق له أوهام، أخرج له البخاري في جزء القراءة وأصحاب السنن. [عن عكرمة]. هو عكرمة مولى ابن عباس ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن ابن عباس]. عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ابن عم النبي ﷺ وأحد العبادلة الأربعة من الصحابة، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ . والحديث في إسناده حسين بن عيسى وهو ضعيف.

стр. 1956

شرح سنن أبي داود [٠٨١] لصلاة الجماعة فضل عظيم، وهي تقتضي إماماً ومؤتمين، وتستدعي أحكاماً يحتاج إليها المؤمنين، وأحكام الإمامة قد جاءت مبينة في كثير من الآثار النبوية، التي أوضحت من تجوز خلفه الصلاة ومن أحق بالإمامة، وهل تؤم المرأة غيرها، ونحو ذلك من الأحكام.

стр. 1957

ما جاء في إمامة النساء

стр. 1958

شرح حديث أم ورقة في إمامتها أهل دارها قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب إمامة النساء: حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا وكيع بن الجراح حدثنا الوليد بن عبد الله بن جميع حدثتني جدّتي وعبد الرحمن بن خلاد الأنصاري عن أم ورقة بنت نوفل ﵂ (أن النبي ﷺ لما غزا بدراً، قالت: قلت له: يا رسول الله! ائذن لي في الغزو معك أمرض مرضاكم؛ لعل الله أن يرزقني شهادة، قال: قري في بيتكي، فإن الله تعالى يرزقك الشهادة. قال: فكانت تسمى الشهيدة، قال: وكانت قد قرأت القرآن، فاستأذنت النبي ﷺ أن تتخذ في دارها مؤذناً، فأذن لها، قال: وكانت قد دبرت غلاماً لها وجارية، فقاما إليها بالليل فغماها بقطيفة لها حتى ماتت، وذهبا، فأصبح عمر فقام في الناس فقال: من كان عنده من هذين علم أو من رآهما فليجئ بهما، فأمر بهما فصلبا، فكانا أول مصلوب في المدينة). حدثنا الحسن بن حماد الحضرمي حدثنا محمد بن فضيل عن الوليد بن جميع عن عبد الرحمن بن خلاد عن أم ورقة بنت عبد الله بن الحارث ﵂ بهذا الحديث والأول أتم قال: (وكان رسول الله ﷺ يزورها في بيتها، وجعل لها مؤذناً يؤذن لها، وأمرها أن تؤم أهل دارها) قال عبد الرحمن: فأنا رأيت مؤذنها شيخاً كبيراً. ]. أورد أبو داود رحمه الله تعالى هذه الترجمة بعنوان: [باب في إمامة النساء]، يعني: كون النساء يصلين جماعة ويؤم بعضهن بعضاً. وقد أورد أبو داود ﵀ حديث أم ورقة بنت الحارث بن عبد الله وفي الطريق الأولى بنت الحارث بن نوفل أنها استأذنت النبي ﷺ أن تذهب