Полный текст (110 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
فلو أن هذه الخصال كلها جمعت في رجل واحد، لكان يعظم في عينك، ويكبر شأنه في صدرك، وتعظم منزلته عندك، ويأخذ بقلبك كله؛ فهذه الأشياء لو اجتمعت في رجل واحد كانت عارية، وهي عطاء من ربه، فعندئذ لا يكون من ملكه رأس إبرة وهو مخلوق يفنى ويبلى، فكيف بالعالم الذي لا يشبه علمه وغناه، وجوده وكرمه، وحلمه ومجده، وبهاؤه وجمالته، ورحمته ورأفته، وقوته وقدرته، وسلطانه وبصره بالأشياء، شيئاً مما عند الآدميين، وإنما اتفقا
بالاسم، فأما الأشباه فتعالى ربنا رب العالمين عن أن يشبهه شيء من خلقه؛ فإذا عرفت هذا من ربك فكيف يكون على قلبك أموره، ووعد ووعيده، وضمانه وكفالته وقوته؟ فمن استنار قلبه بالمعرفة سكن قلبه واطمأن إلى ربه، ووثق بقوله، فعظمت منزلة المؤمنين عند الله تعالى، حين قبلوا الإيمان بالجملة، ثم أستأداهم الوفاء عند النوائب، فمنهم من وفى، ومنهم من سقط، وبقى في الطرق، فأظلم عليه الهوى، ووقع من التخليط في الذنوب؛
стр. 72
ومنه ما حذر الله صفيه داود ﵇، فقال: (إنا جعلناك خليفة في الأرض، فاحكم بين الناس بالحق، ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله)، فلإنسان مطبوع على سبعة أخلاق: على الغضب، والرغبة، والرهبة، والشهوة، والغفلة، والشك، والشرك. فالخلق كلهم أقروا بأن الله تعالى فطر الناس عليها؛ ألا ترى إلى قوله تعالى: (قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون؟ سيقولون لله، قل أفلا تذكرون. قل من رب السموات السبع ورب العرش العظيم؟ سيقولون لله. قل: أفلا تتقون؟ قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون؟ سيقولون لله. قل فأنى تسحرون). وقوله تعالى: (ولئن سألتهم من خلق السموات
стр. 73
والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله، فأنى يؤفكون). (ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد موتها؟ ليقولن الله؟ قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعقلون). فأقروا له تعالى بالربوبية من غير عقل، ثم أشركوا به غيره في ملكه، فقال تعالى: (وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون) فأقروا لله بالربوبية، ثم أشركوا فيه لأنهم نطقوا من قلب مظلم، وقد ضرب الله تعالى لهم مثلاً في كتابه فقال: (يكاد البرق يخطف أبصارهم، كلما أضاء لهم مشوا فيه، وإذا أظلم عليهم قاموا).
стр. 74
وقال: (كمثل الذي استوقد نارا، فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم، وتركهم في ظلمات لا يبصرون). فأقروا له بالربوبية، ثم غفلوا عنه ونسوه، فهذا الشك
والشرك والغفلة فيه، ثم الغضب مركب فيه، والشهوة كذلك، فالرغبة في النفس من قبل النفس، والرهبة في النفس من أجل النفس، والخلق بهذه الصفة من مات منهم فإن جهنم موعدهم، لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم، فإنما قسمت على الأبواب هذه الأجزاء لهذه السبعة الأخلاق، فكل من غلب عليه خلق من هذه الأخلاق نسب إليه، وألقى في ذلك الباب، وعذب في ذلك الدرك. وما يصدق ذلك ما جاءنا عن رسول الله ﷺ ، قال: للنار باب لا يدخل منه إلا من شفى غيظه بسخط الله
стр. 75
تعالى، حدثنا بذلك أبي ﵀، قال: حدثنا عبد الله بن نافع الدينوري، عن إسماعيل بن شيبة الطائفي، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس ﵄، عن رسول الله ﷺ ، قال: من منّ الله عليه من ولد آدم بالمعرفة، وجعل له نوراً يمشي به في الناس، كان له ولياً، يخرجه من الظلمات إلى النور، وكان ميتاً فأحياه. ووصف ذلك كله في كتابه، فقال تعالى: (أو من كان ميتاً فأحييناه)، وقال: (الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظالمات إلى النور). وقال: (ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور). وقال: (مثل نوره كمشكاة فيها مصباح).
