Полный текст (18 341 стр.). Показаны 9451–9490 · переход к 9456.
стр. 9451
تراجم رجال إسناد حديث: (أن تصدق وأنت صحيح حريص)
قوله: [حدثنا مسدد].
مسدد بن مسرهد البصري ثقة، أخرج حديثه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي.
[حدثنا عبد الواحد بن زياد].
عبد الواحد بن زياد ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا عمارة بن القعقاع].
عمارة بن القعقاع ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير].
أبو زرعة بن عمرو بن جرير وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي هريرة].
أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر الدوسي صاحب رسول الله ﷺ ، وهو أكثر الصحابة حديثاً على الإطلاق ﵁ وأرضاه.
стр. 9452
شرح حديث: (لأن يتصدق المرء في حياته بدرهم)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا أحمد بن صالح حدثنا ابن أبي فديك أخبرني ابن أبي ذئب عن شرحبيل عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﵌ قال: (لأن يتصدق المرء في حياته بدرهم خير له من أن يتصدق بمائة درهم عند موته)].
أورد أبو داود حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (لأن يتصدق المرء في حياته -يعني: في حال صحته وعافيته- بدرهم خير من أن يتصدق بمائة درهم عند موته) يعني: عندما ييئس من الحياة ويشرف على الموت؛ لأن الأول تصدق بدرهم في حال حرصه على الدنيا، ورغبته في الحياة، وخوفه من الفقر، فإنفاقه درهماً واحداً في حال كون المال عنده غالياً وليس برخيص يحصل فيه الأجر العظيم، وأما إذا أنفق مائة درهم في حال مرضه ويأسه من الحياة، وحال رخص الدنيا والمال عنده؛ فإن ذلك الدرهم أفضل من تلك المائة؛ لأن هذا في حال الرغبة في الحياة، والحرص على المال، وهذا في حال اليأس من الحياة ورخص المال؛ لأنه سيغادر هذه الحياة الدنيا، وإنفاقه قد يكون فيه شيء من الإضرار، وقد يكون ليس فيه إضرار، ولكنه ما فعله إلا لكونه يئس من الحياة.
والحديث في إسناده رجل متكلم فيه، فالحديث ضعيف من أجله.
стр. 9453
تراجم رجال إسناد حديث: (لأن يتصدق المرء في حياته بدرهم)
قوله: [حدثنا أحمد بن صالح].
أحمد بن صالح المصري ثقة، أخرج حديثه البخاري وأبو داود والترمذي في الشمائل.
[حدثنا ابن أبي فديك].
ابن أبي فديك هو محمد بن إسماعيل بن مسلم بن أبي فديك، وهو صدوق، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[أخبرني ابن أبي ذئب].
ابن أبي ذئب هو محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن أبي ذئب ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن شرحبيل].
شرحبيل بن سعد أبو سعد وهو صدوق اختلط بآخره، وحديثه أخرجه البخاري في الأدب المفرد وأبو داود وابن ماجة.
[عن أبي سعيد الخدري].
أبو سعيد الخدري هو سعد بن مالك بن سنان ﵁ صاحب رسول الله ﷺ ، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ ، والحديث ضعفه الألباني من أجل شرحبيل بن سعد أبو سعد.
стр. 9454
شرح حديث: (إن الرجل ليعمل والمرأة بطاعة الله ستين سنة)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عبدة بن عبد الله أخبرنا عبد الصمد حدثنا نصر بن علي الحداني حدثنا الأشعث بن جابر حدثني شهر بن حوشب أن أبا هريرة ﵁ حدثه أن رسول الله ﵌ قال: (إن الرجل ليعمل والمرأة بطاعة الله ستين سنة، ثم يحضرهما الموت فيضاران في الوصية؛ فتجب لهما النا)، قال: وقرأ عليَّ أبو هريرة من هاهنا: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ [النساء:١٢] حتى بلغ: ﴿َذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [النساء:١٣].
قال أبو داود: هذا -يعني: الأشعث بن جابر - جد نصر بن علي].
أورد أبو داود حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إن الرجل ليعمل والمرأة ستين سنة في طاعة الله، ثم يحضرها الموت، فيضاران في الوصية، فتجب لهما النار)، ثم قرأ أبو هريرة من قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ [النساء:١٢] حتى بلغ: ﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [النساء:١٣]، والمقصود: أن هذا من الإضرار بالوصية.
والحديث ضعفه الألباني من أجل شهر بن حوشب.
стр. 9455
تراجم رجال إسناد حديث: (إن الرجل ليعمل والمرأة بطاعة الله ستين سنة)
قوله: [حدثنا عبدة بن عبد الله].
عبدة بن عبد الله الضبي، وهو ثقة، أخرج له البخاري وأصحاب السنن.
[أخبرنا عبد الصمد].
عبد الصمد بن عبد الوارث صدوق، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا نصر بن علي الحداني].
نصر بن علي الحداني ثقة، أخرج له أصحاب السنن.
[حدثنا الأشعث بن جابر].
الأشعث بن جابر وهو صدوق، أخرج له البخاري تعليقاً وأصحاب السنن.
[حدثني شهر بن حوشب].
شهر بن حوشب صدوق كثير الإرسال والأوهام، أخرج له البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأصحاب السنن.
[أن أبا هريرة].
أبا هريرة ﵁ مر ذكره في الإسناد السابق.
نصر بن علي ونصر بن علي الحداني صدوق كثير الإرسال والأوهام، أبي داود، وهذا الذي معنا الجد الحداني الجهضمي، أما الحفيد نصر بن علي فهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة، والجد صدوق، أخرج له أصحاب السنن.
[قال أبو داود: هذا -يعني: الأشعث بن جابر - جد نصر بن علي].
معناه: أن نصر بن علي الجد يروي عن جده لأمه الأشعث بن جابر.
ومن أوجه المضارة بالوصية: أن يوصي بأكثر من الثلث لشخص من غير الورثة، أو يوصي لأحد من الورثة بالثلث أو بحدود الثلث، فهذا من الإضرار بالوصية.
стр. 9456
ما جاء في الدخول في الوصايا
стр. 9457
شرح حديث: (ولا تولين مال يتيم)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ما جاء في الدخول في الوصايا.
حدثنا الحسن بن علي حدثنا أبو عبد الرحمن المقري حدثنا سعيد بن أبي أيوب عن عبيد الله بن أبي جعفر عن سالم بن أبي سالم الجيشاني عن أبيه عن أبي ذر ﵁ قال: قال لي رسول الله ﵌: (يا أبا ذر! إني أراك ضعيفاً وإني أحب لك ما أحب لنفسي، فلا تأمرن على اثنين، ولا تولين مال يتيم).
