← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 37054

أدب النفس

الحكيم الترمذي

Полный текст (110 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ رب يسر وأعن، ولا حول ولا قوة إلا بالله. قال الشيخ الإمام العارف، أبو عبد الله أبو عبد الله محمد بن علي الحكيم الترمذي، رحمه الله تعالى: إن الله أنشأ خلقه لإظهار ربوبيته، ولبروز آثار قدرته، وتدبير حكمته، وليكون ذكره ومدحه مرددا على القلوب، وعلى ألسنة الخلق والخليقة، لما علم في غيبه، فأنبأنا في تنزيله، فقال جل ذكره: (وخلق الله السموات والأرض بالحق، ولتجزي كل نفس بما كسبت)، فأعلمنا لم خلق، فقال: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون). فقال أهل اللغة: إلا ليوحدون، ومثل ذلك قوله تعالى: (إياك نعبد) يعني نوحد، لأن في

стр. 2

توحيدهم إياه بأن لا إله إلا هو، إقرار له بالملك والقدرة، وإضافة الأشياء إليه. فهذه الكلمة تنتظم المدح، وأباح ذكره على كل حال، تقديماً له على سائر الحالات وأعمال البر، وحصر ما سواه من الأفعال في أوقات مخصوصة، مع ما ذكر في الكتاب، وجرت به الأخبار عن الرسول ﷺ ، بتفصيل الذكر على سائر الطاعات، لأن في الذكر مدحه، وجاءنا رسول الله ﷺ أنه قال: (ما أحد أحب إليه العذر من الله تعالى، ولا أحد أحب إليه المدح من الله تعالى جده). حدثنا بذلك الجارود، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن شقيق، عن عبد الله بن مسعود ﵁، عن رسول الله ﷺ ، قال: (ليس أحد أحب إليه المدح من الله ، من أجل ذلك مدح نفسه، وليس أحد أغير من الله ؛ ومن أجل ذلك حرم الفواحش)،

стр. 3

وندب العباد في غير آية من كتابه إلى أن ينشروا ذكره، ويذكروا عنه جميل صنائعه، فقال تعالى: (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها). في كل ذلك يحثهم على مدحه وذكره بالجميل والثناء الحسن، وفي كل أسم له مدحه، وجميل ذكره، ودعاهم إلى توحيده، فقال: (لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد). وقال: (وما أرسلناك من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون) أي وحدون، لأنك لا تكون له عبداً حتى يكون لك رباً لا شريك له، فمن أشرك به خرج من نظام التوحيد، فهو وإن كان

стр. 4

له عبداً من طريق الملك، فالعبد بنفسه لم يصير نفسه عبداً، فيكون قد وحده وعبده، وإنما أطاعه لأن الله تعالى أمره أن يطيع، فأطاعه مولاه بأمر الله تعالى، فمن أطاع بأمر الله فهو مطيع لله، ثم إن الله تعالى دعاهم إلى أن يوحدوه قلباً وقولاً وفعلاً، فمن قبل ذلك منه جملة، فاستقرت المعرفة بأنه واحد، فاطمأن به قلبه، وترجم به لسانه عما في ضميره، وعزم على الفعل مائلاً له، فقد آمن به. وهذا كله من العبد في وقت واحد، فركب فيه الشهوات والهوى، وجعل للشياطين فيهم وساوس يجرون فيه مجرى الدم، ويغوصون غوص النون في البحر، وجعل القلب ملكاً على الجوارح، فالشهوة تحرك البدن الساكن، وتزعج القلب، والشيطان يمنيه له ويعده، والهوى يميل به ويقوده، فالمؤمن قلبه مطمئن بالإيمان، والتوحيد ظاهر على لسانه،

стр. 5

فإذا جاء وقت فعل الأركان عمل فيه الشهوات، وزين له العدو، وماله به الهوى، حتى يفعل الفعل الذي يخيل إليك في الظاهر أنه لم يؤمن بعهد، فهو موحد بالقلب واللسان، ولكن لغلبة الشهوة وقوتها، فبظلمة هذا الهوى، ووسوسة هذا العود والتزين، غلب على القلب لا على ما في القلب، مما في القلب من المعرفة، فالقلب به مطمئن، ولكن صار مأسوراً مقهوراً، وهو أبداً لمن غلب عليه وقهره. فخلق اللوح، وجرى القلم بمقادير الخلق، وخلق السموات والأرض، والظالمات والنور، والليل والنهار، والملائكة، والجنة والنار، والجن والشياطين، والجبال والبحار، والدواب والأقوات والمعايش، وسائر الخليقة. ثم خلق آدم ﵇، فاصطفاه، وجعله بديع فطرته، وأسجد له ملائكته، وعلمه الأسماء، وأبان فضله وكرم بنيه، وحملهم في البر والبحر، وفضلهم على كثير ممن خلق تفضيلاً، وسخر له ولذريته ما في السموات والأرض

стр. 6

واستخرج ذريته من ظهره، وأخذ عليهم الميثاق، ثم ردهم إلى صلبه، ثم نقلهم من الأصلاب إلى الأرحام، ومن الأرحام إلى دار الدنيا ليعبدوه، وليوفوا له بما عهد إليهم يوم الميثاق، بأن لا يشركوا به شيئاً، إلى آجالهم التي كتبها في المقادير، إلى أن تنقضي مدة الدنيا، فيبعثهم للجزاء، وتبديل الأرض غير الأرض والسموات، وبرزوا لله الواحد القهار، وليجزي كل نفس بما كسبت، ليكونوا فريقين، فريقاً في الجنة، وفريقاً في السعير. فمن نوّر الله قلبه بالإيمان قويت معرفته، واستنارت بنور اليقين، فاستقام به قلبه، واطمأنت به نفسه، وسكنت ووثقت وأيقنت، وأتمنته على نفسها، فرضيت لها به وكيلاً، وتركت التدبير عليه، فإن وسوس له عدو بالرزق والمعايش، لم يضطرب قلبه ولم يتحير، لأنه قد عرف ربه معرفة أنه قريب، وأنه لا يغفل ولا ينسى، وأنه رءوف رحيم، وأنه رب غفور رحيم، وأنه عدل

