Полный текст (18 341 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
يكفي المرء السنن مع القرآن في معرفة الأحكام
قال ﵀: [ولا أعلم شيئاً بعد القرآن ألزم للناس أن يتعلموه من هذا الكتاب].
وهذا يبين أيضاً عظيم منزلته عنده، وأن على الناس أن يحرصوا على هذا الكتاب، وأن يستفيدوا منه، لأنه مشتمل على الأحكام.
قال: [ولا يضر رجلاً ألا يكتب من العلم بعدما يكتب هذه الكتب شيئاً، وإذا نظر فيه وتدبره وتفهمه حينئذ يعلم مقداره].
يعني: أن الإنسان إذا اشتغل به واستوعبه فلا يضره ألا يشتغل بغيره لاستيعابه! ثم قال: (وإذا نظر فيه وتدبره وتفهمه حينئذ يعلم مقداره).
يعني: إذا أردت أن تتحقق فاقرأ الكتاب وقف عليه وتدبره وتأمله لتعرف مقداره، وكما يقولون: التجربة أكبر برهان.
стр. 37
في السنن أدلة المسائل التي تكلم فيها أئمة الفقه
قال ﵀: [وأما هذه المسائل مسائل الثوري ومالك والشافعي فهذه الأحاديث أصولها].
يعني هذه أدلة المسائل التي تكلم بها هؤلاء العلماء.
стр. 38
حث أبي داود للناس على معرفة آراء الصحابة
قال ﵀: [ويعجبني أن يكتب الرجل مع هذه الكتب من رأي أصحاب النبي ﷺ ].
بعدما ذكر قيمة هذا الكتاب، وأحياناً يقول: (الكتب)، ويعني بذلك: الكتب التي اشتمل عليها الكتاب؛ لأن كتابه اشتمل على خمسة وثلاثين كتاباً، فإذا جاء ذكر الكتب في بعض الأحيان فمعناه الكتب التي في داخل الكتاب، وهي كتاب الطهارة، كتاب الصلاة، كتاب الزكاة وهكذا؛ لأنه مبني على كتب، والكتب يندرج تحتها أبواباً كثيرة.
وهو هنا يقول: إنه مع هذه العناية بحديث رسول الله ﷺ ، واستيعاب هذا الكتاب وشموله لأحاديث الرسول ﷺ ، يعجبني أيضاً أن يطلع الرجل على آراء أصحاب رسول الله ﷺ وعلى أقوالهم، ولهذا فإن العلم الشرعي عند العلماء هو قال الله وقال رسوله وقال الصحابة، لأن الصحابة ﵃ هم خير الناس، وهم أعلم الناس، وهم أعلم من غيرهم وأدرى؛ لأنهم الذين شاهدوا التنزيل، وعرفوا معاني النصوص وتلقوها من رسول الله ﷺ ، وهم أعلم من غيرهم وأدرى من غيرهم.
ولهذا يقول ابن القيم رحمة الله عليه في النونية: العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة هم أولو العرفان فبعدما ذكر كلام الرسول ﷺ في كتابه، أرشد إلى أنه ينبغي أن يحرص على كلام الصحابة، وأن يعتنى بكلامهم ويرجع إليه.
وهذا فيه الإشارة إلى منزلة الصحابة ﵃ وأرضاهم، ومنزلة كلامهم تابعة لمنزلتهم ﵃ وأرضاهم.
قال ﵀: [ويكتب أيضاً مثل جامع سفيان الثوري، فإنه أحسن ما وضع الناس في الجوامع].
وهذا فيه أيضاً الإرشاد إلى جامع الثوري والعناية به.
стр. 39
شهرة أحاديث سنن أبي داود
قال ﵀: [والأحاديث التي وضعتها في كتاب السنن أكثرها مشاهير، وهي عند كل من كتب شيئاً من الحديث، إلا أن تمييزها لا يقدر عليه كل الناس].
ثم ذكر أن الأحاديث التي في كتابه أحاديث مشهورة عند أهل العلم، وليست غريبة لا يقف عليها أحد، ولا يعني هذا أن الغريب لا يعول عليه، فإن من الغريب -وهو ما جاء من طريق واحد- ما هو حجة عند العلماء، وهو موجود في الصحيحين وفي غير الصحيحين، ومن ذلك أول حديث في صحيح البخاري، وكذلك آخر حديث فيه.
ففاتحة كتاب البخاري وخامته حديثان غريبان ما جاء كل واحد إلا من طريق واحد، لكنهم ثقات يعول على تفردهم، فأوله حديث إنما الأعمال بالنيات، وهو حجة عند العلماء، وأصل من الأصول في الدين، ولهذا يقول بعض العلماء: الأحاديث التي يدور عليها الدين أربعة، ومنها: (إنما الأعمال بالنيات)؛ لأن ما يتعلق بالقلوب والنيات يدل عليه هذا الحديث: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرأ ما نوى).
وآخر حديث في صحيح البخاري حديث أبي هريرة: (كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم) فهذا حديث غريب ما جاء إلا من طريق أبي هريرة يرويه عنه أبو زرعة بن جرير ويرويه عنه آخر وهكذا، وهو مشهور من حيث الثبوت، لكن ليس له طرق كثيرة.
والعلماء يقولون: إن الآحاد تنقسم إلى: مشهور وعزيز وغريب.
فالمشهور: ما جاء من أكثر من طريقين ولم يبلغ حد التواتر.
والعزيز: ما جاء من طريقين.
والغريب: ما جاء من طريق واحد.
стр. 40
شرح سنن أبي داود [٠٠٣]
جمع أبو داود رحمه الله تعالى في سننه أحاديث مشتهرة عند أهل الحديث، وجانب الغريب منها، ولم يلجأ إلى المراسيل إلا إذا لم يجد في الصحاح ما يغني عنها.
стр. 41
تابع رسالة أبي داود إلى أهل مكة لبيان منهجه في السنن
стр. 42
شهرة أحاديث سنن أبي داود
قال الإمام أبو داود رحمه الله تعالى: [والأحاديث التي وضعتها في كتابي السنن أكثرها مشاهير، وهي عند كل من كتب شيئاً من الحديث، إلا أن تمييزها لا يقدر عليه كل الناس، والفخر بها أنها مشاهير، فإنه لا يحتج بحديث غريب ولو كان من رواية مالك ويحيى بن سعيد والثقات من أئمة العلم].
تقدم ذكر جملة مما اشتملت عليه رسالة أبي داود ﵀ التي فيها وصفه لكتابه السنن، ثم قال: [إن الأحاديث التي في سننه مشاهير عند الناس، والمشهور في اصطلاح المحدثين أنه ما روي من أكثر من طريقين ولم يصل إلى حد التواتر، والعزيز: ما روي من طريقين، والغريب: ما جاء من طريق واحد].
والإمام أبو داود ﵀ يقول: إن الأحاديث أكثرها مشاهير، وإنها عند الناس الذين ألفوا في الحديث، وكون الحديث تتعدد موارده ويوجد عند المحدثين بطرق مختلفة؛ فإن يدل على شهرته، وعلى تعدد المخارج له، وإذا كانت تلك الطرق فيها ضعف يسير يمكن أن يجبر بعضها ببعض، وأن يعضد بعضها بعضاً.
стр. 43
قبول الحديث الغريب إذا كان الراوي ممن يحتمل تفرده
الحديث الغريب: هو الذي جاء من طريق واحد، ولكن الغريب منه ما هو مقبول، وذلك فيما إذا كان تفرد صاحبه يحتمل، وبعض الأحاديث في الصحيحين وفي غير الصحيحين جاءت من طريق واحد وهي معتبرة عند العلماء ولا يتكلم في ردها أحد، ومنها أول حديث في صحيح البخاري، وهو حديث عمر بن الخطاب ﵁: (إنما الأعمال بالنيات).
فإنه ما رواه عمر ﵁، ورواه عن عمر: علقمة بن وقاص الليثي، ورواه عن علقمة: محمد بن إبراهيم التيمي، ورواه عن محمد بن إبراهيم التيمي: يحيى بن سعيد الأنصاري، ثم كثر رواته عن يحيى بن سعيد، واتسع.
وقد اعتبره العلماء.
كذلك الحديث الذي ختم به البخاري صحيحه، وهو حديث أبي هريرة: (كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم).
فإنه ما جاء إلا من طريق أبي هريرة، ثم يرويه عن أبي هريرة أبو زرعة ابن جرير ويرويه عنه واحد بعد واحد، ثم بعد ذلك تتعدد رواته وطرقه، وهو حديث غريب.
فأول وآخر حديث في صحيح البخاري حديث غريب ولكن رجالها ثقات، ويحتج بتفرد الواحد منهم، فهي حجة عند العلماء.
стр. 44
رد الحديث الغريب إذا كان في رواته من لا يحتمل تفرده أو كان شاذاً
إذا كان الحديث الغريب في رجاله من لا يحتمل تفرده فإنه لا يفيد شيئاً، وكذلك إذا جاء شاذاً، وذلك بأن يأتي من طريق واحدة مخالفة للطرق الأخرى الصحيحة، فهو صحيح لولم يخالف، لكن الإشكال جاءه من المخالفة للثقات حيث لا يمكن الجمع، ولا يمكن النسخ، ولا يمكن الترجيح.
أما إذا أمكن أن يجمع بين الأحاديث، وأن يحمل هذا على شيء وهذا على شيء، فإعمال النصوص أولى من إهمال شيء منها، ولكن إذا لم يمكن إلا أن يرجح بعضها على بعض؛ لأن الراوي روى شيئاً خالف فيه الثقات فيصار إلى الترجيح، وذلك مثل الحديث الذي في صحيح مسلم في قصة صلاة الكسوف: أن الرسول ﷺ صلاها بثلاث ركوعات.
جاء عن الثقات عند البخاري وغيره: أنها ركعتان في كل ركعة ركوعان وسجودان وليس فيها أكثر من سجودين؛ لكن جاء في بعض الروايات في مسلم ثلاثة ركوعات، والقصة واحدة كلها تتحدث عن موت إبراهيم وصلاة الرسول ﷺ يوم مات إبراهيم صلاة الكسوف، فلا يمكن أن يجمع بينها ولا يقال بالنسخ لأن القصة واحدة، ولم يبق إلا الترجيح، وهو أن ترجح رواية الثقات على رواية الثقة الذي خالف الثقات.
ولهذا عندما يعرفون الحديث الصحيح، يقولون: ما روي بنقل عدد تام الضبط، متصل السند، غير معلل شاذ.