قال أبو داود: تفرد به أهل مصر].
أورد أبو داود [باب ما جاء في الدخول في الوصايا] يعني: كون الإنسان يقبل الوصية، أو يطلب أن يكون قائماً بالوصية، والدخول فيها يعني قبولها وكونه يوصى إليه ويقبل، أو يعرض عليه فيقبل، فالمقصود من الدخول: كون الإنسان يصير وصياً، ويقبل أن يكون وصياً، أو يسعى إلى أن يكون وصياً، أو يرغب في أن يكون وصياً.
هذا هو الدخول فيها.
والدخول في الوصية إنما يكون لمن عنده قدرة وأهليه وأمانة وقوة؛ لأن الأمين يحافظ على المال، والقوي يكون عنده قدرة على المحافظة عليه؛ لأنه قد توجد الأمانة مع الضعف، وقد يوجد الضعف مع الأمانة، ولكن إذا اجتمعت القوة والأمانة فذلك الخير.
ولهذا جاء عن عمر ﵁ وأرضاه أنه جعل الأمر شورى في ستة من أصحاب النبي ﷺ ، ومن بينهم سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه، وكان سعد أميراً لـ عمر على الكوفة، وحصل بينه وبين جماعة من أهل الكوفة شيء من الوحشة، وتكلموا فيه وذموه وعابوه، وشكوه إلى عمر، حتى أنهم تكلموا في صلاته، وهذا يدلنا على أن السلامة من الناس حصولها صعب، فهذا رجل من أهل الجنة يمشي على الأرض، والناس يعلمون أنه من أهل الجنة، ومع ذلك يتكلمون فيه وفي صلاته، وشكوه إلى عمر في صلاته، وزعموا أن رجلاً من أهل الجنة لا يحسن أن يصلي! وهكذا الأشرار والذين عندهم سوء طوية لا يقفون عند حد، ولكنه عزله لما خشي أن يحصل شيء من هؤلاء السفهاء لا تحمد عقباه، فرأى أن المصلحة أن يعزله حتى لا يحصل شيء بسبب هذه الشحناء التي بينهم وبينه، ولكنه عندما اختار هؤلاء الستة، وكان من بينهم سعد خشي أن أحداً يقول: إنه نسي، كيف يعزله من الكوفة ويرشحه للخلافة؟! يعزله من إمارة مدينة، ثم يرشحه للخلافة! فكان من إنصاف وعدل عمر وفضله ﵁ وأرضاه أنه قال: [إن أصابت الإمارة سعداً فذاك] يعني: فهو أهل لها، [وإن لم تصبه فليستعن به من أمر] يعني: من يكون أميراً يستعين به إذا لم تصله الإمارة.
[فإنني لم أعزله من عجز ولا خيانة] يعني: عن الكوفة.
أورد أبو داود حديث أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (يا أبا ذر! إني أراك رجلاً ضعيفاً، وإني أحب لك ما أحب لنفسي، فلا تأمرن على اثنين، ولا تولين مال يتيم) يعني: لا تكن أميراً على اثنين أو ثلاثة وذلك لضعفه، ولا يلين مال يتيم أيضاً لضعفه، نعم هو أمين، ولكن فيه ضعف.
وقوله: (أحب لك ما أحب لنفسي) المقصود: كما أني أحب الخير لنفسي أحب الخير لك، ولكن ليس معنى ذلك: أن الرسول ﷺ لن يلي أمر أحد، بل هو إمام المسلمين واختاره الله لرسالته، ولكن من الخير لك ألا تلين مال يتيم، وإن كان غيره قد يكون من الخير له أن يلي مال اليتيم، وأن يكون أميراً على أكثر من اثنين حيث يكون عنده الأمانة مع القوة.
إذاً: قوله: (أحب لك ما أحب لنفسي) لا إشكال فيه من ناحية أن الرسول ﷺ لا يريده أن يكون أميراً على اثنين مع أنه إمام المسلمين ﷺ وهو قدوة المسلمين ﵊، فالمقصود من ذلك أنني أحب لك الخير كما أحب الخير لنفسي، وأنت من هذه الجهة لست أهلاً لذلك، فلا تقدمن على الدخول في الوصايا، يعني: أنه لا يقبل أن يكون وصياً لما فيه من ضعف، أما الأمانة فهي موجودة، والنبي ﷺ قال: (إني أراك ضعيفاً) ثم قال له: (فلا تأمرن على اثنين)، أي: لا يكون أميراً على أحد من الناس، وكذلك أيضاً في حال السفر، فإذا سافر ثلاثة فإنهم يولون واحداً منهم، فلا يكون هو الأمير عليهم وإنما يكون الأمير غيره.
إذاً: الدخول في الوصية أو قبول الوصية، أو كون الإنسان يرغب في أن يكون قائماً بالوصية فيه خطر، فلابد أن يكون عنده القوة مع الأمانة.
стр. 9458
تراجم رجال إسناد حديث: (ولا تولين مال يتيم)
قوله: [حدثنا الحسن بن علي].
الحسن بن علي الحلواني ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا النسائي.
[حدثنا أبو عبد الرحمن المقري].
أبو عبد الرحمن المقري هو عبد الله بن يزيد المقري المكي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا سعيد بن أبي أيوب].
سعيد بن أبي أيوب المصري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عبيد الله بن أبي جعفر].
عبيد الله بن أبي جعفر المصري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن سالم بن أبي سالم الجيشاني].
سالم بن أبي سالم الجيشاني المصري مقبول، أخرج له مسلم وأبو داود والنسائي.
[عن أبيه].
أبوه أبو سالم وهو تابعي مخضرم، ويقال: له صحبة؛ أخرج له مسلم وأبو داود والنسائي.
[عن أبي ذر].
أبو ذر جندب بن جنادة ﵁، صاحب رسول الله ﷺ ، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[قال أبو داود: تفرد به أهل مصر].
يعني: أن رواته أكثرهم من أهل مصر؛ لأن الأول والثاني والثالث ليسوا من مصر، الذين هم: الحسن بن علي الحلواني وأبو عبد الرحمن المقري المكي وأبو ذر، وأما الباقون فهم من أهل مصر.
والحديث أخرجه مسلم في صحيحه، وأما الراوي الذي طعن فيه الحافظ في التقريب فمردود؛ لأن الحديث أخرجه مسلم، والرجل من رجال مسلم.
