← Адаб

Адаб · id 37057

المآخذ على شراح ديوان أبي الطيب المتنبي

المهلبي، أبو العباس

Полный текст (1 138 стр.). Показаны 1121–1138 · переход к 1126.

стр. 1121

فابتدأ بذم صنعاء وبلادها، وبقاعها التي تحل بها عنس وقدم، ودعا عليها بسقيا النار إذا سقيت غيرها الأمطار، ثم خرج من ذلك إلى مدح وادي اشي ومن حاده من الجيران، ووصفهم بالكرم والإحسان في أبيات، ثم أخذ في الغزل فذكر منه شيئا، ثم عاد إلى ذكرهم والثناء على مواضعهم وديارهم، وأيامه التي تقضت له فيها، وتشوقه إليها وتأسفه عليها. وإذا تفقدت أشعار العرب وجد فيها مثل ذلك كثير. وإذا صح أن المراد بذلك الممدوح، كان البيتان اللذان بعد هذا البيت من صفاته أيضا، وبطلت المآخذ الفاسدة، والروايات الكاذبة، والاختلاف في القلبين اللذين في البيت الثالث هل هما للضيف أو للمضيف؛ اعني قوله: الوافر تَحُلُّ به على قَلْبٍ شُجَاعٍ ... وتَرْحَلُ منه عن قَلْبٍ جبان وقوله: الوافر منازلُ لم يَزَلْ منها خَيَالٌ ... يُشَيَّعُني إلى النَّوْبَنْدِجَانِ قال: نوبندجان: بلد بفارس؛ يريد إنه يرى دمشق في النوم وهو بفارس، فخيال منازل دمشق يتبعه. والمعنى إنه يحبها، ويكثر ودها، ويحلم بها. ويجوز أن يريد خيال حبيب له بدمشق ونواحيها يأتيه في منامه.

стр. 1122

وأقول: لم يرد دمشق، ولا خيال حبيب فيها، وإنما يريد الواضع التي استحسنها ومغاني الشعب، ووصفها قبل، فعاد إلى ذكرها فقال: منازل لطيبها وحسنها لم يزل منها خيال يشيعني إلى مكان مثلها في الطيب والحسن أو أحسن منها وهو النوبندجان فإنه أنسانيها لزيادته في الطيب عليها. وقوله: الوافر رُقَاهُ كلُّ أبْيَضَ مَشْرَفِيٍّ ... لكلِّ أصَمَّ صِلٍّ أُفْعُوَانِ قال: جعل اللصوص كالافاعي، وجعل سيوفه رقى لتلك الأفاعي فكما أن الحية تدفع بالرقية، كذلك هو يدفع اللصوص بسيوفه. فيقال له: هذا الموضع أغمض من أن تدركه وأعز من أن تملكه! ولم يرد باللصوص الأفاعي أيها الشيخ الواحدي، لما ذكرته في شرح الكندي! وقد فسر قوله: الوافر حَمَى أطرافَ فَارِسَ شَمَّرِيٌّ ... يَحُضُّ على التَّبَاقي بالتَّفَاني بشيء من هذا حاكيا قول العروضي: إنه حمى فارس من الخراب واللصوص رادا على ابن جني قوله: إن المعنى: يقول لأصحابه: افنوا أنفسكم ليبقى ذكركم. وهو القول الحق، وقول العروضي هو الباطل! لأن ذكر اللصوص انقطع من لدن قوله:

стр. 1123

فباتَتْ فوقَهُنَّ بلا صِحَابٍ ... . . . . . . وأخذ بعد ذلك في ذكر ما هو أعظم منهم متنقلا بذكر الحرب عنهم. وقوله: الوافر فلو طُرِحَتْ قلوبُ العِشْقِ فيها ... لما خافَتْ من الحَدَ قِ الحِسَانِ قال: أراد قلوب أهل العشق. والمعنى: إن الأمن قد عم بلاد فارس حتى لو كانت قلوب العشاق فيها، لما خافت سهام أحداق الحسان. وأقول: المعنى ما ذكره، إلا أن زيادة تخفى على مثله! وهي إن الأشياء المخوف عليها، التي لا تحمى بالبأس من جميع الناس، لو حلت في بلاده لأمنت وحميت وهي قلوب العشاق المرمية بسهام الأحداق. وفي هذا البيت زيادة على قوله: الكامل حَدَقٌ يُذِمُّ من القَواتِلِ غيرها ... بَدْرُ بنُ عَمَّارِ بن إسْمَاعِيلا وذلك إنه جعل بدر بن عمار لا يحمي من الحدق، وجعل عضد الدولة يحمي منها. وقوله: الوافر وأكثرَ في مَجَالسِهِ حَديثاً ... فُلانٌ دَقَّ رُمْحاً في فُلانِ

