← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 37052

شرح سنن أبي داود للعباد

عبد المحسن العباد

Полный текст (18 341 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

توضيح اختلاف الروايات في حديث: (اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث) [قال أبو داود: رواه شعبة عن عبد العزيز: (اللهم إني أعوذ بك)، وقال مرة: (أعوذ بالله) وقال وهيب: (فليتعوذ بالله). حدثنا الحسن بن عمرو -يعني: السدوسي - حدثنا وكيع عن شعبة عن عبد العزيز -هو ابن صهيب - عن أنس بهذا الحديث قال: (اللهم إني أعوذ بك) وقال شعبة: وقال مرة: (أعوذ بالله)]. ثم أورد أبو داود رحمه الحديث من طريق أخرى من طريق شعبة وفيه: أنه جاء عن شعبة من وجهين: (اللهم إني أعوذ بك) و (أعوذ بالله)، يعني: مثلما جاء عن حماد بن زيد في الأول وعبد الوارث بن سعيد في الثاني. وقوله: (وقال وهيب) وهو ابن خالد: (فليتعوذ بالله)، وهذا يكون على اعتبار أن هذا قولي، وأما الرواية المتقدمة فهي فعلية؛ لأنها تضاف إلى الرسول ﷺ من فعله، وأنه كان يقول إذا دخل الخلاء كذا وكذا، وأما هنا فقوله: (فليتعوذ) يعني: أن هذا أمر من النبي ﷺ للناس أو للذي يريد أن يدخل الخلاء أن يتعوذ بالله من الخبث والخبائث. وأبو داود ﵀ ذكر الإسناد فيما يتعلق بالرواية عن شعبة ولكنه أشار إلى رواية وهيب بن خالد حين ذكرها بعد ذلك.

стр. 72

سبب استعمال المحدثين كلمة (يعني) و (هو) في نسبة الراوي قوله: [حدثنا الحسن بن عمرو -يعني: السدوسي -] هذا الراوي روى عنه أبو داود وحده، وهو صدوق. وقوله: (يعني: السدوسي) هذا مثال لما أشرت إليه آنفاً عن النسائي من أن في شيوخه من يقال فيه: يعني، والذي قال هذا هو من دون النسائي، وهذا الذي عند أبي داود مثله؛ لأن الحسن بن عمرو السدوسي شيخ لـ أبي داود، فـ أبو داود لن يقول: حدثنا الحسن -يعني: السدوسي -، وإنما سيقول: الحسن بن عمرو فقط ويسكت، لكن من دون أبي داود هو الذي يقول: يعني؛ لأن كلمة (يعني) فاعلها ضمير مستتر يرجع إلى أبي داود، وقائلها هو من دون أبي داود. فإذا مر استعمال كلمة (يعني) في شيخ أبي داود فالذي قالها هو من فوق أبي داود، كحديث عبد الله بن مسلمة بن قعنب الذي يروي عن عبد العزيز بن محمد الدراوردي وعبد العزيز بن محمد الدراوردي يروي عن محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي وكل منهما قيل فيه: يعني. هذا المثال يوضح لنا أنه قد يأتي في شيوخ أبي داود التعبير بكلمة (يعني)، ولكن الذي قالها هو من دون أبي داود؛ لأن أبا داود ما زاد في روايته عند ذكر شيخه على كلمة الحسن بن عمرو، وكلمة السدوسي أضافها من دون أبي داود. والحسن بن عمرو هذا انفرد أبو داود بالرواية عنه، وقد مر بنا في النسائي رواة لن يأتي ذكرهم في هذا الكتاب، وهم كثيرون، مثل: إسماعيل بن مسعود الذي يروي عنه النسائي كثيراً، وكذلك سليمان بن سيف الحراني لم يرو عنه إلا النسائي. ومعنى هذا: أنه سيأتينا أشخاص وأسماء جدد ما مرت بنا في النسائي. [حدثنا وكيع]. هو وكيع بن الجراح الرؤاسي الكوفي ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن شعبة]. هو شعبة بن الحجاج الواسطي ثم البصري ثقة وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهو لقب رفيع يدل على علو منزلة الرجل وعلى حفظه وإتقانه؛ لأن الوصف بأمير المؤمنين في الحديث من أعلى صفات وألقاب التعديل التي إذا عدل بها الشخص تدل على علو مكانته ومنزلته بمثل هذا اللقب، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. [عن عبد العزيز هو ابن صهيب]. عبد العزيز بن صهيب ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة، وكلمة (هو) هذه هي اللفظة الثانية التي تذكر للتوضيح، فيؤتى بكلمتين: إما (يعني) وإما (هو)، وهذا الإسناد الذي معنا فيه اللفظتان: لفظة (يعني) عند السدوسي الذي هو شيخ أبي داود، ولفظة (هو) عند ذكر عبد العزيز؛ لأن شعبة عندما روى عن عبد العزيز ما زاد على كلمة عبد العزيز، بل قال: حدثنا عبد العزيز، ولم يزد، فمن دون شعبة أتى بنسبه فقال: وهو ابن صهيب، وأتى بكلمة (هو) حتى يعرف أنها ليست من تلميذه وإنما هي ممن دون تلميذه. [عن أنس]. ﵁، وهو صاحب رسول الله، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ .

стр. 73

الخلاف في شذوذ رواية شعبة في حديث: (اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث) ذكر الألباني بأن الحديث شاذ، يعني: أن رواية شعبة عن عبد العزيز فيها شذوذ، ولا أعرف وجه هذا الشذوذ؛ لأن الحديث جاء من طريق آخر مثلما جاء من تلك الطرق المتقدمة التي فيها أنه يقول: (اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث) أو (أعوذ بالله من الخبث والخبائث)، فهي طريق أخرى مثل الطرق السابقة وليس فيها مخالفة حتى تكون شاذة، فلا أدري وجه إضافة الشذوذ إلى هذا الحديث مع أنه بمعنى الحديث المتقدم وليس فيه مخالفة بحيث لا يمكن التوفيق، بل هذا مثل ذاك، فالحديث الشاذ مثاله حديث صلاة الكسوف؛ فقد رواه بعضهم: (أنه صلى كل ركعة بركوعين) ورواه ثقات آخرون: (أنه صلى كل ركعة بثلاث ركوعات)، وهي قصة واحدة لا يمكن أن تتعدد، ولا يمكن أن يجمع بينها، وليس هناك لا ناسخ ولا منسوخ. ورواية ثلاث ركوعات شاذة وهي رواية ثقة لكن فيها خطأ، ورواية الركوعين هي المحفوظة. وكذلك ما جاء في صحيح مسلم في حديث السبعين ألفاً، فإن في أكثر الروايات (لا يسترقون)، وفي صحيح مسلم (لا يرقون) ولكنها شاذة.

стр. 74

شرح حديث: (إن هذه الحشوش محتضرة) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عمرو بن مرزوق أخبرنا شعبة عن قتادة عن النضر بن أنس عن زيد بن أرقم قال: قال رسول الله ﷺ : (إن هذه الحشوش محتضرة فإذا أتى أحدكم الخلاء فليقل: أعوذ بالله من الخبث والخبائث)]. سبق تحت ترجمة ما يقوله إذا دخل الخلاء: أن النبي ﵊ كان إذا أراد دخول الخلاء قال: (اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث) أو: (أعوذ بالله من الخبث والخبائث)، إما هذه العبارة وإما هذه العبارة. وقد ذكر أبو داود ﵀ هاتين الصفتين: الأولى من طريق حماد بن زيد، والثانية من طريق عبد الوارث بن سعيد ثم ذكر أن رواه شعبة رواه عن عبد العزيز وأنه قال: (اللهم إني أعوذ بك) وقال مرة: (أعوذ بالله). ثم قال: (وقال وهيب: (فليتعوذ بالله))، يعني: بصيغة الأمر، وسبق أن أورد أبو داود ﵀ الحديث من طريق شعبة وفيه الإشارة إلى الطريقين: الطريق الموافقة لطريق حماد المتقدمة في الإسناد الذي قبله، والطريق الموافقة لطريق عبد الوارث بن سعيد، وبعد ذلك قال وهيب عن شعبة: (فليتعوذ)، ولم يأت ذكر الرواية التي فيها وهيب التي أشار إليها المصنف، فلا أدري هل تركت وأشار الشارح إليها دون أن يسند الحديث، أو ذكر وهيب فيه شيء من التصريف والتحريف؛ لأن الحديث الذي بعده عن عمرو بن مرزوق هو عن زيد بن أرقم وهو بنفس الصيغة التي ذكرها عن وهيب، وهي بلفظ الأمر: (فليتعوذ بالله من الخبث والخبائث) وهناك نسخة أخرى فيها: (وقال وهيب: عن عبد العزيز) ورمز لها (ع) و (س) وهذه النسخة هي نسخة محمد عواض وعلى حسب الرموز هي عند ابن داسة وابن الأعرابي. إذاً: هي الرواية المتقدمة إلا أنها لم تذكر، فما دام أنه قال: عن عبد العزيز فمعناه أن الرواية لم تذكر، وإنما ذكرت رواية شعبة ولم تذكر رواية وهيب. والحديث الذي أورده أبو داود رحمه بعد الحديث الأول هو حديث عمرو بن مرزوق وهو عن زيد بن أرقم ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إذا دخل أحدكم الخلاء فليقل: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث). وهو مثل اللفظ الذي أشار إليه المصنف من رواية وهيب عن عبد العزيز التي لم يذكرها المصنف. وقوله: (فليتعوذ بالله من الخبث والخبائث) هذا الحديث حديث قولي وليس حديثاً فعلياً؛ لأن الروايات المتقدمة فعلية، أي: من فعله ﷺ ، وأما هذا فهو من أمره ﷺ . وجاء في بعض الأحاديث: (ستر ما بين الجن وعورات بني آدم إذا دخل أحدهم الخلاء أن يقول: بسم الله)، وعلى هذا فيجمع بين الذكر والتسمية فيقال: (بسم الله، اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث). والخبث: جمع خبيث، والخبائث: جمع خبيثة، وفيه الإشارة إلى أن المقصود شياطين الجن ذكورهم وإناثهم؛ لأنه قال في أثناء الحديث: (إن هذه الحشوش محتضرة)، يعني: أن الكنف أو أماكن قضاء الحاجة تحضرها الشياطين، أي: شياطين الجن. ومن المعلوم أن الجن يتخلص منهم بذكر اسم الله ، وأما الإنس فلا يتخلص منهم إلا بالمعاملة الطيبة، ولهذا جمع الله بين ذكر المعاملة التي يعامل بها الإنس ويحصل بها اكتسابهم وبين ما يقال للتخلص من شر الجن، فقال سبحانه: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت:٣٤]، فالإنسي إذا حصل منه شيء وقوبلت إساءته بالإحسان فإن ذلك ينفع بإذن الله. وقد يحصل من بعض الناس أنه لا ينفع فيه الإحسان، ومع الإحسان يتمرد، لكن في الغالب أن المعاملة الطيبة ومقابلة الإساءة بالإحسان أن ذلك ينفع: ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت:٣٤ - ٣٥]، وليس كل أحد يصبر على أن يقابل السيئة بالإحسان، بل هناك من يقابل السيئة بالسيئة. ومقابلة السيئة بالسيئة سائغ؛ لقوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى:٤٠]، وقوله: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [النحل:١٢٦]، لكن الصبر والتحمل ومقابلة الإساءة بالإحسان هذا هو الذي ينفع في التخلص من أذى الإنس. أما الجن فقال الله فيهم: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [فصلت:٣٦]، يعني: أن هذا هو الذي يخلص منه، ولهذا جاء في بعض الأحاديث: أن الإنسان إذا دخل بيته وقال: بسم الله، قال الشيطان لأتباعه ولأصحابه ولجنده: لا مبيت لكم. معناه: أنه إذا دخل بيته وسمى الله، ثم إذا أكل أو شرب سمى الله قال الشيطان: لا مبيت ولا عشاء؛ لأن ذكر الله يطردهم ولا يتمكنون من الوصول إلى ما يريدون مع ذكر اسم الله . وقوله: (إن هذه الحشوش محتضرة)، أي: تحضرها شياطين الجن؛ ولذا قال: (فإذا دخل أحدكم الخلاء فليقل: أعوذ بالله من الخبث والخبائث).