стр. 7

لا يجوز، وأنه عزيز لا تمتنع منه الأشياء، وأنه يجير ولا يجار عليه، فكما خلقه محتاجاً مضطراً، فإنه سيوصله إليه من حيث يريد الرب ﵎، لا من حيث يريد العبد، على الهيئة التي يريد الرب، لا على الهيئة التي يريد العبد، وبمقدار ما يريد الرب، لا بمقدار ما يريد العبد، وفي الوقت الذي يريد الرب، لا في الوقت الذي يريد العبد؛ فعامة أهل التوحيد قد أيقنوا بهذا، إيماناً به، وقبولاً له، ولم يستقر ذلك الإيمان في قلوبهم، حتى إذا كان وقت، الحاجة اضطربت قلوبهم وتحيرت، واشتغلت عن خالق الأشياء، ومالك الملوك، وأهل اليقين الذين قد استنار الإيمان في قلوبهم، سكنت القلوب، واطمأنت النفوس إلى ضمان ربها، وقربه منهم، وقدرته عليهم.

стр. 8

فهذا شأن الرزق والمعاش. وفوضوا أمورهم فيما سوى المعاش إليه، واتخذوه وكيلاً، لأنهم لما عرفوا بأنه رءوف رحيم منهم بأنفسهم، وأحق وأولى بأنفسهم من العبيد بأنفسهم، لأنه خلقهم فصورهم، وركبهم وأحسن تقويمهم، وسوى تعديلهم، فلم يكن لهم بأنفسهم من العلم والتدبير ما دبر لهم، وعرفه ملكاً قادراً قاهراً، يفعل ما يشاء، قد سبق علمه فيهم، بما يكون فيهم ولهم وعليهم، وجرى مع سابق العلم لهم بذلك قلمه في اللوح المحفوظ، ليكون أوكد في قلوب العباد، لأن سابق العلم غائب عن القلوب لا يدري كنفسه، واللوح قد خط بالقلم فيه أمر محدود، وشخص مخلوق، ويدرك بالقلوب معاينة، فما عاين القلب وأدركه أثبت عندهم مما لا تعاينه القلوب، ولا يمكن توهمه، فخلق اللوح وأثبت مقاديرهم فيه، لا لحاجة به إلى ذلك، وليكون أثبت على القلوب، لتسكن النفوس وتستقر على ما جرى القلم به، فإذا سكنت النفوس، تفرغت القلوب لعبادته، وحفظ حدوده، وإقامة أموره، وسقطت أشغال النفوس عن القلوب

стр. 9

فيما يراد بها، وما يكون وما يحدث، لأنها قد أيست عن أن يكون غير ما جرى به القلم، وعند الإياس تسكن النفوس، وإنما دعانا إلى أن بعبده، ونقيم حدوده، ونقيم فرائضه، ونتجنب مساخطه، ولنا قلب واحد، فأثبت في اللوح أرزاقنا وسعينا، وآثارنا وأحداثنا، ومدة آجالنا، وعامة أمورنا، لتطمئن النفوس، وتخلص القلوب من وساوسها، فتبده بفراغ، وكل ذلك منه رحمة علينا، وبين ذلك في تنزيله، فقال تعالى: (ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها)، أي من قبل أن نخلق تلك المصيبة، ثم بين لم فعل ذلك، فقال: (لكيلا تأسوا على ما فاتكم، ولا تفرحوا بما آتاكم). فإن التأسي على الشيء الذي لم يقدر لك في اللوح هو استبداد وطلب ما ليس لك، والفرح بما آتاك يلهيك ويشغلك عن المعطي، حتى تأشر وتبطر بما تعطى، فتهلك،

стр. 10

وإنما المبتغى منك في ذلك أن تلهو عن الغائب، وتفرح في الوجود الذي أتاك بالأهل الذي أتاك، ثم بفضله ورحمته عليك، وإلى هذا ندبك فقال: (قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا، هو خير مما يجمعون). وقال تعالى في شأن الرزق: (وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها، ويعلم مستقرها ومستودعها، كل في كتاب مبين). ثم قال تعالى: (وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو، ويعلم ما في البر والبحر، وما تسقط من ورقة إلا يعلمها، ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين). أي من يأكل تلك الحبة ومن يرزقها. فان اضطربت نفسه على ضمانه لقلة اليقين وغلبة الهوى وحرارة الشهوات، خاطب نفسه فقال: يا أيتها

стр. 11

النفس لم تضطربين؟ قالت: لأني محتاجة، وخلقت مضطرة، ذات شهوات، لا أبصر أمكنة الأشياء، ولا أعرف أوقاتها، ولا أعلم مقدارها، واشتبهت على كيفية أسباب وصولها إلي. فقال لها: أيتها النفس، إن كنت قد آمنت بربك، فحقيق عليك أن يكون كلام رب العالمين ووعده وضمانه وتكليفه، أثبت عندك وأوكد وأقوى من الذي تبصرينه على المشاهدة، لأن البصر ربما أخطأ، وربما كان مسحوراً، يرى أنه كذلك وليس كذلك، وقول رب العالمين أصدق وأبر، وأوفى وأثبت من بصرك بعينك، فلو أبصرت الشيء الذي يحويه ملكك اطمأننت وسكنت، فكيف لا يكون بضمانه أشد طمأنينة، أرأيت لو كان لك ديوان فيه غرماء ملاء أسماؤهم، مكتوب فيه: على فلان ألف درهم، وعلى فلان ألف دينار، وعلى فلان عشرة آلاف درهم، أكنت تطمئنين؟ فإن وجدتها قد طابت وسكن اضطرابها لما وجدت في الديوان من أسماء هؤلاء، وهم أهل صدق ووفاء، فأنشر

