← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 37054

أدب النفس

الحكيم الترمذي

Полный текст (110 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وللنبي درجة النبوة، وللمحدث درجة الحديث. وقد أحكم الله بهذا الإسلام الذي ارتضاه لنا دينا على لسان الكتاب والسنة، ما ليس لأحد فيه استبداد، ولا تجاوز ولا تقصير، إنما هو حفظ الحدود، واتباع الأمر الجملة؛ ثم الصديقون والملهمون والمحدثون أمور خارجة من الحدود والأحكام، وهو تدبير الله وكلاءته، على ما ذكرناه بدءاً. ولم نجئ بشأن ذكر الخضر ههنا لنطلق لمن بعده مثله، إنما أردنا أن نحقق أن لله عباداً يضع عندهم من مكنون العلم ما شاء، وأن لهم عنده من المنازل ما يتحقق عند من يفهم هذا، أن ذلك الذي قلنا كيف يكون، حتى به يسمع، وبه يبصر، وبه ينطق، وبه يبطش، وبه يمشي، وبه يعقل. فأما ما ذكر في الأخبار، حدثنا عمر بن أبي عمر، قال: حدثنا الربيع بن روح الحمصي، قال: حدثنا ابن عياش، عن ضمضم بن زرعة الخضرمي، عن شريح بن عبيد الخضرمي، عن عبد الله بن زيد، قال: قال لقمان ﵇: ألا إن يد لله تعالى على أفواه الحكماء، فلا ينطق

стр. 37

أحد إلا بما هيأه الله له. وحدثنا أبو بكر بن سابق الأموي، قال حدثنا عمر بن عبيد الطنافسي، عن الأعمش، قال: جاء رجل إلى عمر ﵁، قال: إن عليا شجني. فقال لعلي: لم شججت هذا؟ قال: إني مررت به وهو مقاوم امرأة، فساءني مقامها، فصغيت لها، فسمعت ما كرهت، فشججته. فقال عمر ﵁: أن لله في الأرض عيوناً، وإن علياً من عيون الله. حدثنا عبد الجبار بن العلاء، قال: حدثنا سفيان، عن إسماعيل بن أبي خالد، سمعه من قيس بن أبي حازم، قال: عرض أبو بكر الصديق ﵁ فرسا له، فقال غلام من الأنصار: احملني عليها يا خليفة رسول الله، قال: لأن أحمل عليها غلاماً قد ركب الخيل بعدلته، أحب إلى من أن أحملك عليها. فقال: لم؟ فولله أنا خير منك فارساً، ومن أبيك. قال المغيرة: فما ملكت نفسي أن أخذت برأسه فركبته، فأقبلا منخراه كأنهما عزلاء مزادة.

стр. 38

قال: فبلغ أبا بكر ﵁، أن ناساً من الأنصار يتوعدون المغيرة، فقال أبو بكر ﵁: بلغني أن ناساً من الأنصار يتوعدون المغيرة، والله لا يخرجوا من ديارهم أسرع من أن أقيدهم بروعة الله. حدثنا الجارود، عن يزيد بن هرون، عن حماد بن سلمة، عن هشام، عن عروة، عن أبيه، قال: أرسل أبو بكر الصديق خالد بن الوليد ﵄ إلى بني سليم، فجعلهم في الحضائر، فحرقهم بالنار. قال عمر ﵁ لأبي بكر ﵁: تستعمل رجلاً يعذب بعذاب الله؟ فقال أبو بكر ﵁: دعنا عنك يا عمر، والله لا أشيم سيفاً سله الله على المشركين، حتى يكون هو الذي يشيمه. وقول رسول الله صلى الله عيه وسلم لسعد بن معاذ ﵁: لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرفعة. والرفيع: السماء، والأرفعة: جماعة. فأخبر رسول الله ﷺ أنه أصاب فيهم حكم الله عنده. وكان

стр. 39

حكم بأن تقتل مقاتلتهم، وتسبى ذراريهم، وتكون الغنيمة للمهاجرين دون الأنصار، وذلك في شأن قريظة. حدثنا عبد الكريم بن عبد الله، عن علي بن الحسن، عن عبد الله، قال: أخبرني أبو بكر بن أبي مريم، حدثني راشد بن أبي راشد، قال كنت مع خالد بن أبي معدان يوماً في بعض أسواق المدينة بحمص، فإذا نحن بنصراني أظهر الشرك بالله تعالى، فقال لي خالد: احسر عن ذراعيك، ثم قال لي: دق أنفه، قال راشد: فوجأت أنفه أن دققته، فانطلق النصراني فاستعدى علينا، فقال الوالي لخالد: ما حملك على ما صنعت؟ قال: أرغم الله أنفه وأنف من ثقل عليه تأديبنا له، إنه ليس لهم أن يظهروا شركا ولا صليباً، فيصنع هذا بهم حتى يكفوا عن إظهار الشرك بالله . حدثنا عبد الله بن أبي زياد، قال: حدثنا سيار عن حفص بن سليمان، عن مالك بن دينار ﵀، قال: رأى عامر بن عبد قيس ذمياً يظلم، فألقى رداءه فقال: والله أتخفر ذمة وأنا حي؟ فاستنقذه.