стр. 75

تراجم رجال إسناد حديث: (إن هذه الحشوش محتضرة) قوله: [حدثنا عمرو بن مرزوق]. هو الباهلي ثقة، أخرج حديثه البخاري وأبو داود، وهذا من الرجال الذين لم يسبق أن مر ذكرهم في سنن النسائي؛ لأنه ما خرج له النسائي ولا خرج له إلا البخاري وأبو داود، فهو من الأسماء الجديدة التي لم تمر بنا في سنن النسائي؛ لأنه ليس من رجال النسائي.

стр. 76

عقيدة أهل السنة في الصحابة ﵃ ذكر الحافظ ابن حجر في فتح الباري كلمة جيدة عن عمرو بن مرزوق قالها لبعض الخوارج فقال: وقال عمرو بن مرزوق لرجل من الخوارج: ما أرى الله إلا مخزيك؛ لأنك شتمت واحداً من أصحاب رسول الله ﷺ ، يعني: أن واحداً من الخوارج سب واحداً من الصحابة ﵃ وأرضاهم، فقال له عمرو بن مرزوق: ما أرى الله إلا مخزيك. يعني: أن الذي يتوقع أن يحصل لك وأن يحل بك من العقوبة أن الله تعالى يخزيك؛ لأنك شتمت واحداً من أصحاب رسول الله ﷺ ، وهذا يبين لنا أن أصحاب رسول الله ﵊ يجب أن تكون الألسنة والقلوب نظيفة في حقهم، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في العقيدة الواسطية: ومن أصول أهل السنة والجماعة: سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله ﷺ . فالقلوب لابد أن تكون سليمة من الغيظ والحقد والضغينة لهم، والألسنة تكون سليمة ونظيفة من أن تتكلم فيهم بما لا ينبغي، والله يقول بعد أن ذكر المهاجرين والأنصار: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ﴾ [الحشر:١٠]، وهذا فيه سلامة اللسان؛ لأن قولهم: (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ) دعاء لهم، فاللسان يستغفر لهم، ثم قال: ((وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا))، وهذا فيه طلب سلامة القلب، وأن يسلم الله القلوب من أن يكون فيها شيء لأصحاب رسول الله ﷺ : ﴿وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠]. فأصحاب رسول الله ﷺ ورضي الله تعالى عنهم وأرضاهم يجب احترامهم وتوقيرهم واعتقاد أنهم خير الناس؛ لشهادة الرسول ﷺ لهم بقوله: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم)، فهذه الأمة أمة محمد ﷺ هي خير الأمم، وأصحاب رسول الله ﷺ هم خير هذه الأمة، فهم أفضل من مشى على الأرض بعد الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه وبركاته على رسله ورضي الله تعالى عن الصحابة أجمعين. فالواجب هو البعد عن نيلهم والكلام فيهم بما لا ينبغي، وعلى هذا أجمع أهل السنة والجماعة؛ لأن الله تعالى عدلهم وعدلهم رسوله ﷺ ، فلا يحتاجون بعد تعديل الله ورسوله إلى تعديل المعدلين وتوثيق الموثقين، ولا يعني التعديل أنهم معصومون؛ فإن العصمة ليست إلا للأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والصحابة يخطئون ويصيبون وليسوا بمعصومين، ولكن من حيث العدالة هم عدول، ولهذا فإن المجهول فيهم بحكم المعلوم، ولهذا نجد أن الذين يؤلفون في الرجال وبيان أحوالهم عندما يكون الشخص من الصحابة يكتفون بأن يقولوا: صحابي، أو يذكرون شيئاً من ميزاته التي هي زائدة على الصحبة، كأن يكون شهد بدراً أو الحديبية، أو أنه من السابقين الأولين، أو أن عنده صفة زائدة على الصحبة فينصون عليها، وأما غيرهم فإنهم يحتاج إلى معرفة أشخاصهم وأعيانهم وأحوالهم. ولهذا قال الخطيب البغدادي في كتابه الكفاية: إن الذي عليه العلماء: أنه ما من رجل من رجال الإسناد إلا ويحتاج إلى معرفته إلا الصحابة. ولهذا درج العلماء على الاكتفاء بذكر أن الرجل من الصحابة ولو كان مبهماً غير مسمى ما دام أنه أضيف إلى الرسول ﷺ ، فإذا قيل: عن رجل من أصحاب رسول الله ﷺ فلا يحتاج أن يقال: من هو هذا الرجل؟ وهذا الرجل مبهم لا يحتاج إلى معرفة عينه، ولأنه صاحب الرسول ﷺ فهو من العدول الذين يعول على حديثهم. لكن لا يعني هذا أنهم معصومون؛ لأن العصمة إنما هي للأنبياء، ولكن من حيث البحث عن أحوالهم، وهل أحدهم ثقة أو ليس بثقة؟ لا يبحث، ولهذا يأتي في بعض التراجم أن الشخص يقال فيه: قيل: إنه صحابي، وقيل: إنه تابعي، فقولهم: قيل: إنه صحابي، معناه: أنه يكفي أن يقال: إنه صحابي، وإذا قيل: ليس بصحابي بل هو ثقة، فمعناه: أنه بناه على أنه تابعي يذكر حاله، فالذي يذكر أنه ليس بصحابي يتكلم في حاله، والذي يعرف أنه صحابي يكفي في شرفه وبيان منزلته أنه صحابي. ولهذا لا ينظر إلى من يقلل من شأن الصحابة، أو تحدثه نفسه أن يتكلم في الصحابة، أو ينال من الصحابة فيما يتعلق ببيان أحوالهم وما كانوا عليه، أو البحث عن عيوبهم ومثالبهم وما إلى ذلك؛ فإن هذا لا يليق بالمسلم الناصح لنفسه. ويذكر عن بعض المخذولين أنه قال: إن الصحابة يجب أن يكونوا مثل غيرهم تحت المجهر! يعني: أنهم يعاملون معاملة غيرهم، وأن يفتش عنهم ويذكر كل شيء قيل عنهم كما يقال في حق غيرهم، وأن يبحث عنهم، وهل هم ثقات أو ليسوا بثقات؟ وما إلى ذلك، وهذه ليست طريقة أهل السنة والجماعة، بل هذه طريقة مخالفة لأهل السنة والجماعة، فأهل السنة والجماعة يكفي عندهم أن يعرف أن الواحد صحابي، ولا يزيدون على ذلك شيئاً إلا أن يضيفوا بيان منزلته وعظيم قدره، وأن له منزلة جاء فيها نص إما لكونه مشهوداً له بالجنة، أو لكونه شهد بدراً أو الحديبية، أو من السابقين الأولين أو من المهاجرين أو كذا أو كذا إلى آخره. أما أن يتكلم فيهم فهذا لا يليق بالمسلم الناصح لنفسه، كما ذكرت عن شيخ الإسلام أنه قال: ومن أصول أهل السنة والجماعة: سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله ﷺ . وأبو زرعة الرازي من علماء القرن الثالث الهجري روى عنه الخطيب البغدادي بإسناده في كتابه الكفاية أنه قال: إذا رأيتم أحداً ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله ﷺ فاعلموا أنه زنديق، وذلك أن الكتاب حق والرسول حق، وإنما أدى إلينا الكتاب والسنة أصحاب رسول الله ﷺ ، وهؤلاء -أي: الذين يريدون أن يتكلموا في الصحابة- إنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أولى، وهم زنادقة. يعني: أن القدح في الناقل قدح في المنقول؛ لأن الصحابة إذا قدح فيهم فماذا يبقى عند من قدح فيهم؟! وإذا كان الصحابة ليسوا عدولاً والكتاب ما جاء إلا عن طريقهم، والسنة كذلك، فليس بأيدي من سبوا الصحابة إلا الخذلان، وليس بأيديهم شيئاً من الحق؛ لأن الحق جاء عن طريق الصحابة، وإذا قدح في الناقل فهو قدح في المنقول. ولهذا يقول أبو زرعة: وإنما يريد هؤلاء أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة، يعني: أن النتيجة التي تترتب على القدح في الصحابة هي إبطال الكتاب والسنة؛ لأن القدح في الناقل قدح في المنقول. فمنهج أهل السنة والجماعة في أصحاب رسول الله ﷺ : أنه يجب احترامهم وتوقيرهم، واعتقاد أنهم خير الناس، وأنه ما كان مثلهم قبلهم ولا يكون بعدهم مثلهم، وهم خير من مشى على الأرض بعد الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه وبركاته على رسله ورضي الله عن الصحابة أجمعين. فـ عمرو بن مرزوق الذي في هذا الإسناد هو الذي نقل عنه الحافظ ابن حجر هذه الجملة في مخاطبة ذلك الخارجي الذي سب واحداً من أصحاب رسول الله ﷺ ، وقال له عمرو بن مرزوق: ما أرى الله إلا مخزيك. يعني: توقع العقوبة من الله وتوقع الخزي الذي يحل بك؛ لأنك سببت واحداً من أصحاب رسول الله ﷺ ورضي الله تعالى عن الصحابة أجمعين. [أخبرنا شعبة]. هو شعبة بن الحجاج الواسطي ثم البصري ثقة وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهذا لقب رفيع من أعلى صيغ التعديل والتوثيق، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. [عن قتادة]. هو قتادة بن دعامة السدوسي البصري ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو مدلس، ولكن المعروف عند المحدثين أن شعبة إذا روى عن مدلس فقد أمن تدليسه؛ لأن شعبة لا يروي عن شيوخه المدلسين إلا ما صرحوا فيه بالسماع، وإلا ما أمن تدليسهم فيه. وهنا شعبة هو الذي يروي عن قتادة، وقتادة مدلس. وهذا من القواعد التي ذكرها العلماء في معرفة السلامة من تدليس المدلس، وأنه إذا روى شعبة عن مدلس فإن تدليسه مأمون؛ لأنه لا يروي عن شيوخه المدلسين إلا ما صرحوا فيه بالسماع، وقتادة بن دعامة السدوسي البصري أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن النضر بن أنس]. هو النضر بن أنس بن مالك ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن زيد بن أرقم]. زيد بن أرقم صاحب رسول الله ﷺ ورضي الله تعالى عنه وأرضاه، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

стр. 77

شرح سنن أبي داود [٠٠٥] من آداب قضاء الحاجة: ألا تستقبل القبلة أو تستدبر عند البول أو الغائط، إلا إذا وجد حائط، وألا يستنجى باليد اليمنى، أو بأقل من ثلاثة أحجار، وألا يستنجي برجيع أو عظم.