فليس مجرد ثقة الرجال واتصال الإسناد كافياً، بل لابد مع ذلك أن يسلم من الشذوذ والعلة، والشذوذ هو مخالفة الثقة للثقات.
بعض العلماء قال: من شرط الصحيح: أن يكون له طريقان فأكثر.
ولكن هذا رده أكثر العلماء وأنكروه على من قاله؛ لوجود أحاديث معتبرة وصحيحة جاءت من طريق واحد.
يقول أبو داود ﵀: [الأحاديث التي وضعتها في كتاب السنن أكثرها مشاهير، وهي عند كل من كتب شيئاً من الحديث إلا أن تمييزها لا يقدر عليه كل الناس].
أي: أن معرفة الحديث المشهور والحديث الغريب لا يتأتى إلا بجمع الطرق، وأما مجرد أن يقف الإنسان على حديث ولا يفتش عن الشواهد والمتابعات؛ فإن هذا لا يميزه كل أحد ولا يقدر عليه كل أحد، ولا يستطيع أن يحكم على غرابته إلا من عنده اطلاع واستيعاب.
стр. 45
مذهب أبي داود في الحديث الغريب
قال: [والفخر بها أنها مشاهير، فإنه لا يحتج بحديث غريب ولو كان من رواية مالك ويحيى بن سعيد والثقات من أئمة العلم].
يعني: أن الإنسان يفتخر بهذا، ويطمئن إلى سلامتها وإلى تعدد طرقها ومصادرها وكونها مشهورة.
أما قوله: (فإنه لا يحتج بالغريب ولو كان من طريق مالك أو يحيى بن سعيد) فلا أدري ما يقصده بقوله بهذا، وهل يرى أن التفرد لا يعتبر ولو كان رجاله ثقات، أو أنه إذا كان من طريقهم ولكن روى عنهم من لا يحتمل تفرده؟ فإذا كان الأمر كذلك فوجود بعض الثقات في الإسناد لا ينفع إذا وجد فيه شخص ضعيف ولم تأت طرق أخرى تقويه وتؤيده، أما إذا كانوا كلهم ثقات وليس فيهم من لا يحتمل تفرده، فإن حديثهم معتبر ومعول عليه، والصحيحان قد اشتملا على ذلك، والعلماء اعتبروا تلك الأحاديث التي جاءت من مثل هذه الطرق صحيحة وثابتة.
قال: [ولو احتج رجل بحديث غريب ودس من يطعن فيه].
أي: بكونه ما جاء إلا من طريق واحد، وليس معروفاً عند الناس كلهم، يعني: أن هناك مجالاً للطعن؛ لكن ليس كل حديث غريب يكون فيه مجال كما أسلفت.
قال ﵀: [ولا يحتج بالحديث الذي قد احتج به إذا كان الحديث غريباً شاذاً].
هنا إضافة الشذوذ إلى الغرابة، لكن الشذوذ إذا كان سببه الغرابة فلا إشكال في الحديث؛ لأن مخالفة الثقة للثقات إنما ترد بها رواية الثقة حيث لا يمكن الجمع بين رواية الثقات ولا معرفة الناسخ والمنسوخ.
فإذا كانت القضية ليس فيها إلا الترجيح؛ فإن الحديث يكون شاذاً ولو كان إسناده صحيحاً، ولا يعول على ذلك الشاذ بل يعول على المحفوظ الذي هو في مقابلة الشاذ.
قال: [فأما الحديث المشهور المتصل الصحيح فليس يقدر أن يرده عليك أحد].
الحديث المشهور التي تعددت مخارجه، وهو متصل لا انقطاع فيه، ليس يقدر أحد على أن يرده.
ولعل هذا يوضح أن مراد أبي داود فيما تقدم من ذكر يحيى بن سعيد ومالك وروايتهم الحديث الغريب: أنه إذا كان في الإسناد من يقدح فيه من أجله، أما حيث يوجد الإسناد المتصل المشهور الذي تعددت مصادره ومخارجه فليس يقدر أحد أن يرده.
стр. 46
كراهة بعض العلماء للحديث الغريب
قال ﵀: [وقال إبراهيم النخعي: كانوا يكرهون الغريب من الحديث].
(كانوا) أي: العلماء (يكرهون الغريب من الحديث)، يعني: الذي لا يعرف إلا من طريق واحد، ويفضلون الذي جاء من طرق متعددة؛ لأن الحديث إذا تعددت طرقه كان ذلك أقرب إلى سلامته من أن يكون فيه وهن أو خطأ.
الملقي: [وقال يزيد بن أبي حبيب: إذا سمعت الحديث فانشده كما تنشد الضالة؛ فإن عرف وإلا فدعه].
معناه: أن الإنسان يبحث عنه ويذكره، ويبحث عن شيء يساعده ويؤيده.
стр. 47
الإرسال والتدليس في سنن أبي داود
قال ﵀: [وإن من الأحاديث في كتابي السنن ما ليس بمتصل وهو مرسل ومدلس، وهو إذا لم توجد الصحاح عند عامة أهل الحديث على معنى أنه متصل، وهو مثل الحسن عن جابر، والحسن عن أبي هريرة، والحسن عن مقسم، وسماع الحكم من مقسم أربعة أحاديث].
стр. 48
الفرق بين المرسل والمدلس
ذكر أبو داود ﵀ بأن كتابه مشتمل على المرسل والمدلس، وقد سبق ذكر أن المرسل عند العلماء يطلق إطلاقين: إطلاقاً خاصاً وإطلاقاً عاماً.
والإطلاق الخاص: هو قول التابعي قال رسول الله ﷺ كذا، وهذا هو المشهور عند المحدثين.
ويطلق إطلاقاً أعم منه: وهو رواية الراوي عن شخص لم يدرك عصره، أو أدرك عصره ولم يسمع منه.
وروايته عمن لم يدرك عصره يسمونه المرسل الجلي لأنه واضح، فإن كان عاصر ذلك الشخص الذي أضاف إليه الحديث ولكنه لم يلقه؛ فإن هذا يسمونه المرسل الخفي؛ لأنه لا يتفطن له، إذ مع المعاصرة يظن اللقاء.
والمدلس: هو رواية التلميذ عن شيخه ما لم يسمعه منه بلفظ موهم للسماع كعن أو قال، والرواية بهذه الطريقة تسمى تدليساً؛ لأن فيها إيهاماً بالاتصال، والواقع أنه لا اتصال.
ولهذا يقولون في الحديث إذا جاء من طريق فيها صيغة تحتمل التدليس كـ: (عن أو قال): يرتفع التدليس إذا صرح التلميذ عن شيخه بالتحديث في موضع آخر بأن قال: حدثني، أو قال: أخبرني، أو قال: سمعت فلاناً.
والمدلس يذكره بعض المحدثين في أسانيدهم حيث لا يوجد غيره، وقد يصل إلى شخص بإسناد فيه تدليس، ثم يصل إلى شخص آخر بإسناد عند محدث آخر فيه التصريح بالسماع أو التحديث، وعند ذلك لا يضر التدليس في بعض الطرق؛ لأنه لزوال الاحتمال بوجوده من طريق آخر.
стр. 49
تقوي المرسل والمدلس بغيره
قال ﵀: [وإن من الأحاديث في كتابي السنن ما ليس بمتصل وهو مرسل ومدلس وهو إذا لم توجد الصحاح عند عامة أهل الحديث].
ما ليس بمتصل هو المرسل والمدلس؛ لأن المدلس على حسب الظاهر ليس بمتصل؛ لأن الراوي إذا كان معروفاً بالتدليس فمعناه: أنه يمكن أن تكون هناك واسطة، والمرسل فيه سقوط إن كان في أعلى الإسناد، وهو المشهور عند المحدثين، أنه قول التابعي قال رسول الله ﷺ كذا.
وهذا فيه سقوط بلا شك؛ لأن التابعي ما أدرك الرسول ﷺ ، والساقط يحتمل أن يكون صحابياً ويحتمل أن يكون تابعياً كما تقدم.
فالمدلس والمرسل يذكرهما العلماء لأنه يمكن أن يتقوى بعضهما ببعض، فيمكن أن يتقوى المرسل بالمرسل، والمدلس بالمدلس، والمدلس بالمرسل؛ ما دام أنها في موضوع واحد وتعددت الطرق، فإن الأحاديث التي يتوقف فيها إذا انضم بعضها إلى بعض جبر بعضها بعضاً، وانتقل إلى أن يكون من قبيل الحسن لغيره.
قوله: (وهو إذا لم توجد الصحاح عند عامة أهل العلم على معنى أنه متصل).
يعني: أن المدلس أو المرسل يذكره هو ويذكره غيره عندما لا يوجد غيره من الأحاديث المتصلة الصحيحة؛ لأن هذا هو الذي وجد، مثلما قال فيما مضى بالنسبة للمنكر.
стр. 50
أمثلة للحديث المدلس
قوله: (وهو مثل الحسن عن جابر) لأن الحسن البصري ﵀ معروف بالتدليس.
كـ الحسن عن جابر بن عبد الله ﵁.
وكذلك الحسن عن أبي هريرة.
قوله: والحكم عن مقسم)، هو الحكم بن عتيبة.
قوله: (وسماع الحكم من مقسم أربعة أحاديث) يعني: أن الأحاديث التي وقع فيها السماع أربعة، والبقية مدلسة، وهذا مثلما قالوا في سماع الحسن من سمرة، فمنهم من تكلم فيه مطلقاً، ومنهم من اعتبره مطلقاً، ومنهم من فصل وقال: إن حديث العقيقة ثابت لأنه جاء ما يدل على سماعه من سمرة، وغيره يكون من قبيل المدلس.
وهنا قال: إن سماع الحكم من مقسم أربعة أحاديث.
قال ﵀: [وأما أبو إسحاق عن الحارث عن علي فلم يسمع أبو إسحاق من الحارث إلا أربعة أحاديث ليس فيها مسند واحد].
وأبو إسحاق مدلس، فإذا جاء غير هذه الأربعة باللفظ الذي فيه العنعنة فإنه يعتبر من قبيل المدلس.
قوله: (ليس فيها مسند واحد) يعني ليس منها حديث مسند متصل، بل تلك الأحاديث الأربعة التي سمعها والتي لا تدليس فيها ليس فيها شيء مسند.
قال ﵀: [وأما ما في كتاب السنن من هذا النحو فقليل، ولعله ليس للحارث الأعور في كتاب السنن إلا حديث واحد، فإنما كتبته بآخرة].
