← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 37052

شرح سنن أبي داود للعباد

عبد المحسن العباد

Полный текст (18 341 стр.). Показаны 8156–8195 · переход к 8161.

стр. 8156

شرح حديث (لا تصوم امرأة وزوجها شاهد إلا بإذنه) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب المرأة تصوم بغير إذن زوجها. حدثنا الحسن بن علي حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن همام بن منبه أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : (لا تصوم امرأة وبعلها شاهد إلا بإذنه غير رمضان، ولا تأذن في بيته وهو شاهد إلا بإذنه)]. أورد أبو داود باب المرأة تصوم بغير إذن زوجها، يعني: ليس لها أن تصوم التطوع بغير إذن زوجها، وأما بالنسبة للفرض والشيء الواجب فإن عليها أن تخبره وأن تستأذنه، وإذا طلب منها أن تؤخر فلها أن تؤخر، وقد مر أن عائشة ﵂ كان يكون عليها الصوم من رمضان فلا تتمكن من قضائه إلا في شعبان، وذلك لمكانها من رسول الله ﷺ ، والترجمة معقودة في صيام المرأة بغير إذن زوجها ويعان أنه ليس لها ذلك، وهذا باتفاق العلماء، فليس لها أن تتطوع إلا بإذن زوجها، وأما إذا كان فرضاً فلها أن تؤخر، ولكن القضاء متحتم عليها ولازم لها، كما مر في فعل عائشة ﵂، وأنها كانت تقضي قضاءها في شهر شعبان بعد أن يكون مضى عليها قرب انتهاء السنة. وأورد أبو داود حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا تصوم المرأة وبعلها شاهد إلا بإذنه). قوله: [(غير رمضان)]. يعني: رمضان هنا لا يحتاج إلى استئذان، وكذلك أيضاً الفرض لابد أن تصومه ولكن عليها أن تستأذنه، فذكر (غير رمضان) هذه فيها كلام؛ لأن رمضان كل الناس يصومونه، يعني: الزوج والناس كلهم لا يترك أحد منهم الصيام، قال تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥] فمن كان حاضراً وهو مستطيع فإن عليه الصيام، ولا يعذر في الفطر، إلا من كان معذوراً بعذر شرعي جاء في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ كالمريض والمسافر وغيره. قوله: [(ولا تأذن في بيت زوجها وزوجها شاهد إلا بإذنه)] يعني: لا تأذن بالدخول في بيت زوجها إلا بإذنه، فتستأذنه في دخول من يدخل عليها، وإذا كان هناك إذن عام ومتواطأ ومتفق عليه فلها أن تنفذ ذلك، بحيث لا يلزم أنها تستأذن في كل شيء وفي كل حالة وفي كل مرة، وإنما يكفي أن يكون هناك اتفاق بينها وبينه على الإذن وتعيين من يؤذن له. وحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه هذا من صحيفة همام بن منبه والمشتملة على مقدار مائة وخمسين حديثاً كلها بإسناد واحد، ويفصل بين كل حديث وحديث جملة: (وقال رسول الله ﷺ . والإمام مسلم رحمة الله عليه له طريقة في سرد أحاديث هذه الصحيفة، ولغيره من الأئمة طرق أخرى ليست مثل طريقة مسلم ﵀، فـ أبو داود والبخاري وغيرهما يروون أي حديث من الصحيفة ويأتون بالإسناد الذي في أولها، ثم يأتون بالحديث الذي يريده بعد الإسناد، وكأن الحديث بعد الإسناد، أما مسلم ﵀ فإنه إذا ساق الإسناد يقول: عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا به أبو هريرة عن محمد رسول الله ﷺ ، فذكر أحاديث منها: وقال رسول الله ﷺ كذا وكذا، وهذا فيه إشارة إلى الأحاديث المتقدمة التي هي تابعة للإسناد، والتي تلي الإسناد، وهذه دقة وعناية، أما أبو داود فكما رأينا يقول: قال رسول الله ﷺ كذا وكذا، والبخاري كذلك يأتي بمثل هذه الطريقة، وكذلك النسائي وغيره، أما مسلم فعنده دقة وعناية في المحافظة على الألفاظ، وتبيين من يكون له اللفظ، وكيفية لفظه، وما إلى ذلك، وهذه ميزة لـ مسلم ﵀ لا توجد عند غيره، ولهذا قال الحافظ ابن حجر في ترجمته في تهذيب التهذيب: حصل للإمام مسلم في صحيحه حظ عظيم مفرط ما حصل لأحد غيره في المحافظة على الألفاظ وسياقها، وكذلك الأسانيد وبيان من هو لفظه.

стр. 8157

تراجم رجال إسناد حديث (لا تصوم امرأة وزوجها شاهد إلا بإذنه) قوله: [حدثنا الحسن بن علي]. هو الحسن بن علي الحلواني، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا النسائي. [حدثنا عبد الرزاق]. هو عبد الرزاق بن همام الصنعاني اليماني، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا معمر عن همام بن منبه]. معمر مر ذكره، وهمام بن منبه ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [أنه أبا هريرة]. أبو هريرة هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي، وقد مر ذكره.