стр. 78

ما جاء في كراهية استقبال القبلة عند قضاء الحاجة

стр. 79

شرح حديث: (نهانا أن نستقبل القبلة بغائط أو بول) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب كراهية استقبال القبلة عند قضاء الحاجة. حدثنا مسدد بن مسرهد حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم عن عبد الرحمن بن يزيد عن سلمان قال: قيل له: (لقد علمكم نبيكم ﷺ كل شيء حتى الخراءة! قال: أجل لقد نهانا أن نستقبل القبلة بغائط أو بول، وألا نستنجي باليمين، وألا يستنجي أحدنا بأقل من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجي برجيع أو عظم)]. أورد أبو داود رحمه الله تعالى: باب كراهية استقبال القبلة عند قضاء الحاجة، والمقصود من هذه الترجمة: بيان أن القبلة -وهي: الجهة التي يستقبلها الناس في صلاتهم ودعائهم- لا تستقبل ببول ولا بغائط، بل الإنسان يتجه إلى جهة أخرى غير جهة القبلة، لا من حيث استقبالها ولا من حيث استدبارها فلا يجعلها أمامه ولا وراءه، ولكن يجعلها عن يمينه أو شماله، فإذا كان الإنسان في جهة المدينة أو كانت مكة من جهة الشمال أو الجنوب فإنه يشرق أو يغرب وبذلك يسلم من استقبال القبلة واستدبارها. قوله: [باب كراهية استقبال القبلة عند قضاء الحاجة]. أورد أبو داود ﵀ تحت هذه الترجمة حديث سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه أنه قيل له: (علمكم رسول الله ﷺ كل شيء حتى الخراءة)، يعني: حتى الهيئة التي تفعلونها عند قضاء الحاجة، والمقصود بذلك: بيان كيفية التصرف وكيفية العمل عند قضاء الحاجة، والآداب التي تفعل عند قضاء الحاجة. قوله: [قيل له: (علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة)]. الذين قالوا له هم المشركون، ولهذا قالوا: نبيكم، وما قالوا: النبي، فأضافوه إليهم. وقوله: (الخراءة) وهي الفعل عند قضاء الحاجة، يعني: علمهم كيف يفعل الإنسان عند قضاء حاجته، فعلمهم أنه لا يستقبل ولا يستدبر القبلة، ولا يستنجي بيمينه، ولا برجيع أو عظم، ولا بأقل من ثلاثة أحجار. فهذه آداب بينها رسول الله ﷺ لمن يريد قضاء الحاجة. قوله: [(لقد نهانا ﷺ أن نستقبل القبلة بغائط أو بول)]. يعني: عند قضاء الحاجة سواء الغائط أو البول أو هما جميعاً، فما دام أنه يقضي حاجته فإنه لا يستقبل القبلة ولا يستدبرها. وهذا فيه توقير القبلة واحترامها، وأن الإنسان لا يستقبلها ولا يستدبرها وهو يقضي حاجته. قوله: [(وألا نستنجي باليمين)]. يعني: عندما نريد أن ننظف السبيلين من الخارج لا نستعمل اليمين في التنظيف وإنما نستعمل اليسار؛ لأن اليمين تستعمل في الأمور الطيبة المحترمة المحمودة، وأما الأمور التي فيها امتهان كتنظيف السبيلين بعد الخارج منهما فإنه يكون باليسار لا باليمين. قوله: (نهانا أن نستنجي باليمين) هذه من الآداب من حيث الجلوس لا نستقبل ولا نستدبر بل نشرق ونغرب، وإذا كنا في شرق مكة أو غربها فنستقبل الجنوب أو الشمال ولا نشرق ولا نغرب؛ لئلا نستقبل القبلة أو نستدبرها، ولكن هذا الذي قيل فيه: يشرق أو يغرب إنما يراد به من كان عن مكة من جهة الشمال كالمدينة، أو من كان عن مكة من جهة الجنوب كاليمن، فإن هؤلاء يشرقون ويغربون. وأما من كان عن مكة من جهة الغرب أو من جهة الشرق فإنهم يجنبون ويشملون فيتجهون إلى جهة الجنوب وإلى جهة الشمال ولا يشرقون ولا يغربون. وهذا من الآداب عند إرادة الجلوس. وكذلك ينبغي عند بناء موضع قضاء الحاجة في المراحيض: أن توجه إلى غير جهة القبلة، فلا يكون فيها استقبال ولا استدبارها، فالذي ينبغي أنه عندما يراد وضع الكراسي التي يقضى عليها الحاجة في المراحيض أن يلاحظ في اتجاهها أن تكون ليست في استقبال القبلة ولا استدبارها. ثم إذا جلس الإنسان على الهيئة المشروعة لا مستقبل ولا مستدبر القبلة فإن الهيئة التي يتصرف فيها عند قضاء الحاجة ألا يستنجي باليمين، يعني: لا يستعملها في الاستنجاء بل يستعمل اليسار وهذا من الآداب. قوله: ((وألا يستنجي أحدنا بأقل من ثلاثة أحجار)). يعني: إذا لم يستعمل الماء؛ لأن الماء إذا وجد فاستعماله هو الأصل، لكن إذا لم يوجد ماء فإنه يستنجى بالحجارة أو غيرها مما يقوم مقامها من الأشياء التي ليس فيها شيء محذور بأن يستعمل حجارة أو مناديل أو ورقاً ليس فيه كتابة، وكذلك لا يستعمل الأشياء المحترمة كالأطعمة أو ما إلى ذلك. وإذا استنجى الإنسان بالحجارة فيستنجي بثلاثة أحجار، وإن استعمل حجراً واحداً كبيراً وله ثلاث شعب فإنه يقوم مقام الثلاثة الأحجار؛ لأن المقصود هو استعمال هذا العدد أو ما يقوم مقام هذا العدد؛ من أن يكون حجراً له ثلاث شعب؛ لأن الثلاث الشعب مثل الثلاثة الأحجار. قوله: ((أو نستنجي برجيع أو عظم)). والرجيع هو: الروث، والروث قد يكون نجساً كرجيع بني آدم أو الحمير أو غيرها، فكل ما يكون محرم الأكل فإن رجيعه نجس، ومن المعلوم أن إزالة النجاسة بنجاسة لا يزيدها إلا شدة، فكون الإنسان يأتي بعذرة ويستنجي بها فمعناه أنه زاد الطين بلة، وزاد السوء سوءًا والنجاسة نجاسة، ولكن المقصود هنا هو: الروث أو الرجيع من مأكول اللحم كالإبل والبقر والغنم؛ لأن هذه أرواثها طاهرة وليست بنجسة، ولكن لا يجوز أن يستنجى بها. وكذلك العظم لا يستنجى به، وقد جاء في بعض الروايات بيان الحكمة في ذلك، وأنها طعام إخواننا من الجن، والروث علف دوابهم، وأن الله تعالى يجعل في تلك العظام والأرواث ما فيه الفائدة لهم ولدوابهم. فإذاً: السنة جاءت مبينة أن الحكمة في ذلك عدم تقذيرها وإفسادها على من هي طعام لهم؛ لأنها إذا استعملت فيها النجاسة ففيها إفساد. وقيل أيضاً: إن فيها لزوجة، ومعنى ذلك أنه لا يحصل بها التنظيف والإنقاء تماماً. لكن العلة التي جاءت مبينة سبب ذلك هي أن في ذلك تقذيراً لها على الجن، وأنها طعام لهم، والأرواث علف لدوابهم. هذه هي العلة المعتبرة في قضية المنع؛ لأنها جاءت مبينة في السنة.

стр. 80

تراجم رجال إسناد حديث: (نهانا أن نستقبل القبلة بغائط أو بول) قوله: [حدثنا مسدد بن مسرهد]. مسدد بن مسرهد ثقة أخرج حديثه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي. [حدثنا أبو معاوية]. أبو معاوية هو محمد بن خازم الضرير الكوفي ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو مشهور بكنيته (أبو معاوية). [عن الأعمش]. الأعمش هو سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن إبراهيم]. هو إبراهيم بن يزيد بن قيس النخعي الكوفي ثقة فقيه أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو الذي جاء عنه العبارة المشهورة عند الفقهاء: ما لا نفس له سائلة لا ينجس الماء إذا مات فيه. ومعنى ما لا نفس له سائلة: أي ليس فيه دم كالذباب وكالجراد وما إلى ذلك مما لا دم فيه، فهذا إذا وقع في الماء ومات فيه لا ينجسه. وهذه قاعدة عند الفقهاء فإنهم يقولون: ما لا نفس له سائلة لا ينجس الماء إذا مات فيه. ويستدلون على ذلك بحديث الذباب الذي فيه أن النبي ﷺ قال: (إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه في الماء؛ فإن في أحد جناحيه داءً وفي الآخر شفاءً)، وهو عندما يقع ينزل بالذي فيه الداء ويرفع الذي فيه الشفاء، فإذا غمس جاء الدواء بعد الداء. فالفقهاء قالوا: إن قوله ﷺ : (فليغمسه) يعني: ثم يستعمله ويشرب، قالوا: قد يكون الماء حاراً فإذا غمس فيه مات، والرسول ﷺ أمر باستعماله. إذاً: هذا دليل على أن ما لا نفس له سائلة لا ينجس الماء إذا مات فيه. وقد قال ابن القيم في كتابه (إعلام الموقعين عن رب العالمين): (إن أول من عرف عنه في الإسلام أنه عبر بهذه العبارة فقال: ما لا نفس له سائلة لا ينجس الماء إذا مات فيه هو إبراهيم النخعي، وعنه تلقاها الفقهاء من بعده)، وهي عبارة تشتمل على قاعدة من القواعد الفقهية في الطهارة، وهي: أن ما لا نفس له سائلة لا ينجس الماء إذا مات فيه، وكل شيء لا دم فيه أو ليس مشتملاً على دم إذا مات في ماء فإن ذلك الماء يكون طاهراً. [عن عبد الرحمن بن يزيد]. هو عبد الرحمن بن يزيد النخعي، ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن سلمان]. سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه صاحب رسول الله ﷺ ، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

стр. 81

بيان النبي ﷺ لأصول الشريعة وفروعها هذا الحديث فيه أن النبي ﷺ بين آداب قضاء الحاجة، ويستدل به العلماء على أن النبي ﷺ بين أصول الدين كما بين فروعه، وأن أمور العقيدة مبينة من رسول الله ﷺ ، ويحتجون بهذا على من يقولون: إن أحاديث وآيات الصفات من قبيل المتشابه الذي لا يعرف معناه، وأنه ما حصل بيان للمراد به. ويقولون: إذا كان الرسول ﷺ بين آداب قضاء الحاجة فكيف يغفل أصول الدين، ولا يبين أمور العقيدة، ويجعل الناس في حيرة فواحد يؤول وواحد يفوض؛ لأن النبي ﷺ ما بين؟! فالناس خوطبوا بكلام يفهمون معناه؛ لأنهم عرب يفهمون ما خوطبوا به؛ ولهذا ما احتاجوا إلى أن يسألوه عن معاني هذه الصفات؛ لأنهم يعرفون معناها لكن لا يعرفون كيفيتها، كما قال الإمام مالك بن أنس رحمة الله عليه: الاستواء معلوم -يعني: معناه معلوم- والكيف مجهول. فالاستواء معلوم أي: أن معناه الارتفاع والعلو، ولكن كيفية ذلك الارتفاع والعلو الله تعالى أعلم به. فبعض هؤلاء قالوا: إن معناها لا يعرف، وإن معناها مجهول، وإن الناس لا يعرفون معاني الصفات ويقولون: إن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] مثل (آلم) و (حم) وغيرها من الحروف المقطعة في أوائل السور التي يقال فيها: الله أعلم بالمراد بها، لكن لا يقال: إن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] الله أعلم بمراده، بل الرحمن ارتفع على عرشه، فهو عالٍ على خلقه وهو فوق كل شيء وعالٍ على كل شيء ، له علو الذات وعلو القدر وعلو القهر. فأنواع العلو الثلاثة كلها له ، فهو عالٍ في ذاته وقدره ومنزلته، كما أن له علو القهر، فهو قاهر غالب لكل أحد، وهو القاهر لكل شيء ولا يغلبه غالب، ولا يرد حكمه راد. فإذاً: هذا مما يستدل به علماء أهل السنة والجماعة على الذين يقولون: إن آيات وأحاديث الصفات هذه ما بينت معانيها ولهذا إما نفوضها وإما نؤولها، والصحابة ﵃ وأرضاهم ما جاء عنهم لا التفويض ولا التأويل بما يتعلق بالنسبة لمعانيها؛ لأنهم خوطبوا بكلام يفهمون معناه. فهذا من الأدلة التي يذكرونها على أن الذي بين آداب قضاء الحاجة كيف لا يبين للناس أصول دينهم ويجعلهم في حيرة يترددون بين التفويض والتأويل؟

стр. 82

حكم الاستنجاء باليمين جاء في قول سلمان ﵁ النهي عن الاستنجاء باليمين، والكثير من العلماء يقولون: هذا نهي تأديب وإرشاد، وإنه للكراهة، ولو أن الإنسان استنجى بيمينه حصل المقصود. وبعض أهل الظاهر يقول: لو استنجى بيمينه لا يحصل المقصود؛ لمجيء النهي عن الاستنجاء باليمين، فلا يحصل الاستنجاء والطهارة إلا باليسار. وسواء قيل بحمله على التنزيه أو التحريم فالإنسان يحرص على أن يبتعد عن شيء نهى عنه الرسول ﷺ ولو كان نهي تنزيه. وقول الإمام أبي داود عندما قال: كراهية استقبال القبلة، فإن الكراهية أحياناً يأتي إطلاقها عند المحدثين وعند المتقدمين ويريدون بها التحريم، فالمتقدمون يطلقون الكراهية على التحريم بخلاف الفقهاء الذين قسموا الأحكام إلى خمسة: واجب ومندوب ومحرم ومكروه ومباح. وجعلوا المكروه هو كراهة التنزيه، والمندوب: هو المأمور به ليس على سبيل الوجوب.

