← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 37052

شرح سنن أبي داود للعباد

عبد المحسن العباد

Полный текст (18 341 стр.). Показаны 5426–5465 · переход к 5431.

стр. 5426

تراجم رجال إسناد حديث (لولا أني أخاف أن تكون صدقة لأكلتها) قوله: [حدثنا نصر بن علي]. هو: نصر بن علي بن نصر بن علي الجهضمي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أبيه]. وهوثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن خالد بن قيس]. خالد بن قيس وهو صدوق يغرب أخرج له مسلم وأبو داود والترمذي في الشمائل والنسائي وابن ماجة. [عن قتادة عن أنس]. قتادة وأنس قد مر ذكرهما. [قال أبو داود: رواه هشام عن قتادة هكذا]. قوله: رواه هشام عن قتادة هكذا، يعني: كما مر في الرواية السابقة، وهشام هو: ابن أبي عبد الله الدستوائي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

стр. 5427

شرح حديث ابن عباس: (بعثني أبي إلى النبي ﷺ في إبل أعطاها إياه من الصدقة) قال المصنف ﵀: [حدثنا محمد بن عبيد المحاربي حدثنا محمد بن فضيل عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن كريب مولى ابن عباس عن ابن عباس ﵄ أنه قال: (بعثني أبي إلى النبي ﵌ في إبل أعطاها إياه من الصدقة). حدثنا محمد بن العلاء وعثمان بن أبي شيبة قالا: حدثنا محمد -هو: ابن أبي عبيدة - عن أبيه عن الأعمش عن سالم عن كريب مولى ابن عباس عن ابن عباس ﵄ نحوه، زاد أبي: (يبدلها له)]. أورد المصنف حديث ابن عباس قال: (بعثني أبي إلى رسول الله ﷺ في إبل أعطاها إياه من الصدقة)، وزاد في الرواية الأخرى: (يبدلها له)، يعني: بعثه كي يبدلها له، وهذا الحديث يدل بظاهره على أنه أعطي من الصدقة، وقد مر في الأحاديث السابقة أن بني هاشم لا يعطون من الصدقة، وأن الصدقة لا تحل لهم، قال العلماء: ويُفسَّر هذا الحديث -حتى يتفق مع الأحاديث الأخرى- بتفسيرين: الأول: أن يكون ذلك قبل تحريم الصدقة على بني هاشم. والثاني: أن يقال: إن الرسول ﷺ أعطاه من الصدقة، فقد مر في حديث عمر الذي فيه: (منع العباس) فقال النبي ﷺ : (هي علي ومثلها)، وجاء في بعض التفسيرات: أنه استسلفها منه، فيكون هذا وفاءً وسداداً، أي: أنه سدد له من إبل الصدقة، وليس معنى ذلك أنه أعطي من الصدقة؛ لأن الصدقة لا تحل لآل محمد، ومنهم آل العباس، وقد سبق الحديث الذي فيه: أن الفضل بن عباس جاء ومعه أحد أولاد الحارث بن عبد المطلب يطلبان من النبي ﷺ أن يستعملهما على الصدقة؛ حتى يحصلا شيئاً يتزوجان به، فقال لهما النبي ﷺ : (إنها لا تحل لآل محمد)، فعلى هذا فما جاء في هذا الحديث يحمل على أحد هذين الأمرين: إما أن يكون هذا قبل تحريم الصدقة على بني هاشم، أو أن هذا تسديد ووفاء لشيء استلفه منه ﷺ كما جاء في بعض روايات الحديث السابق في أمر العباس.

стр. 5428

إهداء الفقير للغني من الصدقة

стр. 5429

شرح حديث: (هو لها صدقة ولنا هدية) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: الفقير يهدي للغني من الصدقة. حدثنا عمرو بن مرزوق أخبرنا شعبة عن قتادة عن أنس ﵁ (أن النبي ﵌ أُتي بلحم، قال: ما هذا؟ قالوا: شيء تُصُدِّق به على بريرة، فقال: هو لها صدقة، ولنا هدية)]. قال الإمام أبو داود السجستاني رحمه الله تعالى: باب: الفقير يهدي للغني من الصدقة. أي أن ذلك سائغ وجائز؛ لأن الصدقة إذا تُصدِّق بها على الفقير صارت ملكاً له يتصرف فيها كيف يشاء، فله أن يهديها، وله أن يدعو لأكلها، وإلى أكل طعامه الذي تصدق عليه به؛ فإن الشيء إذا تصدق به على الفقير فإنه يدخل في ملكه، وتصير ملكاً له، وإذا أكلها غني بعد ذلك، أو أكلها من لا تحل له الصدقة؛ فإن ذلك لا بأس به، ولا محذور فيه، وقد سبق أن مرت بعض التراجم التي تماثل هذه الترجمة، وهنا جاءت بالنسبة للنبي ﷺ ، فلو كانت الترجمة: باب الفقير يهدي إلى من لا تحل له الصدقة، لكان أولى. وسبق أن مرت بعض التراجم التي فيها أن فقيراً يهدي إلى غني، وفي بعض الأحاديث أنه يدعوه، فسواء أهدى إليه، أو دعاه لحضور وليمة، أو إلى أن يأكل من طعامه؛ فكل ذلك لا بأس به، لكن هذه الترجمة كان الأولى أن تكون كما ذكرت آنفاً. أورد أبو داود حديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ قُدِّم إليه لحم فقال: (ما هذا؟ قالوا: لحم تصدق به على بريرة، فقال ﵊: هو لها صدقة، ولنا هدية). يعني: أنه وصل إليها عن طريق الصدقة فملكته، ثم وصل إلينا هدية، والنبي ﷺ يأكل من الهدية ويقبلها، ولكنه لا يأخذ الصدقة ﷺ ، فوصول الصدقة إلى الفقير يصيرها ملكاً له، فيتصرف فيها كيف يشاء، فإذا شاء أن يهديها إلى من لا تحل له الصدقة فله ذلك، وإن شاء أن يدعو إليها من لا تحل له الصدقة فله ذلك، فقد خرجت عن كونها صدقة؛ لكونها صارت ملكاً للذي تُصدِّق بها عليه، فيتصرف فيها كيف شاء. ويدل هذا الحديث أيضاً على سؤال الرجل عما يحصل في بيته مما يكون غريباً، فالنبي ﷺ قال: (ما هذا؟)، وذلك أنه رأى اللحم، وكان حصول اللحم ليس معتاداً لهم، فلما رآه ﵊ سأل عنه، فأُخبر عن حقيقته، وأنه تُصدِّق به على بريرة، وأعطتهم بريرة إياه هدية، فقال ﵊: (هو لها صدقة، ولنا هدية).

стр. 5430

تراجم رجال إسناد حديث (هو لها صدقة، ولنا هدية) قوله: [حدثنا عمرو بن مرزوق]. عمرو بن مرزوق ثقة، أخرج حديثه البخاري وأبو داود. [أخبرنا شعبة]. شعبة بن الحجاج الواسطي ثم البصري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [أخبرنا قتادة]. قتادة بن دعامة السدوسي البصري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أنس]. أنس بن مالك ﵁ صاحب رسول الله ﷺ وخادمه، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ . وهذا الحديث من الرباعيات، وهي أعلى الأسانيد عند أبي داود، فليس عنده ثلاثيات، بل إن أعلى شيء عنده هي الرباعيات، وهي ما كان بين أبي داود وبين رسول الله ﷺ فيها أربعة أشخاص، وهم هنا عمرو بن مرزوق، وشعبة، وقتادة، وأنس بن مالك رضي الله تعالى عنه.