يقول: وهذا الذي ذكره وفي السنن وأشار إليه فهو قليل، قال: ولعله ليس للحارث الأعور في كتابه إلا حديث واحد كتبه بآخرة، ومعناه: أنه ليس شيء من هذا عندي، والذي عندي للحارث هو حديث واحد كتبته مؤخراً.
стр. 51
توقف أبي داود عن ذكر بعض الأحاديث
قال ﵀: [وربما كان في الحديث ما تثبت صحة الحديث منه إذا كان يخفى علي، فربما تركت الحديث إذا لم أفقهه، وربما كتبته وبينته، وربما لم أقف عليه، وربما أتوقف عن مثل هذه لأنه ضرر على العامة أن يكشف لهم كل ما كان من هذا الباب فيما مضى من عيوب الحديث؛ لأن علم العامة يقصر عن مثل هذا].
قوله: (وربما كان في الحديث ما تثبت صحة الحديث منه إذا كان يخفى علي).
هذه العبارة غير واضحة؛ لأن الحديث يمكن أن يكون فيه ما يدل على صحته ويقويه من حيث الرواية، أو من حيث الراوي، أو من حيث التقديم والتأخير، لكن قوله: (إذا كان يخفى ذلك علي) فيه غموض.
وقوله: (وربما تركت الحديث)، يعني: فلا يذكره إذا لم يفقهه، وهذا يدل على أنهم يعنون بالفقه، وأنهم يفقهون ويفهمون الأحاديث ويعرفون معانيها، وأنهم لا يثبتونها وهي موهمة أو خفية أو لا يتضح معناها، فإنهم يصيرون إلى الواضح ويتركون الشيء الذي فيه الخفاء.
قوله: (وربما كتبته وبينته وربما لم أقف عليه)، أشار به إلى هذا الذي حصل له؛ لكن قوله: (وربما لم أقف عليه) لا أدري ما معنى: (لم أقف عليه)، وهل معناه: لم أقف على شيء يوضحه، أو أنه ما وقف على الحديث؟ وقوله: (وربما أتوقف عن مثل هذه؛ لأنه ضرر على العامة أن يكشف لهم كل ما كان من هذا الباب فيما مضى من عيوب الحديث؛ لأن علم العامة يقصر عن مثل هذا) معناه: أنه ربما يتوقف عن ذكر كل شيء فيه إشكال؛ لأنه قد يؤثر على الذين لا يفقهون ولا يفهمون، ولا يعرفون عيوب الحديث.
ومن الأشياء التي كانوا يتركونها لأن فيها إشكالاً على الناس: أنهم لا يحدثون بكل حديث في كل مناسبة وفي كل مجال؛ لأن بعض العامة يقصر فهمهم عن مثل ذلك، مثلما جاء في حديث معاذ بن جبل ﵁ الذي فيه: (يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد وحق العباد على الله؟) ثم بين له ذلك فقال معاذ ﵁: (أفلا أبشر الناس يا رسول الله؟ قال: لا تبشرهم فيتكلوا)؛ لأن بعض الناس إذا حدث بحديث فيه ترغيب بشيء، أو فيه ذكر سعة جود الله وفضله وإحسانه قد يجره ذلك إلى التساهل، فلا يحدث بالأحاديث في كل مكان أو كل مجال إذا كان يترتب على ذلك ضرر.
ولهذا ما حدث به معاذ ﵁ إلا عند موته تأثماً، يعني: خشية أن يلحقه إثم إذا لم يحدث بحديث سمعه من رسول الله ﷺ .
ولهذا ذكر قول الرسول ﷺ : (لا تبشرهم فيتكلوا).
وكذلك ما جاء في بعض الأحاديث: أن الرسول ﷺ ذهب إلى حائط وافتقده أصحابه وخشوا أن يكون حصل له مكروه، فذهبوا يبحثون عنه، وكان الذي سبق إليه أبو هريرة ﵁، فلقيه وأخبره أن الناس انزعجوا، وأنهم لا يعرفون ماذا حصل له، فأمره بأن يرجع وأن يبشر من لقي بالجنة، فلقيه عمر وطعن في صدره، وقال: اسكت، فرجع إلى رسول الله ﷺ وأخبره وقال ل عمر: لماذا فعلت هكذا؟ قال: خلهم يعملون، فقال الرسول: خلهم.
لأن بعض الناس يعتمد على الأحاديث التي فيها ترغيب، وهذا هو الذي بنى عليه المرجئة عقيدتهم الفاسدة حيث قالوا: (لا يضر مع الإيمان ذنب، كما لا ينفع مع الكفر طاعة)، فعولوا على أحاديث الوعد وأغفلوا أحاديث الوعيد، وعكسهم الخوارج الذين عولوا على أحاديث الوعيد وأغفلوا أحاديث الوعد، وأهل السنة والجماعة أعملوا أحاديث الوعد وأحاديث الوعيد، فأخذوا بهذا وبهذا.
فهم لا يعولون على أحاديث الوعد ويقعون في المعاصي، ولا يغفلون أحاديث الوعد ويعتبرون من أتى كبيرة أنه كفر أو ارتد أو خرج من الإسلام، بل يعتبرون من حصل له ذلك مؤمناً بإيمانه فاسقاً بكبيرته، ولا يعطونه الإيمان المطلق ولا يسلبونه مطلق الإيمان، فهم متوسطون بين طرفي الإفراط والتفريط.
ومن الأشياء التي كانوا لا يحدثون بها ما لا يفهمه السامع أو لا يعقله، وقد جاء: (حدثوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله؟!) فكون الإنسان يُحدَّث بشيء لا يعقله ولا يطيقه فهمه قد يترتب عليه مضرة.
стр. 52
عدد كتب وأحاديث سنن أبي داود
قال ﵀: [وعدد كتب هذه السنن ثمانية عشر جزءاً مع المراسيل، منها جزء واحد مراسيل].
أي: وعدد الكتب التي اشتمل عليها كتابه ثمانية عشر جزءاً، جزء منها يعتبر مراسيل، يعني: أجزاء حديثية.
قال ﵀: [وما روي عن النبي ﷺ من المراسيل منها ما لا يصح، ومنها ما هو مسند عن غيره وهو متصل صحيح].
والمراسيل منها ما لا يصح لأنه ما جاء إلا من طريق وعر، ومنها ما هو مستند على غير هذا المرسل وهو متصل صحيح، والمعنى أنه مرسل من طريق ولكن يأتي طريق آخر يكون فيها متصلاًً.
قال ﵀: [ولعل عدد الذي في كتابي من الأحاديث قدر أربعة آلاف وثمانمائة حديث، ونحو ستمائة حديث من المراسيل].
والمراسيل كما هو معلوم: كتاب مستقل لـ أبي داود جمع فيه المراسيل.
قال ﵀: [فمن أحب أن يميز هذه الأحاديث مع الألفاظ فربما يجيء حديث من طريق وهو عند العامة من طريق الأئمة الذين هم مشهورون، غير أنه ربما طلبت اللفظة التي تكون لها معان كثيرة، وممن عرفت نقل من جميع هذه الكتب].
هذه العبارة فيها خفاء.
قال: [وربما يجيء الإسناد فيعلم من حديث غيره أنه غير متصل، ولا يتبينه السامع إلا بأن يعلم الأحاديث وتكون له فيه معرفة فيقف عليه، مثلما يروى عن جريج قال: أخبرت عن الزهري، ويرويه البرساني عن ابن جريج عن الزهري، فالذي يسمع يظن أنه متصل ولا يصح بتة، فإنما تركناه لذلك، هذا لأن أصل الحديث غير متصل ولا يصح، وهو حديث معلول، ومثل هذا كثير].
يعني: أن من الأحاديث ما يأتي من طريق غير متصل، ثم يجيء من طريق أخرى وفيه ما يفيد أو ما يحتمل الاتصال فيظن أنه متصل.
ثم ضرب لذلك مثلاً وهو أن ابن جريج قال: أخبرت عن الزهري.
فكلمة (أخبرت عن الزهري) واضحة بأن فيها انقطاعاً، وأن بينه وبين الزهري واسطة ولم يذكر المخبر، وقد جاء الحديث من طريق البرساني عن ابن جريج عن الزهري هكذا.
فالذي يطلع على هذا الإسناد الذي فيه: عن فلان عن فلان، يظن أنه متصل، وهذا لا يفيد شيئاً لأنه ما دام الراوي مدلساً روى بالعنعنة فهو غير متصل؛ لكن عبارة: أخبرت عن الزهري واضحة في أنه لا اتصال، وأن هذا محتمل لأنه مدلس.
فمن لا يعرف الحديث قد يجد الإسناد من طريق البرساني عن ابن جريج عن الزهري فيظن أنه متصل، وذلك لا يصح لأنه مدلس.
قال ﵀: [والذي لا يعلم يقول: قد ترك حديثاً صحيحاً من هذا وجاء بحديث معلول].
والذي لا يعرف الحديث إذا وجد هذا الذي فيه (أخبرت عن الزهري) والانقطاع فيه واضح ويجد المؤلف لم يذكر الحديث أنه متصل؛ الذي لا يعرف الحديث يظن أنه متصل ولا يعلم أن وجود هذا الإسناد الثاني كعدمه لأنه مدلس، والمدلس كما هو معلوم محتمل الاتصال ومحتمل الانقطاع، محتمل الواسطة ومحتمل عدم الواسطة.
стр. 53
تصنيف سنن أبي داود على الأحكام
قال ﵀: [وإنما لم أصنف في كتابي السنن إلا الأحكام، ولم أصنف كتب الزهد وفضائل الأعمال وغيرها].
أخبر أبو داود رحمة الله عليه بأن كتابه اعتنى بأحاديث الأحكام، ولم يجعل فيه شيئاً من الزهد والفضائل، وإنما أراد أن يكون كتاب أحكام.
وله في الزهد كتاب مستقل ومؤلفات أخرى، ولكنه أراد أن يكون هذا الكتاب كتاب أحكام، ولهذا يعتبر كتاب أبي داود رحمة الله عليه من الأصول التي يعول عليها في الأحكام، بخلاف بعض العلماء الذين يدخلون في مؤلفاتهم الزهد والرقائق وما إلى ذلك، فهو يقول: إنه ما أراد أن يكون كتابه في الزهد والفضائل، وإنما أراد أن تكون عنايته بالأحكام التي يعول عليها الناس في عباداتهم ومعاملاتهم، وكذلك في عقائدهم؛ لأنه ذكر في كتابه كتاب السنة الذي اشتمل على أحاديث كثيرة كلها في العقيدة.
