← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 37052

شرح سنن أبي داود للعباد

عبد المحسن العباد

Полный текст (18 341 стр.). Показаны 5391–5430 · переход к 5396.

стр. 5391

حكم أخذ وطلب ما يوزع في الحج من عصائر ومياه باردة السؤال ما يوزع في الحج كالعصائر والمياه الباردة، هل إذا طلبها الشخص من المتصدِّق يكون داخلاً في حديث الكدوح؟ الجواب الشيء المبذول والموقوف للتوزيع لا يكون أخذه من المسألة، فالناس هنا هم الذين يوزعون على بعضهم، فإذا جاء وأخذ من هذا الشيء المبذول فليس هذا من السؤال، وسواء جاء هو وأخذ، أو جيء إليه، فمثل هذا لا بأس به، ومثل هذا مسألة السُّفر في أيام رمضان، لكن للإنسان أن يستغني عن ذلك ويتركه للمحتاجين، وإذا كان يحتاج إليها فليشاركهم.

стр. 5392

حكم إسقاط الدين بدلاً من الزكاة السؤال رجل أخذ ديناً ثم أصبح فقيراً، والدائن غني جداً، فهل له أن يسقط الدين بدلاً من الزكاة؟ الجواب ليس له ذلك، ولكنه يعطيه -لفقره- من الزكاة حتى يأكل، وينظره في الدين الذي عليه إلى ميسرة، ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة:٢٨٠]، وليس للإنسان أن يجعل الزكاة وقاية للمال، أي: ليس له أن يتخلص من الحقوق التي عليه للناس بالزكاة، أو أن يستوفي حقوقه عند الناس بواسطة الزكاة، فلا يصل إلى الفقراء شيء.

стр. 5393

حال جمعية الحرمين الخيرية السؤال بعضهم يسأل عن مؤسسة الحرمين: هل تعلمون عنها شيئاً، وما حكم الاشتراك معها؟ الجواب أعلم أنها مؤسسة خيرية، وأنها تقوم بأعمال عظيمة وكبيرة فيما نسمع، ولا أعلم شيئاً عليها، وليس عندي تفاصيل.

стр. 5394

حكم من فرّط في إخراج الزكاة لسنوات وهو الآن لا يدري كم عليه السؤال رجل فرط في أداء الزكاة لسنوات ماضية، ولا يدري الآن كم يجب عليه فيما مضى، فماذا يصنع؟ الجواب يجب عليه أن يُخرج حتى يطمئن إلى أن ذمته قد برئت، وعليه أن يتحقق أن ذمته قد برئت.

стр. 5395

حكم سؤال الجمعيات الخيرية السؤال هل يجوز سؤال الجمعيات الخيرية؟ الجواب الإنسان المحتاج يسأل؛ لأن الجمعيات الخيرية عندها أموال تجمعها، سواء كانت زكاة أو غير زكاة، فالإنسان الذي يحتاج يسأل، والذي لا يحتاج يترك المسألة.

стр. 5396

حكم من سأل من فاقه فأعطي مالاً فاتخذه للتجارة السؤال إذا سأل الرجل من فاقة أو جوع ثم أعطي مالاً ليسد جوعته، لكنه بعد ذلك يستعمل هذا المال في أغراض أخرى كالتجارة وغير ذلك؟ الجواب إذا أعطي مالاً قليلاً فاشترى شيئاً يبيع فيه حتى تحصل له فائدة ويستغني عن الناس فهذا شيء طيب لا بأس به، وإذا أعطي شيئاً فقد ملكه، فله أن يأكله أو أن ينميه ويأكل من نمائه.

стр. 5397

حكم المسألة من الجامعة التي يدرس فيها السؤال نحن طلاب الجامعة، فهل تقوم الجامعة مقام السلطان وولي الأمر فتجوز المسألة؟ الجواب لا تقوم الجامعة مقام السلطان، لكن إذا كان الإنسان بحاجة إلى أن يسأل الجامعة أو غير الجامعة، وكانت المسألة تحل له فلا بأس.

стр. 5398

شبه حول تحريم التصوير السؤال يقول رجل في جريدة الشرق الأوسط اليوم: إن المصكوكات والدراهم والدنانير التي كانت على عهد الرسول ﷺ وأبي بكر وعمر ﵄ ومن بعدهم كانت عليها صور كسرى وهرقل، ورغم ذلك لم يغيرها أحد، بل بقي الأمر كذلك حتى جاء عبد الملك بن مروان واستبدلها بصورته، فدل ذلك على أن الإسلام لم يحرم التصوير؟ الجواب من أين له أن عبد الملك جعل عليها صورته، ولو جعل عليها صورته فليس في ذلك دليل، وكذلك قوله: إنها كانت في عهد النبي ﷺ وأبي بكر وعمر عليها تصاوير كسرى وقيصر يحتاج إلى إثبات، ثم لو كانت عليها صور فيجوز إبقاؤها واستعمالها، وهم لم يفعلوا ذلك، وهذا مثل الكساء أو الثوب الذي فيه صور، فإنه لا يجوز للإنسان أن يعمل صوراً في الكساء، ولكنه إذا وصل إليه كذلك فإنه يستعمله في الأمور الممتهنة وغيره. وعلى كل فما نعرف شيئاً يدل على أن تلك النقود كان فيها صور، ولا نعلم شيئاً يدل على أن عبد الملك لما شكل تلك النقود جعل فيها صورته، لا نعرف شيئاً يثبت هذا كله، ولو ثبت شيء من ذلك فلا يدل على حل التصوير؛ لأن تحريم التصوير قد جاءت فيه أحاديث كثيرة عن رسول الله ﷺ كافية شافية، فعليها يعوّل ولا يعول على سواها، ولو ثبت أنه وجد في تلك النقود تصاوير ففرق بين إنشاء التصاوير، وبين أن تكون هناك صور في شيء ثم يستعمل ويستمر استعماله وهو على حالته، كالفرش أو الكساء، فإنها ممتهنة فلا تحرق ولا تتلف، وإنما يستفاد منها بما يناسب.