стр. 76
فوصفه إلى آخر الآية. قال: (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام). ثم قال: (لهم دار السلام عند ربهم وهو وليهم بما كانوا يعملون)، إخبار عن المنة عليهم. فلما استنار قلب المؤمن بالنور الذي أعطى، نطق لسانه بتوحيده، وعرف قلبه ربه، وصدقه في وعده ووعيده، فأستسلم وألقى يديه، فذهب عن الشك والشرك والغفلة، فتيقظ وأيقن وأخلص، وبدّل بالغفلة اليقظة، وبدّل بالشك اليقين، وبدل بالشرك الإخلاص، وبقيت فيه الشهوة والرغبة والرهبة والغضب، وكلما أزداد العبد في إيمانه نوراً وقوة وشعاعاً، تنقص من الغضب والشهوة، والرغبة والرهبة، فكل مؤمن على قدر إيمانه يكون من هذه السبعة باقية فيه، يغفل عن ربه، وتعتريه الظلمة كالشك
وليس بالشك، ولكنه ريبة القلب واضطرابه وتغيره، كالشرك وليس بشرك، ولكنه شرك الأسباب الموضوعة، فيتعلق بالأسباب، يكون اعتماد القلب على الأسباب، وينسى ربه، لا لأنه يجحده،
стр. 77
إذا ذكر أقر، وإذا نسى تعلق قلبه بالأسباب، حتى يفتتن: والأسباب مثل الحصن يدخل فيه الخائف، والسلاح يأخذه فيتقوى، فيكون اعتماده على الحصن والسلاح، وينسى ربه، وكالدواء ليستشفى به، فينسى ربه في شأن الرزق، يطلب ويسعى ويغفل عن ربه حتى يفتتن، فإذا ذكر لا يعمل فيه ذلك الذكر، وجميع الخلق أسباب، القلب حائل بينه وبين رؤيته ذلك من ربه، وهو سبب المعصية والفتنة؛ فإذا استنارت معرفته فعلمت، كانت كالشمس تشرق في قلبه بالأسحار، ولا ظلمة ولا غبار، فصارت الأشياء له معاينة، فتخلص القلب حينئذ من الأسباب، إلى ولي الأسباب، ومنه قول عيسى بن مريم ﵇: لو أن رجلاً مستكمل الإيمان يهز جبلاً لزال عن مكانه؛ ومنه قوله لبعض الحواريين حين أراد أن يلحقه في البحر، فيمشي على الماء معه: هات يدك يا قصي الإيمان، ثم مشى به في موج البحر،
стр. 78
فقال: خفت الموج؟ قال: نعم. قال: ألا خفت رب الموج؟ ومنه قول رسول الله ﷺ : من أحب لله، وأبغض لله، ومنع لله، وأعطى لله، ونصح لله، فقد استكمل الإيمان: ومنه قوله ﷺ لسلمان ﵁: قل اللهم إني أسألك صحة في إيمان، وإيمانك في حسن خلق، ونجاحاً يتبعه فلاح، ومغفرة منك ورحمة ورضواناً.
وفي هذا الباب حديث كثير عن رسول الله ﷺ ؛ ومنه قول الحسن البصري ﵀ عليه في تفسير قوله تعالى: (ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه)، قال: غير مستكمل الإيمان: (فأولئك لهم الدرجات العلى، جنات عدن تجري من تحتها
стр. 79
الأنهار خالدين فيها، وذلك جزاء من تزكى). أي تطهر من الأسباب، وهو هذه الأخلاق السبعة، فهم أهل الدرجات العلى في
جنات عدن، وهم الصديقون رفقاء الأنبياء؛ فمن هاهنا قالوا بزيادة الإيمان، سموا هذا النور الذي يزداد العبد بربه معرفة به إيماناً، كالشمس شعاعها الذي يقع بالأرض تسميه شمساً، والذي يطلع في المجرى تسميه شمساً، لأن هذا منه، ومنه قول رسول الله ﷺ : إن من أمتي رجالاً حال بينهم العرى عن أن يأتوا مصلاهم، يمنعهم إيمانهم أن يسألوا الناس، منهم أويس القرني، وفرات من حباب العجلى، رحمة الله عليهما. حدثنا الفضل بن محمد قال: حدثنا زهير بن حرب، حدثنا ابن مهدي وعبد الله ابن الأشعث، عن سوار، عن محارب بن دثار، عن رسول الله ﷺ بذلك،
стр. 80
فسموا هذا النور إيمانا، وذلك جائز في اللغة؛ وعلى هذا التأويل قول الحسن ﵀ (غير مستكمل الإيمان)، أي لم يستكمل النور؛ فوجدنا التبحر في العلم بالله بحسن المعرفة يملأ القلب نوراً، يحرق ذلك النور جميع نيران النفس، من الشهوات الهاوية في القلب إلى الإخلاد والتمكث، فلذلك تراه في الآخرة يطفئ نوره نيران الآخرة والتمكث على الجسر، وهكذا صفة المؤمن يومئذ على الجسر. قلنا كان أصل هذا الأمر، والمدار عليه، هو الإيمان به، وحسن المعرفة له، كما وصفنا، من السكون والطمأنينة، والثقة به، والركون إليه، على قدر ضعف اليقين وقوته، كما ذكرنا بديا؛ امتحن الله تعالى بفرائضه وحدوده وأمره ونهيه، ونهاهم عن أشياء، وشهوات تلك الأشياء مركبة فيهم، وأمرهم بأمور، فثقل عليهم إتيانها، وحد لهم حدوداً، فمد هواهم إلى مجاوزتها، وإلى التقصير فيها، والقعود عن إتمامها، ليظهر ما في ضمائرهم، ومقادير إيمانهم في الضعف والقوة، لخلقه من في السموات والأرض
стр. 81
والملائكة وسائر الخلق، لكي إذا رفع بعضهم فوق بعض في الدرجات، لم ير أحد من خلقه من الملائكة والسموات والأرض وسائر الخلق أحكامه بين عباده إلا جميلاً؛ وابتلاهم بالطاعة، وبالحدود والفرائض، والأمر والنهي، فقال: (ولنبلونهم حتى
نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم). أي يستخرج أسرار ضمائرهم، حتى يكون عذري يوم القيامة قائماً، وأمري ظاهراً، فلا يرى خلقي مني ذلك إلا حسناً جميلاً ومعروفاً؛ فلما علم أنهم يضيعون حدوده وفرائضه، من أجل الشهوات المركبة فيهم، وضعف الإيمان، وقلة اليقين، علم أنه سيكون من هذا الخلق أمور تحدث أسبابها من الهوى والشهوات، وقلة المعرفة بأمور ربه، وضعف اليقين، وزجرهم عن أشياء رحمة منه عليهم، وتعظيماً لهم، لأن من آمن ودخل في ولايته وحزبه صار سعيداً بجنته، فحرم
стр. 82
دماءهم وأموالهم وأعراضهم، بعضهم على بعض، وحرم عليهم الغيبة، والبهتان، والزور، والتجسس، وسوء الظن، وهتك الستر، وطلب العورات، والجهر بالسوء والأذى، وحرم عليهم الزنا، لأن فيه الغيرة والأذى بعضاً لبعض، وحرم الخمر، لان فيها الأذى وتلف النفس وإهلاكها، وحرم الربا، ودل على المواساة والتقارض، وقال: (ولا تنسوا الفضل بينكم)؛ ففي ذلك دليل على حضهم، ومنع بعضهم من بعض، وحضهم على البر بعضهم لبعض، إبقاء عليهم، ومرفقاً لهم، لأنهم أهل خاصته وصفوته، ودعا إلى الصلوات الخمس، ليطهر أبدانهم، ودعاهم إلى الزكاة ليطهر أموالهم، ودعاهم إلى الجمعة، ليطهر خطاياهم، ودعاهم إلى الحجّ، ليعتق رقابهم من عظائم الإثم، ودعاهم إلى صلة الأرحام، ليرحم بعضهم بعضاً فيرحمهم، ودعاهم إلى الجهاد، ليتخذ منهم شهداء، ويرفعهم في الدرجات، ثم دعاهم إلى نوع آخر من العبادة، ودعاهم إلى بر الوالدين، ليقوم بشكرهما من أجل التربية، لأنه يبغض الكفور،
стр. 83
ودعاهم إلى الإحسان إلى الجار، وإلى ذي القربى، وإلى الصاحب بالجنب، وإلى الضيف والمملوك؛ وكل هؤلاء أهل حقوق؛ ودعاهم إلى الإحسان إليهم، ليكون ذلك شكراً لهم؛ فهذه الأشياء كلها عبادة تعبدهم بها.
فأما أصل الأمر، فهو ما وصفته لك في أول الكتاب، أنه دعاهم إلى أحكام
المعرفة، حتى يسكنوا إليه، فقلب العبد من قبل أن يؤمن أغلف، وللقلب عين وآذان، فإذا كان العبد ممن خلقه الله تعالى للرحمة، وسبقت له منه الحسنى، جعل له ذلك النور كما أنطق به الكتاب، فقال: (أو من كان ميتاً فأحييناه). أي بذلك النور؛ وهو قوله: (وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس). ولا نرى ذلك النور إلا ما جاءت به الأخبار عن رسول الله ﷺ ، قال: (إن الله خلق الخلق في ظلمة، ثم رش عليهم من نوره، فقد علم من يصيبه ومن يخطئه، ثم أخرجهم يوم الميثاق بيضاً وسودا، ثم استنطقهم
стр. 84
يومئذ، فبلغنا عن ابن عباس ﵁ أنه قال: فأقروا له بالربوبية، طوعاً وكرهاً وتقية، فذلك قوله تعالى: (وله أسلم من في السموات والأرض طوعاً وكرهاً)، حدثنا بذلك عن ابن عمر، وعن أسباط، عن السدى، عن أبي صالح، وأبي مالك، عن أبن عباس. ثم قال تعالى: (ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور). وقال: (أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه). فلما حيي القلب بذلك النور، صار سميعاً بصيراً، وروى عن لحسن ﵀ عليه تفسير هذه الآية: (وتنذر به قوماً لدا.). قال: صم آذان القلوب، وعلى تأويل قوله تعالى عندنا: (وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا،
стр. 85
وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون). وقال تعالى: (لينذر من كان حياً ويحق القول على الكافرين فالحي هو المؤمن، فلما صار قلب هذا العبد منوراً بما ﵀، وقسم له في سابق علمه، صار القلب بلا غلاف، وأذن له ربه بالأيمان به، قال تعالى: (وما كان لنفس أن تؤمن إلا بأذن الله)، فذكر هاهنا الإذن للنفس، ثم ذكر القلب، فقال: (حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم، وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان). فذكر تعالى فعله بالقلب ماذا فعل، وذكر فعل النفس أنها قد آمنت، وبماذا آمنت، فخرج القلب من الغلاف، كسحابة، انقشعت عن شمس، فاستنار، وسمع عن الله تعالى، وابصر الغيب، فصار مجتبي
стр. 86
من أهل
جباية الله تعالى؛ وذلك قوله : (هو اجتباكم). وصار موسوما بسمة الله، وهو ذلك النور الذي أصابه، فلما أهينت النفس، وانقادت للقلب، قبل القلب ما سمع عن الله، وأبصر بالغيب، وعقله وعزم عليه، صار موسوما بسمة الله ظاهرا وباطنا، فقيل هذا مؤمن، وهذا مسلم، لأنه قد آمن، ولأنه قد أسلم وجهه إلى الله، ومن أسلم الوجه إليه، فقد أسلم إليه بكله، لأن الوجه اسم جامع؛ ألا ترى أنك تقول في اللغة للسائرين بين الناس: رأيت وجوها كثيرة، فدخل فيه البدن كله، والمؤمن إذا آمن وقبل أمره، فإنه يعمل على تسليم نفسه إليه، لأن إيمانه إنما آمن بأنه ربه، فرقبته له، وجميع ما ملكت يمينه له، فقد سلم إليه نفسه وملك يمينه، فهو المسلم، قال تعالى: (هو سماكم المسلمين من قبل): أي في اللوح المحفوظ.