стр. 1124

قال: لم أر ولدين أكثر منهما استماعا في مجالس الأدب دق رمحا فلان في فلان؛ يعني: لا يجري في مجلس أبيهما غير ذكر المطاعنة فهما لا يسمعان غير ذلك. وأقول: إنه قد نقص البيت بنقص العبارة، وذلك أن أبا الطيب إنما قال: أكثر استماع ولم يقل: لا يجري في مجلس أبيهما غير ذكر المطاعنة فهما لا يسمعان غير ذلك فينفي أن يجري في مجلسه ذكر العلم والجود، وهما اشرف من البأس! وإنما يقول: إن هذا ملك صاحب جد وقتال لا لهو ولعب فاكثر ما يجري في مجلسه ذكر الطعان، وقد يجري فيه غير ذلك من الفضائل. وقوله: المنسرح ناثِرُهُ ناثِرُ السُّيُوفِ دَماً ... وكلِّ قَوْلٍ يقولُهُ حِكَمَا قال: يقول: الذي نثر هذا الورد ينثر السيوف؛ أي يفرقها وهي دم؛ أي: متلطخة فكأنها دم. وأقول: الجيد البالغ، أن يقال: إنه ينثر السيوف بضرب يده؛ أي: يقطّعها به ولا يفرّقها

стр. 1125

بأيدي غيره، ويدل على قولي، قوله بعده: المنسرح فَلْيُرِنَا الوَرْدُ إن شكا يَدَهُ ... أحسن منه من جُودها سَلِما والبيت الذي بعده١. وقوله: المنسرح والخيلُ قد فَصَّلَ الضِّياعَ بها ... والنِّعَمَ السَّبِغَاتِ والنِّقَمَا قال: يقال: فصل العقد إذا نظم فيه أنواع الخرز فجعل كل نوع من نوع ثم فصّل بين الأنواع بذهب أو بشيء آخر. هذا هو الأصل في تفصيل العقود، ثم يسمى نظم العقد تفصيلا فيقال: عقد مفصل إذا كان منظوما، ومنه قول امرئ القيس: الطويل . . . . . . ... . . . . . . أثناءِ الوشَاحِ المُفَصَّلِ والمعنى إنه جمع هذه الأشياء بالخيل؛ أي: تمكن من جمعها بالخيل، وجعل جمعها تفصيلا؛ لأنها أنواع فجعل ذلك كتفصيل العقد. والمعنى إنه ينثر الخيل؛ أي: يفرقها في الغارة، ثم ذكر إنه جمع بها هذه الأشياء التي ذكرها من النعم لأوليائه، والنقم لأعدائه. وأقول: إن الواحدي قد خبّط وخلّط في مواضع من هذا التفسير ولا كتخبطه

стр. 1126

وتخليطه هاهنا!! وسأذكر لك المعنى حتى يتبين فساد ما ذكره جملة، فلا احتاج إلى تتبع ألفاظه مفرقة، وهو إنه لمّا ذكر في البيت الذي قبله ان ناثر الورد ناثر السيوف دما، فذكر حماسته، عطف عليه بهذا البيت ما فيه ذكر سماحته فقال: والخيل؛ أي: وناثر الخيل بمعنى مفرقها بالعطاء قد فصّل الضياع؛ أي: جعل الضياع في مواهبه منظومة كالعقد مفصلا بالخيل؛ لأن الذي يفصل به العقد من الدر مثل الذهب وغيره يكون دون الدر فكذلك الخيل المفصل بها الضياع، وكذلك قوله: . . . . . . ... والنَّعَمَ السَّابغاتِ والنَّقَمَا أي: فصّل النعم لأوليائه بالنقم على أعدائه. وقوله: المنسرح وقُلْ له لسْتَ خَيْرَ ما نَثَرَتْ ... وإنما عَوَّذَتْ بكَ الكَرَمَا قال: قل للورد: لست خير ما نثرت يده، وإنما جعلتك عوذة للكرم. فيقال له: لم تزد بالنثر على ما ذكره في النظم! والمعنى أن كرمه بنفيس مواهبه وجزيل عطاياه ظاهر، فأراد أن يبقى ولا يزول؛ فنثر الورد على أصحابه وجلسائه، وهو حقير خسيس بالإضافة إليها، فكان ذلك له بمنزلة العوذة من عظام الذئب والضبع وكعاب الأرانب التي كانت العرب تعلقها عليها عند الاوباء ليتعذر بها الموت كقول امرئ القيس: المتقارب

