Полный текст (18 341 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.
стр. 2556
شرح سنن أبي داود [١٠٠]
للصلاة آداب وسنن تجعل منها موضوع خشوع من العبد واستكانة منه لربه جل وعلا، وتعينه على خشوعه في صلاته وانشغاله بها، ومن هذه السنن أدعية الاستفتاح الواردة بعد تكبيرة الإحرام، فقد روي عن النبي ﷺ جملة منها فيها ثناء على الله ﵎ وتعظيم وتمجيد لله تعالى، وسؤاله واستغفاره، وكلها حق وخير، وللمرء أن يتخير منها في صلاته ما شاء.
стр. 2557
ما يستفتح به الصلاة من الدعاء
стр. 2558
قال المصنف رحمه الله تعالى: (باب ما يستفتح به الصلاة من الدعاء)
المقصود بهذه الترجمة هو أن الإنسان يأتي بدعاء الاستفتاح، وهو الدعاء الذي تستفتح به الصلاة بعدما يدخل الإنسان فيها بقوله: (الله أكبر) فإنه يأتي بهذا الثناء والذكر والدعاء بأي صيغة ثبتت عن رسول الله ﷺ ، يأتي بذلك بعد التكبير وقبل القراءة، وقد جاء دعاء الاستفتاح بصيغ متعددة كثيرة عن رسول الله ﷺ ، وكل ما ثبت منها فإنه حق أن يؤتى به في الصلاة، ومن العلماء من قال: إنه ينبغي أن يؤتى بتلك الصيغ وأن يمر عليها وأن يأتي بهذا تارة وبهذا تارة وبهذا تارة.
وبعض أهل العلم يختار صيغة معينة من هذه الصيغ، ومن المعلوم أن هذه الصيغ منها ما يكون دعاء وطلباً من الله ، ومنها ما يكون ذكراً وثناءً على الله .
فقوله: [ما تستفتح به الصلاة من الدعاء] يعني به ذكر الأدعية والأذكار التي تستفتح بها الصلاة، والتي يأتي بها الإنسان بعدما يدخل في الصلاة بتكبيرة الإحرام، فيأتي بنوع من هذه الأنواع، وذكر من هذه الأذكار أو دعاء من هذه الأدعية الثابتة عن رسول الله ﷺ .
وقد أورد أبو داود السجستاني رحمه الله تعالى عدة أحاديث تشتمل على أدعية من أدعية الاستفتاح، وبدأها بحديث علي بن أبي طالب ﵁ المشتمل على دعاء من أدعية الاستفتاح، وعلى أدعية أخرى في الركوع وفي السجود، وكذلك عند القيام من الركوع، وكذلك بعد الانصراف من الصلاة، فهذا الحديث مشتمل على عدة أمور وعلى عدة أدعية، واشتمل أيضاً على صيغة من صيغ الاستفتاح.
стр. 2559
حكم تنويع أدعية الاستفتاح
وقد اختار بعض أهل العلم لفظ: (سبحانك -اللهم- وبحمدك) وبعضهم اختار لفظ (اللهم باعد بيني وبين خطاياي).
وبعض أهل العلم يقول: إنه ينبغي أن يؤتى بهذا تارة وبهذا تارة وبهذا تارة.
وهذا الاختلاف الذي حصل من بعض العلماء في اختيار بعض الأدعية في الاستفتاح يسمونه اختلاف التنوع؛ لأن هذه الأدعية أنواع من الاستفتاح، وكل ما ثبت حق، وليس هذا من قبيل اختلاف التضاد؛ لأن اختلاف التضاد مثل أن يقول بعض أهل العلم: (هذا حلال) وبعضهم يقول: (هذا حرام) في شيء واحد، أو يقول بعضهم لشيء معين: هذا يبطل الصلاة.
والآخر يقول: لا يبطل الصلاة.
أو أحد منهم يقول: هذا ينقض الوضوء.
والثاني يقول: لا ينقض الوضوء.
فهذا يسمى اختلاف التضاد.
واختلاف التنوع كله حق، فمادام أنه ثبت فهو حق، فإن أتيت بهذه الصيغة فأنت على حق، وإن أتيت بهذه الصيغة فأنت على حق، وإن أتيت بهذه الصيغة فأنت على حق؛ لأنها كلها أنواع للحق، فمن اختار واحداً منها فإنه أخذ بما هو حق، ومن اختار غيره أخذ بما هو حق، وعلى هذا فمن اختار واحداً من هذه الأدعية يقال عنه: إنه على حق.
ولا يقال: إن هذا من اختلاف التضاد.
وإنما هو من اختلاف التنوع، ومثل ذلك ألفاظ الأذان وألفاظ التشهد في الصلاة، فإن هذا كله من قبيل اختلاف التنوع، فكل ما ثبت عن رسول الله ﷺ فإنه يؤتى به، والخلاف في أن يختار بعضهم هذا الدعاء وبعضهم هذا الدعاء وبعضهم هذا الدعاء هو من اختلاف التنوع، وكل منهم مصيب للحق؛ لأن هذه كلها أنواع للحق، ولكن اختلاف التضاد لا يقال فيه: إن كل مجتهد مصيب.
وإنما فيه المصيب وفيه المخطئ، وليس كل مجتهد مصيب فيما يتعلق باختلاف التضاد؛ لأنه لا يقال فيمن قال في مسألة معينة: هي حلال ومن قال: هي حرام لا يقال: إن القائل: (هي حلال) على حق والقائل: (هي حرام) على حق.
ليس هذا بصحيح، وإنما يقال: الاختلاف في ذلك اختلاف تضاد.
وكل مجتهد فيه إما مجتهد مصيب وإما مجتهد مخطئ، والمجتهد المصيب له أجران: أجر على اجتهاده وأجر على إصابته، والمجتهد المخطئ له أجر واحد على اجتهاده، وخطؤه مغفور، فلا يقال: إن كل مجتهد مصيب فيما هو اختلاف تضاد، ولكن يمكن أن يقال في اختلاف التضاد: إن كل مجتهد مصيب باعتبار الأجر.
فيقال: كل مجتهد مصيبٌ أجرا، وإن كانوا متفاوتين في الأجر، فالمجتهد المصيب له أجران والمجتهد المخطئ له أجر واحد، ولكن كلٌ مصيبٌ أجرا، ولكن ليس كلٌ يصيب الحق؛ لأن المجتهدين في مسائل اختلاف التضاد يكون الحق مع واحد منهم وغيره يكون قد أخطأ، لقوله ﷺ : (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر واحد) فقوله ﷺ في هذا الحديث: (له أجران) و (له أجر واحد) يدل على أن المجتهدين فيهم مصيب وفيهم مخطئ، ولو كان كل مجتهد مصيباً لما كان فيهم مخطئ، ولم يكن لهذا التقسيم من رسول الله ﷺ معنى، ولكنه لما قسمهم هذا التقسيم علم بأنه ليس كل مجتهد مصيباً، ولكن يمكن أن يقال: كل مجتهد مصيبٌ أجرا.