стр. 12

عليها ديوان رب العالمين، وهو القرآن المجيد المنسوخ في اللوح المحفوظ، تنزيل من الرحمن الرحيم، نزل به الروح الأمين، على قلب محمد رسول الله ﷺ ، رسول رب العالمين، فقلب أوراقه، حتى تقف بها على آية الرزق، حيث يقول تعالى: (وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها). ثم قال لها: أيتها النفس المطمئنة، وجدت في ديوانك على هؤلاء الغارمين ما وجدت، وفرحت وأمنت الفقر فطبت، فهذا في المصحف قوله: (على الله رزقها). أهذا أعظم شأناً، وأصدق وأبر وأوفى، أم الذي وجدت في ديوانك؟ أما تستحين أن تلقى ربك بهذه الحالة، ولكني قد فهمت لم اضطربت بعد أن أيقنت بضمان ربك، إنك ذات شهوات، فيك شهوة العز، فأنت تهربين من الذل، وفيك شهوة ألوان الطعام، فأنت تهربين من البؤس، فيك شهوة إدراك المنى، فأنت تهربين من فوتها.

стр. 13

وإنما تضطربين لأنك أردت أن يكون رزقك في وقت، وأراد بك في وقت آخر، واشتهيت أن يكون على صفة، وأراد ربك غير ذلك، وأردت من وجهه راحة، وأراد ربك من وجه تتعبين فيه، وأردت كثيراً، وأراد ربك أقل من ذلك، فأصبحت وأمسيت مخالفة لربك في مشيئاته وإرادته، فحملك ذلك على الشهوة، حتى غلبتك، فرمتك في أودية المهالك، فأقبلت بهلعك وجزعك على حطام الدنيا، من سبيل الخبائث والأقذار والشبهات والأوساخ، لسكون نفسك به، ثم منعت حقوق الله فيه من ظاهر الأحكام، فقطعت الأرحام، وباغضت العباد، واستخفت بحقوق المسلمين والمؤمنين، وهربت من إنصافهم، وجفوت أهل الحرمة، فأصبحت وأمسيت ظلوماً غشوماً، ووعيد الله ينادي في سمعك قوله تعالى: (ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئاً، وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها، وكفى بنا حاسبين).

стр. 14

فهل تعرف مقدار الخردلة من الظلم ما هو، وكيف يكون؟ لو نجع فيك هذا الوعيد لطارت منك الشهوات، ومات منك الهوى. فأهل الفهم راضوا أنفسهم وتدبروا، فقالوا: كيف كيف لنا بأن لا نأسى على ما يفوتنا من الدنيا، وتمنوا إليه حاجة، وطلبوا من أين يدخل الضرر عليهم، فوجدوا أنهم لما عارضتهم الحوائج في أنفسهم، تحدثوا بها وتمنوها، وطلبوها على التملك والاقتدار، وأطعموا أنفسهم في إصابتها، فلما فاتهم، وجدوا الأسى والحزن على فوت ذلك؛ ففهموا أن هذا إنما دخل عليهم من أجل أنهم تمنوها، وأطعموا أنفسهم في إصابتها، فوجدت النفس حلاوة وجودها، وقوى الهوى، فراضوا أنفسهم بترك الشهوات، وقطع المنى، فخمدت نيران شهواتهم، ففارقوا الهوى جهدهم، لمجاهدتهم إياه، حتى ذلل وأنقمع، وكلما بدا لهم أمر، أو خطر ببالهم، لم يتمنوا ولا أطمعوا أنفسهم، وانتظروا ما يبرز لهم من المسطور في اللوح السابق قبل خلق السموات، فسلموا لربهم، وانقادوا لحكمته كالعبيد،

стр. 15

فعاشوا في الدنيا بأرفع درجة، وأكرم منزلة عند أنفسهم، وأنعم بال وأقر عين بهذا الدين، وماتوا بروح وريحان، ولقوا ربا غير غضبان، ورضوا عن مولاهم، فرضى عنهم، فأيدهم في الدنيا بروح منه، وفي الآخرة قربهم ولطف منهم، (أولئك حزب الله، ألا إن حزب الله هم المفلحون). أولئك (أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون). استنارت قلوبهم باليقين، فصارت أمورهم في نوائبه كالمعاينة، كلما حل بهم أمر من عسر أو يسر، أو خوف أو أمن، أو ذل أو عز، أو بلاء أو نعمة، حرقت أبصار قلوبهم، فأبصرت في لحظة أن هذا الأمر قد كان في اللوح المحفوظ كما برز لنا الآن، وهو حكم الله علينا، لم يكن فيهم من الشهوات ولا من الهوى من القوة ما يثقل عليهم قبوله من ربهم، وتلقوا أمره بالهشاشة وطلاقة النفس وبشر

стр. 16

الوجوه، فهم الراضون والصابرون، قبلوا على كره من نفوسهم وجهد، لأن شهواتهم حية قوية في نفوسهم، ويقينهم ضعيف، لم يبصروا اختيار الله لهم ذلك، ورأفته ورحمته عليهم، ولم يكن لا اختيار الله تعالى ولا لمشيئته عندهم موقع حلاوة، فكانت تلك الحلاوة تمازج مرارات النفوس، فتذهب بالمرارة، كما تجد المرارات في الأدوية، فتمزج بالعسل والسكر وما أشبه ذلك، فيغلب عليه، فتفقد تلك المرارات منه؛ وإنما تقع حلاوة صنع الصانع في قلبك على قدر حبك للصانع، وإنما تحب الصانع على قدر معرفتك بقدره، وكلما كنت به أعلم، وكان هو أرفع منزلة في الأشياء، كان قدره عندك أعظم، وهو إليك أحب، ولذلك قيل: أشدهم حبا له أعلمهم به، وأعرفهم له، ومنه قول بديل العقيلي: (من عرف ربه أحبه، ومن عرف الدنيا زهد فيها). رواه ابن المبارك، عن سفيان الثوري رحمهما الله تعالى، قال: كتب الحجاج بن فرافصة عن بديل ﵀.