قال ﵀: [فهذه الأربعة الآلاف والثمانمائة كلها في الأحكام، فأما أحاديث كثيرة في الزهد والفضائل وغيرها من غيرها من غير هذا لم أخرجه، والسلام عليكم ورحمة والله وبركاته، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم تسليماً، وحسبنا الله ونعم الوكيل].
هذا هو آخر رسالته التي وصف فيها سننه، ولاشك أنها مشتملة على أمور كثيرة، كما قلت سابقاً: صاحب البيت أدرى بما فيه، فالمؤلف إذا بين خطته ومنهجه وطريقته فهو أدرى وأخبر.
وبعض المؤلفين لا يوجد عنده شيء يوضح منهجه وطريقته، ولهذا يحتاج العلماء إلى أن يبحثوا عن شيء يكشف المنهج والطريقة، مثلما حصل للبخاري رحمة الله عليه في صحيحه فإنه ما ذكر منهجه؛ ولكن العلماء استخلصوا منهجه وطريقته بالاستقراء والتتبع كما فعل الحافظ ابن حجر في فتح الباري، حيث ذكر جملة كبيرة من الأمور التي توصل إليها بالاستقراء والتتبع من منهج البخاري وطريقته في إخراجه للأحاديث التي أوردها في كتابه الجامع الصحيح، وبهذا انتهت تلك الرسالة.
стр. 54
شروح سنن أبي داود
قبل أن نبدأ بالسنن أحب أن أذكر بعض الكتب التي صنفها العلماء حول هذا الكتاب.
فالكتاب قد اختصر وشرح، ومن اختصاره تهذيب الحافظ المنذري له، فإنه هذبه وحذف أسانيده، وبعد إيراد الحديث يذكر من خرجه من أصحاب الكتب الأخرى، فكتاب المنذري رحمة الله عليه تهذيب السنن هو اختصار لسنن أبي داود، وفيه مع الاختصار الإشارة إلى التخريج في بقية الكتب الخمسة من الكتب الستة.
وللعلامة ابن القيم تعليقات على مختصر المنذري في بعض الأحاديث وليس كلها، ولكنه أثنى عليه ثناء عظيماً، وقال: إنه قد أحسن في تهذيبه حتى لم يدع للإحسان موضعاً، أي ما ترك مجالاً؛ لأنه في انتقائه واختصاره وعنايته أحسن إحساناً عظيماً وقام بعمل جليل.
وله حاشية عليه فيها شرح لبعض الأحاديث، يطيل في بعض الأحيان حتى يكون كلامه على الحديث بمثابة جزء، فإنه يقوم باستيعاب وبيان الفقه والأحكام وأقوال العلماء، ويتوسع في بعض المواضع، وفي بعضها يختصر، وكثير منها لا يعلق عليها شيئاً، وقد طبع.
وكذلك معالم السنن للخطابي، فإنه يذكر الكتاب، ويذكر الباب، ولكنه لا يستوعب حيث يقول: من باب كذا ثم يذكر بعض الأحاديث ويشرحها، فهو بمثابة الاختصار، ولكنه يشرح تلك الأحاديث التي يوردها وكلامه في التبويب يشير إلى انتقائه واختصاره حيث يقول: من باب كذا، ثم يذكر بعض الأحاديث التي انتقاها ويشرحها.
وقد طبعت الثلاثة التي هي تهذيب المنذري أو مختصر المنذري، ومعالم السنن للخطابي، وحاشية ابن القيم على مختصر المنذري بمصر بعناية الشيخ محمد حامد الفقي رحمة الله عليه في ثمانية مجلدات.
ولكن التمييز بين كلام ابن القيم وكلام المنذري وكلام الخطابي يحتاج إلى جهد، من جهة أن ابن القيم أحياناً يطول فيحتاج إلى أن يسوق صفحات كلها ل ابن القيم، وأحياناً لا يذكر شيئاً.
وقد طبعت معالم السنن للخطابي وحدها في مجلدين بعناية راغب الطباخ، وطبع كتاب ابن القيم مع عون المعبود في بعض الطبعات، وعون المعبود للطيب الآبادي الهندي شرح مختصر ومفيد، وهناك شروح أطول منه، ولكن منها ما هو غير كامل، وإنما وجد أوله مثل غاية المقصود لأحد علماء الهند، وكذلك أيضاً ظهر في مصر المنهل العذب المورود للساعاتي وهو شرح فيه العدد القليل، ولكن الكتاب المشهور والموجود والذي هو كامل هو عون المعبود للطيب الهندي وهو في متناول الأيدي، وله شروح أخرى مذكورة في كشف الظنون وفي غيره من الكتب التي تذكر المؤلفين ومؤلفاتهم.
والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
стр. 55
الأسئلة
стр. 56
أفعال النبي في الصلاة ليست كلها على الوجوب
السؤال
هل قول النبي ﷺ : (صلوا كما رأيتموني أصلي) يدل على أن كل فعل فعله النبي ﷺ في الصلاة فهو واجب؟
الجواب
الحديث لا يدل على أن كل فعل يكون واجباً؛ لأن مما فعله الرسول ﷺ ما ليس بواجب وإنما هو من الأمور التي إذا وجدت في الصلاة لا تؤثر فيها ولا تبطلها، وإنما هي من الأمور المستحبة ومن السنن، والإنسان يحرص على الواجبات والمستحبات.
لكن لا يقال: إن كل ما فعله الرسول ﷺ فإنه يكون من قبيل الواجب، وأنه إذا تركه فإنه يأثم، نعم يأثم إذا ترك ما علمه من السنة زهداً عنها ورغبة فيها، أما إذا صلى الإنسان صلاة وترك شيئاً فعله النبي ﷺ فلا يقال: إن صلاته غير صحيحة؛ لأنه ما وجد منه ذلك.
وليس أيضاً كل ما جاء في قوله: (صلوا كما رأيتموني أصلي) واجب، بل يستثنى من ذلك بالنسبة للمأمومين أنهم لا يقولون: سمع الله لمن حمده كما يقول الإمام، والرسول ﷺ كان يصلي بالناس ويقول: سمع الله لمن حمده، والمأموم لا يقول: سمع الله لمن حمده.
وبعض العلماء احتج بهذا الحديث على أنه يقول: سمع الله لمن حمده، فيجمع بين التسميع والتحميد، وبعض العلماء يقول: إن هذا الحديث يستثنى منه التسميع؛ لأن النبي ﷺ لما أرشد الناس إلى أن يصلوا، قال: (وإذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد).
стр. 57
احتجاج بعض المتصوفة بتقبيل لسان أبي داود على بدعهم
السؤال
استغل بعض الصوفية المعاصرين قصة الذي طلب من أبي داود أن يخرج له لسانه ليقبله على جواز التقبيل المعروف لديهم مما هو مخالف للشرع، فنرجو منكم توضيح المسألة؟
الجواب
التقبيل الذي يقوم به بعض الناس، والذي فيه ذل من المقبِّل واغتراراً من المقبِّل ليس هو منهج السلف وطريقتهم، بعض العلماء قد يتواضع ويبتعد عن أن يغتر وهذا مطلوب منه، وقصة الذي قال: أخرج لسانك، إنما فعل ذلك مع إمام لسانه مشتغل بأحاديث الرسول ﷺ ، وأما الصوفية فبماذا اشتغلوا؟ ما اشتغلوا إلا بالبدع والخرافات.
فعلى أي أساس يقاس هذا بهذا؟ فهذا مُحَدِّث ولسانه مشتغل بحديث الرسول ﷺ ، ولسانه طري بالصلاة على الرسول ﷺ ، فهذا فيه بيان عظم قدر اللسان الذي حصل منه هذا.
وأما الصوفية فماذا حصل لهم مما يدعو إلى تعظيمهم؟ أهو كونهم يأتون بالبدع وألسنتهم لا تشتغل إلا بالبدع؟ فرق بين هذا وهذا، ولا يلحق هذا بهذا.
стр. 58
شرح سنن أبي داود [٠٠٤]
لقضاء الحاجة آداب وأحكام ينبغي على كل مسلم معرفتها والتأدب بها، ومن تلك الآداب والأحكام: طلب مكان بعيد يستتر به الناس عند قضاء الحاجة، والإتيان بالأذكار الواردة عند التخلي.
стр. 59
ما جاء في التخلي عند قضاء الحاجة
стр. 60
شرح حديث: (أن النبي ﷺ كان إذا ذهب المذهب أبعد)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [كتاب الطهارة.
باب التخلي عند قضاء الحاجة: حدثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب القعنبي حدثنا عبد العزيز -يعني: ابن محمد - عن محمد -يعني: ابن عمرو - عن أبي سلمة عن المغيرة بن شعبة (أن النبي ﷺ كان إذا ذهب المذهب أبعد)].
قول الإمام أبي داود السجستاني رحمة الله عليه: [كتاب الطهارة]، هذا هو أول كتاب في كتابه السنن، وجرت عادة المحدثين والفقهاء عندما يكتبون في الأحكام أنهم يقدمون كتاب الصلاة، ثم الزكاة، ثم الصيام، ثم الحج، ويجعلون بين يدي الصلاة كتاب الطهارة؛ لأن الطهارة شرط في صحة الصلاة، فلزم أن تكون متقدمة عليها؛ فيجعلون الطهارة قبل الصلاة؛ لأنه لا صلاة إلا بطهارة، ولا صلاة إلا بوضوء، كما قال ﷺ : (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ)، فمن أجل ذلك كانوا يقدمون كتاب الطهارة على كتاب الصلاة والزكاة والصيام والحج.
قوله: [باب التخلي عند قضاء الحاجة].
التخلي هو: الذهاب للخلاء، أو أن يكون الإنسان في مكان خالٍ عن الناس بحيث لا يرى عورته أحد، وكانوا يذهبون إلى المكان الخالي لقضاء الحاجة، وكان هذا قبل أن توضع الكنف في البيوت، ولما وضعت الكنف في البيوت كانوا يقضون حوائجهم فيها.
ومن هدي الرسول ﷺ : أنه كان إذا أرد أن يقضي حاجته أن يذهب بعيداً عن الناس.
أورد أبو داود رحمة الله عليه حديث المغيرة بن شعبة: (أن النبي ﷺ كان إذا ذهب المذهب أبعد)، يعني: كان إذا ذهب إلى المكان الذي يقضي فيه حاجته ذهب بعيداً عن الناس.
والذهاب إلى مكان بعيد عن الناس أمر مطلوب؛ لأن النبي ﵊ كان يفعله، ولما يترتب على ذلك من فوائد، منها: ألا يرى عورته أحد، وأما أن يرى شخصه من مكان بعيد وهو يقضي الحاجة فهذا أمر لا يؤثر.