стр. 2560
شرح حديث علي في استفتاح النبي ﷺ وأدعيته في الصلاة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عبيد الله بن معاذ حدثنا أبي حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة عن عمه الماجشون بن أبي سلمة عن عبد الرحمن الأعرج عن عبيد الله بن أبي رافع عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وآله سلم إذا قام إلى الصلاة كبر ثم قال: وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً مسلماً وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمينَ، اللهم أنت الملك لا إله لي إلا أنت، أنت ربي وأنا عبدك، ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي ذنوبي جميعا إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير كله في يديك، والشر ليس إليك، أنا بك وإليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك.
وإذا ركع قال: اللهم لك ركعت وبك آمنت ولك أسلمت، خشع لك سمعي وبصري ومخي وعظامي وعصبي.
وإذا رفع قال: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد ملء السموات والأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء بعد.
وإذا سجد قال: اللهم لك سجدت، وبك آمنت، ولك أسلمت، سجد وجهي للذي خلقه وصوره فأحسن صورته، وشق سمعه وبصره، وتبارك الله أحسن الخالقين.
وإذا سلم من الصلاة قال: اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أسرفت وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم والمؤخر لا إله إلا أنت)].
قوله: [عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة كبر ثم قال: وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً مسلماً وما أنا من المشركي].
معنى قوله: [إذا كبر] أي: دخل في الصلاة بقوله: (الله أكبر) وهو التكبير الذي يكون به تحريم الصلاة، حيث قال ﵊: (مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم) فإذا دخل فيها بقوله: (الله أكبر) يأتي بدعاء الاستفتاح (وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين) هكذا كان يفعل رسول الله ﷺ ، وفي هذا إعلان التوحيد، وإخلاص العبادة لله ، وأن الإنسان وجه وجهه لله، وأنه مستسلم منقاد لأمر الله، وأنه بريء من الشرك ومن المشركين، ويثني على الله بأنه الخالق الذي خلق السموات والأرض وخلق كل شيء بقوله: (وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً مسلماً) أي: حال كوني حنيفاً مسلماً وما أنا من المشركين، بل مقبل على الله ومعرض عما سواه ومخلص العبادة لله ، ومبتعد عن أن أجعل لغير الله نصيباً من العبادة.
فالعبادة يجب أن تكون خالصةً لوجه الله، وأن لا يكون لله فيها شريك، فكما أنه لا شريك له في خلق السموات والأرض فكذلك لا شريك له في العبادة، فالمتفرد بالخلق والإيجاد والرزق والأحياء والإماتة هو الذي يستحق أن يعبد وحده لا شريك له.
стр. 2561
المقصود بالصلاة والنسك والمحيا والممات
قوله في الاستفتاح: [(إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ)].
الصلاة هي الصلاة ذات الركوع والسجود، وهي أعظم العبادات وأعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين، فالصلوات -سواءٌ أكانت مفروضة أم نافلة- كلها لله ، وكذلك النسك، وفسر بأنه الذبح لله ، وفسر بأنه الحج، وفسر بأنه العبادة، وكونه بمعنى الذبح لله يوافق ما جاء في قول الله : ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر:٢] ففيه ذكر الصلاة وذكر النحر الذي هو النسك أو النسيكة والذبيحة لله التي تذبح لله تقربا.
وقوله: [(قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ)] محيا الإنسان حياته كلها، فهي كلها لله، ويجب أن تكون معمورة تلك الحياة بعبادة الله وطاعة الله وبما يقرب إلى الله ، وكذلك ممات الإنسان هو لله؛ لأن الله تعالى هو المتصرف بالكون، وهو الذي يحيي ويميت، وهو الذي يوفق من يوفق للعمل الصالح في هذه الحياة الدنيا للجزاء والثواب عليه في الدار الآخرة؛ لأن الحياة هي محل العمل، والممات محل الجزاء على العمل، إن خيراً فخيراً وإن شراً فشراً، كما قال سبحانه: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة:٨]، ويقول سبحانه في الحديث القدسي: (يا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه).
стр. 2562
دلالة قوله (لله رب العالمين لا شريك له)
قوله: [(لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ)].
هذا هو معنى (لا إله إلا الله) كلمة الإخلاص كلمة التوحيد، أي: عبادتي لله لا شريك له فيها، فصلاتي ونسكي ومحياي ومماتي وعبادتي كلها لله خالصة لا شركة لغير الله فيها، فهذا هو معنى كلمة الإخلاص ومعنى كلمة التوحيد، مثل قول القائل: (أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له) فقوله: (أشهد أن لا إله إلا الله) نفي وإثبات، وقوله: (وحده لا شريك له) إثبات ونفي مؤكد لـ (أشهد أن لا إله إلا الله) لأن قول: (وحده) بمعنى (إلا الله) وقوله: (لا شريك له) بمعنى (لا إله) فـ (أشهد أن لا إله إلا الله) نفي وإثبات، نفي في الأول وإثبات في الآخر، وقوله (وحده لا شريك له) تأكيد لهذا النفي والإثبات، وهو -أيضاً- نفي وإثبات، ولكن جاء الإثبات مقدماً والنفي مؤخرا، ففي اللفظ المؤكد جاء الإثبات (وحده) مقدماً، وجاء النفي (لا شريك له) مؤخراً.
قوله: [(وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ)].
يعني: أمر بأن تكون صلاته لله وأن تكون عبادته لله أمراً شرعياً؛ لأن الله خلق الناس للعبادة، فقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] أي: لآمرهم وأنهاهم.
فمنهم من وفق للتطبيق والتنفيذ، ومنهم من لم يوفق لذلك.
стр. 2563
المقصود بقوله (وأنا أول المسلمين)
وقوله: [(وأنا أول المسلمين)].
قيل: إن المراد بذلك بالنسبة للنبي ﷺ أنه أول هذه الأمة التي هي خير الأمم، فهو مقدمها وهو أولها وهو سابقها، وهو الذي أنزل الله إليه الوحي والهداية، وأنزل عليه النور الذي به الهداية إلى الصراط المستقيم وإخراج الناس من الظلمات إلى النور.
وبالنسبة لغير النبي ﷺ يمكن أن يكون قوله: [(وأنا أول المسلمين)] يعني: أنا أول من يبادر ومن أول من يستسلم، وليس معنى ذلك أنه يكون أول من أسلم وأول من دخل في هذا الدين، فإن القدوة والأسوة في ذلك رسول الله ﷺ ، وأول من استجاب لدعوة الرسول ﷺ أبو بكر الصديق من الرجال وخديجة من النساء وعلي بن أبي طالب من الصبيان رضي الله تعالى عنهم، ولكن المسلم عندما يقول هذا الكلام ويقتدي بالرسول ﷺ بأن يقول: (وأنا أول المسلمين) فمعنى قوله أنه من أول من ينقاد ويستسلم، وليس المراد أن يكون هو الأول حقيقة وأنه لم يسبقه إلى ذلك أحد، وإنما المقصود من ذلك المبادرة والإقدام والاستسلام والانقياد وعدم التأخر وعدم التباطؤ، وقد جاء عن بعض أهل العلم أن غير النبي ﷺ عندما يأتي بهذا الذكر يقول: (وأنا من المسلمين) بدل قوله: (وأنا أول المسلمين) قالوا: لأنه لا ينطبق على غير الرسول ﷺ أن يكون كذلك.