معه في الغزو تمرض المرضى، فأمرها بأن تقر في دارها، وأخبرها أن الله تعالى سيرزقها الشهادة، فكان يقال لها: الشهيدة، وكانت دبرت غلاماً لها وجارية، أي: علقت عتقهما بوفاتها، وذلك بأن قالت: هما أحرار بعد موتي، وهذا هو التدبير، فالتدبير هو: تعليق العتق بالموت، والمدبر هو: الذي علق السيد عتقه بموته، فيكون في حياته في ملكه، وعندما يموت فإنه يعتق، ولكن في حدود الثلث؛ لأن الإنسان ليس له أن يكون له من ماله بعد موته إلا ما كان في حدود الثلث، ولكن هذا الغلام والجارية استعجلا موتها، فتسببا في موتها من أجل أن يحصل لهما العتق، فغماها في قطيفة، يعني: كتما أنفاسها بأن لفا قطيفة على رأسها فماتت بسبب ذلك، ثم إنهما هربا، فأمر عمر ﵁ من وجدهما أن يحضرهما، فوجدا فصلبا، فكانا أول مصلوب في المدينة، وكانت استأذنت النبي ﷺ أن تؤم أهل دارها، فأذن لها رسول الله ﷺ بذلك، وأن تتخذ مؤذناً، وكان ذلك المؤذن شيخاً كبيراً. وهذا الحديث يدل على إمامة المرأة للنساء وصلاتها للنساء، وقد جاءت روايات وآثار متعددة عن ابن عباس وعائشة وأم سلمة أن إمامة النساء تقف وسطهن، يعني: لا تتقدم عليهن. فالحديث يدل على إمامة المرأة للنساء، ويدل أيضاً على اتخاذ المؤذن في ذلك، ولكن الحديث فيه من تكلم فيه بسبب الجهالة، وهو عبد الرحمن بن خلاد وكذلك جده الوليد بن عبد الله بن جميع، لكن ذكر الحافظ في بلوغ المرام أن ابن خزيمة صححه، والحديث صححه أيضاً الشيخ الألباني، ولكن الحديث في إسناده ذلك الشخص الذي تكلم فيه وهو عبد الرحمن بن خلاد وقد قال عنه الحافظ في التقريب: مجهول، فلا أدري ما وجه تصحيح هذا الحديث وفي سنده هذا الرجل المجهول، ولكن الحديث إذا صح فإنه يدل على إمامة النساء، والآثار التي وردت تدل على أن المرأة تؤم النساء، ولكن الإشكال هو في اتخاذ المؤذن؛ لأن كون المرأة تؤم النساء وتقف في وسطهن قد جاء ذلك عن ابن عباس في مصنف عبد الرزاق، وكذلك جاء عن أم سلمة وعائشة أن المرأة تصلي بالنساء وتقف وسطهن. لكن اتخاذ المؤذن ووجود الأذان في البيت، وأن هذا الذي يؤذن لا أدري هل يصلي وراء المرأة، أو يصلي مع النساء أو الرجال يصلون مع النساء، والأصل أن الرجال هم الذين يؤمون النساء والنساء لا تؤم الرجال، ففيه إشكال، ولا أدري ما وجه تصحيحه، وأما قضية إمامة المرأة للنساء فهذه قد جاء عن ابن عباس وعن غيره ما يدل عليه.