стр. 83

شرح حديث: (إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعلمكم) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي حدثنا ابن المبارك عن محمد بن عجلان عن القعقاع بن حكيم عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعلمكم، فإذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها، ولا يستطب بيمينه، وكان يأمر بثلاثة أحجار وينهى عن الروث والرمة)]. أورد أبو داود ﵀ حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: (إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعلمكم)، وهذا من كمال وحسن خلقه ﷺ ، ورفقه بأمته، وحرصه على إفادتها والنصح لها، فهو أنصح الناس للناس، وهو أكمل الناس نصحاً، وأكملهم بياناً، وأفصحهم لساناً ﵊. وهذا الكلام الذي قاله فيه التبسط معهم، وأنهم لا يتوقفون عن سؤاله عما يريدون معرفته، فكما أن الولد من السهل عليه أن يسأل أباه عما يعن له ويعرض من الأمور لقوة ولكثرة الاتصال فيما بين الوالد والولد، فكذلك قال ﵊: (إنما أنا لكم بمنزلة الوالد). وهذا فيه بيان أن الأبناء عليهم أن يطيعوا الآباء فيما يأمرون به ويرشدون إليه في غير معصية الله ورسوله ﷺ إذا كان في ذلك مصلحة، وأن على الآباء أن يعلموا أبناءهم؛ لأن هذا فيه إشارة إلى التعليم من الآباء للأبناء، وإشارة إلى أن الأبناء يطيعون الآباء، وهو ﵊ خير من الوالدين، ويجب أن يكون في كل نفس مسلم أحب من والديه وأولاده والناس أجمعين، كما قال ﵊: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين)؛ لأن النعمة التي ساقها الله تعالى للمسلمين على يديه -وهي نعمة الإسلام- أعظم وأجل نعمة، ولهذا كانت محبته يجب أن تكون في القلوب والنفوس أعظم من محبة الوالد والولد والزوجة والصديق والقريب والحميم وكل من تربطه بالإنسان رابطة؛ لأن النعمة التي ساقها الله للمسلمين علي يدي النبي ﷺ أعظم وأجل نعمة؛ لأنها نعمة الإسلام، والهداية إلى الصراط المستقيم، والخروج من الظلمات إلى النور. ثم بين ﵊ أموراً تتعلق بقضاء الحاجة فقال: (إذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها)، يعني: إذا ذهب لقضاء الحاجة لا يستقبل القبلة ولا يستدبرها. قوله: [(ولا يستطب بيمينه)]. يعني: لا يستنج؛ لأن بالاستنجاء يصير الموضع طيباً، فبدل ما كان سيئاً فيه نجاسة يكون فيه نظافة ونزاهة وطيب. فقوله: (لا يستطب بيمينه) يعني: لا يقطع أثر الخارج بيمينه، ولا يستنج بيمينه، وإنما يستعمل الشمال، كما جاء في الرواية السابقة: (وألا نستنجي باليمين)، فلا تستعمل اليمين في ذلك؛ لأن اليمين تستعمل للمصافحة وللأخذ والإعطاء وللأمور الطيبة الحسنة، أما الأشياء التي فيها قبح أو عدم نظافة فيستعمل لها الشمال. قوله: [(وكان يأمر بثلاثة أحجار وينهى عن الروث والرمة)]. يعني: أن الاستنجاء يكون بثلاثة أحجار، وأما الروث والرمة فنهى عن الاستنجاء بهما، والرمة هي: العظام البالية، ولكن في الحديث السابق: (برجيع أو عظم) وهو يشمل أي عظم سواء كان جديداً حديث العهد أو كان قديماً قد بلي وصار رميماً. فذكر الرمة هنا وهو العظم البالي لا يعني أن العظم إذا كان حديث عهد ولم يكن بالياً فإنه يستنجى به؛ لأن الحكمة من النهي أنه طعام إخواننا من الجن، فلا يستعمل استعمالاً يقذره عليهم بوضع النجاسة عليه أو بمباشرته النجاسة.

стр. 84

تراجم رجال إسناد حديث: (إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعلمكم) قوله: [حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي]. عبد الله بن محمد النفيلي ثقة، أخرج له البخاري وأصحاب السنن. [حدثنا ابن المبارك]. هو عبد الله بن المبارك المروزي ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن محمد بن عجلان]. هو محمد بن عجلان المدني صدوق أخرج حديثه البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن. [عن القعقاع بن حكيم]. القعقاع بن حكيم ثقة أخرج له البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأصحاب السنن. [عن أبي صالح]. هو ذكوان السمان، وأبو صالح كنيته واسمه ذكوان ولقبه السمان ويقال: الزيات؛ لأنه كان يجلب الزيت والسمن فلقب بـ الزيات ولقب بـ السمان، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو مشهور بكنيته أبو صالح. [عن أبي هريرة]. أبو هريرة هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي ﵁ وأرضاه صاحب رسول الله ﷺ ، وأكثر أصحابه حديثاً على الإطلاق، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ ، بل هو أكثرهم على الإطلاق، وقد سبق أن مر ذكره وذكر ابن عمر وابن عباس وأنس وجابر وهنا ذكر أبي هريرة، وبقي أبو سعيد وعائشة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم. فهؤلاء السبعة معروفون بكثرة الرواية عن النبي ﷺ ، وأبو هريرة كان إسلامه متأخراً؛ فإنه أسلم عام خيبر في السنة السابعة، ومع ذلك كان أكثر أصحاب رسول الله ﷺ حديثاً، وذلك له أسباب، منها: أن النبي ﷺ دعا له بالحفظ، فكان لا ينسى شيئاً سمعه من رسول الله ﷺ . ومنها: أنه كان مقيماً في المدينة، ومن المعلوم أن المدينة كان الناس يردون عليها ويصدرون عنها، بخلاف بعض الصحابة فإنهم راحو يميناً وشمالاً، وكان من يأتي إلى المدينة يقصد صاحب رسول الله ﷺ الذي في المدينة ويأخذ منه، فكثر حديث أبي هريرة ﵁ حديثه لذلك. ومنها: أن أبا هريرة ﵁ طالت حياته وعُمِّر بعد الخلفاء الراشدين لمدة طويلة حتى لقيه من لم يلقهم، وأخذ عنه من لم يأخذ عنهم، ولهذا كثرت أحاديثه وكثر الآخذون عنه، فلهذه الأسباب وغيرها كثر حديث أبي هريرة. ومنها: أنه كان ملازماً للرسول ﷺ ، فقد كان الناس يذهبون للبيع والشراء وهو يتبع الرسول ﷺ ، ويأكل مما يأكل، ويسمع حديثه إذا حدث. فملازمته للنبي ﷺ ، ودعاء النبي ﷺ له، ومكثه في المدينة، وكونه عُمِّر بعد الخلفاء الراشدين كل هذه أسباب جعلت أبا هريرة ﵁ يكون أكثر أصحاب رسول الله ﷺ حديثاً وإن كان متأخر الإسلام.

стр. 85

شرح حديث: (إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا مسدد بن مسرهد، حدثنا سفيان عن الزهري عن عطاء بن يزيد الليثي عن أبي أيوب رواية قال: (إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول، ولكن شرقوا أو غربوا. فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت قبل القبلة فكنا ننحرف عنها ونستغفر الله)]. سبق أن ذكر معنى هذه الترجمة وهي: كراهة استقبال القبلة عند قضاء الحاجة، وهذا حديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله تعالى عنه الذي فيه أن النبي ﵊ قال: (لا تستقبلوا القبلة ببول ولا غائط ولكن شرقوا أو غربوا. قال: فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت نحو الكعبة فكنا ننحرف عنها ونستغفر الله). هذا الحديث مع ما تقدمه من الأحاديث يدل على أن القبلة لا تستقبل عند قضاء الحاجة وكذلك لا تستدبر، وهذا فيه احترام القبلة وتوقيرها، وأن الإنسان عندما يقضي حاجته لا يستقبل ولا يستدبر القبلة. وجاء: (ولكن شرقوا أو غربوا)، وهذا إنما يكون في حق من كان في جهة المدينة، وكذلك من كان جنوب مكة فإنه يشرق أو يغرب، وأما من كان عن مكة من جهة الغرب والشرق فإنه لا يشرق ولا يغرب؛ لأنه إذا شرق أو غرب استقبل القبلة أو استدبرها ولكنه يجنب أو يشمل؛ لأن النهي عن الاستقبال والاستدبار هو المقصود، والأمر بالتشريق والتغريب إنما ذكر حتى لا يكون هناك الاستقبال والاستدبار، وهذا إنما يتأتى في حق أهل المدينة ومن كان على جهة المدينة، وكذلك من الجهة الجنوبية من كان عن مكة من جهة الجنوب فإنه يشرق أو يغرب، ومن كان عنها غرباً أو شرقاً فإنه يشمل أو يجنب عند استقباله القبلة. وأبو أيوب الأنصاري ﵁ يقول: (قدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت نحو الكعبة -يعني: فيها استقبال الكعبة- فكنا ننحرف عنها يسيراً ونستغفر الله) وهذا يدلنا على أن أبا أيوب ﵁ يرى التعميم في ترك الاستقبال سواء كان في البنيان أو في غير البنيان مطلقاً. وقد ذهب عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه إلى أن هذا المنع إنما يكون في الفضاء، وأما ما كان في البنيان فإنه لا بأس أن يستقبل أو يستدبر، وسيأتي الحديث الذي يدل على ذلك حيث رأى النبي ﷺ يقضي حاجته مستقبلاً الشام مستدبراً الكعبة. قالوا: فالجمع بين هذه الأحاديث: أن ما جاء في حديث أبي أيوب يحمل على ما كان في الفضاء، وما كان في حديث ابن عمر يحمل على ما كان في البنيان. وأبو أيوب كما ذكرت يرى التعميم، ولهذا لما قدم الشام ووجد المراحيض التي بنيت نحو الكعبة كان ينحرف عنها ويستغفر الله. والذي ينبغي إذا بنيت البيوت وجعلت فيها أماكن لقضاء الحاجة أن يلاحظ عدم توجيه المراحيض إلى القبلة أو استدبارها؛ لأنه وإن كان جائزاً أن الإنسان يستقبل أو يستدبر في داخل البنيان كما جاء في حديث ابن عمر ولكن لاشك أنه إذا أمكن عدم الاستقبال أو الاستدبار ولو كان ذلك في البنيان فإنه يكون أولى، فالأولى عدم الاستقبال والاستدبار في البنيان وغير البنيان. ولكن من حيث الجواز فإن حديث ابن عمر يدل عليه، وأن ذلك سائغ ولا بأس به، لكن عندما تبنى أماكن قضاء الحاجة في البيوت ينبغي أن توضع على هيئة متفقة مع ما جاء في حديث أبي أيوب من حيث إن الاستقبال أو الاستدبار لا يكون إلى القبلة، وإن كان ذلك جائزاً في البنيان إلا أن غيره لاشك أنه أولى وأفضل. وإذا لم يمكن ذلك فإن ذلك جائز. وقوله هنا: (فكنا ننحرف عنها ونستغفر الله) ذكر الاستغفار يحتمل أن يكون المراد به أن الانحراف ليس بكامل؛ لأنه جاء في بعض الروايات: (يسيراً) لأن الأماكن وضعت على هيئة تستقبل أو تستدبر، فالانحراف معها يكون فيه عدم تمام، فيستغفر الله مما حصل من التقصير. وقد جاء عن بعض أهل العلم أنه قال: إن قوله: (نستغفر الله) أي: لبانيها، وهذا لا يستقيم؛ لأنه قد يكون الذي بناها غير مسلم وغير المسلم لا يستغفر له، ولكن الذي يبدو أنه استغفار من أبي أيوب لنفسه حيث إنه لم يحصل منه أن يترك الاستقبال أو الاستدبار على التمام والكمال؛ لأن الأماكن وضعت على هيئة يكون فيها الاستقبال أو الاستدبار إلى جهة القبلة، ولكن من أجل الابتعاد عن الاستقبال والاستدبار صار ينحرف عنها يسيراً ويستغفر الله أيضاً مما حصل من التقصير.

