← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 37052

شرح سنن أبي داود للعباد

عبد المحسن العباد

Полный текст (18 341 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

شرح حديث: (ارجع فأحسن وضوءك) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب تفريق الوضوء. حدثنا هارون بن معروف حدثنا ابن وهب عن جرير بن حازم أنه سمع قتادة بن دعامة حدثنا أنس بن مالك: (أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ وقد توضأ وترك على قدمه مثل موضع الظفر، فقال له رسول الله ﷺ : ارجع فأحسن وضوءك). قال أبو داود هذا الحديث ليس بمعروف عن جرير بن حازم ولم يروه إلا ابن وهب وحده وقد روي عن معقل بن عبيد الله الجزري عن أبي الزبير عن جابر عن عمر عن النبي ﷺ نحوه قال: (ارجع فأحسن وضوءك)]. أورد أبو داود ﵀ هذه الترجمة وهي تفريق الوضوء، والمقصود بتفريقه عدم اتصال بعضه ببعض، بأن تكون الأعضاء بعضها يغسل في وقت وبعضها في وقت آخر، ولو كان بعد جفاف بعض الأعضاء، لكن الأحاديث التي أوردها أبو داود ﵀ تحت هذه الترجمة تدل على عدم تفريق الوضوء، وأنه لا بد فيه من الموالاة ولا بد فيه من الترتيب بين الأعضاء، فلا يقدم غسل اليدين إلى المرفقين على الوجه، أو غسل الرجلين على الوجه أو على مسح الرأس بل كل عضو يأتي بعد العضو الذي ذكر قبله، كما جاء في القرآن في قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة:٦]. وأيضاً لابد من الموالاة وذلك بأن يستمر ولا يقطع الوضوء، ولو حصل أنه تبين له أن هناك عضواً من أعضائه لم يصل إلى جزء منه الماء فإن عليه أن يعيد الوضوء وأن يعيد الصلاة إذا كان قد صلى، وهذا دليل على عدم تفريق الوضوء، وأنه لا بد منه. والحديث أيضاً يدل على أن حكم الرجلين الغسل، وليس المسح؛ لأنه لو كان المسح فكيف ينكر الرسول ﷺ على شخص بقي في قدمه لمعة أو مقدار الدرهم ثم يأمره بأن يعيد الوضوء؟! فدل هذا على أن حكم الرجلين الغسل وليس المسح كما تقوله الرافضة. وأورد فيه أبو داود رجمه الله حديث أنس بن مالك ﵁: (أن النبي ﷺ رأى رجلاً وقد توضأ وترك على قدمه موضعاً مثل الظفر -يعني: ظفر اليد أو ظفر الرجل- فقال له: ارجع فأحسن وضوءك) يعني: توضأ وضوءاً حسناً تأتي به على الوجه المشروع، بحيث لا تترك أي جزء من أجزاء الأعضاء التي يجب استيعابها ويجب فعلها إلا وقد أتيت به، فكونه ﷺ أمره بأن يرجع وأن يحسن الوضوء دل على أن عمله هذا غير صحيح، وأن عليه أن يعيد الوضوء، وبعض أهل العلم أجاز غير ذلك، ولكن الذي تقتضيه الأحاديث وتدل عليه الأحاديث هو أن الوضوء لا يفرق وأن من وجد منه شيء لم يصل إليه الماء فإن عليه أن يرجع ويتوضأ.

стр. 597

تراجم رجال إسناد حديث: (ارجع فأحسن وضوءك) قوله: [حدثنا هارون بن معروف]. هارون بن معروف ثقة، أخرج له البخاري ومسلم وأبو داود. [حدثنا ابن وهب]. هو عبد الله بن وهب المصري وهو ثقة فقيه مر ذكره. [عن جرير بن حازم]. جرير بن حازم ثقة، لكن حديثه عن قتادة فيه ضعف، وله أوهام إذا حدث من حفظه، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [أنه سمع قتادة]. هو قتادة بن دعامة السدوسي وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا أنس بن مالك]. أنس بن مالك ﵁ مر ذكره. [قال أبو داود: هذا الحديث ليس بمعروف عن جرير بن حازم، ولم يروه إلا ابن وهب وحده، وقد روي عن معقل بن عبيد الله الجزري عن أبي الزبير عن جابر عن عمر عن النبي ﷺ نحوه قال: (ارجع فأحسن وضوءك)]. هذا لا يعل الحديث؛ لأنه جاء من طرق متعددة وجاء من وجوه مختلفة، فالحديث ثابت. [عن معقل بن عبيد الله الجزري]. معقل بن عبيد الله الجزري صدوق يخطئ، أخرج حديثه مسلم وأبو داود والنسائي. [عن أبي الزبير]. هو أبو الزبير محمد بن مسلم بن تدرس المكي وهو صدوق يدلس، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن جابر]. هو جابر بن عبد الله الأنصاري ﵁ صاحب رسول الله ﷺ صحابي ابن صحابي، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ . [عن عمر]. هو عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وقد مر ذكره.

стр. 598

طريق أخرى لحديث: (ارجع فأحسن وضوءك) وتراجم رجال الإسناد [حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد أخبرنا يونس وحميد عن الحسن عن النبي ﷺ بمعنى حديث قتادة]. أورد أبو داود الحديث من طريق أخرى، ولكنه مرسل من مرسلات الحسن يضيفه إلى النبي ﷺ بمعنى حديث قتادة، ولكن العمدة على ما تقدم من كونه موصولاً، فكونه جاء مرسلاً لا يؤثر؛ لأن الموصول هو المعول عليه. قوله: [حدثنا موسى بن إسماعيل]. هو موسى بن إسماعيل التبوذكي وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا حماد]. هو حماد بن سلمة بن دينار البصري وهو ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن. [أخبرنا يونس]. هو يونس بن عبيد وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [وحميد]. هو حميد بن أبي حميد الطويل وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن الحسن]. هو الحسن بن أبي الحسن البصري وهو ثقة يدلس ويرسل، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

стр. 599

شرح حديث: (أن النبي رأى رجلاً يصلي وفي ظهر قدمه لمعة قدر الدرهم) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا حيوة بن شريح حدثنا بقية عن بحير -هو ابن سعد - عن خالد عن بعض أصحاب النبي ﷺ : (أن النبي ﷺ رأى رجلاً يصلي وفي ظهر قدمه لمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء، فأمره النبي ﷺ أن يعيد الوضوء والصلاة)]. أورد أبو داود حديث بعض أصحاب النبي ﷺ : (أن النبي ﵊ رأى رجلاً وفي ظهر قدمه لمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء، فأمره بإعادة الوضوء والصلاة)، وهذا يبين لنا أنه أمره بالإعادة، وأن الذي تقدم من أمره بأن يحسن الوضوء المقصود به أنه يعيد الوضوء كما وضحته هذه الرواية وهذا الحديث.

стр. 600

تراجم رجال إسناد حديث: (أن النبي رأى رجلاً وفي ظهر قدمه لمعة قدر الدرهم) قوله: [حدثنا حيوة بن شريح]. حيوة بن شريح وهو شامي ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي وابن ماجة. [حدثنا بقية]. هو بقية بن الوليد الدمشقي وهو صدوق كثير التدليس عن الضعفاء، وحديثه أخرجه البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن الأربعة. [عن بحير هو ابن سعد]. بحير بن سعد ثقة، أخرج له البخاري في الأدب المفرد وأصحاب السنن الأربعة. [عن خالد]. هو خالد بن معدان وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن بعض أصحاب النبي ﷺ ].

стр. 601

الأسئلة

стр. 602

حكم ترتيب الوضوء السؤال إذا توضأ الإنسان ورأى عضواً من الأعضاء لم يصبه الماء ماذا يفعل؟ الجواب إذا كان حديث عهد بالوضوء ولما فرغ وجد أن في إحدى رجليه جزءاً لم يمسه الماء وأجرى عليه الماء حتى أصابه فلا بأس، وأما إذا كان في غير الرجلين فلابد أن كل عضو من الأعضاء يقدم غسله على ما وراءه، فيعيد الوضوء.