стр. 9459
ما جاء في نسخ الوصية للوالدين والأقربين
стр. 9460
شرح أثر ابن عباس في قوله تعالى: (إن ترك خيراً الوصية للوالدين والأقربين)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ما جاء في نسخ الوصية للوالدين والأقربين.
حدثنا أحمد بن محمد المروزي حدثني علي بن حسين بن واقد عن أبيه عن يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس ﵄: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة:١٨٠]، فكانت الوصية كذلك حتى نسختها آية الميراث].
أورد أبو داود باب نسخ الوصية للوالدين والأقربين، أي: نسخها بآيات وأحاديث المواريث.
أورد أبو داود الأثر عن ابن عباس في أن قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ [البقرة:١٨٠] الآية، أن الوصية كانت واجبة للوالدين والأقربين، بمعنى: أن الوالدين لهم نصيبهم من الميراث، والأقربين الذين يرثون لهم نصيبهم من الميراث؛ فنسخت تلك آية المواريث، والذين لا يرثون إذا أوصي لهم في حدود الثلث فإن ذلك سائغ، أما إذا كانوا من الورثة فقد أخذوا نصيبهم من الميراث بالفرض الذي فرضه الله والذي شرعه الله، سواء كانوا من أهل الفرض أو من أهل التعصيب؛ فنسخت آية المواريث الوصية للوالدين والأقربين، فلا يجوز أن يوصى لوارث، وقد جاء في الحديث: (إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه؛ فلا وصية لوارث).
أما الوصية لغير الوارث من الأقربين غير الوارثين، فهو سائغ في حدود الثلث، والذي يبدو أنه على الجواز لا استحباباً؛ لأنه لو لم يوص فليس عليه شيء في هذا.
стр. 9461
تراجم رجال إسناد أثر ابن عباس في قوله تعالى: (إن ترك خيراً الوصية للوالدين والأقربين)
قوله: [حدثنا أحمد بن محمد المروزي].
أحمد بن محمد المروزي هو أحمد بن محمد بن ثابت بن شبويه وهو ثقة، أخرج له أبو داود.
[حدثني علي بن حسين بن واقد].
علي بن حسين بن واقد صدوق له أوهام، أخرج له البخاري في الأدب المفرد ومسلم في المقدمة وأصحاب السنن.
[عن أبيه].
وهو ثقة له أوهام أخرج حديثه البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.
[عن يزيد النحوي].
يزيد بن أبي سعيد النحوي وهو ثقة، أخرج له البخاري في الأدب المفرد وأصحاب السنن.
[عن عكرمة].
عكرمة مولى ابن عباس وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[وابن عباس].
هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ابن عم النبي ﷺ ، وأحد العبادلة الأربعة من أصحاب النبي ﷺ ، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ .
стр. 9462
ما جاء في الوصية للوارث
стр. 9463
شرح حديث: (فلا وصية لوارث)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ما جاء في الوصية للوارث.
حدثنا عبد الوهاب بن نجدة حدثنا ابن عياش عن شرحبيل بن مسلم سمعت أبا أمامة ﵁ سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: (إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه؛ فلا وصية لوارث)].
أورد أبو داود حديث أبي أمامة صدي بن عجلان الباهلي ﵁ تحت باب ما جاء في الوصية لوارث، أي: أنها لا تجوز؛ لأن الميراث قد شرعه الله وكل يأخذ نصيبه من الميراث؛ فلا يوصى لوارث لا من الثلث ولا من غير الثلث؛ لأن الله تعالى قد أعطى كل ذي حق حقه.
وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن ذلك لا يجوز بحال لقوله: (لا وصية لوارث)، حتى ولو أجاز الورثة؛ لأن ذلك دخول في شيء منع منه، ولأن هذا فيه إيثار وتقديم لبعض الورثة، ومنهم من أجاز ذلك إذا أجازت الورثة؛ فتصح الوصية بإجازة الورثة.
أورد أبو داود حديث أبي أمامة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه؛ فلا وصية لوارث) أي: أعطى كل ذي حق حقه من المواريث التي بينها في كتابه العزيز، وكذلك بينها رسوله الكريم ﷺ في سنته المطهرة.
ثم قال: (فلا وصية لوارث) يعني: أنه بعد أن أعطى كل ذي حق حقه من الميراث فلا يوصى للورثة.
وهذا الحديث مما يستدل به بعض الأصوليين على نسخ القرآن بالسنة، وذلك أن قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة:١٨٠]، حكم ثبت بالكتاب، وقوله: (لا وصية لوارث)، حكم ثبت في السنة، فقالوا: إن هذه الآية نسخت بقوله ﷺ : (لا وصية لوارث).
والذي يبدو أن القول الأول هو الأولى، وأنه لا يجوز أن يوصى للوارث ولو أجاز ذلك الورثة.
وما جاء نفيه من أنه لا وصية له، يعني: الوصية في حدود الثلث، لكن إذا أوصى بغيره، فإذا أجازه الورثة فلا بأس بذلك، وكما هو معلوم حتى في الحياة فإن التمييز بينهم في العطية لا يجوز، بل يجب التسوية بينهم في العطية، وهنا يوجد تمييز لهم، فالأجنبي له أن يعطيه في حياته، ولكن ليس له أن يعطي أحد أولاده ويحرم الباقين، لكن إذا أعطى واحداً من أولاده يعطي الباقين مثله، ولا عبرة برضاهم أو عدم رضاهم في الحياة وبعد الممات؛ لأنهم حتى لو رضوا فإن النفوس قد لا يوجد فيها ارتياح واطمئنان.
стр. 9464
تراجم رجال إسناد حديث: (فلا وصية لوارث)
قوله: [حدثنا عبد الوهاب بن نجدة].
عبد الوهاب بن نجدة ثقة أخرج له أبو داود والنسائي.
[حدثنا ابن عياش].
ابن عياش هو إسماعيل بن عياش وهو صدوق يحتج به في روايته عن الشامين، وهذه منها، أخرج له البخاري في رفع اليدين وأصحاب السنن.
[عن شرحبيل بن مسلم].
شرحبيل بن مسلم وهو صدوق فيه لين أخرج له أبو داود والترمذي وابن ماجة.
[سمعت أبا أمامة].
أبو أمامة صدي بن عجلان الباهلي ﵁، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
وهذا سند رباعي، وهو من أعلى الأسانيد عند أبي داود.
стр. 9465
ما جاء في مخالطة اليتيم في الطعام
стр. 9466
شرح أثر سبب نزول قوله تعالى: (ويسألونك عن اليتامى)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب مخالطة اليتيم في الطعام.
حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير عن عطاء عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: لما أنزل الله : ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام:١٥٢]، و ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ [النساء:١٠] الآية.