стр. 40

فإذا فطمت نفسك عن حرارة الهوى، ووقعت حرارة الفطام على قلبك، فذابت تلك الأخلاط عن قلبك، وطهر قلبك، وخرج صافياً كما خرج الذهب الذي أحمى، فتهافت عنه تلك الأوساخ والأدناس، لأن للهوى على القلب أوساخاً وأدناسا، كما كان للمعاصي على قلب نكت سود، على ما جاء في الحديث عن رسول الله ﷺ ، قال: إذا أذنب العبد نكت في قلبه نكتة سوداء، فإذا عاد نكت أخرى، فإذا تاب ونزع صقل قلبه، ثم تلا: (كلا، بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون). فإذا ذهبت المعصية بالتوبة ذهب سواده، وبقى دخانه، وذهب الشيطان، وبقى ظله، كما ذهب الليل وبقى سدفه وآثاره عند وجه الصبح؛ فإذا تاب عن المعصية

стр. 41

وهو ممن يستعمل الهوى، فالهوى باق بعد، فهذا قلب قد تاب ولم ينزع، فلم يصقل قلبه بعد؛ وذلك أن المرآة المصقولة إذا نظرت فيها أرتك عن اليمين وعن الشمال، وخلفك وأمامك، فإذا قلبت بها إلى عين الشمس هكذا، فلاقى نور المرآة نور الشمس، وجدت الشمس تشرق في مكانك وفي بيتك؛ فكذلك إذا صقلت مرآتك، وهي قلبك، نظرت عنها إلى الجنة والنار، وإلى بهاء الحسنات، وإلى جمالها مرتبتها، وإلى قبح السيئات، والى الدنيا والآخرة، وإذا نظرت فيها إلى تدبير خالقك، تراءى لك عجائب، وذلك النور الذي تجده عندك، إذا أقبلت بمرآتك إلى عين الشمس، ليس هو الشمس، إنما هو نور حدث من بينهما، فإذا صفا قلبك من الهوى، حينئذ تجد اليقين، لأن اليقين هو نور يحدث على قلبك من نور معرفتك، ونور إلهك الذي هو نور السموات والأرض ونور كل شيء، فإذا أقبلت على الله تبارك اسمه، أشرق القلب بالنور، فذلك اليقين؛ وإذا كان بالمرآة صدأ فقلب بها إلى عين

стр. 42

الشمس، لم يشرق في البيت منه شمس، لأنه قد حال بين نور المرآة ونور الشمس ذلك الصدأ، فكذلك القلب إذا أقبلت على الله تعالى وعليه الهوى، لم يشرق بالنور الأعظم، لأن الهوى قد حال بين نور المعرفة وبين النور الأعظم، وهو اليقين، فإذا ذهب الهوى، فنظرت له، تلاقى النوران، فأشرق في صدرك، فأبصرته عين قلبك، فصار يقينا. واليقين في لغة العرب هو الشيء المستقر الثابت، تقول العرب: قد يقن الماء في الحفيرة. قال له قائل: أشرح لنا صفة القلب . قال: القلب بضعة من لحم، في جوف بضعة أخرى، وهو الفؤاد، ومعدن النور القلب، ومنه قيل خبز فئيد، لأنه في جوف الرماد الحار والجمر، فالبضعة الخارجة هي الفؤاد؛ وإنما سمي قلباً لأنه يتقلب، وله عينان وأذنان وباب، والصدر بيته، وإنما سمي صدراً لأن الأمور تصدر عنه، فالنور الذي في القلب يعرف ربه، لأنه نوره، وهو حبة

стр. 43

القلب، واشتقاق الحب منه، لأنه وصل حبة قلبه، ومنه قوله : (حبب إليكم الإيمان)، أي أوصله إلى حبة القلوب، ثم قال تعالى: (وزينه في قلوبكم) ولم يقل في فؤاد كم، ومما يحقق ذلك قول رسول الله ﷺ : أتتكم أهل اليمن، هم ألين قلوباً، وارق أفئدة، فوصف القلب باللين، والفؤاد بالرقة، فالنور إذا خرج من باب القلب أشرق في الصدر، فأبصر عين الفؤاد ذلك النور، فإذا فكر في الجنة أو النار، أو في شيء من أمور الآخرة، وقع لتلك الفكرة ظل على الصدر، فتمثل ذلك الشيء بين عيني القلب، فصار كأنه ينظر إليه، وإذا ذكر الرب ﵎ لم يقع لذكره ظل على الصدر، ولكنه يشرق النور، ويتلألأ النور في الصدر، حتى يكاد يغشى بصر القلب، لأن النور إنما أشرق في الصدر، لأنه نوره، فإذا ذكر الأشياء، فالأشياء مخلوقة، فوقع للأشياء ظل، وإذا ذكره تلألأ النور، ولم يقع في الصدر ظل، وهو بمنزلة قنديل

стр. 44

معلق في البت، فحائط البيت يشرق عليه نور الصباح، فإذا رفعت يداً أو شيئاً بين الحائط وبين المصباح، وقع لذلك الشيء على الحائط ظل، وتمثل ذلك الشيء، فإذا رفعت بين المصباح وبين الحائط مصباحاً آخر، ازداد ذلك إشراقاً وضياء، ولم يتمثل على الحائط صورة، ولا وقع ظل، فهذا شأن القلب. فإذا حمى القلب بالفطام من الهوى فصفا، صار كالذهب يخرج من النار، فحينئذ يحك بالحجر، اختبار لجودته. وذلك أن الذهب لاجتماعه وكثرته، أراك لون حمرته، بقوة بعضه من بعض، وانضمام بعض إلى بعض، فإذا حككت منه شيئاً بحجر، وبقى بالحجر من ذلك شيء لطيف رقيق، تبين لك جودته أنه يريك في حال الضعف والرقة، من آية قواه أنه قوى الحمرة، وأنه جيد؛ وذلك الرديء المغشوش يريك حمرته ما دام كثير القدر، كثير الوزن، مجمع القوى، فإذا حككته بحجر، فبقى الذي على الحجر، رأيته أصفر، فعرفت أنه ليس بجيد. فكذلك القلب لا يتبين ما فيه حتى يفطم، ويريك أنه قد صفا بالفطام، فحينئذ يحك بحجر البلوى، فيختبر سكونه