стр. 8158

شرح حديث: (لا تصوم امرأة إلا بإذن زوجها) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد قال: (جاءت امرأة إلى النبي ﵌ ونحن عنده، فقالت: يا رسول الله! إن زوجي صفوان بن المعطل يضربني إذا صليت، ويفطرني إذا صمت، ولا يصلي صلاة الفجر حتى تطلع الشمس، قال: وصفوان عنده قال: فسأله عما قالت فقال: يا رسول الله! أما قولها: يضربني إذا صليت، فإنها تقرأ بسورتين وقد نهيتها، قال: فقال: لو كانت سورة واحدة لكفت الناس، وأما قولها: يفطرني، فإنها تنطلق فتصوم وأنا رجل شاب فلا أصبر، فقال رسول الله ﵌ يومئذ: لا تصوم امرأة إلا بإذن زوجها، وأما قولها: إني لا أصلي حتى تطلع الشمس فإنا أهل بيت قد عرف لنا ذاك لا نكاد نستيقظ حتى تطلع الشمس، قال: فإذا استيقظت فصل)]. أورد أبو داود حديث أبي سعيد الخدري ﵁: (أن امرأة صفوان المعطل جاءت إلى رسول الله ﷺ فقالت: إن زوجي صفوان بن المعطل يضربني إذا صليت، ويفطرني إذا صمت، ولا يصلي صلاة الفجر إلا بعد طلوع الشمس). وكان صفوان عنده، فسأله عن هذه الدعوى التي ادعت عليه ما جوابه عنها؟ فقال: (أما قولها: يضربني إذا صليت، فإنها تقرأ بسورتين طويلتين) يعني: هي تتشاغل عنه بالصلاة، وهو يريدها للاستمتاع بها فقال: (لو كانت سورة واحدة لكفت الناس) وهذا فيه إشارة إلى سورة الفاتحة، وأن أي إنسان مصلٍ يأتي بسورة الفاتحة فإنه يكون قد أدى ما عليه، وحصل منه ما هو لازم، ولكن يستحب قراءة سورة معها، وكونه يقرأ سورة طويلة أو سورتين طويلتين ويوجد من هو بحاجة إليه أو ينتظره، فإن هذا هو الذي كان يدفع صفوان بن معطل إلى ضرب امرأته. قوله: [(وأما قولها: يفطرني، فإنها تنطلق فتصوم وأنا رجل شاب، فلا أصبر)]. يعني: تصوم تطوعاً، وهو رجل شاب لا يصير ويريدها لنفسه. قوله: [(فقال ﷺ يومئذ: لا تصوم امرأة إلا بإذن زوجها)]. هذا هو محل الشاهد في الترجمة: أنها لا تصوم إلا بإذن زوجها. قوله: [(وأما قولها: إني لا أصلي حتى تطلع الشمس، فإنا أهل بيت قد عرف لنا ذلك، لا نكاد نستيقظ حتى تطلع الشمس، قال: فإذا استيقظت فصل)]. قيل: إنهم كانوا يشتغلون بالليل فيصيرون كالمغمى عليه، وأنه ليس هناك من يوقظه، ومن يكون كذلك فإنه يصلي حينما يستيقظ، لكن على الإنسان أن يأخذ بالاحتياطات فيكون هناك من يوقظه.

стр. 8159

تراجم رجال إسناد حديث: (لا تصوم امرأة إلا بإذن زوجها) قوله: [حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير عن الأعمش]. الأعمش هو سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أبي صالح]. هو أبو صالح السمان واسمه ذكوان، ولقبه: السمان، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أبي سعيد]. هو أبو سعيد الخدري سعد بن مالك بن سنان ﵁، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ . [قال أبو داود: رواه حماد -يعني ابن سلمة - عن حميد أو ثابت عن أبي المتوكل]. ثم ذكر أبو داود هذه المتابعة فقال: رواه حماد بن سلمة عن حميد، وهو حميد بن أبي حميد الطويل، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [أو ثابت البناني]. وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أبي المتوكل]. هو أبو المتوكل الناجي، وهو علي بن داود، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

стр. 8160

ما جاء في الصائم يدعى إلى الوليمة

стр. 8161

شرح حديث (إذا دعي أحدكم فليجب) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في الصائم يدعى إلى الوليمة. حدثنا عبد الله بن سعيد حدثنا أبو خالد عن هشام عن ابن سيرين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا دعي أحدكم فليجب، فإن كان مفطراً فليطعم، وإن كان صائماً فليصل) قال هشام: والصلاة الدعاء. قال أبو داود: رواه حفص بن غياث أيضاً عن هشام]. أورد أبو داود باباً في الصائم يدعى إلى وليمة. يعني: الصائم إذا دعي إلى وليمة ماذا يصنع؟ أورد أبو داود حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إذا دعي أحدكم فليجب). أي: إذا دعي أحدكم إلى وليمة فليجب. قوله: [(فإن كان مفطراً فليطعم، وإن كان صائماً فليصل)]. أي: إن كان مفطراً فليأكل، وإن كان صائماً فليدع للداعي ولصاحب الوليمة، وهذا فيه تطييب للنفس، وتأنيس له بكونه صائماً ويأتي لإجابة الدعوة، وبعض أهل العلم يقول: إنه إذا كان يترتب عليه غضب الشخص أو عدم ارتياحه وطمأنينته فإنه ينبغي له أن يفطر، وإن كان لا يحصل منه شيء من ذلك فيكفي أن يدعو لمن دعاه.

стр. 8162

تراجم رجال إسناد حديث (إذا دعي أحدكم فليجب) قوله: [حدثنا عبد الله بن سعيد]. هو عبد الله بن سعيد الأشج، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا أبو خالد]. هو أبو خالد الأحمر، وهو سليمان بن حيان، وهو صدوق يخطئ، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن هشام]. هو هشام بن حسان، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن ابن سيرين]. ابن سيرين هو محمد بن سيرين، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أبي هريرة]. أبو هريرة قد مر ذكره. [قال أبو داود: رواه حفص بن غياث أيضاً عن هشام]. حفص بن غياث ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهشام هو: ابن حسان.