стр. 17

فمن عجز عن الرياضة، فإنما يقبل أحكام الله تعالى ومشيئاته على حد الإيمان، وصبر على أموره على حد التقوى بأركانه، على ثقل من نفسه، وتنغيص وتكدير من عيشه، وجهد من قلبه؛ ومن راضها وأدبها استقامت في السير، وانفطمت عن أخلاقها، وتداركه ربه بالنصر والمدد، وأنجز له الوعد: فقد بين هذا الشأن في آيتين من كتابه، فقال: (وجاهدوا في الله حق جهاده) فأمر بمجاهدة النفس، وفطمها عن أخلاق السوء، عن أن يريد غير ما يريد الرب جل وعلا، فلو تركنا في جميع أعمارنا لكان، هذا أمراً هائلاً عظيما، لكنه وعد في آية أخرى أن يخلصنا من وباله، ويؤدبنا ويبصرنا، فقال: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا، وإن الله لمع المحسنين). فهو هاديك، وهو معك في النصر والتأييد، فرحمته منك قريب، ممن يقويك ومن يدركك.

стр. 18

وإنما الشأن أن تجاهدوا في بدء أمرك حق جهاده، فإذا أنت قد ظفرت بالوعد الثاني قد أنجزه لك، فإذا هداك السبيل ملأ قلبك نوراً وكلاءة ورعاية حتى لا تزيغ، فهو المنيب، المقبل على ربه، القابل لأمره بالهشاشة والسرعة، ألا ترى إلى قول الرسل الذين مضوا ﵈ حكى عنهم الرب ﵎، حيث قالوا: (ومالنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا ولنصبرن على ما آذيتمونا). والتوكل هو أن تفوض أمرك إلى ربك، ثم ترضي بما يصنع بك، فعلموا في قلوبهم أنهم إنما قووا على ذلك بما هداهم الله لسبيله. ومما يحقق ما قلنا في شأن الراضي والصابر، قول رسول الله ﷺ لعبد الله بن عباس رضي الله عنهما: (فإن استطعت أن تعمل لله بالرضا واليقين، فأفعل، فإن لم تستطع فأصبر، فإن الصبر على ما تكره خير كثير. واعلم أن مع العسر يسرا، ومع الكرب فرجاً). حدثنا بذلك علي بن حجر، قال حدثنا بذلك

стр. 19

إسماعيل بن عياش وعيسى بن يونس، قالا: حدثنا عمر مولى غفرة، عن عبد الله بن عباس ﵄، عن قول رسول الله ﷺ بذلك؛ فقد بين رسول الله ﷺ المنزلتين في هذا الحديث. واعلم أن الصابر عاجز عن مقام الراضي، وأن الراضي باليقين أدرك ذلك، لأنه عاين عواقب الأمور، وذلك بمنزلة رجل كان له كيس من دراهم، افتقده من حيث وضعه، وهو لا يملك شيئاً سواه، فثار في رأسه كالثيران، من شدة الوجد لفقده، حتى تبين ذلك في أحواله وفي وجهه، وظهر اغتمامه بذلك، فقال له رجل ملئ وفي بر صدوق: أنا أعطيك رأس السنة بدل كل درهم ديناراً؛ فسكن إلى قوله، وسكن بعض ما به من الوجد، فلا يخلو من الاغتمام، ويضيق صدره بمضي هذه المدة، فهو يصبر على كره، إلا أنه مازج ما أطمع فيه، الوجد الذي في نفسه، فخف ما به وهو كاره صابر؛ ورجل آخر افتقد كيساً من دراهم، وفي ملكه ملء بيوت من جواهر، كل جوهر لا يدري ما قيمته فما يتبين عليه فقد ذلك الكيس، ولا يبالي به، وهو في ذلك كالذي افتقد

стр. 20

فلساً وعنده كيس من دراهم. فالأول هو غنى بالمال، والثاني غنى بربه ومليكه، فالأول فرح بالمال والأحوال، والثاني فرح بالله، ثم بفضله ورحمته، عامة ملجئه ومفزعه إلى الله ، فالأول قلبه مأسور بالأشياء، قد ملكته حلاوة الأشياء، والثاني سكن قلبه حلاوة قرب الله ، فالأول قلبه بالأشياء، وبالأشياء تعلقه؛ والثاني مشتغل بالله وإليه منيب، وبه متعلق. ومما يحقق عندنا حال هذا الثاني، ما أتت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعن السلف الصالح من بعده، حدثونا به عن ابن المبارك، عن صالح المري، عن حبيب أبي محمد، وهو العجمي ﵀، عن شهر بن حوشب، عن أبي ذر ﵁ ولم يرفعه؛ وأما غير ابن مبارك فرفعه إلى رسول الله ﷺ ، قال: يقول الله ﵎ لجبريل ﵇: يا جبريل، انسخ من قلب العبد الحلاوة التي كان يجدها بي، فينسخها من قلبه، فيصير العبد والهاً.