стр. 45

بمن، وإلفه مع من، أبالله سكونه ومعه ألفه، أم لعطائه سكن، ومع أحوال نفسه ألف؟ فالحك هو النقصان، فمن كان سكونه به، وإلفه معه، لم يتغير للنقصان، أعني نقصان العطاء، ولجزيله، لأنه للنقصان والتجزيل يبين إلى ما سكنت، وهل قطعت الهوى، فهذه منزلة عبادتك له بما هو أهله، وهو الذي يقال له: اعبد الله باليقين لا بالهوى، واليقين، عقيب الهوى، فكل ما نقص من هذا ازداد من ذلك، فهما يتعاقبان أبداً، ويقال: الصبر صبران: صبر على الشدائد، وصبر على ما يدعوك إليه الهوى، طاعة كانت أو معصية، فإذا فطمت نفسك عن طاعة الهوى، حتى صار لك عادة ألا تطيع الهوى في شيء من الأشياء، وإن أبيح لك ذلك الشيء، استنار قلبك باليقين، وهو نور مشرق في الصدر، وعينك تنظر إلى ذلك النور، ونفسك يقظان بقرب الله ، كما قال عامر بن عبد قيس ﵀: ما وقع بصري على شيء إلا رأيت الله أقرب منه. وروى عن محمد بن واسع رحمه الله تعالى نحو من ذلك وإنما أدرك عامر هذه المنزلة، لأنه راض نفسه

стр. 46

حتى صار بحال - حكى عن نفسه أنه قال: وجدت الدنيا أربعة أشياء، فما زال يروض نفسه حتى أطاعه الهوى، حتى قيل له حيث يريد الشام: كيف تبكى على أهل مصر؟ قال: لأن بها أخواني، وبها كثرة تجاوب المؤذنين، وبها ظمأ الهواجر. قيل له: فقد أذن لك، أفلا ترجع؟ قال: أكره أن أرتحل رحلة هوي. وكما روى عن وهب بن منبه رحمه الله تعالى، أن رجلاً قال لمعلمه: قد قطعت الهوى. قال: أتفرق بين النساء والدواء؟ قال: نعم. قال: فأنت أوثقت الهوى ولم تقطعه. وكما روى عن عيسى ابن مريم ﵉: هل يستوي عندكم هذان: كف من تراب، وكف من ذهب، قالوا: لا. قال: فهما عندي سواء. فهذا قطع الهوى. قال له قائل: أشرح لنا هذا. وكيف يستوي هذان في القلب؟ قال: إن الناس إنما فرقوا بينهما، وفضلوا الذهب على التراب بالهوى، لما رأوا منفعة الذهب، فضلوه من أجل المنفعة؟

стр. 47

فينبغي لمن أراد التخلص من هذا، أن يروض نفسه، حتى يرى بنور اليقين الأشياء كلها مستوية، بمعنى أنها خلق الله تعالى، ثم يرى المنازل التي أنزلها الله تعالى، فبإنزاله إياها لها تلك المنزلة موافقة له، ولو شاء جعل المنفعة التي في الذهب، في الزجاج وفي الحجر، ولكان الذهب ساقط المنزلة عن القلوب، ألا ترى أن عمر ﵁ أراد أن يتخذ الدراهم من جلود البقر. فإنما ينبغي لك أن تفضل عندك شأن الدينار والدرهم، بما أنزل الله لا بهواك، ألا ترى لو أن رجلاً أتى سمرقند بعض هذه الكور التي تجوز فيها هذه الفلوس، كان للفلوس عنده قدر، إن افتقدها حزن، وإن وجدها فرح؛ فإذا تحول إلى كورة لا تجوز فيها تلك الفلوس، فلو رمى بها لم يبال؛ فهذا مما يدلك أن الذهب إنما عظم موقعه من القلوب لعظم منفعته، بأنه صار ثمناً للأشياء، فمن أجل ذلك بغض الله تعالى كثيراً من الناس من أجل أنهم رأوا منفعة الأشياء من الدينار والدرهم، لا من الله . فينبغي لك أن تروض نفسك وتفطمها عن هذه الأشياء، حتى يصفوا قلبك، ويسير باليقين، حتى ترى الدينار

стр. 48

والدرهم خلقين من خلق الله تعالى كسائر الخلق مبتدعاً، ثم تنزلهما بالمنزلة التي أنزلهما الله تعالى، فبإنزاله يفضلهما، ويرى المنفعة التي فيهما من خالقهما، فحينئذ يستوي عندك حالهما، في أنهما خلقان من خلق الله تعالى، فهذا عندنا معنى قول عيسى ابن مريم ﵉. فإذا غفلت عن النفس بعد رياضتها، فلا تأمن أن تعود إلى بعض عاداتها ما دامت الشهوات منها حية، والهوى قائماً، ألا ترى أن النفوس إذا ترك استعمالها وتعاهدها وعتقت، كيف يأخذ البيت الأسفل من البيت الأعلى، فكلما رميت بها سهماً أخطأ الغرض، كذلك النفس إذا تركتها حتى تقوى شهواتها، ويشتد حرها في الجوف، وتقوى ظلمة الهوى، أخذت من البيت الأعلى، وهو نور العقل ونور المعرفة ونور الروح ونور العلم، فتحرق بنيران الشهوات، من هذه الأنوار التي في القلب بقدر قوتها؛ وإذا قويت بنيران الشهوات ضعفت الأنوار، فيظلم الهوى على اليقين، فيتولد الشك على القلب من هذه الآفات، فتغلب على القلب هذه الآفات،

стр. 49

فمن ههنا يصرع، فهذا هو القلب المصروع، والمأسور في يد هواها؛ قلما خرج منه عمل من أعمال البر، ثم لم يصب الغرض، فوقعت رميته يميناً وشمالاً، وربما خرج منه فلم يبلغ الغرض لضعف القوس؛ وذلك أنه رمى عن قوس قد أصابتها الآفات والعلل؛ فكذلك آفة القلب الذي وصفنا، وربما أردت براً، مال بقلبك الهوى إلى الشهوات يميناً وشمالاً، حتى تحيد عن السبيل والسنة، وربما جاوزت الغرض، وربما ضعف قلبك، فعلمت بغير نية، فلم يبلغ عملك إلى ربك، كما قصرت الرمية عن الغرض؛ أفلا ترى كيف تعالج القوس وتحمى حتى تلين، فإذا لانت سويت، حتى يرجع البيت الأعلى إلى مكانه، وإنما زال عن مكانه لأن البيت الأسفل لما قوى وصلب مد البيت الأعلى بفضل قوته؛ فكذلك النفس لما قويت وصلبت شهوتها، انتشرت وهاج هواها، فأحرقت أنوار القلب، والقلب هو رطب بالأنوار، لأن النور هو من الله تعالى رحمة، والرحمة باردة، والقلب لين منقاد برطوبة تلك الأنوار،