ولكن ذلك صحيح بالمعنى الذي أشرت إليه وذكره بعض أهل العلم، وهو أن المقصود بالأولية المبادرة والاستسلام والانقياد وعدم التأخر والتباطؤ.
стр. 2564
شرح قوله (أنت الملك لا إله إلا أنت)
قوله: [(اللهم أنت الملك لا إله لي إلا أنت)].
أي: أنت ملك الدنيا والآخرة، وقد جاء في سورة الفاتحة (ملك يوم الدين) أو ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤] وهو يوم القيامة ويوم الجزاء والحساب، وأضيف اسمه تعالى (الملك) إلى يوم الدين لأن ذلك اليوم هو الذي يظهر فيه الخضوع والذل والاستكانة لله .
من جميع الخلق حتى من المتكبرين المتجبرين في هذه الدنيا، فإن الكل يومئذٍ يخضع لله ويذل لله ، فقال: (ملك يوم الدين) لأنه اليوم الذي يخضع فيه الجميع لرب العالمين، بخلاف الدنيا فإن فيها من يخضع وفيها من يتجبر، بل وجد فيها من قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤] وقال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨]، ولكن ذلك اليوم هو اليوم الذي يخضع فيه الجميع لرب العالمين، ومثله ما جاء عن النبي ﷺ في قوله: (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة) مع أنه سيد الناس في الدنيا والآخرة ﷺ ، وذلك لأن سؤدده يظهر على الناس جميعاً، ويحصل فضله وإحسانه للناس جميعاً من لدن آدم إلى الذين قامت عليهم الساعة، وذلك في الشفاعة العظمى التي هي المقام المحمود، وهي شفاعته عند الله ليفصل بين الناس ويقضي بينهم، فينصرفون إلى منازلهم من الجنة أو النار، فإن هذا هو المقام الذي يحمده عليه الأولون والآخرون.
فإذاً قوله: [(أنت الملك)] يعني أنه تعالى ملك الدنيا والآخرة ومالك كل شيء.
وقوله: [(لا إله لي إلا أنت)].
يعني: أنت إلهي وحدك ليس لي معبود سواك، فأنا لا أعبد إلا إياك، ولا أخص بالعبادة أحداً سواك، بل أجعل العبادة خالصةً لك، ولا أشرك معك أحداً؛ لأنك أنت الملك الذي هو مالك لكل شيء، ومن كان خالقاًَ لكل شيء ومالكاً لكل شيء وإليه يرجع كل شيء فهو الذي يجب أن يفرد بالعبادة وحده لا شريك له.
стр. 2565
شرح قوله (أنت ربي وأنا عبدك، ظلمت نفسي واعترفت بذنبي)
قوله: [(أنت ربي وأنا عبدك)].
أي: أنت ربي الذي خلقتني وربيتني بالنعم وتفضلت علي بالإحسان، وأنا عبدك، فأنت الرب وأنا العبد الخاضع المستكين لك وحدك لا شريك لك.
قوله: [(ظلمت نفسي واعترفت بذنبي)].
يعني: ظلمت نفسي كثيراً، وأنا محل الظلم، وأنا الذي يحصل منه الظلم، وأنا معترف بذنوبي ومقر بأخطائي، ولكني أرجوك وأسألك أن تغفر لي الذنوب فإنه لا يغفرها إلا أنت.
[(فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت)] يعني: أنا الظالم لنفسه، وأنا المعترف بالذنوب والمقر بها، وأسألك غفرانها والتجاوز عنها، فإنه لا يغفرها إلا أنت، فأنت الذي تغفر الذنوب، وأنت الذي تستر العيوب، فأسألك وأرجوك أن تغفر لي هذه الذنوب وأن تتجاوز عن هذه الخطايا التي صدرت مني.
стр. 2566
طلب الهداية لأحسن الأخلاق وصرف سيئها
قوله: [(واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت)].
أي: دلني وأرشدني وسددني وثبتني على أن أكون على الأخلاق الحسنة التي لا يهدي لأحسنها إلا أنت، فأنا أسألك أن توفقني للاتصاف بتلك الأخلاق الحسنة الكريمة التي لا يهدي لأحسنها إلا أنت.
قوله: [(واصرف عني سيئها لا يصرف سيئها إلا أنت)].
أي: اصرف عني سيء تلك الأخلاق التي لا يصرف سيئها إلا أنت، وكل شيء بيدك، فأنت الذي تهدي من تشاء وتضل من تشاء، وأنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت.
стр. 2567
شرح قوله (لبيك وسعديك)
قوله: [(لبيك وسعديك والخير كله في يديك)].
قيل: إن المقصود بقوله: [(لبيك)] إقامة بعد إقامة، يعني: مقيم على طاعتك إقامة بعد إقامة.
من قولهم: لب بالمكان إذا أقام به.
وقيل: إن المراد: إجابة بعد إجابة.
لأن (لب) بمعنى: أجاب الدعوة وأجاب النداء، والمنادى إذا نودي فإنه يجيب أحسن ما يجيب بقوله: لبيك.
وقد كان الصحابة ﵃ وأرضاهم عندما ينادي النبي ﷺ واحداً منهم يقول: لبيك -يا رسول الله- وسعديك.
فإما أن يكون بمعنى: إقامة بعد إقامة، أي: مقيم على طاعتك إقامة بعد إقامة ومستمر على ذلك، أو أن يكون بمعنى: إجابة بعد إجابة.
ولا تنافي بين المعنيين، بل كل منهما حق، فهو يقيم على الطاعة ويلازمها، وفي نفس الوقت يلبي الدعوة ويلبي النداء، ولهذا قيل في التلبية في الحج: إن الله لما دعا الناس لحج بيته العتيق فمن وفقه الله للإتيان ثم الدخول في النسك يقول: لبيك -اللهم- لبيك.
يعني: إنك دعوتني لحج بيتك ووفقتني للمجيء والوصول إلى هذا المكان الذي تلبست فيه بهذه العبادة ودخلت في هذه العبادة، فأنا أقول: لبيك -اللهم- لبيك.
أي: دعوتني فأجبتك قائلاً: لبيك -اللهم- لبيك.
وقوله: [(وسعديك)] قيل: معناه: إسعاد بعد إسعاد منك.
أو: مساعدة بعد مساعدة منك.
стр. 2568
شرح قوله (والخير كله في يديك)
وقوله: [(والخير كله في يديك)].
ذلك لأن الأمر كما قال رسول الله ﷺ في وصيته لـ ابن عباس: (واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيءٍ لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيءٍ لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك) فالخير كله بيد لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع، قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنِ اللَّهِ﴾ [النحل:٥٣] ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم:٣٤]، وفي الحديث القدسي حديث أبي ذر (يا عبادي! كلكم جائع إلا من أطعمته، فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي! كلكم عار إلا من كسوته، فاستكسوني أكسكم، ياعبادي! كلكم ضال إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم) فالخير كله بيد الله ، فهو الذي يتفضل على من شاء بما شاء من خيره وفضله، ويبسط الرزق لمن يشاء ويقدر .