стр. 86

تراجم رجال إسناد حديث: (إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة) [حدثنا مسدد بن مسرهد]. مسدد بن مسرهد ثقة أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي. [حدثنا سفيان]. سفيان هو سفيان بن عيينة المكي، ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. وإذا جاء سفيان غير منسوب كما هنا فإنه يحمل على ابن عيينة؛ لأنه مكثر من الرواية عن الزهري، ولا يحمل على الثوري؛ لأنه ليس معروفاً بالرواية عنه، وسفيان بن عيينة مكي والزهري مدني، ومعروف أن ابن عيينة من الرواة عنه والثوري كان في الكوفة وليس معروفاً بالرواية عن الزهري، وإنما المعروف هو سفيان بن عيينة. إذاً: إذا جاء سفيان مهملاً -أي: غير منسوب كما هنا- عن الزهري فيحمل على ابن عيينة ولا يحمل على الثوري. [عن الزهري] الزهري هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري ثقة فقيه، وهو مشهور بنسبتين: نسبة الزهري كما هنا إلى جده زهرة، ونسبة ابن شهاب نسبة إلى جده شهاب، وغالباً يقال فيه: ابن شهاب أو الزهري هذه شهرته، وهو ثقة فقيه أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو الذي قيل: إنه أول من عني بجمع سنة رسول الله صلى الله عليه بتكليف من الخليفة عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه. وهذه الأولية تحمل على الأولية من جهة التكليف من ولي الأمر، وإلا فإن العناية بكتابة السنن حصلت في زمن الصحابة، وحصلت من بعض الصحابة، كما كان عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ يكتب حديث رسول الله ﷺ ، ولكن الأولية التي أضيفت إلى الزهري هي من جهة أنه كلف من ولي الأمر وهو الخليفة عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه. ولهذا يقول السيوطي في الألفية: أول جامع الحديث والأثر ابن شهاب آمر له عمر أي: عمر بن عبد العزيز. وابن شهاب الزهري حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. [عن عطاء بن يزيد الليثي]. عطاء بن يزيد الليثي ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أبي أيوب رواية]. هو أبو أيوب الأنصاري واسمه خالد بن زيد وهو مشهور بكنيته أبي أيوب رضي الله تعالى عنه، وأبو أيوب الأنصاري هذا هو الذي نزل الرسول ﷺ في ضيافته أول ما قدم المدينة قبل أن يبني المسجد والحجرات المجاورة له. وقد جاء في صحيح مسلم: أن بيته كان مكوناً من دورين، وكان قد أنزل رسول الله ﷺ في الدور السفلي، ثم جاء وطلب من النبي ﷺ أن يتحول إلى الدور الأعلى، وأن يكون هو في الدور السفلي رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وحديث أبي أيوب الأنصاري ﵁ عند أصحاب الكتب الستة. وكلمة: (رواية) هذه هي بمعنى: قال رسول الله ﷺ ، يعني: أنه يرويه عن النبي ﷺ ، وهناك عبارات تؤدي معنى: (قال رسول الله ﷺ مثل: رواية أو مرفوعاً أو يرفعه أو ينميه، وهي عبارات معروفة عند علماء الحديث والمصطلح وهي بمعنى إضافة ذلك إلى رسول الله ﷺ ولكنها مختصرة، وهنا قال: رواية، يعني: أنه يرويه عن النبي ﷺ .

стр. 87

شرح حديث: (نهى رسول الله ﷺ أن نستقبل القبلتين ببول أو غائط) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا وهيب حدثنا عمرو بن يحيى عن أبي زيد عن معقل بن أبي معقل الأسدي قال: (نهى رسول الله ﷺ أن نستقبل القبلتين ببول أو غائط). قال أبو داود: وأبو زيد هو مولى بني ثعلبة]. أورد أبو داود ﵀ حديث معقل بن أبي معقل الأسدي ﵁: (أن النبي ﷺ نهى أن نستقبل القبلتين ببول أو غائط)، وقوله هنا: (نهى أن نستقبل القبلتين) القبلتان هما: الكعبة المشرفة وبيت المقدس؛ لأن بيت المقدس هو القبلة الأولى، وقد كان النبي ﷺ يستقبلها قبل أن يهاجر، وبعد أن هاجر ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً ثم حول إلى الكعبة المشرفة بعد ستة عشر شهراً. وقيل في معنى القبلتين: إن المقصود بذلك أنه لا يستقبل القبلة -أي: الكعبة- ولا يستدبرها؛ لأنه إذا استدبرها فإنه يكون بذلك مستقبلاً بيت المقدس. وهنا يستقيم المعنى مع الأحاديث من جهة أن فيه استقبالاً للكعبة أو استدباراً لها؛ لأن الاستدبار لها يكون فيه استقبال لبيت المقدس. وقيل: إن المقصود بذلك: أن بيت المقدس كان قبلة فيما مضى، فمن أجل ذلك قيل فيه ما قيل هنا، وأنه لا يستقبل، لكن هذا لا يستقيم؛ لأن مقتضى هذا: أن من كان عن بيت المقدس من جهة الشرق لا يتجه إلى الغرب، ومن كان عنه من جهة الغرب لا يتجه إلى الشرق، وأن يعامل معاملة القبلة التي هي الكعبة المشرفة. وهذا لم يأت في غير هذا الحديث، والحديث غير صحيح، واستقبال القبلة واستدبارها ببول أو غائط هذا جاءت فيه أحاديث أخرى، ولكن الإشكال هو أن بيت المقدس يعامل معاملة القبلة، وهذا لم يأت إلا في هذا الحديث فلا يعول عليه؛ لأنه ليس بثابت، أما إذا كان المقصود به أنه لا يستدبر القبلة حيث يكون من جهة الشمال؛ لأنه يكون بذلك جمع بين الأمرين مستقبلاً لبيت المقدس ومستدبراً للكعبة فهذا مستقيم من جهة استدبار الكعبة، والنهي عن الاستدبار قد جاءت فيه أحاديث صحيحة. لكن إذا عمل بالحديث فمعناه: أن من كان شرق بيت المقدس لا يستقبل جهة الغرب، ومن كان غرب بيت المقدس لا يستقبل جهة الشرق فيكون بذلك معاملاً معاملة الكعبة، وذلك لم يأت إلا في هذا الحديث، والحديث غير ثابت.

стр. 88

تراجم رجال إسناد حديث: (نهى رسول الله ﷺ أن نستقبل القبلتين ببول أو غائط) قوله: [حدثنا موسى بن إسماعيل]. موسى بن إسماعيل هو التبوذكي أبو سلمة ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو جد ابن أبي عاصم صاحب كتاب (السنة) من جهة أمه، فـ أبو عاصم النبيل الضحاك بن مخلد جده من جهة أبيه هو أحمد بن عمرو بن الضحاك، وموسى بن إسماعيل هذا جده من قبل أمه. وموسى بن إسماعيل هذا ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا وهيب]. هو وهيب بن خالد ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا عمرو بن يحيى]. عمرو بن يحيى ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أبي زيد]. أبو زيد هو مولى بني ثعلبة، وقيل: إن اسمه الوليد، وهو مجهول، وحديثه أخرجه أبو داود وابن ماجة. [عن معقل بن أبي معقل الأسدي]. معقل بن أبي معقل الأسدي صحابي أخرج حديثه أبو داود والنسائي وابن ماجة.

стр. 89

شرح أثر ابن عمر في جواز استقبال القبلة عند البول إذا وجد ساتر قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن يحيى بن فارس حدثنا صفوان بن عيسى عن الحسن بن ذكوان عن مروان الأصفر قال: (رأيت ابن عمر ﵄ أناخ راحلته مستقبل القبلة ثم جلس يبول إليها، فقلت: أبا عبد الرحمن! أليس قد نهي عن هذا؟ قال: بلى، إنما نهي عن ذلك في الفضاء، فإذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك فلا بأس)]. أورد أبو داود ﵀ أن مروان الأصفر قال: (إن ابن عمر أناخ راحلته مستقبل القبلة وجعل يبول) يعني: وراءها، فجعلها له سترة بينه وبين القبلة، فقال له: (أليس قد نهى عن هذا؟) يعني: عن استقبال القبلة بالبول والغائط واستدبارها، فقال: (بلى، إنما نهي عن ذلك في الفضاء)، يعني: إذا لم يكن هناك ما يستره، أما إذا كان هناك ما يستره فلا بأس بذلك. وهذا يفيد بأن استقبال القبلة ببول أو غائط ينهى عنه إذا كان ذلك في الفضاء ومن غير ساتر، أما إذا كان هناك سترة بينه وبين القبلة فإن ذلك لا بأس به، وهذا الحديث محتمل بأن يكون في سفر وأن يكون في الحضر. فالإنسان عليه أن يحرص دائماً وأبداً على ألا يستقبل القبلة ولا يستدبرها، وإذا كان الأمر في فضاء وكان الأمر يتطلب كون الإنسان يقضي حاجته إلى سترة، أو أن يكون متجهاً إلى جهة أخرى فإن مقتضى هذا أنه يستتر بشيء، وهذا هو الأولى، فإذا أمكن أن يكون استتاره بالشيء إلى غير جهة القبلة فهذا هو الذي ينبغي؛ بحيث يجمع بين السترة بينه وبين من قد يراه من جهة الأمام وبين كونه غير مستقبلاً القبلة. وهذا الحديث محتمل لأن يكون في السفر، وأن يكون في العراء والفضاء، وأن يكون في أماكن خالية، ويكون بذلك مستقبلاً القبلة، ولكن بينه وبينها راحلته التي يقضي حاجته متجهاً إليها.