стр. 87
(وفي هذا): يعني في القرآن. (ليكون الرسول شهيداً عليكم وتكونوا شهداء على الناس): أي إذا جاءت الأنبياء، فسئلوا عن تبليغ الرسالة، فادعوا البلاغ، فأنكرت الأمم، وقالوا: لم تبلغنا رسلك أمرك، فنسلم أنفسنا وملك يميننا لك، ونأتمر بأمرك، فأنتم أهل تسميتي، الذين سميتكم مسلمين، بأنكم قد سلمتم إليّ أنفسكم، فيشهد لكم بذلك الرسول الذي بعثته بالمقام المحمود، الذي يغبطه الأولون والآخرون، فبلغنا في الحديث: (وتشهدون أنتم لرسلي على أممها التي لم تسلم لي نفسها، فبهذا صرتم شهداء رسلي، وحجتي عل خلقي).
فلما فتح القلب عينه أبصر وسمع لما حبب إليه الإيمان، أي وصل إلى حبة قلبه، وتزين ذلك في قلبه، انقاد لربه، ألقى بيديه إلى ربه سلماً، جاءت النفس بظلمها وظلمتها، وهي الهوى، فوقفت بين يدي القلب، صار على القلب كالغشاء أو كالسحابة المظلمة، فقيل غفلة، والأول كانت غلفة، فلما ذهبت الغلفة، حيث جاء النور، وبقى الهوى غفلة. وقد نجد مثل هذا كثيراً في اللغة، يقال: جبذ وجذب، وكشر
стр. 88
وشكر، وزرق ورزق، ومجر ومرج، وحدج وجحد، وعلم وعمل، وغرف
وغفر؛ ومثل هذا كثير، كلاهما مرجعهما إلى معنى واحد، ولكنهما اشتقا، فأستعمل هذا في نوع، وهذا في نوع، والآخر في نوع، وإن كان القالب يختلف على فعل وعفل، فإن الاشتقاق من معنى واحد، وخولف في القالب للاستعمال في نوعه، ليعرف باختلاف القالب نوعه الذي عنى به؛ وكذلك العقل أيضاً مثله، فقيل كشر إذا تبسم فبدت أسنانه؛ وإذا بدا لقلبه فرأى نعمه إليه من الأسباب شكر، لأن النعم قد بدت له، وكذلك قوله رزق، وهذا فيما بدا إليه من الأسباب في مطعمه ومعاشه، وهذا فيما بدا إليه بالسبق، فيرزق به؛ وكذلك يقال في الحربة والمرزق، فكذلك الغفلة والغلفة، معناه عندنا أن الغلفة في وقت الكفر، والكفر هو الغطاء، فإذا ذهبت تلك الغلفة، ورفع الله الغطاء بمجيء
стр. 89
النور، بقيت الغلفة، وهو الهوى قائماً فيما بينه وبين ربه، وكان للقلب حجابان: حجاب غطي ظلمة الكفر، فإذا ذهب الغطاء بقي الحجاب الآخر قائماً بينه وبين ربه تعالى، فهو الذي يغفله وينسيه، وهي التي تسمى غفلة؛ فلما صارت هذه النفس قائمة بظلمة هواها، وتلظى نيران شهواتها، بين قلب العبد وبين ربه، بعد أن أسلم له وانقاد، واعترف وقبل أمره، وعزم عليه، فهو يتعاصى عليه، وتستأديه الشهوات التي حرمت عليه، وتزلزله في شأن الرزق، وتوسوس إليه في نوائبها وأمورها، على تدبيرها المنكوس، وجهلها المظلم، والرب الرحيم الرءوف به، قد اختار له غير ذلك، مما هو أرفق به، وأبر له، وأزين به وأفضل، فقد شغل القلب النظر إلى ما يبدو له من تضاربه وتدبيره له، فحديث النفس وسوسة تدبيرها؛ وخيبته ومنته وأشقته وألهته، وأظلمت عليه الصدر، وهي سلاح عدوه الشيطان الرجيم، بها يخدعك ويوسوس لك، ويزين لك، ويعين هواك عليك،
стр. 90
فلذلك قيل عن رسول الله ﷺ : إن أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك. فلما كنت بهذه الحالة وقد ألقيت بيديك إلى الله سلماً، بما جعل في قلبك، أمرك بمجاهدته، فقال تعالى:
(وجاهدوا في الله حق جهاده). وأنبأك في كتابه شأن النفس والهوى، في آي كثيرة، منها ما ذكر عن قول يوسف ﵇ حيث قال: (وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي). وحيث قال لداود ﵇: (إنا جعلناك خليفة في الأرض، فاحكم بين الناس بالحق، ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله). وقال تعالى: (وأما من
стр. 91
خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى). . . الآية، فأمره بالمجاهدة حق المجاهدة، ثم أيدنا وشجعنا، فقال تعالى: (والذين جاهدوا فينا لنهديهم سبلنا، وإن الله لمع المحسنين). فسماه محسناً، ووعده أن يكون معه، ومن كان الله معه فهو المنصور لا يغلب؛ فوعدك على المجاهدة حق جهاده، أنه هو الذي يلي هدايتك سبيله. هذا ثوابه في العاجل، فكيف بثوابه في الآجل، إذا قدمت عليه غداً بالمجاهدة، وبثمرة المجاهدة، فإن الهداية صارت ثمرة المجاهدة، وبالهداية نلت ولاية الله تعالى، وبولاية الله نلت قربة الله وزلفاه. ثم قال تعالى: (هو اجتباكم)، أي كما جعلتك من أهل جبايتي، جعلت لك نوراً، وفتحت عيني قلبك، وفتحت أذني قلبك حتى عرفتني، فالآن جاهد في ذاتي هواك وشهوات نفسك، حتى يظهر انقيادك لأمري، ويعز ديني، وتعلو طاعتي. والمجاهدة على