ومنها: أنه إذا كان بعيداً عن الناس لا يسمع صوت بخلاف ما إذا كان قريباً من الناس فإن الناس يسمعون ذلك الصوت منه.
فإذاً: يستدل بهذا الحديث على أن الإنسان إذا كان في مكان خالٍ وعراء وفضاء من الأرض أن عليه أن يذهب بعيداً عن الناس، وهذا من آداب قضاء الحاجة، وأما إذا كان في مكان مستور كالأبنية والحجب التي توضع دون رؤية الناس من القماش أو الجلود أو الخيام أو غير ذلك؛ فإن هذا مما يحصل به المقصود.
فالمقصود هو: التستر والبعد عن الناس حتى لا يروا عورته، فإذا كان في مكان خالٍ بعيداً عن الناس، وإذا كان في مكان أعد لذلك كالكنف فإنه يكون بذلك مستتراً عن الناس، ولا سبيل للناس إلى رؤيته.
стр. 61
تراجم رجال إسناد حديث: (أن النبي ﷺ كان إذا أذهب المذهب أبعد)
قوله: [حدثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب القعنبي].
هو عبد الله بن مسلمة بن قعنب القعنبي ثقة أخرج حديثه أصحاب الكتاب الستة إلا ابن ماجة.
وقد كان ابن معين وابن المديني وغيرهما لا يقدمان عليه أحداً في الموطأ؛ لأن الذين رووا الموطأ عن مالك كثيرون ومنهم: عبد الله بن مسلمة بن قعنب.
وهذا هو أول شيخ روى عنه أبو داود في سننه، عبد الله بن مسلمة بن قعنب القعنبي أحد رجال أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة.
وسبق أن مر بنا في سنن النسائي ومسلم والبخاري أن أول شيخ روى عنه النسائي هو قتيبة بن سعيد، وأول شيخ روى عنه مسلم هو زهير بن حرب أبو خيثمة، وأول شيخ روى عنه البخاري هو عبد الله بن الزبير المكي، وأول شيخ روى عنه ابن ماجة هو قتيبة، كـ النسائي، وأول شيخ روى عنه الترمذي هو أبو بكر بن أبي شيبة، فهؤلاء هم الذين حصل البدء بهم في هذه الكتب الستة.
كلهم من الثقات، وفيهم من اتفق أصحاب الكتب الستة على الإخراج له، وفيهم من لم يخرج له بعضهم، ولا يعني عدم التخريج لشخص أو لرجل من الذين كتبوا في الصحيح، أو الذين يروون عن الثقات أن يكون فيه كلام؛ لأن الذين كتبوا في الصحيح ما كتبوا كل حديث صحيح، ولا أوردوا في مؤلفاتهم كل حديث صحيح، وإنما أوردوا جملة كبيرة من الصحيح، وكذلك لم يخرجوا عن كل ثقة، فكم من ثقة لم يخرج له أصحاب الصحيح وغيرهم، ولا يعني هذا أن فيه كلاماً؛ لأنهم لم يلتزموا أن يخرجوا كل حديث صحيح، ولم يلتزموا أن يخرجوا عن كل شخص ثقة، فكم من ثقة خرج له البعض ولم يخرج له البعض الآخر! لا لقدح فيه، بل هو عنده حجة ولكنه ما اتفق له أن يخرج عنه؛ لأن الأحاديث التي اختارها ليس في إسنادها ذلك الشخص الثقة.
[حدثنا عبد العزيز - يعني: ابن محمد -].
أي: ابن محمد الدراوردي فكلمة (يعني) هذه جاءت في نسب عبد العزيز الدراوردي؛ لأن تلميذه عبد الله بن مسلمة بن قعنب لما روى عنه ما زاد على كلمة عبد العزيز، وإنما قال: حدثنا عبد العزيز فقط، فالذي جاء بعده -وهو أبو داود - أراد أن يوضح من هو عبد العزيز هذا الذي أهمل نسبته عبد الله بن مسلمة بن قعنب تلميذه، فأراد أن يوضحه ولكن لما أراد توضيحه أتى بكلمة (يعني) حتى يفهم منها أن ذكر النسب ليس من التلميذ، ولكنه ممن دون التلميذ.
ولو أن من دون عبد الله بن مسلمة قال: أخبرنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي لظن أن القائل هو التلميذ.
وهذا من دقة علماء أهل الحديث وعنايتهم؛ إذ أن الشخص إذا كان مهملاً في الإسناد فإن من دون تلميذه لا ينسبه أو يزيد في نسبه بدون أن يبين، بل يأتي بشيء يوضح به ذلك المهمل بكلمة مثل: (يعني) حتى يفهم منها أنها للتوضيح والبيان زادها من دون التلميذ.
وعلى هذا فكلمة (يعني) فعل مضارع له فاعل وله قائل، ففاعله: ضمير مستتر يرجع إلى التلميذ، وهو عبد الله بن مسلمة بن قعنب، وقائل هذه العبارة هو من دون التلميذ، سواء كان أبو داود تلميذ عبد الله بن مسلمة بن قعنب أو الذي روى عن أبي داود، أو الذين تحت أبي داود؛ إذ من المعلوم كلمة (يعني) تأتي أحياناً في شيخ المصنف، وقد مر بنا في سنن النسائي مثل هذا، حيث يقول النسائي: أخبرنا فلان يعني: ابن فلان، أو أخبرنا فلان وهو ابن فلان.
وهذه لا تكون من النسائي، وإنما تكون ممن دونه؛ لأن النسائي كما سبق أن عرفنا أحياناً يذكر بعض شيوخه في سطر، حيث ينسبه ويقول: فلان بن فلان بن فلان بن فلان إلى آخره، وأحياناً لا ينسبه، فيأتي من دونه فيأتي بكلمة (يعني) أو كلمة (هو).
وعلى هذا فإن من دون التلميذ إذا أراد أن يوضح هذا المجمل الذي لم ينسبه شيخه فإنه يأتي بما يوضح، لكن يأتي بكلمة (يعني) أو بكلمة (هو).
فقائل (هو) أو: (يعني): هو من دون التلميذ.
وعبد العزيز بن محمد الدراوردي صدوق أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن محمد -يعني: ابن عمرو -].
هو محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي صدوق له أوهام أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
وكلمة (يعني) يقال فيها كما قيل في التي قبلها، يعني: أن تلميذه عبد العزيز بن محمد الدراوردي لما روى عنه ما زاد على قوله: عن محمد، فلم يزد ابن عمرو، فـ عبد الله بن مسلمة القعنبي الذي هو تلميذ تلميذه أو أبو داود أو من دونه هو الذي زاد كلمة (يعني)، فالتي عند عبد العزيز بن محمد الزائد لها أبو داود أو من دونه، وأما (يعني) التي جاءت مع محمد بن عمرو فالزائد لها عبد الله بن مسلمة القعنبي أو من دونه؛ لأن عبد الله بن مسلمة القعنبي ليس تلميذه وإنما تلميذه عبد العزيز بن محمد الدراوردي، فـ عبد العزيز بن محمد، قال: حدثنا محمد، ومن دونه إما عبد الله بن مسلمة القعنبي أو أبو داود أو من دون أبي داود هو الذي أضاف أو أتى بكلمة (يعني): ابن عمرو.
стр. 62
فقهاء المدينة السبعة
[عن أبي سلمة].
هو أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف تابعي ثقة، معروف بكنيته، وقيل فيه: إنه سابع الفقهاء السبعة في المدينة في عصر التابعين على أحد الأقوال الثلاثة في السابع منهم؛ وذلك أنه اشتهر في المدينة في عصر التابعين سبعة من الفقهاء بلقب الفقهاء السبعة.
وإذا ذكر المحدثون في كتب الحديث، أو الفقهاء في مسائل الفقه مسألة من المسائل اتفق عليه هؤلاء السبعة قالوا: وقال بها الفقهاء السبعة.
فكلمة الفقهاء السبعة تعني سبعة من التابعين، وستة منهم لا خلاف في عدهم من الفقهاء السبعة، والسابع منهم فيه ثلاثة أقوال، أما الستة الذين اتفق على عدهم من الفقهاء السبعة فهم: عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وعروة بن الزبير بن العوام وخارجة بن زيد بن ثابت والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق وسعيد بن المسيب وسليمان بن يسار، هؤلاء ستة متفق على عدهم في فقهاء المدينة السبعة.
وأما السابع ففيه ثلاثة أقوال: قيل: هو أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الذي معنا في هذا الإسناد، وقيل: هو سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وقيل: هو أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام.
وقد ذكر ابن القيم في أول كتابه (إعلام الموقعين عن رب العالمين) جملة كبيرة من المفتين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم في مختلف الأقطار والبلاد، فذكر أهل الفتوى في المدينة من الصحابة والتابعين، وكذلك ذكر أهل الفتوى في البصرة والكوفة ومصر ومكة وهكذا.
فذكر في أول كتابه (إعلام الموقعين) جملة من أهل الفتوى الذي عرفوا بالفتوى وبالفقه، والذين يرجع إليهم في المسائل يستفتون فيها، ولما جاء عند المدينة والفقهاء من التابعين ذكر من فقهاء التابعين في المدينة سبعة، وجعل السابع منهم أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وليس أبا سلمة الذي معنا في الإسناد.
وذكر بعضهم بيتين من الشعر ثانيهما مشتمل على أسماء الفقهاء السبعة، على أن السابع هو: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، البيتان هما: إذا قيل من في العلم سبعة أبحر روايتهم ليست عن العلم خارجة فقل هم عبيد الله عروة قاسم سعيد أبو بكر سليمان خارجة عبيد الله هو: عبيد الله بن عتبة بن مسعود، وقاسم هو: القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وعروة هو: عروة بن الزبير بن العوام، وسعيد هو: سعيد بن المسيب، وسليمان هو: سليمان بن يسار، وخارجة هو: خارجة بن زيد بن ثابت، وأبو بكر هو: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام.
فذكر في هذا البيت أوائل أسماء هؤلاء الفقهاء السبعة، والسابع منهم على أحد الأقوال: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام.
ومن المسائل التي اتفق عليها الفقهاء السبعة: مسألة وجوب الزكاة في عروض التجارة، فيقولون: وقال بها الأئمة الأربعة، أي: أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، والفقهاء السبعة، وهذا يغني عن عدهم وسردهم، ومن أراد أن يعرفهم فهم مذكورون في كتب المصطلح.