انطلق من كان عنده يتيم فعزل طعامه من طعامه وشرابه من شرابه، فجعل يفضل من طعامه فيحبس له حتى يأكله أو يفسد؛ فاشتد ذلك عليهم، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ فأنزل الله : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ [البقرة:٢٢٠]، فخلطوا طعامهم بطعامه وشرابهم بشرابه].
أورد أبو داود باب مخالطة اليتيم في الطعام، يعني: أن ذلك سائغ، وأن الإنسان إذا كان عنده يتيم يأكل معه وأراد الولي أن ينفق على اليتيم من مال اليتيم نفسه فإنه يتحرج من ذلك، فله أن يخالطه لكن بحيث يؤخذ من طعام هذا ومن طعام هذا، أو يصرف من نقود هذا ومن نقود هذا كل بحسبه، وكل على قدره، فيؤخذ من اليتيم مقدار ما يستحقه الشخص المفرد، وصاحب البيت ينفق على قدر أهل البيت، ويخلط هذا مع هذا ويشترى الطعام، يعني: تدفع النقود من هذا والنقود من صاحب البيت ثم يشترى الطعام ويطبخ ويأكل الجميع منه، وهذه هي المخالطة، في الأكل، ولما نزل قول الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء:١٠]، عزلوا طعامهم من طعامهم وشرابهم من شرابهم، فصار الطعام لليتيم يعطى منه، وإذا فضل فضلة حبست له حتى يأكلها، أو تنتن فتفسد فلا يستفيد منها لا هو ولا غيره، فأنزل الله هذه الآية: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة:٢٢٠] يعني: يعلم الذي عنده إحسان إلى اليتيم، والذي عنده إساءة إلى اليتيم، والذي عنده إصلاح لمال اليتيم، والذي عنده إفساد لمال اليتيم، الله تعالى يعلم ذلك ولا يخفى عليه، ولكن المخالطة لا بأس بها ولا مانع منها، والحرج والمشقة التي تحصل لعزل طعامه من طعامه الله تعالى رفعها وأباح المخالطة، فالمخالطة لا بأس بها ولا مانع منها، والشيء الذي كانوا يفعلونه في الأول سائغ لكن مع العدل، فلا يؤخذ من مال اليتيم إلا على قدر حاجة اليتيم فقط، ويخلط الطعام مع الطعام، ويأكل الجميع من الطعام، ويكون الطعام للجميع، والجميع يستفيدون منه.
وأثر ابن عباس هو في بيان سبب نزول هذه الآية، وأنهم تحرجوا وعزلوا طعامهم من طعامهم، فتعرض للفساد فرخص وأذن لهم بأن يخلطوا طعامهم مع طعامهم وأنزل الله هذه الآية.
стр. 9467
تراجم رجال إسناد أثر سبب نزول قوله تعالى: (ويسألونك عن اليتامى)
قوله: [حدثنا عثمان بن أبي شيبة].
عثمان بن أبي شيبة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي، وأخرج له النسائي في عمل اليوم والليلة.
[حدثنا جرير].
جرير بن عبد الحميد الضبي الكوفي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عطاء].
عطاء بن السائب صدوق اختلط، وجرير ممن سمع منه بعد الاختلاط، أخرج له البخاري وأصحاب السنن.
[عن سعيد بن جبير].
سعيد بن جبير ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن عباس].
ابن عباس مر ذكره.
والحديث في إسناده عطاء بن السائب وقد اختلط، وسماع من سمع منه قبل الاختلاط هو المعتبر، ومن سمع منه بعد الاختلاط فهذا غير معتبر، وجرير ممن سمع منه بعد الاختلاط، والذين سمعوا منه قبل الاختلاط سبعة، أورد الحافظ ابن حجر في آخر ترجمة عطاء بن السائب في تهذيب التهذيب ستة، ويضاف إليهم الأعمش فيكونون بذلك سبعة، وجرير ليس منهم، بل جاء التصريح بأنه سمع منه حديثاً.
والحديث صححه الألباني وابن كثير ﵀، وفيه ذكر سبب نزول الآية وهو: أنهم كانوا يتحرجون، وبعد ذلك أذن لهم، والذي يدل عليه الحديث هو مقتضى الآية.
إذاً: سبب نزولها هو هذا الذي كان موجوداً من قبل، والآية صريحة في جواز هذا الذي جاء في هذا الحديث، والحديث صححه الألباني، ولعل له طرقاً أخرى غير الطريق التي فيها جرير عن عطاء بن السائب، والنسائي رواه وفي إسناده من هو من غير السبعة الذين سمعوا قبل الاختلاط مثل جرير.
والذين رووا عن عطاء بن السائب قبل الاختلاط هم: سفيان الثوري وشعبة وزهير وزائدة وحماد بن زيد وأيوب السختياني والأعمش.
راجح السلسلة الصحيحة رقم (٦٦٠).
стр. 9468
ما جاء فيما لولي اليتيم أن ينال من مال اليتيم
стр. 9469
شرح حديث: (كُلْ من مال يتيمك غير مسرف)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ما جاء فيما لولي اليتيم أن ينال من مال اليتيم.
حدثنا حميد بن مسعدة أن خالد بن الحارث حدثهم حدثنا حسين -يعني المعلم - عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵁: أن رجلاً أتى النبي ﵌ فقال: (إني فقير ليس لي شيء ولي يتيم، قال: فقال: كل من مال يتيمك غير مسرف، ولا مبادر، ولا متأثل)].
أورد أبو داود [باب ما لولي اليتيم أن ينال من مال اليتيم، يعني: هذا الذي يلي مال اليتيم، ويتصرف فيه لمصلحة اليتيم، هل له أن يأخذ شيئاً مقابل هذا العمل الذي يقوم به؟ إذا كان فقيراً فله أن يأكل بالمعروف، وأما إذا كان غنياً فعليه أن يستعفف كما جاء في القرآن: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء:٦].
(إني فقير ليس لي شيء ولي يتيم) يعني أنه قائم على شئونه وله مال.
فقال: (كل من مال يتيمك غير مسرف، ولا مبادر، ولا متأثل).
(كل من مال يتيمك) يعني: فيما هو مقابل عملك، معناه: أنك لا تأكل بدون عمل وبدون مقابل حتى تفنيه وتأكله، فمال اليتيم لليتيم، ولكن إذا عملت عملاً في مال اليتيم لمصلحة اليتيم فلك أجرة على هذا، وهذا في حق من يكون فقيراً، أما من كان غنياً فعليه أن يستعفف، ويكون عمله لليتيم مما يرجو به الثواب من الله ، والله تعالى ميز بين الغني والفقير فقال: (فليأكل بالمعروف)، والحديث أيضاً بين ما يأكله فقال: (كل من مال يتيمك غير مسرف) يعني: في الأكل، بمعنى: لا يتوسع في الأكل.