стр. 1959

تراجم رجال إسناد حديث أم ورقة في إمامتها أهل دارها قوله: [حدثنا عثمان بن أبي شيبة]. عثمان بن أبي شيبة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي. [حدثنا وكيع بن الجراح]. هو وكيع بن الجراح الرؤاسي الكوفي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا الوليد بن عبد الله بن جميع]. الوليد بن عبد الله بن جميع صدوق يهم، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي. [حدثتني جدتي]. جدته هي ليلى بنت مالك لا تعرف، أخرج لها أبو داود. [وعبد الرحمن بن خلاد الأنصاري]. عبد الرحمن بن خلاد الأنصاري مجهول الحال، أخرج له أبو داود وحده. [عن أم ورقة بنت نوفل]. أم ورقة بنت نوفل أو بنت الحارث بن عبد الله صحابية، أخرج حديثها أبو داود وحده. وهذا الإسناد فيه مجهولان في طبقة واحدة، والطريق الثانية فيها عبد الرحمن بن خلاد وحده. وقوله: [حدثنا الحسن بن حماد الحضرمي]. الحسن بن حماد الحضرمي صدوق، أخرج له أبو داود والنسائي وابن ماجة. [حدثنا محمد بن فضيل]. هو محمد بن فضيل بن غزوان الكوفي صدوق، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن الوليد بن جميع عن عبد الرحمن بن خلاد عن أم ورقة بنت عبد الله بن الحارث]. هؤلاء قد مر ذكرهم.