стр. 5399

اتخاذ المسألة مورداً للعيش بحجة الانشغال بطلب العلم السؤال رجل يدعي أنه يطلب العلم، وهو كذلك لكنه لا يعمل، فيتخذ المسألة مورداً للعيش بحجة أنه يتفرغ لطلب العلم، مع العلم أنه في صحة وعافية، وفي سن الشباب؟ الجواب يمكن أن يجمع الإنسان بين العلم وبين العمل لتحصيل العيش، فالعلم لا يستغرق الوقت كله، فيستطيع الإنسان أن يوفق بين طلب العلم وبين العمل.

стр. 5400

حكم طلب وسؤال الدعاء من الناس السؤال هل طلب الدعاء من الغير يدخل في باب سؤال الناس؟ وما حكم طلب الدعاء من الغير؟ الجواب على الإنسان أن يسأل الله بنفسه، وأن يقوي صلته بالله ، فهذا هو الذي ينبغي، وبعض أهل العلم يمنع ذلك، وبعضهم يجيزه محتجاً بما جاء في قصة أويس القرني رحمة الله عليه، فقد قال النبي ﷺ : (من وجده فليطلب منه أن يستغفر له)، وقال بعضهم: إن السؤال بالنسبة لـ أويس إنما هو لإرشاد النبي ﷺ إلى ذلك، فالذي ينبغي للإنسان أن يقوي الصلة بالله بنفسه، ولا تكون مهمته أن يقول: ادع لي ادع لي لكل من يلقاه، بل يدعو الله هو بنفسه.

стр. 5401

جواز أخذ طالب العلم من الزكاة السؤال أنا طالب متزوج وعلي دين قدره: ألفان وخمسمائة ريال، فهل يجوز لي أن آخذ من الزكاة، علماً بأن عندي قوت يومي؟ الجواب يجوز لك أن تأخذ من الزكاة.

стр. 5402

حكم المسألة لبناء المساجد أو لإصلاحها السؤال هل تجوز المسألة لبناء المساجد أو لإصلاحها وغير ذلك مما فيه مصلحة للمسلمين؟ الجواب هذا جائز وليس بسؤال للناس، فإذا كان الإنسان واسطة خير، وطلب المساهمة في عمل خيري فهذا ليس بسؤال؛ لأنه لا يسأل لنفسه، بل يكون هذا من التعاون على البر والتقوى، فالناس بحاجة للمساجد، فإذا انتدب أحد وسأل الناس من أجل أن يساهموا في بناء المساجد فقد أحسن إلى نفسه وإلى غيره، فأحسن إلى الذين طلب منهم وساهموا، وأحسن إلى نفسه أن سعى في الخير، وأحسن إلى الناس الذين هم بحاجة إلى ذلك المسجد؛ لتحصل الصلاة في ذلك المسجد، فالمسألة الممنوعة أن يسأل الإنسان لنفسه، وأما السؤال لوجوه الخير، بحيث يكون الإنسان صادقاً في طلبه، ولا يكون هناك مجالات للف والدوران وأكل أموال الناس بالباطل فهذا لا بأس به.

стр. 5403

الشفاعة في مصلحة خيرية ليست من المسألة السؤال هل الشفاعة لبعض الإخوة المحتاجين في مصلحة خيرية من المسألة المذمومة؟ الجواب لا بأس بذلك، فالشفاعة في الخير خير، ويقول رسول الله ﷺ : (اشفعوا تؤجروا).

стр. 5404

شرح سنن أبي داود [٢٠٠] يجوز للمحتاج أن يسأل ما يسد به حاجته، لكن من يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله، واليد العليا خير من السفلى، وإذا أتى الإنسان مال من غير سؤال فليأخذه.

стр. 5405

الاستعفاف

стр. 5406

شرح حديث (ما يكون عندي من خبر فلن أدخره عنكم) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في الاستعفاف. حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن ابن شهاب عن عطاء بن يزيد الليثي عن أبي سعيد الخدري ﵁: (أن ناساً من الأنصار سألوا رسول الله ﵌ فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم، حتى إذا نفد ما عنده قال: ما يكون عندي من خير فلن أدخره عنكم، ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله، ومن يتصبر يصبره الله، وما أعطى الله أحداً من عطاء أوسع من الصبر)]. قال الإمام أبو داود السجستاني رحمه الله تعالى: باب في الاستعفاف، والاستعفاف مأخوذ من العفة، وهو أن يستغنى عما في أيدي الناس، فلا يسأل إلا إذا كان مضطراً كما جاءت بذلك الأحاديث التي مر ذكر شيء منها عن رسول الله ﷺ . وأورد أبو داود حديث أبي سعيد الخدري ﵁: (أن ناساً من الأنصار جاءوا إلى الرسول ﷺ فسألوه فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم حتى نفذ ما عنده، ثم قال ﷺ : ما يكون عندي من خير فلن أدخره عنكم) يعني: لا أختص به، ولا أبقيه دون أن يصل إليكم شيء منه، وإنما يعطيهم رسول الله ﷺ إياه كما هو معلوم من حاله، فهو أجود الناس ﵊ كما جاء في حديث ابن عباس: (كان رسول الله ﷺ أجود الناس) فكان ينفق ما يقع في يده في سبيل الله ، بل إنه ﵊ كان يأخذ قوت أهل بيته من خيبر ومن فدك فيبذله وينفقه، فينتهي في وقت قريب قوت سنة، وهذا قاله بعدما فرغ ما عنده، ثم إنه ﷺ أرشد إلى الاستغناء والاستعفاف فقال: (ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله، ومن يتصبر يصبره الله، وما أعطى الله أحداً من عطاء أوسع من الصبر)؛ لأن الإنسان إذا صبر استعف واستغنى ولم يحصل منه السؤال والإلحاف في المسألة، فهذا من النبي ﷺ حث على الاستغناء والاستعفاف، وقال النبي ﷺ : (ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس)، وفيه دليل على عظم شأن الصبر وأهميته، وأن من بذل الأسباب وحرص على الصبر فإن الله تعالى يوفقه لتحصيله، ويجعله يتصف به. ثم أرشد إلى عظيم شأن الصبر قال: (وما أعطى الله أحداً من عطاء أوسع من الصبر)، وهذا يدلنا على عظم شأن الصبر، وأن من صبر حصل له الاستعفاف والاستغناء؛ لأن الغنى هو غنى القلب، فإذا كان القلب غنياً فإن اليد تتبعه، وإذا كان القلب غير غني، واليد فيها شح فإن الكثير الذي فيها تعتبره قليلاً، وتراه يبحث عن المزيد، فيكون شأنه الأخذ وليس الإعطاء، وهذه صفة ذميمة، قال النبي ﷺ : (إن الله ينهاكم عن ثلاث: عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنع وهات)، فقوله: (ومنع وهات) أي: أنه يطلب ولا يعطي، فيكون جموعاً منوعاً.