стр. 2569
معنى قوله (والشر ليس إليك)
قوله: [(والشر ليس إليك)].
معلوم أن الله خالق كل شيء، فالخير والشر كل ذلك من مخلوقات الله ، ولا يكون في الوجود إلا ما هو مخلوق لله ، سواءًٌ أكان خيراً أم شراً، ولا يقع في ملك الله إلا ما شاءه الله ، فالله تعالى خالق كل شيء، وليس هناك شيء في الوجود لم يخلقه الله ، بل الله خالق كل شيء في الوجود، لا شريك له في الخلق والإيجاد، فالخير والشر خلق الله وإيجاده، وكلاهما بقضاء الله وقدره، وكلاهما بعلم الله وبمشيئته وإرادته، فكل ذلك من الله .
فقوله: [(والشر ليس إليك)] مع أن الله هو الخالق لكل شيء، والموجد لكل شيء -سواءٌ أكان خيراً أم شراً- فسر بأن المراد به أن الشر الذي هو شر محض لا خير فيه بوجه من الوجوه ليس إلى الله ؛ لأنه لا يخلق شراً محضاً لا خير فيه بوجه من الوجوه، بل ما يخلقه الله من الشر يترتب عليه مصلحة ويترتب عليه فائدة، فمن ذلك كون الإنسان يصبر على ما يصيبه من الشر فيثاب ويؤجر على ذلك، ومن ذلك أن خلق الكفر في الكافرين وخلق الله الإيمان في المؤمنين يوجد به الجهاد ويوجد به الصراع بين الحق والباطل، فلا يخلق الله شراً محضاً لا يترتب عليه خير بأي وجه من الوجوه، بل ما يخلق الله تعالى من شر فهو مشتمل على خير ومشتمل على فائدة، فليس إلى الله الشر المحض الذي لا خير فيه بوجه من الوجوه.
ومنهم من قال: معناه أن الشر لا يتقرب به إليك.
وقيلت أقوال أخرى غير ذلك.
стр. 2570
معنى قوله (أنا بك وإليك)
قوله: [(أنا بك وإليك)].
معنى [(أنا بك)] أي: قائم بك وبإقامتك لي، وأنا عابد لك ومخلص العبادة لك، ومعتمد عليك، ومتوكل عليك، ومستعين بك، ومعلق آمالي بك.
ومعنى [(وإليك)] أي: مآلي إليك ومرجعي إليك ونهايتي إليك.
كما قال تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ [الغاشية:٢٦].
стр. 2571
شرح قوله (تباركت وتعاليت)
قوله: [(تباركت وتعاليت)].
هذا ثناء على الله بأنه المتبارك المتعالي الذي يأتي بكل بركة، والذي منه كل بركة، وهو المتبارك في نفسه المبارك لغيره، وهو المتعالي العالي الذي لا تكون هذه الأوصاف إلا له ، فلا يقال لغيره: ﵎ وإنما الذي يقال له: ﵎ هو الله ، فلا يقال: تبارك فلان.
ولا يقال: تعالى فلان.
وإنما هذه ألفاظ لا تقال إلا لله سبحانه تعالى كـ (سبحانك) فإن كلمة (سبحانك) لا تقال إلا لله، و (تباركت) لا تقال إلا لله، و (تعاليت) لا تقال إلا لله .
قوله: [(أستغفرك وأتوب إليك)].
أي: أستغفرك من جميع الذنوب وأتوب إليك.
стр. 2572
دعاء الركوع ودلالته
قوله: [(وإذا ركع قال: اللهم لك ركعت، وبك آمنت، ولك أسلمت، خشع لك سمعي وبصري ومخي وعظامي وعصبي)].
هذا كله ثناء على الله ، وتعظيم لله ، والركوع -كما هو معلوم وكما جاء في الحديث- يعظم فيه الرب، كما قال ﵊: (أما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء، فقمن أن يستجاب لكم)، وهذا من تعظيم الله .
فقوله: [(اللهم لك ركعت)].
يعني الركوع الذي هو في أثناء الصلاة، حيث يخضع الإنسان ويذل لله ، فيركع الركوع لله ، والركوع من الصلاة، والصلاة من العبادة، والعبادة كلها لله .
وقوله: [(خشع لك سمعي وبصري ومخعي وعظامي وعصبي)].
هذا من ذل الراكع لله ﷻ .
стр. 2573
شرح قوله (وإذا رفع قال سمع الله لمن حمده)
قوله: [(وإذا رفع قال: سمع الله لمن حمده)].
أي: استجاب الله لمن حمده.
فمعنى: (سمع) استجاب.
ولهذا قال بعض أهل العلم لما سئل عن معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى فقيل له: ماذا تقول في معاوية؟ قال: ماذا أقول في رجل صلى خلف النبي ﷺ ، فقال ﵊ في الصلاة: (سمع الله لمن حمده) فقال معاوية وراءه: ربنا ولك الحمد.
يعني أن الله تعالى استجاب لمن حمده، ومعاوية كان وراء النبي ﷺ فقال: ربنا ولك الحمد.
ولا يشكل على ما ذكرت قول الله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة:١] إذ المقصود بما في الآية السماع الذي هو سماع صوتها، ولهذا جاء في نفس الآية: ((سَمِعَ اللَّهُ)) ((يَسْمَعُ)) ((سَمِيعٌ بَصِيرٌ)) فذكر السمع في ثلاثة مواضع من الآية بالفعل الماضي وبالمضارع وبالاسم.
فقوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة:١] يعني بالقول الكلام الذي جرى بينها وبين النبي ﷺ بصوت خفي، وكانت عائشة قريبة منهما فلم تعرف ما تقول، والله تعالى سمع مجادلتها وكلامها وهو فوق عرشه .
فقوله تعالى: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ) ليس مثل (سمع الله لمن حمده) لأن معنى (سمع) هنا (استجاب) وأما ما في الآية الكريمة فيعني أن صوتها الخفي سمعه الله الذي، وقال بعد ذلك: ﴿وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة:١]، فذكر هذه الصفة بالماضي والمضارع والاسم.
وقد تكون التعدية بحرف الجر اللام فارقة بين المعنيين.
وليس معنى هذا أن أهل السنة يؤولون الصفات، فليس هذا تأويلاً، بل الأمر اختلاف في المعاني في أصل الوضع العربي.
قوله: [(وإذا رفع قال سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد ملء السموات والأرض وملء ما شئت من شيءٍ بعد)].
يعني أن ذلك الحمد والثناء كبير، وأنه ملء السموات وملء الأرض وملء ما شاء من شيءٍ بعد ملء السموات والأرض، فهو تعظيم لله وثناء عليه بأنه المستحق للحمد والإكثار من الحمد.