стр. 92
قالب المفاعلة، والمفاعلة لا تكون إلا من اثنين، إلا في النادر في الكلام، فأما العام فإنه من أثنين، فكأنه قال: (وجاهدوا في الله حق جهاده). وقال في آية أخرى: (واعتصموا بالله). أي امتنع من شر النفس وحربها وعداوتها بالله تعالى، فكأن النفس عدوك، يرميك بسهم الشهوة، والهوى يقويها، وهي مظلمة، لا تستعين بالله عليك، وأنت ترميها بسهم المعرفة والعقل، وتستعين بالله تعالى عليها، فأنت المنصور، لأنك بالله تجاهدها، وهي تجاهدك لا بالله، فدلك ربك على الاعتصام منها به، ثم وعدك النصر، وشجعك على المجاهدة، فقال: (هو مولاكم): أي يلي نصرتكم، ثم قال: (نعم المولى ونعم النصير): ينبئك وهو يملك كثرة النصرة
ومتابعتها، فإذا تركت الاعتصام به خذلك، وخذلانه أن يمنع النصرة، فإذا منع النصرة، فجاهدت النفس، رمتك بسهام الشهوة والهوى، فرميتها بسهام المعرفة والعقل، لم تغلبها
стр. 93
وغلبتك، لأن العلم والعقل والمعرفة في القلب، والهوى والشهوة خارج من القلب، قائم بين القلب وبين الرب، قد أظلم على سمعك وبصير عيني قلبك بغشاوته، فسجن ما في القلب، وغلب على القلب، فصار بمنزلة سراج في بيت، والسراج في الفخار، وعليها غطاء، فالبيت مظلم، فإذا انكشف الغطاء أبصر ما في البيت، مما يضر وينفع، فإذا جاهدت النفس، فاعتصامك به في ذلك، ذكرك إياه بأنك لا تستطيع دفع هذا إلا به، واستغناك به هو الذي يغنيك ويعنيك، فينصرك، وكيف لا يعنيك وقد أمرك بأن تقول: (إياك نعبد وإياك نستعين). فيأمرك بالقول بهذا حتى تسأله ثم لا يجيبك! وقال تعالى: (أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء)، ثم لا يجيب ولا يكشف! تعالى الله عن ذلك، وإذا نسيته في ذلك الوقت، منع النصرة، لتركك ذكره، ولاقتدارك في الأمر،
стр. 94
وكيف لا يعاقبك بمنع النصرة وقد نسيته، واقتدرت في أمره، وقد أمرك بأن تقول لا حول ولا قوة إلا بالله؛ فمن اقتدر في أمره والأمر كله لله، والخلق لله، والقدرة لله، عوقب بأن يخذل، وعرف بالخذلان أن أقتداره كان خطأ، وأنه لا يقدر إلا به، وقال تعالى: (إن ينصركم الله فلا غالب لكم؛ وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده؟).
قال له قائل: فما النصرة؟ هل يمكن أن توصف؟
فقال: إن نور المعرفة في القلب، حتى يخرج إلى عين القلب، والهوى قائم على القلب حجاباً، فإذا جاهد العبد هذا الهوى حق المجاهدة، وحق جهاده هو غاية طاقة العبد، فنصرته أن يهديه سبيله، وهو أن يجعل له طريقاً
стр. 95
من قلبه إليه، حتى يصير عين قلبه كأنه يراه من غير كيفية، وهو قول جبريل ﵇ لرسول الله ﷺ حيث سأله عن الإحسان، فقال: أن تعبد الله كأنك تراه. وقال
في حديث آخر: إن أقواماً أيقنت قلوبهم، حتى كأنهم عبدوا الله على رؤية. وقال ابن عمر ﵄ في حديث: إنا كنا نتراءى الله تعالى بين أعيننا في الطواف. حدثنا بذلك قتيبة، عن محمد بن منير، عن ابن أبي رواد، عن نافع، عن ابن عمر. وقال في حديث حارثة، حيث قال رسول الله ﷺ : كيف أصبحت؟ قال: مؤمناً حقاً. فسأله عن الحقيقة، فقال: كأني أنظر إلى ربي على عرشه. هذا في رواية، حدثنا أبي، عن أبن أبي حبيش، عن عبد العزيز بن أبي رواد. وأما رواية ثابت عن أنس، فإنه روى: كأني أنظر إلى عرش ربي. وهذا النوع في الآثار كثير.
стр. 96
وإنما أدرك هذا حارثة بمجاهدات النفس؛ ألا ترى إلى قوله: عزفت نفسي عن شهوات الدنيا ولذاتها. فهذا قطع الهوى، فإذا قطعه هداه الله طريقه، فإذا نظر صار كأنه يراه بلا كيف؛ وهكذا وعد في كتابه، فقال: (والذين جاهدوا فينا لنهديهم سبلنا). فإذا هداه طريقه، لم يبق على قلبه حجاب للشهوة والهوى، لأنه فتح طريق قلبه إليه، فحينئذ يمكنه السكون إليه، ويطمئن القلب، ويثق بوعده، ويأتمنه على نفسه، ألا ترى إلى قول الرسول حيث حكى عنهم، وقالوا: (وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبيلنا). . . الآية. فأخبروا أنهم إنما قدروا على التوكل، وهو تفويض أمر النفس إليه، بأنه هداهم لسبيله، فزال الحجاب، أعني الهوى والشهوات عن بصر القلب، فلم يبق بين يدي قلوبهم شيء يحجبهم، فصارت الأمور لهم كالمعاينة والمشاهدة. ألا ترى
стр. 97
إلى قول رسول الله ﷺ حيث وصف القلب، فقال: أبصر الغيب بالغيب فآمن، أو كما قال. فهذه نصرة الرب .