стр. 5431

الفرق بين الصدقة والهدية والفرق بين الصدقة والهدية أن الصدقة -كما هو معلوم- يراد بها الثواب من الله ، وأما الهدية فهي مثل العطية، فيمكن أن تعطيها لغني، ويمكن أن تعطيها لفقير، وقد تكون الهدية على سبيل المكافأة، فقد يهدي للإنسان هدية فيكافئه بمثلها، وهذا بخلاف الصدقة فإنها يطلب بها الثواب، فلا يكون فيها مكافأة، ولا يكون فيها رد تلك المنة بما هو أحسن منها، أو بما هو مثلها؛ فإن الصدقة إنما هي إحسان ومنة من المحسِن إلى المحسَن إليه، وهي صدقة من المتصدِّق على المتصدَّق عليه، بخلاف الهدية، فإن الهدية تمليك كالعطية، وقد يكون المراد بها تحصيل المقابل أو تحصيل الثواب أو تحصيل المكافأة والمقابلة عند الحاجة.

стр. 5432

من تصدق بصدقة ثم ورثها

стр. 5433

شرح حديث: (قد وجب أجرك ورجعت إليك في الميراث) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: من تصدق بصدقة ثم ورثها. حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس حدثنا زهير حدثنا عبد الله بن عطاء عن عبد الله بن بريدة عن أبيه بريدة ﵁ أن امرأة أتت رسول الله ﵌ فقالت: (كنت تصدقت على أمي بوليدة وإنها ماتت وتركت تلك الوليدة، قال: قد وجب أجرك، ورجعت إليك في الميراث)]. أورد أبو داود باب: من تصدق بصدقة ثم ورثها، أي: أن رجوعها إليه بالميراث معتبر ولا إشكال فيه، وليس من العود في الصدقة؛ لأن الإرث هو انتقال من غير اختيار، فالميت إذا مات فإن ماله ينتقل مباشر من ملك إلى ملك، فهو أمر ليس للإنسان فيه دخل من حيث كونه يتسبب فيه، فإذا حصل أن رجعت الصدقة إلى المتصدق عن طريق الإرث فإن أجره ثابت؛ لكونه تصدق وأحسن، ورجوعها إليه بالميراث حق ثابت لا إشكال فيه ولا مانع منه، وليس من قبيل العود في الصدقة؛ فالإنسان لم يعد في صدقته، ولكنها هي التي عادت إليه بحكم الله في الميراث، والميراث لا اختيار فيه لأحد، وإنما هو حكم الله فيمن توفي، فإن أمواله تنتقل إلى الذين يرثونه على القسمة التي بيّنها الله في كتابه العزيز، وبينها رسوله الكريم ﷺ في السنة المطهرة. أورد أبو داود حديث بريدة بن الحصيب ﵁: (أن امرأة جاءت إلى النبي ﷺ وقالت: إنها تصدقت على أمها بوليدة)، والوليدة هي الأمة الشابة، (وأنها ماتت) أي: أنها تسأل عن حكم رجوعها إليها بالميراث، وكأنها استشكلت أن ذلك يكون من العودة في الصدقة، وقد جاءت أحاديث تدل على المنع من ذلك، وكذلك العود في الهبة والعطية مذموم أيضاً، والعائد في ذلك: (كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه) كما قال رسول الله ﷺ ، وقد جاء في قصة الفرس الذي حمل عليه عمر ﵁ في سبيل الله، ثم وجده يباع، فسأل النبي ﷺ ، فقال له: (لا تشتره، ولا تعُد في صدقتك)، فهذا يرجع إلى اختيار الإنسان، وأما أن تصل إليه بالميراث فهذا شيء خارج عن إرادته، والأجر ثابت له، فقد عادت إليه بحكم الله ، وذلك بالإرث الذي فرضه الله ؛ ولهذا قال النبي ﷺ هنا: (قد وجب أجرك، ورجعت إليك في الميراث) أي: أن ما حصل منك من الإحسان والتصدق على والدتك قد ثبت به لك الأجر من الله على ذلك، وهي قد رجعت إليكِ بالميراث، فيدلنا هذا على أن رجوع ما تصدق به الإنسان أو ما أعطاه الإنسان هبة إذا رجع إليه بالميراث فإن هذا ليس من العود في الهبة، وليس من العود في الصدقة، فإن هذا شيء لا اختيار للإنسان فيه.

стр. 5434

تراجم رجال إسناد حديث: (قد وجب أجرك ورجعت إليك في الميراث) قوله: [حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس]. أحمد بن عبد الله بن يونس الكوفي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وقد قال عنه الإمام أحمد: إنه شيخ الإسلام. [حدثنا زهير]. زهير بن معاوية ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا عبد الله بن عطاء]. عبد الله بن عطاء صدوق يخطئ، أخرج له مسلم وأصحاب السنن. [عن عبد الله بن بريدة]. عبد الله بن بريدة بن الحصيب ثقة، وقد أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أبيه]. بريدة وهو صحابي، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

стр. 5435

شرح سنن أبي داود [٢٠٢] لقد فرضت الزكاة طهرة للمال ونماء، وقد ندب الله عباده إلى الصدقة بالفضل من الظهر والطعام، وإعارة دلو السقي ومنح الحلوب من الأنعام، ونحو ذلك مما يوجب الألفة والتكافل، ويعمل على التقارب بين طبقات المجتمع.

стр. 5436

ما جاء في حقوق المال

стр. 5437

شرح حديث (كنا نعد الماعون على عهد رسول الله ﷺ عارية الدلو والقدر) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في حقوق المال. حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا أبو عوانة عن عاصم بن أبي النجود عن شقيق عن عبد الله ﵁ قال: (كنا نعد الماعون على عهد رسول الله ﵌ عارية الدلو والقدر)]. أورد أبو داود باباً في حقوق المال، أي: الحقوق المترتبة على المال، سواء كانت في الزكاة أو غير الزكاة. وأورد فيه شيئاً يتعلق بالزكاة، وأشياء هي غير الزكاة، وأورد في ذلك حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (كنا نعد الماعون) أي: الذي جاء ذكره في القرآن: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون:٧]، (عارية الدلو والقدر) أي: الأشياء التي يحتاج الناس إلى التعاون فيها، وتبادل المنافع فيما بينهم، كإعارة الدلو، والقدر، والصحن، وغير ذلك من الأشياء التي يحتاجها الناس ثم يرجعونها. قال: (كنا نعد الماعون عارية الدلو) أي: إعارة الدلو التي يستخرج بها الماء من البئر، وإعارة القدر التي يطبخ بها، أو التي تستعمل في أي وجه آخر من وجوه الاستعمال المباحة المشروعة، والمقصود من ذلك تفسير الماعون هذه الآية الكريمة: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون:٧]، وهذا تفسير بالمثال؛ لأن ذكر الدلو والقدر مثال، وإلا فإن الأمور الأخرى التي يحتاج الناس إلى تبادلها على سبيل الإعارة فيما بينهم من الأواني وغيرها تدخل في ذلك. ومراد أبي داود من الترجمة أن هذه الأشياء من الحقوق.