стр. 90

تراجم رجال إسناد أثر ابن عمر في جواز استقبال القبلة عند البول إذا وجد ساتر قوله: [حدثنا محمد بن يحيى بن فارس]. محمد بن يحيى بن فارس هو الذهلي، وهو ثقة أخرج حديثه البخاري وأصحاب السنن الأربعة. [حدثنا صفوان بن عيسى]. صفوان بن عيسى ثقة أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن. [عن الحسن بن ذكوان]. الحسن بن ذكوان صدوق يخطئ ويدلس وحديثه أخرجه البخاري وأبو داود والترمذي وابن ماجة. [عن مروان الأصفر]. مروان الأصفر اسم أبيه خاقان أو سالم والأصفر لقبه، وهو ثقة أخرج له البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي. [قال: رأيت ابن عمر]. عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما أحد العبادلة الأربعة من أصحاب النبي ﷺ وهم: عبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عباس، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ وهم: أبو هريرة وابن عمر وابن عباس وأبو سعيد وأنس وجابر وأم المؤمنين عائشة، وقد مر ذكرهم فيما مضى.

стр. 91

شرح سنن أبي داود [٠٠٦] من الآداب الشرعية والأخلاق النبوية التي ينبغي لكل مسلم أن يمتثلها اقتداءً بالنبي ﷺ : آداب قضاء الحاجة، ومن ذلك: عدم استقبال القبلة أو استدبارها عند قضاء الحاجة، ألا يكشف الإنسان ثوبه إذا أراد أن أن يقضي حاجته إلا بعد أن يدنو من الأرض؛ لئلا ترى عورته وهو لا يدري، وينبغي عدم الكلام أثناء قضاء الحاجة إلا لحاجة وبالقدر اليسير، وغير ذلك من الآداب التي تبين عظمة هذا الدين ومكانته السامية.

стр. 92

الرخصة في استقبال القبلة عند قضاء الحاجة

стр. 93

شرح حديث ابن عمر: (لقد ارتقيت على ظهر البيت) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الرخصة في ذلك. حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن يحيى بن سعيد عن محمد بن يحيى بن حبان عن عمه واسع بن حبان عن عبد الله بن عمر قال: (لقد ارتقيت على ظهر البيت فرأيت رسول الله ﷺ على لبنتين مستقبل بيت المقدس لحاجته)]. أورد أبو داود ﵀ هذه الترجمة في الرخصة في ذلك، يعني: في استقبال القبلة واستدبارها؛ لأنه ذكر قبل ذلك كراهية استقبال القبلة عند قضاء الحاجة، وهنا قال: الرخصة في ذلك، يعني: في الاستقبال والاستدبار. وأورد حديث ابن عمر: (أن النبي ﷺ كان على لبنتين -يعني: في البيت- يقضي حاجته مستقبل الشام مستدبر الكعبة)، وهذا يدل على أن الاستقبال والاستدبار عند الحاجة في البنيان مرخص به، وأنه لا بأس بذلك؛ لأن النبي ﷺ فعله، فيدل هذا على جوازه. وقد جمع بعض أهل العلم بين هذا الحديث وبين حديث أبي أيوب المتقدم الذي هو عام بأن حديث أبي أيوب يحمل على ما إذا كان في العراء وفي الخلاء والصحراء وأما إذا كان في البنيان فإنه يؤخذ بما جاء في حديث ابن عمر. ولكن لاشك أن وضع الكراسي التي تقضى عليها الحاجة عند بناء العمارات والبيوت الأولى ألا توضع إلى اتجاه القبلة ولا استدبارها بل إلى جهة لا يكون الإنسان مستقبلاً للقبلة ولا مستدبراً لها، وإن كان ذلك جائزاً إلا أنه لاشك أن ترك ذلك وعدم الاستقبال هو الأولى، لاسيما وقد جاء عن أبي أيوب أن ذلك عام في البنيان وغير البنيان، وأيضاً قد قال بعض أهل العلم: إن حديث أبي أيوب قولي وحديث ابن عمر فعلي، والقول أقوى من الفعل؛ لأن الفعل يحتمل الخصوصية. ولكن كما هو معلوم أن الفعل الأصل فيه التأسي برسول الله ﷺ ، ولا يصار إلى الخصوص إلا إذا وجد دليل يدل على الخصوصية. وعلى هذا فإن الحرص على الأخذ بحديث أبي أيوب حيث أمكن ذلك هو الذي ينبغي، ويجوز الاستقبال والاستدبار في البنيان عند الحاجة ولا بأس بذلك؛ لأنه ثبت من فعله ﷺ .

стр. 94

تراجم رجال إسناد حديث ابن عمر: (لقد ارتقيت على ظهر البيت) قوله: [حدثنا عبد الله بن مسلمة]. عبد الله بن مسلمة هو ابن قعنب القعنبي الذي مر بنا أنه أول شيخ من شيوخ أبي داود في هذه السنن، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة. [عن مالك]. مالك بن أنس إمام دار الهجرة، المحدث الفقيه الإمام المشهور، أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة، وهو محدث فقيه، جمع بين الفقه والحديث، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. [عن يحيى بن سعيد]. يحيى بن سعيد الأنصاري المدني، وهو من صغار التابعين، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. ويحيى بن سعيد الأنصاري في طبقة صغار التابعين؛ لأن التابعين هم ثلاث طبقات: طبقة الكبار، وطبقة الأوساط، وطبقة الصغار، ويحيى بن سعيد الأنصاري من طبقة الصغار، وأول حديث في صحيح البخاري يرويه يحيى بن سعيد الأنصاري هذا عن محمد بن إبراهيم التيمي عن علقمة بن وقاص الليثي عن عمر. وهؤلاء الثلاثة هم أمثلة لكبار التابعين وأوساط التابعين وصغار التابعين؛ فإن علقمة بن وقاص الذي يروي عن عمر من كبار التابعين ومحمد بن إبراهيم الذي يروي عن علقمة بن وقاص من أوساط التابعين، ويحيى بن سعيد الذي يروي عن محمد بن إبراهيم حديث: (إنما الأعمال بالنيات) وهو أول حديث في صحيح البخاري هو من طبقة صغار التابعين، وصغار التابعين هم: الذين أدركوا صغار الصحابة ورأوهم صغار الصحابة. وفي طبقة يحيى بن سعيد شخص آخر يقال له: يحيى بن سعيد وهو أبو حيان التيمي، وهو في طبقة صغار التابعين. وهناك اثنان كل منهما يحيى بن سعيد ولكنهما متأخران عن طبقة يحيى بن سعيد الأنصاري ويحيى بن سعيد التيمي أبو حيان وهما: يحيى بن سعيد القطان ويحيى بن سعيد الأموي؛ فإن هذين من طبقة شيوخ شيوخ أصحاب الكتب الستة. ويحيى بن سعيد الأنصاري ويحيى بن سعيد التيمي متقدمان على يحيى بن سعيد القطان ويحيى بن سعيد الأموي؛ لأن يحيى الأنصاري ويحيى التيمي من طبقة صغار التابعين، وأما القطان والأموي فهما من طبقة شيوخ شيوخ أصحاب الكتب الستة. [عن محمد بن يحيى بن حبان]. محمد بن يحيى بن حبان ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن عمه واسع بن حبان]. واسع بن حبان قيل عنه: إنه صحابي ابن صحابي، وقيل: ليس بصحابي، ولكنه ثقة، وكلمة (ثقة) لا تطلق على الصحابة؛ لأنهم لا يحتاجون إلى توثيق الموثقين وتعديل المعدلين بعد أن عدلهم الله ورسوله ﷺ ، بل يكفي الواحد منهم أن يقال: إنه صحابي، وإذا كان الشخص مختلفاً فيه -منهم من قال: صحابي ومنهم من قال: تابعي- فالذي قال: صحابي يكتفي بأن يقول: هو صحابي، والذي يقول: إنه غير صحابي، يقول: هو ثقة أو نحو ذلك. ولهذا قال في التقريب: صحابي ابن صحابي، وقيل: بل ثقة. يعني: قيل قول آخر: بأنه تابعي وهو ثقة؛ لأن التابعين ومن دون التابعين يحتاج الأمر إلى النظر فيهم ومعرفة أحوالهم من الثقة والضعف وغير ذلك. [عن عبد الله بن عمر]. عبد الله بن عمر قد مرّ ذكره.

стр. 95

شرح حديث: (نهى نبي الله ﷺ أن نستقبل القبلة ببول) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن بشار حدثنا وهب بن جرير حدثنا أبي قال: سمعت محمد بن إسحاق يحدث عن أبان بن صالح عن مجاهد عن جابر بن عبد الله قال: (نهى نبي الله ﷺ أن نستقبل القبلة ببول، فرأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها)]. أورد أبو داود ﵀ حديث جابر: (نهى نبي الله ﷺ أن نستقبل القبلة ببول، ثم رأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها). وهذا فيه بيان أن جابر ﵁ رآه يستقبل القبلة، وكان ذلك في آخر حياته ﷺ قبل وفاته بعام، ولكن لا يعني هذا النسخ؛ لأن النسخ لا يصار إليه إلا إذا لم يمكن الجمع. ومن المعلوم أن حديث أبي أيوب وغيره من الأحاديث الدالة على المنع يجمع بينها وبين ما جاء في حديث ابن عمر وجابر على أن الجواز إنما هو في البنيان والمنع إذا كان في غير البنيان، أو يحمل إذا كان في غير البنيان إذا لم يكن هناك سترة يستتر بها.

стр. 96

تراجم رجال إسناد حديث: (نهى نبي الله ﷺ أن نستقبل القبلة ببول) قوله: [حدثنا محمد بن بشار]. هو البصري الملقب بـ بندار، وهو شيخ لأصحاب الكتب الستة، رووا عنه كلهم مباشرة وبدون واسطة، فهو شيخ للبخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجة كلهم يروون عنه مباشرة. وفي طبقته -أو من يشاركه في كونه من مشايخ أصحاب الكتب الستة- وأيضاً مات في نفس السنة التي مات فيها اثنان من طبقة صغار شيوخ البخاري هما: محمد بن المثنى العنزي ويعقوب بن إبراهيم الدورقي، فإن هؤلاء الثلاثة من شيوخ أصحاب الكتب الستة وأيضاً ماتوا في سنة واحدة، فكلّهم توفي قبل وفاة البخاري بأربع سنوات؛ لأن البخاري توفي سنة (٢٥٦هـ)، وهؤلاء الثلاثة الذين هم من صغار شيوخه ماتوا قبله بأربع سنوات، أي: ماتوا سنة (٢٥٢هـ). فـ محمد بن بشار من صغار شيوخ البخاري ومثله محمد بن مثنى العنزي الزمِن، ويعقوب بن إبراهيم الدورقي، والثلاثة ماتوا في سنة واحدة وهي سنة (٢٥٢هـ). [حدثنا وهب بن جرير]. هو وهب بن جرير بن حازم، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [حدثنا أبي]. هو جرير بن حازم، وهو أيضاً ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [سمعت محمد بن إسحاق]. هو محمد بن إسحاق المدني، وهو صدوق مدلّس، أخرج حديثه البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن. [عن أبان بن صالح]. قال ابن حجر: وثّقه الأئمة. أي: عدد من الأئمة. أخرج حديثه البخاري تعليقاً وأصحاب السنن. [عن مجاهد]. هو مجاهد بن جبر المكي ثقة إمام في التفسير، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن جابر]. جابر بن عبد الله الأنصاري، وهو صحابي ابن صحابي، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ ، وقد مر ذكره.