стр. 5407

تراجم رجال إسناد حديث (ما يكون عندي من خبر فلن أدخره عنكم) قوله: [حدثنا عبد الله بن مسلمة]. عبد الله بن مسلمة القعنبي ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة. [عن مالك]. مالك بن أنس إمام دار الهجرة، الإمام المشهور المحدث الفقيه، أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. [عن ابن شهاب]. ابن شهاب هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري ثقة فقيه أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن عطاء بن يزيد الليثي]. عطاء بن يزيد الليثي ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أبي سعيد الخدري]. أبو سعيد الخدري هو سعد بن مالك بن سنان الخدري صاحب رسول الله ﷺ ، وهو مشهور بنسبته وكنيته، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ ، وهم: أبو هريرة وابن عمر وابن عباس وأبو سعيد وأنس وجابر وأم المؤمنين عائشة، فهم ستة رجال وامرأة واحدة، رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.

стр. 5408

شرح حديث (من أصابته فاقة فأنزلها بالناس لم تسد فاقته) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا مسدد حدثنا عبد الله بن داود ح وحدثنا عبد الملك بن حبيب حدثنا ابن المبارك وهذا حديثه عن بشير بن سلمان عن سيار أبي حمزة عن طارق عن ابن مسعود ﵄ أنه قال: قال رسول الله ﵌: (من أصابته فاقة فأنزلها بالناس لم تسد فاقته، ومن أنزلها بالله أوشك الله له بالغنى: إما بموت عاجل، أو غنى عاجل)]. أورد أبو داود حديث ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من نزلت به فاقة فأنزلها بالناس لم تسد فاقته) أي: إذا اعتمد على الناس وعول عليهم، وغفل عن الله فإنها لا تسد فاقته. والفاقة: هي الفقر وشدة الحاجة، فإذا عول الإنسان على الناس فإنه لا يحصل له ما يريد؛ لأنه إذا اعتمد على الناس تُرك على الناس، وأما إذا اعتمد على الله فإن الله تعالى يهيئ له الرزق من حيث لا يحتسب كما قال: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق:٢ - ٣]، أي: كافيه. قوله: (ومن أنزلها بالله أوشك الله له بالغنى: إما بموت عاجل) أي: بأن يموت قريب له عنده مال فيرثه، فيصير إليه المال من جهة لم يفكر فيها، ولم تقع له على بال، بل ساقه الله إليه من حيث لم يحتسب. (أو بغنى عاجل) أي: بأن يهيئ الله له الخير، ويهيئ له الأسباب التي توصله إلى الغنى فيحصل له الغنى.

стр. 5409

تراجم رجال إسناد حديث (من أصابته فاقة فأنزلها بالناس لم تسدّ فاقته) قوله: [حدثنا مسدد]. مسدد بن مسرهد البصري ثقة أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي. [حدثنا عبد الله بن داود]. عبد الله بن داود وهو ثقة أخرج له البخاري وأصحاب السنن. [ح وحدثنا عبد الملك بن حبيب]. عبد الملك بن حبيب أبو مروان وهو مقبول، أخرج حديثه أبو داود. [حدثنا ابن المبارك]. ابن المبارك هو: عبد الله بن المبارك المروزي ثقة، قال عنه الحافظ ابن حجر بعد أن ذكر كثيراً من صفاته الحسنة: جمعت فيه خصال الخير. [وهذا حديثه]. أي: حديث ابن المبارك صاحب الطريقة الثانية. [عن بشير بن سلمان]. بشير بن سلمان ثقة يغرب، أخرج له البخاري في (الأدب المفرد) ومسلم وأصحاب السنن. [عن سيار أبو حمزة]. سيار أبي حمزة مقبول، أخرج له البخاري في الأدب المفرد وأبو داود والترمذي وابن ماجة. [عن طارق]. طارق بن شهاب، وقد ولد في حياة النبي ﷺ ، وقد رأى النبي ﷺ . ولم يسمع منه، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. [عن عبد الله بن مسعود]. عبد الله بن مسعود الهذلي صاحب رسول الله ﷺ ، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. وهذا الحديث صححه الشيخ الألباني، وفيه هذا الرجل المقبول، فلعل له شواهد.

стр. 5410

شرح حديث (إن كنت سائلاً لابد فاسأل الصالحين) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا قتيبة بن سعيد قال: حدثنا الليث بن سعد عن جعفر بن ربيعة عن بكر بن سوادة عن مسلم بن مخشي عن ابن الفراسي: (أن الفراسي قال لرسول الله ﵌: أسأل يا رسول الله؟! فقال النبي ﵌: لا، وإن كنت سائلاً لابد فاسأل الصالحين)]. أورد أبو داود حديث الفراسي ﵁ أنه جاء إلى النبي ﷺ وقال: أسأل يا رسول الله! يستأذنه في أن يسأل والأصل: أأسأل؟ فحذفت همزة الاستفهام. قوله: (فقال: لا) أي: لا تسأل، وإن كنت بحاجة إلى السؤال فاسأل الصالحين؛ لأن سؤال أهل الصلاح فيه منافع من ذلك أنّ مال أهل الصلاح جاء من طريق حلال، وهذا بخلاف الفاسق، وربما إذا سأله استذله. وفي إسناد هذا الحديث من هو متكلم فيه، وهو مسلم بن مخشي، وقد ضعف هذا الحديث الشيخ الألباني، ولكن لا شك أن الإنسان إذا كان سائلاً فليسأل أهل الخير والصلاح والاستقامة، وهذا أولى من أن يسأل أهل الفسق، والحديث كما قلنا لم يثبت من حيث الإسناد.