стр. 1127

أيا هندُ لا تنكحي بُوهَةً ... عليهِ عَقِيقَتُهُ أحْسَبَا مُرَسَّعَةٌ بين أرساغِهِ ... به عَسَمٌ يَبْتَغي أرْنَبا ليَجْعَلَ في كَفِّهِ كَعْبَهَا ... حِذَارِ المَنِيَّةِ أنْ يَعْطَبا وقوله: الكامل يُشْتَاقُ من يَدِهِ إلى سَبَلٍ ... شَوْقاً إليه يَنْبُتُ الأسَلُ قال: السبل المطر؛ يريد به العطاء هاهنا. يقول: الناس يشتاقون إلى عطاء يده، والرماح تنبت شوقا إلى أن تباشر يده؛ أي: ليطعن بها ويستعملها في الحرب، وتقدير اللفظ: ينبت الأسل شوقا إليه؛ أي: إلى الممدوح. وأقول: إن جعل الضمير في إليه راجعا إلى الممدوح، غير صحيح، بل هو راجع إلى سبل لأن تقدير الكلام: يشتاق الناس من يده إلى سبل تنبت الرماح شوقا إليه، فجعل السبل يشتاق إلى ما يشتاق إليه الناس في يده من السبل، فما بعد سبل صفة له، فلا بد فيه من ضمير يرجع إليه.

стр. 1128

وقوله: السريع لو دَرَتِ بما عنَدَهُ ... لاسْتَحْيَتِ الأيامُ من عَتْبِهِ أي: لو كانت الدنيا عالمة بما عنده من الفضل والنفاسة لأخذها الحياء من عتبه عليها، ولكفت من أذاها. وأقول: هذا قول الجماعة وليس بشيء! والمعنى ما ذكرته أولا وآخرا. وقوله: السريع أستغفِرُ اللَّهَ لِشَخْصٍ مَضَى ... كان نَدَاهُ مُنْتَهى ذَنْبِهِ قال: يقول: كان غاية ذنبه إسرافه في العطاء، والإسراف اقتراف، وورد النهي في النص عن الإسراف فلهذا استغفر له. وأقول: ليس في اللفظ ما يدل على الإسراف، وإنما اخرج الكلام على معنى قوله: الطويل ولا عَيْبَ فيهم غيرَ أن سيوفَهُمْ ... بهنَّ فلولٌ من قِراعِ الكتَائبِ وسؤال المغفرة له لا يدل علة وقوع ذنب منه، بل ذلك دعاء له كدعاء الأنبياء لأنفسهم، والاعتراف منهم بالاقتراف على وجه الخضوع لله والتذلل له والانقطاع اليه،

стр. 1129

ومع ذلك فذكر الذنب لامرأة بوصف نداها والاستغفار لها قبيح، وان حُمل على أحسن محمل وتؤول على أجمل متأول. وقد كان أبو الطيب دخيلا في عشرة الملوك، حديث الصحبة لهم والاتصال لهم، فجفا لذلك في مدحهم طبعه، وجف زرعه، وهو مع ذلك شاعر عصره وواحد دهره. وقوله: المنسرح عُدْ وأعِدْهَا فَحَبَّذَا تَلَفٌ ... ألْصَقَ ثَدْيي بِثَدْيِهَا النَّاهِدْ قال: يقول للخيال: عد واعد الغشية التي لحقتني، وان كان فيها تلفي فحبذا تلف كان سببا لقربك ومعانقتك، وكان من حقه أن يقول للغشية: عودي وأعيدي الخيال لأن الغشية كانت سبب زيارة الخيال، لا الخيال سبب لحاق الغشية، ولكنه قلب الكلام في غير موضع القلب. وأقول: لم يقلب الكلام، ولكنه لمّا رأى طيف الحبيب في تلك الغشية توهم إنها بسببه، وإنه قادر عليها لمّا رآه فيها، فقال: عد وأعدها، وإن كانت من مقدمات الموت، فإن وصال طيف الحبيب محبوب إلي ولو بالموت، ومؤثر لدي على الحياة. وقوله: المنسرح حَكَيْتَ يا لَيْلُ فرعها الوَارِدْ ... فاحْكِ نَواهَا لِجَفْنِيَ السَّاهِدْ