فإذا تركت المجاهدة على الحقيقة منعك النصرة، فبقيت مخذولاً، مأسوراً في يدي الشهوة والهوى، فإذا صار القلب مأسوراً، فهو كملك مأسور في يد العدو، فإذن تعذر عليه الأعوان والجند، بل يذلون وينهزمون في الملاهي والأباطيل.
قال له قائل: فكيف تكون المجاهدة على الحقيقة، إذ قال حق جهاده؟
فقال: اعتبر مجاهد الظاهر، وامتثل رجلين: أحدهما سلاحه تام، وحمل نفقة سنة، وتجهز بما يحتاج إليه، ورافق في الطريق رفقاء، وتبسط في مسيره، وطرب مع رفقائه، وتلذذ برؤية الكون ولقاء الناس، وفرح بما نسب إليه من الجهاد والغزو، فقيل: هذا فلان الغازي، وطمعت نفسه في علو المرتبة، وارتفاع المنزلة
стр. 98
عند الناس، واتخذ الجاه عندهم بذلك، ونال الكرامة في مسيره مقبلا ومدبراً، وقلبه هاهنا معلق بحب الدنيا وما خلف فيها؛ فهذا حاله في الطريق، حتى إذا بلغ المنتهى، فعلى وده أنه لا يلقى عدوا أبداً، ولا يسمع بذكره، فهو مقيم هناك مع حنين قلبه إلى شهواته ومناه التي خلفها وراء ظهره، حتى إذا لقي العدو، وجاهد مجاهدة مراوغ ليس له صدق القتال، يريد الروغان والنكص على عقبه، والهرب، حتى إذا انقضى الجهاد مرّ منصرفاً مسرعاً إلى شهواته التي حنّ إليها، والى مأواه الذي قد ألفه، ووطنه الذي قد استوطنه، قد سلم بنفسه، وسلم سلاحه ودوابه وعامة نفقته، فجاء به كما ذهب به إلا النفقة، ما أنفق في مسيره، وما أنفق أيضاً فقد طرب إليه وتلذذ، وقضى مناه وشهواته بتلك النفقة؛ فهذا قد سمى فعله هذا جهاداً، فلم يكفر فعله، بل يعطي ثواب نفقته غداً، وثواب عنائه وتعبه، وأنه كثر سواد المسلمين وأعانهم، وشايعهم.
стр. 99
ورجل أخذته حمية الإيمان، فغار لربه، فخرج يقصد محاربة عدو ربه، انتقاماً وتعظيماً على عدوه؛ أو رجل أيس من نفسه أن يخرج منه خير ينجو به، ورأى قبح مذاهبه، وسوء فعاله، فضاق به الأمر من شراهة نفسه، وقلة ضبطه لها، فاغتاظ منها، وحمى لربه على نفسه ومقتها، وهاله عظيم خطره منها، فقدمها إلى العدو لتحاربه، لعله أن يرزق الشهادة، فيقتل ويغسل بدمه سائر جسده، حتى يلقى الله تعالى طاهراً من أقذار المعاصي. فهذا رجل خرج بهذه النية، أو بتلك النية التي غاربها لربه وحمى له، وهو أرفع درجة من هذا
الذي برم بنفسه، وأراد التطهر، فلما لقي أحد هذين العدو، ونهمته في عامة مسيره المحاربة، إما غيرة لربه وحمية، وإما طلب تطهير لبدنه، والظفر بالشهادة، ظهر منه صدق اللقاء، فبادر وحارب وجاهد، فلم يلبث أن صار قتيلاً، وبالدماء مزمولاً، وتبددت أعضاؤه من الضرب والطعن، وتبدد سلاحه هكذا وهكذا من نهبة العدو، وأخذت دوابه وجميع ما هناك، وتقبل الله روحه، فجعله حياً، يرزقه عنده، فرحاً مستبشراً بما آتاه الله من فضله، كما وصف تعالى في تنزيله
стр. 100
قصة الشهداء، فقال: (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء)، إلى آخر الآية، فصار روحه مقبولاً، وصار عنده حياً فرحاً، مستبشراً مرزوقاً، من غير تعب ولا كد ولا عناء؛ فهذا حق الجهاد في طلب الجهاد؛ والأول رجل متحر للخير، طالب للثواب. فكذلك جهاد النفس حق جهاده، أن يصدق اللقاء، فلا تسلم منه نفس ولا مال، فإذا أخذ في المجاهدة خلصت الهموم والأحزان إلى النفس، وانقطعت اللذات والشهوات، وتغير اللون، ونحل الجسم، وضعف البدن، وذهب الفرح والتسلط، واشتغل القلب، فضعف عن طلب الدنيا، قد خلص النكص في المال، وتعطلت الأمور، ووجد المكاسب والأرباح، وأدبرت الدنيا ببهجتها وزينتها، ولذاتها وعزتها، وبهائها وملكها، وصافها وخدعها،