стр. 50

فإذا احترق النور صلب القلب وقسا ويبس، فخف عن ذكر الله، ولهى عنه، فالمشروح صدره للإسلام، شرحه ربه (فهو على نور من ربه، فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله) فمدت النفس آلتها، فصار في سلطانها، كما يحمي القوس حتى تلين، ويتخلى عن البيت الأول. كذلك تراض النفس بأن تحمى، وهو أن يمنعها اللذات والشهوات، فتحزن، ويصيبها حرقات منع الشهوات في مصائبها، فبتلك تذل وتنقمع، وتلين وتتخلى عن القلب، فيرجع القلب إلى مكانه بنور المعرفة ونور العقل ونور العلم ونور فوائد العطايا؛ فكلما منعت النفس شيئاً من هذه الشهوات، خلت عنه كما وصفنا؛ كلما أعطيت النفس منيتها قويت، فصارت كالشجرة تثمر الحنظل والدفلي والمر والصبر والسموم القاتلة، فإن أردت ألا تنموا، فالتدبير فيما عقل العبد وفهمه، أن تحبس عنها الماء والسرقين والتراب الذي يلقى في اصله، حتى تيبس،

стр. 51

فتصير جذعاً لا يثمر ولا يرجع عليك بالضرر؛ ثم لا يزال جذعاً يعترض بين عينيك، يشغلك عما سواه من الأشجار، فتشعل فيه ناراً، حتى يذهب شخصه من بين عينيك، فإذا هو قد ذهب أثره، وذهب ذكره. وكذلك النفس: في التدبير أن تحبس عن النفس لذاتها وشهواتها، حتى تذهب ثمراتها من هذه السموم القاتلة، التي تميت قلبك في الدنيا، فتصير أعمى من العميان في الدنيا بصيراً في دين الله جل وعلا، فتقبل على مزبلة وهي الدنيا، وإنما هي قنطرة، تداولتك أيدي أسود وأبيض وهو الليل والنهار، حتى تؤديك إلى الخالق البارئ، المثيب المعاقب، فتعظم ما صغر الله، وتكرم من أهانه الله، وتدنى من أقصاه الله، وتتعلق بمن لا بد أن تفارقه، وتعمر ما أذن في خرابه؛ فإذا ذهب ثمراتها حبست عنها الفكرة فيها، والحديث عنها، والتذكر لها، حتى تيبس، ثم لا تزال تمنية شهواتها قائمة بينك وبين ربك، تفرح بالعطاء، وترضى بما تعطى به، وتروم ما لم تعط، وترى نفسها في الأشياء؛ فهي تحجبك وتشغلك،

стр. 52

حتى إذا منّ الله عليك بنور اليقين، فهي كالبرقة، كما تشعل شجرك ناراً، فيذهب أثره وذكره، كذلك البرقة تحرق قائمة نفسك، فيذهب أثرها وذكرها، ويبقى والها منفرداً به، فتكون الأشياء والأمور منك له وبه؛ فإذا أهملتها، وعجزت عن رياضتها، رجعت عليك بوبال عظيم، تعرض عن دار دعاك إليها رب العالمين، فقال تعالى: (والله يدعو إلى دار السلام)، أمنك من آفاتها، فنسبها إلى اسمه السلام من بين الأسماء؛ يعلمك أن لسكانها السلامة من الآفات، محشوة بالنعم، مشحونة بالرضوان، وتلهى عنه باللعب والباطل؛ كفى بهذا عاراً، وأنت عبد سخر الله لك الخلق والخليقة لم تنل حتى تكون ما عاشت قائماً بتربية حقوقه، ناظراً لأموره، معظماً لشأنه، ذاكراً له، ناشراً عنه الجميل، مشتاقاً بقلبك إلى لقائه؛ فأقبلت على تربيتك نفسك، وطلبك لها العز والجاه، والمنزلة من الخلق، والذكر على الألسنة؛ فهذه ربوبيته، فكيف تتفرغ للعبودية من طلب الربوبية؛

стр. 53

فاشتغلت عنه، فسهوت ولهوت عن ربك الكريم، الذي خلقك فسواك فعدلك، وجمل صورتك، ودعاك فأعطاك وحباك، وأملك ومناك، ومن عظيم الخطر ومن ظلمة الكفر نجاك. فهذا الذي وصفنا من تركك الشهوات وتجنبك اللذات، ليس تحريم الذي أحل الله لك، ولكن تأديب لنفسك، ورياضة لها، لأن هذه النعم إنما أمرت وأذن لك في تناولها، على الأدب الذي أدبت به على لسان الكتاب والرسول؛ فلما ساء أدبك لما فيه من أخلاط السوء التي مالت بك، لم تجد بداً من أن تعظمها مرة، حتى يجد القلب فراغاً إلى تعلم الأدب، فتأخذ طريقاً؛ فأما قلب معلق بالشهوات، مأسور باللذات، مقهور بالمنى، محبوس في سجن الهوى في بئر مظلم، فكيف يمكنه أن يتناول ما أعطى بإذن الله؛ فإن بعض من خفى عليه هذا النوع من العلم، كبر في صدره هذا، حتى ربما يفرح إلى الاحتجاج بقول الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما

стр. 54

أحل الله لكم، ولا تعتدوا، إن الله لا يحب المعتدين). وبقوله تعالى: (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق). فهذا من الاحتجاج تعنيف، ومن القول تحريف، لأنا لم نرد بهذا التحريم، ولكن أردنا تأديب النفس، حتى تأخذ الأدب، وتعلم كيف ينبغي أن تعمل في ذلك؛ ألا ترى إلى قوله جل وعلا: (إنما حرّم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن، والأثم بغير الحق). فالبغي في الشيء الحلال حرام، والفخر حرام، والمباهاة حرام، والرياء حرام، والسرف حرام، فإنما أوتيت النفس هذا المنع من أجل أنها مالت إلى هذه الأشياء بقلبها، حتى فسد القلب، فلما رأيت النفس تتناول زينة الله والطيبات من الرزق، تريد بذلك تغنياً أو مباهاة أو رياء، علمت أنها خلطت حراماً بحرام، فضيعت الشكر، وإنما رزقت لتشكر لا لتكفر؛