стр. 1960

ما جاء في الرجل يؤم القوم وهم له كارهون

стр. 1961

شرح حديث: (ثلاثة لا يقبل الله منهم صلاة) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الرجل يؤم القوم وهم له كارهون: حدثنا القعنبي حدثنا عبد الله بن عمر بن غانم عن عبد الرحمن بن زياد عن عمران بن عبد المعافري عن عبد الله بن عمرو ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يقول (ثلاثة لا يقبل الله منهم صلاة: من تقدم قوماً وهم له كارهون، ورجل أتى الصلاة دباراً -والدبار: أن يأتيها بعد أن تفوته- ورجل اعتبد محررة)]. أورد أبو داود هذه الترجمة بعنوان: [باب الرجل يؤم القوم وهم له كارهون]. وهذا ورد فيه هذا الوعيد محمول على ما إذا كانت الكراهية من أجل الدين، وأنه تقدم من غير اختيارهم أو فرض عليهم، أما إذا كان من أجل شيء في النفوس بينهم وبينه، أو بين بعضهم وبينه فإن هذا لا يؤثر، وإنما الذي يؤثر إذا كان من أجل الدين، ومن أجل عدم ارتياح إليه في دينه؛ لكونه يتصف بفسق أو ببدعة أو ما إلى ذلك، فهذا هو الذي له هذا الذنب، وأما إذا كان من أجل شحناء وعداوة دنيوية وليس لها أساس من الدين وليست مبنية على دين فإن هذا لا يؤثر. وأورد أبو داود حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: (ثلاثة لا يقبل الله لهم صلاة: رجل تقدم قوماً وهم له كارهون، ورجل أتى الصلاة دباراً)، أي أنه يكون من عادته أنه يتخلف عن الصلاة ولا يأتي إلى المسجد إلا إذا فرغ الناس، فيأتي ليصلي وحده، ويمكن أن يكون ذلك إما كسلاً أو لكونه لا يريد أن يصلي مع الجماعة، وكل هذا مذموم، فالدبار فسر بأنه يأتيها متأخراً ويكون ذلك من عادته، أما أن يحصل ذلك منه في بعض الأحيان فهذا لا يؤثر، وإنما الذي يؤثر هو أن يكون من عادته أنه يتهاون في شأن الصلاة، أو أنه لا يريد أن يصلي مع الجماعة، بل يريد أن يصلي في المسجد وحده، بحيث لا يصلي وراء الإمام أو مع تلك الجماعة القائمة. وقد ذكرنا فيما مضى أن وجود جماعة ثانية لا يجوز إذا كان المقصود منه عدم الصلاة مع الجماعة الأولى أو متابعة الجماعة الأولى، وأن المقصود هو الانفراد عنهم، وأما إذا كان ذلك ليس مقصوداً وإنما كان يريد أن يصلي في المسجد ولكنه فاتته الصلاة، وكان يريد ألا تفوته، فهذا يمكن أن يصلي معه غيره سواء كان عن طريق الصدقة بأن يصلى معه بعض من صلى، أو أن يكونوا اثنين فأكثر ويصلون جماعة ثانية، كل ذلك لا بأس به. والحاصل: أن من يأتي الصلاة دباراً هو الذي من عادته أن يتأخر عن الصلاة بحيث يأتي بعدما يصلي الناس. وقيل: إن المقصود بذلك الذي يأتيها في آخر وقتها ويؤخرها حتى يخرج وقتها، أو يؤخرها بحيث يكاد وقتها يخرج فيكون في ذلك تفريط. وقوله: (ورجل اعتبد محرره) وفي بعض نسخ أبي داود: (محررة) وكلمة (محررة) ليس المقصود بها المرأة فقط، وإنما المقصود: النسمة أو النفس، فيشمل العبيد والإماء، الذكور والإناث. وقوله: (محرره) الضمير يرجع إلى المعتق وليس تاء التأنيث، وإنما هو هاء الضمير مضاف ومضاف إليه، واعتباده محرره يكون بأن يعتقه ويكتم عتقه، أو يعتقه ثم ينكر عتقه، أو يعتقه ولكنه يتسلط عليه ويجبره بأن يخدمه ويستخدمه، فيكون في ذلك كله استعباد المحرر، بمعنى أنه يعتقه ويكتم عتقه، أو أنه أعتقه وأنكر أنه أعتقه، أو أنه استخدمه بالقوة والقهر والغلبة والقسر، وكل هذه أمور محرمة. والحديث فيه من تكلم فيه، والشيخ الألباني قال: إنه ضعيف إلا الشطر الأول منه، وهو قوله: (من أم قوماً وهم له كارهون) ولكن لا شك أن هؤلاء كلهم مذمومون، سواء الذي اعتبد المحرر، أو الذي أتى الصلاة دباراً، أو الذي أمَّ قوماً وهم له كارهون. وقوله: (لا يقبل الله صلاة) يعني: أنه لا تقبل له تلك الصلاة التي يصليها، بمعنى: أنه يحرم أجرها أو يحرم ثواب تلك الإمامة أو الجماعة التي صلاها، وهذا بالنسبة لمن صلى وأم الناس، وأما ذاك الذي أتى دباراً واعتبد محرره، فظاهره أنها لا تقبل، ولكن الحديث غير صحيح، ولا أدري ما وجه تصحيح القسم الأول منه، فيمكن أن يكون التصحيح لشواهد ولأمور أخرى خارجة عما جاء في الحديث، وإلا فإن الحديث طريقه واحدة، إلا أن القسم الأول يمكن أنه صحح لشيء من الشواهد والأمور الأخرى التي هي غير هذا الحديث، ولعل الألباني صححه من أجل هذا.