стр. 101
وأقبلت الآخرة بحقائقها، من البكاء والأحزان والاستكانة والصلاة والصيام والذكر والقرآن وأعمال البر، فشغل عن الأهل والولد، وعن التلذذ بقربهم، والأنس بهم، فصار الولد يتيماً، والأهل كالأرملة، والمسكن وحشاً، وتعطلت الأوقات التي كان يتلذذ فيها عند الغداء والعشاء، وتبدل بها جوعاً ويبساً، وبالضحك بكاء، وبالفرح حزناً، وبالسرور غموماً، وبالراحة نصباً، وبالنوم سهراً، وبالدعة تعباً وضيقاً، وبالغنى فقراً، وبالعز ذلاً، وبالمدح ذماً، وبالثناء طعناً وعيباً، فلم تسلم نفس ولا مال ولا جاه ولا قدر إلا ذهب كله، فهذا قتيل الله قد تبددت نفسه وشهواته ومناه، وصار هواه
كالقتيل، فتخلص روحه عن هواه، فتقبل الله روحه، وأحيا قلبه، ورزقه من حيث لا يحتسب، ووصل بقلبه إلى إلهه، ففرح واستبشر، فقلبه عنده فرح مستبشر حي؛ فمن هاهنا برّز الصدّيق على الشهيد، لأن الشهيد احتسب بنفسه على الله تعالى مرة واحدة، حتى قتل،
стр. 102
والصديق يحتسب بنفسه، فلم يزل يقاتل هواه في كل حركة حتى قتل الهوي، فخلص روحه وقلبه من الهوى، فهذا غاية الصدق، فسمي صديقاً، لأنه لم يبق في نفسه منازع، فصار البدن كله لربه مبذولاً بصدق منه، لا منازعة للهوى فيه، فكما صار الصديق عنده في الآخرة حيا مرزوقاً، صار بالصدق هاهنا في القلب به مرزوقاً، فرحاً مستبشراً بما آتاه الله من فضله، وكما صار الشهيد في الآخرة بعد أن وصل إلى النعمة يشتهي أن يرد إلى دار الدنيا، فيقتل فيه، فصار منيته كذلك الصديق ماتت شهواته، فصارت منيته ونهمته في ذكره وعبادته، ومنه قوله تعالى في بعض الكتب: أيها الصديقون، تنعموا بذكرى، فإنه لكم في الدنيا نعيم، وفي الآخرة جزاء. حدثنا ابن أبي زياد، قال: حدثنا سيار، عن جعفر بن سليمان، عن مالك بن دينار رحمه الله تعالى، قال: قرأت في بعض الكتب: إن سرّك أن تحيا وتبلغ علم اليقين، فاحتل في كل حين أن تغلب شهوات الدنيا، فإنه من يغلب شهوات الدنيا يفرق الشيطان من ظله.
стр. 103
أفلا ترى أنه قال: إذا غلبت شهوات الدنيا حييت، لأن القلب إذا كان في ظلمة الهوى وغفلته، كان كالميت، وليس بالميت، لأن الميت قلب الكافر، وقلب الغافل كالميت، وليس به حياة، وقال: إذا فعلت هذا بلغت علم اليقين. فعلم اليقين أن تعبده سبحانه كأنك تراه، وكذلك وصف الله تعالى علم اليقين في تنزيله، فقال: (كلا لو تعلمون علم اليقين، لترون الجحيم)، فأخبر تعالى: أن بعلم اليقين ترى الأشياء (ثم لترونها): أي غدا، يعني الجحيم، (عين اليقين). فهذا حق الجهاد؛ وأما الآخر فإنه رجل أراد مجاهدة نفسه، فصام أياماً، ثم ترك، واجتنب بعض الشهوات، وتناول بعضاً،
وحزن مرة، وفرح أخرى، وبكى يوماً، وضحك أياماً، وصام وصلى، وساح مرة هكذا ومرة هكذا، وحمل على نفسه مؤناً كثيرة، وأتعب نفسه من طريق أنواع البر، من سهر الليل، والحج، والجهاد،
стр. 104
إلا أن ذلك كله بهواه عمل، حيث طرب ونشط، لا بمجاهدة، فهذا رجل يريد أن تسلم له نفسه وماله، ويقضي شهواته ومناه، ويكون مجاهداً، فهذا غير محقق جهاده، يعطي ثواب التعب والعناء، ويؤجر عليه، ولكن لم يحارب الهوى في كل موطن حتى يقتله، فيكون قتيل الله تعالى، يقبل روحه، فيحييه، ويفرحه بنفسه، فالحرب من عندك، والنصر من عند الله العزيز الحكيم، فإذا نصرت قتلت هواك، وتخلص روحك منه وقلبك، فقبله وحياه ونوره، وهداه واجتباه ورعاه.