стр. 5438

تراجم رجال إسناد حديث (كنا نعد الماعون على عهد رسول الله عارية الدلو والقدر) قوله: [حدثنا قتيبة بن سعيد]. قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا أبو عوانة]. أبو عوانة هو: الوضاح بن عبد الله اليشكري، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن عاصم بن أبي النجود]. عاصم بن أبي النجود وهو عاصم بن بهدلة وهو صدوق له أوهام، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وروايته في الصحيحين مقرونة. [عن شقيق]. شقيق بن سلمة هو: أبو وائل، يذكر بكنيته أحياناً، ويذكر باسمه أحياناً أخرى، وهو ثقة مخضرم أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن عبد الله]. عبد الله بن مسعود ﵁، صاحب رسول الله ﷺ ، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

стр. 5439

شرح حديث (ما من صاحب كنز لا يؤدي حقه إلا جعله الله يوم القيامة) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﵌ قال: (ما من صاحب كنز لا يؤدي حقه إلا جعله الله يوم القيامة يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جبهته وجنبه وظهره حتى يقضي الله تعالى بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون، ثم يُرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار، وما من صاحب غنم لا يؤدي حقها إلا جاءت يوم القيامة أوفر ما كانت، فيبطح لها بقاع قرقر فتنطحه بقرونها، وتطؤه بأظلافها ليس فيها عقصاء ولا جلحاء، كلما مضت أُخراها ردّت عليه أولاها حتى يحكم الله تعالى بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار، وما من صاحب إبل لا يؤدي حقها إلا جاءت يوم القيامة أوفر ما كانت، فيبطح لها بقاع قرقر، فتطؤه بأخفافها كلما مضت عليه أخراها ردت عليه أولاها، حتى يحكم الله تعالى بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار)]. أورد أبو داود حديث أبي هريرة ﵁، أنه (ما من صاحب كنز) أي: سواء كان ذهباً أو فضة، لا يؤدي حقه إلا إذا كان يوم القيامة صفح له صفائح من نار، فيكوى بها جبينه وجنبه وظهره في نار جهنم، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون، حتى يحكم الله تعالى بين العباد، فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار. وقوله: (لا يؤدي حقها) حقها هو زكاتها، وقد سبق أن مر أن المال الذي أخرجت زكاته ليس بكنز، فالكنز الذي توعد عليه في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة:٣٤] إنما هو الذي لم يؤد حقه، فأما إذا أخرجت زكاته فلا يعتبر كنزاً؛ لأنه قد أدي الحق الذي عليه فيه. وقوله: (فيُرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار) فيه دليل على أن من لم يؤد الزكاة التي هي عليه في ماله، ولم يكن ذلك جحوداً للزكاة، وإنما كان بخلاً وكسلاً فإنه لا يكون كافراً؛ لأنه قال هنا: (ثم يُرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار)، والكافر لا سبيل له إلى الجنة، فليس أمامه إلا النار، فهذا يدلنا على أنه لا يكفر، ولكنه يعذب على ذلك في الموقف، وبعد ذلك يُرى مصيره إما إلى الجنة وإما إلى النار، فيحتمل أنه يصير من أهل الجنة، وأن الله تعالى يتجاوز عنه، أو أنه يعذب العذاب الذي يستحقه في القبر أو في الموقف في ذلك اليوم العظيم الذي مقداره خمسون ألف سنة مما يعد الناس، فيكون هذا نصيبه من العذاب على عدم إخراجه الزكاة تهاوناً وكسلاً. وأما إذا كان تركها جحوداً فإنه يكون كافراً؛ لأن جحود ما هو معلوم ثبوته من دين الإسلام بالضرورة كفر. قوله: (وما من صاحب غنم لا يؤدي حقها إلا إذا كان يوم القيامة بطح لها بقاع قرقر) أي: بطح لها بمكان مستو ليس فيه ارتفاع ولا انخفاض. وقوله: (قرقر) قيل: إن المقصود به أنه أملس، وقيل: إنه هو نفس القاع، ولكنه ذكر هنا على سبيل التوضيح، ولعله في كونه مستوياً أن تمشي عليه بسهولة فتطؤه ذاهبة وآيبة، فتأتي يوم القيامة تلك الغنم التي لم يؤد حقها (ليس فيها عقصاء) وهي ملتوية القرن، (ولا جلحاء) وهي التي لا قرن لها، بل تكون قرونها بارزة كي تنطحه بها. (وتطؤه بأظلافها)، والظلف: هو الذي يكون منقسماً إلى قطعتين، فهناك خف وظلف وحافر، فالخف يكون للبعير، والظلف يكون للشاة والبقرة، والحافر يكون للفرس وللحمار. (إذا مر عليه أخراها عاد عليه أولها) أي: بدأ أولها حتى ينتهي آخرها، ثم ترجع من جديد، وهكذا في هذا اليوم الذي مقداره خمسون ألف سنة مما يعد الناس، حتى يحكم الله تعالى بين العباد، (ويرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار). قوله: (وما من صاحب إبل لا يؤدي حقها) وحقها هو زكاتها، وهناك شيء آخر مع الزكاة سيأتي بيانه. قوله: (إلا إذا كان يوم القيامة بطح لها بقاع قرقر فتطؤه بأخفافها إذا مر عليه آخرها عاد عليه أولها) أي: فرغت من أولها إلى آخرها عند ذلك تستأنف من جديد، فتأتي أولاها وتطؤه حتى تأتي أخراها وهكذا، ويكون ذلك في هذا اليوم الطويل الذي مقداره خمسون ألف سنة مما يعد الناس، حتى يحكم الله تعالى بين عباده فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار. فالحق هنا هو الزكاة، ولكن جاء في بعض الروايات ما يدل على أن هناك شيئاً آخر وراء هذا الحق، وهو حلبها يوم وِرْدها والتصدق بذلك، وكذلك إعارة دلوها وما إلى ذلك من الأمور التي يحتاج الناس إليها، وهذا من الحقوق، وهي غير الحقوق الواجبة التي لابد منها، وهذا العذاب يكون قبل الفصل. وأما إذا ترك أداء الحق جحوداً فإنه يبقى في النار أبد الآباد؛ لأنه كافر، وأما إن كان تركها تهاوناً وكسلاً فإنه يعذب في النار على قدر جرمه، ثم بعد ذلك يخرج من النار ويدخل الجنة، فلا يبقى في النار إلا الكفار الذين هم أهلها، والذين لا سبيل لهم إلى الخروج منها، وأما أصحاب الكبائر والمعاصي فمهما طال مكثهم في النار فلابد أن يأتي يوم يخرجون منها ويدخلون الجنة. يقول ابن القيم ﵀ في كتابه (الوابل الصيب): هناك داران باقيتان لا تفنيان، وهناك دار تفنى، فأما الداران الباقيتان اللتان لا تنفيان فدار الطيب المحض، ودار الخبث المحض، يعني: دار المتقين ودار الكفار، فهاتان باقيتان أبد الآباد، وأما الدار التي جمع أهلها بين الخبث والطيب فإنها تفنى، فالذين دخلوا النار يعذبون على قدر خبثهم، ثم يخرجون من النار ويدخلون الجنة، فيصير المكان الذي كان فيه هؤلاء العصاة خالياً ليس فيه أحد، وهذا هو معنى فنائها، وأما الكفار فالمكان الذي هم فيه في النار لا يخلو منهم أبد الآباد. وهذا واضح الدلالة على أن ابن القيم يرى دوام النار، وأنها لا تفنى، وأن التي تفنى إنما هي النار التي فيها العصاة، فإنه يأتي عليها يوم من الأيام وليس فيها أحد. وأما المكان الذي فيه الكفار فهذا باق أبد الآباد إلى غير نهاية. وهذا العذاب يكون في المحشر، وقد جاء في حديث الشفاعة العظمى: (أن الناس يموج بعضهم في بعض، ويلجمهم العرق، فمنهم من يكون العرق إلى ركبته، ومنهم إلى نصفه إلخ)، وهذا التفاوت بينهم على حسب الأعمال التي حصلت منهم في الدنيا، ثم بعد ذلك يبحثون عن طريق للخلاص من هذا الموقف، فينتهون إلى أن يستشفعوا برسل الله إلى الله؛ ليخلصوهم مما هم فيه، (فيأتون إلى آدم فيعتذر، ثم إلى نوح فيعتذر، ثم إلى إبراهيم فيعتذر، ثم إلى موسى فيعتذر، ثم إلى عيسى فيعتذر، ثم يأتون إلى محمد ﷺ فيقول: أنا لها، فيشفع، فيشفعه الله ، وهذا هو المقام المحمود الذي يحمده عليه الأولون الآخرون، من لدن آدم وإلى أن تقوم الساعة، فحصل الخلاص للجميع من ذلك الموقف بهذه الشفاعة من الرسول الكريم محمد صلوات الله وسلامه وبركاته عليه. وسمي بالمقام المحمود؛ لأنه يحمده عليه الأولون والآخرون، ولهذا جاء في أول الحديث: (أنا سيد الناس يوم القيامة)، ونص على سيادته يوم القيامة مع أنه سيد الناس في الدنيا والآخرة لأن سؤدده على الناس كلهم من أولهم إلى آخرهم يظهر في ذلك اليوم العظيم، ويظهر فضله وإحسانه على الجميع؛ لأن شفاعته شملت الجميع من آدم إلى آخر رجل، فكل الخليقة تمّ تخليصهم مما هم فيه من شدة الموقف بشفاعة نبينا محمد صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.