стр. 5411

تراجم رجال إسناد حديث (إن كنت سائلاً لابد فاسأل الصالحين) قوله: [حديثا قتيبة بن سعيد]. قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا الليث بن سعد]. ثقة فقيه أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن جعفر بن ربيعة]. جعفر بن ربيعة المصري وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن بكر بن سوادة]. بكر بن سوادة ثقة أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن. [عن مسلم بن مخشي]. مسلم بن مخشي مقبول أخرج حديثه أبو داود والنسائي وابن ماجة. [عن ابن الفراسي]. ابن الفراسي قال الحافظ: لا يُعرف اسمه، قلت: هذه الجهالة في معرفة اسمه وليست في الحكم عليه فقد يكون صحابياً لا يعرف اسمه، وهنا روى عن النبي ﷺ ، وفي بعضه أنه روى عن أبيه عن النبي ﷺ . أخرج حديثه أبو داود والنسائي وابن ماجة. [عن أبيه]. أخرج حديثه أبو داود والنسائي وابن ماجة.

стр. 5412

شرح حديث (إذا أعطيت شيئاً من غير أن تسأله فكل وتصدق) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا أبو الوليد الطيالسي حدثنا الليث عن بكير بن عبد الله بن الأشج عن بسر بن سعيد عن ابن الساعدي ﵁ قال: (استعملني عمر ﵁ على الصدقة، فلما فرغت منها وأديتها إليه أمر لي بعمالة فقلت: إنما عملت لله وأجري على الله، قال: خذ ما أعطيت، فإني قد عملت على عهد رسول الله ﵌ فعملني، فقلت مثل قولك، فقال لي رسول الله ﵌: إذا أعطيت شيئاً من غير أن تسأله فكل وتصدق)]. أورد أبو داود حديث عمر بن الخطاب ﵁، وذلك أن عمر استعمل ابن الساعدي على الصدقة، أي: عاملاً على جبايتها؛ ولما فرغ أعطاه العمالة، وهي ما يقابل عمله، فقال: إني إنما عملت لوجه الله ولا أريد شيئاً، فقال: خذه فإن رسول الله ﷺ استعملني على الصدقة فقلت ما قلت، فقال لي رسول الله ﷺ : إذا أعطيت شيئاً من غير أن تسأله فكل وتصدق. فالحديث يدل على بعث العمال على الصدقة، وإعطائهم مقابل عملهم، وقد جاء في القرآن أن العاملين عليها من أهل مصارف الزكاة، وأنهم يعطون ولو كانوا أغنياء، وفيه أن الإنسان إذا عمل لوجه الله ثم حصل له شيء فإن ذلك لا يؤثر في قصده، فله أن يأخذه، ويكون هذا من الثواب الذي يعجله الله له في الدنيا قبل الآخرة، فهذا الرجل وقبله عمر ذكر أنه عمل ذلك لوجه الله، فقال النبي ﷺ : (خذ) أي: كل وتصدق، واستفد وأفد، وأنفق على نفسك وعلى غيرك. وفي هذا أن الإنسان إذا عمل عملاً لوجه الله تعالى ثم أعطي عطاء على ذلك فإنه يأخذ، ويكون له الأجر والثواب عند الله ، ومعلوم أنه يجوز للمرء أن يدخل في العمل كجباية الزكاة وهو يريد الأجر على ذلك، فلا مانع من ذلك، وقد جاء في قصة الفضل بن عباس ورفيقه اللذين جاءا إلى النبي ﷺ يطلبان منه أن يوليهما على الصدقة ليحصل لهما شيء يتزوجان به، فقال لهما النبي ﷺ : (إن الزكاة لا تحل لمحمد ولا لآل محمد)، ثم أمر العباس بأن يزوج ابنه، وأمر بمقدار من المال لتزوجيهما، فدل ذلك على أن الإنسان إذا عمل عملاً ووجد أجراً على ذلك فلا بأس به، وإذا عمل عملاً يستحق عليه أجراً فترك الأجر لوجه الله، فأعطي مع ذلك فلا مانع منه، ويكون ذلك من الثواب المعجل الذي يعجله الله للإنسان في الدنيا قبل الآخرة. وأما تعليم القرآن وأخذ الأجرة عليه ففيه خلاف بين أهل العلم، فمنهم من قال بعدم أخذ الأجرة عليه، وإنما يؤخذ الجُعل، وكذلك ما يكون في الأوقاف، أو من بيت المال، فلا بأس بذلك. وأما المؤاجرة على ذلك، وكون الإنسان في أعمال الخير كتعليم القرآن، وإمامة المساجد، والأذان وغير ذلك من القرب ويعتبر نفسه أجيراً، أو أنه مثل أصحاب المهن والحرف، فليس مثلهم، ولكنه إذا جُعل له شيء من بيت المال، أو خُصص لمن يتفرغ لهذه المهمة، أو إذا كانت هناك أوقاف أوقفت على وجوه الخير كأئمة المساجد، والمؤذنين، ومعلمي القرآن، فإنهم يأخذون ذلك ولهم ثوابهم عند الله ، ويكون هذا من الثواب المعجل الذي يحصله الإنسان في الدنيا قبل الآخرة، وإنما المحذور في هذا هو يُعلِّم القرآن أو أن يكون إماماً ويصلي بالناس ولا يفعل ذلك إلا بأجرة، ويتفق معهم على أجرة، وقد ذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمة الله عليه في (آداب المشي إلى الصلاة) أن الإمام أحمد سئل عن رجل يقول: أصلي بكم رمضان بكذا وكذا درهماً، فقال: أسأل الله العافية، ومن يصلي خلف هذا؟ لكن لو صلى ولم يطلب منهم شيئاً فأعطوه أو جمعوا له شيئاً، أو كانت هناك أوقاف فأعطي منها فلا بأس بذلك، ويكون هذا من الثواب المعجل.

стр. 5413

تراجم رجال إسناد حديث (إذا أُعطيت شيئاً من غير أن تسأله فكل وتصدق) [حدثنا أبو الوليد الطيالسي]. أبو الوليد الطيالسي هو هشام بن عبد الملك الطيالسي ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا الليث عن بكير بن عبد الله بن الأشج]. بكير بن عبد الله بن الأشج المصري ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن بسر بن سعيد]. بسر بن سعيد ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن ابن الساعدي]. ابن الساعدي وقيل: ابن السعدي: عبد الله بن السعدي صحابي أخرج له البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي. [عن عمر]. عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أمير المؤمنين وثاني الخلفاء الراشدين الهادين المهديين صاحب المناقب الجمة، والفضائل الكثيرة، ﵁ وأرضاه. قوله: (قال: فلما فررت منها وأديتها أمر لي بعمالة) أي: أمر له بمبلغ من المال مقابل العمل. وقوله: (عملني) أي: أعطاني العمالة.