стр. 603

حكم لبس الخاتم والساعة من الحديد السؤال ما حكم لبس الخاتم أو ساعة اليد التي تصنع من الحديد؟ الجواب ليس للإنسان أن يتختم بخاتم حديد ولا أن يتحلى بحديد؛ لأنه جاء أنه حلية أهل النار، ولكن لبس الساعة لا بأس به؛ لأن الإنسان لا يتحلى بالساعة ولا يتجمل بالساعة التي تصنع من حديد، والإنسان يضعها في يده حتى يسهل عليه رؤيتها من أجل معرفة الزمان والوقت.

стр. 604

حكم تكرار صلاة الجماعة في المسجد الواحد السؤال ما حكم تكرار الجماعة في مسجد واحد؟ الجواب تكرار الجماعة في مسجد واحد له حالتان: الحالة الأولى: أن تكون الجماعة الثانية جاءت عمداً من أجل مخالفة الجماعة الأولى، بمعنى أن الجماعة الثانية لا تريد أن تصلي وراء الجماعة الأولى، فهذا لا يجوز، بل المسجد تقام فيه جماعة واحدة، لكن من جاء وقد فاتته الصلاة وهم عدد فلهم أن يصلوا جماعة؛ لأن هذا هو الذي أمكنهم. وقد كان في الحرم المكي قبل زمن الملك عبد العزيز رحمة الله عليه أربعة مقامات، كل مقام فيه إمام من المذاهب الأربعة، وكل أصحاب مذهب يصلون على حدة متفرقين حول الكعبة، فلما جاء الملك عبد العزيز رحمة الله عليه وحد الناس على إمام واحد ومنع تكرر الجماعة في المسجد، ولكن الحالة الثانية كما ذكرت هي أن جماعة جاءوا يريدون أن يصلوا ولكن فاتتهم الصلاة ورأوا الناس قد صلوا، فهؤلاء لهم أن يصلوا جماعة ولا بأس بذلك، والدليل على هذا أن النبي ﷺ لما جاء رجل وقد فاتته الصلاة قال لبعض الذين صلوا معه: (من يتصدق على هذا فيصلي معه؟)، فإذا كان النبي ﷺ أرشد إلى إيجاد جماعة ثانية ولو عن طريق الصدقة فإذا جاء اثنان أو ثلاثة نقول: صلوا جماعة ولا بأس؛ لأنه إذا جاء واحد وحده فإننا نبحث له عن واحد يصلي معه حتى يصلي جماعة، فإذا جاء اثنان فأكثر فيصلون جماعة من باب أولى، ولا نقول: كل واحد يصلي في بيته؛ لأن الجماعة تقام ولو عن طريق الصدقة.

стр. 605

حكم الرعاف في الصلاة السؤال إذا نزل الدم من أنف إنسان أثناء الصلاة فماذا يفعل؟ وهل هو من نواقض الوضوء؟ الجواب يقطع الصلاة ويذهب ولا يترك الدم يسيل على نفسه وعلى ثيابه؛ لأن الدم اختلف في نجاسته، والمشهور عن أكثر أهل العلم بل قد حكى بعضهم الإجماع على أنه نجس، فخروج الدم من الإنسان لكونه يرعف يجوز له أن يقطع الصلاة ويذهب، لكن إذا كان حصل له مثل ما يحصل في القتال فيصلي على حسب حاله لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦] حتى الإنسان الذي فيه سلسل البول يصلي والبول موجود معه.

стр. 606

كيفية العمرة بالنسبة للحائض السؤال إذا جاء المرأةَ الحيضُ قبل العمرة بيوم وستذهب إلى العمرة وإجازتها أسبوع فقط، وممكن ألا تطهر في هذه المدة، فماذا تفعل؟ الجواب إذا كانت تعلم من نفسها أنها لن تطهر في هذه المدة فلا تحرم بالعمرة، وإذا كانت ستبقى حتى تطهر فتحرم للعمرة وتجلس في مكة ولا تدخل المسجد حتى تطهر وتغتسل، ثم تدخل وتطوف وتسعى. والله تعالى أعلم.

стр. 607

شرح سنن أبي داود [٠٣٠] الشيطان حريص على أن يضل الإنسان في كل شيء بشتى الوسائل، ومن ذلك أنه يوسوس له في الصلاة بأنه أحدث حتى يبطل عليه صلاته، وقد أرشد الرسول ﷺ إلى عدم الالتفات إلى هذه الوسوسة وألا يبني الإنسان إلا على يقين.

стр. 608

إذا شك في الحدث

стр. 609

شرح حديث: (لا ينفتل حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب إذا شك في الحدث. حدثنا قتيبة بن سعيد ومحمد بن أحمد بن أبي خلف قالا: حدثنا سفيان عن الزهري عن سعيد بن المسيب وعباد بن تميم عن عمه ﵁ قال: (شكي إلى النبي ﷺ الرجل يجد الشيء في الصلاة حتى يخيل إليه، فقال: لا ينفتل حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً)]. أورد الإمام أبو داود السجستاني رحمه الله تعالى باب إذا شك في الحدث، أي: فما الحكم إذا تحقق من الطهارة، ثم شك في الحدث الذي طرأ على الطهارة؟! والجواب عن هذا أنه لا يتحول عن الشيء المتحقق الذي هو الطهارة إلى الحدث إلا بيقين؛ لأن الأصل بقاء ما كان على ما كان، فيبقى على الأصل حتى يأتي ما ينقل عنه، وهذه قاعدة من قواعد الشريعة: أن الإنسان إذا كان على طهارة فإن الطهارة باقية حتى يتحقق الخروج منها وحصول خلاف ذلك بالحدث. وكذلك العكس: إذا كان محدثاً وشك هل تطهر أو لم يتطهر فإن الأصل أنه غير متطهر وعليه أن يتطهر، فإذا تحقق أنه قد أحدث ولكن شك هل توضأ أو ما توضأ فيعتبر على الحدث؛ لأن هذا هو الأصل، وإذا كان على طهارة وشك هل أحدث أو لم يحدث فالأصل هو الطهارة. وقول أبي داود ﵀ في الترجمة: [باب إذا شك في الحدث] يعني فما الحكم؟ والحكم: أنه يبني على الأصل وهو أنه لا ينتقل عن الأصل إلى الشيء المشكوك فيه إلا إذا تحقق وتيقن من المشكوك فيه، فعند ذلك ممكن أن ينتقل من يقين إلى يقين، فإذا كان متطهراً ثم تيقن الحدث فإن الطهارة انتهت بحصول الحدث، لكن حيث يكون الشك فإن الأصل بقاء الطهارة، وإذا تحقق الحدث وشك في الطهارة فالأصل بقاء الحدث. وأورد أبو داود رحمه الله تعالى حديث عبد الله بن زيد بن عاصم المازني رضي الله تعالى عنه: (أنه شكي إلى النبي ﷺ الرجل يجد الشيء في الصلاة حتى يخيل إليه) وهذا فيه إبهام، ومعناه: أنه خرج منه شيء ناقض للوضوء. قال: (لا ينفتل) يعني: لا ينصرف من صلاته ولا يبني على هذا الشك ولا يبني على هذا الذي حصل أنه تخيله أو توهمه، بل يبقى على طهارته ويبقى في صلاته حتى يتحقق الحدث، وذلك بأن يسمع صوتاً أو يجد ريحاً، وهذا المقصود به تحقق الحدث وإلا فإن الإنسان قد يكون لا يسمع وقد يكون أيضاً لا يشم، ولكن المقصود من ذلك تحقق الحدث، فذكر السماع والشم للشيء الخارج من دبره، والمقصود من ذلك أنه يتحقق أن الحدث وجد منه، فالحديث يدل على قاعدة عظيمة من قواعد الشريعة وهي: أن الإنسان إذا كان متطهراً فإن الأصل الطهارة، ولا ينتقل عن الطهارة إلى الحدث إلا إذا تحقق ما به الانتقال، وكذلك العكس إذا كان محدثاً وشك هل توضأ أو لم يتوضأ فعليه أن يتوضأ؛ لأنه تحقق أنه غير متطهر فيجب عليه أن يتوضأ.