فـ أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف تابعي ثقة أحد الفقهاء السبعة في المدينة في عصر التابعين على أحد الأقوال الثلاثة في السابع منهم.
[عن المغيرة بن شعبة].
هو صاحب رسول الله ﷺ ، صحابي مشهور، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
وكأن الحديث فيه اختصار، ففي بعض رواياته ذكر قصة، وأنه كان مرة مع النبي ﷺ ، وطلب منه أن يأتي بوضوء فتوضأ، ولما أراد أن يغسل رجليه أراد المغيرة أن ينزعهما ليغسلهما فقال: (دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين).
стр. 63
شرح حديث: (أن النبي ﷺ كان إذا أراد البراز انطلق حتى لا يراه أحد)
قال المصنف: رحمه الله تعالى: [حدثنا مسدد بن مسرهد حدثنا عيسى بن يونس حدثنا إسماعيل بن عبد الملك عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله: (أن النبي ﷺ كان إذا أراد البراز انطلق حتى لا يراه أحد)].
أورد أبو داود ﵀ حديث جابر بن عبد الله الأنصاري وهو بمعنى حديث المغيرة بن شعبة المتقدم، بل هو موضح له؛ لأنه هنا عبر بالبراز، يعني: المكان الذي تقضى فيه الحاجة، وهو الفضاء.
وقوله: [(كان إذا أراد البراز انطلق حتى لا يراه أحد)]، هذا أيضاً كناية عن قضاء الحاجة، ومعناه: أنه كان يذهب بعيداً عن الأنظار حتى لا يراه أحد، وليس المقصود أنه كان يتوارى بحيث أنه يكون بعيداً جداً، بل المقصود أنه كان يبعد حيث لا يراه أحد، ويمكن أن يبعد حتى يرى رؤية غير واضحة، والعورة لا سبيل إلى رؤيتها بهذا، فهذا الحديث هو بمعنى الحديث المتقدم.
стр. 64
تراجم رحال إسناد حديث: (أن النبي ﷺ كان إذا أراد البراز انطلق حتى لا يراه أحد)
قوله: [حدثنا مسدد بن مسرهد].
هو مسدد بن مسرهد البصري ثقة، أخرج حديثه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي.
[حدثنا عيسى بن يونس].
هو عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا إسماعيل بن عبد الملك].
هو إسماعيل بن عبد الملك بن أبي الصفيراء وهو صدوق كثير الوهم، أخرج حديثه البخاري في جزء رفع اليدين وأبو داود والترمذي وابن ماجة، ولم يخرج له النسائي، ففي كتاب النسائي الذي درسناه لم يمر بنا إسماعيل بن عبد الملك هذا؛ لأنه ليس من رجال النسائي، وهو صدوق كثير الوهم.
[عن أبي الزبير].
هو محمد بن مسلم بن تدرس المكي صدوق يدلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن جابر بن عبد الله].
هو جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنهما وهو صحابي ابن صحابي، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
وجابر بن عبد الله الأنصاري ﵁ أحد السبعة الذين عرفوا بكثرة الحديث عن النبي ﷺ ، ولأن الذين عرفوا بكثرة الحديث عن النبي ﷺ سبعة من الصحابة هم: أبو هريرة وابن عمر وابن عباس وأنس وجابر وأبو سعيد الخدري وعائشة أم المؤمنين.
ستة رجال وامرأة واحدة.
يقول السيوطي في الألفية مشيراً إلى هؤلاء: والمكثرون في رواية الأثر أبو هريرة يليه ابن عمر وأنس والحبر -وهو ابن عباس - كالخدري وجابر وزوجة النبي.
فهؤلاء سبعة من الصحابة ﵃ عرفوا بكثرة الحديث عن النبي ﷺ .
وجابر بن عبد الله الأنصاري الذي في هذا الإسناد هو أحد هؤلاء السبعة من الصحابة المكثرين من رواية الحديث عن النبي ﷺ ، ورضي الله تعالى عنهم وعن الصحابة أجمعين.
والإسناد فيه إسماعيل بن عبد الملك بن أبي الصفيراء وهو صدوق كثير الوهم، وفيه أيضاً أبو الزبير المكي وهو مدلس، لكن الحديث هو بمعنى الحديث المتقدم، فوجود شخص كثير الوهم، وآخر مدلس لا يؤثر؛ لأن الحديث هو بمعنى الحديث الذي قبله، فهو شاهد له، ويدل على ما يدل عليه الحديث الذي قبله.
стр. 65
ما جاء في الرجل يتبوأ لبوله
стр. 66
شرح حديث: (إذا أراد أحدكم أن يبول فليرتد لبوله موضعاً)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الرجل يتبوأ لبوله: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد أخبرنا أبو التياح حدثني شيخ قال: لما قدم عبد الله بن عباس البصرة فكان يحدث عن أبي موسى فكتب عبد الله إلى أبي موسى يسأله عن أشياء فكتب إليه أبو موسى: (إني كنت مع رسول الله ﷺ ذات يوم فأراد أن يبول فأتى دَمِثاً في أصل جدار فبال، ثم قال: إذا أراد أحدكم أن يبول فليرتد لبوله موضعاً)].
أورد أبو داود ﵀ هذه الترجمة وهي: باب الرجل يتبوأ لبوله، يعني: يبحث أو يختار مكاناً مناسباً لبوله؛ لأنه لما ذكر في الباب الأول ما يتعلق بالتستر عند قضاء الحاجة، ذكر أنه إذا كان في فضاء يذهب بعيداً حتى لا يراه أحد، وإذا كان في مكان كالأبنية أو الخيام أو ما إلى ذلك فليكن في مكان يستره عن الناس.
فالباب الأول يتعلق بالتستر، وأن الإنسان يبتعد عن الناس عند قضاء حاجته إذا كان في فضاء، أو يذهب إلى الأماكن المخصصة لقضاء الحاجة في البيوت مثل الكنف والمراحيض.
وفي هذه الترجمة المقصود: أن ينظر المكان المناسب الذي يبول فيه؛ لأن المكان قد يكون صلباً وإذا وقع عليه البول تطاير على البائل؛ وأما إذا كان رخواً فإن الأرض تشربه ولا يرتد عليه، فيختار الإنسان مكاناً مناسباً ليبول فيه بأن يكون دمثاً، والدمث: هو الأرض السهلة الرخوة الترابية التي إذا وقع عليها البول راح وغاص فيها.
أما إذا كانت الأرض صلبة فإن وقوعه على الأرض يكون معه التطاير، وأيضاً ما لم تشربه الأرض فقد يسيل ويرجع على البائل إذا كان في مكان أعلى منه، وعلى هذا فالذي ينبغي على الإنسان أنه إذا جلس في الأرض ليقضي الحاجة أن يختار أرضاً رخوة، وأن يكون أعلى من المكان الذي يبول فيه؛ لأنه إذا كان المكان أعلى منه قد ينزل البول ويرتد عليه، ولكنه إذا كان المكان أنزل منه فإنه لا مجال إلى ارتداه، وإذا كانت الأرض رخوة فإن الأرض تشرب البول ويذهب في الأرض ولا يتطاير على صاحبه.
أورد أبو داود رحمة الله عليه حديث أبي موسى الأشعري ﵁ وأرضاه أنه قال: (إني كنت مع رسول الله ﷺ ذات يوم فأراد أن يبول فأتى دمثاً في أصل جدار)، يعني: مكاناً سهلاً في أسفل الجدار أو بجوار الجدار، وإذا كان الجدار أمامه فهذا أكمل في الاستتار.
والدماثة هي السهولة، ولهذا يقال عمن فيه سهولة في خلقه: دمث الأخلاق، أو فيه دماثة؛ إشارة إلى السهولة وعدم الشدة، كما أن الأرض التي بهذه السهولة يقال لها: دمثة.
فالنبي ﷺ اختار مكاناً دمثاً في أصل جدار، يعني: مكاناً رخواً في أسفل الجدار بحيث يكون الجدار أمامه يستتر به، فكون الجدار أمامه فيه سترة فلا يراه أحد من أمامه، وكذلك أيضاً كون الأرض دمثة، معناه: أن البول ينزل فيها ولا يرجع ولا يتطاير على صاحبه.
وقوله: ﴿فبال ثم قال ﷺ : إذا أراد أحدكم أن يبول فليرتد لبوله موضعاً))، يعني: يبحث أو يختار لبوله مكاناً وموضعاً مناسباً فيه السهولة، وهذا هو المقصود من إيراد الحديث: أنه يبحث عن مكان سهل، ويختار موضعاً مناسباً من حيث الاستتار كما استتر ﷺ بالجدار أن يكون مكاناً دمثاً أو أرضاً سهلة رخوة ينزل فيها البول وليست صلبة.
стр. 67
تراجم رجال إسناد حديث: (إذا أراد أحدكم أن يبول فليرتد لبوله موضعاً)
قوله: [(حدثنا موسى بن إسماعيل)].
هو موسى بن إسماعيل التبوذكي أبو سلمة ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا حماد].
هو ابن سلمة، وهنا حماد مهمل، ويحتمل أن يكون حماد بن زيد وأن يكون حماد بن سلمة لكن موسى بن إسماعيل كثير الرواية عن حماد بن سلمة وقليل الرواية عن حماد بن زيد فالعادة جرت أن التلميذ عندما يكون مكثراً عن شيخ لا ينسبه؛ اكتفاءً بما هو معروف عنه من كثرة الرواية عنه، فإذا كان التلميذ له شيخان أحدهما قد أكثر عنه والثاني لم يكثر عنه، ثم أهمله فلم ينسبه، فيحمل على الذي أكثر عنه، كما قال هنا: عن حماد، وما قال: ابن سلمة ولا قال: ابن زيد مع أنه تلميذ لهذا ولهذا إلا أنه مكثر عن ابن سلمة ومقل عن حماد بن زيد.
إذاً: يحمل المهمل على من له به خصوصية، ككونه مكثراً عنه كما هنا.
وحماد بن سلمة بن دينار البصري ثقة أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن الأربعة.
[أخبرنا أبو التياح].
هو يزيد بن حميد، ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو مشهور بكنيته.
ومن علوم المصطلح معرفة الكنى والألقاب، فمن له كنية ولقب ينبغي معرفتهما، وفائدة معرفة الكنى: ألا يظن الشخص الواحد شخصين، فإذا جاء في بعض الأسانيد يزيد بن حميد لزم أن يقال: هو أبو التياح وإذا أتى في بعضها أبو التياح لزوم أن يقال: هو يزيد بن حميد.