стр. 8163

ما يقول الصائم إذا دعي إلى الطعام

стр. 8164

شرح حديث (إذا دعي أحدكم إلى طعام وهو صائم فليقل إني صائم) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ما يقول الصائم إذا دعي إلى الطعام. حدثنا مسدد حدثنا سفيان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا دعي أحدكم إلى طعام وهو صائم فليقل: إني صائم)]. قال أبو داود: [باب ما يقول الصائم إذا دعي إلى الطعام]. وأورد حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (إذا دعي أحدكم إلى طعام وهو صائم فليقل: إني صائم) يعني: يعتذر عن ذلك بقوله: إني صائم، فيعتذر عن الحضور أو يعتذر عن الأكل، ولكنه إذا حضر أو لم يحضر فله أن يدعو له، فإن وجد من الداعي ارتياحاً إلى اعتذاره لكونه صائماً فله ألا يحضر، وإن كان الداعي يرغب في أن يحضر ولو لم يأكل فليحضر وليدع له، وإن كان يعلم أنه يحصل من الداعي وحشة وعدم ارتياح فيفطر إذا كان ذلك نفلاً. قوله: [(إني صائم)] هذا فيه دليل على أن إخبار الإنسان عن عمله إذا كان المقصود به الاعتذار لا بأس به، يعني: حين يبين السبب في كونه لا يحضر أو كونه لا يأكل، وكذلك إذا كان الإخبار بالعمل سيترتب عليه اقتداء به فإن ذلك أيضاً إظهاره طيب، ومن ذلك قصة الرجل الذي تصدق بصرة كبيرة وتبعه الناس، وعندها قال ﵊: (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها). فإذا كان يترتب على إظهار الشيء مصلحة أو كان من أجل الاعتذار فإنه لا بأس به، وإلا فإن الأولى الإخفاء، ولا يكون الإظهار إلا عند الحاجة.

стр. 8165

تراجم رجال إسناد حديث (إذا دعي أحدكم إلى طعام وهو صائم فليقل إني صائم) قوله: [حدثنا مسدد حدثنا سفيان عن أبي الزناد]. مسدد وسفيان مر ذكرهما، وأبو الزناد هو عبد الله بن ذكوان المدني، وهيو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن الأعرج]. الأعرج هو عبد الرحمن بن هرمز، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أبي هريرة]. أبو هريرة ﵁ قد مر ذكره.

стр. 8166

الأسئلة

стр. 8167

حكم من أفطر من صوم واجب السؤال إذا كان الإنسان يصوم صوماً واجباً غير الفرض كنذر أو كفارة أو قضاء فهل له أن يفطر؟ الجواب لا. ما ينبغي له أن يفطر، لكنه إن أفطر فيجب عليه قضاؤه، وأما التطوع إذا أفطر فلا يجب عليه قضاؤه.

стр. 8168

حكم من نوى الصيام في آخر النهار السؤال النية في النهار هل لها وقت محدد؟ الجواب لا أعلم، لكن يبدو أنه ينوي حيث يكون أكثر النهار، أما أن يكون الشخص ينام حتى إذا كان عند المساء استيقظ وقال: أنا صائم لا يصح؛ لأنه ما بقي إلا ساعة أو قريب من ساعة، فيبدو أنه لا يصح إلا إذا بقي شيء كبير من اليوم.

стр. 8169

شرح سنن أبي داود [٢٨٨] سن رسول الله ﷺ الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان تفرغاً للعبادة وطلباً لليلة القدر، فصار الاعتكاف عبادة مستحبة، وله أحكام وآداب، منها أنه يسن للمعتكف أن يعتكف في المسجد الجامع ولا يخرج منه إلا للحاجة، ولا يزور المريض، ولا يتبع الجنازة، ولا يباشر النساء.

стр. 8170

ما جاء في الاعتكاف

стр. 8171

شرح حديث (أن النبي كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الاعتكاف. حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا الليث عن عقيل عن الزهري عن عروة عن عائشة: (أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى قبضه الله، ثم اعتكف أزواجه من بعده)]. يقول الإمام أبو داود السجستاني ﵀: [باب الاعتكاف]. أبو داود ﵀ وكذلك غيره من العلماء يذكرون الاعتكاف مع الصيام؛ لأن الاعتكاف -كما قال بعض أهل العلم -لا يكون إلا مع صيام، وأيضاً كون المشهور والمعروف فيه أنه يكون في رمضان وفي العشر الأواخر وذلك في حال الصيام، فناسب أن يأتي ذكر الاعتكاف مع الصيام أو بعد الصيام. والاعتكاف في اللغة قيل: هو الحبس والمكث واللزوم. وفي الاصطلاح: هو المكث في المسجد على وجه مخصوص. فالحبس والمكث واللزوم كلها تطلق على المكث في المسجد، أو حبس النفس في المسجد، أو لزوم المسجد لطاعة الله ، ولهذا فإن المعنى الشرعي مطابق أو مندرج تحت المعنى اللغوي، والمعاني اللغوية تدخل فيها المعاني الشرعية، ولكن المعنى الشرعي أخص، والمعاني اللغوية أعم. أورد أبو داود حديث عائشة ﵂ (أن النبي ﷺ كان يعتكف في العشر الأواخر حتى قبضه الله) يعني: حتى توفي، واعتكف أزواجه بعده، وهذا يدلنا على أن الاعتكاف سنة ومستحب، ولا يجب إلا بالنذر، فالإنسان إذا أوجبه على نفسه بنذر فإنه يلزمه ويجب عليه أن يفي بنذره؛ لقوله ﷺ : (من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه). فقول عائشة: (كان رسول الله ﷺ يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى قبضه الله) يدل على أنه حكم محكم غير منسوخ؛ لأن قولها: (حتى قبضه الله) يعني: أنه مستمر عليه حتى مات ﷺ ، وقولها: (ثم اعتكف أزواجه من بعده) يدلنا على أن الاعتكاف باقٍ وأنه سنة، وأنه فعله الرسول ﷺ وأصحابه معه، وكذلك فعل من بعده، وممن فعله أزواجه رضي الله تعالى عنهن، وفيه دليل على أن الاعتكاف إنما يكون في المساجد سواء للرجال أو للنساء، ويدل على اعتكاف النساء في المساجد إذا أمن عليهن من أي محذور بسبب المكوث في المسجد والبقاء فيه، ولكن ذلك يكون بإذن أزواجهن؛ لأن الاعتكاف تطوع ومستحب، فلا تفعله المرأة إلا بإذن زوجها، وتفعله حيث لا يكون هناك محذور، وحيث لا يترتب أو يخشى من ذلك مضرة عليها. واعتكاف العشر الأواخر من رمضان فيه ليلة القدر، فالإنسان إذا كان معتكفاً العشر الأواخر فمعناه أن ذلك فيه تحر لها، وكون الإنسان ملازماً للمسجد يسأل الله ويرجوه ويتقرب إليه بالأعمال الصالحة في تلك الأيام والليالي التي فيها ليلة القدر -وهي ليلة خير من ألف شهر- فهي تعادل عبادة اثنين وثمانين سنة.