стр. 610

تراجم رجال إسناد حديث: (لا ينفتل حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً) قوله: [حدثنا قتيبة بن سعيد]. هو قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ومحمد بن أحمد بن أبي خلف]. محمد بن أحمد بن أبي خلف ثقة، أخرج له مسلم وأبو داود. [قالا: حدثنا سفيان]. سفيان هو ابن عيينة المكي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. وإذا جاء سفيان يروي عن الزهري أو يروي عنه قتيبة فالمراد به ابن عيينة. [عن الزهري]. الزهري هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو مشهور بنسبته إلى جده شهاب، ومشهور أيضاً بنسبته إلى جده زهرة بن كلاب، فيقال له: الزهري، ويقال له: ابن شهاب، وهذا هو الذي اشتهر به، ولهذا يأتي كثيراً ذكره بـ ابن شهاب أو الزهري. [عن سعيد بن المسيب]. سعيد بن المسيب ثقة فقيه، أحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. [وعباد بن تميم]. عباد بن تميم المازني ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن عمه]. عمه هو عبد الله بن زيد بن عاصم المازني ﵁، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

стр. 611

شرح حديث: (إذا كان أحدكم في الصلاة فوجد حركة) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد أخبرنا سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إذا كان أحدكم في الصلاة فوجد حركة في دبره أحدث أو لم يحدث فأشكل عليه فلا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً)]. أورد أبو داود حديث أبي هريرة ﵁، وهو بمعنى حديث عبد الله بن زيد بن عاصم المازني ﵁ أن الإنسان إذا كان في صلاته ووجد حركة وشك أنه خرج منه شيء فإنه لا ينصرف حتى يتحقق ذلك بأن يشم رائحة إذا كان ممن يشم أو يسمع صوتاً إذا كان ممن يسمع، والمقصود من ذلك هو تحقق وجود الحدث الذي يبنى عليه ترك ذلك الأصل المتيقن الذي هو الطهارة، فاليقين لا يزول إلا باليقين.

стр. 612

تراجم رجال إسناد حديث: (إذا كان أحدكم في الصلاة فوجد حركة) قوله: [حدثنا موسى بن إسماعيل]. موسى بن إسماعيل التبوذكي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا حماد]. حماد هو ابن سلمة، وإذا جاء حماد غير منسوب -مهمل- يروي عنه موسى بن إسماعيل فالمقصود به حماد بن سلمة، وهو ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن الأربعة. [أخبرنا سهيل بن أبي صالح]. سهيل بن أبي صالح صدوق تغير حفظه بأخرة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، والبخاري أخرج له تعليقاً وأخرج له مقروناً. [عن أبيه]. هو أبو صالح ذكوان السمان ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أبي هريرة]. هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي صاحب رسول الله ﷺ وهو أكثر أصحابه حديثاً على الإطلاق ﵁ وأرضاه.

стр. 613

الوضوء من القبلة

стр. 614

شرح حديث عائشة: (أن النبي قبلها ولم يتوضأ) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الوضوء من القبلة. حدثنا محمد بن بشار حدثنا يحيى وعبد الرحمن قالا: حدثنا سفيان عن أبي روق عن إبراهيم التيمي عن عائشة ﵂: (أن النبي ﷺ قبلها ولم يتوضأ). قال أبو داود: كذا رواه الفريابي وغيره. قال أبو داود: وهو مرسل؛ لأن إبراهيم التيمي لم يسمع من عائشة شيئاً. قال أبو داود: مات إبراهيم التيمي ولم يبلغ أربعين سنة، وكان يكنى أبا أسماء]. أورد أبو داود ﵀ هذه الترجمة: [باب الوضوء من القبلة]، يعني: إذا كان الإنسان على طهارة ثم وجد منه التقبيل لأهله هل ينتقض وضوءه بذلك ويحتاج إلى أن يتوضأ أو أنه باقٍ على طهارته وأن التقبيل لا ينقض الوضوء؟ وهذه المسألة هي جزء من مسألة: لمس المرأة هل ينقض الوضوء أو لا ينقض الوضوء؟ يعني: كون الإنسان يلمس المرأة هل ينتقض وضوءه بذلك أو لا ينتقض وضوءه بذلك؟ وفي هذا خلاف بين أهل العلم، فمنهم من قال: إنه لا ينتقض، وإنه لم يأت شيء يدل على النقض إلا ما ذكر عن بعض الفقهاء أنه فسر قوله تعالى: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء:٤٣] بأن المقصود به اللمس، ولكن الذي هو واضح غاية الوضوح أن المراد بالملامسة في الآية الجماع؛ لأنه ذكر الحدث الأكبر والأصغر، وأنه إذا لم يوجد الماء يصار إلى التيمم في الحالتين، ولكن اللمس أو التقبيل ما جاء شيء يدل عليه دلالة واضحة، بل جاء ما يدل على خلافه وهو أنه لا ينقض الوضوء ولا يحصل به النقض. وقد جاء فيما يتعلق بالتقبيل أحاديث أوردها أبو داود ﵀ وفي بعضها كلام، ولكن بعضها يشهد لبعض، وبعضها يؤيد بعضاً، وفيها أن مجرد التقبيل لا يحصل به نقض إلا إذا حصل انتشار وحصل خروج مذي فإنه عند ذلك يكون النقض بهذا الخارج الذي حصل بسبب هذا اللمس أو التقبيل، وبعض أهل العلم يقيد النقض بما إذا كان النقض بشهوة. فمنهم من قال: إنه لا ينقض مطلقاً، ومنهم من قال: إنه ينقض مطلقاً، ومنهم من قال: إنه ينقض إذا كان بشهوة، لكن الأحاديث التي وردت في التقبيل تدل على عدم النقض. وأيضاً جاء في اللمس ما يدل على عدم النقض، وقد جاء في أحاديث صحيحة فيما يتعلق بكون المرأة تلمس الرجل وهو يصلي أنه باقٍ على طهارته ولا يؤثر فيه كون المرأة لمسته، من ذلك ما جاء عن عائشة ﵂ أنها بحثت عن رسول الله ﷺ فوجدته يصلي، فوقعت يدها على رجليه وهما منصوبتان وهو ساجد، فلمست رجليه ومع ذلك استمر في صلاته وما حصل بلمسها إياه شيء جديد يغير الوضع الذي هو عليه، فدل على بقاء الطهارة. وجاء في الصحيح عن عائشة أنه ﷺ كان يصلي وهي معترضة أمامه، والبيوت ليس فيها مصابيح يومئذٍ، وكانت تمد رجليها، فإذا سجد غمز رجليها فكفتها وسجد في مكان رجليها. فهذا فيه لمس وليس فيه نقض، وليس فيه شيء يدل على النقض، ثم ليس هناك دليل يدل دلالة واضحة على خلاف هذا. إذاً: لمس المرأة لا ينقض الوضوء إلا إذا حصل بسبب ذلك اللمس انتشار وحصل بسببه مذي؛ فإن الخارج من الإنسان من قبله ومن ذكره هو الذي ينقض الوضوء ويوجب غسل ذلك الذي حصل له ويوجب الوضوء. وأورد أبو داود ﵀ حديث عائشة: (أن النبي ﷺ قبلها ولم يتوضأ) وهي حكت ما حصل لها من رسول الله ﷺ ، وسبق أن ذكرت مراراً أن أم المؤمنين عائشة ﵂ من أوعية السنة، وأنها حفظت الكثير من حديث رسول الله ﷺ ، لاسيما الأمور التي تقع بين الرجل وأهل بيته ولا يعرفها إلا أزواجه ولا يطلع عليها إلا أهل بيته؛ فإنها روت الكثير من ذلك ومن غير ذلك، ولكن الشيء الذي لا يطلع عليه إلا النساء روت في ذلك الكثير عن رسول الله ﷺ ، وهذا من هذا القليل، فكونه ﷺ قبلها ولم يتوضأ هو مما يجري في بيت النبي ﷺ بينه وبين أهله، وقد روت عائشة ﵂ هذا الحديث عن رسول الله ﷺ ، والحديث وإن كان في إسناده مقال من حيث ما ذكره أبو داود بأن إبراهيم التيمي لم يسمع من عائشة وأنه يكون فيه إرسال إلا أنه قد جاءت أحاديث أخرى تشهد له وتؤيده.