стр. 5414

شرح حديث (اليد العليا خير من اليد السفلى) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر ﵄: (أن رسول الله ﵌ قال وهو على المنبر وهو يذكر الصدقة والتعفف منها والمسألة: اليد العليا خير من اليد السفلى، واليد العليا المنفقة والسفلى السائلة)]. أورد أبو داود حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﷺ قال: (اليد العليا خير من اليد السفلى، واليد العليا هي المنفقة، واليد السفلى هي السائلة)، وهذا الحديث يدل على فضل الإعطاء، وعلى ذم السؤال، وعلى تمييز من يعطي على من يأخذ، ووصف يد المعطي بأنها العليا، ووصف اليد الآخذ بأنها السفلى، وقال: إن اليد العليا خير من اليد السفلى، مع أن الوصف بالعلو والوصف بالسفل كافٍ لمعرفة أن هذا خير من هذا؛ لأن ما يوصف بالعلو خير مما يوصف بالسفل، ولكنه نص على الخيرية زيادة في الإيضاح والبيان على عظم شأن الإنفاق، وكون المنفق يده عليا وخيّرة، والسائل أو الآخذ يده سفلى، وهو دون ذلك المعطي، ثم فسر اليد العليا بأنها المنفقة، والسفلى بأنها الآخذة، وهذا يدلنا على فضل الإعطاء والبذل، وعلى ذم السؤال إلا إذا كان لحاجة.

стр. 5415

تراجم رجال إسناد حديث (اليد العليا خير من اليد السفلى) قوله: [حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن نافع] نافع هو مولى ابن عمر ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. وابن عمر هو عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما الصحابي الجليل، أحد العبادلة الأربعة من الصحابة، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ . [قال أبو داود اختلف على أيوب عن نافع في في هذا الحديث، قال عبد الوارث: اليد العليا المتعففة، وقال أكثرهم عن حماد بن زيد عن أيوب: اليد العليا المنفقة، وقال واحد عن حماد: المتعففة]. ثم ذكر أبو داود اختلاف الرواة في بيان اليد العليا، فذكر أولاً أنها المنفقة، وذكر في طريق أخرى أنها المتعففة، أي: أن المتعفف الذي لا يسأل هو على خير، وهو محمود، وهو ليس كالسائل، بل قد أخبر الرسول ﷺ أنه: (ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغنِ يغنه الله)، إلا أن الرواية المحفوظة هي رواية: المنفقة، وقد رجح الخطابي رواية: المتعففة على غيرها، وقال: إن هذا علو معنوي، وأما الشيخ الألباني فيقول عن المتعففة هذه بأنها شاذة، وأن المحفوظة هي رواية المنفقة. [قال أبو داود: اختلف على أيوب]. أيوب بن أبي تميمة السختياني ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن نافع في هذا الحديث، فقال عبد الوارث]. عبد الوارث بن سعيد العنبري ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. [وقال أكثرهم عن حماد بن زيد]. حماد بن زيد هو حماد بن زيد البصري ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. [وقال واحد عن حماد]. هذا الواحد هو مسدد بن مسرهد البصري، ثقة أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي، وله أيضاً متابع، وهو أبو الربيع الزهراني سليمان بن داود.

стр. 5416

شرح حديث (الأيدي ثلاث فيد الله العليا) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا عبيدة بن حميد التيمي حدثني أبو الزعراء عن أبي الأحوص عن أبيه مالك بن نضلة ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: (الأيدي ثلاث: فيد الله العليا، ويد المعطي التي تليها، ويد السائل السفلى، فأعط الفضل، ولا تعجز عن نفسك)]. أورد أبو داود حديث مالك بن نضلة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (الأيدي ثلاث: يد الله العليا، والتي تليها يد المعطي، ويد السائل هي السفلى)، فيد الله هي العليا؛ لأن الله تعالى هو المعطي على الحقيقة، وإعطاء الإنسان إنما هو تابع لإعطاء الله ، قال الله : ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير:٢٩]، وقال ﵊: (واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيء إلا قد كتبه الله لك، ولو اجتمعت على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف)، وكما جاء أيضاً عن النبي ﷺ : (إنما أنا قاسم والله يعطي). وكما في حديث معاوية: (من يرد الله به خيراً يفقه في الدين، وإنما أنا قاسم والله يعطي). فالمعطي على الحقيقة هو الله ، وقد جُعل الإنسان سبباً في وصول هذه النعمة، ولكن حقيقة الإعطاء هي من الله ، وهذا وإن كان معطياً إلا أن الله تعالى هو الذي جعله معطياً، وهو الذي جعله سبباً في وصول ذلك الخير إلى الغير. وقول الرسول ﷺ : (إنما أنا قاسم والله يعطي) فيه إشارة إلى هذه الأيدي الثلاث؛ لأن الله تعالى هو المعطي، والنبي ﷺ هو القاسم، فيعطي كما أمره الله وأرشده، والمعطى هو السائل، أو الذي يعطى من غير سؤال. قوله: (فأعط الفضل) يعني: الشيء الزائد عن حاجتك. قوله: (ولا تعجز عن نفسك) أي: في مجاهدتها في كونها تشح بالمال وتحرص على إبقائه خوف الفقر. وقيل: إنه لا يعجز عن نفسه بأن يعطيها حقها، وأن يعطيها الشيء الذي هو لازم لها، والشيء الذي يكون به قوامها، فيقدمها على غيرها ولا يعجز عن ذلك، فالمعنى يحتمل هذا ويحتمل هذا.