стр. 8172

تراجم رجال إسناد حديث (أن النبي كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان) قوله: [حدثنا قتيبة بن سعيد]. هو قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا الليث]. هو الليث بن سعد المصري، وهو ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن عقيل]. هو عقيل بن خالد المصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن الزهري]. هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن عروة]. هو عروة بن الزبير بن العوام، وهو ثقة فقيه، أحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. [عن عائشة]. هي عائشة أم المؤمنين ﵂ وأرضاها، الصديقة بنت الصديق، وهي واحدة من سبعة أشخاص عرفوا بكثرة الحديث عن النبي ﷺ .

стр. 8173

بيان أقل ما يكون به الاعتكاف وأقل ما يكون به الاعتكاف فقد جاء عن بعض أهل العلم أنه قال: يقع الاعتكاف ولو لحظة، وأن الإنسان إذا دخل المسجد للصلاة فإن له أن ينوي الاعتكاف، لكن لا نعلم شيئاً يدل على هذا، والرسول ﷺ كان يعتكف في العشر الأواخر من رمضان، وما جاء عنه ما يدل على أن الإنسان إذا دخل المسجد ليصلي أنه ينوي الاعتكاف، والذي جاء وثبت في حديث عمر أنه قال: (نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام، فقال النبي ﷺ : أوف بنذرك) فهذا يدل على أن الليلة يكون فيها الاعتكاف، يعني: يوم وليلة أو ليلة واحدة فقط؛ لأن الحديث جاء أنه نذر أن يعتكف ليلة في المسجد الحرام فقال له النبي ﷺ : (أوف بنذرك)، فهذا هو الذي ورد محدداً ومبيناً والنبي ﷺ قال: أوف بنذرك؛ لأنه اعتكاف.

стр. 8174

شرح حديث (أن النبي كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان فلم يعتكف عاماً) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد أخبرنا ثابت عن أبي رافع عن أبي بن كعب ﵁ (أن النبي ﵌ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان، فلم يعتكف عاماً، فلما كان في العام المقبل اعتكف عشرين ليلة)]. أورد أبو داود حديث أبي بن كعب ﵁ (أن النبي ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان، فلم يعتكف عاماً -لأنه كان في سفر- فلما كان العام المقبل اعتكف عشرين ليلة) يعني: لما كان العام المقبل اعتكف عشرين ليلة: عشر ليالٍ للسنة الحاضرة، وعشر ليالٍ للسنة الماضية، وهذا يدل على قضاء التطوع، وأن الإنسان إذا اعتاد شيئاً يحرص عليه، وإذا فاته فله أنه يقضيه، والنبي ﷺ كان إذا فعل شيئاً داوم عليه، وكان كما جاء في بعض الأحاديث أنه شغل عن ركعتين بعد الظهر، فقضاهما بعد العصر، ثم داوم على ذلك صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.

стр. 8175

تراجم رجال إسناد حديث (أن النبي كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان فلم يعتكف عاماً) قوله: [حدثنا موسى بن إسماعيل]. هو موسى بن إسماعيل التبوذكي البصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا حماد]. هو حماد بن سلمة، وهو ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن. [أخبرنا ثابت]. هو ثابت بن أسلم البناني البصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أبي رافع]. هو أبو رافع هو نفيع الصائغ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أبي بن كعب]. هو أبي بن كعب ﵁، صاحب رسول الله ﵌، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