(ولا مبادر) يعني: مبادر بلوغه، كما قال: ﴿وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾ [النساء:٦] يعني: أنه لا يبادر إلى التصرف في ماله قبل أن يكبر، ثم يذهب عنه المال عندما يبلغ ويسلم له ماله، فلا يصير في يد الولي، فهو ينتهز فرصة وجوده في يده فيبادر إلى الاستفادة منه.
(ولا متأثل) يعني: لا يأخذ قطعة منه فيجعلها رأس مال له أو يجعلها مالاً له، وإنما أبيح له أن يأخذ شيئاً يجعله من جملة ماله ولا يتموله ويتملكه، وإنما يأكل فقط دون أن يتملك، وهذا إذا كان فقيراً.
стр. 9470
تراجم رجال إسناد حديث: (كُلْ من مال يتيمك غير مسرف)
قوله: [حدثنا حميد بن مسعدة].
حميد بن مسعدة صدوق، أخرج له مسلم وأصحاب السنن.
[أن خالد بن الحارث].
خالد بن الحارث البصري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا حسين -يعني: المعلم -].
حسين المعلم ثقة ربما وهم، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده].
عمرو بن شعيب بن محمد، وهو صدوق، أخرج له البخاري في الأدب المفرد ورفع اليدين وجزء القراءة وأصحاب السنن، وجده هو عبد الله بن عمرو بن العاص، وهو صحابي ابن صحابي، وهو أحد العبادلة الأربعة من أصحاب النبي ﷺ ، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
وأما ما ذكره الخطابي من آثار على أن من أكل من مال اليتيم يؤديه إليه إذا كبر؛ فالصحيح أنه لا يقضيه؛ لأنه أذن له في أكله فأبيح له ولا يقضيه، وهو في مقابل التصرف فيه لمصلحة اليتيم.
قوله: ﴿مَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ [النساء:٦] المراد به: أنه واجب عليه أن يستعفف، حتى لو قال: أنا صحيح غني، لكني أشتغل في المال فأريد المقابل، لكن الله تعالى أمره بالاستعفاف فعليه أن يستعفف.
стр. 9471
متى ينقطع اليتم
стр. 9472
شرح حديث: (لا يتم بعد احتلام)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ما جاء متى ينقطع اليتم.
حدثنا أحمد بن صالح حدثنا يحيى بن محمد المديني حدثنا عبد الله بن خالد بن سعيد بن أبي مريم عن أبيه عن سعيد بن عبد الرحمن بن رقيش أنه سمع شيوخاً من بني عمرو بن عوف ومن خاله عبد الله بن أبي أحمد أنه قال: قال علي بن أبي طالب ﵁: حفظت عن رسول الله ﵌: (لا يتم بعد احتلام، ولا صمات يوم إلى الليل)].
أورد أبو داود [باب متى ينقطع اليتم] يعني: متى ينتهي اليتم، ويكون الإنسان صار كبيراً تجاوز حد اليتم، ولا يصدق عليه أنه يتيم؟
و
الجواب
بأن يبلغ، والبلوغ يكون بالاحتلام، ويكون بنبات الشعر الخشن حول القبل، ويكون بإتمام خمس عشرة سنة، ولو لم يكن احتلام ولا نبات شعر، هذا هو الذي يكون به البلوغ، وعند ذهاب اليتم وحصول البلوغ يكون الإنسان مكلفاً، ولكن من ناحية التصرف بالمال لابد من الرشد وزوال السفه مع البلوغ؛ لأن الله تعالى قال: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء:٦]، فقيد إيصال أموال اليتامى بقيدين: أحدهما: البلوغ، والثاني: الرشد؛ وذلك أنه إذا لم يكن رشيداً كان سفيهاً، ولو كان بالغاً فإنه يضيع المال، ولهذا فإنه يحجر على الشخص من أجل السفه؛ لأن الله تعالى قيد إعطاءه المال بقيدين: البلوغ، وحصول الرشد، وذهاب وزوال السفه، ولهذا يحجر على السفيه في ماله ويعطى منه على قدر حاجته، والباقي يحفظ له.
أورد أبو داود هذا الحديث: (لا يتم بعد احتلام) يعني: الإنسان إذا احتلم خرج من كونه يتيماً؛ لأنه بلغ مبلغ الرجال، أو بلغت المرأة مبلغ النساء، وخرجت من كونها يتيمة، فصارت من أهل التكاليف، وصار القلم الذي كان مرفوعاً يجري بالحسنات والسيئات والمؤاخذة.
(ولا صمات يوم إلى الليل) يعني: كون الإنسان يسكت ويصمت وينذر ذلك، أو يحصل منه الالتزام بالصمت إلى الليل فلا يتكلم، وقوله: (إلى الليل)، لا يعني أنه إذا كان هناك صمت، ولكن قبل الليل أنه يكون سائغاً، ولكن لعل ذلك كان على اعتبار ما كان في الجاهلية أنه يحصل منهم الصمت يوماً كاملاً، فجاء التنصيص إلى الليل لبيان أن هذا من عادة الجاهلية، وأنه لا يسوغ، وأن كون الإنسان يصمت ويمتنع من الكلام ولا يتكلم ولا يذكر الله فليس له ذلك حتى ولو كان إلى قبل الليل.
أما قوله جل وعلا: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا﴾ [مريم:٢٦]، فليس فيه دليل، إنما ذاك شيء خاص بها، وهو من شرع من قبلنا.
стр. 9473
تراجم رجال إسناد حديث: (لا يتم بعد احتلام)
قوله: [حدثنا أحمد بن صالح].
أحمد بن صالح مر ذكره.
[حدثنا يحيى بن محمد المديني].
يحيى بن محمد المديني صدوق يخطئ، أخرج له أبو داود والترمذي والنسائي.
[حدثنا عبد الله بن خالد بن سعيد بن أبي مريم].
عبد الله بن خالد بن سعيد بن أبي مريم، مستور -بمعنى: مجهول الحال- أخرج له أبو داود.
[عن أبيه].
أبوه مقبول، أخرج له أبو داود وابن ماجة.
[عن سعيد بن عبد الرحمن بن يزيد بن رقيش].
سعيد بن عبد الرحمن بن يزيد بن رقيش ثقة، أخرج له أبو داود.