стр. 2574
ذكر السجود، وما يصح فعله فيه وفي الركوع
قوله: [(وإذا سجد قال: اللهم لك سجدت، وبك آمنت، ولك أسلمت، سجد وجهي للذي خلقه وصوره فأحسن صورته، وشق سمعه وبصره، وتبارك الله أحسن الخالقين)].
هذا ثناء على الله ، وقد جاء في السجود، والسجود الغالب فيه الدعاء، ويمكن أن يكون فيه التعظيم والثناء، وهذا منه؛ لأن هذا كله ثناء على الله وتعظيم لله ﷻ ، ولكن الغالب في السجود هو الدعاء، كما أن الركوع الغالب فيه التعظيم، ويمكن أن يدعى فيه، ومنه الحديث الذي فيه أن النبي ﷺ بعد ما نزل عليه قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر:٣] بعد ذلك روت عائشة ﵂ وأرضاها فقالت: (ما صلى رسول الله ﷺ صلاةً بعد إذ أنزل عليه ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر:١] إلا قال في ركوعه وسجوده: سبحانك -اللهم- وبحمدك، اللهم اغفر لي.
يتأول القرآن).
فقوله ((سبحانك -اللهم- وبحمدك) ثناء، وهو تنفيذ لقوله تعالى: (فَسَبِّحْ) وقوله: اللهم اغفر لي) دعاء، وهو تنفيذ لقوله تعالى: (وَاسْتَغْفِرْهُ).
стр. 2575
الدعاء بعد السلام من الصلاة
قوله: [(وإذا سلم من الصلاة قال: اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أسرفت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم والمؤخر، لا إله إلا أنت)].
إذا سلم من الصلاة دعا بهذا الدعاء، وجاء في بعض الروايات وبعض الأحاديث أنه يقوله قبل أن يسلم، يقول ذلك بعد التشهد وقبل أن يسلم، فجاء في روايات أنه بعد السلام وجاء في روايات أنه قبل السلام، ولا شك في أن الدعاء قبل السلام وارد، وقد جاء ما يدل عليه، وقد قال ﵊: (ثم يتخير من الدعاء ما شاء) يعني: بعدما يتشهد ويصلي على النبي ﷺ .
والدعاء يؤتى به في الصلاة ويكثر منه، وفي السجود وفي التشهد الأخير قبل السلام.
وأيضاً يدل هذا الحديث على أنه يدعو بعد السلام، وأنه بعد السلام يكون في ذكر وفي دعاء، بل أول شيء يكون بعد السلام هو الدعاء، حيث يقول: أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله، ثلاث مرات، ومعنى (أستغفر الله) أطلب المغفرة من الله، وأسأل المغفرة من الله.
ففيه الدعاء قبل السلام وبعد السلام.
وقوله: [(اغفر لي ما قدمت وما أخرت)].
يعني: الذنوب التي أذنبتها مقدمها ومؤخرها، وما أسررت منها وما أعلنته، ما كان علانية يطلع عليه الناس وما كان مستوراً لا يطلع عليه إلا الله ، وكذلك ما أسرفت، أي: ما تجاوزت فيه الحدود.
وقوله: [(وما أنت أعلم به مني)].
أي: لأنك العالم بكل شيء، والإنسان لا يعلم كل شيء، وإن علم فإنه ينسى، والله هو الذي لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء .
وقوله: [(أنت المقدم والمؤخر)].
يعني: المقدم من قدمته والمؤخر من أخرته، فالتأخير منك والتقديم منك، فمن قدمته فهو المقدم، ومن أخرته فهو المؤخر.
وهذا التقديم والتأخير هو في الفضل، وكذلك في تحصيل الثواب، وفي الإتيان بالأعمال الصالحة.
وقوله: [(لا إله إلا أنت)].
ختم بهذا الثناء على الله الذي هو كلمة التوحيد وكلمة الإخلاص، وهي: (لا إله إلا الله).
стр. 2576
تراجم رجال إسناد حديث علي في استفتاح النبي ﷺ وأدعيته في الصلاة
قوله: [حدثنا عبيد الله بن معاذ].
هو عبيد الله بن معاذ بن معاذ العنبري، ثقة، أخرج حديثه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي.
[حدثنا أبي].
هو معاذ بن معاذ العنبري، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة].
هو عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عمه الماجشون بن أبي سلمة].
هو يعقوب بن أبي سلمة الماجشون، والماجشون لقب ويعقوب اسم، فهو يعقوب بن أبي سلمة، وهو أخو عبد الله وعم الراوي عنه؛ لأن ذاك عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة وهذا يعقوب بن أبي سلمة، وهو صدوق، أخرج حديثه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي.
[عن عبد الرحمن الأعرج].
هو عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، والأعرج لقب، وهو مدني ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عبيد الله بن أبي رافع].
عبيد الله بن أبي رافع ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن علي بن أبي طالب].
هو أمير المؤمنين ورابع الخلفاء الراشدين ﵁ وأرضاه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
стр. 2577
شرح حديث الاستفتاح بـ (وجهت وجهي)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا الحسن بن علي حدثنا سليمان بن داود الهاشمي أخبرنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن موسى بن عقبة عن عبد الله بن الفضل بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب عن عبد الرحمن الأعرج عن عبيد الله بن أبي رافع عن علي بن أبي طالب ﵁ عن رسول الله ﷺ : (أنه كان إذا قام إلى الصلاة المكتوبة كبر ورفع يديه حذو منكبيه، ويصنع مثل ذلك إذا قضى قراءته وإذا أراد أن يركع، ويصنعه إذا رفع من الركوع، ولا يرفع يديه في شيء من صلاته وهو قاعد، وإذا قام من السجدتين رفع يديه كذلك وكبر ودعا) نحو حديث عبد العزيز في الدعاء يزيد وينقص الشيء، ولم يذكر: (والخير كله في يديك والشر ليس إليك) وزاد فيه: (ويقول عند انصرافه من الصلاة: اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وأعلنت، أنت إلهي لا إله إلا أنت)].
أورد أبو داود حديث علي بن أبي طالب من طريق أخرى، وفيه الإشارة إلى ما جاء في الحديث المتقدم، وفيه ذكر أمور أخرى سبق أن مرت تتعلق برفع اليدين عند الدخول في الصلاة وعند الركوع وعند القيام من الركوع.
стр. 2578
تراجم رجال إسناد حديث الاستفتاح بـ (وجهت وجهي)
قوله: [حدثنا الحسن بن علي].
هو الحسن بن علي الحلواني، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا النسائي.
[حدثنا سليمان بن داود الهاشمي].
سليمان بن داود الهاشمي ثقة، أخرج له البخاري في (خلق أفعال العباد) وأصحاب السنن.
[أخبرنا عبد الرحمن بن أبي الزناد].
عبد الرحمن بن أبي الزناد صدوق، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم في المقدمة وأصحاب السنن.
[عن موسى بن عقبة].
هو موسى بن عقبة المدني، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الله بن الفضل بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب].
هو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الرحمن الأعرج عن عبيد الله بن أبي رافع عن علي].
مر ذكرهم جميعاً.