стр. 1130

قال: الوارد: الشعر الطويل المسترسل؛ يقول لليل: أشبهت شعرها في السواد فأشبه بعدها عني؛ أي: أبعد مني بعدها. وأقول: لم يرد بقوله: شعرها الوارد السواد وحده بل السواد والطول، وذلك إنه استطال الليل فقال: يا ليل أشبهت شعرها في السواد والطول، فأشبه نواها في البعد؛ أي: أبعد عني، بعدها عني. وقوله: المنسرح إذا المَنَايا بَدَتْ فَدَعْوَتُها ... أُبْدِلَ نُوناً بدالِهِ الحائدْ قال: أخبر عن المنايا، وهو يريد أهلها؛ لأن المنايا لا تقول شيئا. والمعنى أن أهل الحرب؛ يعني جيش عضد الدولة، يقولون عند الحرب: جعل الله الحائد منا حائنا؛ أي: من حاد منا صار هالكا. وقال ابن جني: أي يصير الحائد، وهو الذي يهرب من الشيء، حائنا وهو الهالك. يقول: إذا جاءت المنية، صار بعدك عن الموت سببا للوقوع فيه، ولم يكن لك بد من لقائه. فضعف أولا رأي وهسوذان ثم رجع كأنه يعذره، إنه إذا أتت المنية لم يكن منها بد، ولم يتجه لأحد دفعها. وقوله: فدعوتها أي: هذا قولها؛ استعار ذلك ولا قول لها.

стр. 1131

وأقول: الصحيح؛ إنه أراد أن المنايا في الحرب إذا بدت واشتد الامر، فليس ينجي الفار فراره، ولا ينجي هنالك إلا صبر الصابر وقتاله والحائد خائن وهذا مثل قوله: الطويل وأورِدُ نَفْسي والمُهَنَّدُ في يَدي ... مَوَارِدَ لا يُصْدِرْنَ من لا يُجَاِلدُ وقد ذكرت هنالك إنه من قول المهلب٤. وقوله: المنسرح ليتَ ثَنَائي الذي أصُوغُ فِدَى ... من صِيغَ فيه فإنه خَالِدْ لويتُهُ دُمْلُجاً على عَضُد ... لدولةٍ رُكْنُهَا له وَالدْ وأقول: ينبغي أن يقال له على هذا النظم: المنسرح عَريتَ من حُلَّةِ حتَّى ... جئتَ في القَوْلِ هاهُنا بارِدْ! ولاشك أن أبا الطيب استفرغ قوة ألفاظه وجودة معانيه، في مديح سيف الدولة فلم يبق لعضد الدولة غير الغث الغثاء والجف الجفاء! وقوله: الرجز

стр. 1132

لو جَذَبَ الزَّرَّادُ من أذْيالي مُخَيِّراً لي صَنْعَتَيْ سِرْبَالِ ما سُمْتُهُ سَرْدَ سوى سِرْوَال قال: يقول: إذا اخبرني الزراد، فكنى بجذب الذيل عن الأخبار، لأنه ربما يجذب ثوب الإنسان إذا أريد إخباره بشيء. يخيرني بين صنعتي سربال - أي: درع من السابغة والبدن - لم اختر إحداهما. وإنما اختار السروال؛ يشير إلى أن سيفه درعه وهو يحمي به بدنه، وإنما حاجته أن يحصن عورته، وهذه طريقة المتنبي يترفع عن معاشرة النساء كبرا وتعففا. وأقول: أن تفسيره الجذب بالإخبار، وما ذكره من إنه ربما جذب ثوب الإنسان، إذا أريد إخباره بشيء، ليس بشيء! وهذا الذي ذكره من مفهوم العوام وفعل الجهال، وإنما يريد بجذب الزراد أذيال ثوبه عليه عند تقدير الطول والقصر في سرد السربال؛ يعني الدرع، يقول: لو جذب الزراد من ذيل ثوبي عليَّ مقدرا لي صنعتي سربال طويلة أو قصيرة لم اخترهما، ولا سمته إلا سرد سروال من حديد تحصن فرجي، وكنى بذلك عن عفته. وقوله: تحصن عورته، وهو قول ابن جني، قول قبيح وهو مع ذلك صحيح!