стр. 97

كيفية التكشف عند قضاء الحاجة

стр. 98

شرح حديث: (أن النبي كان إذا أراد حاجة) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب كيف التكشف عند الحاجة. حدثنا زهير بن حرب حدثنا وكيع عن الأعمش عن رجل عن ابن عمر (أن النبي ﷺ كان إذا أراد حاجة لا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض)]. أورد أبو داود ﵀ هذه الترجمة بعنوان: باب كيف التكشف عند الحاجة. يعني: كيف يكون؟ هل يكون إذا دنا من الأرض، أو يكون واقفاً قبل أن يدنو من الأرض؟ والمقصود من ذلك: أنه يكشف عورته إذا قرب من الأرض لا يكشفها وهو قائم؛ لأن هذا أستر له، وهذا هو المقصود من الترجمة. وقد أورد حديث ابن عمر: (أن النبي ﷺ كان إذا أراد حاجة لا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض)، يعني: حتى يقرب من الأرض، ولا شك أن هذا الذي دل عليه الحديث فيه التستر، وفيه عدم تعريض العورة لرؤيتها إذا كشفها الإنسان وهو قائم؛ لأنه قد يُرى في حال القيام ما لا يُرى في حال الجلوس، فالإنسان قد تكون أمامه سترة قصيرة فإذا جلس ودنا من الأرض سترته، لكنه لو كشف وهو قائم فإنه يرى من فوق هذه السترة. فالتستر يقتضي أن الإنسان لا يرفع ثوبه إلا إذا دنا من الأرض، وهذا الحديث يدل على ذلك. وهذا الحديث قال عنه الألباني: صحيح، وفي إسناده رجل مبهم، وقد ذكر في عون المعبود: أنه القاسم بن محمد، وقيل: إنه شخص آخر ضعيف، والألباني صححه، ولا أدري هل هذا التصحيح لوجود شواهد أخرى أو أن هناك شيء يوضح هذا الرجل وأنه القاسم بن محمد، فإذا كان الرجل المبهم هو القاسم بن محمد فهو أحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين، ولا أدري ما هو المستند في بيان أنه القاسم بن محمد، ولكن قد قيل أيضاً: إنه شخص آخر، وأظنه إياس بن إبراهيم وهو ضعيف. فما أدري ما وجه التصحيح عند الشيخ الألباني، ولكن المعنى لا شك أنه صحيح ومستقيم، وأن حفظ العورة وعدم كشفها يقتضي ألا تكشف إلا في حدود ما هو على قدر الحاجة، ومن المعلوم أن قدر الحاجة يحصل أو يتم حين يدنو الإنسان من الأرض، وأنه قد يحصل في حال كشفه في القيام قبل أن يدنو من الأرض أن تُرى، بخلاف ما لو دنا من الأرض فإنها لا ترى؛ لوجود شجرة أو نحوها يتوارى بها الإنسان، وخاصة إذا كانت ليست بعالية بحيث تستره إذا كان دانياً من الأرض، ولا تستره إذا كان قائماً، فمعنى الحديث صحيح.

стр. 99

تراجم رجال إسناد حديث: (أن النبي كان إذا أراد حاجة) قوله: [حدثنا زهير بن حرب]. هو أبو خيثمة زهير بن حرب، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي، وقد أخرج عنه مسلم كثيراً، ولهذا يأتي ذكره في صحيح مسلم كثيراً. قال في التقريب: روى عنه مسلم في صحيحه أكثر من ألف حديث، لكن أكثر منه أبو بكر بن أبي شيبة؛ لأنه روى عنه مسلم أكثر من ألف وخمسمائة حديث. [حدثنا وكيع]. هو وكيع بن الجراح الرؤاسي الكوفي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن الأعمش]. هو سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي، وهو ثقة يدلس، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن رجل]. هذا الرجل مبهم. وقد جاء في عون المعبود: (عن رجل) قيل: هو القاسم بن محمد أحد الأئمة الثقات، وقيل: هو غياث بن إبراهيم وهو ضعيف. وأورد البيهقي هذا السند في سننه الكبرى مع تحديد أن الرجل هو القاسم بن محمد، قال البيهقي: وأخبرنا أبو الحسن علي بن عبد الله الخسروجردي أنبأنا أبو بكر الإسماعيلي حدثنا عبد الله بن محمد بن مسلم من أصل كتابه حدثنا أحمد بن محمد بن أبي رجاء المصيصي شيخ جليل حدثنا وكيع حدثنا الأعمش عن القاسم بن محمد عن ابن عمر قال: (كان رسول الله ﷺ إذا أراد الحاجة تنحى، ولا يرفع ثيابه حتى يدنو من الأرض). ولعل هذا هو الوجه الذي صُحح الحديث به. وعلى كل حال فإن معنى الحديث صحيح ولو لم يصح سنده، والأخذ به مطلوب؛ لأن الأمر بستر العورة مطلوب ولا تكشف إلا على قدر الحاجة، والحاجة إنما تكون عند الدنو من الأرض؛ لأنه يحصل به من التستر ما لا يحصل عند رفع الثوب في حال القيام قبل أن يهوي إلى الأرض.

стр. 100

ذكر الاختلاف في روايات حديث: (أن النبي كان إذا أراد حاجة) [قال أبو داود: رواه عبد السلام بن حرب عن الأعمش عن أنس بن مالك، وهو ضعيف]. قول أبي داود ﵀: (رواه عبد السلام بن حرب عن الأعمش عن أنس وهو ضعيف)، الضعف الذي في هذه الرواية التي أشار إليها أبو داود هو من جهة الإرسال والانقطاع بين الأعمش وأنس؛ لأنه قيل: إن الأعمش لم يسمع من أنس شيئاً، وقد جاء أنه لقيه لكن ما جاء أنه سمع منه. وهي رواية أيضاً موجودة عند الترمذي، وفيه أيضاً طريق أخرى عن ابن عمر لكنه قال: وكلاهما مرسل؛ لأن الأعمش ليس له رواية لا عن أنس ولا عن ابن عمر. وعبد السلام بن حرب هذا ثقة، قال عنه الحافظ في التقريب: ثقة له مناكير، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [قال أبو عيسى الرملي: حدثنا أحمد بن الوليد حدثنا عمرو بن عون أخبرنا عبد السلام به]. الذي ذكر هذا هو أحد رواة أبي داود وهو أبو عيسى الرملي، وهو وراق أبي داود يقول: إن هذا الذي أشار إليه أبو داود وصل إليه من غير طريق أبي داود متصلاً إلى عبد السلام. قوله: [حدثنا أحمد بن الوليد]. وأحمد بن الوليد هذا ليس له ترجمة في التقريب. [حدثنا عمرو بن عون]. عمرو بن عون ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [أخبرنا عبد السلام]. هو ابن حرب، وهو الذي أشار إليه أبو داود، وعبد السلام يروي عن الأعمش عن أنس، وقد عرفنا العلة التي أشار إليها أبو داود في ذلك وهي أنه ضعيف بسبب الإرسال. وإطلاق أن رواية الأعمش عن الصحابة مرسلة هذا من باب إطلاق المرسل إطلاقاً عاماً، وهو غير الإطلاق الخاص المشهور الذي هو قول التابعي: قال رسول الله ﷺ : كذا، يعني: أن المرسل المشهور عند المحدثين هو: ما قال فيه التابعي: قال رسول الله ﷺ : كذا. ولكن يأتي الإطلاق العام، وهو أن يروي الراوي عمن لم يدرك عصره أو عمن أدرك عصره ولم يسمع منه، وهذا هو الذي يسمى المرسل الخفي، فالمرسل الخفي يكون الراوي مدركاً لمن أرسل عنه ولقيه ولكن لم يسمع منه، ولهذا فإنهم يفرقون بين المرسل الخفي وبين المدلس، فالتدليس يختص برواية الراوي عن شيخ سمع منه ما لم يسمعه منه بلفظ محتمل، أما إن عاصره ولم يُعرف أنه لقيه، أو لقيه ولم يسمع منه، فهذا هو المرسل الخفي.

стр. 101

كراهية الكلام عند الحاجة

стр. 102

شرح حديث: (لا يخرج الرجلان يضربان الغائط كاشفين عن عورتهما) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب كراهية الكلام عند الحاجة. حدثنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة حدثنا ابن مهدي حدثنا عكرمة بن عمار عن يحيى بن أبي كثير عن هلال بن عياض قال: حدثني أبو سعيد قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا يخرج الرجلان يضربان الغائط كاشفين عن عورتهما يتحدثان فإن الله يمقت على ذلك). قال أبو داود: لم يسنده إلا عكرمة بن عمار]. أورد أبو داود هذه الترجمة بعنوان: باب كراهية الكلام عند الحاجة، يعني: كون الإنسان يقضي حاجته ويتكلم مع غيره، نعم إذا كان هناك حاجة وضرورة إلى الكلام فله أن يتكلم بحدود الحاجة والضرورة، مثلاً: إذا كان الإنسان في الخلاء وطرق عليه الباب فلا بأس أن يجيبه، لكن كون الرجل يقضي الحاجة وهذا يقضي الحاجة ويتحدثان كأنهما جالسان للحديث فهذا لا يليق ولا ينبغي، بل على الإنسان أن يسكت عند قضاء الحاجة ولا يتكلم ولا يذكر الله ، ولكن إذا اضطر إلى الكلام أو كان هناك أمر يقتضي الكلام فليتكلم في حدود ما تدعو إليه الحاجة. أورد أبو داود ﵀ حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى أن النبي ﷺ قال: (لا يخرج الرجلان يضربان الغائط) يعني: لفعل الغائط، يقال: ضرب الغائط إذا قضى حاجته، وأما إذا قيل: يضرب في الأرض فمعناه: أنه يسافر، وأما إذا قيل: ضرب الغائط فمعناه: أنه قضى الحاجة، فـ (ضرب) إذا عُدّي بنفسه فالمراد به قضاء الحاجة، وإذا عدي بـ (في) فالمراد به السفر في الأرض. وقوله: (فإن الله يمقت على ذلك) يعني: أن الله يبغض ذلك، والمقت هو: شدة البغض، والممقوت هو: المبغوض.

стр. 103

تراجم رجال إسناد حديث: (لا يخرج الرجلان يضربان الغائط كاشفين عن عورتهما) [حدثنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة]. عبيد الله بن عمر بن ميسرة ثقة، أخرج له البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي. [حدثنا ابن مهدي]. هو عبد الرحمن بن مهدي، وهو ثقة، بل من أئمة الجرح والتعديل، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وقد قال عنه الذهبي في كتاب (من يعتمد قوله في الجرح والتعديل): إن يحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي إذا تكلما في شخص أو جرحا شخصاً فهو لا يكاد يندمل الجرح، يعني: أنهما إذا اتفقا على تجريح شخص فإنهما يصيبان الهدف ويصلان إلى الغاية في الجرح والتعديل. وابن مهدي إمام من أئمة الجرح والتعديل. [حدثنا عكرمة بن عمار]. عكرمة بن عمار صدوق يغلط، وروايته عن يحيى بن أبي كثير فيها اضطراب، وهنا روايته في هذا الإسناد هي عن يحيى بن أبي كثير اليمامي، ويحيى بن أبي كثير اليمامي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو الذي قال الكلمة المشهورة التي رواها عنه مسلم في صحيحه: (لا يستطاع العلم براحة الجسم)، يعني: من أراد أن يحصل العلم فلابد أن يتعب ولابد أن ينصب؛ لأنه لا يحصل أحد العلم بدون مقابل، بل لابد من بذل النفس والنفيس والغالي والرخيص، فبذلك يحصل العلم، أما أن يريد علماً وهو كسول مخلد إلى الراحة، لا يصبر على النصب والمشقة والتعب، فإن هذا لا يحصل شيئاً، وطلبه للعلم أو رغبته في العلم مع كسله وخموله من الأماني الكاذبة، ولكن من أراد العلم فليبذل ما يستطيع لتحصيله. ويحيى بن أبي الكثير اليمامي يروي هذا الحديث عن هلال بن عياض ويقال: عياض بن هلال وهو مجهول، تفرد بالرواية عنه يحيى بن أبي كثير، وأخرج حديثه أصحاب السنن الأربعة. [حدثني أبو سعيد]. هو سعد بن مالك بن سنان، مشهور بكنيته ونسبته: أبي سعيد الخدري، وهو من أكثر الصحابة حديثاً، وهو أحد السبعة الذين عرفوا بكثرة الحديث عن النبي ﷺ . والحديث ضعيف من جهتين: من جهة عكرمة بن عمار؛ لأن في روايته عن يحيى بن أبي كثير اضطراباً، ومن جهة أيضاً هلال بن عياض أو عياض بن هلال؛ لأنه مجهول تفرد بالرواية عنه يحيى بن أبي كثير اليمامي. ولكن المعنى صحيح من جهة أن الإنسان لا يجعل حالته وهو يقضي حاجته كحالته في غير ذلك، فلا يتحدث كيف شاء من غير الحاجة ومن غير شيء يدفع إلى ذلك؛ ولأن الكلام أيضاً قد يكون فيه ذكر الله، والإنسان لا يذكر الله في أماكن قضاء الحاجة.