[أنه سمع شيوخاً من بني عمرو بن عوف].
هذا مبهم، ولكن فيه المسمى خاله عبد الله بن أبي أحمد، وقد قيل: إنه صحابي، ولد في حياة النبي ﷺ ، وذكره جماعة في ثقات التابعين، أخرج له أبو داود.
[قال علي بن أبي طالب].
علي بن أبي طالب ﵁ رابع الخلفاء الراشدين الهادين المهديين، صاحب المناقب الجمة والفضائل الكثيرة ﵁ وأرضاه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
وفي إسناد الحديث من هو متكلم فيهم، من قيل فيه: مستور، ومن قيل فيه: صدوق يخطئ، ولكن الحديث له شواهد، وقد ذكر الشيخ الألباني ﵀ لهذا الحديث شواهد في إرواء الغليل.
стр. 9474
الأسئلة
стр. 9475
ضابط السفه
السؤال
ما ضابط السفه؟
الجواب
كونه يبذر ماله ويضيعه، وليس عنده العقل الذي يجعله يحافظ على ماله.
стр. 9476
كيفية استخراج الثلث من التركة
السؤال
إذا أوصى رجل بالثلث هل يقسم كل شيء مما يملك بالثلث؟
الجواب
يمكن ذلك بقسمة كل شيء، ويمكن بالمعاينة بحيث إنه إذا كان عنده مثلا ً عقار ويعرف الثلث في العمارة، والباقي يعادل الثلثين، وليس بلازم أن كل شيء يخرج منه ثلثه، بل يمكن أن يكون الثلث مشاعاً، ويمكن أن يكون متميزاً، بحيث يعرف أن هذا يساوي كذا، وهذا يساوي كذا، وهذا يساوي كذا، فالثلث يكون متميزاً.
стр. 9477
حكم الوصية لغير الورثة
السؤال
عندما يوصي المريض لغير الورثة أو لأحد الورثة، هل للموصى له أن يأخذ المال الموصى له في هذه الحالة؟
الجواب
إن كان أكثر من الثلث لغير الورثة فإن هذا يتوقف على إجازة الورثة، وأما الوصية للوارث فلا تجوز؛ لقوله ﷺ : (لا وصية لوارث)، وليس له أن يأخذ، ولا تنفذ الوصية، ويبقى المال للورثة.
стр. 9478
حكم اختصاص بعض الأبناء بالعطية مقابل الخدمة والرعاية
السؤال
رجل كبير في السن وعنده مال كثير، وأولاده كثيرون لكنهم يعقونه، وبعضهم لا يرد ﵇ ولا يزوره، ولا يسأل عن والده، وله ولد واحد منهم يبره ويحسن إليه ويخدمه في شيخوخته، فهل يجوز له أن يخص هذا الولد بشيء من المال والحالة هذه؟
الجواب
لا يخصه في الوصية، ولكن يمكن أن يعطيه ويملك مالاً في مقابل خدمته له ومقابل قيامه به في الحياة.
стр. 9479
حكم الوصية لوارث مقابل الخدمة والرعاية
السؤال
إذا أوصى الرجل لأحد ولديه بقطعة من الأرض لخدمته وعنايته به، فهل يجوز هذا أو لا؟ وإذا لم يجز ذلك فماذا يفعل في هذه القطعة؟
الجواب
إذا أعطاه في الحياة، وكان يستحق مثل ذلك لقيامه به؛ فلا بأس بذلك، لكن الذي ينبغي أن ينجز ذلك في الحياة، والعطية في الحياة سائغة، وكونه يوصي له مقابل عمل لا بأس به، ولا تدخل في الوصية للوارث؛ لأنها مقابل عمل مثل العطية في الحياة، والعطية في الحياة لا تجوز إلا في مقابل عمل، فإذا كانت في مقابل عمل فيجوز ذلك سواء كثر المال أو قل المال، فله أن يعطيه في حياته وله أن يوصي له؛ لأنه ما أوصى له من أجل تمييزه على غيره، وإنما مقابل عمله الذي عمله، فهي مثل الأجرة، وكأنه كان عليه دين ويريد أن يتخلص من هذا الدين، لكن كونه يعطيه في الحياة وينجزه في الحياة هو أولى.
стр. 9480
حكم من طلق امرأته في مرض ثم شفي منه
السؤال
شخص طلق زوجته طلاقاًَ بائناً في مرض موته بقصد عدم توريثها، ثم برئ من مرضه، فهل تعتبر طالقاً منه؟
الجواب
إذا برئ فلا شك أنها تعتبر طالقاً، والمقصود من الطلاق قد حصل، ولم يلغ الطلاق، ولكن الكلام على النتيجة والغاية التي من أجلها حصل الطلاق؛ أما إذا طلقها في مرض موته، ثم شفي؛ فإنها تبين منه.
стр. 9481
حكم منع المورث للوارث من الميراث
السؤال
رجل أوصى في مرض الموت فقال: إن ابني فلاناً لا يرث، فما الحكم؟
الجواب
ليس له ذلك؛ لأن الله تعالى هو الذي ورّث، وهو الذي أعطى كل ذي حق حقه، فهو يرثه إلا إن قام به مانع من الموانع المعروفة: الرق، والقتل، واختلاف الدين.
стр. 9482
حكم الضعيف إن اختير للإمارة
السؤال
إذا كان الشخص ضعيفاً ووضعوه أميراً في سفر، فهل له أن يرفض؟
الجواب
نعم له أن يرفض، ويقول: فلان أولى مني.
стр. 9483
حكم الوقف بأكثر من الثلث
السؤال
هل يمكن للرجل أن يوقف أكثر من الثلث؟
الجواب
نعم، فإن الوقف في الحياة ليس له حد.
стр. 9484
حكم الأخذ من مساعدات طلاب العلم
السؤال
إذا كان ولي الأمر يعطي مساعدات مالية لطلاب العلم، فهل الأفضل لي أن آخذ من هذه المساعدات أو أستعفف؟
الجواب
إذا كنت غنياً فاستعففت فلا بأس، وإن كنت بحاجة إليها فخذ، وأما إن كان يعطي كل طالب سواء كان غنياً أو فقيراً وهذا أمر يكون لكل من يقوم بهذا العمل من غير تقييد بالحاجة فله أن يأخذ، وإن استعفف فله أن يستعفف.
стр. 9485
كتاب الأعلام للزركلي
السؤال
ما رأيكم في كتاب الأعلام للزركلي؟
الجواب
هو كتاب تراجم، لكنه مشتمل على صور، وكتاب كحالة أولى منه.