стр. 55

فلما رأيت سوء أدبها منعتها، حتى إذا ذلت وانقمعت، ورآني ربي مجاهداً في ذاته حق جهاده، هداني سبيله كما وعد تعالى: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا، وأن الله لمع المحسنين). فصرت عنده بالمجاهدة محسناً فكان الله معي، ومن كان مع الله فمعه الفئة التي لا تغلب، والحارس الذي لا ينام، والهادي الذي لا يضل؛ وقذف في القلب من النور نوراً عاجلاً في دار الدنيا، حتى يوصله إلى ثواب الآجل؛ ألا ترى إلى ما جاء عن رسول الله ﷺ أنه قال: (إذا قذف النور في قلب عبد انفسح وانشرح، قيل: يا رسول الله، فهل لذلك من علامة؟ قال: نعم، التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل نزوله)؛ وإنما تجافى عن دار الغرور، بما قذف في قلبه من النور، فأبصر به عيوب الدنيا ودواهيها وآفاتها وخدعها وخرابها، فغاب عن قلبه البغي والرياء والسمعة والمباهاة والفخر والخيلاء

стр. 56

والحسد، لأن ذلك إنما كان أصله من تعظيمه الدنيا، وحلاوتها في قلبه، وحبه لها؛ وكان سبب نجاته من هذه آفات برحمة الله رياضته هذه النفس، بمنع الشهوات منها. وهذا في الآثار موجود قائم عن السلف، قد سارت به الركبان، من غير وجه؛ حدثنا محمد بن سهل، قال: حدثنا عمر بن منصور القيسي قال: حدثنا عبد الواحد بن زيد، عن الحسن، قال قال رسول الله ﷺ لأصحابه ذات يوم: (ماذا تقولون في صاحب إذا أنتم أكرمتموه ورحمتموه وأطعمتموه وسقيتموه، دعاكم إلى شر غاية؛ وإذا أنتم أهنتموه وأعريتموه وأجعتموه وأعطشتموه وأتعبتموه، دعاكم إلى خير غاية؟ قالوا: يا رسول الله، هذا شر صاحب في الأرض. قال: إي والذي بعثني بالحق، هي أنفسكم التي بين جنوبكم).

стр. 57

وحدثنا صالح ابن محمد، قال: حدثنا أبو مقاتل، عن ابن عون بن أبي راشد، عن الحسن ﵁، قال: بلغنا عن عيسى ابن مريم ﵊، قال في خطبته: (لا تضرين بكم الشهوات، فإنها أشد حراً في الجوف من النار، وأشد سكراً من الخمر، وإنكم لا تدرون ما تأملون، إلا بالصبر على ما تكرهون، ولا تنالون ما تحبون، إلا بترك ما تشتهون). حدثنا عمر عن سهل بن تمام، عن عمار بن منصور، عن ابن عباس ﵄، عن رسول الله ﷺ ، قال: طهروا قلوبكم بقلة الطعام تصفوا، فترق وتصلب وتستعف)؛ فصفاؤها لله، وصلابتها في الدين، ورقتها للأخوان، واستعفافها في ذات الله تعالى. فعالج قلبك حتى تعتقه من رق النفس بما وصفت، فإذا كان كذلك صفا قلبك من كدورة الأخلاق، وطهر من شهوة الآثام، فاستقر اليقين فيه، لأن اليقين لا يستقر حتى يرى مكاناً ظاهراً، فتحيا القلوب وتصلب، لأنه من الله، قد قرب عبده واصطفاه، فيصير حينئذ ما غاب عن العين من أمور الآخرة، وأمور الملكوت، بعين قلب، فهو كالبرق في

стр. 58

ليلة ظلماء، إذا برقت أبصرت بعين رأسك جميع ما غاب عنك في تلك الظلمة، من بئر أو جرف أو واد؛ أو ما ترى إلى حديث حارثة؟ حدثنا بذلك عبد الجبار بن العلاء، قال: حدثنا يوسف بن عطية، عن أنس، قال: بينما رسول الله ﷺ يمشي إذ استقبله شاب من الأنصار، فقال له النبي ﷺ : كيف أصبحت يا حارثة؟ قال: أصبحت مؤمناً بالله حقاً، قال: فانظر ما تقول، فإن لكل قول حقيقة. قال: يا رسول الله، عزفت نفسي عن الدنيا، فأسهرت ليلي، وأظمأت نهاري، وكأني بعرش ربي بارزاً، وكأني أنظر إلى أهل الجنة كيف يتزاورون، وكأني أنظر إلى أهل النار كيف يتعاون فيها. قال: عرفت فالزم. عبد نور الله الإيمان في قلبه. فقال: يا رسول الله، ادع الله لي بالشهادة. فدعا له رسول الله ﷺ ، فنودي يوماً في الخيل،

стр. 59

وكان أوّل فارس استشهد، فبلغ أمه، فجاءت إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، أخبرني عن ابني، إن يك في الجنة لم أبك عليه ولم احزن، وإن يك غير ذلك بكيت عليه ما عشت. قال: يا أم الحارث إنها ليست الجنة، ولكن جنة في جنان؛ والحارث في الفردوس الأعلى. فرجعت وهي تضحك وتقول بخ بخ لك يا حارثة. أفلا ترى أنه لما راض نفسه بأن قال: عزفت نفسي عن لذات الدنيا وشهواتها، فكأني أنظر إلى عرش ربي، فصارت الأمور الغائبة عنده معاينة، فعمل على الحقائق، وذهب الجهل، لأنه من نصب وتعب وعمل على المعاينة، زال الجهل عنه؛ ومن عمل على غير المعاينة، فهو في جهد عظيم، ومخاطرة عظيمة من قبل نفسه، إلا من عصم الله تعالى، لأنه كالسائر في الظلمة: أحياناً يمشي، وأحياناً تنهشه حية، أو تلدغه عقرب، لا يبصر أين يضع قدمه، فهذه مخاطرة. وأما جهده ثقل نفسه، فإنما ثقل أنه لم يعاين ما ثمرة هذه الأمور؛ هو بمنزلة رجل قيل له: احمل هذه الحمولة، فثقل عليه، فهو يجد ثقلها على فؤاده،