стр. 5417

تراجم رجال إسناد حديث (الأيدي ثلاث فيد الله العليا) قوله: [حدثنا أحمد بن حنبل]. أحمد بن حنبل هو: أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني الإمام المشهور، أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. [حدثنا عبيدة بن حميد التيمي]. عبيدة بن حميد التيمي صدوق ربما أخطأ أخرج له البخاري وأصحاب السنن. [حدثني أبو الزعراء]. أبو الزعراء هو: عمرو بن عمرو -أو ابن عامر- بن مالك بن نضلة وهو ثقة أخرج له البخاري في (خلق أفعال العباد) وأبو داود والنسائي وابن ماجة. [عن أبي الأحوص]. أبو الأحوص هو: عوف بن مالك بن نضلة، وهو عم أبي الزعراء؛ لأن أبا الزعراء هو عمرو بن عمرو -أو ابن عامر- بن مالك، وأبو الأحوص هو: عوف بن مالك بن نضلة، وهو ثقة أخرج له البخاري في (الأدب المفرد) ومسلم وأصحاب السنن. [عن أبيه]. مالك بن نضلة ﵁، وحديثه أخرجه البخاري في (خلق أفعال العباد) وأصحاب السنن.

стр. 5418

شرح سنن أبي داود [٢٠١] للزكاة مصارف معلومة نص عليها القرآن الكريم ويحرم صرفها في غير تلك المصارف، وقد نص النبي ﷺ على حرمة صرفها في بني هاشم، تكريماً لهم وتشريفاً؛ لأن الزكاة أوساخ الناس، ولاستغنائهم عنها بالفيء، ولكن إذا أعطي الفقير ونحوه من الزكاة، ثم أهدى منها لهاشمي، فإنها تجوز له.

стр. 5419

الصدقة على بني هاشم

стр. 5420

شرح حديث: (مولى القوم من أنفسهم وإنا لا تحل لنا الصدقة) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: الصدقة على بني هاشم. حدثنا محمد بن كثير أخبرنا شعبة عن الحكم عن ابن أبي رافع عن أبي رافع ﵁ (أن النبي ﵌ بعث رجلاً على الصدقة من بني مخزوم، فقال لـ أبي رافع: اصحبني فإنك تصيب منها، قال: حتى آتي النبي ﵌ فأسأله، فأتاه فسأله، فقال: مولى القوم من أنفسهم، وإنا لا تحل لنا الصدقة)]. أورد أبو داود باب: الصدقة على بني هاشم وهاشم هو ابن عبد مناف، وهو الجد الثاني لرسول ﷺ ، فنبينا محمد ﵊ هو: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، فبنو هاشم هم الذين لا تحل لهم الصدقة، والمراد بهم: آل العباس، وآل الحارث بن عبد المطلب، وآل علي، وآل جعفر، وآل عقيل، فهؤلاء هم قرابة رسول الله ﷺ الذين لا تحل لهم الصدقة، وقد قصر بعض أهل العلم المنع على بني هاشم، وألحق بهم بعضهم بني المطلب، والمطلب هو أخو هاشم، وهما من أولاد عبد مناف، ويستدلون على ذلك بأن النبي ﷺ كان يعطيهم من الخمس من سهم ذوي القربى. وقد جاء في الصحيح أن عثمان بن عفان -وهو من بني عبد شمس بن عبد مناف -وجبير بن مطعم النفيلي - وهو من بني نوفل بن عبد مناف- جاءا إلى النبي ﷺ وقالا: إنك أعطيت بني المطلب ولم تعطنا، ونحن وإياهم في القرب منك سواء؛ لأن أولاد عبد مناف أربعة: هاشم والمطلب وعبد شمس ونوفل، فالنبي ﷺ أعطى بني المطلب من خمس ذوي القربى، فجاء عثمان بن عفان وجبير بن مطعم ﵄ إلى النبي ﷺ وقالا له ذلك، فقال النبي ﷺ : (إنا وبنو المطلب شيئاً واحداً لم نفترق في الجاهلية والإسلام) أي: أنهم كانوا يناصرونهم، ولما حوصر رسول الله ﷺ في الشعب كانوا معهم، فكان النبي ﷺ يعطيهم من الخمس كما يعطي بني هاشم، قالوا: ومن أعطي من الخمس فإنه لا يعطى من الزكاة، فلا يجوز أن تدفع الزكاة لا إلى هاشمي ولا إلى مطلبي. وأورد أبو داود حديث أبي رافع ﵁ أن رجلاً من بني مخزوم قال له وقد أرسله النبي ﷺ على الصدقة: اصحبني حتى تصيب شيئاً، فقال: لا، حتى أسأل رسول الله ﷺ ، فجاء إليه وسأله، فقال: (إن مولى القوم من أنفسهم، وإنا لا تحل لنا الصدقة)، فيدل هذا الحديث على أن مولى القوم منهم، وأن الموالي لا تحل لهم الصدقة، فمن العلماء من أخذ بمقتضى هذا الحديث وقال: لا تحل لمواليهما يعني: موالي بني المطلب وبني هاشم، ومنهم من قال: إن الموالي تحل لهم الصدقة، ولكن هذا الحديث يدل على أنها لا تحل لهم؛ لأنه قال: (مولى القوم من أنفسهم) أي: أن حكمه كحكمهم، وسبب عدم إعطاء آل البيت من الصدقة أنهم يعطون ما يكفيهم من الخمس، فعندهم شيء يغنيهم عن الصدقة، وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب له يتعلق بآل البيت: إذا لم يعطوا من الخمس فإن الصدقة تحل لهم، فيجوز لهم أن يأخذوا منها؛ لأنهم إنما منعوا لإعطائهم من الخمس ومن الفيء، فإذا لم يُعطوا من الخمس، ولم يجدوا ما يكفيهم فإنها تحل لهم الصدقة؛ لأن الأمر الذي لم يعطوا من الزكاة لأجله غير موجود، فيجوز إذاً أن يعطوا من الزكاة حينئذ.