стр. 615

تراجم رجال إسناد حديث عائشة: (أن النبي قبلها ولم يتوضأ) قوله: [حدثنا محمد بن بشار]. محمد بن بشار هو الملقب بـ بندار البصري، ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة. [حدثنا يحيى]. هو يحيى بن سعيد القطان البصري، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [وعبد الرحمن]. هو عبد الرحمن بن مهدي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا سفيان]. هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري ثقة فقيه، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. [عن أبي روق]. هو عطية بن الحارث الهمداني صدوق، أخرج حديثه أبو داود والنسائي وابن ماجة. [عن إبراهيم التيمي]. إبراهيم التيمي ثقة يرسل، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن عائشة]. عائشة أم المؤمنين ﵂ وأرضاها الصديقة بنت الصديق وهي واحدة من سبعة أشخاص عرفوا بكثرة الحديث عن النبي ﷺ . [قال أبو داود: كذا رواه الفريابي وغيره] يعني: كما رواه الذي روى في الإسناد المتقدم بهذه الطريق أو بهذا الإسناد. والفريابي هو محمد بن يوسف الفريابي وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [قال أبو داود: وهو مرسل؛ إبراهيم التيمي لم يسمع من عائشة شيئاً]. المقصود بالمرسل هنا المعنى العام للمرسل؛ لأن المرسل له معنيان: الأول هو قول التابعي: قال رسول الله ﷺ كذا، هذا هو المشهور باسم المرسل. الثاني: رواية الراوي عمن لم يدركه أو عمن أدركه ولكنه لم يلقه، فهذا يقال له: مرسل، والمرسل هنا من قبيل المرسل بالمعنى العام الذي ليس مختصاً بما يقول فيه التابعي: قال رسول الله ﷺ كذا، وإنما المقصود به رواية الراوي عمن لم يدركه أو أدركه، ولكنه معاصر له ولم يلقه وروى عنه. [قال أبو داود: مات إبراهيم التيمي ولم يبلغ أربعين سنة وكان يكنى أبا أسماء]. يعني: أن عمره قصير ومع ذلك هو محدث من المحدثين الذين نقلوا السنن ورووا الأحاديث عن رسول الله ﷺ ، وهذا شأن كثير من العلماء، فأحدهم يكون عمره قصيراً، ولكن الله يبارك له في ذلك العمر فيروي الكثير ويتحمل الكثير ويكون له آثار حميدة وآثار عظيمة، ومن الذين لم تطل أعمارهم ولكن نفع الله بهم عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه؛ فإنه عمر بن عبد العزيز مات وعمره أربعون سنة، والنووي على كثرة تأليفه المجلدات الكثيرة الواسعة التي منها كتاب المجموع، ويقول بعض أهل العلم: ليس هناك كتاب في الفقه أوسع من المغني لـ ابن قدامة والمجموع للنووي. وهما كتابان واسعان عظيمان، والنووي لم يتمه، ومع ذلك فكتابه واسع عظيم، وهذان الكتابان عني مؤلفاهما بنقل الأقوال عن العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، فهما موسوعتان، والنووي مات وعمره خمس وأربعون سنة، وخلف هذه الموسوعة بالإضافة إلى الكتب الكثيرة الأخرى في الحديث وفي الفقه، فأعمارهم بارك الله تعالى فيها، وكذلك الشافعي مات كهلاً وعمره أربع وخمسون سنة، وأبو بكر الحازمي المحدث المشهور مات وعمره خمس وثلاثون سنة وله كتاب الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار، وله كتب أخرى، ولما ذكره الذهبي في كتاب (من يعتمد قوله في الجرح والتعديل) قال: مات شابا طرياً عمره خمس وثلاثون سنة، يعني: مع سعة علمه مات وعمره قصير، ومن الذين نفع الله تعالى بعلمهم من المعاصرين الشيخ حافظ الحكمي ﵀، الذي له مؤلفات كثيرة وعظيمة في النظم والنثر في العقيدة وغيرها، وقد مات وعمره خمس وثلاثون سنة ﵀. الحاصل: أن قول أبي داود: [إنه لم يبلغ أربعين سنة] يعني: أن عمره قصير، ومع ذلك كان من أهل العلم، ومن حملة السنن، ومن رواة أحاديث رسول الله ﷺ .

стр. 616

شرح حديث: (أن النبي ﷺ قبل امرأة من نسائه) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا وكيع حدثنا الأعمش عن حبيب عن عروة عن عائشة ﵂: (أن النبي ﷺ قبل امرأة من نسائه ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ) قال عروة: فقلت لها: من هي إلا أنت؟ فضحكت. قال أبو داود: هكذا رواه زائدة وعبد الحميد الحماني عن سليمان الأعمش]. أورد أبو داود ﵀ حديث عائشة من طريق أخرى وفيه أن عروة روى عنها أنها قالت: (إن النبي ﷺ قبل امرأة من نسائه، ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ). فقال لها: من هي إلا أنت؟ فضحكت. وهذا الحديث يدل على أن القبلة لا تنقض الوضوء، وهو شاهد للحديث المتقدم الذي من رواية إبراهيم التيمي عن عائشة وهو لم يسمع من عائشة، والطريق الثانية شاهدة متابعة للطريق الأولى، وهذه الطريق من رواية عروة عن عائشة، وعروة هذا قيل: إنه عروة المزني وهو مجهول أخرج حديثه أبو داود والترمذي وابن ماجة، لكن ذكر في عون المعبود أنه عروة بن الزبير، قال: وهذا هو المناسب واللائق، فهو الذي يمكن أن يجترئ على مثل هذا السؤال لـ عائشة؛ عروة بن الزبير أمه أسماء بنت أبي بكر وعائشة خالته، وكونه يقول مثل هذا الكلام ليس ببعيد، أما أن يقول هذا شخص بعيد منها فهذا لا يتوقع أن يحصل من مثله، وإنما يحصل ممن يكون له بها صلة وعلاقة ومحادثة واتصال، وهو ابن أختها، ثم ذكر أنه جاء في المسند وفي سنن ابن ماجة التنصيص عليه بأنه عروة بن الزبير. وعروة بن الزبير هو أحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، لكن المزي وغيره ذكروا هذا في ترجمة عروة المزني ولم يذكروه في ترجمة عروة بن الزبير، لكن الذي ذكره صاحب عون المعبود من كونه ابن الزبير هو الأقرب، وقد جاء ما يؤيده ويدل عليه في مسند أحمد وفي سنن ابن ماجة، وإن كان هو عروة المزني المجهول فإن هذه الطريق شاهدة لتلك الطريق، وإن كان عروة بن الزبير فلا إشكال.

стр. 617

تراجم رجال إسناد حديث: (أن النبي قبل امرأة من نسائه) قوله: [حدثنا عثمان بن أبي شيبة]. عثمان بن أبي شيبة ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي. [حدثنا وكيع]. وكيع بن الجراح الرؤاسي الكوفي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا الأعمش]. الأعمش هو سليمان بن مهران الكاهلي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن حبيب]. هو حبيب بن أبي ثابت، ثقة يرسل ويدلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. [عن عروة عن عائشة]. ذكرنا في عروة أنه إما أن يكون عروة المزني أو عروة بن الزبير. وحبيب بن أبي ثابت مدلس، لكن ما تقدم من الروايات يشهد بعضها لبعض. [قال أبو داود: هكذا رواه زائدة وعبد الحميد الحماني عن سليمان الأعمش]. زائدة هو ابن قدامة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وعبد الحميد الحماني هو عبد الحميد بن عبد الرحمن الحماني وهو صدوق يخطئ، أخرجه حديثه أصحاب الكتب الستة إلا النسائي، والأعمش هو سليمان بن مهران الأعمش وقد تقدم ذكره.