стр. 9486
شرح سنن أبي داود [٣٣٨]
من السبع الموبقات والكبائر المهلكات: أكل مال اليتيم ظلماً، وقد وردت آيات وأحاديث في الترهيب من ذلك، فيجب على ولي مال اليتيم ألا يقرب ماله إلا بالتي هي أحسن، وأن يرجو بقيامه على ماله وجه الله والدار الآخرة.
стр. 9487
ما جاء في التشديد في أكل مال اليتيم
стр. 9488
شرح حديثي أبي هريرة وعبيد بن عمير في اجتناب الموبقات
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ما جاء في التشديد في أكل مال اليتيم.
حدثنا أحمد بن سعيد الهمداني حدثنا ابن وهب عن سليمان بن بلال عن ثور بن زيد عن أبي الغيث عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (اجتنبوا السبع الموبقات، قيل: يا رسول الله! وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات).
قال أبو داود: أبو الغيث سالم مولى ابن مطيع.
حدثنا إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني حدثنا معاذ بن هانئ حدثنا حرب بن شداد حدثنا يحيى بن أبي كثير عن عبد الحميد بن سنان عن عبيد بن عمير عن أبيه ﵁ أنه حدثه -وكانت له صحبة- أن رجلاً سأله فقال: (يا رسول الله! ما الكبائر؟ فقال: هن تسع -فذكر معناه، زاد-: وعقوق الوالدين المسلمين، واستحلال البيت الحرام قبلتكم أحياء وأمواتاً)].
يقول الإمام أبو داود السجستاني رحمه الله تعالى: [باب ما جاء في التشديد في أكل مال اليتيم].
أي: بيان أن ذلك خطير وشديد، وأنه من الكبائر التي حرمها الله ، وقد جاء في القرآن الكريم بيان خطورته، وكذلك في السنة، وقد جاء في القرآن: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء:١٠].
وجاء في السنة أحاديث منها هذا الحديث: عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (اجتنبوا السبع الموبقات) (اجتنبوا) أي: ابتعدوا واحذروا أن تقعوا فيها، ولتكن هي في جانب وأنتم في جانب بحيث لا تقربوها ولا تفعلوا شيئاً منها، وأولها: الشرك بالله .
стр. 9489
عظم ذنب الشرك
الشرك بالله هو أظلم الظلم، وأبطل الباطل، وهو الذنب الذي لا يغفره الله ، وكل ذنب دونه هو تحت مشيئة الله إن شاء عفا عن صاحبه ولم يعذبه وأدخله الجنة، وإن شاء أدخله النار، ولكنه يخرجه منها ويدخله الجنة، ولا يبقى في النار أبد الآباد إلا من كان كافراً أو مشركاً، فهذا هو الذي يخلد صاحبه في النار، وكل ما دون ذلك من المعاصي وإن كبرت فأمر صاحبها إلى الله ، كما قال الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] أي: دون الشرك ((لِمَنْ يَشَاءُ))؛ لأنه تحت المشيئة إن شاء غفر الله له ولم يعذبه على ما اقترفه من الكبائر والمعاصي التي هي دون الشرك، وإن شاء عذبه عليها وأدخله النار، ولكنه لا يبقى في النار ولا يخلد فيها كما يخلد الكفار، بل لابد أن يأتي عليه وقت يخرج من النار ويدخل الجنة، فلا يخلد في النار إلا الكفار الذين هم أهلها، ولا سبيل لهم إلى الخروج منها أبداً.
والشرك بالله بينه النبي ﷺ بقوله: (أن تجعل لله نداً وهو خلقك)، فالله تعالى هو الذي خلق ورزق، وهو الذي يحيي ويميت، فكيف يجعل لله نداً؟! وهذه الأنداد مخلوقة كانت بعد أن لم تكن، فكيف يعبد الإنسان مخلوقاً مثله! أين العقول؟! العبادة إنما تكون لله الذي تفرد بالخلق والإيجاد، وهو الذي يجب أن يفرد ويخص بالعبادة، ولا يجعل مع الله شريك في العبادة، بل يجب أن تكون خالصة لوجه الله، كما قال الله : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، وقال: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:١١٠]، فلابد من الإخلاص لله ، ولابد من إفراد الله بالعبادة، وهذا هو مقتضى شهادة أن لا إله إلا الله؛ لأن مقتضاها: ألا يعبد إلا الله، وأن تكون العبادة خالصة لوجه الله، لا شريك له فيها، كما أنه لا شريك له في الخلق والإيجاد والإحياء والإماتة، فلا شريك له في العبادة، بل المتفرد بالخلق والإيجاد هو الذي يجب أن يفرد بالعبادة، ولهذا يأتي كثيراً في القرآن الكريم بيان تفرد الله بالخلق والإيجاد، وأنه هو الذي ينفع ويضر، ويأتي بعد ذلك التنبيه على أن من يكون كذلك فهو الذي يجب أن يعبد وحده لا شريك له، كما قال الله : ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا﴾ [النمل:٦٠]، ثم قال بعد ذلك: ﴿أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ أي: الذي يتفرد بهذا الخلق والإيجاد هو الذي يجب أن يكون وحده المعبود، فلا يجعل معه آلهة ولا يعبد مع الله غيره، (أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ [النمل:٦٠] أي: يسوون غير الله بالله.
﴿أَمَّنْ جَعَلَ الأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ * أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل:٦١ - ٦٢]، وهكذا يأتي ذكر تفرده بالخلق والإيجاد والتصرف في الكون كيف يشاء، وأنه هو الذي ((يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ))، ويكون المقصود من ذلك الإلزام بأن تكون العبادة لله وحده لا شريك له، ولهذا يقولون: توحيد الربوبية مستلزم لتوحيد الألوهية، فمن أقر بالربوبية يلزمه أن يأتي بالألوهية؛ لأنه إذا كان الله هو الخالق وحده، والرازق وحده، وكل ما سواه مخلوق، فكيف يعبد المخلوق؟! وكيف تصرف العبادة للمخلوق الذي كان عدماً فأوجده الله؟! هذا المعدوم الذي أوجده الله يعبد فيكون له نصيب من العبادة أين العقول؟! أين الفهم؟ ولا بد مع إفراد الله بالعبادة أن تكون العبادة مطابقة لسنة رسول الله ﷺ ؛ فإن كانت على خلاف ذلك كانت من البدع المحرمة التي لا يجوز التعبد لله بها؛ لأن الله تعالى يتعبد بما شرع، ولهذا قال بعض أهل العلم في تفسير شهادة أن محمداً رسول الله: هي طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما عنه نهى وزجر، وألا يعبد الله إلا بما شرع، لا يعبد الله إلا بما شرع من الشرع الذي أنزله على رسوله ﷺ ، وإذا عبد الله، وأخلصت العبادة لله، ولكنها كانت مبنية على بدعة؛ فإنها تكون مردودة على صاحبها؛ لقوله ﷺ : (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) حديث صحيح أخرجه البخاري ومسلم، وفي لفظ لـ مسلم (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)، وهو أعم من الذي قبله؛ لأنه يشمل ما إذا كان هو المحدث للعمل الذي عمله مخالفاً للشرع به، أو كان المحدث غيره ولكنه اتبع من أحدثه، فقوله: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) أعم من قوله: (من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد)؛ لأن الأول جزء من الثاني، أي: أن المحدث للعمل الذي عمله، وكذلك الذي لم يحدثه ولكنه تابع المحدث، كل من هؤلاء وهؤلاء الذين عملوا عملاً على غير وفق السنة أعمالهم مردودة عليهم، وهذا هو مقتضى شهادة أن محمداً رسول الله ﷺ ؛ لأن مقتضى الشهادة بأنه رسول الله أن يتابع، وأن يلتزم بما جاء به عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.