стр. 5421

تراجم رجال إسناد حديث: (مولى القوم من أنفسهم وإنا لا تحل لنا الصدقة) قوله: [حدثنا محمد بن كثير]. محمد بن كثير هو: العبدي وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [أخبرنا شعبة]. شعبة بن الحجاج الواسطي البصري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن الحكم]. الحكم بن عتيبة الكندي الكوفي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن ابن أبي رافع]. ابن أبي رافع هو: عبيد الله بن أبي رافع وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أبي رافع]. أبو رافع ﵁، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

стр. 5422

الفرق بين النسبة الحقيقية ونسبة الولاء قوله: (مولى القوم من أنفسهم) يعني: حكمه كحكمهم، وليس المراد أنه من أنفسهم حقيقة؛ لأن المراد بأنفسهم نفس القبيلة، والمولى ليس من القبيلة، ولهذا يفرقون بين المولى وبين كونه من أنفسهم، فعندما يذكر البخاري ومسلم رحمة الله عليهما، يقال في البخاري: محمد بن إسماعيل بن المغيرة الجعفي مولاهم، يعني: أن نسبته إلى الجعفيين نسبة ولاء، وإذا ذكروا مسلماً قالوا: مسلم بن الحجاج القشيري من أنفسهم، يعني: أن نسبته إلى بني قشير نسبة أصل، فكلمة (من أنفسهم) تقابل فكلمة (مولاهم). فقول الرسول ﷺ : (من أنفسهم) يقصد أن حكمه حكم من كان من آل البيت، لا أنه منهم على الحقيقة؛ لأنه مولى وليس نسبه نسبهم.

стр. 5423

شرح حديث: (كان النبي ﷺ يمر بالتمرة العائرة فما يمنعه من أخذها إلا مخافة أن تكون صدقة) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا موسى بن إسماعيل ومسلم بن إبراهيم المعنى قالا: حدثنا حماد عن قتادة عن أنس ﵁: (أن النبي ﵌ كان يمر بالتمرة العائرة فما يمنعه من أخذها إلا مخافة أن تكون صدقة)]. أورد أبو داود حديث أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ : (كان يمر بالتمرة العائرة) أي: الساقطة التي لا يعرف صاحبها، ولا يعرف هل هي من الصدقة أو من غير الصدقة، فصاحبها لا يعرف، وجهتها لا تعرف. قوله: (فلا يمنعه من أخذها إلا أن تكون صدقة) أي: لا يمنعه من أخذها وأكلها إلا أن تكون صدقة، وهذا يدل على الورع، وعلى الاحتياط في الدين، وعلى ترك الشيء المشتبه، وقد قال ﵊: (الحلال بين والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرئ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات فقد وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه). وكذلك جاء في بعض الأحاديث: (لا يبلغ الرجل أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذراً مما به بأس)، فهو يدل على الورع. وهناك فرق بين الورع والزهد، فالزهد أن يزهد الإنسان في أموال الناس، وما في أيدي الناس، وأما الورع فهو أن يتورع عن الأشياء التي فيها اشتباه، فالورع غير الزهد، فالزهد أن يكون عنده غنى نفس، وألا يكون عنده طمع أو جشع، وأما الورع فهو الاحتياط، فقول ﷺ : (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك) هذا ورع، وليس زهداً.

стр. 5424

تراجم رجال إسناد حديث: (كان النبي ﷺ يمر بالتمرة العائرة فما يمنعه من أخذها إلا مخافة أن تكون صدقة) قوله: [حدثنا موسى بن إسماعيل]. موسى بن إسماعيل التبوذكي البصري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ومسلم بن إبراهيم]. مسلم بن إبراهيم الفراهيدي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [المعنى قالا: حدثنا حماد]. قوله: المعنى أي أن الشيخين اللذين ذكر ألفاظهما روايتهما متفقة في المعنى، وإن كان بينها اختلاف في الألفاظ. [حدثنا حماد]. حماد هو: ابن سلمة، فإذا روى عنه موسى بن إسماعيل هكذا غير منسوب -ويسمى بالمهمل، وهو أن يذكر الشخص دون أن ينسب- فالمراد به حماد بن سلمة، وإذا روى مسدد عن حماد غير منسوب، فالمراد به ابن زيد وقد ذكر المزي في (تهذيب الكمال) بعد ترجمة حماد بن سلمة أن الحمادين يتفقان في كثير من الشيوخ والتلاميذ، ثم ذكر أنه إذا روى عنه فلان وفلان غير منسوب فهو فلان، وإذا روى عنه فلان فلان وفلان فهو فلان، وهذا ضابط يعرف به إذا جاء مهملاً، وذلك من خلال التلاميذ، وقد ذكر هذا في (تهذيب الكمال)، بعد ترجمة حماد بن سلمة، وهي تلي ترجمة حماد بن زيد مباشرة. [عن قتادة]. قتادة بن دعامة السدوسي البصري وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أنس]. أنس بن مالك ﵁ خادم رسول الله ﷺ ، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ . وهذا الإسناد من الرباعيات عند أبي داود، وهي أعلى الأسانيد عند أبي داود.

стр. 5425

شرح حديث (لولا أني أخاف أن تكون صدقة لأكلتها) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا نصر بن علي أخبرنا أبي عن خالد بن قيس عن قتادة عن أنس ﵁ أن النبي ﵌ وجد تمرة فقال: (لولا أني أخاف أن تكون صدقة لأكلتها)]. أورد أبو داود حديث أنس من طريق أخرى، وقال في هذه الرواية: (لولا أن تكون صدقة لأكلتها)، فأخبر عن الشيء الذي يمنعه من أكلها وهو خشية أن تكون من الصدقة، فهو مثل الذي قبله.

стр. 5426

تراجم رجال إسناد حديث (لولا أني أخاف أن تكون صدقة لأكلتها) قوله: [حدثنا نصر بن علي]. هو: نصر بن علي بن نصر بن علي الجهضمي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أبيه]. وهوثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن خالد بن قيس]. خالد بن قيس وهو صدوق يغرب أخرج له مسلم وأبو داود والترمذي في الشمائل والنسائي وابن ماجة. [عن قتادة عن أنس]. قتادة وأنس قد مر ذكرهما. [قال أبو داود: رواه هشام عن قتادة هكذا]. قوله: رواه هشام عن قتادة هكذا، يعني: كما مر في الرواية السابقة، وهشام هو: ابن أبي عبد الله الدستوائي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