стр. 618

طريق أخرى لحديث: (أن النبي قبل امرأة من نسائه) قال المصنف ﵀: [حدثنا إبراهيم بن مخلد الطالقاني حدثنا عبد الرحمن -يعني: ابن مغراء - حدثنا الأعمش أخبرنا أصحاب لنا عن عروة المزني عن عائشة ﵂ بهذا الحديث. قال أبو داود: قال يحيى بن سعيد القطان لرجل: احك عني أن هذين -يعني: حديث الأعمش هذا عن حبيب وحديثه بهذا الإسناد في المستحاضة أنها تتوضأ لكل صلاة- قال يحيى: احك عني أنهما شبه لا شيء. قال أبو داود: وروي عن الثوري قال: ما حدثنا حبيب إلا عن عروة المزني، يعني: لم يحدثهم عن عروة بن الزبير بشيء. قال أبو داود: وقد روى حمزة الزيات عن حبيب عن عروة بن الزبير عن عائشة حديثاً صحيحاً]. أورد أبو داود هذا الحديث وأحاله إلى حديث عائشة المتقدم. قوله: [حدثنا إبراهيم بن مخلد الطالقاني]. إبراهيم بن مخلد الطالقاني صدوق، أخرج حديثه أبو داود وحده. [حدثنا عبد الرحمن يعني: ابن مغراء]. عبد الرحمن بن مغراء صدوق، تكلم في حديثه عن الأعمش، وهذا من حديثه عن الأعمش، وحديثه أخرجه البخاري في الأدب المفرد وأصحاب السنن الأربعة. [أخبرنا الأعمش قال: أخبرنا أصحاب لنا عن]. هنا الأعمش قال: أخبرنا أصحاب لنا، وهناك يروي الأعمش عن حبيب. وقوله: (أصحاب لنا) ذكر منهم في بعض الطرق المتقدمة جماعة أبهمهم ولم يسمهم، ولكن الطريقة المتقدمة فيها حبيب بن أبي ثابت. [عن عروة المزني]. هنا نص على المزني. [عن عائشة]. عائشة تقدم ذكرها. [قال أبو داود: قال يحيى بن سعيد القطان لرجل: احك عني أن هذين -يعني: حديث الأعمش هذا عن حبيب وحديثه في المستحاضة أنها تتوضأ لكل صلاة -قال يحيى: احك عني أنهما شبه لا شيء]. يعني: أنه ضعف هذين الحديثين، ولكن هذه الأحاديث يشهد بعضها لبعض، أما بالنسبة لحديث: (أن المستحاضة تتوضأ لكل صلاة) فهو ثابت؛ لأن المستحاضة تتوضأ لكل صلاة، وإنما الكلام في كونها تغتسل لكل صلاة، هذا هو الذي فيه الإشكال، وأما كونها تتوضأ لكل صلاة فإذا دخل الوقت فإن عليها أن تتوضأ، ومثلها من يكون به سلس البول؛ فإنه يتوضأ عند كل صلاة، فعندما يريد أن يصلي يتوضأ ولا يبقى على الحدث؛ لأن الحدث موجود، فيصلي مع استمرار الحدث؛ لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦]. [قال أبو داود: وروي عن الثوري أنه قال: ما حدثنا حبيب إلا عن عروة المزني، يعني: لم يحدثهم عن عروة بن الزبير بشيء]. الثوري يقول: إن حبيب بن أبي ثابت ما حدثهم إلا عن عروة المزني أي: أنه لم يحدثهم عن عروة بن الزبير بشيء، وإنما حديثه عن عروة المزني، لكن كما ذكرنا أن الطريقين المتقدمتين فيهما ذكر عروة بن الزبير. [قال أبو داود: وقد روى حمزة الزيات عن حبيب عن عروة بن الزبير عن عائشة حديثاً صحيحاً]. عقب أبو داود بهذا الكلام على كلام سفيان في قوله: إن حبيباً لم يحدث عن عروة بن الزبير بشيء، فقال: إنه قد روى حمزة الزيات عن حبيب بن أبي ثابت عن عروة بن الزبير حديثاً صحيحاً. وفي تحفة الأشراف (برقم: ١٧٣٧٤) عند ترجمة عروة المزني ذكر عدة أحاديث منها هذه الأحاديث التي مرت، وذكر أيضاً من طريق حمزة بن حبيب الزيات عن حبيب عن عروة بن الزبير عن عائشة حديثاً من الأحاديث.

стр. 619

الوضوء من مس الذكر

стр. 620

شرح حديث: (من مس ذكره فليتوضأ) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الوضوء من مس الذكر. حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن عبد الله بن أبي بكر أنه سمع عروة يقول: دخلت على مروان بن الحكم فذكرنا ما يكون منه الوضوء، فقال مروان: ومن مس الذكر. فقال عروة: ما علمت ذلك. فقال مروان: أخبرتني بسرة بنت صفوان ﵂ أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من مس ذكره فليتوضأ)]. أورد أبو داود ﵀ باباً في الوضوء من مس الذكر، يعني: هل يتوضأ منه أو لا يتوضأ، وأورد في هذه الترجمة الأحاديث التي فيها أنه يتوضأ إذا مسه يعني: بدون حائل، وأما إذا كان من وراء حائل فلا يؤثر مسه، وأورد في ذلك حديث بسرة بنت صفوان رضي الله تعالى عنها أن النبي ﷺ قال: (من مس ذكره فليتوضأ)، وهذا يدل على أن مس الذكر ينتقض به الوضوء وأن على من مس ذكره أن يتوضأ، سواء كان بشهوة أو بغير شهوة؛ لأنه قال: (من مس ذكره فليتوضأ)، وهو مطلق، فدل ذلك على أن مس الذكر ناقض للوضوء، وسيأتي من حديث طلق بن علي الحنفي رضي الله تعالى عنه أن الرسول ﷺ قال: (وهل هو إلا بضعة منك؟!) يعني: أنه لا ينقض الوضوء، لكن ذكر العلماء في التوفيق بين هذين الحديثين بأن حديث بسرة متأخر وحديث طلق متقدم، وأيضاً الذين صححوا حديث بسرة من أهل العلم أكثر من الذين صححوا حديث طلق، لكن منهم من قال: إن حديث بسرة ناسخ لحديث طلق؛ لأن حديث طلق كان في أول الهجرة؛ حيث قال فيه: قدمت وهم يؤسسون المسجد، يعني: مسجد الرسول ﷺ . قوله: [عن عروة قال: دخلت على مروان بن الحكم فذكرنا ما يكون منه الوضوء، فقال مروان: ومن مس الذكر]. مروان بن الحكم كان أمير المدينة في ذلك الوقت، وقوله: (فذكرنا) أي: تذاكرنا وبحثنا في نواقض الوضوء والأشياء التي ينتقض بها، فقال مروان: (ومن مس الذكر)، يعني: يحصل الوضوء من مس الذكر، فقال عروة: (ما علمت في هذا شيئاً)، يعني: ما أعلم دليلاً، وليس عندي علم في ذلك عن رسول الله ﷺ ، فقال: حدثتني بسرة بنت صفوان ﵂ أن النبي ﷺ قال: (من مس ذكره فليتوضأ) يعني: أن مروان بن الحكم ذكر الدليل الذي سمعه من بسرة بنت صفوان والذي فيه الوضوء من مس الذكر.

стр. 621

تراجم رجال إسناد حديث (من مس ذكره فليتوضأ) قوله: [حدثنا عبد الله بن مسلمة]. عبد الله بن مسلمة القعنبي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة. [عن مالك]. هو مالك بن أنس إمام دار الهجرة الإمام المشهور، أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة. [عن عبد الله بن أبي بكر]. هو عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [أنه سمع عروة يقول]. هو عروة بن الزبير بن العوام. [دخلت على مروان بن الحكم]. مروان بن الحكم أحد خلفاء بني أمية، قال عنه بعض المحدثين: لا يتهم في الحديث، أخرج حديثه البخاري وأصحاب السنن. [أخبرتني بسرة بنت صفوان]. بسرة بنت صفوان ﵂ صحابية، أخرج حديثها أصحاب السنن الأربعة.