إذاً: مقتضى شهادة أن لا إله إلا الله: ألا يعبد إلا الله، ومقتضى شهادة أن محمداً رسول الله: ألا يعبد الله إلا طبقاً لما شرع رسول الله، كما قال الله : ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران:٣١] فعلامة محبة الإنسان لله : أن يكون متبعاً لما جاء به الرسول ﷺ ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾، لابد من البينة على الدعوى، وإذا كانت البينة كاذبة تكون الدعوى كاذبة، فإذا قال: إنه يحب الله ورسوله، ولا يطيع الله ورسوله، ولا يعمل بما جاء عن الله ورسوله؛ فهذه الدعوى غير صادقة بل هي كاذبة.
فالدعوى إنما تكون صحيحة إذا قامت البينة عليها، والبينة عليها هي الاتباع، وعلى هذا فلابد من أمرين، وهما: تجريد الإخلاص لله وحده، وتجريد المتابعة للرسول ﷺ ، فلا يعبد إلا الله، ولا يعبد الله إلا طبقاً لما شرع رسول الله ﷺ ، فلا يعبد بالبدع والهوى ومحدثات الأمور، وإنما يعبد بالشرع الذي شرعه الله لرسوله، والذي أنزله الله على رسوله، سواء كان كتاباً أو سنة، هذا هو الذي يتعبد الله به.
ولهذا يلزم علي المسلم أن يكون حريصاً على اتباع الكتاب والسنة، وأن يسأل عما جاء في الكتاب والسنة ليعمل به، وهذا هو الذي قامت عليه الرسالات، قال الله : ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦]، فكل رسول أرسله الله يدعو قومه الذين أرسل إليهم إلى أن يعبدوا الله وحده وأن يجتنبوا عبادة غيره.
وقال : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥] ((وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ)) أي: أن أي رسول أرسلناه من قبلك نوحي إليه: ((أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ)).
إذاً: أظلم الظلم، وأبطل الباطل، وأعظم الذنوب على الإطلاق: الإشراك بالله، وهو صرف حق الله إلى غير الله، كالاستغاثة بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، ودعاء الجن، ودعاء الملائكة، ودعاء الغائبين ممن لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، وإنما يسأل الإنسان فيما يقدر عليه، ويطلب من الإنسان الحي ما يقدر عليه، أما أن يطلب من الأموات أشياء، ويطلب من الجن أشياء، ويطلب من الملائكة أشياء، وهذه الأشياء لا يجوز أن تطلب إلا من الله؛ فهذا هو الشرك بالله ، وإن لم يكن هذا شركاً فما هو الشرك؟! هل الشرك فقط أن يدعى أن السماوات والأرض شارك في خلقهما أحد غير الله؟! لا أحد يقول: إن السماوات والأرض شارك في خلقهما أحد غير الله، والكفار لما بعث فيهم الرسول ﷺ كانوا يقرون بأن الله هو الخالق الرازق المحيي المميت المتصرف في الكون، ولكنهم مع ذلك كانوا يجعلون معه آلهة أخرى، وتلك الآلهة يزعمون أنها تقربهم إلى الله، والله لا يحتاج في عبادته إلى واسطة تكون بينه وبين خلقه، يقول الله : ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة:١٨٦]، وقال: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ [الإسراء:٥٧]، فالملائكة والأنبياء وغيرهم الذين يدعونهم من دون الله، هؤلاء كلهم يتنافسون في التقرب إلى الله، ويعملون الأعمال التي تقربهم من الله ، فلا يصرف إليهم شيء من العبادة، ولا تصرف العبادة إلا لله .
هذا هو الأمر الأول من الأمور السبعة التي قال فيها النبي ﷺ : (اجتنبوا السبع الموبقات).
стр. 9490
وجوب اجتناب الموبقات من الأعمال
هذه السبع التي أولها الشرك وآخرها قذف المؤمنات كلها من الكبائر، والكبائر كثيرة، وأحسن ما قيل فيها: الكبيرة هي الذنب الذي جعل الله عليه حداً في الدنيا، أو توعد عليه بلعنة أو غضب أو نار أو حبوط عمل، فما كان كذلك فهو من الكبائر، وغيره من الصغائر، وعلى الإنسان أن يجتنب الكبائر ويجتنب الصغائر، ولكن الصغائر إذا لم يصر عليها فإن الأعمال الصالحة تكفرها، قال الله : ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء:٣١]، ويقول ﷺ : (رمضان إلى رمضان، والجمعة إلى الجمعة، والعمرة إلى العمرة كفارة لما بينهن، ما اجتنبت الكبائر)، فالأعمال الصالحة تكفر الصغائر، ولكن إذا أصر على الصغائر فإنها تلحق بالكبائر؛ لأن الكبائر إذا حصل معها خوف من الله ووجل، وخوف من العقوبات التي تترتب عليها تتضاءل حتى تضمحل وتصبح لا وجود لها، والصغيرة إذا أصر عليها، واستهان بها، ولم يهتم بها الإنسان، ولم يخف من مغبتها؛ تعظم وتضخم حتى تلتحق بالكبائر، ولهذا جاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: لا كبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة مع الإصرار، فالكبيرة مع الاستغفار تتلاشى وتضمحل، والصغيرة مع الإصرار عليها تضخم وتعظم حتى تلتحق بالكبائر، فلا كبيرة مع الاستغفار ولا صغيرة مع الإصرار.
следующие страницы →