стр. 5427

شرح حديث ابن عباس: (بعثني أبي إلى النبي ﷺ في إبل أعطاها إياه من الصدقة) قال المصنف ﵀: [حدثنا محمد بن عبيد المحاربي حدثنا محمد بن فضيل عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن كريب مولى ابن عباس عن ابن عباس ﵄ أنه قال: (بعثني أبي إلى النبي ﵌ في إبل أعطاها إياه من الصدقة). حدثنا محمد بن العلاء وعثمان بن أبي شيبة قالا: حدثنا محمد -هو: ابن أبي عبيدة - عن أبيه عن الأعمش عن سالم عن كريب مولى ابن عباس عن ابن عباس ﵄ نحوه، زاد أبي: (يبدلها له)]. أورد المصنف حديث ابن عباس قال: (بعثني أبي إلى رسول الله ﷺ في إبل أعطاها إياه من الصدقة)، وزاد في الرواية الأخرى: (يبدلها له)، يعني: بعثه كي يبدلها له، وهذا الحديث يدل بظاهره على أنه أعطي من الصدقة، وقد مر في الأحاديث السابقة أن بني هاشم لا يعطون من الصدقة، وأن الصدقة لا تحل لهم، قال العلماء: ويُفسَّر هذا الحديث -حتى يتفق مع الأحاديث الأخرى- بتفسيرين: الأول: أن يكون ذلك قبل تحريم الصدقة على بني هاشم. والثاني: أن يقال: إن الرسول ﷺ أعطاه من الصدقة، فقد مر في حديث عمر الذي فيه: (منع العباس) فقال النبي ﷺ : (هي علي ومثلها)، وجاء في بعض التفسيرات: أنه استسلفها منه، فيكون هذا وفاءً وسداداً، أي: أنه سدد له من إبل الصدقة، وليس معنى ذلك أنه أعطي من الصدقة؛ لأن الصدقة لا تحل لآل محمد، ومنهم آل العباس، وقد سبق الحديث الذي فيه: أن الفضل بن عباس جاء ومعه أحد أولاد الحارث بن عبد المطلب يطلبان من النبي ﷺ أن يستعملهما على الصدقة؛ حتى يحصلا شيئاً يتزوجان به، فقال لهما النبي ﷺ : (إنها لا تحل لآل محمد)، فعلى هذا فما جاء في هذا الحديث يحمل على أحد هذين الأمرين: إما أن يكون هذا قبل تحريم الصدقة على بني هاشم، أو أن هذا تسديد ووفاء لشيء استلفه منه ﷺ كما جاء في بعض روايات الحديث السابق في أمر العباس.

стр. 5428

إهداء الفقير للغني من الصدقة

стр. 5429

شرح حديث: (هو لها صدقة ولنا هدية) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: الفقير يهدي للغني من الصدقة. حدثنا عمرو بن مرزوق أخبرنا شعبة عن قتادة عن أنس ﵁ (أن النبي ﵌ أُتي بلحم، قال: ما هذا؟ قالوا: شيء تُصُدِّق به على بريرة، فقال: هو لها صدقة، ولنا هدية)]. قال الإمام أبو داود السجستاني رحمه الله تعالى: باب: الفقير يهدي للغني من الصدقة. أي أن ذلك سائغ وجائز؛ لأن الصدقة إذا تُصدِّق بها على الفقير صارت ملكاً له يتصرف فيها كيف يشاء، فله أن يهديها، وله أن يدعو لأكلها، وإلى أكل طعامه الذي تصدق عليه به؛ فإن الشيء إذا تصدق به على الفقير فإنه يدخل في ملكه، وتصير ملكاً له، وإذا أكلها غني بعد ذلك، أو أكلها من لا تحل له الصدقة؛ فإن ذلك لا بأس به، ولا محذور فيه، وقد سبق أن مرت بعض التراجم التي تماثل هذه الترجمة، وهنا جاءت بالنسبة للنبي ﷺ ، فلو كانت الترجمة: باب الفقير يهدي إلى من لا تحل له الصدقة، لكان أولى. وسبق أن مرت بعض التراجم التي فيها أن فقيراً يهدي إلى غني، وفي بعض الأحاديث أنه يدعوه، فسواء أهدى إليه، أو دعاه لحضور وليمة، أو إلى أن يأكل من طعامه؛ فكل ذلك لا بأس به، لكن هذه الترجمة كان الأولى أن تكون كما ذكرت آنفاً. أورد أبو داود حديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ قُدِّم إليه لحم فقال: (ما هذا؟ قالوا: لحم تصدق به على بريرة، فقال ﵊: هو لها صدقة، ولنا هدية). يعني: أنه وصل إليها عن طريق الصدقة فملكته، ثم وصل إلينا هدية، والنبي ﷺ يأكل من الهدية ويقبلها، ولكنه لا يأخذ الصدقة ﷺ ، فوصول الصدقة إلى الفقير يصيرها ملكاً له، فيتصرف فيها كيف يشاء، فإذا شاء أن يهديها إلى من لا تحل له الصدقة فله ذلك، وإن شاء أن يدعو إليها من لا تحل له الصدقة فله ذلك، فقد خرجت عن كونها صدقة؛ لكونها صارت ملكاً للذي تُصدِّق بها عليه، فيتصرف فيها كيف شاء. ويدل هذا الحديث أيضاً على سؤال الرجل عما يحصل في بيته مما يكون غريباً، فالنبي ﷺ قال: (ما هذا؟)، وذلك أنه رأى اللحم، وكان حصول اللحم ليس معتاداً لهم، فلما رآه ﵊ سأل عنه، فأُخبر عن حقيقته، وأنه تُصدِّق به على بريرة، وأعطتهم بريرة إياه هدية، فقال ﵊: (هو لها صدقة، ولنا هدية).

стр. 5430

تراجم رجال إسناد حديث (هو لها صدقة، ولنا هدية) قوله: [حدثنا عمرو بن مرزوق]. عمرو بن مرزوق ثقة، أخرج حديثه البخاري وأبو داود. [أخبرنا شعبة]. شعبة بن الحجاج الواسطي ثم البصري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [أخبرنا قتادة]. قتادة بن دعامة السدوسي البصري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أنس]. أنس بن مالك ﵁ صاحب رسول الله ﷺ وخادمه، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ . وهذا الحديث من الرباعيات، وهي أعلى الأسانيد عند أبي داود، فليس عنده ثلاثيات، بل إن أعلى شيء عنده هي الرباعيات، وهي ما كان بين أبي داود وبين رسول الله ﷺ فيها أربعة أشخاص، وهم هنا عمرو بن مرزوق، وشعبة، وقتادة، وأنس بن مالك رضي الله تعالى عنه.
следующие страницы →