стр. 21

فإن اعترض في هذا القول معترض بالإنكار، وقال هذا غير موجود في الأنبياء والرسل ﵈، فقد جاءنا عنهم أنهم كانوا يبكون في المصائب، ويحزنون عليها، ويجدون ألم الأشياء المكروهة، ويفرحون في المحبوب. فيقال له: يا عاجز، وما يدريك ن أي شيء بكت الرسل وحزنت؟ وكيف كان همهم في المكاره؟ وكيف كان فرحهم؟ ومن أي شيء ففرحوا؟ فرب فرح محمود، وعلى ذلك حب الله عباده؛ ورب حزن ممدوح أهله في الدنيا والآخرة، ونطق الكتاب بالثناء عليهم، والبكاء على سبعة أنواع، فما فوقها، كل نوع منها من شيء غير الآخر، فهل ميزت بين هذه الأشياء، وهل اطلعت مطلع هذه المنازل؟ أم أنت رجل تبعت شيئاً من هذا العلم تفخر به، وترأست به، فأنت تريد أن تطفئ نور الله بفيك، وتنسب الرسل إلى ما لم يأذن به الله، وتحير الخلق في سبيل الله، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره المشركون والكافرون. فإما فرح المتقين فبفضل الله ورحمته، وعلى ذلك دلّ عباده، وأما فرح الأنبياء والصديقين فبه تبارك اسمه،

стр. 22

ولذلك روى لنا عن مالك بن دينار ﵀، قال: قرأت في بعض الكتب: يا معشر الصديقين، تنعموا بذكري، فإن ذكري لكم في الدنيا نعيم، وفي الآخرة جزاء. وقال في حديث آخر: (آثرتموني على شهواتكم، ورضيتم بي بدلاً من خلقي، فبي فافرحوا، وبذكرى فتنعموا، فوعزتي ما خلقت الجنان إلا من أجلكم. وحدثنا عبد الرحيم عن حبيب الفارياني، في حديث له ذكره عن حبيب العجمي ﵀، أنه كان يقول (ما) تفسيره: يا رب فرحت حتى كدت أموت من الفرح، مثلك لي رب وأنا عبدك: (خدايا عجب است ممكن إزشادي بميرم كه مراجو توخدائي)، وأما بكاؤهم فكانت الأنبياء ﵈ أرحم البرية، فكلما ازداد العبد من الله تعالى قربه، كانت له من الرحمة أكثر. وكذلك روى عن ابن المبارك، عن عبيد بن عمير، قال ما ازداد العبد من الله تعالى قربه، إلا كان له من الرحمة ما ليس لغيره. حدثنا بذلك الجارود بن معاذ

стр. 23

رحمه الله، عن علي وعمير بن عبد الله، فكانوا في المصائب يرحمون، فيبكون ما يرون، وكانوا أعلم الناس بالموت، وكنه مرارته، وعظيم شأنه، وخطر المقدم على الله . فكانت قلوبهم ترق لما يرون، ألا ترى أنه قال في حديث إبراهيم لابنه: (إنما هذه رحمة، ومن لا يرحم لا يرحم). فكان يبكي، ويعدّ ذلك رحمة ويحتسب بذلك البكاء على الله ؛ ألا ترى أنه عاب من لا يرحم، فكانت تلك منه رقة، ومن هؤلاء القوم فتنة وصبابة. وكذلك وجدنا الخبر عن الحزن يعقوب ﵇، أنه قال ليوسف ﵇: يا بني، إنما حزنت عليك مخافة. وأيضاً من طرق آخر قد يجوز أن يكون الله سبحانه إذ جعلهم أئمة الخلق، هيج منهم أشياء، ليكون لمن بعدهم بذلك اعتبار. وفي هذا كلام إلى غاية الطول، قد بيناه في كتاب (صفة القلوب وأحوالها، هيئة تركيبها) وما يتردد في النفس في صدور القلوب.

стр. 24

رجعنا إلى ذكر (رياضة النفس): قال له القائل: وما رياضة النفس؟ وكيف يكون ذلك؟ قال: يسير على من يسره الله ووفقه. فأما الرياضة فهي مشتقة عربيتها من الرّض، وهو الكسر؛ وذلك أن النفس اعتادت اللذة والشهوة، وأن تعمل بهواها، فهي متحيرة، قائمة على قلبك بالإمرة، وهي الإمرة بالشهوة، فيحتاج إلى أن يفطمها، فإذا فطمها عن العادة انفطمت. ويقال في اللغة: راض ورض بمعنى واحد؛ فمن قال رضّ، فلما أدغم الألف في الضاد، فشّدد، ومن أبرز الألف خفف الضاد، فقال راض، فالرض الكسر، فقيل في الأشياء المكسورة رض، وقيل في الأخلاق المكسورة راض. فهذه النفس إذا فطمتها انكسرت عن الإلحاح عليك، ومنازعتك في الأمور، فإن النفس اعتادت اللذة

стр. 25

والشهوة، وأن تعمل بالهوى، فإذا فطمتها عن العادة انفطمت؛ ألا ترى أن الصبي إنما اعتاد ثدي أمه، كيف سكونه بذلك الثدي، إنما يحنّ إليه إذا فقده، وكيف يفرح به إذا وجده؛ فكذلك النفس الشهوانية، فإذا فطم الصبي انفطم، حتى لا يلتفت إلى ثدي بعد ذلك، لأنه وجد طعم ألوان الأطعمة، فلا يحن إلى اللبن، كلك النفس إذا وجدت الطيب اليقين ، وروح قرب الله تعالى، وحلاوة اختيار الله له، وجميل نظره لها، لم تحنّ إلى تلك الشهوات. قيل له: فبماذا يوجد اليقين؟ قال: بطهارة القلب، لأن اليقين طاهر، فيطهر مكانه ومستقره.