стр. 5440

تراجم رجال إسناد حديث (ما من صاحب كنز لا يؤدي حقه إلا جعله الله يوم القيامة) قوله: [حدثنا موسى بن إسماعيل]. موسى بن إسماعيل هو التبوذكي البصري ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا حماد]. حماد هو ابن سلمة ثقة أخرج له البخاري ومسلم وأصحاب السنن. [عن سهيل بن أبي صالح]. سهيل بن أبي صالح صدوق أخرج له أصحاب الكتب الستة، إلا أن البخاري أخرج له تعليقاً ومقروناً. [عن أبيه]. أبوه هو: أبو صالح ذكوان السمان، فاسمه ذكوان، ولقبه السمان، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أبي هريرة] هو: عبد الرحمن بن صخر الدوسي صاحب رسول الله ﷺ ، وأكثر أصحابه حديثاً على الإطلاق، ﵁ وأرضاه.

стр. 5441

شرح حديث (ومن حقها حلبها يوم وردها) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا يحيى بن خلف حدثنا أبو عاصم عن ابن جريج قال: قال أبو الزبير: سمعت عبيد بن عمير قال: قال رجل: (يا رسول الله! ما حق الإبل؟ فذكر نحوه، زاد: وإعارة دلوها)]. أورد أبو داود الحديث من طريق أخرى، قال: وذكر نحوه، وقال: (وإعارة دلوها)، والمراد بالدلو -كما هو معلوم- الدلو التي يستخرج بها الماء للإبل، فإذا كان عند الإنسان دلو فإنه يسقي إبله ويعير الدلو، فهذا من الحق والإحسان الذي يكون بين الناس، وقال صاحب (عون المعبود): ضرعها، وهذا ليس فيه إعارة الضرع، اللهم إلا أن تعار المنيحة كلها، فيحلبها ويرجعها، فهذا هو الذي يمكن إعارته، وأما الدلو فالمقصود بها الدلو المعروفة وليس الضرع، فتفسير الدلو هنا بالضرع غير واضح ولا مستقيم.

стр. 5442

تراجم رجال إسناد حديث (ومن حقها حلبها يوم وردها) قوله: [حدثنا يحيى بن خلف]. يحيى بن خلف صدوق أخرج له مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجة. [حدثنا أبو عاصم]. أبو عاصم هو الضحاك بن مخلد النبيل، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن ابن جريج]. ابن جريج هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي، ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. قال: [أبو الزبير]. أبو الزبير هو: محمد بن مسلم بن تدرس المكي، صدوق أخرج له أصحاب الكتب الستة. [سمعت عبيد بن عمير]. عبيد بن عمير ولد على عهد النبي ﷺ ، وقيل: إنه من كبار التابعين، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهذا هو من قبيل المرسل، لكن ما قبله شاهد له، وكذلك ما بعده.