стр. 60

فقيل له: أحمل، ولك هذا الدينار، فاستمر بالحمولة، ونهض بأعباء ثقلها، فوجد خفة الحمولة، لأنه قوي القلب بما عاين من الدنيا، فقويت الأركان؛ أو قيل له أحمل هذه الحمولة، فثقل عليه، فعلاه بالسيف أو بشعلة نار، فخلص إليه الخوف، فاحتمله، فوجده خفيفاً، لأن القلب قد عزم على احتماله، هرباً من السيف، أو قيل له احمل هذه الحمولة، فثقل عليه، فقيل له: هذا الملك وأنت بعينه ينظر إليك، فوجد القلب قد انتقل عن حالته، إجلالاً للملك، فاستمر بالحمولة وقوى القلب، فإنما أدرك حمل هذه الحمولة بما عاين، فكذلك صاحب النفس قد عاين وشاهد قلبه، مما هو أكثر مما هاهنا من معاينة بصر الرأس في دار الدنيا؛ فالقلب الموقن، صفته إذا تناول النعمة، فكأنما يتناولها من خالقه، فيأخذها بحياء، ومرة بحلاوة، ومرة بمهابة، ومرة بخوف؛ وإذا نزلت به بلية أبصر بنور يقينه إلى أموره، اختار له هذا، فظن به أحسن الظنون، لأنه أيقن أنه به أرحم منه بنفسه

стр. 61

وأرأف، فأتمن ربه، واتهم نفسه، وقال: ربي أعلم بما اختار لك، فإن لم أصلح على اختياره وتقديره، لم أصلح على اختيارك وتقديرك أيتها النفس، واختيارك أنزل بي هذه البلية لإحدى خلال: إما تكفيراً لخطيئة استوجب بها هذا العذاب الأكبر، وإما رفع لي درجة يقربني إليه، وإما بينهما لأمر عظيم، أو عصمني من ذنب، أو صرف عني داهية، أو عالجني بعقوبة، لأن يرفع عني عقوبة الآخرة، ففي كل هذا خير. وأما العارف فإنه أجمله، فقال: هو مشيئة ربي، فمشيئته أحلى عندي وأعظم على قلبي، من نفسي وجميع جوارحي، وهؤلاء قوم ولهت قلوبهم لديه، فصارت أحكامه التي رضيها لهم منية قلوبهم، من إجلالهم له وإعظامهم. عدنا إلى صفة الموقن وإذا ذكر الرزق وثق بالضمان، واطمأن بوفائه، فإن طلب طلبه مع سكون القلب، على حد ما أمر به، فإذا

стр. 62

عرض له في ذلك شيء يكون فيه نقصان من حظه من الله تعالى، واعرض عنه، وتوجه إلى ربه ينتظر من أين يفتح؛ والعارف تخلص من هذا كله، من الضمان والوفاء، وشغل عن طلب الرزق بالرزاق، فقلبه في البحر الأكبر، قد تعلق قلبه به، فإذا ذكر المنة غرق، وإذا ذكر العافية قلق، وإذا ذكر حلول الأجل شرق، وإذا ذكر العيوب عرق، وإذا ذكر الرعاية والكلاءة ومق، وإذا رأى اللذات في الطاعة مئق، وإذا ذكره تئق، وإذا حن إليه واشتاق غرق في أثقال المنة، وعظمت آماله فيما لديه، وقلق من خوف زوال الإيمان، وشرق بغصته من حلول الأحزان، لطول الحبس عنه في دار الدنيا، وغرق من الحياء لما يرى من عظيم بره ولطفه، وجميل نظره، وحسن عوائده، ومن جميل صنائعه، ومن هرب النفس منه، وإعراضه عن حقوقه، وإظهار جفوته؛ وهو من عظيم عطفه عليه في كلاءته ورعايته، واصطناعه إليه؛ ومئق لما يرى من فتح باب الدعة، وإكرامه بالطاعة،

стр. 63

وتقريبه إياه بما يمكن له مكن الخدمة، وتئق من طول الغربة، وشدة الحنين، فأنسه به، وسكونه إليه، وهو ملجؤه وثقته، وكهفه وسنده ورجاؤه، لا يتهمه على نفسه، ولا يسئ به الظن في نوائبه، بحسن معرفته بربه أنه غفور رحيم، ودود حميد مجيد، واحد صمد قيوم، كفيل وكيل، جواد كريم، حنان منان، حي لا يموت، لطيف بعباده، بر رحيم، شكور غفور، حليم عفو رءوف، معروف بالمعروف، محسن مفضل، فضله عظيم، إحسانه دائم، كرمه ظاهر، فاطمأن قلبه، كما وضفه ربه، فقال تعالى: (الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله، إلا بذكر الله تطمئن القلوب). وقال الله تعالى: (الله نزل أحسن الحديث) إلى آخر

стр. 64

الآية؛ فبين أن القشعريرة إنما هي من الخشية، فإذا ذكروه في كرمه وجوده، ورأفته ورحمته، لانت جلودهم وقلوبهم. قال له قائل: فما بالنا نسمع هذا العلم فنفهمه ونعقله، ولا يبقى على القلب منه شيء؟ قال: لأن نيران الشهوات في الخوف قد التهبت، فهي نيران سود، مظلمة بالهوى، وهي مؤدية إلى نار الله الكبرى، فإذا التهبت ارتفع إلى القلب، وأحرق تلك الأنوار، فخلا القلب من الموعظة والعلم الذي عليه، وهي شبيهة بالنار التي تلهب حمرتها، فتحتاج إلى ماء كثير حتى تطفئه، كلما ألقيت عليه قبضة من شئ، أو رششت عليه قليل ماء، انطفأ قليلاً ثم التهب، فكذلك صاحب الشهوة، إذا سمع الموعظة ذبل قلبه، وتخسفت نفسه، لما يصل إليه من الخوف، لأن الوعيد مما تنكسر به النفس، وتخمد شهواتها؛