стр. 8176

شرح حديث (كان رسول الله إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر ثم دخل معتكفه) قال المصنف ﵀: [حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا أبو معاوية ويعلى بن عبيد عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة قالت: (كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر، ثم دخل معتكفه قالت: وإنه أراد مرة أن يعتكف في العشر الأواخر من رمضان قالت: فأمر ببنائه فضرب، فلما رأيت ذلك أمرت ببنائي فضرب قالت: وأمر غيري من أزواج النبي ﷺ ببنائه فضرب، فلما صلى الفجر نظر إلى الأبنية فقال: ما هذه؟ آلبر تردن؟ قالت: فأمر ببنائه فقوض، وأمر أزواجه بأبنيتهن فقوضت، ثم أخر الاعتكاف إلى العشر الأول يعني: من شوال)]. أورد أبو داود حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان يدخل معتكفه بعد صلاة الفجر، يعني: يبدأ اعتكافه بعد صلاة الفجر، وأنه أمر ببنائه فنصب يعني: الخباء أو المكان الذي يعتكف فيه ﷺ ، فرأى أزواج النبي ﷺ ذلك فأمرن بضرب الأخبية لهن، ولما صلى الفجر ﵊ ورأى الأخبية قال: ما هذا؟ فعلم بأن نساءه ضربن تلك الأخبية فقال: (آلبر تردن؟)، خشي أن يكون هذا الذي قد حصل منهن إنما هو تنافس للقرب منه، وأن تكون تلك العبادة يدخلها شيء من الغيرة عليه ﷺ ، بحيث تكون كل واحدة قريبة منه، فيكون في ذلك تأثير على نية الاعتكاف، فقال ﵊: (آلبر تردن؟ ثم إنه أمر بخبائه فقوض)، يعني: رفع وأزيل، ثم أمر أزواجه بأخبيتهن فقوضت، واعتكف في العشر الأول من شوال، يعني: بعد يوم العيد؛ لأن يوم العيد كما هو معلوم فيه ذهاب للعيد وإياب، فالذي يبدو أن ذلك كان بعد العيد، وأنه اعتكف عشراً بعد العيد يعني: بدلاً من هذه العشر التي تركها من أجل ما رأى من زوجاته أمهات المؤمنين ﵅ وأرضاهن. ثم ما جاء في الحديث أنه كان يدخل معتكفه بعد الفجر، فمعلوم أن أول ليلة من ليالي العشر هي ليلة واحد وعشرين، والليلة تبدأ بغروب الشمس، فإذا غربت الشمس من يوم عشرين جاءت ليلة واحد وعشرين ويومها بعدها، وكما هو معلوم ليلة اليوم تسبقه، ولهذا إذا رؤي الهلال في أول يوم من رمضان فإن الناس يصلون التراويح قبل أن يصوموا؛ لأن تلك الليلة تكون من رمضان، وإذا رؤي الهلال لخروج رمضان فإنهم يتركون التراويح؛ لأن الليلة تكون ليلة العيد من شوال، وعلى هذا فالعشر الأواخر من رمضان اعتكافها يكون بغروب الشمس من يوم عشرين، والنبي ﷺ قد أخبر في سنة من السنين بليلة القدر أنها ليلة واحد وعشرين، كما جاء في حديث أبي سعيد أنه رأى أنه يسجد في صبيحتها بماء وطين، فلما صلوا الفجر من صبيحة واحد وعشرين وكانوا في الصلاة نزل المطر فخر السقف، وجاء على مكان مصلاه ﷺ ، ثم لما انصرف وإذا على جبهته آثار الماء والطين ﷺ ، فعلم بأنها ليلة القدر، يعني: ليلة واحد وعشرين، وهو كان يعتكف من أجل أنه في العشر الأواخر يدرك ليلة القدر، ومعلوم أنه إذا كان دخول المعتكف بعد الفجر ذهبت ليلة واحد وعشرين التي هي أول الليالي؛ ولهذا قال بعض أهل العلم: إن الاعتكاف يكون من عند غروب شمس يوم عشرين، ولكن النبي ﷺ لم يدخل المحل المعد للاعتكاف إلا بعد الفجر، فيكون قولها: (دخل معتكفه) يعني: المكان الذي نصب له، ويكون ما قبل ذلك كان خارج المعتكف ولكنه في المسجد، ومعلوم أن المكث في المسجد سواء كان في نفس المعتكف أو في غيره كل ذلك يقال له: اعتكاف ما دام أنه منقطع للعبادة، ومنصرف عن الناس، وعلى هذا يكون ما جاء في هذا الحديث يفسر على اعتبار أن تواجده قبل طلوع الفجر من تلك الليلة إنما كان في المسجد، والذي جاء فيه إنما هو دخول المكان المعد للاعتكاف، فلا يخرج عن كونه معتكفاً لكونه كان في المسجد من أول الليل صلوات الله وسلامه وبركاته عليه. وتأخيره ﷺ الاعتكاف إلى العشر الأول من شوال أداء؛ لأنه ما دخل في الاعتكاف، أو أنه قضاء؛ لأنه دخل في الاعتكاف وقطعه إذا كان الدخول للاعتكاف من الليل، فهو أمر بالتقويض بعد صلاة الفجر، فهو إما قضاء أو أداء فعله في تلك الليالي وترك ذلك خوفاً على أمهات المؤمنين من أن يكون حصل عندهن ما يؤثر في النية. وكونه صام تلك الأيام في شوال فلا نعلم شيئاً يدل على أنه صامها، ومسألة أن الاعتكاف لا يكون إلا مع الصيام، هذا فيه خلاف بين أهل العلم.

стр. 8177

تراجم رجال إسناد حديث (كان رسول الله إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر ثم دخل معتكفه) قوله: [حدثنا عثمان بن أبي شيبة]. عثمان بن أبي شيبة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي وإلا النسائي فإخراجه له في عمل اليوم والليلة. [حدثنا أبو معاوية]. هو أبو معاوية محمد بن خازم الضرير الكوفي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ويعلى بن عبيد]. هو يعلى بن عبيد ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن يحيى بن سعيد]. يحيى بن سعيد الأنصاري المدني، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن عمرة]. هي عمرة بنت عبد الرحمن الأنصارية المدنية، وهي ثقة، أخرج لها أصحاب الكتب الستة. [عن عائشة]. وقد مر ذكرها.

стр. 8178

شرح حديث (اعتكف عشرين من شوال) وتراجم رجال إسناده [قال أبو داود: رواه ابن إسحاق والأوزاعي عن يحيى بن سعيد نحوه، ورواه مالك عن يحيى بن سعيد قال: (اعتكف عشرين من شوال)]. قوله: [رواه ابن إسحاق]. هو محمد بن إسحاق بن يسار المدني، وهو صدوق، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن. [والأوزاعي]. الأوزاعي هو أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي فقيه الشام ومحدثها، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن يحيى بن سعيد نحوه]. يحيى بن سعيد الذي مر ذكره وقوله: (نحوه) يعني: نحو ما تقدم. [ورواه مالك عن يحيى بن سعيد قال: (اعتكف عشرين من شوال)]. يعني: قال غيره: عشراً وقال هو: اعتكف عشرين من شوال، وهذا يخالف ما جاء في الروايات التي أثبتت العشر الأول من شوال؛ لأن العشرين ضعف العشر، والروايات المتعددة جاءت في أنه اعتكف عشراً من شوال وليس عشرين.