стр. 622

الرخصة في ترك الوضوء من مس الذكر

стр. 623

شرح حديث: (هل هو إلا مضغة منه) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: الرخصة في ذلك. حدثنا مسدد حدثنا ملازم بن عمرو الحنفي حدثنا عبد الله بن بدر عن قيس بن طلق عن أبيه ﵁ قال: (قدمنا على نبي الله ﷺ فجاء رجل كأنه بدوي فقال: يا نبي الله! ما ترى في مس الرجل ذكره بعدما يتوضأ؟ فقال: هل هو إلا مضغة منه، أو قال: بضعة منه)]. أورد أبو داود ﵀ باب الرخصة في ذلك، يعني: في عدم الوضوء، فالحديث الأول يدل على الوضوء من مس الذكر وهذا يدل على الترخيص في عدم الوضوء، لكن أهل العلم -كما ذكرت- جمعوا بينهما بأن قدموا حديث بسرة على حديث طلق بن علي؛ لتقدم حديث طلق بن علي وأنه كان جاء في وقت مبكر في أول الهجرة عند تأسيس مسجد الرسول ﷺ ، وحديث بسرة متأخر عنه فيكون مقدماً عليه، كما أن الذين صححوه أكثر، وأيضاً فيه الاحتياط في الدين؛ إذ إن الإنسان إذا مس ذكره وتوضأ خرج من العهدة ولم يبق في نفسه شيء بخلاف ما لو لم يفعل ذلك فإنه خلاف الاحتياط. قوله: [(قدمنا على رسول الله ﷺ فجاء رجل كأنه بدوي -يعني: من البادية- فقال: يا نبي الله! ما ترى في مس الرجل ذكره بعدما يتوضأ؟ قال: وهل هو إلا بضعة منك؟)، يعني: أنه كسائر جسده، فإذا لمست أي مكان من جسدك لا ينتقض وضوءك، فلو لمست وجهك أو رجلك أو ركبتك أو عضدك فما هل هو إلا بضعة منك، يعني: أنه جزء من أجزائك، فأي جزء من أجزائك تلمسه لا ينتقض وضوءك به، هذا هو معنى الحديث.

стр. 624

تراجم رجال إسناد حديث: (هل هو إلا مضغة منه) [حدثنا مسدد]. مسدد هو ابن مسرهد ثقة، أخرج حديثه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي. [حدثنا ملازم بن عمرو الحنفي]. هو ملازم بن عمرو بن عبد الله بن بدر الحنفي، صدوق، أخرج حديثه أصحاب السنن الأربعة. [حدثنا عبد الله بن بدر]. عبد الله بن بدر هو جد ملازم، وهو ثقة أخرج حديثه أصحاب السنن الأربعة. [عن قيس بن طلق]. قيس بن طلق صدوق، أخرج له أصحاب السنن الأربعة. [عن أبيه]. أبوه هو طلق بن علي ﵁ أخرج له أصحاب السنن الأربعة. ورجال هذا الإسناد حنفيون يماميون إلا مسدداً شيخ أبي داود فإنه بصري، والباقون كلهم من بني حنيفة ومن اليمامة، وهم أربعة: ملازم بن عمرو وعبد الله بن بدر وقيس بن طلق وطلق بن علي. وأربعتهم أيضاً خرج لهم أصحاب السنن الأربعة ولم يخرج لهم البخاري ولا مسلم. ومن الأشياء التي ذكروها في ترجيح حديث بسرة أن حديث طلق إنما خرج لرجاله أصحاب السنن، وأما حديث بسرة فرجاله خرج لهم الشيخان وهم: عبد الله بن مسلمة القعنبي ومالك وعبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم وعروة ومروان بن الحكم. وكلهم أخرج لهم الشيخان إلا مروان فليس له في مسلم شيء، وإنما له في البخاري. [قال أبو داود: رواه هشام بن حسان وسفيان الثوري وشعبة وابن عيينة وجرير الرازي عن محمد بن جابر عن قيس بن طلق]. قوله: [رواه هشام بن حسان]. هشام بن حسان ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [وسفيان الثوري]. سفيان الثوري مر ذكره. [وشعبة]. هو شعبة بن الحجاج الواسطي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [وابن عيينة]. ابن عيينة ثقة مر ذكره. [وجرير الرازي]. هو جرير بن عبد الحميد الضبي الكوفي نزيل الري؛ لأنه كان في الكوفة وانتقل إلى الري وصار قاضياً فيها فيقال له: الكوفي باعتبار أنها وطنه، ويقال له: الرازي؛ لأنه انتقل إليها وصار قاضياً فيها، وهو جرير الرازي الكوفي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن محمد بن جابر]. محمد بن جابر صدوق، ذهبت كتبه فساء حفظه، وصار يشبه بـ ابن لهيعة. أخرج له أبو داود وابن ماجة. [عن قيس بن طلق]. قيس بن طلق قد مر ذكره. قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا مسدد قال: حدثنا محمد بن جابر عن قيس بن طلق عن أبيه بإسناده ومعناه وقال: في الصلاة]. أورد أبو داود الحديث من طريق أخرى وقال: بإسناده ومعناه، وقال: في الصلاة. يعني: إذا مسه وهو في الصلاة. قوله: [حدثنا مسدد]. مسدد تقدم ذكره. [حدثنا محمد بن جابر عن قيس بن طلق عن أبيه].

стр. 625

الأسئلة

стр. 626

الحكم على حديث: (اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين) السؤال ما حال حديث: (اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين) بعد الفراغ من الوضوء؟ الجواب ذكرنا سابقاً في باب ما يقال بعد الوضوء أن مما يقال بعد الوضوء: (أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله)، وهذه الرواية هي التي جاءت عند مسلم، وقلت: إن رواية: (اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين) جاءت عند الترمذي وفيها كلام؛ لأنها من رواية أبي إدريس الخولاني عن عمر وهو لم يسمع منه، لكن ذكر الشيخ الألباني في إرواء الغليل أن حديث عند الترمذي له شواهد عند الطبراني وغيره من المحدثين عن ثوبان وعن غيره، فيكون شاهداً لهذه الطريق التي فيها كلام عند الترمذي، وقال أيضاً: إن مما ثبت أنه يقال بعد الوضوء أن يقول مع هذا: (سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك).

стр. 627

حكم تكرار العمرة في السفرة الواحدة السؤال رجل يريد أن يذهب إلى مكة ويؤدي عمرة عن نفسه ثم يريد أن يعتمر عن أبويه الميتين فماذا يفعل؟ الجواب الإنسان عندما يذهب إلى مكة يعتمر لنفسه أولاً، وإذا يسر الله له أنه يقدم مرة أخرى من بلده أو يذهب إلى المدينة ويرجع إلى مكة مرة أخرى فإنه يعتمر لنفسه أو لغيره؛ لأن العمرة المشروعة المستحبة التي كان ﵊ يفعلها هي أنه يعتمر داخلاً إلى مكة، أما كون الإنسان يتردد بين التنعيم وبين الكعبة فيؤدي عدة عمر في اليوم فهذا ما ورد فيه شيء، وإنما ورد في حق عائشة لظرف خاص لها، وكذلك أهل مكة لهم أن يعتمروا من التنعيم أو من غيره، لكن الآفاقيين إنما يعتمرون وهم داخلون إلى مكة.

стр. 628

حكم مس الحائض للمصحف السؤال ما حكم مس الحائض للمصحف بحائل وبدون حائل؟ الجواب الحائض والمحدث إذا مسوه بحائل لا بأس بذلك.