стр. 26

قيل له: وما طهارته؟ قال: ترك ما اضطرب القلب عليه ورابك منه تورعاً، دقّ أو جلّ، ثم تطهره من التعلق بالشهوات، والاشتغال بها، فإذا أنت فعلت ذلك صقلت قلبك، فصار لك مرآة بالتورع؛ فكلما تفكرت شيئاً من أمر الآخرة، تمثل في مرآتك، حتى تصير الآخرة لك معاينة، فإذا منعت قلبك عن حريق الشهوات، كما تصون مرآتك عن حرارة أنفاسك، تمثل في قلبك الملكوت، حتى يصير أمر السموات إلى العرش لك معاينة، تبصره بعيني قلبك، كأنك تنظر إليه، كما قال حارثة ﵁: يا رسول الله، كأني أنظر إلى عرش ربي بارزاً، وإلى أهل الجنة كيف يتزاورون، وإلى أهل النار كيف يتعاوون، فقال رسول الله ﷺ : عرفت فالزم. عبد نوّر الله الإيمان في قلبه. فإذا صنت قلبك فصنه بعد ما ذكرنا عن النظر إلى نفسك إعجاباً وفرحاً، بالغطاء لها انقطعت الأسباب منك، وصفاً لك طريقك إلى الله بلا غبار ولا غيم، فلا يغان على قلبك،

стр. 27

فإذا أصاب قلبك الغين استغفرت، كما قال رسو ل الله ﷺ إنه ليغان على قلبي، فأستغفر الله في اليوم مائة مرة. وهذا الغين من رسول الله ﷺ ليس كما يجده من بعده فيما نعلمه، فليس نراه من طريق التخليط، ولا من طريق العيب، فقد كان قلبه أطهر، وشأن أمره أعظم، وأجل من أن يظن به. ولهذا الباب تفسير واضح من هذا، نبينه في آخر الكتاب إن شاء الله تعالى، في صفة القلب وخلقته وشرح اليقين ما هو. أردنا أن نستتم ذكر النفس ورياضتها عدنا إلى ذكر رياضة النفس. ألا ترى أن البازي كيف كان نفاره من الآدميين في الجبال الشامخات، فلما ربّ وأمسك على التربية، أنس بصاحبه، وأخذت التربية بقلبه، واعتاد الكون معه، فنزع عن النفار، وترك همّ الطيران، واطمأن إلى صاحبه، حتى إذا أرسله وحثه على الطيران طار، فأصاد وأمسك عليه صيده، تحرياً لموافقة مولاه، ثم إن دعاه ممن الطيران رجع، وآثر هواه على هوى موافقة نفسه، فأجابه منقضاً إلى حبله وسباقه؛

стр. 28

أفلا يحق على مؤمن أبصر هذا أن يموت كمدا وعبرة وأسفاً على فوت هذا من نفسه، أن يكون طيره أسمع له وأطوع، وأشد تحرياً لموافقته، وألزم لنصيحته من العبد المؤمن لربه، ألا ترى إلى الدابة الخسيسة قيمتها قليلة، تؤخذ من الدواب وقد اعتادت الرعي حيثما شاءت، كيف يروضها الرائض على قبول السرج واللجام؟ وكيف يؤدبها حتى تأخذ السير؟ وكيف يؤدبها عند القناطر، وفي مواضع الجلبة، يريد أن يشيعها حتى لا تهاب هذه المواضع إذا بلغت؟ وكيف تفتح أذنيها عند المسير. وتميل يميناً وشمالاً، لا ينقلب عنانها، فإن لم تجد قنطرة فأهوى بعنانها، وثبت إلى الجانب وثبة مخاطرة بنفسها، وأن استقبلها جلبة لم تهب، ولم تترك سيرها، فتصير بحال تصلح للملك، فإن قوّمت قوّمت بالدنانير رفعة لها، لا بالدراهم، فتجلل وتبرقع، ويصفى لها العلف، وتربط في مربط الملك؛ فإنما بلغت هذا المبلغ، وسقط عنها جهد العمل وكده، وحمل أثقال الحمولات، وتخلصت من دبر الظهر، ومشقة الاستعمال،

стр. 29

فإنها تركت هواها، ورفعت بالها عن نفسها، فإن خاطرت لم تبال، وإن أتعبت نفسها لم تمل، وإن اقتضاها راكبها السير والركض والوثب، استفرغت مجهودها في إعطاء كل ما يبتغى منها، من غير جمح ولا حزن ولا تلكؤ ولا شمس ولا كسل، ولا تركت أدبها، وقد كانت قبل ذلك هملاً في الرعي، تفعل ما هويت، فهي قريبة القيمة من أشكالها من الدواب، وإنما اختصها الملك وأطاب علفها، وصانها عن رؤية الناس، وجللها وعزلها عن الجهد والكد، بترك مراعيها وهواها ونشاطها، وأنسها بأشكالها، واحتمالها التعب في جنب مالكها، وإعطاء المجهود بالصدق من نفسها، ويقظة قلبها، ونظرها بقلبها إلى راكبها، ولو كانت إذا راضها لم تنقد لمولاها، ولم تأخذ سيرها، ولم تؤدب بأدبه، فإن سيرها أبطأت في السير وإن مال بعنانها امتنعت وشمست، وإن مدّها جمحت فمدّت به، وفي الموضع الذي كان يريد السير منها امتنعت

стр. 30

من إعطاء ما فيها من القوة، وفي الموضع الذي أراد منها الوقوف حرنت، فركبت هواها، فجاءت بالقوة التي امتنعت منها هناك في السير، فإن قهرها باللجام، فأمسكت عن الركض، لم تمسك من أجل مولاها، ولكنها أمسكت من كبح اللجام، والألم الذي خلص إلى كبوحيتها، فأشفقت على فيها وأسنانها ولسانها وحنكها، فتركت حينئذ هواها، فجعلت تدور ولا تستقر، لأنها لم تسخ نفسها الدنيئة بطاعة راكبها، ومع ذلك تبول وتروث في مكانها، وتبرك مكانها، فإن استقبلها جلبة نفرت، وتركت سيرها، فرجعت قهقرى، فربما كانت من خلفها بئر أو جرف تتردى فيها، وتنكسر وتقتل نفسها، فهذه دابة خسيسة، فيها أخلاق السوء، لا تصلح للملك. وإنما تصلح للحمولة، فتراها الشهر والدهر موكفة تحت حمولة، فمرة مهزولة،