стр. 5443

شرح حديث (فما حق الإبل قال تعطي الكريمة) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا الحسن بن علي حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا شعبة عن قتادة عن أبي عمر الغداني عن أبي هريرة ﵁ قال: (سمعت رسول الله ﵌ نحو هذه القصة، فقال له -يعني: لـ أبي هريرة -: فما حق الإبل؟ قال: تعطي الكريمة، وتمنح الغزيرة، وتفقر الظهر، وتطرق الفحل، وتسقي اللبن)]. أورد أبو داود الحديث من طريق أخرى، وفيه: أنه قيل لـ أبي هريرة [فما حق الإبل؟] فبين أمثلة عديدة من ذلك الحق الذي يكون في الإبل، وهو غير الزكاة. قوله: [فقال: أن تعطي الكريمة] وهي النفيسة، فكون الإنسان يعطيها ويبذلها لغيره فهذا من الحق، وهذا أمر زائد على الحد الواجب. وهو الزكاة يسمى إحساناً. قوله: [وتمنح الغزيرة] وهي الشاة أو الناقة أو غيرهما إذا كانت غزيرة اللبن، فتعطى للفقراء يحلبونها ويستفيدون من لبنها وحليبها، وإذا انتهى الحليب أرجعها المستمنح إلى صاحبها؛ لأنها لا تزال في ملكه، فهو لم يمنحهم إلا المنفعة دون العين، فهي لا تزال باقية في ملك صاحبها. قوله: [وتفقر الظهر] أي: أن تحمل على الظهر من يحتاج إلى حمل، وهذا من حق الإبل، فهو يفيد غيره بركوبها والسلامة من طول المشي، وهذا في حق لا ظهر له. قوله: (وتطرق الفحل) أي: إذا كان عنده فحل من الإبل أو الغنم واحتاج أحد إلى إطراقه لأنثى له من الإبل أو الغنم فإنه يمكنه من ذلك بدون أن يأخذ عليه مقابلاً، فقد جاء في الحديث: (أن رسول الله ﷺ نهى عن عسب الفحل)، وهو ما يؤخذ مقابل نزوه على الإناث، فهذه من الأمور التي تبذل ولا يبايع عليها، وبيع ذلك لا يصح ولا يجوز؛ لأن هذا من الأمور التي لا يصلح أن تكون محلاً للبيع والشراء، ثم هو أيضاً شيء مجهول، وغير مقدور على تسليمه، فربما ينزو الفحل ولا ينتج شيئاً، فيكون الإنسان قد أخذ مقابلاً على ذلك مع أنه لم يحصل من ذلك شيء؛ لذلك فإنه يُمنع بدون مقابل. قوله: (وتسقي اللبن)، فهناك قال: (تمنح الغزيرة) أي: أنه يعطي الشاة للفقير ويقول له: احلبها، فإذا انتهى حليبها فأرجعها إليّ، فهذا هو المنح، وهنا قال: (وتسقي اللبن) أي: أنه يحلبها ثم يعطي الناس لبناً في قدح، فتكون تلك العطية منتهية بإعطاء ذلك القدح، فهذا هو الفرق بين الجملتين. وهذه الحقوق -كما هو معلوم- هي من مكارم الأخلاق، ومن الأمور التي تبذل بين الناس، وأما الحق الواجب فيها فهو إخراج الزكاة، فالإنسان إذا أدى زكاة ذلك فليس بكانز للمال، وكذلك إذا أدى الزكاة في الإبل فقد أدى ما هو واجب عليه، وأما هذه فهي من الأمور التي جاءت الشريعة ببذلها، والإحسان فيها، فلو لم تبذل لم يكن الإنسان مؤاخذاً عليها. وكما هو معلوم أن الحق هو الزكاة، وأما هذه فهي من الحقوق الإضافية التي هي من باب المروءات والإحسان بين الناس، ولو لم يفعلها لا يقال: إنه ترك أمراً واجباً عليه. وإعارة السيارة الآن داخلة في قوله: (وتفقر الظهر)؛ لأن حمل الناس الآن إنما هو على السيارات وليس على الدواب، فالدواب لا يحج عليها أحد الآن، ولا ينتقل عليها من بلد إلى بلد، فقد جاءت السيارات وحلت محلها، فعلى الإنسان أن يحسن في السيارة كما كان يحسن في الإبل، ولا شك أن هذا من الحقوق التي تكون بين الناس، فللإنسان أن يؤجرها وله أن يعيرها، وكل ذلك حق، كما أن الإبل يمكن أنه تؤجر ويمكن أنه تعار، وقد سبق أن مر الحديث الذي فيه: أنهم كانوا يكارون الإبل للحج. وللإنسان أن يتصرف في ماله كيف يشاء، فإن أراد أن يعطيه السيارة التي يملكها فيملكها إياه فلا بأس بذلك، وإن أراد أنه يعيره إياها فله ذلك، وإن قال له: اركب معي فيذهب به مشواراً فكل هذا بإمكانه، فصاحب المال يتصرف فيه كيف يشاء. ولا تدخل السيارة في جملة الماعون، فالماعون هي الأشياء التي يتبادلها الناس فيما بينهم كالقدر والدلو والصحن وغيرها من الأشياء التي يحتاج إليها الناس فيما بينهم، وأما السيارة فلا تدخل في إعارة الماعون، فهي مثل الظهر بالنسبة للناقة، فللإنسان أن يؤجر الظهر، وله أن يحسن بالظهر، وكذلك السيارة، فله أن يؤجرها، وله أن يحسن بها.

стр. 5444

تراجم رجال إسناد حديث (فما حق الإبل قال تعطي الكريمة) قوله: [حدثنا الحسن بن علي]. الحسن بن علي الحلواني ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة، إلا النسائي. [حدثنا يزيد بن هارون]. يزيد بن هارون الواسطي وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. [أخبرنا شعبة]. شعبة بن الحجاج الواسطي مر ذكره. [عن قتادة]. قتادة مر ذكره. [عن أبي عمر الغداني]. أبو عمر الغداني مقبول أخرج له أبو داود والنسائي. [عن أبي هريرة]. أبو هريرة مر ذكره.

стр. 5445

شرح حديث (وإعارة دلوها) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا يحيى بن خلف حدثنا أبو عاصم عن ابن جريج قال: قال أبو الزبير: سمعت عبيد بن عمير قال: قال رجل: (يا رسول الله! ما حق الإبل؟ فذكر نحوه، زاد: وإعارة دلوها)]. أورد أبو داود الحديث من طريق أخرى، قال: وذكر نحوه، وقال: (وإعارة دلوها)، والمراد بالدلو -كما هو معلوم- الدلو التي يستخرج بها الماء للإبل، فإذا كان عند الإنسان دلو فإنه يسقي إبله ويعير الدلو، فهذا من الحق والإحسان الذي يكون بين الناس، وقال صاحب (عون المعبود): ضرعها، وهذا ليس فيه إعارة الضرع، اللهم إلا أن تعار المنيحة كلها، فيحلبها ويرجعها، فهذا هو الذي يمكن إعارته، وأما الدلو فالمقصود بها الدلو المعروفة وليس الضرع، فتفسير الدلو هنا بالضرع غير واضح ولا مستقيم.

стр. 5446

تراجم رجال إسناد حديث (وإعارة دلوها) قوله: [حدثنا يحيى بن خلف]. يحيى بن خلف صدوق أخرج له مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجة. [حدثنا أبو عاصم]. أبو عاصم هو الضحاك بن مخلد النبيل، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن ابن جريج]. ابن جريج هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي، ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. قال: [أبو الزبير]. أبو الزبير هو: محمد بن مسلم بن تدرس المكي، صدوق أخرج له أصحاب الكتب الستة. [سمعت عبيد بن عمير]. عبيد بن عمير ولد على عهد النبي ﷺ ، وقيل: إنه من كبار التابعين، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهذا هو من قبيل المرسل، لكن ما قبله شاهد له، وكذلك ما بعده.

стр. 5447

شرح حديث (أن النبي أمر من كل جادّ عشرة أوسق من التمر بقنو يعلَّق في المسجد للمساكين) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عبد العزيز بن يحيى الحراني حدثنا محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن محمد بن يحيى بن حبان عن عمه واسع بن حبان عن جابر بن عبد الله ﵄: (أن النبي ﵌ أمر من كل جادّ عشرة أوسق من التمر بقنوٍ يعلق في المسجد للمساكين)]. أورد أبو داود حديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما: (أن النبي ﷺ أمر من كل جاد عشرة أوسق من التمر بقنوٍ يعلق في المسجد للمساكين)، وهذا غير الزكاة؛ لأن الزكاة -كما هو معلوم- يخرص فيها التمر وهو على رءوس النخل، وتؤخذ فيه الزكاة عندما يجذّ بالمقدار الذي جاءت به السنة، فإذا كان يُسقى بكلفة وبمشقة فنصف العشر، وإذا كان يسقى بغير كلفة ومشقة فالعشر. وأما هذا المذكور في هذا الحديث فإنه صدقة أخرى، وهي من باب الإحسان والإرفاق، وهي قليلة جداً بالنسبة للمقدار الذي أخرجت منه، فإنها تخرج من عشرة أوسق، وهذا كمقدار نصاب الزكاة مرتين؛ لأن نصاب الزكاة هو خمسة أوسق، والوسق ستون صاعاً، والصاع ثلاثة كيلوهات، أي: أنه ألف وثمانمائة كيلو من مقدار ستمائة صاع، فيخرج قنواً واحداً يعلق في المسجد؛ كي يستفيد منه الفقراء، وفي هذا دليل أيضاً على جواز الأكل في المسجد، وعلى تعليق أو إحضار الطعام إلى المسجد لكن بشرط ألّا يحصل فيه تلويث للمسجد، وألّا يحصل بسببه إساءة إلى الناس لوجود أشياء يلحقهم بها مضرة أو تلحق بثيابهم إذا لم تكن هناك نظافة، وقد سبق أن مر بنا حديث ذلك الرجل الذي علق عذقاً وهو حشف، فطعنه إنسان بهذا وقال: إن صاحب هذا لو أراد أن يتصدق بخير من هذا لفعل، وقال: إن صاحبه يأكل حشفاً يوم القيامة. قوله: [(أمر من كل جاد عشرة أوسق)، أي: على كل من يجذّ من النخل مقدار عشرة أوسق من التمر، أي: ستمائة صاع، أن يخرج قنواً واحداً من هذا المقدار، ويعلق في المسجد، وهذا غير نصف العشر أو العشر.