стр. 629

بيان إلى من ينسب ولد الزنا السؤال امرأة لم تتزوج وحملت بسبب الزنا، ثم نكحت الزاني وهي حبلى، فهل نكاحهما صحيح؟ وإلى من ينسب ولدها؟ الجواب إذا كان الولد من الزنا فهو ليس ابناً شرعياً، وإنما هو ابن زنا؛ لأن الحمل كان قبل الزواج، وعلى هذا فهو ابن زنا وليس ابناً شرعياً. والمرأة إذا حملت من زنا ثم تزوجها الزاني فلا يعتبر ولداً له وإنما يعتبر ولد زنا؛ لأنه لم يكن في نكاح شرعي، وإنما كان في سفاح، فهو ولد من سفاح وليس من نكاح شرعي، فلا يعتبر ولداً له ما دام أنه كان موجوداً قبل الزواج. وأما النكاح الذي حصل بعد الزنا فالزاني ينكح زانية.

стр. 630

الفرق بين النجش والنصيحة السؤال رجل كان في المكتبة يريد أن يشتري كتاباً، وتعاقد هو والبائع ووافق على شراء الكتاب، ثم جاءه شخص آخر وأخبره أن هناك كتاباً أرخص منه فتحير، فهل وجب عليه الشراء، أم أن هذا من النجش المحرم؟ الجواب هذا ليس من البيع على بيع أخيه ولا من الشراء على شراء أخيه؛ لأن النجش هو أن يزيد في سلعة لا يريد شراءها، هذا هو النجش، لكن أن يأتي آخر ويخبره بوجود سلعة أرخص وهو لا يزال في خيار المجلس لا بأس بذلك، فكونه أخبره بأنه يوجد في المكان الفلاني أو في المكتبة الفلانية كتاب بسعر أرخص من هذا لا يعتبر نجشاً ولا يعتبر بيعاً على بيع أخيه وإنما هي نصيحة.

стр. 631

حكم الصلاة في مسجد خاص بأناس معينين السؤال هل تجوز الصلاة في مسجد مؤسسة، والمسجد داخل الحائط ومحروس، وإذا كان الإنسان عابر سبيل ولحق به وقت الجمعة، ولم تكن له بطاقة مهنية يرجعوه عن صلاة الجمعة فلم يؤدها، فهل الجمعة تجوز في هذا المسجد؟ الجواب الجمعة تجوز ما دام أنه مكان خاص بأناس معينين، فإذا كانوا لا يريدون أن أحداً يدخل معهم فيصح التجميع، لكن الإنسان الذي يعرف أن المكان هذا لا يدخله كل واحد وإنما يدخله من هو مرخص له فعليه أن يذهب إلى مكان آخر ولا يذهب إلى المكان الذي فيه منع. وهذا مثل السجن، فالسجن فيه مسجد والناس يصلون فيه، والذي في الخارج لا يستطيع أن يدخل السجن ليصلي؛ لأنه لا يسمح لأناس يدخلون في هذه الدائرة وفي هذه المنطقة، وإنما هو مسجد خاص بجهة معينة، فالصلاة فيه تصح، وأنت إذا أردت الصلاة فعليك أن تبحث لك عن مكان آخر. ولا تصح الجمعة في الصحراء إذا لم يكن فيها استيطان ولا مساكن.

стр. 632

نقض الوضوء بمصافحة المرأة الأجنبية السؤال هل مصافحة المرأة الأجنبية ينقض الوضوء؟ الجواب لمس المرأة لا ينقض الوضوء سواء كانت أجنبية أو غير أجنبية، لكن المصافحة ولمس المرأة الأجنبية لا يجوز وهو حرام وفيه إثم، لكنه لا ينقض الوضوء إلا إذا حصل بسبب ذلك مذي، فالنقض بسبب الخارج لا بسبب اللمس سواء كانت أجنبية أو غير أجنبية. ولا أيضاً لمسها من وراء حائل؛ لأن اللمس من وراء حائل يمكن أن يحصل به ما يحصل بدون حائل. والله تعالى أعلم.

стр. 633

شرح سنن أبي داود [٠٣١] جاء في بعض الأحاديث الوضوء مما مست النار، ومن أكل لحوم الإبل، وجاء في أحاديث أخرى ترك الوضوء من ذلك، وقد اختلف العلماء في الجمع بين هذه الأحاديث.