стр. 1962

تراجم رجال إسناد حديث: (ثلاثة لا يقبل الله منهم صلاة) قوله: [حدثنا القعنبي]. هو عبد الله بن مسلمة القعنبي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة. [حدثنا عبد الله بن عمر بن غانم]. عبد الله بن عمر بن غانم وثقه ابن يونس وغيره، وأخرج حديثه أبو داود وحده. [عن عبد الرحمن بن زياد]. هو عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي ضعيف، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد وأبو داود والترمذي وابن ماجة. [عن عمران بن عبد المعافري]. عمران بن عبد المعافري ضعيف أيضاً، أخرج له أبو داود وابن ماجة. [عن عبد الله بن عمرو]. هو عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ صحابي جليل، أحد العبادلة الأربعة من أصحاب النبي ﷺ ، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. والحديث فيه ضعيفان يروي أحدهما عن الآخر.

стр. 1963

ما جاء في إمامة البر والفاجر

стр. 1964

شرح حديث: (الصلاة المكتوبة واجبة خلف كل مسلم) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب إمامة البر والفاجر. حدثنا أحمد بن صالح حدثنا ابن وهب حدثني معاوية بن صالح عن العلاء بن الحارث عن مكحول عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (الصلاة المكتوبة واجبة خلف كل مسلم براً كان أو فاجراً، وإن عمل الكبائر)]. أورد أبو داود هذه الترجمة وهي: [باب إمامة البر والفاجر]، وإمامة البر هي الأصل، وإمامة الفاجر على خلاف الأصل، والمقصود هنا: ما حكم إمامة الفاسق؟ هل تسوغ أو لا تسوغ؟ و الجواب أن الحديث الذي ورد في هذا ضعيف، ووردت أحاديث أيضاً ضعيفة تتعلق بإمامة الفاجر، ولكن الذي ورد في الإمامة فيما يتعلق بأئمة الجور، حيث جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (يصلون لكم فإن أحسنوا فلكم ولهم، وإن أساءوا فلكم وعليهم) وعثمان بن عفان ﵁ لما حصر في داره وصار يصلى بالناس رجل من الذين خرجوا على عثمان ﵁، فجاءه رجل وقال: يا أمير المؤمنين! إنك إمام عامة وهذا الذي يصلي بالناس إمام فتنة فماذا تأمرنا؟ قال: (يابن أخي! الصلاة من خير ما يفعل الناس، فإن أحسنوا فأحسن معهم، وإن أساءوا فاجتنب إساءتهم) وهذا الأثر أخرجه البخاري في صحيحه، حيث بوب: [باب إمامة المفتون والمبتدع]، وأورد هذا الأثر عن عثمان. والأحاديث التي فيها التنصيص على البر والفاجر ضعيفة، لكن الأصل عند العلماء أن من صحت صلاته صحت إمامته، فمن كان مسلماً وصلاته صحيحة فتصح إمامته، بمعنى: أن الإنسان لا يعيد الصلاة. ومن يكون فاسقاً أو مبتدعاً بدعة غير مكفرة لا يجوز أن يقدم في الصلاة أو أن يختار لإمامة الناس، ولكنه لو تقدم أو حصل أنه تقدم وصلى الناس وراءه فلا يعيدون الصلاة، وصلاتهم صحيحة؛ لأنه هو نفسه صلاته صحيحة ما دام أنه مسلم ولم يصل إلى حد الكفر. فمن صحت صلاته صحت إمامته، ولكنه لا يختار ليكون إماماً من يكون فاسقاً، وإنما الشأن فيما إذا وجدت الصلاة، أو كان إماماً راتباً، ولا يتمكن الإنسان من الصلاة في مسجد آخر، فإذا صلى وراءه فإن الصلاة تصح، والأحاديث التي وردت في ذلك ضعيفة، لكن الذي ورد فيما يتعلق بأئمة الجور يدل على أنهم يصلون، وأن صلاة من وراءهم تكون صحيحة، ومن ذلك قوله ﵊: (يصلون لكم فإن أحسنوا فلكم ولهم، وإن أساءوا فلكم وعليهم) وقول عثمان ﵁: (الصلاة من خير ما يفعل الناس، فإن أحسنوا فأحسن معهم، وإن أساءوا فاجتنب إساءتهم) أخرجه البخاري في باب إمامة المفتون والمبتدع. وقوله: (الصلاة المكتوبة واجبة خلف كل مسلم براً كان أو فاجراً وإن عمل الكبائر) يعني: وإن حصل من هذا الإمام الفاجر الكبائر.

стр. 1965

تراجم رجال إسناد حديث: (الصلاة المكتوبة واجبة خلف كل مسلم) قوله: [حدثنا أحمد بن صالح]. هو أحمد بن صالح المصري ثقة، أخرج حديثه البخاري وأبو داود والترمذي في الشمائل. [حدثنا ابن وهب]. هو عبد الله بن وهب المصري ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثني معاوية بن صالح]. هو معاوية بن صالح بن حدير صدوق له أوهام، أخرج حديثه البخاري في جزء القراءة ومسلم وأصحاب السنن. [عن العلاء بن الحارث]. العلاء بن الحارث صدوق، أخرج له مسلم وأصحاب السنن. [عن مكحول]. مكحول هو الشامي، وهو ثقة أخرج له البخاري في جزء القراءة ومسلم وأصحاب السنن. [عن أبي هريرة]. هو أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر الدوسى صاحب رسول الله ﷺ ، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وهو أكثر الصحابة حديثاً على الإطلاق. والحديث في إسناده مكحول وهو لم يلق أبا هريرة، ففيه انقطاع. وهذا الانقطاع بين مكحول وبين أبي هريرة هو سبب ضعفه، لكن الحديث وإن كان ضعيفاً إلا أن القاعدة المعروفة عند العلماء هي: أن من صحت صلاته صحت إمامته، والأحاديث وردت في الصلاة خلف أئمة الجور، ومن الذين حصل منهم التقدم في الناس كذلك الرجل الذي كان من الخارجين على عثمان ﵁، حيث قال فيه عثمان ﵁: (إن الصلاة من خير ما يفعل الناس، فإن أحسنوا فأحسن معهم). يعني: صل معهم.
следующие страницы →