стр. 5448

تراجم رجال إسناد حديث (أن النبي أمر من كل جاد عشرة أوسق من التمر بقنون يعلّق في المسجد للمساكين) قوله: [حدثنا عبد العزيز بن يحيى الحراني]. عبد العزيز بن يحيى الحراني صدوق ربما وهم، أخرج له أبو داود والنسائي. [حدثني محمد بن سلمة]. محمد بن سلمة الحراني وهو ثقة أخرج له البخاري في (جزء القراءة) ومسلم وأصحاب السنن. [عن محمد بن إسحاق]. محمد بن إسحاق المدني صدوق أخرج حديثه البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن. [عن محمد بن يحيى بن حبان]. محمد بن يحيى بن حبان ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن عّمه واسع بن حبان]. واسع بن حبان قيل: صحابي، وقيل: ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن جابر بن عبد الله]. جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنهما الصحابي الجليل، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ .

стр. 5449

شرح حديث (من كان عنده فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن عبد الله الخزاعي وموسى بن إسماعيل قالا: حدثنا أبو الأشهب عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري قال: (بينما نحن مع رسول الله ﷺ في سفر إذ جاء رجل على ناقة له، فجعل يصرفها يميناً وشمالاً، فقال رسول الله ﷺ : من كان عنده فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان عنده فضل زاد فليعد به على من لا زاد له، حتى ظننا أنه لا حق لأحد منا في الفضل)]. أورد أبو داود حديث أبي سعيد الخدري ﵁ في الرجل الذي جاء وهو على ناقة له، فجعل يصرفها، فقال النبي ﷺ : (من كان له فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان عنده فضل زاد فليعد به على من لا زاد له)، وقد قيل: إن هذا الرجل كان يصرف ناقته لأنها كانت قد أعيت وهزلت، ولعله كان يريد أن يُنظر إليه، ويتصدق عليه، فقال النبي ﷺ : (من كان عنده فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له) أي: فكأن هذا لا ظهر له مادام أن ناقته بهذا الوصف، فمن كان عنده فضل ظهر -وهو المركوب- فليعد به على من لا ظهر له. قوله: (حتى ظننا أنه لا حق لأحد منا في الفضل) أي: أن الفضل يبذل، فظننا أن الإنسان الذي يكون عنده شيء زائد على حاجته فإنه يجود به، وفي هذا الحديث الحث والترغيب في ذلك، وليس ذلك بواجب، إلا ما أوجبه الله في المال من الزكاة.

стр. 5450

تراجم رجال إسناد حديث (من كان عنده فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له) قوله: [حدثنا محمد بن عبد الله الخزاعي]. محمد بن عبد الله الخزاعي، ثقة أخرج له أبو داود وابن ماجة. [وموسى بن إسماعيل]. وموسى بن إسماعيل مر ذكره. [حدثنا أبو الأشهب]. أبو الأشهب هو جعفر بن حيان وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أبي نضرة]. أبو نضرة هو المنذر بن مالك بن قطعة وهو ثقة أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن. [عن أبي سعيد]. هو الخدري، وهو سعد بن مالك بن سنان الخدري صاحب رسول الله ﷺ ، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ . وهذا الإسناد رباعي.

стр. 5451

شرح حديث (إنّ الله لم يفرض الزكاة إلّا ليطيب ما بقي من أموالكم) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا يحيى بن يعلى المحاربي حدثنا أبي حدثنا غيلان عن جعفر بن إياس عن مجاهد عن ابن عباس ﵄ قال: (لما نزلت هذه الآية: ((وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ)) [التوبة:٣٤] كبر ذلك على المسلمين، فقال عمر ﵁: أنا أفّرج عنكم، فانطلق فقال: يا نبي الله! إنه كبر على أصحابك هذه الآية، فقال رسول الله ﵌: إن الله لم يفرض الزكاة إلا ليطيب ما بقي من أموالكم، وإنما فرض المواريث لتكون لمن بعدكم، فكبر عمر، ثم قال له: ألا أخبرك بخير ما يكنز المرء؟ المرأة الصالحة إذا نظر إليها سرته، وإذا أمرها أطاعته، وإذا غاب عنها حفظته)]. أورد أبو داود بعد ذلك حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: (أنه لما نزلت: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة:٣٤] شق ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ ، فقال عمر: أنا أفرج عنكم) أي: أنا أسعى في إزالة الحرج عنكم بسؤال رسول الله ﷺ ، فذهب إليه وسأله، فقال له: (إن الله لم يفرض الزكاة إلا ليطب ما بقي من أموالكم) أي: أن الزكاة إنما فرضها الله حتى تطيب ما سواها، وهذا كما تقدم في الحديث السابق: (ما أديت زكاته فليس بكنز)، وذلك في باب: حد الكنز وحد الغنى، وهنا قال: (إن الله لم يفرض الزكاة إلا ليطيب ما بقي من أموالكم) أي: بعد إخراج الزكاة، فالزكاة طهرة كما قال الله تعالى في القرآن: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة:١٠٣]، وهي أيضاً سبب في نمائه وكثرته وزيادته. قوله: (وإنما فرض المواريث لتكون لمن بعدكم) فلو كان الإنسان ينفق ما عنده إذاً لما بقي ميراث، والله تعالى قد فرض المواريث، فمعنى ذلك: أن الميراث يكون لشيء موجود، لكن إذا أديت الزكاة فإنه يخرج من كونه كنزاً، وصار الإنسان يستفيد منه في حياته، وإذا مات انتقل إلى الورثة، ولكن الله فرض الزكاة لتطيَّب ما بقي من المال. قوله: (فكبر عمر) أي: لحصول المقصود، وزال الحرج الذي كان يخافه أصحاب رسول الله ﷺ ، وهذا يدلنا على مشروعية التكبير عند الأمور السارة، ولا يصلح التصفيق كما يفعله كثير من الناس في هذا الزمان. قوله: (ثم قال له: ألا أخبرك بخير ما يكنز المرء؟) أي: أنه بعدما ذكر كنز المال وأن الإنسان يخرج زكاته، فإذا فعل ذلك خرج عن كونه كنزاً، بعد ذلك أخبر عن الشيء الذي يكون مع الإنسان، وتكون صلته به وثيقة، وهو خير ما يكنز المرء، وذلك هو الزوجة الصالحة، فتسره إذا نظر إليها لجمالها، وتطيعه إذا أمرها، وتحفظه إذا غاب عنها.