стр. 8179

أين يكون الاعتكاف ؟

стр. 8180

شرح حديث (أن النبي كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب أين يكون الاعتكاف؟ حدثنا سليمان بن داود المهري أخبرنا ابن وهب عن يونس أن نافعاً أخبره عن ابن عمر: (أن النبي ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان) قال نافع: وقد أراني عبد الله المكان الذي كان يعتكف فيه رسول الله ﷺ في المسجد]. أورد أبو داود باب أين يكون الاعتكاف؟ والاعتكاف يكون في المساجد ولا يكون في غيرها، لكن أي المساجد يكون فيها الاعتكاف؟ من العلماء من قال: إنه يعتكف في أي مسجد جامع يصلى فيه الجماعة، وإذا جاء يوم الجمعة يخرج إلى المسجد الذي يجمع فيه، ومنهم من قال: إنه يعتكف في مسجد فيه جمعة وجماعة، حتى لا يحتاج إلى أن يخرج إلى الجمعة، ومن العلماء من قال: إن الاعتكاف إنما يكون في المساجد الثلاثة التي هي المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى، ومنهم من قال: إنه يكون في المسجدين فقط وهما: المسجد الحرام، والمسجد النبوي. والذي يبدو أنه يكون في أي المساجد ما دام أنه مسجد يصلى فيه جماعة فإنه يعتكف فيه، وإذا كان الإنسان يحتاج إلى أن يعتكف في مسجد لا جمعة فيه فخروجه إلى الجمعة لا بأس به، ولا يؤثر، ولا مانع منه، وإن اعتكف في مسجد فيه جمعة وجماعة فهو الأولى، لكن لا يكون ذلك مقتصراً على المساجد الثلاثة ولا على مسجدين منها؛ لأن الله قال: ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة:١٨٧] وهذا لفظ عام، ثم ما جاء في بعض الأحاديث أنه (لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة) يحمل على أن المقصود به: لا يكون الاعتكاف كاملاً إلا فيها، لا أنه لا يجوز أن يعتكف في غيرها. قوله: [قال نافع: وقد أراني عبد الله المكان الذي كان يعتكف فيه رسول الله ﷺ في المسجد]. أي: المكان الذي كان يضرب فيه الخباء.

стр. 8181

تراجم رجال إسناد حديث (أن النبي كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان) قوله: [حدثنا سليمان بن داود المهري]. سليمان بن داود المهري ثقة، أخرج له أبو داود والنسائي. [أخبرنا ابن وهب]. هو عبد الله بن وهب المصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن يونس]. هو يونس بن يزيد الأيلي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [أن نافعاً أخبره]. نافع هو مولى ابن عمر، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن ابن عمر]. ابن عمر هو عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما، الصحابي الجليل، أحد العبادلة الأربعة من أصحاب النبي ﷺ ، وهم: ابن عمر وابن عمرو وابن عباس وابن الزبير وهو أحد السبعة المعروفين أيضاً بكثرة الحديث عن النبي ﷺ . وفي الحديث دليل على أن المعتكف يتخذ مكاناً معيناً يكون نومه وصلاته وقراءته فيه، والحديث الذي مر: (فأمر بخبائه فضرب، وأمر أزواجه بأخبيتهن فضربت) يدل على هذا.

стр. 8182

شرح حديث (فلما كان العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين يوماً) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا هناد عن أبي بكر عن أبي حصين عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: (كان النبي ﷺ يعتكف كل رمضان عشرة أيام، فلما كان العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين يوماً)]. أورد أبو داود حديث أبي هريرة: (أن النبي ﷺ كان يعتكف كل رمضان عشرة أيام) التي هي العشر الأواخر، ولما كان العام الذي قبض فيه -وهو رمضان الذي كان في العاشرة؛ لأن النبي ﷺ توفي في ربيع الأول من سنة إحدى عشرة، فآخر رمضان مر عليه ﷺ هو في السنة العاشرة- اعتكف عشرين يوماً من رمضان؛ العشر الأواخر والعشر الأوسط، وذلك فيه دلالة على أهمية الزيادة في العمل، وأيضاً كان جبريل يدارسه القرآن في كل رمضان مرة، وفي آخر رمضان دارسه القرآن مرتين، وهذا الذي جرى من اعتكافه عشرين ليلة، فيه تمكين من مدارسة جبريل للرسول ﷺ القرآن مرتين في آخر رمضان.

стр. 8183

تراجم رجال إسناد حديث (فلما كان العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين يوماً) قوله: [حدثنا هناد]. هو هناد بن السري أبو السري، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري في خلق أفعال العباد ومسلم وأصحاب السنن. [عن أبي بكر]. هو أبو بكر بن عياش، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أبي حصين]. أبو حصين هو عثمان بن عاصم، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أبي صالح]. هو أبو صالح ذكوان السمان، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أبي هريرة]. هو أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر الدوسي، صاحب رسول الله ﷺ ، وأكثر أصحابه حديثاً على الإطلاق ﵁ وأضاه.