стр. 65

ألا ترى أن الرجل يكون في لذة من لذات الدنيا ونشاط، فإذا بلغه وعيد من السلطان انكسر، وذهب نشاطه، فوعيد الله تعالى لو خلص إلى القلب، لكانت النفس والشهوات أشد انكساراً، ولكن لا يصل ذلك إلى القلب، فهو صلب أبداً، فرح مرح، أشر بطر، فهو ينور بلهب، فإنما يطفأ بالماء الكثير الغالب، وهو العلم المؤدي إلى الخوف والوعيد، وليس يوجد هذا، فما الحيلة في ذلك؟ قال: إنا لا نعلم له حيلة، إلا أن يمنع من إلقاء الحطب عليه، فإنه متى زاده وقوداً اتقد، ونار والتهب وقوى، ومتى ما حبس عنه وقوده خمد، حتى يصير رماداً، ويذهب حر التنور؛ كذلك ههنا، يحبس عنها الشهوات حتى تخمد، فتذهب فورتها والتهابها، فحينئذ تتخلص أنوار القلب، ويقوي ويعمل العقل عمله، ووجدنا في مبلغ عملنا أن الذي جاء في الحديث عن رسول الله ﷺ ، أن النار تنادي يوم القامة للمؤمن: جز يا مؤمن، فقد أطفأ نورك لهبي؛

стр. 66

هذا معناه أن من عالج شهوات نفسه وهواه حتى يقهرها وتتخلص أنواره، ويقوى على قلبه، فقد أطفأ نور قلبه نيران شهواته المظلمة بالهوى، فهو النور يوم القيامة، حتى يطفئ ذلك النور لهب النار عنه؛ ومن لم يعالج هذا من نفسه، وخرج من الدنيا مع هذه النيران سوداء مظلمة، خفت من ألا يقوى نوره على أن يطفئ لهب النيران على الصراط، لأنه لم يكن له نور على القلب يطفئ نيران شهواته، وخرجت منه أعمال البر محترقة، مخلطة برياء، لأن عامة ما يعمل من الطاعات إنما يعمل بهواه، وبما يخف عليه، وبما تنشط له النفس وتستحيله، لا ينظر إلى ما يختار الله له، ولا يقبل علمه من ربه، إنما هو عامل لربه على التملك والاقتدار، والاختيار للأحوال، حتى ربما حمله ذلك على ترك الواجب، في جنب ما يتطوع به، وهذا موجود في الخلق، ترى الرجل يصلي بالليل، ويعق والديه، ويصوم النهار، ويسوء خلقه في شأن فطوره وسحوره، ويغتاب الناسي، وينفق في أعمال البر، ويكتسب الشبهات، ويعود المرضي، وينقل الجنائز، ويؤذي المسلمين، ويطلب عوراتهم، ويعود

стр. 67

الأباعد، ويقطع الأرحام فهذا رجل جاهل بربه، يعبده بالهوى، كلما هوى أمراً ركبه، وكذب فيما يقول إني أريد به الله. وإنما أتى فساد الخلق من إهمال النفس، وترك تأديبها، وقلة النظر في أمر الله تعالى، وجهلهم به، فلو عرفوه لاستراحوا من خدع النفس ودواهيها، لأن النفس إنما تطمع بمخادعة من يجهل ربه، فأما العلماء بالله، العارفون بالنفس، والشيطان أقل وأذل هناك أن يطمعها في خدعهم، لأن النفس إنما تظلم وتوسوس على القلب الشهواني، الذي قد أسره الهوى، وليس لنور الطاعة في القلب ما يغلب الهوى والشهوات، وإنما القوة الغالبة نور المعرفة، فمن أستنارات معرفته كانت أموره على بينة ومعاينة، وذلك قوله تعالى: (أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو علة نور من ربه. . .) الآية، فوصف رسول الله ﷺ علامات بالإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد

стр. 68

للموت قبل نزوله، ومنه قول حارثة: كأني أنظر إلى عرش ربي بارزاً، فقال رسول الله ﷺ : عرفت فالزم؛ من سرّه أن ينظر إلى عبد نوّر الله الإيمان في قلبه فلينظر إلى هذا. وما جاء عن رسول الله ﷺ أنه قال له رجل: علمي غرائب العلم. قال: ما صنعت في رأس العلم؟ عرفت الرب؟ قال: نعم. قال: فما صنعت في حقه؟ قال: ما شاء الله. قال: هل عرفت الموت؟ قال: نعم: قال فما أعددت له؟ قال: ما شاء الله. قال: أذهب فتعلم رأس العلم، ثم تعال أعلمك غرائب العلم.

стр. 69

أفلا ترى أنه أمره بتعلم المعرفة، وسماه رأس العلم، فقد كان مسلماً، لأنه سأله أن يعلمه غرائب العلم، وأنه كان أخبر بتلك المعرفة؛ فلما سأله: هل عرفت الرب؟ أجابه عن معرفته، فلما سأله عن الامتحان عما صنع في حقه، انقطع الرجل، فقال ما شاء الله. وما جاء عن عمر بن الخطاب ﵁، حدثنا بذلك صالح بن محمد، قال: حدثنا القاسم العمري، عن عاصم بن عبد الله بن عامر بن ربيعه، عن أبيه: أن رجلاً أثنى على رجل عند عمر رضي اله عنه، فقال: صحبته في سفر؟ فقال: لا. قال: فأتمنته على شيء؟ قال: لا. قال: ويحك! لعلك رأيته يخفض ويرفع في المسجد. ومثل ذلك عندنا مثل رجل رأى قوماً لم يعرفهم إلا بالوجوه هكذا، فتعرف أحوالهم، فوصف له رجلا رجلا، فقيل له: أما هذا الواحد فهو عالم لا يوجد له في الدنيا نظير، لتبحره في العلم، فعظم في عينه، وأخذ من قلبه شعبة؛