стр. 2579
ذكر أثر من رأى من السلف الاقتصار على قول (وأنا من المسلمين) في الاستفتاح
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عمرو بن عثمان حدثنا شريح بن يزيد حدثني شعيب بن أبي حمزة قال: قال لي محمد بن المنكدر وابن أبي فروة وغيرهما من فقهاء أهل المدينة: فإذا قلت أنت ذلك فقل: وأنا من المسلمين.
يعني قوله: ((وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ))].
أورد أبو داود هذا الأثر عن ابن أبي فروة وعن محمد بن المنكدر وهما من فقهاء المدينة، حيث قالا: إذا قلت دعاء الاستفتاح فقل: (وأنا من المسلمين) بدلاً من قولك (وأنا أول المسلمين) وذلك لأن الأولية إنما تنطبق على الرسول ﷺ .
لكن المعنى يمكن أن يستقيم وأن يصلح لغير الرسول ﷺ ، ويكون المقصود من ذلك المبادرة، وليس المقصود الأولية التي هي السبق إلى هذا العمل، وإنما المقصود من ذلك المبادرة والإقدام على العمل وعدم التأخر والتباطؤ، فيستقيم أن يقول غير النبي ﷺ : (وأنا أول المسلمين).
стр. 2580
تراجم رجال إسناد أثر من رأى من السلف الاقتصار على قول (وأنا من المسلمين) في الاستفتاح
قوله: [حدثنا عمرو بن عثمان].
عمرو بن عثمان هو الحمصي، وهو صدوق، أخرج حديثه أبو داود والنسائي وابن ماجة.
[حدثنا شريح بن يزيد].
شريح بن يزيد هو أبو حيوة، وهو ثقة، أخرج له أبو داود والنسائي.
[عن شعيب بن أبي حمزة].
هو شعيب بن أبي حمزة الحمصي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[قال: قال لي محمد بن المنكدر].
محمد بن المنكدر ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[وابن أبي فروة].
هو إسحاق بن عبد الله أبي فروة، وهو متروك، أخرج له أصحاب السنن.
стр. 2581
شرح حديث استفتاح الرجل الداخل إلى الصلاة وقد حفزه النفس
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا موسى بن إسماعيل أخبرنا حماد عن قتادة وثابت وحميد عن أنس بن مالك ﵁: (أن رجلاً جاء إلى الصلاة وقد حفزه النفس، فقال: الله أكبر، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه.
فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته قال: أيكم المتكلم بالكلمات فإنه لم يقل بأسا؟ فقال الرجل: أنا يا رسول الله، جئت وقد حفزني النفس فقلتها.
فقال: لقد رأيت اثني عشر ملكاً يبتدرونها أيهم يرفعها) وزاد حميد فيه: (إذا جاء أحدكم فليمش نحو ما كان يمشي، فليصل ما أدركه وليقض ما سبقه)].
أورد أبو داود حديث أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ كان يصلي بأصحابه فجاء رجل وقد حفزه النفس، أي: ثار نفُسُه بسبب إسراعه، فدعا بهذا الدعاء، حيث قال: [الحمد لله حمداً طيباً مباركاً فيه].
وقاله عند دخوله في الصلاة، فعندما كبر قال هذا الكلام.
فالنبي ﷺ بعدما سلم قال: [(أيكم المتكلم بالكلمات فإنه لم يقل بأساً)].
ومعناه أن هذا السؤال ليس فيه شيء يخشى منه على ذلك الرجل، وليس فيه ذم أو فيه عيب، فإنه لم يقل بأساً.
فأراد أن يبين عظيم شأن هذه الكلمات بعد أن يعرف الذي قالها، قلما قال الرجل: [أنا يا رسول الله]، قال: [(لقد رأيت اثني عشر ملكاً يبتدرونها أيهم يرفعها)].
أي: يرفعها إلى الله .
قوله: [وزاد حميد فيه: (إذا جاء أحدكم فليمش نحو ما كان يمشي، فليصل ما أدركه وليقض ما سبقه)].
حميد هو أحد الرواة الثلاثة عن أنس، زاد على ما في الحديث أن النبي ﷺ أمر المصلي بأن يمشي مثلما كان يمشي، أي: لا يسرع حتى يحبسه النفس إذا أسرع فيثور نفسه بسبب إسراعه، وإنما يمشي المشي الذي يعتاده، فليمش مثلما كان يمشي.
قوله: [(فليصل ما أدركه وليقض ما سبقه)].
أي: الذي أدركه يصليه مع الإمام، والذي سبق به فإنه يأتي به بعد فراغ الإمام من الصلاة، وهذه الكلمات التي قالها الرجل نوع من أنواع الاستفتاح.
стр. 2582
تراجم رجال إسناد حديث استفتاح الرجل الداخل إلى الصلاة وقد حفزه النفس
قوله: [حدثنا موسى بن إسماعيل].
هو موسى بن إسماعيل التبوذكي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[أخبرنا حماد].
هو حماد بن سلمة، ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.
[عن قتادة].
هو قتادة بن دعامة السدوسي البصري، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[وثابت].
هو ثابت بن أسلم البناني البصري، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[وحميد].
هو حميد بن أبي حميد الطويل، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أنس بن مالك].
هو خادم رسول الله ﷺ ، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ .
стр. 2583
شرح حديث تكبير النبي ﷺ في الصلاة وحمده وتسبيحه واستعاذته بالله تعالى من الشيطان
قال رحمه الله تعالى: [حدثنا عمرو بن مرزوق أخبرنا شعبة عن عمرو بن مرة عن عاصم العنزي عن ابن جبير بن مطعم عن أبيه: (أنه رأى رسول الله ﷺ يصلي صلاةً -قال عمرو: لا أدري أي صلاة هي- فقال: الله أكبر كبيرا، الله أكبر كبيرا، الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، والحمد لله كثيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا -ثلاثا-، أعوذ بالله من الشيطان من نفخه ونفثه وهمزه).
قال نفثه: الشعر، ونفخه: الكبر، وهمزه: الموتة].
أورد أبو داود ﵀ حديث جبير بن مطعم النوفلي ﵁ أن النبي ﷺ صلى صلاةً قال عنها عمرو بن مرة: [لا أدري أي صلاة هي].
يعني: لا أدري أي صلاة هي من الصلوات.
ثم ذكر ما ورد في الحديث من أذكار وتكرارها، والاستعاذة بالله تعالى من نفخ الشيطان ونفثه وهمزه، وفسر نفثه بالشعر ونفخه بالكبر، وهمزه بالموتة، وهي الجنون.
стр. 2584
تراجم رجال إسناد حديث تكبير النبي ﷺ في الصلاة وحمده وتسبيحه واستعاذته بالله تعالى من الشيطان
قوله: [حدثنا عمرو بن مرزوق].
عمرو بن مرزوق ثقة له أوهام، أخرج له البخاري وأبو داود.
[أخبرنا شعبة].
هو شعبة بن الحجاج الواسطي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عمرو بن مرة].
عمرو بن مرة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عاصم العنزي].
هو عاصم بن عمير العنزي، وهو مقبول، أخرج حديثه أبو داود وابن ماجة.