فالذي لا يعرف أن يزيد بن حميد كنيته أبو التياح يظن أن أبا التياح شخص، وأن يزيد بن حميد شخص آخر.
إذاً: فائدة معرفة ذلك: ألا يظن الشخص الواحد شخصين؛ فإنه إذا ذكر باسمه مرة وبكنيته أخرى لا يظن أن هذا غير هذا، بل إن هذا هو هذا، وإنما ذكر مرة باسمه ومرة بكنيته.
[حدثني شيخ].
هذا مبهم، وأما الذي مر وهو قوله: (حدثنا حماد) فهذا مهمل؛ ففي علم المصطلح إذا ذكر الشخص ولم ينسب قيل له: المهمل، وإذا ذكر بدون اسمه فقيل: شيخ أو رجل، فهذا يقال له: مبهم، والمهمل لابد من معرفة نسبته، والمبهم لابد من معرفة اسمه ونسبه وحاله، وإذا كان مبهماً ولم يعرف فإن هذا قدح وضعف في الإسناد.
[لما قدم عبد الله بن عباس البصرة فكان يحدث عن أبي موسى]، يعني: أن الصحابة كانوا يحدثون عن الصحابة.
[فكتب عبد الله إلى أبي موسى يسأله عن أشياء، فكتب إليه أبو موسى: (إني كنت مع رسول الله)] يعني: أن ابن عباس قدم البصرة فكان يحدث بأحاديث، وكان يحدث عن أبي موسى، فكتب إلى أبي موسى يسأله عن أشياء كان منها هذا الذي يتعلق بهذا الحديث، فقال: (كنت مع النبي ﷺ ...).
عبد الله بن عباس هو ابن عبد المطلب ابن عم النبي ﷺ ، وأحد العبادلة الأربعة من أصحاب النبي ﷺ ، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ الذين مر ذكرهم آنفاً عند حديث جابر بن عبد الله، وهو أحد العبادلة الأربعة من الصحابة وهم: عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر بن الخطاب وعبد الله بن عمرو بن العاص وعبد الله بن الزبير بن العوام، فهؤلاء أربعة من صغار الصحابة اشتهروا بلقب العبادلة الأربعة، وفي الصحابة عدد كبير من الصحابة يقال لهم: عبد الله، ومنهم أبو موسى الاشعري فهو مشهور بكنيته واسمه عبد الله بن قيس، وعبد الله بن مسعود وعدد كبير من الصحابة يقال لهم: عبد الله لكن اشتهر منهم أربعة لقبوا بالعبادلة الأربعة.
فإذا قيل: العبادلة الأربعة من الصحابة، انصرف الذهن إلى ابن عباس وابن عمر وابن عمرو وابن الزبير رضي الله تعالى عنهم.
[فكتب عبد الله إلى أبي موسى].
أبو موسى هو عبد الله بن قيس رضي الله تعالى عنه، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
وهذا الحديث ضعيف لكن معناه صحيح؛ لأن الإنسان يجب عليه التنزه من البول، وكذلك يجب عليه أن يحتاط بحيث لا يتطاير عليه البول، وكونه بال إلى أصل متصل بالجدار جاء ما يدل عليه في الأحاديث الأخرى.
فهذا الحديث من حيث الإسناد ضعيف؛ لأن فيه راوٍ لم يسم، وهو الشيخ الذي أبهم، ولكن الحديث من حيث المعنى صحيح.
فالإنسان عندما يريد أن يبول عليه أن يستتر، وقد جاءت الأحاديث في الاستتار، ويختار المكان المناسب للبول، كالمكان الرخو الذي لا يكون صلباً يضرب فيه البول ثم يتطاير، وهذا أمر مطلوب.
стр. 68
ما يقول الرجل إذا دخل الخلاء
стр. 69
شرح حديث: (اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ما يقول الرجل إذا دخل الخلاء: حدثنا مسدد بن مسرهد حدثنا حماد بن زيد وعبد الوارث عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس بن مالك أنه قال: (كان رسول الله ﷺ إذا دخل الخلاء قال: عن حماد قال: اللهم إني أعوذ بك، وقال عن عبد الوارث قال: أعوذ بالله من الخبث والخبائث)].
أورد أبو داود ﵀ هذه الترجمة وهي: (ما يقول الرجل إذا دخل الخلاء)، يعني: إذا أراد الدخول؛ لأن (دخل) هنا ليس المقصود بها أن يقولها وهو في الخلاء، وإنما إذا أراد الدخول، ومثل هذا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة:٦]، يعني: إذا أردتم القيام، فقوله: (إذا دخل) أي: إذا أراد الدخول قال هذا، وليس معنى ذلك أنه يقوله بعد الدخول؛ لأنه لا يجوز أن يذكر الله في الخلاء وداخل المراحيض.
هذه الترجمة معقودة لبيان الدعاء الذي يدعى به عند دخول الخلاء.
أورد أبو داود ﵀ حديث أنس بن مالك ﵁: (أن النبي ﷺ كان إذا دخل الخلاء قال: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث)، يعني: إذا أراد الدخول دعا بهذا الدعاء، فاللهم نداء، وهو طلب من الله .
وقوله: (اللهم) بمعنى: يا الله، لكن جاء في اللغة حذف ياء النداء والتعويض عنها بميم بعد الله، فكلمة (اللهم) هي (يا الله) حذفت ياء النداء وجاء بدلها الميم المشددة، ولا يجمع بين ياء النداء وبين الميم؛ لأنه لا يجمع بين العوض والمعوض، فلا يقال: يا اللهم وإنما يقال: يا الله أو اللهم.
ولهذا يقول ابن مالك ﵀ في الألفية: والأكثر اللهم بالتعويض وشذ يا اللهم في قريض قوله: (والأكثر) يعني: في الاستعمال (اللهم بالتعويض) يعني: استعمال الميم عوضاً عن (يا).
وقوله: (وشذ يا اللهم في قريض) يعني: في الشعر.
فاللهم هي نداء حذفت (يا) التي قبل لفظ الجلالة وعوضت عنها الميم المشددة بعد لفظ الجلالة.
وقوله: (اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث)، الخبث: جمع خبيث، والخبائث: جمع خبيثة، والمقصود بذلك: التعوذ بالله من شياطين الجن الذكران والإناث؛ لأن (الخبث) ترجع للذكور، و (الخبائث) ترجع للإناث.
فالاستعاذة بالله عند دخول الخلاء تكون بهذا اللفظ الثابت عن رسول الله ﷺ .
قوله: [قال: عن حماد: (قال: اللهم إني أعوذ بك وقال عبد الوارث قال: أعوذ بالله من الخبث والخبائث)].
يعني: الإسناد فيه شخصان في درجة واحدة: حماد بن زيد وعبد الوارث بن سعيد ولكنهما اختلفا في العبارة في رواية متن الحديث، فالذي جاء من طريق حماد بن زيد قال: (اللهم إني أعوذ بك)، أي: فيه لفظ: (اللهم) وفيه: (بك) أما عبد الوارث فبلفظ: (أعوذ بالله من الخبث والخبائث)، وليس فيه (اللهم) وفيه (بالله).
إذاً: الفرق بين رواية حماد بن زيد ورواية عبد الوارث بن سعيد: أن حماد بن زيد قال في روايته: (اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث)، وعبد الوارث بن سعيد قال في روايته: (أعوذ بالله من الخبث والخبائث)، وهما بمعنى واحد، وكلاهما صحيح، والنتيجة والمؤدى واحد.
стр. 70
تراجم رجال إسناد حديث: (اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث)
قوله: [حدثنا مسدد بن مسرهد].
مسدد بن مسرهد ثقة أخرج حديثه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي، ولم يخرج له مسلم ولا ابن ماجة.
[حدثنا حماد بن زيد].
هو حماد بن زيد بن درهم البصري وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[وعبد الوارث].
هو عبد الوارث بن سعيد العنبري وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عبد العزيز بن صهيب].
ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أنس بن مالك].
﵁، وهو صاحب رسول الله ﷺ ، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ الذين مر ذكرهم آنفاً ﵃ وأرضاهم.
стр. 71
توضيح اختلاف الروايات في حديث: (اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث)
[قال أبو داود: رواه شعبة عن عبد العزيز: (اللهم إني أعوذ بك)، وقال مرة: (أعوذ بالله) وقال وهيب: (فليتعوذ بالله).
حدثنا الحسن بن عمرو -يعني: السدوسي - حدثنا وكيع عن شعبة عن عبد العزيز -هو ابن صهيب - عن أنس بهذا الحديث قال: (اللهم إني أعوذ بك) وقال شعبة: وقال مرة: (أعوذ بالله)].
ثم أورد أبو داود رحمه الحديث من طريق أخرى من طريق شعبة وفيه: أنه جاء عن شعبة من وجهين: (اللهم إني أعوذ بك) و (أعوذ بالله)، يعني: مثلما جاء عن حماد بن زيد في الأول وعبد الوارث بن سعيد في الثاني.
وقوله: (وقال وهيب) وهو ابن خالد: (فليتعوذ بالله)، وهذا يكون على اعتبار أن هذا قولي، وأما الرواية المتقدمة فهي فعلية؛ لأنها تضاف إلى الرسول ﷺ من فعله، وأنه كان يقول إذا دخل الخلاء كذا وكذا، وأما هنا فقوله: (فليتعوذ) يعني: أن هذا أمر من النبي ﷺ للناس أو للذي يريد أن يدخل الخلاء أن يتعوذ بالله من الخبث والخبائث.
وأبو داود ﵀ ذكر الإسناد فيما يتعلق بالرواية عن شعبة ولكنه أشار إلى رواية وهيب بن خالد حين ذكرها بعد ذلك.
стр. 72
سبب استعمال المحدثين كلمة (يعني) و (هو) في نسبة الراوي
قوله: [حدثنا الحسن بن عمرو -يعني: السدوسي -] هذا الراوي روى عنه أبو داود وحده، وهو صدوق.
وقوله: (يعني: السدوسي) هذا مثال لما أشرت إليه آنفاً عن النسائي من أن في شيوخه من يقال فيه: يعني، والذي قال هذا هو من دون النسائي، وهذا الذي عند أبي داود مثله؛ لأن الحسن بن عمرو السدوسي شيخ لـ أبي داود، فـ أبو داود لن يقول: حدثنا الحسن -يعني: السدوسي -، وإنما سيقول: الحسن بن عمرو فقط ويسكت، لكن من دون أبي داود هو الذي يقول: يعني؛ لأن كلمة (يعني) فاعلها ضمير مستتر يرجع إلى أبي داود، وقائلها هو من دون أبي داود.