стр. 5452

تراجم رجال إسناد حديث (إن الله لم يفرض الزكاة إلا ليطيب ما بقي من أموالكم) قوله: [حدثنا عثمان بن أبي شيبة]. عثمان بن أبي شيبة ثقة أخرج له البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي في (عمل اليوم والليلة) وابن ماجة. [حدثنا يحيى بن يعلى المحاربي]. يحيى بن يعلى المحاربي ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي. [حدثنا أبي]. أبوه يعلى بن الحارث المحاربي، وهو ثقة مثل ابنه أخرج له أصحاب الكتب إلا الترمذي. [حدثنا غيلان]. غيلان هو ابن جامع وهو ثقة أخرج له مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة [عن جعفر بن إياس]. جعفر بن إياس هو المشهور بـ أبي وحشية، ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن مجاهد]. مجاهد بن جبر المكي، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن ابن عباس]. هو: عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، ابن عم النبي ﷺ ، وأحد العبادلة الأربعة من الصحابة. وهذا الحديث ضعفه الألباني كما في السلسلة الضعيفة برقم (١٣١٩)، رجاله ثقات، ولكن فيه علة وهي: أن هناك واسطة بين غيلان وبين جعفر بن أبي وحشية، وهذه الواسطة هي عثمان بن أبي حميد أبو اليقظان، وهو ضعيف مختلط أخرج له أبو داود والترمذي وابن ماجة.

стр. 5453

شرح سنن أبي داود [٢٠٣] ندب الشرع إلى إعطاء السؤال وعدم انتهارهم، والإحسان ببذل المعروف في كل شيء، ولو كان طالبه ذمياً مالم يكن محارباً.

стр. 5454

حقّ السائل

стр. 5455

شرح حديث (للسائل حق وإن جاء على فرس) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب حق السائل. حدثنا محمد بن كثير أخبرنا سفيان حدثنا مصعب بن محمد بن شرحبيل قال: حدثني يعلى بن أبي يحيى عن فاطمة بنت حسين عن حسين بن علي ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (للسائل حق وإن جاء على فرس). حدثنا محمد بن رافع حدثنا يحيى بن آدم حدثنا زهير عن شيخ قال: رأيت سفيان عنده عن فاطمة بنت حسين عن أبيها عن علي عن النبي ﵌ مثله]. ذكر الإمام أبو داود السجستاني رحمه الله تعالى: باب حق السائل، وهذه الترجمة أخذها مما جاء في الحديث: (للسائل حق ولو جاء على فرس)، والمراد أن السائل يعطى وإن كان على هيئة حسنة، فقد يكون له عذر. أورد أبو داود حديث الحسين أو علي رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﷺ قال: (للسائل حق ولو جاء على فرس) أي: ولو كانت هيئته حسنة وجاء على فرس، فقد تكون تلك الفرس عارية، وقد تكون له ولكن ليس عنده شيء أكثر منها، ويكون بحاجة إلى طعام مثلاً، وقد يكون نفد ما عنده ولم يكن معه غيره، وقد يكون غريباً، وقد يكون ابن سبيل انقطع، فمن كان كذلك فقد يحتاج أن يسأل ولو كان معه فرس، أو كان على هيئة حسنة، فيعطى من الزكاة أو من الصدقة، وقد سبق أن مر: (أنّ النبي ﷺ لما رأى الرجلين الجلدين النشيطين قلب فيهما النظر وصعده وصوبه، ثم قال: إن شئتما أعطيتكما ولا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب) لكن هذا الحديث الذي معنا لم يثبت عن رسول الله ﷺ ؛ لأن فيه رجلاً مجهولاً في الإسناد الأول، ومبهماً في الإسناد الثاني، وقد يكون ذلك المبهم هو المسمى المجهول في الإسناد الأول. وهو في الإسناد الأول عن الحسين بن علي، قالوا: ولا يعرف للحسين بن علي رضي الله تعالى عنه سماع من رسول الله ﷺ ، ولكن لاشك أن مراسيل الصحابة حجة، وأن كثيراً من روايات الصحابة لم يسمعوها من النبي ﷺ ، ولكن سمعوها من الصحابة، وإذا أخذوا عن غير الصحابة -وهو شيء نادر- بينوا ذلك. والطريق الثانية عن الحسين يرويه عن أبيه علي رضي الله تعالى عنهما.

стр. 5456

تراجم رجال إسناد حديث (للسائل حقّ وإن جاء على فرس) قوله: [حدثنا محمد بن كثير]. محمد بن كثير العبدي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [أخبرنا سفيان]. سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا مصعب بن محمد بن شرحبيل]. مصعب بن محمد بن شرحبيل لا بأس به، وهذا بمعنى صدوق، أخرج له أبو داود والنسائي وابن ماجة. [حدثني يعلى بن أبي يحيى]. يعلى بن أبي يحيى مجهول، أخرج له أبو داود وحده. [عن فاطمة بنت حسين]. فاطمة بنت حسين بن علي وهي ثقة، أخرج لها أبو داود والترمذي والنسائي في (مسند علي) وابن ماجة. [عن حسين بن علي]. الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهما، أحد سبطي الرسول ﷺ ابني ابنته، وهما سيدا شباب أهل الجنة كما جاء ذلك عن رسول الله ﷺ ، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. وقوله: [حدثنا محمد بن رافع]. محمد بن رافع النيسابوري القشيري وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة، وهو شيخ الإمام مسلم، وهو من بلده ومن قبيلته، فهو نيسابوري كما أن مسلماً نيسابوري، وهو كذلك قشيري كما أن مسلماً قشيري، وقد خرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة، وقد أكثر عنه الإمام مسلم ﵀، وصحيفة همام بن منبه المشهورة فيها أحاديث جاءت في الصحيحين، وأحاديث أخرجها البخاري، وأحاديث أخرجها مسلم من طريق محمد بن رافع عن عبد الرزاق، فكل ما جاء من صحيفة همام بن منبه في صحيح مسلم فهو من طريق محمد بن رافع عن شيخه عبد الرزاق. [حدثنا يحيى بن آدم]. يحيى بن آدم الكوفي ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا زهير]. زهير بن معاوية وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن شيخ]. شيخ هنا مبهم، فقولهم: عن شيخ، أو رجل، أو امرأة، فإن هذا يقال له: مبهم، وأما إذا ذكر اسمه ولم ينسب فإنه يقال له: مهمل، أي: أهمل عن أن ينسب، فيكون محتملاً لعدة أشخاص، فمثل حماد إذا جاء غير منسوب فإنه يحتمل أن يكون ابن سلمة، ويحتمل أن يكون ابن زيد، ومثل سفيان إذا جاء مهملاً فإنه يحتمل أن يكون ابن عيينة، ويحتمل أن يكون الثوري. ولعل هذا المبهم هو مصعب بن محمد بن شرحبيل، ففي المبهمات من التقريب: زهير بن معاوية عن شيخ رأى سفيان عنده؛ هو مصعب بن محمد بن شرحبيل. وسفيان هنا يحتمل أنه سفيان بن عيينة، ويحتمل أن يكون سفيان الثوري؛ لأنه هو المتقدم على سفيان بن عيينة، وإن كان ابن عيينة متقدماً من حيث إدراك الشيوخ المتقدمين مثل الزهري، فإنه كثير الرواية عن الزهري مع أن الزهري توفي سنة ١٢٥هـ، وسفيان توفي فوق ٩٠هـ، وأما الثوري فهو متقدم عليه، فوفاته سنة ١٦١هـ. [عن فاطمة بنت حسين عن أبيها عن علي]. علي رضي الله تعالى عنه أمير المؤمنين، ورابع الخلفاء الراشدين الهادين المهديين، صاحب المناقب الجمة، والفضائل الكثيرة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. ولا يقال: إن فيه اضطراباً، فمرة يروى عن حسين ومرة عن علي؛ لأن ذلك لا يؤثر، فإذا كان عن علي ﵁ فليس هناك إشكال في الاتصال، وأما بالنسبة لرواية الحسين فهو إذا لم يكن سمع ذلك من النبي ﷺ فهو من مراسيل الصحابة، ومراسيل الصحابة -كما هو معلوم- حجة عند العلماء، وقد ذكر له الألباني طرقاً وشواهد متعددة عن عدد من الصحابة، وذكر أنها كلها ضعيفة، وذكر هذا الحديث في (السلسلة الضعيفة) برقم (١٣٧٨).