стр. 1133

وقوله: الرجز مُعْتَمَّةً بِيُبَّسِ الأجْذَالِ وُلِدْنَ تحتَ أثقَلِ الأحْمَالِ قال: قال ابن جني: يعني بأثقل الأحمال، الأجبال. وقال ابن فورجة: ألا يكفي من الحمل الثقيل القرون ذوات الشعب التي تقطع فيحمل الواحد منها حمار أو رجل؟ فأثقل الأحمال على قول ابن فورجة القرون. وقول ابن جني أظهر، لأنها ولدت ولا قرون لها، ومن البعيد أن يراد قرون أبويها. وأقول: يحتمل أن تكون الأحمال لها قرونها. وإن لم تكن موجودة في حال الولادة لأنه متيقنة أن ستوجد فكأنها موجودة. وليس من البعيد، كما ذكره، أن تكون لأبويها بل هذا هو القريب لوصفه إياها بقوله: الرجز قَدْ مَنَعَتْهُنَّ من التَّفَالي وذلك لا يليق بذكر الجبال. فإن قال: هذا راجع إلى قوله فيما قال: مُعْتَمَّةً بِيُبَّسِ الأجْذَالِ فيقال له: بل هذا البيت أولى بها لقربه منها، ولحسن جواز معناه فيها.

стр. 1134

وقوله: الوافر أتَتْرُكني وعينُ الشَّمسِ نَعْلي ... فتقطَعُ مِشْيَتي فيها الشِّراكَا قال: يقول: إذا كنت بحضرتك كنت من الرفعة كمن انتعل عين الشمس، وإذا ارتحلت عنك قطع مشيتي شراك تلك النعل، فيزول عني سبب الرفعة. وقوله: أتتركني معناه: أأتركك، وهو استفهام إنكار؛ أي: لا أتركك، ولكن من تركته فقد تركك فقلب الكلام كما قال الآخر: البسيط . . . . . . ... كأنَّما أسْلَمَتْ وَحْشِيَّةٌ وَهَقَا والوهق يسلم الوحشية. وأقول: لو اقتصر على التفسير الأول قبل تفسيره: أتتركني لكان قريبا من الصواب! وأما قوله: أتتركني بمعنى أأتركك، وإن هذا من المقلوب فليس كما قال، لأن ذلك إنما يكون عند الضرورة لتصحيح المعنى. واللفظة إذا حملت على وجهها من غير قلب وصحَّ بها المعنى لم تحتج إلى القلب. وقوله: أتتركني: أي: أتجعلني في منزلة عالية، عين الشمس فيها نعلي، ويقطع مشيتي فيها الشراكا؛ أي: لا أخسر رب هذه النعمة، ولا التمتع بها والمحافظة عليها بطلب فراقي لك ورحيلي عنك، فضرب ذلك مثلا لسوء رأيه وفعله!

стр. 1135

وقوله: الوافر أغرَّ له شَمَائلُ من أبيهِ ... غَداً يَلْقَى بَنُوكَ بها أبَاكا قال: يقول: أنت ورثت شمائل أبيك، وكما ورثتها أباك تورثها بنيك فهم يلاقون أباك بمثل الخلائق التي ورثوها منك. وحقه أن يقول أباهم لكنه قال أباك إشارة إلى أنهم لم يبلغوا بعد رتبتك حتى يشبهوك بل يشبهون أباك. وأقول: إنه جعل أبناء الممدوح، وهم صبيان أو غلمان، انهم سيشبهون أبا الممدوح، واجل الممدوح عن ذلك، وفيه احتقار لأبيه وإصغار له. ولاشك أن في احتقار الأب احتقار الابن وهذا كلام من لم يفهم المعنى! وقوله: . . . . . . ... غَداً يَلْقَى بنوك بها أبَاكَا أي: الشمائل والخلائق التي ورثتها من أبيك وأشبهته بها، سوف يشبهه بنوك بها إذا كبروا كما أشبهته لما كبرت، وقد قيل: من أشبه أباه فما ظلم فاللقاء هنا كناية عن المماثلة والمشاكلة؛ فهذا المعنى الذي يفهم من كلامه، لا ما ذكره! وقوله: الوافر أذَمَّتْ مَكْرُمَاتُ أبي شُجَاعٍ ... لعَيْني من نَواي على أولاَكَا