стр. 104

الدفاع عن رجال الصحيح الذين تكلم فيهم [قال أبو داود: هذا لم يسنده إلا عكرمة بن عمار]. وعكرمة بن عمار عرفنا ما قيل فيه، وفي هذا إشارة إلى علة الحديث، وفيه العلة الأخرى وهي: الرجل مجهول الذي هو هلال بن عياض أو عياض بن هلال. وعكرمة بن عمار أخرج حديثه البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن الأربعة. ولكن ينبغي أن يعلم أن الأشخاص الذين تكلم فيهم وقد أخرج لهم البخاري على أحوال، وابن حجر ﵀ في كتابه (هدي الساري) الذي هو مقدمة الفتح ذَكَر الذين تُكُلّم فيهم من رجال البخاري على حروف المعجم، وأجاب عن الكلام فيهم من جهة أن الكلام لم يثبت أو أن المتكلم هو نفسه مجروح ولا يقبل جرحه وكلامه، أو من جهة أن رواية هذا الذي تكلم فيه تكلم فيها في شخص أو من جهة شخص، والرواية في الصحيح ليست من جهة الشخص المتكلم فيه، أو لأنه روى عنه حديثاً أو حديثين متابعة أو ما إلى ذلك، فذكر الجواب عن هؤلاء الذين انتُقدوا وتُكُلم فيهم، وبين أن الكلام في ذلك أو فيهم لا يؤثر للأسباب التي ذكرها والتوجيهات التي أشار إليها. وفي بعض النسخ زيادة على كلام أبي داود الأخير: [قال أبو داود: هذا لم يسنده إلا عكرمة وهو من حديث أهل المدينة حدثناه أبو سلمة حدثنا أبان حدثنا يحيى بهذا. يعني: موقوفاً]. يعني: موقوفاً على أبي سعيد الخدري. والله أعلم.

стр. 105

الأسئلة

стр. 106

صلاة المتأخر على الجنازة السؤال إذا أتيت بعد التكبيرة الثالثة من صلاة الجنازة فكبرت وتبعت الإمام فقرأت الفاتحة ماذا أفعل؟ وإذا كان الإمام يطول في الدعاء هل أصلي على النبي ﷺ وأدعو للميت بدون تكبير، فإذا سلم الإمام أسرد التكبير الباقي، أم ماذا أفعل؟ الجواب الرسول ﷺ يقول: (ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا)، فالإنسان يدخل معه، وإذا تمكن أن يقرأ الفاتحة والصلاة على النبي والدعاء فعل، وإذا لم يمكن إلا أحدها فالدعاء هو الأولى؛ لأن الدعاء هو الأصل في صلاة الجنازة، وإذا سلم يكبر، وإذا كبر يدعو للميت دعاءً قصيراً فيقول: الله أكبر، اللهم اغفر له، ثم يقول: الله أكبر، اللهم اغفر له، ويسلم.

стр. 107

شرح سنن أبي داود [٠٠٧] من آداب قضاء الحاجة ألا يذكر الله عند قضاء الحاجة؛ لأن ذكر الله يجب أن يُنزّه عن مثل هذه الأحوال، فلا يذكر في المواضع المستقذرة، ويستحب أن يذكر على طهارة.

стр. 108

رد السلام في حال البول

стр. 109

شرح حديث: (مر رجل على النبي ﷺ وهو يبول فسلم عليه) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: أيرد السلام وهو يبول؟ حدثنا عثمان وأبو بكر ابنا أبي شيبة قالا: حدثنا عمر بن سعد عن سفيان عن الضحاك بن عثمان عن نافع عن ابن عمر قال: (مر رجل على النبي ﷺ وهو يبول فسلم عليه فلم يرد عليه). قال أبو داود: وروي عن ابن عمر وغيره: (أن النبي ﷺ تيمم ثم رد على الرجل السلام)]. قوله: [باب: أيرد الرجل السلام وهو يبول؟] أي: هل الإنسان إذا كان على قضاء الحاجة وسلم عليه أحد يرد ﵇ أو لا يرد؟ و الجواب أنه لا يرد؛ وذلك أن السلام ذكر لله ؛ ولأنه دعاء ورده دعاء، والسلام من أسماء الله . وذكر الله لا يكون عند قضاء الحاجة، ومن ذلك رد السلام، وقد أورد أبو داود ﵀ حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: (أن رجلاً مر على النبي ﷺ وهو يبول فسلم عليه فلم يرد عليه)، وهذا يدل على أن الإنسان لا ينبغي له أن يسلم على من يقضي حاجته؛ لأن كون النبي ﷺ لم يرد عليه فيه إشارة وتنبيه إلى أنه ليس للإنسان أن يسلم على من يبول، وأنه إذا سلم عليه وهو يبول لا يرد؛ لأن ترك النبي ﷺ الرد عليه يدل على أنه لا ينبغي للإنسان أن يرد السلام وهو يقضي الحاجة. وعلى هذا فيفهم من الحديث أن الإنسان لا ينبغي له أن يسلم على من يبول، وعلى المسلم عليه الذي يقضي حاجته ألا يرد السلام، وفيه أيضاً دليل على أن ذكر الله لا يكون في حال قضاء الحاجة. وفيه أيضاً دليل على أن الإنسان إذا كان يقضي حاجته لا ينبغي له أن يتكلم، ولا أن يخاطب الناس؛ لأن النبي ﷺ ما أجاب المسلّم بشيء، لا بكلام ولا برد السلام؛ لأن التحية ورد السلام لا يناسب أن يكون في مثل هذه الحال، فهذا يفيد أن الإنسان لا يتكلم وهو يقضي حاجته. وإذا كانت هناك ضرورة تدعو إلى الكلام فللإنسان أن يتكلم على قدر الحاجة. ثم أشار أبو داود ﵀ إلى أن النبي ﵊ بعدما تيمم رد عليه، فقال: وروي عن ابن عمر وغيره: (أن النبي ﷺ تيمم ثم رد ﵇، يعني: أنه بعدما انتهى من بوله تيمم ثم رد ﵇. وهذا فيه أن الإنسان حينما يرد السلام ينبغي أن يكون على طهارة، ولكن إذا كان الإنسان ليس على قضاء الحاجة وكان غير متوضئ وغير متيمم فيجوز له أن يذكر الله وأن يرد السلام؛ ولكن الأولى والأشرف أن يكون على طهارة، وقد أورد أبو داود ﵀ هذا الحديث مسنداً في باب التيمم في الحضر. والمقصود من هذا: أن يكون رد السلام على حال أكمل وأفضل، وإلا فإن ذكر الله والإنسان محدث وليس على وضوء سائغ وجائز، وسيأتي الحديث الذي يدل على ذلك، وهو: (أن النبي ﷺ كان يذكر الله على كل أحيانه)، يعني: سواء كان متوضئاً أو غير متوضئ. ولكن الذي حصل في هذا: هو الإشارة إلى ما هو أكمل وإلى ما هو أفضل، والحديث الذي سيأتي يدل على أن ذلك سائغ وجائز، ولا تنافي بين هذا الحديث والحديث الذي سيأتي والذي فيه: (أن النبي ﷺ كان يذكر الله على كل أحيانه).

стр. 110

تراجم رجال إسناد حديث: (مر رجل على النبي ﷺ وهو يبول فسلم عليه) قوله: [حدثنا عثمان وأبو بكر ابنا أبي شيبة]. أبو شيبة هو محمد بن إبراهيم، ويكنى بـ أبي شيبة وابناه هما: عثمان وأبو بكر، وأبو بكر اسمه عبد الله ولكنه مشهور بكنيته، وكل منهما ثقة، وكل منهما خرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي. وأبو بكر هو المشهور أكثر من عثمان في كثرة الرواية، وكثرة الحديث؛ ولهذا خرج له مسلم في صحيحه -أي: لـ أبي بكر - أكثر من ألف وخمسمائة حديث، وهو أكثر الشيوخ الذين روى عنهم مسلم، يعني: أن الأحاديث التي حدث بها مسلم عن شيوخه أكثرها ما كان عن أبي بكر بن أبي شيبة. وقد اشتهر أبو بكر بن أبي شيبة بكنيته، وكذلك ينسب إلى أبيه بالكنية، فيقال: أبو بكر بن أبي شيبة، وأبو بكر اسمه عبد الله، وأبو شيبة اسمه محمد، وهذا فيه الاشتهار بالكنى، والاشتهار بكنية الأب أيضاً، ومثل هذا شهرة أبي بكر الصديق ﵁ أبو بكر بن أبي قحافة، فهو مشهور بكنيته وينسب إلى أبيه مكنى، وهو عبد الله بن عثمان ﵁، وليس مشهوراً باسمه واسم أبيه، وأبوه ليس مشهوراً باسمه، وإنما اشتهر بالكنية. وهنا أبو بكر بن أبي شيبة اشتهر بكنيته وكنية أبيه. وأبو بكر ﵁ ليس له ولد اسمه بكر، ولا لـ عمر ابن اسمه حفص، ولكن هذه كنى حصل الاشتهار بها، ولعلها حصلت في زمن مبكر وقبل أن يولد للإنسان ولد، فاستمر عليها وعلى ذكرها. [حدثنا عمر بن سعد]. هو أبو داود الحفري، والحفر: محلة من الكوفة، وهو ثقة، أخرج له مسلم وأصحاب السنن الأربعة. [عن سفيان]. هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، وهو ثقة فقيه، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. وهنا جاء غير منسوب، لأن أبا داود الحفري من أهل الكوفة، وهو يروي عن سفيان الثوري، وكذلك الضحاك بن عثمان يروي عنه أيضاً سفيان الثوري، وحديث سفيان الثوري أخرجه أصحاب الكتب الستة. وكما قلت: هو من الذين وصفوا باللقب الرفيع الذي هو من أعلى صيغ التعديل: أمير المؤمنين في الحديث، وهو مشهور بالفقه، ومشهور بالحديث رحمة الله عليه. [عن الضحاك بن عثمان]. هو الضحاك بن عثمان الأسدي، وهو صدوق يهم، أخرج له مسلم وأصحاب السنن. [عن نافع]. هو نافع مولى ابن عمر، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. (عن ابن عمر). هو عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما، وهو أحد العبادلة الأربعة من الصحابة، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ من أصحاب رسول الله ﷺ ، ورضي الله عن الصحابة أجمعين.
следующие страницы →