стр. 70

ثم قال له: هذا الرجل الآخر غني، لا يوجد له في الغنى نظير، فعظم في عينه، وأخذ من قلبه؛ ثم قيل له: وهذا الآخر كريم، لا يوجد له في الكرم نظير، فعظم في عينه، وأخذ من قلبه؛ وقيل له هذا الآخر صانع الأشياء، لا يوجد له نظير في كل صناعة، فعظم في عينه، وأخذ من قلبه؛ قيل له: وهذا الآخر كفيل، يكفل الأرامل والأيتام، والضعفاء والفقراء، لا يوجد له نظير في رأفته ورحمته، فعظم في عينه، وأخذ بقلبه؛ ثم قيل له هذا الآخر شكور، عارف بالحقوق، إن أتيت أدنى شيء شكرك الكثير، ونشر عليك الجميل، فعظم في عينه، وأخذ من قلبه؛ ثم قيل له: ولهذا مملكة وعز، ومنعة وسلطان، قد ملك المشرق والمغرب، فعظم في عينه، وأخذ من قلبه؛ ثم قيل له: وهذا قوي لا يطاق، له قوة ألف رجل من الرجال، فعظم في عينه، وأخذ من قلبه؛ فكل رجل منهم يوصف بواحدة من هذه الخصال، يأخذ من قلبك شعبة، ويعظم في عينك شأنه، وقبل ذلك لم يكونوا على قلبك هكذا؛

стр. 71

فلو أن هذه الخصال كلها جمعت في رجل واحد، لكان يعظم في عينك، ويكبر شأنه في صدرك، وتعظم منزلته عندك، ويأخذ بقلبك كله؛ فهذه الأشياء لو اجتمعت في رجل واحد كانت عارية، وهي عطاء من ربه، فعندئذ لا يكون من ملكه رأس إبرة وهو مخلوق يفنى ويبلى، فكيف بالعالم الذي لا يشبه علمه وغناه، وجوده وكرمه، وحلمه ومجده، وبهاؤه وجمالته، ورحمته ورأفته، وقوته وقدرته، وسلطانه وبصره بالأشياء، شيئاً مما عند الآدميين، وإنما اتفقا بالاسم، فأما الأشباه فتعالى ربنا رب العالمين عن أن يشبهه شيء من خلقه؛ فإذا عرفت هذا من ربك فكيف يكون على قلبك أموره، ووعد ووعيده، وضمانه وكفالته وقوته؟ فمن استنار قلبه بالمعرفة سكن قلبه واطمأن إلى ربه، ووثق بقوله، فعظمت منزلة المؤمنين عند الله تعالى، حين قبلوا الإيمان بالجملة، ثم أستأداهم الوفاء عند النوائب، فمنهم من وفى، ومنهم من سقط، وبقى في الطرق، فأظلم عليه الهوى، ووقع من التخليط في الذنوب؛

стр. 72

ومنه ما حذر الله صفيه داود ﵇، فقال: (إنا جعلناك خليفة في الأرض، فاحكم بين الناس بالحق، ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله)، فلإنسان مطبوع على سبعة أخلاق: على الغضب، والرغبة، والرهبة، والشهوة، والغفلة، والشك، والشرك. فالخلق كلهم أقروا بأن الله تعالى فطر الناس عليها؛ ألا ترى إلى قوله تعالى: (قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون؟ سيقولون لله، قل أفلا تذكرون. قل من رب السموات السبع ورب العرش العظيم؟ سيقولون لله. قل: أفلا تتقون؟ قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون؟ سيقولون لله. قل فأنى تسحرون). وقوله تعالى: (ولئن سألتهم من خلق السموات

стр. 73

والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله، فأنى يؤفكون). (ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد موتها؟ ليقولن الله؟ قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعقلون). فأقروا له تعالى بالربوبية من غير عقل، ثم أشركوا به غيره في ملكه، فقال تعالى: (وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون) فأقروا لله بالربوبية، ثم أشركوا فيه لأنهم نطقوا من قلب مظلم، وقد ضرب الله تعالى لهم مثلاً في كتابه فقال: (يكاد البرق يخطف أبصارهم، كلما أضاء لهم مشوا فيه، وإذا أظلم عليهم قاموا).

стр. 74

وقال: (كمثل الذي استوقد نارا، فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم، وتركهم في ظلمات لا يبصرون). فأقروا له بالربوبية، ثم غفلوا عنه ونسوه، فهذا الشك والشرك والغفلة فيه، ثم الغضب مركب فيه، والشهوة كذلك، فالرغبة في النفس من قبل النفس، والرهبة في النفس من أجل النفس، والخلق بهذه الصفة من مات منهم فإن جهنم موعدهم، لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم، فإنما قسمت على الأبواب هذه الأجزاء لهذه السبعة الأخلاق، فكل من غلب عليه خلق من هذه الأخلاق نسب إليه، وألقى في ذلك الباب، وعذب في ذلك الدرك. وما يصدق ذلك ما جاءنا عن رسول الله ﷺ ، قال: للنار باب لا يدخل منه إلا من شفى غيظه بسخط الله

стр. 75

تعالى، حدثنا بذلك أبي ﵀، قال: حدثنا عبد الله بن نافع الدينوري، عن إسماعيل بن شيبة الطائفي، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس ﵄، عن رسول الله ﷺ ، قال: من منّ الله عليه من ولد آدم بالمعرفة، وجعل له نوراً يمشي به في الناس، كان له ولياً، يخرجه من الظلمات إلى النور، وكان ميتاً فأحياه. ووصف ذلك كله في كتابه، فقال تعالى: (أو من كان ميتاً فأحييناه)، وقال: (الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظالمات إلى النور). وقال: (ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور). وقال: (مثل نوره كمشكاة فيها مصباح).
следующие страницы →