قال: له قائل: وما الهوى؟
قال جوهرة النفس، لأن آدم ﵇ خلق من تراب، فكان الهوى هو عنصره الذي فيه جوهريته الترابية، فكانت تلك الترابية متشعبة في النفس، وهو صفوة غذاء
стр. 105
الأم، والهوى تنفس النفس، وهو كدورته، وأصل جوهريته، وهو مظلم، وهو قوة غذاء الأم، لأن التراب مظلم، وأمك إنما ربتك من اللبن، ومما أخرجت الأرض، فلذلك قيل في الحديث: لكل شيء نفس، ونفس النفس الهوى، فما دام الروح فيك، فأنت كون الروح، فإذا خرج منك، صار وجهك وجميع جسدك كأنه ذرّ عليك التراب، لأنه لما زال الروح تغير الجسد إلى جنسيته الترابية، فقد علم شهوات الأرض ولذتها، وعرفها بذلك العنصر المنظلم المتشعب. هناك له ميلان، يهوى إلى جنسه. فسمي هوى، لأنه تهوى به النفس، والنفس تهوى بالقلب، والقلب يهوى بالأركان إلى العقل، والعقل يهوى بجميع الجسد غدا إلى النار، فمن ههنا هواك يميل بك إلى نعيم الأرض، لأنه من جنسه، وإليه يحنّ، وله يألف، فهذه النفس مضطربة إذا حملت عليها أمر الله تعالى، كذلك الأرض لما حمل عليها
الخلق
стр. 106
اضطربت، فأسكنت بالجبال الرواسي حتى سكنت. كذلك النفس، إذا اضطربت فإنما تسكن بالمعرفة، فكلما كانت معرفتك أعظم وأثقل على القلب، كانت النفس أسكن، ومنه قيل: الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي، فحب المحمدة والرياسة والعلائق والعلو بشهوة العز، وإنما أحب العز واشتهاه، لاستدامة نعمة النفس، لأنه قد علم أنه إذا عز وعلا على الخلق، أدرك مناه، وجميع ما للجسد والنفس فيه لذة، ويكون قد قهر الخلق كلهم، حتى يكون كله على ما يريد، لا يخلفه أحد، فينال لذة جميع ما يهوى فيدعوك الهوى، ويميل بك إلى طلب اللذة، وقضاء الشهوة، فإذا خاف أن لا ينال ما أراد، قهر الخلق كلهم، وقد علم أسباب القهر، أنه إنما يكون بأخذ قلوبهم، أو بخوف في قلوبهم منه، لما يرون من عزه، ونفاذ قوله وأمره، فلما فهمت النفس أن نوال اللذات والشهوات التي هي النفس، علمتها في أخذ قلوب الناس، إما بمحبة مكتسبة، أو بتزين
стр. 107
عندهم ومدحة، حتى ينظروا إليك بعين التعظيم، وإما بعمل يخافونك عليه، أحببت العز، واشتهيته وطلبته. فهذا كله إنما حصل منك من أجل نوال الشهوة واللذة التي في نفسك، حتى تظفر به، فما ظفرت به فقد سمنت عليه، وفرحت وبطرت وأشرت، وما لم تظفر به طلبت العز، وهي المنعة، لتقهر الناس، وتأخذ بقلوبهم، حتى لا ترد في أمر شئته، أو هويته وأردته.
قال له قائل: فما ثمرة هذا الهوى؟ قال: ثمرته أن يدعوك إلى أن تدّعي الربوبية، فمن ههنا ادعى فرعون الربوبية، حتى يكون نافذ القول في شهواته ومناه، جائز الأمر، دعاه ذلك إلى أن قال: (أنا ربكم الأعلى). هذه ثمرته،
стр. 108
ومن ههنا ضاق الأمر بنمرود، حتى احتال للقعود في التابوت، ليطير به إلى الخالق الأعلى، زعم أني أحارب إله السماء، لم يحتمل للضيق الذي حلّ به من قوة شهوته، وإرادة إنفاذ مناه، أن يسمع بذكر أحد غيره يقدر على شيء، فأراد أن يطمس هذا الذكر، فأرى
أهل مملكته أني حاربته فقتلته، بما رجع إليه من السهم المدمى. هذا ثمرة الهوى الذي يهوى بك إلى قضاء الشهوات، ودرك ما هو من جنسه، فأحذروه، فإن الصغيرة الضعيفة منه تقوى حتى تصير كبيرة قوية، ترمي بك في أودية المهالك، والمؤمن أنقذه الله تعالى بالمعرفة من أن يدعى الربوبية، أو يقصد لمحاربته، لأن نفسه قد أيقنت، فأيست عن هذا المعنى، ولكن تطلب ما دون ذلك في أموره، فليس هذا له بحقيق ولا خليق.
فقد حصل من جميع ما وصفنا إلى هذه الغاية، أن ظلمة هذه النفس الشهوانية قد استولت على القلب، حتى عجز
стр. 109
عن حفظ الحدود، وألا تنهى عما زجرت عنه، وإيثار ما أمرت به، وعن أداء الحقوق، وعن القيام بشكر إلهك، فحالت تلك الظلمة عن رؤية الوعد والوعيد، وعن رؤية ربوبيته الظاهرة عليك، وقدرته النافذة فيك، وفي الأشياء كلها، فافترق الناس في هذا الخطب العظيم فرقتين، فمنهم من أقبل على الحمية، ورفض الشهوات، وآثر التنغيص على جميع لذات النفس، حتى ذلّ له وانقمع، فقوى على وثاقه، ثم قوى على قطعه فقطعه، فأشرقت شمس معرفته من قلبه، وهو النور الذي فيه، فأضاء كل شيء. رأى بذلك النور الربوبية الظاهرة، والقدرة النافذة والسلطان القاهر للأشياء، وجري الأشياء كلها على مشيئاته وإرادته، فاستقام، ولم يبق من الهوى والشهوة حركة تميل به، وتهوى هكذا وهكذا، عن مشيئات ربه، وما استنار من قدرته النافذة، وربوبيته الظاهرة. ومنهم من ضعه عن هذه الأمور، لم يقدر على رفض الشهوات، وقطع الهوى، فما زال مفكراً في قدرته، ومعتبراً أمور الله بقلب فارغ يريد الخير، مقبل على الله تعالى بمجهوده، فكان يزداد بذلك كل يوم يقيناً،
стр. 110
وقوة نور في تلك المعرفة، حتى غلب نور المعرفة ظلمة الهوى، فحرقه ومزقه، وبدّده، فاستكان لربه في أموره؛ ومنهم من كان هكذا في جهد وطلب،
فأدركته رحمة الله تعالى، فجذب قلبه جذبة إليه، فصار من الله بمحل ومكان، بقطع الهوى، فصار دكاً، واستنار القلب بما فيه، وذاقت النفس من حلاوة قرب الله ما لهت عن جميع شهوات الدنيا، فصار الهوى والمنية والفرح والسرور درك ما نال من قرب الله ، فنجى من هذا، ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم
تم الكتاب بحمد الله ومنه.