стр. 31

ومرة دبرة جائعة، في عنف وسير وكد عمل، وهي دابة من الدواب؛ فكذلك يصير العبد إذا راض نفسه بترك الشهوات، وقطع الأسباب، وانقطع عن اللذات، ومجاهدة الهوى، وامتناعه عما يريد، حتى تذل وتنقمع، فحينئذ ينقاد القلب والعقل، وتستقيم في سيرها على حد ما أمر به، ولا تهاب أحداً في أموره، ولا تخاف فيه لومه لائم، إذا نابتة النوائب خاطر بنفسه في ذات الله، وأذنه مصغية إلى مولاه، وقلبه شاخص إلى مشيئاته وإرادته، وإلى ما يبرز له من حجب الغيب، فيقبله بالطوع والهشاشة، والانطلاق إلى ما يستعمله به، وكيف ينقله من حال إلى حال، فإن رأى نصرته عدّ ذلك منه فضلاً ورحمة، وإن رأى خذلانه فزع إليه، والقى نفسه بين يديه، صارخاً إليه، مستغيثاً به، فهو ولي من أوليائه، رفع باله عن نفسه، فرمى بها إلى ربها، فقال: أنت ربي، وأنت خلقتني لما تشاء، ولا أشاء، ولا علم لي بشأني، وبما فعلت بي، ووجدتك أرأف وأرحم بي مني بنفسي، فرفعت

стр. 32

بالي عن نفس، وألقيت بيدي إليك مسلماً، فاقبلني، فإنك قد بينت في تنزيلك: (ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى)، قد ألقيت الخلق وراء ظهري، فنظري إليك، وقطعت الأسباب، فتعلقي بك، والله ﵎ قائم عليه، يرعاه ويكلؤه، ويؤيده وينصره، ويقر عينه، والعبد مشغول بربه، ينظر إلى ملكه، وينصر حقوقه، ويحفظ حدوده، ويعظم أموره، ويذب عن دينه ما لا يحمل، ويدعو عباده، فهو وليه، ورب العزة وليه وهذا شأنه حتى يلقاه. وبيان صفة هذا العبد موجود في الآثار. حدثنا إسماعيل بن نصر، قال: حدثنا أبو منذر القطعي، قال: حدثنا عبد الواحد بن حمزة، عن مولى عروة بن الزبير، عن عائشة ﵂، عن رسول الله صلى الله عليه

стр. 33

وسلم، عن الله تبارك وتعالى. وحدثنا إبراهيم بن المستمر البصري، قال: حدثنا أبو عامر العقدي، قال: حدثنا عبد الرحمن بن ميمون مولى عروة، عن عروة، عن عائشة، عن رسول الله ﷺ قال: حدثني جبريل عن الله دخل حديث بعضهم في بعض - أنه قال: (ما تقرب إلى عبدي بمثل أداء فرائضي، وإن عبدي ليتقرب بالنوافل حتى أحبه، وما تقرب إلى عبدي بشيء من النوافل مثل النصح لي حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي به يسمع، وبصره الذي به يبصر، ويده التي بها يبطش، ورجله التي بها يمشي، ولسانه الذي به ينطق، وفؤاده الذي به يعقل). فما ظننا بعبد يعقل بالله، وينطق بالله، ويسمع بالله، ويبصر بالله، ويبطش بالله، ويمشي بالله، كيف يكون سعيه وآثاره منقلبة في الدنيا.

стр. 34

قال له قائل: كيف يكون هذا؟ قال: هذا عبد قد يسره، وولي سياسته، وحفظه ورعايته، واستعمله، فكان في صنعه، قد أمات فيه الشهوات، ويسر عليه الصعاب، وبسط له النور، ومد له في الأسباب، وألهمه وفهمه، وصيره من أولي الألباب، فإن نطق نطق بحكمة، وإن أنصت أنصت بفكرة، وإن نظر نظر بعبرة، وإن مشى مشى بهيبة، وإن بطش بطش بغلبة، قد منع قلبه من التفكير، وسلب في الأمور التدبير. وهذا كله موجود تحققه في الكتاب والخبر. فأما في الكتاب فشأن الخضر ﵇، حرق السفينة، وقتل الغلام، وأقام الجدار، فلو عمل في الظاهر ما قدر على ذلك؛ ثم قال في آخر أمره: (وما فعلته عن أمري). فهذا من الله في الباطن، الذي يؤتيه من يشاء، وقد قال في ذكره له: (فوجدا عبداً من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا، وعلمنا من لدنا علماً). فقد

стр. 35

بين أن هذا له من طريق العلم الذي علمه ربه. وما ذكر من شأن ذي القرنين، فقال: (إنا مكنا في الأرض، وآتيناه من كل شيء سبباً فأتبع سبباً). فأوتي العلم الذي لم يؤت غيره. فإن قال قائل: فهل يجوز لأحد أن يفعل على ما يتراءى له في قلبه، أو يقتدى بالخضر ﵇ فيما يبدو؟ قيل: لا، قد ختم الله تعالى بالرسول محمد ﷺ الرسالة، ولم يبق في الأرض بعده إلا الملهمون والمحدثون. وقد روى عن رسول الله ﷺ أنه قال: قد كان في بني إسرائيل محدثون، فإن يك في أمتي أحد منهم فعمر بن الخطاب ﵁. وكان ابن عباس ﵁ يقرأ هذه الآية (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ولا محدث). والنبي دون الرسول بدرجة، والمحدثون دون النبي بدرجة، وللرسول درجة الرسالة،