стр. 8184

المعتكف يدخل البيت لحاجته

стр. 8185

شرح حديث عائشة (كان رسول الله إذا اعتكف يدني إلي رأسه فأرجله) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب المعتكف يدخل البيت لحاجته. حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة قالت: (كان رسول الله ﷺ إذا اعتكف يدني إلي رأسه فأرجله، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان)]. أورد أبو داود باب المعتكف يدخل البيت لحاجته. يعني: قضاء الحاجة؛ لأنه لا بد من الخروج من المسجد لقضاء الحاجة فكان يخرج من المسجد لقضاء الحاجة، والبيت بجوار المسجد، فكان يذهب لقضاء الحاجة ولا يذهب لغيرها، ولهذا لما احتاج إلى أن ترجل عائشة رأسه ﷺ أدخل رأسه عليها، فكانت ترجله وجسمه في المسجد، فدل على أن المعتكف إنما يخرج للأمر الذي لا بد منه، كقضاء حاجته التي لا بد منها، أما الأمور الأخرى التي هي غير ذلك فإنه لا يخرج لأجلها، ولهذا كان ﷺ عندما يريد أن ترجل رأسه يدخل رأسه عليها وهي في الحجرة فترجله، فهذا فيه دليل على أن المعتكف له أن يغتسل وأن يتنظف، وله أن يرجل شعره، وكذلك ملامسة الحائض له عند الحاجة؛ لأنها كانت ترجله وهي حائض، ومن نذر ألا يدخل بيتاً فأدخل رأسه لم يحنث؛ لأن إدخال الرأس لا يعتبر دخولاً في البيت؛ ولأن الرسول ﷺ كان معتكفاً في المسجد، وكان يخرج رأسه ولا يكون بذلك خارجاً من المسجد وداخلاً في البيت.

стр. 8186

تراجم رجال إسناد حديث عائشة (كان رسول الله إذا اعتكف يدني إلي رأسه فأرجله) قوله: [حدثنا عبد الله بن مسلمة]. هو عبد الله بن مسلمة بن قعنب القعنبي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة. [عن مالك]. هو مالك بن أنس، المحدث الفقيه، أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. [عن ابن شهاب]. ابن شهاب هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري، وهو ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن عروة بن الزبير عن عمرة]. عروة وعمرة وعائشة مر ذكرهم.

стр. 8187

شرح حديث (كان رسول الله إذا عتكف يدني إلي رأسه فأرجله) من طرق أخرى وتراجم رجاله قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا قتيبة بن سعيد وعبد الله بن مسلمة قالا: حدثنا الليث عن ابن شهاب عن عروة وعمرة عن عائشة عن النبي ﷺ نحوه]. أورد الحديث من طريق أخرى، وفيه أن ابن شهاب يروي عن عروة وعمرة مع بعض، وفي الطريق الأولى يروي عن عروة عن عمرة، ومعناه: في الأول يوجد روايتان في الإسناد، وأما هنا فيعتبرون زملاء في الإسناد وهما أخذا عن عائشة، فهذه الطريق فيها أن ابن شهاب روى عن الاثنين عن عروة بن الزبير وعن عمرة بنت عبد الرحمن معاً، وكل منهما يروي عن عائشة نحو ما تقدم. [قال أبو داود وكذلك رواه يونس عن الزهري ولم يتابع أحد مالكاً على عروة عن عمرة، ورواه معمر وزياد بن سعد وغيرهما، عن الزهري عن عروة عن عائشة]. معناه: أن الذي تقدم عروة عن عمرة، ثم عروة وعمرة، ثم عروة عن عائشة أنه روي من طريق فيها عروة عن عمرة، وطريق فيها عروة وعمرة عن عائشة، وطريق فيها عروة عن عائشة، ولم يتابع أحد مالكاً في عروة. قوله: [ولم يتابع أحد مالكاً]. أي: ولم يتابع أحد مالكاً في الرواية التي فيها عروة عن عمرة. قوله: [رواه معمر وزياد بن سعد]. معمر بن راشد الأزدي البصري ثم اليماني ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وزياد بن سعد ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

стр. 8188

شرح حديث (كان رسول الله يكون معتكفاً في المسجد فيناولني رأسه من خلل الحجرة) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا سليمان بن حرب ومسدد قالا: حدثنا حماد بن زيد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: (كان رسول الله ﷺ يكون معتكفاً في المسجد، فيناولني رأسه من خلل الحجرة فأغسل رأسه) وقال مسدد: (فأرجله وأنا حائض)]. أورد أبو داود حديث عائشة ﵂ في أنه كان معتكفاً في المسجد، وأنه يدخل رأسه وأنها ترجله وهي حائض وقد مر ذلك. قوله: [(من خلل الحجرة)]. يعني: من فرجة في الحجرة، فالحجرة كانت ملاصقة للمسجد؛ والفرجة بين الحجرة والمسجد.

стр. 8189

تراجم رجال إسناد حديث (كان رسول الله يكون معتكفاً في المسجد فيناولني رأسه من خلل الحجرة) قوله: [حدثنا سليمان بن حرب]. سليمان بن حرب ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ومسدد]. هو مسدد بن مسرهد البصري، وهو ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي. [قالا: حدثنا حماد بن زيد]. هو حماد بن زيد بن درهم، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن هشام بن عروة]. هو هشام بن عروة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أبيه عن عائشة]. أبوه عروة وعائشة مر ذكرهما.