стр. 5457

شرح حديث (إنْ لم تجدي له شيئاً تعطينه إياه إلّا ظلفاً محرقاً فادفعيه إليه في يده) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا الليث عن سعيد بن أبي سعيد عن عبد الرحمن بن بجيد ﵁ عن جدته أم بجيد ﵂ -وكانت ممن بايع رسول الله ﵌ أنها قالت له: (يا رسول الله صلى الله عليك! إن المسكين ليقوم على بابي فما أجد له شيئاً أعطيه إياه، فقال لها رسول الله ﷺ : إن لم تجدي له شيئاً تعطينه إياه إلا ظلفاً محرقاً فادفعيه إليه في يده)]. أورد أبو داود حديث أم بجيد رضي الله تعالى عنها: (أنها قالت للنبي ﷺ : إن المسكين يكون على بابي فلا أجد شيئاً أعطيه إياه، فقال لها ﵊: إن لم تجدي إلا ظلفاً محرقاً فأعطيه إياه) فهذا الحديث يدل على أن السائل يُعطى ولو كان المعطى شيئاً يسيراً، فمادام أن الإنسان لا يجد إلا هذا القليل فإنه لا يمتنع من التصدق به، ولا يمتنع أن ينفق مما أعطاه الله كما قال تعالى: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق:٧]، فهو يعطي على حسب ما عنده، ولو لم يكن إلا تمرة كما جاء في قصة المرأة التي جاءت إلى عائشة ولم تجد إلا تمرات ثلاث، فأعطتها إياها، وكان معها ابنتان، فأعطت كل واحدة منهما تمرة، ثم إنها شقت التمرة الثالثة وأعطت كل واحدة منهما نصفاً. فيعطى السائل أو المسكين ما تيسر ولو قل، وجاء في الحديث الآخر: (لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة) أي: ولو كان شيئاً يسيراً فلا يستهان به، فالمهم هو الإحسان والبذل. وقوله: (ظلفاً محرقاً) هذا على سبيل المبالغة، وإلّا فإن الظلف المحرق لا يستفاد منه إلا إذا كان الناس في مسغبة أو في قحط شديد، فإنه يمكن أن يستفاد من كل شيء ولو كان قليل الفائدة. وقد سبق أن مر في الحديث: (ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان، واللقمة واللقمتان، والأكلة والأكلتان)، أي: الذي يرضى بالشيء اليسير، (ولكن المسكين هو الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن الناس له فيتصدقون عليه).

стр. 5458

تراجم رجال إسناد حديث (إن لم تجدي له شيئاً تعطينه إياه إلّا ظلفاً محرقاً فادفعيه إليه في يده) قوله: [حدثنا قتيبة بن سعيد]. قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا الليث]. الليث بن سعد المصري ثقة فقيه أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن سعيد بن أبي سعيد]. سعيد بن أبي سعيد المقبري وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن عبد الرحمن بن بجيد]. عبد الرحمن بن بجيد له رؤية، وقد ذكره بعضهم في الصحابة، أخرج حديثه أبو داود والترمذي والنسائي. [عن جدته]. وهي أخرج حديثها أبو داود والترمذي والنسائي، وذكر أن اسمها حواء بنت يزيد بن السكن.

стр. 5459

الأسئلة

стр. 5460

حكم بيع ماء زمزم السؤال ما حكم بيع ماء زمزم؟ الجواب إذا ذهب الإنسان وأتى بملء خزان من هذا الماء إلى المدينة وأراد أن يبيعه فلا بأس بذلك.

стр. 5461

حكم طلب الماء من البقالة بلا ثمن السؤال إذا دخل الرجل إلى بقالة فهل يحل له أن يطلب ماء استدلالاً بالحديث الذي فيه أنه لا يحل بيع الماء؟ الجواب مثل هذا لا يصح؛ لأن هذا محل بيع، فيدفع القيمة ويشرب، وإذا لم يكن عنده نقود فيمكن أن يقول لصاحب البقالة: أنا لا أمتلك نقوداً وأريد أن أشرب ماء، فلعله أن يعطيه.

стр. 5462

حكم أخذ الماء والملح بلا إذن السؤال إذا كانت هذه الأشياء وهي: الماء والملح لا يجوز منعها فهل يجوز أخذها بدون إذن مالكها؟ الجواب لا، بل لابد من الاستئذان، وإذا كان لا يملك نقوداً يذكر ذلك له ويطلب منه أن يعطيه قليلاً تقوم به حاجته.

стр. 5463

حكم التصدق على السائلين في المساجد مع عدم معرفة حالهم السؤال يتكرر الآن في المساجد السؤال من هؤلاء السائلين والله أعلم بصدقهم، فما العمل؟ الجواب ينبغي على الإنسان أن يعطي السائلين وهو على خير، ولن يعدم الأجر عند الله ، ولكن من عُرف باحتياله فلا يعطى، بل ينصح ويحذر، وأما إذا كان مجهولاً وأعطاه فهو إن شاء الله على خير.

стр. 5464

حكم إعطاء السائلين الذين يقومون في المساجد من الزكاة السؤال وهل يُعطى هؤلاء السائلين الذين يسألون في المساجد من الزكاة؟ الجواب لا ينبغي أن يعطوا من الزكاة، وإنما يعطى مثل هؤلاء من الصدقات، وأما الزكاة فالأولى أن تُعطى لمن يستحقها، فقد يضعها في هؤلاء ويكونون أغنياء، فبعض السائلين قد استمرأ السؤال، واتخذ السؤال حرفة، فقد يحصل له في وقت من الأوقات حاجة، ولكنه دخل في المسألة ولم يستطيع الخروج منها.

стр. 5465

حكم انتهار السُّؤَّال في المساجد السؤال ما حكم انتهارهم؛ فإن بعض الأئمة يقول لهم إذا قاموا: عند الباب عند الباب؟ الجواب قد يشوشون على الناس الذين يذكرون الله ، فلو ينبههم أن يكونوا عند الباب بدون انتهار فلا بأس بذلك، وكذلك هو ينبههم أن يجلسوا عند الباب حتى يعطيهم الناس إذا مروا بهم، فإنهم إذا كانوا جالسين في المقدمة فيمكن ألا يعطيهم أحد، وبعض الناس تجده يسأل عند الباب ويرفع صوته وكأنه يلقي خطبة، فيتكلم كلاماً كثيراً ويشغل الناس، مع أنه يكفي أن يبين للناس أنه محتاج، ثم يجلس عند الباب، فلا بأس أن ينتهروا في هذه الحال؛ لأنهم يشغلون الناس الذين يذكرون الله ويسبحون، وأما إذا لم يشغلوا الناس فلا ينهرون لقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ [الضحى:١٠]، وأما الذي يعرف أنه محتال فإنه ينهر.
следующие страницы →