стр. 634

ما جاء في الوضوء من لحوم الإبل

стр. 635

شرح حديث الوضوء من لحوم الإبل قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الوضوء من لحوم الإبل. حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن عبد الله بن عبد الله الرازي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء بن عازب ﵄ قال: (سئل رسول الله ﷺ عن الوضوء من لحوم الإبل، فقال: توضئوا منها. وسئل عن لحوم الغنم فقال: لا توضئوا منها. وسئل عن الصلاة في مبارك الإبل؛ فقال: لا تصلوا في مبارك الإبل؛ فإنها مأوى الشياطين. وسئل عن الصلاة في مرابض الغنم فقال: صلوا فيها؛ فإنها بركة)]. أورد الإمام أبو داود السجستاني رحمه الله تعالى باباً في الوضوء من لحوم الإبل، أي: من أكلها، وأن الإنسان إذا أكلها فإن عليه أن يتوضأ، وذلك للحديث الذي ثبت عن رسول الله ﷺ في ذلك. وقد أورد أبو داود ﵀ حديث البراء بن عازب رضي الله تعالى عنهما: (أن النبي ﷺ سئل عن الوضوء من لحم الإبل، فقال: توضئوا من لحوم الإبل، وسئل عن الوضوء من لحم الغنم فقال: لا توضئوا منها، وسئل عن الصلاة في مبارك الإبل فقال: لا تصلوا فيها، وسئل عن الصلاة في مرابض الغنم فقال: صلوا فيها). والحديث دليل على الوضوء من لحم الإبل، وأن من أكل من لحوم الإبل فإن عليه أن يتوضأ، وعليه أن يعيد الوضوء إذا كان قد توضأ وأكل بعد الوضوء؛ لأن أكل لحوم الإبل ناقض من نواقض الوضوء، كما ثبت في ذلك الحديث عن رسول الله ﷺ ، وهذا هو المشهور عن كثير من المحدثين، وذهب أكثر الفقهاء إلى عدم الوضوء من لحم الإبل، واستدلوا على ذلك بما جاء عن النبي ﷺ أنه كان آخر الأمرين ترك الوضوء مما مست النار، قالوا: ولحم الإبل مما مسته النار، فكان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مست النار، لكن الذين قالوا بلزوم الوضوء من لحم الإبل، قالوا: إن ذاك عام، وهذا خاص، فإنه كان في أول الأمر أن الوضوء يكون مما مست النار مطلقاً، وكل شيء مسته النار أو غيرته النار فإنه يتوضأ منه، وبعد ذلك جاء ما ينسخ ذلك، وهو ترك الوضوء مما مست النار؛ لقول جابر: (كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مست النار)، وحديث الوضوء من لحم الإبل خاص، فلا يدخل تحت ذلك العموم؛ لأن الرسول ﷺ : سئل عن هذا فقال: (توضئوا، وسئل عن الوضوء من لحم الغنم فقال: لا توضئوا)، وفي بعض الروايات قال: (إن شئتم). فدل هذا على أن الوضوء من أكل لحم الإبل أمر مطلوب وأمر متعين، وقد قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: وهذا المذهب هو الأقوى دليلاً، وإن كان الجمهور على خلافه. قوله: [(سئل رسول الله ﷺ عن الوضوء من لحوم الإبل فقال: توضئوا منها، وسئل عن لحوم الغنم؟ فقال: لا توضئوا)]. وقد جاء في بعض الروايات: (إن شئتم) وهذا يدلنا على الفرق بين لحوم الإبل وغيرها، فلحوم الإبل هي التي جاء فيها دليل على الوضوء، وأما الغنم فقد جاء الدليل على أنه لا يتوضأ منها، وغيرها سكت عنه، فلا يصار إلى الوضوء منه إلا بدليل، والدليل إنما دل على الوضوء من لحم الإبل فقط، أما غيرها فإنه لم يأت دليل يدل عليه، والأصل هو ما جاء عن جابر قال: (كان آخر الأمرين ترك الوضوء مما مست النار) يعني: من غير لحوم الإبل، وعلى هذا فإن الرسول ﷺ لما سئل عن لحوم الإبل قال: (توضئوا منها، ولما سئل عن لحم الغنم قال: لا تتوضئوا منها). وهذا التفريق من رسول الله ﷺ بين لحوم الإبل ولحوم الغنم يرشد إلى مسألة أخرى وهي فيما يتعلق بالإحسان إلى الأموات في الصدقة عنهم، والحج عنهم، والدعاء لهم، وكذلك قراءة القرآن وإهدائها لهم، فإن بعض أهل العلم الذين قالوا بالجواز مطلقاً قاسوا الذي لم ينص عليه على المنصوص عليه، وقالوا: إن النبي ﷺ سئل عن الصدقة؟ فقال: (تصدق أو تصدقوا) يعني: أن الإنسان يتصدق عن قريبه الميت، وسئل عن الحج فقال للمرأة التي سألته عن الحج: (حجي)، وسئل أسئلة فأجاب بالإذن، فالذين يقولون بجواز إهداء ثواب قراءة القرآن إلى الأموات، يقولون: الرسول ﷺ سئل عن أمور فأذن فيها، فيقاس عليها قراءة القرآن وإهدائها للأموات؛ لأنه لو سئل عنها لأجاب؛ لأن هذه أمور سئل عنها فأجاب، وتلك لم يسأل عنها ولو سئل لأجاب، وهذا الذي جاء من التفريق بين لحوم الإبل ولحوم الغنم يدلنا على عدم صحة هذا القول، وأنه قد يسأل عن الشيء فيجاب عنه بجواب، ويسأل عن غيره فيجاب عنه بجواب آخر، فلو أن الرسول ﷺ لم يسئل عن الوضوء من لحم الغنم وإنما سئل عن الوضوء من لحم الإبل فقط، فقال: (توضئوا) فهل يقال: إنه لو سئل عن الوضوء من لحم الغنم لقال: توضئوا؟! الجواب لا يقال هذا؛ لأنه لما سئل أجاب بجواب آخر، فدل هذا على أن ما نص عليه الشارع لا يلحق به ما يشابهه إذا كان يختلف عنه، لاسيما في هذه الأمور التي تتعلق بإضافة شيء للأموات أو إهداء شيء لهم، فإن هذه يقتصر فيها على ما ورد عليه الدليل. والقول بأن هذا مثله ويلحق به ولو سئل لأجاب؛ يدلنا هذا التفريق بين لحوم الغنم ولحوم الإبل على أن الجواب قد يختلف وليس بلازم أن يتحد، والقول بأنه لو سئل عن الإهداء لأجاب غير صحيح؛ لأن سؤاله ﷺ عن لحوم الإبل، وإجابته بالوضوء، وسؤاله عن لحم الغنم وإجابته بعدم الوضوء، يدلنا على التفريق بين الأشياء، وأن المعول في الفرق هو ما جاءت به السنة عن رسول الله ﷺ ، فنفع الأموات بسعي الأحياء ما ورد فيه دليل يصار إليه، وما ورد من دليل فيه خلاف بين أهل العلم، والأقرب أنه لا يصار إليه، ولا يصار إلا إلى ما ورد عليه الدليل من نفع الأموات بسعي الأحياء كالصدقة والصيام كقوله ﵊: (من مات وعليه صيام صام عنه وليّه)، وكذلك الحج، والعمرة: (حج عن أبيك واعتمر) وهكذا الدعاء. أما الأمور التي لم ترد فلا تلحق بحجة أن هذه أمور سئل عنها، ولم يسأل عن هذه، ولو سئل لأجاب، فقد يسئل ولا يجيب، وقد يجيب بجواب آخر، كما أنه سئل عن الوضوء من لحم الإبل فأجاب بجواب، وسئل عن الوضوء من لحم الغنم فأجاب بجواب آخر غير الجواب الأول. قوله: [(وسئل عن الصلاة في مبارك الإبل، فقال: لا تصلوا في مبارك الإبل؛ فإنها من الشياطين)]. المقصود بقوله: (فإنها من الشياطين) يعني: أن الإبل فيها شدة، وفيها غلظة، وفيها نفار، وإذا حصل منها نفور فإنها تؤذي أو تتلف من يكون حولها، ومن يكون معها في معاطنها ومباركها، والمعاطن هي: المبارك التي تختص بها، والتي إذا شربت الماء بركت فيها، يعني: ما حول المكان الذي تشرب منه يقال له: معاطن الإبل، فلو حصل لها شيء ينفرها فإنها تتلف من حولها، وتؤذي من حولها إذا لم تتلفه. ولهذا جاء التفريق بين أصحاب الإبل وأصحاب الغنم؛ لأن أصحاب الإبل عندهم الغلظة، وعندهم التكبر، كما جاء في بعض الأحاديث، وأصحاب الغنم عندهم السكينة والهدوء، والرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام كانوا يرعون الغنم، وهي ذات سكينة وهدوء، ورعاية الإبل أو الاشتغال بالإبل فيه غلظة وفيه قوة؛ لأن فيها قوة، وفيها قسوة، فصاحبها يكون فيه شبه بها من حيث القسوة، ولهذا فإن أهل الإبل هم أهل الكبر وأهل الخيلاء، بخلاف أهل الغنم فإنهم أهل سكينة وأهل وقار، كما جاء ذلك عن رسول الله ﷺ . فإذاً: قوله فيها: (فإنها من الشياطين)، أي: أنها فيها من صفات الشياطين، وهي الغلظة والشدة والنفرة، وأنها تؤذي من حولها، ومنهم من يقول: إنها من الشياطين معناه: أن الذي فيه عتو وفيه قوة وفيه غلظة يقال له: شيطان، فما كان من الإبل ومن الإنس والجن والدواب وما حصل منه عتو وإيذاء وما إلى ذلك فإنه يوصف بهذا الوصف ويقال له: شيطان، فقوله: (إنها من الشياطين) يعني: أن عندها الغلظة والشدة والقسوة، وأن كل من عتا من الإنس والجن والدواب يوصف بهذا الوصف. أو أنها ذات نفار، وذات غلظة وجفوة، وأنها إذا حصل منها نفور فإنها تتلف من يكون حولها، وليس ذلك لنجاسة أرواثها وأبوالها فإن أرواثها وأبوالها طاهرة، وكل مأكول اللحم فإن روثه وبوله طاهر، والدليل على ذلك إذن الرسول ﷺ للعرانيين بأن يشربوا من أبوال الإبل وألبانها، فلو كانت أبوالها نجسة ما أذن لهم الرسول ﷺ بالشرب من الأبوال للاستشفاء؛ لأنه لا يتداوى بحرام، كما جاءت في ذلك السنة عن رسول الله ﷺ . وأيضاً ما جاء أن النبي ﷺ طاف على بعير، وأدخله المسجد، ولا يؤمن من حصول الروث منه وحصول البول منه، فهذا يدل على طهارة بوله وروثه؛ لأنه لا يعرض المسجد لأن يحصل فيه ما ينجسه بأن يدخل فيه شيئاً أبواله نجسه وأرواثه نسجه، بل الأبوال طاهرة والأرواث طاهرة. وأما ما جاء أن الرسول ﷺ طلب من أحد أصحابه أن يأتي بثلاثة أحجار فجاء بحجرين وروثة فردها وقال: (إنها رجس)، فهذا المقصود منه أنها تكون من روث ما لا يؤكل لحمه كالحمار، ويقال: إن الروث يكون للحمير والبغال والخيل، ولكن الخيل كما هو معلوم أيضاً مأكول لحمها، فكل مأكول اللحم يكون طاهراً، فيحمل ذلك على أنها روثة حمار، وقد سبق أن ذكرنا أن الروث وإن كان من مأكول اللحم فإنه لا يستنجى به؛ لأن الاستنجاء به تقذير له، وقد جاء أنه طعام لدواب الجن، كما أن العظام لا يستنجى بها؛ لأنها تكون طعاماً للجن. وعلى هذا فإن الحكم بعدم الصلاة بمعاطن الإبل ومباركها لا لنجاسة أبوالها وأرواثها فهي طاهرة، وإنم
следующие страницы →