стр. 36

وللنبي درجة النبوة، وللمحدث درجة الحديث. وقد أحكم الله بهذا الإسلام الذي ارتضاه لنا دينا على لسان الكتاب والسنة، ما ليس لأحد فيه استبداد، ولا تجاوز ولا تقصير، إنما هو حفظ الحدود، واتباع الأمر الجملة؛ ثم الصديقون والملهمون والمحدثون أمور خارجة من الحدود والأحكام، وهو تدبير الله وكلاءته، على ما ذكرناه بدءاً. ولم نجئ بشأن ذكر الخضر ههنا لنطلق لمن بعده مثله، إنما أردنا أن نحقق أن لله عباداً يضع عندهم من مكنون العلم ما شاء، وأن لهم عنده من المنازل ما يتحقق عند من يفهم هذا، أن ذلك الذي قلنا كيف يكون، حتى به يسمع، وبه يبصر، وبه ينطق، وبه يبطش، وبه يمشي، وبه يعقل. فأما ما ذكر في الأخبار، حدثنا عمر بن أبي عمر، قال: حدثنا الربيع بن روح الحمصي، قال: حدثنا ابن عياش، عن ضمضم بن زرعة الخضرمي، عن شريح بن عبيد الخضرمي، عن عبد الله بن زيد، قال: قال لقمان ﵇: ألا إن يد لله تعالى على أفواه الحكماء، فلا ينطق

стр. 37

أحد إلا بما هيأه الله له. وحدثنا أبو بكر بن سابق الأموي، قال حدثنا عمر بن عبيد الطنافسي، عن الأعمش، قال: جاء رجل إلى عمر ﵁، قال: إن عليا شجني. فقال لعلي: لم شججت هذا؟ قال: إني مررت به وهو مقاوم امرأة، فساءني مقامها، فصغيت لها، فسمعت ما كرهت، فشججته. فقال عمر ﵁: أن لله في الأرض عيوناً، وإن علياً من عيون الله. حدثنا عبد الجبار بن العلاء، قال: حدثنا سفيان، عن إسماعيل بن أبي خالد، سمعه من قيس بن أبي حازم، قال: عرض أبو بكر الصديق ﵁ فرسا له، فقال غلام من الأنصار: احملني عليها يا خليفة رسول الله، قال: لأن أحمل عليها غلاماً قد ركب الخيل بعدلته، أحب إلى من أن أحملك عليها. فقال: لم؟ فولله أنا خير منك فارساً، ومن أبيك. قال المغيرة: فما ملكت نفسي أن أخذت برأسه فركبته، فأقبلا منخراه كأنهما عزلاء مزادة.

стр. 38

قال: فبلغ أبا بكر ﵁، أن ناساً من الأنصار يتوعدون المغيرة، فقال أبو بكر ﵁: بلغني أن ناساً من الأنصار يتوعدون المغيرة، والله لا يخرجوا من ديارهم أسرع من أن أقيدهم بروعة الله. حدثنا الجارود، عن يزيد بن هرون، عن حماد بن سلمة، عن هشام، عن عروة، عن أبيه، قال: أرسل أبو بكر الصديق خالد بن الوليد ﵄ إلى بني سليم، فجعلهم في الحضائر، فحرقهم بالنار. قال عمر ﵁ لأبي بكر ﵁: تستعمل رجلاً يعذب بعذاب الله؟ فقال أبو بكر ﵁: دعنا عنك يا عمر، والله لا أشيم سيفاً سله الله على المشركين، حتى يكون هو الذي يشيمه. وقول رسول الله صلى الله عيه وسلم لسعد بن معاذ ﵁: لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرفعة. والرفيع: السماء، والأرفعة: جماعة. فأخبر رسول الله ﷺ أنه أصاب فيهم حكم الله عنده. وكان

стр. 39

حكم بأن تقتل مقاتلتهم، وتسبى ذراريهم، وتكون الغنيمة للمهاجرين دون الأنصار، وذلك في شأن قريظة. حدثنا عبد الكريم بن عبد الله، عن علي بن الحسن، عن عبد الله، قال: أخبرني أبو بكر بن أبي مريم، حدثني راشد بن أبي راشد، قال كنت مع خالد بن أبي معدان يوماً في بعض أسواق المدينة بحمص، فإذا نحن بنصراني أظهر الشرك بالله تعالى، فقال لي خالد: احسر عن ذراعيك، ثم قال لي: دق أنفه، قال راشد: فوجأت أنفه أن دققته، فانطلق النصراني فاستعدى علينا، فقال الوالي لخالد: ما حملك على ما صنعت؟ قال: أرغم الله أنفه وأنف من ثقل عليه تأديبنا له، إنه ليس لهم أن يظهروا شركا ولا صليباً، فيصنع هذا بهم حتى يكفوا عن إظهار الشرك بالله . حدثنا عبد الله بن أبي زياد، قال: حدثنا سيار عن حفص بن سليمان، عن مالك بن دينار ﵀، قال: رأى عامر بن عبد قيس ذمياً يظلم، فألقى رداءه فقال: والله أتخفر ذمة وأنا حي؟ فاستنقذه.

стр. 40

فإذا فطمت نفسك عن حرارة الهوى، ووقعت حرارة الفطام على قلبك، فذابت تلك الأخلاط عن قلبك، وطهر قلبك، وخرج صافياً كما خرج الذهب الذي أحمى، فتهافت عنه تلك الأوساخ والأدناس، لأن للهوى على القلب أوساخاً وأدناسا، كما كان للمعاصي على قلب نكت سود، على ما جاء في الحديث عن رسول الله ﷺ ، قال: إذا أذنب العبد نكت في قلبه نكتة سوداء، فإذا عاد نكت أخرى، فإذا تاب ونزع صقل قلبه، ثم تلا: (كلا، بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون). فإذا ذهبت المعصية بالتوبة ذهب سواده، وبقى دخانه، وذهب الشيطان، وبقى ظله، كما ذهب الليل وبقى سدفه وآثاره عند وجه الصبح؛ فإذا تاب عن المعصية
следующие страницы →