[عن ابن جبير بن مطعم].
هو نافع بن جبير بن مطعم، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبيه].
هو جبير بن مطعم ﵁، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
والحديث في إسناده عاصم العنزي، وهو مقبول.
стр. 2585
إسناد آخر لحديث تكبيره ﷺ في الصلاة وتراجم رجاله
قال رحمه الله تعالى: [حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن مسعر عن عمرو بن مرة عن رجل عن نافع بن جبير عن أبيه قال: (سمعت النبي ﷺ يقول في التطوع) ذكر نحوه].
أورد المصنف الحديث من طريق أخرى، وفيه ذكر هذا الدعاء أنه كان يقوله في التطوع.
قوله: [حدثنا مسدد].
هو مسدد بن مسرهد، ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي.
[حدثنا يحيى].
هو يحيى بن سعيد القطان، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن مسعر].
هو مسعر بن كدام، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عمرو بن مرة عن رجل عن نافع بن جبير].
الرجل هنا مبهم، وتقدم في الإسناد الذي قبل هذا أنه عاصم العنزي، وهو مقبول.
[عن نافع بن جبير عن أبيه].
قد مر ذكرهما.
стр. 2586
شرح سنن أبي داود [١٠١]
الصلاة عبادة عظيمة يقف فيها العبد بين يدي ربه خاشعاً ذليلاً، ولكي يخشع فيها وتسكن فيها جوارحه شرع له فيها جملة من الأحكام التي تحقق هذا الغرض، ومنها الاستفتاح بأدعية مخصوصة، وقد ورد ذلك عن النبي ﷺ بألفاظ مختلفة في صلاة الفريضة وفي صلاة الليل، فينبغي للمسلم أن يعلمها ليزداد من الله تعالى قرباً وتزيد صلاته خشوعاً.
стр. 2587
تابع ما يستفتح به الصلاة من الدعاء
стр. 2588
شرح حديث (بأي شيء كان يفتتح رسول الله ﷺ قيام الليل)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن رافع حدثنا زيد بن الحباب أخبرني معاوية بن صالح أخبرني أزهر بن سعيد الحرازي عن عاصم بن حميد قال: سألت عائشة ﵂: بأي شيء كان يفتتح رسول الله ﷺ قيام الليل؟ فقالت: (لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد قبلك، كان إذا قام كبر عشراً، وحمد الله عشراً، وسبح عشراً، وهلل عشراً، واستغفر عشراً، وقال: اللهم اغفر لي واهدني وارزقني وعافني، ويتعوذ من ضيق المقام يوم القيامة).
قال أبو داود: ورواه خالد بن معدان عن ربيعة الجرشي عن عائشة ﵂ نحوه].
هذه جملة من أدعية الاستفتاح التي أوردها أبو داود ﵀ تحت [باب ما يُستفتح به الصلاة من الدعاء] وأورد جملة من الأحاديث ذكر فيها أنواعاً من استفتاح الرسول ﷺ صلاته بها، ومنها حديث عائشة ﵂، وقد سألها عاصم بن حميد: [بأي شيء كان يفتتح رسول الله ﷺ قيامه في الليل؟] فقالت: [لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد قبلك].
ثم بينت له ما كان يستفتح به رسول الله ﷺ ، وقولها هذا له فيه تشجيع وثناء على مثل هذا السؤال، وأنه ينبغي الحرص على معرفة المسائل والأحكام الشرعية، وكذلك ما كان يفعله الرسول ﷺ من الأمور التي يغيبون عنها فلا يطلع عليها إلا أزواجه ﷺ ، كهذا السؤال الذي سأل عنه عاصم بن حميد وهو استفتاح قيام الليل بأي شيء يكون.
فكان هذا من عائشة ﵂ وأرضاها تشجيعاً وتأييداً لهذا السائل على مثل هذا السؤال، وحث له على أن يُعنى بمسائل العلم، وأيضاً فيه تنبيه على حصول الغفلة من بعض الناس حيث لم يحصل منهم السؤال عن مثل هذا الذي لا يطلع عليه إلا أزواج رسول الله ﷺ في بيته.
ثم إنها بينت أنه كان يستفتح قيام الليل بأن يكبر عشراً، ويسبح عشراً، ويهلل عشراً، ويحمد عشراً، ويستغفر عشراً، ثم يقول: [(اللهم اغفرلي واهدني وارزقني وعافني)].
قالت: [(ويتعوذ من ضيق المقام يوم القيامة)] وهو ما يحصل من الكرب ومن الشدة.
стр. 2589
تراجم رجال إسناد حديث (بأي شيء كان يفتتح رسول الله ﷺ قيام الليل)
قوله: [حدثنا محمد بن رافع].
هو محمد بن رافع النيسابوري القشيري، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة.
[حدثنا زيد بن الحباب].
زيد بن الحباب صدوق يخطئ في حديث الثوري، أخرج له البخاري في (جزء القراءة) ومسلم وأصحاب السنن.
[أخبرني معاوية بن صالح].
معاوية بن صالح صدوق له أوهام، أخرج حديثه البخاري في (جزء القراءة) ومسلم وأصحاب السنن.
[عن أزهر بن سعيد الحرازي].
أزهر بن سعيد الحرازي صدوق، أخرجه له البخاري في (الأدب المفرد) وأبو داود والنسائي وابن ماجة.
[عن عاصم بن حميد].
عاصم بن حميد صدوق، أخرج له أبو داود والترمذي في الشمائل والنسائي وابن ماجة.
[سألت عائشة].
هي عائشة أم المؤمنين ﵂ وأرضاها، الصديقة بنت الصديق، وهي من أوعية العلم وحفظته، لاسيما ما يتعلق بالأمور التي لا يطلع عليها إلا أمهات المؤمنين، ومن ذلك الإجابة على هذا السؤال الذي سئلت عنه، وهو المتعلق باستفتاح النبي ﷺ صلاته في الليل.
قوله: [قال أبو داود: ورواه خالد بن معدان عن ربيعة الجرشي عن عائشة نحوه].
خالد بن معدان ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
وربيعة الجرشي مختلف في صحبته، وثقه الدارقطني وغيره، أخرج له أصحاب السنن.
[عن عائشة].
عائشة ﵂ قد مر ذكرها.
стр. 2590
شرح حديث الاستفتاح بـ (اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل)
قال المصنف ﵀: [حدثنا ابن المثنى حدثنا عمر بن يونس حدثنا عكرمة حدثني يحيى بن أبي كثير حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قال: سألت عائشة ﵂: بأي شيء كان نبي الله ﷺ يفتتح صلاته إذا قام من الليل؟ قالت: (كان إذا قام من الليل يفتتح صلاته: اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك أنت تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم)].
أورد أبو داود حديث عائشة ﵂ وفيه صفة أخرى من صفات دعاء الاستفتاح الذي كان يدعو به ﷺ في صلاته عندما يقوم من الليل، وهو أنه ﷺ كان يقول: [(اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم)].