فإذا مر استعمال كلمة (يعني) في شيخ أبي داود فالذي قالها هو من فوق أبي داود، كحديث عبد الله بن مسلمة بن قعنب الذي يروي عن عبد العزيز بن محمد الدراوردي وعبد العزيز بن محمد الدراوردي يروي عن محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي وكل منهما قيل فيه: يعني.
هذا المثال يوضح لنا أنه قد يأتي في شيوخ أبي داود التعبير بكلمة (يعني)، ولكن الذي قالها هو من دون أبي داود؛ لأن أبا داود ما زاد في روايته عند ذكر شيخه على كلمة الحسن بن عمرو، وكلمة السدوسي أضافها من دون أبي داود.
والحسن بن عمرو هذا انفرد أبو داود بالرواية عنه، وقد مر بنا في النسائي رواة لن يأتي ذكرهم في هذا الكتاب، وهم كثيرون، مثل: إسماعيل بن مسعود الذي يروي عنه النسائي كثيراً، وكذلك سليمان بن سيف الحراني لم يرو عنه إلا النسائي.
ومعنى هذا: أنه سيأتينا أشخاص وأسماء جدد ما مرت بنا في النسائي.
[حدثنا وكيع].
هو وكيع بن الجراح الرؤاسي الكوفي ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن شعبة].
هو شعبة بن الحجاج الواسطي ثم البصري ثقة وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهو لقب رفيع يدل على علو منزلة الرجل وعلى حفظه وإتقانه؛ لأن الوصف بأمير المؤمنين في الحديث من أعلى صفات وألقاب التعديل التي إذا عدل بها الشخص تدل على علو مكانته ومنزلته بمثل هذا اللقب، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد العزيز هو ابن صهيب].
عبد العزيز بن صهيب ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة، وكلمة (هو) هذه هي اللفظة الثانية التي تذكر للتوضيح، فيؤتى بكلمتين: إما (يعني) وإما (هو)، وهذا الإسناد الذي معنا فيه اللفظتان: لفظة (يعني) عند السدوسي الذي هو شيخ أبي داود، ولفظة (هو) عند ذكر عبد العزيز؛ لأن شعبة عندما روى عن عبد العزيز ما زاد على كلمة عبد العزيز، بل قال: حدثنا عبد العزيز، ولم يزد، فمن دون شعبة أتى بنسبه فقال: وهو ابن صهيب، وأتى بكلمة (هو) حتى يعرف أنها ليست من تلميذه وإنما هي ممن دون تلميذه.
[عن أنس].
﵁، وهو صاحب رسول الله، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ .
стр. 73
الخلاف في شذوذ رواية شعبة في حديث: (اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث)
ذكر الألباني بأن الحديث شاذ، يعني: أن رواية شعبة عن عبد العزيز فيها شذوذ، ولا أعرف وجه هذا الشذوذ؛ لأن الحديث جاء من طريق آخر مثلما جاء من تلك الطرق المتقدمة التي فيها أنه يقول: (اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث) أو (أعوذ بالله من الخبث والخبائث)، فهي طريق أخرى مثل الطرق السابقة وليس فيها مخالفة حتى تكون شاذة، فلا أدري وجه إضافة الشذوذ إلى هذا الحديث مع أنه بمعنى الحديث المتقدم وليس فيه مخالفة بحيث لا يمكن التوفيق، بل هذا مثل ذاك، فالحديث الشاذ مثاله حديث صلاة الكسوف؛ فقد رواه بعضهم: (أنه صلى كل ركعة بركوعين) ورواه ثقات آخرون: (أنه صلى كل ركعة بثلاث ركوعات)، وهي قصة واحدة لا يمكن أن تتعدد، ولا يمكن أن يجمع بينها، وليس هناك لا ناسخ ولا منسوخ.
ورواية ثلاث ركوعات شاذة وهي رواية ثقة لكن فيها خطأ، ورواية الركوعين هي المحفوظة.
وكذلك ما جاء في صحيح مسلم في حديث السبعين ألفاً، فإن في أكثر الروايات (لا يسترقون)، وفي صحيح مسلم (لا يرقون) ولكنها شاذة.
стр. 74
شرح حديث: (إن هذه الحشوش محتضرة)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عمرو بن مرزوق أخبرنا شعبة عن قتادة عن النضر بن أنس عن زيد بن أرقم قال: قال رسول الله ﷺ : (إن هذه الحشوش محتضرة فإذا أتى أحدكم الخلاء فليقل: أعوذ بالله من الخبث والخبائث)].
سبق تحت ترجمة ما يقوله إذا دخل الخلاء: أن النبي ﵊ كان إذا أراد دخول الخلاء قال: (اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث) أو: (أعوذ بالله من الخبث والخبائث)، إما هذه العبارة وإما هذه العبارة.
وقد ذكر أبو داود ﵀ هاتين الصفتين: الأولى من طريق حماد بن زيد، والثانية من طريق عبد الوارث بن سعيد ثم ذكر أن رواه شعبة رواه عن عبد العزيز وأنه قال: (اللهم إني أعوذ بك) وقال مرة: (أعوذ بالله).
ثم قال: (وقال وهيب: (فليتعوذ بالله))، يعني: بصيغة الأمر، وسبق أن أورد أبو داود ﵀ الحديث من طريق شعبة وفيه الإشارة إلى الطريقين: الطريق الموافقة لطريق حماد المتقدمة في الإسناد الذي قبله، والطريق الموافقة لطريق عبد الوارث بن سعيد، وبعد ذلك قال وهيب عن شعبة: (فليتعوذ)، ولم يأت ذكر الرواية التي فيها وهيب التي أشار إليها المصنف، فلا أدري هل تركت وأشار الشارح إليها دون أن يسند الحديث، أو ذكر وهيب فيه شيء من التصريف والتحريف؛ لأن الحديث الذي بعده عن عمرو بن مرزوق هو عن زيد بن أرقم وهو بنفس الصيغة التي ذكرها عن وهيب، وهي بلفظ الأمر: (فليتعوذ بالله من الخبث والخبائث) وهناك نسخة أخرى فيها: (وقال وهيب: عن عبد العزيز) ورمز لها (ع) و (س) وهذه النسخة هي نسخة محمد عواض وعلى حسب الرموز هي عند ابن داسة وابن الأعرابي.
إذاً: هي الرواية المتقدمة إلا أنها لم تذكر، فما دام أنه قال: عن عبد العزيز فمعناه أن الرواية لم تذكر، وإنما ذكرت رواية شعبة ولم تذكر رواية وهيب.
والحديث الذي أورده أبو داود رحمه بعد الحديث الأول هو حديث عمرو بن مرزوق وهو عن زيد بن أرقم ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إذا دخل أحدكم الخلاء فليقل: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث).
وهو مثل اللفظ الذي أشار إليه المصنف من رواية وهيب عن عبد العزيز التي لم يذكرها المصنف.
وقوله: (فليتعوذ بالله من الخبث والخبائث) هذا الحديث حديث قولي وليس حديثاً فعلياً؛ لأن الروايات المتقدمة فعلية، أي: من فعله ﷺ ، وأما هذا فهو من أمره ﷺ .
وجاء في بعض الأحاديث: (ستر ما بين الجن وعورات بني آدم إذا دخل أحدهم الخلاء أن يقول: بسم الله)، وعلى هذا فيجمع بين الذكر والتسمية فيقال: (بسم الله، اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث).
والخبث: جمع خبيث، والخبائث: جمع خبيثة، وفيه الإشارة إلى أن المقصود شياطين الجن ذكورهم وإناثهم؛ لأنه قال في أثناء الحديث: (إن هذه الحشوش محتضرة)، يعني: أن الكنف أو أماكن قضاء الحاجة تحضرها الشياطين، أي: شياطين الجن.
ومن المعلوم أن الجن يتخلص منهم بذكر اسم الله ، وأما الإنس فلا يتخلص منهم إلا بالمعاملة الطيبة، ولهذا جمع الله بين ذكر المعاملة التي يعامل بها الإنس ويحصل بها اكتسابهم وبين ما يقال للتخلص من شر الجن، فقال سبحانه: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت:٣٤]، فالإنسي إذا حصل منه شيء وقوبلت إساءته بالإحسان فإن ذلك ينفع بإذن الله.
وقد يحصل من بعض الناس أنه لا ينفع فيه الإحسان، ومع الإحسان يتمرد، لكن في الغالب أن المعاملة الطيبة ومقابلة الإساءة بالإحسان أن ذلك ينفع: ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت:٣٤ - ٣٥]، وليس كل أحد يصبر على أن يقابل السيئة بالإحسان، بل هناك من يقابل السيئة بالسيئة.
ومقابلة السيئة بالسيئة سائغ؛ لقوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى:٤٠]، وقوله: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [النحل:١٢٦]، لكن الصبر والتحمل ومقابلة الإساءة بالإحسان هذا هو الذي ينفع في التخلص من أذى الإنس.
أما الجن فقال الله فيهم: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [فصلت:٣٦]، يعني: أن هذا هو الذي يخلص منه، ولهذا جاء في بعض الأحاديث: أن الإنسان إذا دخل بيته وقال: بسم الله، قال الشيطان لأتباعه ولأصحابه ولجنده: لا مبيت لكم.
معناه: أنه إذا دخل بيته وسمى الله، ثم إذا أكل أو شرب سمى الله قال الشيطان: لا مبيت ولا عشاء؛ لأن ذكر الله يطردهم ولا يتمكنون من الوصول إلى ما يريدون مع ذكر اسم الله .
وقوله: (إن هذه الحشوش محتضرة)، أي: تحضرها شياطين الجن؛ ولذا قال: (فإذا دخل أحدكم الخلاء فليقل: أعوذ بالله من الخبث والخبائث).
стр. 75
تراجم رجال إسناد حديث: (إن هذه الحشوش محتضرة)
قوله: [حدثنا عمرو بن مرزوق].
هو الباهلي ثقة، أخرج حديثه البخاري وأبو داود، وهذا من الرجال الذين لم يسبق أن مر ذكرهم في سنن النسائي؛ لأنه ما خرج له النسائي ولا خرج له إلا البخاري وأبو داود، فهو من الأسماء الجديدة التي لم تمر بنا في سنن النسائي؛ لأنه ليس من رجال النسائي.
следующие страницы →