стр. 1136

قال: أذمت بمعنى منعت. يقول: مكرماته منعت عيني، وعقدت لها عقدا على أهلي من فراق عضد الدولة، ويكون على من صلة اذمت. ويروى: ثواي مقصور من الثوى بمعنى المقام. والمعنى: مكرماته اذمت لعيني من المقام عليهم؛ أي: عقدت لعيني عقدا يؤمنها من النظر إلى أولئك؛ يريد: أنها قصرها على عضد الدولة فلا تنظر إلى غيره. وأقول: وفسر هذا التفسير بعد أن حكى قولي ابن جني، وابن فورجة، وهما لا يساويان الحكاية! وقوله هذا مثل قولهما، وهو ضد المعنى الذي أراد أبو الطيب، وذلك إنه يقول: أن مكرمات عضد الدولة اذمت لعيني؛ أي: أعطتها ذماما من النوى على الإبل؛ أي: على رؤية اولئك؛ يعني أحبابه الذين خلقهم وراءه، فالنوى لا تقدر على منعي، ولهذا قال فيما بعد: فَزُل يا بُعْدُ. . . . . . ... . . . . . . وقوله: الوافر فَزُلْ يا بُعْدُ عن أيْدي ركابٍ ... لها وَقْعُ الأسِنَّةِ في حَشَاكَا قال: يقول للبعد تنح عن أيدي هذه المطايا، فأنها تقطعك كما تقطع الأسنة الحشا.

стр. 1137

فيقال له: هذا يضاد التفسير الذي فسرته قبل من أن مكرمات عضد الدولة اذمت لعيني؛ أي عقدت لها عقدا يؤمنها من النظر إلى أولئك؛ أي: قصرها على عضد الدولة فلا تنظر إلى غيره؛ لأن هذا العقد قد انفسخ، ويوافق التفسير الذي فسرته. وكذلك قوله: الوافر وأيًّا شئتِ يا طُرُقي فكوني ... أذاةً أو نَجَاةً أو هَلاكَا قال: هذا كلام ضجر يقول لطريقه: كوني كيف شئت؛ فأني لا أبالي، وإن كان الهلاك في سلوكك. وأقول: هذا كلام مناقض، كأنه لا يعلم قبل ما ذكره ففسره هذا بما فسره! وكلام المتنبي هذا كلام معجب بنفسه، مدل بماله، متهور في مقالة، وأثق بما في يده، معتمد عليه غير معتمد على الله في الوقاية له، والمدافعة عنه، ولهذا قال فيما بعد: الوافر فلو سِرْنَا وفي تِشْرِينَ خَمْسٌ ... رَأوْني قَبْلَ أنْ يَرَوُا السِّمَاكَا لأنه لم يستثن مشيئة الله، فحل به ما كان يخشاه، وحال الهلاك دون الآل! قال الواحدي في تفسير هذا البيت: هذا كلام فيه حذف وتقديم وتأخير، تقديره: فلو سرنا في تشرين وقد مضت منه خمس، وإذا أخل الحذف بالكلام ولم يظهر المعنى لم يجز، والسماك يطلع لخمس خلون من تشرين الأول، وهذا مبالغة في ذكر سرعة السير والرجوع إلى اهله؛ يقول: لو أخذن في السير واخذ السماك في الطلوع لسبقته

стр. 1138

بالطلوع عليهم وهم بالكوفة؛ كأنه قال: أسبق النجم بسرعة السير. فيقال له: ليس في الكلام حذف ولا تقديم ولا تأخير، بل الكلام مستقل لنفسه غير محتاج إلى غيره، والواو في قوله: وفي تشرين خمس واو الحال من الضمير في سرنا. وقوله: الوافر يُشَرِّدُ يُمْنُ فَنَّاخُسْرَ عنِّي ... قَنَا الأعداءِ والطَّعْنَ الدِّرَاكَا وألْبَسُ من رِضَاهُ في طريقي ... سْلاحاً يَذْعَرُ الأعداَء شَاكَا أقول: لم يشرد عنه يمن فناخسر الطعن الدراك، ولا البس من رضاه سلاحا منع الأعداء شاك، وذلك إنه استعان بغير الله على دفاع الأعداء، فوكله الله إلى من استعان به ولم ينجي من الاسواء، فذهبت نفسه، وثل عرشه، وجذ غرسه. انتهى