стр. 8190

شرح حديث صفية (كان رسول الله معتكفاً فأتيته أزوره ليلاً) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا أحمد بن محمد بن شبويه المروزي حدثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن الزهري عن علي بن حسين عن صفية قالت: (كان رسول الله ﷺ معتكفاً فأتيته أزوره ليلاً فحدثته ثم قمت، فانقلبت فقام معي ليقلبني، وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد، فمر رجلان من الأنصار، فلما رأيا النبي ﵌ أسرعا، فقال النبي ﷺ : على رسلكما إنها صفية بنت حيي قالا: سبحان الله يا رسول الله! قال: إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم، فخشيت أن يقذف في قلوبكما شيئاً أو قال: شراً)]. أورد أبو داود حديث صفية بنت حيي رضي الله تعالى عنها أم المؤمنين: (أنها زارت النبي ﷺ في معتكفه ليلاً، وأنها حدثته، ولما أرادت الانصراف والانقلاب -وهو الرجوع- قام ليقلبها -يعني خرج معها ليرافقها في الذهاب إلى بيتها- ومر رجلان من الأنصار، فلما رأيا النبي ﷺ أسرعا، فقال النبي ﷺ قال: على رسلكما إنها صفية بنت حيي -يعني: زوجته- فقالا: سبحان الله يا رسول الله! قال: إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئاً أو شراً) فهذا فيه دليل على أن للمعتكف أن يزوره أهله في المسجد، ويحدثونه ويحدثهم، وأن للمعتكف أن يرافقهم في الخروج من المسجد لإيصالهم إلى البيت، وأنه لا بأس بذلك، ولا يؤثر على الاعتكاف. وفيه أن النبي ﷺ بين أن هذه المرأة زوجته صفية، وأراد بذلك ألا يقع في قلب هذين الصحابيين شيء يكون سبباً في هلاكهما، يعني: من اتهام الرسول ﷺ ، فبادر ﵊ إلى أن يقول لهما ما قال، وقالا: سبحان الله! يعني: تعجباً؛ لأنهما ما وقع في نفوسهما شيء، ولكن النبي ﷺ قال ذلك خشية أن يحصل لهما شيء من ذلك.

стр. 8191

تراجم رجال إسناد حديث صفية (كان رسول الله معتكفاً فأتيته أزوره ليلاً) قوله: [حدثنا أحمد بن محمد بن شبويه المروزي]. أحمد بن شبويه هو أحمد بن محمد بن ثابت المروزي، وهو ثقة، أخرج له أبو داود. [حدثنا عبد الرزاق]. هو عبد الرزاق بن همام الصنعاني اليماني، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [قال: أخبرنا معمر عن الزهري]. معمر والزهري مر ذكرهما. [عن علي بن حسين]. هو علي بن حسين بن علي بن أبي طالب، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن صفية]. هي صفية بنت حيي بن أخطب ﵂ وأرضاها، أم المؤمنين، وحديثها أخرجه أصحاب الكتب الستة.

стр. 8192

شرح طريق أخرى لحديث صفية (كان رسول الله معتكفاً فأتيته أزوره ليلاً) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن يحيى بن فارس حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب عن الزهري بإسناده بهذا قالت: (حتى إذا كان عند باب المسجد الذي عند باب أم سلمة ﵂ مر بهما رجلان)، وساقا معناه]. أورد المصنف الحديث من طريق أخرى، وأشار إلى المكان الذي حصل فيه مرور الرجلين، وأنه كان عند باب المسجد الذي عند باب أم سلمة. قوله: [وساقا معناه] يعني: معنى ما تقدم في الرواية السابقة.

стр. 8193

تراجم رجال إسناد الطريق الأخرى لحديث صفية (كان رسول الله معتكفاً فأتيته أزوره ليلاً) قوله: [حدثنا محمد بن يحيى فارس]. هو محمد بن يحيى بن فارس الذهلي، وهو ثقة، أخرج له البخاري وأصحاب السنن. [حدثنا أبو اليمان]. هو أبو اليمان الحكم بن نافع، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [أخبرنا شعيب]. هو شعيب بن أبي حمزة، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن الزهري]. الزهري مر ذكره.

стр. 8194

المعتكف يعود المريض

стр. 8195

شرح حديث (كان النبي يمر بالمريض وهو معتكف فيمر كما هو ولا يعرج) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب المعتكف يعود المريض. حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي ومحمد بن عيسى قالا: حدثنا عبد السلام بن حرب أخبرنا الليث بن أبي سليم عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة قال النفيلي: قالت: (كان النبي ﷺ يمر بالمريض وهو معتكف، فيمر كما هو ولا يعرج يسأل عنه) وقال ابن عيسى: قالت: (إن كان النبي ﷺ يعود المريض وهو معتكف)]. أورد أبو داود ترجمة: [باب المعتكف يعود المريض]. والمعتكف لا يخرج لعيادة المريض، ولكنه إذا خرج لحاجته أو لأمر لا بد منه ثم مر به فإنه يسأل عنه، لكن لا يقصد أن يعود المريض ولا يتبع الجنازة؛ لأنه إذا كان يعود المريض ويتبع الجنازة فكأنه غير معتكف، ولكن إذا كان المريض في طريقه فزاره من غير أن يذهب من أجله فلا بأس بذلك، أما كونه يذهب خصيصاً من أجل العيادة فهذا لم يثبت. وهذا الحديث فيه ليث بن أبي سليم وهو لا يحتج به. قوله: [(إن كان النبي ﷺ يعود المريض وهو معتكف)]. يعني: إنه كان يعود المريض وهو معتكف. وقوله: [(كان النبي ﷺ يمر بالمريض وهو معتكف، فيمر كما هو ولا يعرج يسأل عنه)]. يعني: يمر ويسأل عنه، ولكنه لا يعرج، ومعناه: أن مثبتة في اللفظين، إلا أن هذا فيه تنصيص على أنه من غير تعريج. وقوله: [(إن كان)]. هي مخففة من الثقيلة، وأنه كان يمر ولا يعرج، ولكنه يسأل عنه حيث يمر بدون تعريج، فيكون متفقاً مع الرواية الثانية، ولكن فيه ليث بن أبي سليم، ولا يحتج بحديثه، فالحديث غير ثابت.
следующие страницы →