وهذا توسل إلى الله بربوبيته لجبريل وميكائيل وإسرافيل، وهم من أشراف الملائكة، وقيل: إنه ذكر هؤلاء الثلاثة وتوسل إلى الله بربوبيته لهم لأن جبريل موكل بالوحي الذي به حياة القلوب، وميكائيل موكل بالقطر الذي به حياة الأبدان، وإسرافيل موكل بالنفخ في الصور الذي به الحياة بعد الموت والبعث بعد الموت، ثم بعد ذكر ربوبيته لجبريل وميكائيل وإسرافيل أثنى على الله بما هو أهله فقال: [(فاطر السموات والأرض)].
يعني: فاطرهما وموجدهما.
وقوله: [(عالم الغيب والشهادة)] يعني: يعلم ما غاب وما خفي، ما كان علانيةً وما كان سراً وخفياً، كما قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر:١٩] ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه:٧].
قوله: [(أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون)].
يعني: أنت المرجع في الحكم، لا حكم إلا حكمك.
والله والله يقول: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى:١٠]، ويقول : ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء:٥٩].
ثم بعد ذلك وصل إلى الغاية وهي السؤال؛ لأن هذا كله تمهيد وكله توطئة وكله تقديم بين يدي السؤال، وهو قوله: [(اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم)] فما قبل هذا الدعاء وهذا الطلب من الله كله تمهيد وثناء على الله ، وذلك بين يدي هذا الدعاء الذي هو الهداية لما اختلف فيه من الحق، بأن يوفق للصواب، ويوفق للحق في الذي اختلف فيه.
стр. 2591
تراجم رجال إسناد حديث الاستفتاح بـ (اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل)
قوله: [حدثنا ابن المثنى].
هو محمد بن المثنى أبو موسى العنزي الملقب بـ الزمن، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة.
[حدثنا عمر بن يونس].
عمر بن يونس ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا عكرمة].
عكرمة بن عمار صدوق يغلط، وفي روايته عن يحيى بن أبي كثير اضطراب، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.
[حدثني يحيى بن أبي كثير].
هو يحيى بن أبي كثير اليمامي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن].
هو أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف المدني، ثقة فقيه، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وهو أحد فقهاء المدينة السبعة على أحد الأقوال الثلاثة في السابع منهم.
стр. 2592
إسناد آخر لحديث الاستفتاح بـ (اللهم رب جبريل) وتراجم رجاله
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن رافع حدثنا أبو نوح قراد حدثنا عكرمة بإسناده بلا إخبار ومعناه قال: (كان إذا قام بالليل كبر ويقول)].
أورد المصنف طريقاً أخرى لهذا الحديث المتقدم، وليس فيه ذكر المتن، وإنما هو بالمعنى.
قوله: [حدثنا محمد بن رافع].
محمد بن رافع مر ذكره.
[حدثنا أبو نوح قراد].
هو عبد الرحمن بن غزوان، أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي.
[حدثنا عكرمة].
هو عكرمة بن عمار الذي مر ذكره.
قوله: [بإسناده بلا إخبار ومعناه].
يعني أنه ما قال: أخبرني.
ومعنى (ومعناه) أي: بمعنى الحديث المتقدم.
أو أن المقصود بقوله: (ومعناه) معنى صيغة الأداء التي هي ليست إخباراً، فهو قال: (بلا إخبار) وما قال (أخبرني) ولكنه ذكر معنى روايته.
стр. 2593
إسناد رأي الإمام مالك رحمه الله تعالى في الدعاء في الصلاة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا القعنبي عن مالك قال: لا بأس بالدعاء في الصلاة في أوله وأوسطه وفي آخره، في الفريضة وغيرها].
أورد المصنف هنا أثراً عن مالك، وهو أنه قال: لا بأس بالدعاء في الصلاة في أوله وفي وسطه وفي آخره.
أي: أول الصلاة ووسطها وآخرها.
وهذا يفيد أنه يرى الدعاء في الاستفتاح، وقيل: إن المشهور عنه أنه يكبر ويتعوذ ويقرأ ولا يذكر دعاء الاستفتاح، ولكن هذا الأثر يدل على أنه يرى الدعاء؛ لأن الدعاء في أول الصلاة هو الاستفتاح.
ووسطها يراد به في السجود، وكذلك بين السجدتين، وآخرها هو قبل التشهد، فكل ذلك موطن للدعاء.
قوله: [في الفريضة وغيرها].
يعني أن الدعاء يكون في الفريضة والنافلة.
والدعاء في أول الصلاة لا يكون إلا بما ورد، وأما بالنسبة للسجود فالإنسان يسأل فيه ما يريد، وكذلك في آخر الصلاة يسأل ما يريد، وحرصه على ما هو مأثور أولى، وأما بالنسبة لأول الصلاة فليس فيه إلا المأثور، فيدعو بما هو مأثور، وفي السجود قال ﷺ : (وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء) ويمكن للإنسان أن ينص على حاجته وعلى مراده ويسمي مراده.
стр. 2594
تراجم رجال إسناد رأي الإمام مالك في الدعاء في الصلاة
قوله: [حدثنا القعنبي].
هو عبد الله بن مسلمة بن قعنب القعنبي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة.
[عن مالك].
هو مالك بن أنس إمام دار الهجرة، الإمام الفقيه المحدث المشهور، أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
стр. 2595
شرح حديث (كنا يوماً نصلي وراء رسول الله قال رجل وراء رسول الله: اللهم ربنا ولك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا القعنبي عن مالك عن نعيم بن عبد الله المجمر عن علي بن يحيى الزرقي عن أبيه عن رفاعة بن رافع الزرقي ﵁ قال: (كنا يوما نصلي وراء رسول الله ﷺ ، فلما رفع رسول الله ﷺ رأسه من الركوع قال: سمع الله لمن حمده.
قال رجل وراء رسول الله ﷺ : اللهم ربنا ولك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه.
فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وآله سلم قال: من المتكلم بها آنفا؟ فقال الرجل: أنا يا رسول الله.
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله سلم: لقد رأيت بضعة وثلاثين ملكا يبتدرونها أيهم يكتبها أول)].
أورد أبو داود حديث رفاعة بن رافع الزرقي رضي الله تعالى عنه أنه صلى وراء رسول الله ﷺ ، فلما رفع رأسه من الركوع إذا برجل يقول: [(اللهم ربنا ولك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه)].
فالنبي ﷺ قال: [(من المتكلم بها آنفاً؟ فقال الرجل: أنا يا رسول الله.
فقال: لقد رأيت بضعة وثلاثين ملكاً يبتدرونها أيهم يكتبها أول)].
وهذا فيه بيان عظم شأن هذه الكلمة وهذا الثناء وهذا التعظيم لله .
ولا علاقة له بدعاء الاستفتاح في هذا الباب، ولكن لعله ذكره لأنه جاء مثله في دعاء الاستفتاح في قصة ذلك الرجل الذي حفزه النفس، وذلك في دعاء الاستفتاح، وهذا الكلام من جنسه، ولكنه ليس في الاستفتاح، وإنما هو بعد الركوع.
следующие страницы →