← Адаб

Адаб · id 37057

المآخذ على شراح ديوان أبي الطيب المتنبي

المهلبي، أبو العباس

Полный текст (1 138 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

أي: لمثل هذه الخطة والحالة الصعبة، خُلقت الإبل الكرام؛ يعني: للنجاء عليها، ومفارقة الذل بها، وهذا دليل على ما قلته، وأنه أراد بالضمير في تدبره نفسه لا ابن سيده. ولو نظر الواحدي إلى البيت الثاني وما بعده وتدبره، لم يفسر الأول على ما فسره. وما رأيته، مع حذقه، يتفقد هذه المواضع التي هي أصل التفسير، ليأمن التناقض والاختلاف، بل وقع في كثير منها. وقوله: الطويل لَقَدْ كنتُ الغَدْرَ عن تُوسِ طَيِّىءٍ ... فلا تَعْذُلاني رُبَّ صِدْقٍ مُكَذَّبِ قال: يقول: كنت أقول أن طيئا لا تغدر، ولم تكن آباؤهم غدارين فلا تعذلاني إن غدر هذا لأنه ليس من الأصل الذي يدعي من طيئ. وقوله: . . . . . . ... . . . . . . ربَّ صِدْقٍ مُكَذَّبِ أي: رب صدق يكذبه الناس، يعني: كنت صادقا في نفي الغدر عن طيئ، وإن كذبني الناس لأجل وردان بادعائه إنه من طيئ، ويريد إنه صادق أن وردان ليس من طيئ. ولم يعرف ابن جني هذا فقال: رجع عن نفي الغدر عنهم، وليس في البيت ما يدل على رجوعه عن نفي الغدر.

стр. 1087

فيقال: بل الصحيح إنه ليس في البيت ما يدل على أن وردان ليس من طيئ والذي ذكرته خبط وتخليط، والذي ذكره ابن جني ظاهر، وذلك إنه اقسم لصاحبيه فقال: والله لقد كنت أنفي الغدر عن القدماء من طيئ فلا تعذلاني على ذلك بما ظهر من غدر وردان؛ فأني فيما قلت صادق، والصدق قد يكذب في بعض الأحيان؛ يعني أن القدماء منهم أهل وفاء إلا هذا حدث فيهم؛ يعني وردان فإنه غدَّار. وقوله: المتقارب ألاَ كُلُّ مَاشِيَةِ الخَيْزَلَى ... فَدا كلِّ مَاشِيَةِ الهَيْدَبى وكلِّ نَجَاةٍ بُجَاوِيَّةٍ ... خَنُوفٍ ومَا بِيَ حُسْنُ المِشَى قال في تفسير البيت الأول: يقول: فدت كل امرأة تمشي الخيزلي كل ناقة تمشي الهيدبى، وذلك وهم لأن الهيدبى من مشى الخيل، قال امرؤ القيس: الطويل على كُلِّ مَقْصُوصِ الذُّنابَى مُعَاوِدٍ ... بَرِيدَ السُّرَى في اللَّيلِ من خَيْلِ بَرْبَرْا إذا رُعْتَهُ من جانِبَيْهِ كِلَيْهِمَا ... مَشَى الهَيْدبَى في دَفِّهِ ثم فَرْفَرا

стр. 1088

وقال في تفسير البيت الثاني: يقول: لا أحب مشية النساء؛ وما بي إلى ذلك ميل، وإنما أحب كل ناقة خفيفة المشي. وأقول: لو أن المعنى على ما ذكر من إنه لا يحب مشى النساء، ويحب مشي الجمال لقال في البيت الثالث: لأنهن ولم يقل ولكنهن. والمعنى إنه لما قال: ألا كُلُّ ماشِيَةِ الخَيْزَلَى ... . . . . . . ويعني بذلك النساء: . . . . . . ... فِدَا كُلِّ مَاشِيَةِ الهَيْدَبَى ويعني بذلك الخيل، وفدى كل نجاة بجاوية خنوف، وهي الناقة التي ترمي بيديها إلى وحشيها، والخناف: ضرب من مشي الإبل، قال الأعشى: الطويل أجَدَّتْ بِرِجْلَيْها نجاءً وَراجَعَتْ ... يَداهَا خِنَافاً لَيِّناً غيرَ أحْرَدَا وهو يرى أن مشي الخيل عنده ومشي الإبل أحسن من مشى النساء لجده في الأمور وطلبه للمعالي وتركه للهو والغزل، قال: . . . . ... . . . . . . ومَا بِيَ حُسْنُ المِشَى أي: ما قصدي ومرادي حسن المشى وتفضيلي للخيل عليهن في ذلك، ولكن لما هو أحسن وأفضل من ذلك وهو ما استدركه من قوله: المتقارب ولكِنَّهُنَّ حِبَالُ الحياة ... وكَيْدُ العُداةِ ومَيْطُ الأذَى وقد وهو في اعتقاده أن الهيدبى من مشي الإبل، وذلك لما رآه قد عطف قوله:

стр. 1089

وكل نَجَاةٍ بُجَاوِيَّةٍ ... . . . . . . وهي من صفات الإبل، على قوله: . . . . . . ... . . . . . . ماشِيَةِ الهَيْدَبَى توهم إنه عطف لتأكيد الوصف للإبل وذلك خطأ لما ذكرته. وقوله: المتقارب وشِعْرٍ مَدَحْتُ به الكَرْكدَنْ ... نَ بين القَرِيضِ وبين الرُّقَى قال: يقول: هو شعر من وجه ورقية من وجه، لأني كنت أرقبه لأخذ ماله. وأقول: الجيد لو قال: لأسلم منه، كذات السموم التي ترقى خوفا من أذاها. وقوله: المتقارب فما كانَ ذلك مَدْحاً لَهُ ... ولكنَّهُ كانَ هَجْوَ الوَرَى قال: يقول: لم يكن ذلك الشعر مدحا له، ولكنه كان في الحقيقة هجوا للخلق كلهم حيث أحوجوني إلى مدحه. وقال ابن جني: إذا كانت طباعه تنافي طباع الناس كلهم سفالا ثم مدح فذلك

стр. 1090

هجوهم لأن فيه إرغامهم، ومدحا لما ينافي طباعهم. فيقال له: هذا ليس بشيء! والقول غير قولك وقول ابن جني، وهو ما ذكرته في شرح الكندي. وقوله: البسيط وإنْ تَكُنْ مُحْكماتُ الشُّكْلِ تَمْنَعُني ... ظُهورَ جَرْيٍ فلي فيهنَّ تَصْهَالُ قال: يقول: إن لم تكن عندي مكافأة بالفعل؛ فعندي مكافأة بالقول. والمعنى: إن لم أقدر على المكاشفة بنصرتك على كافور؛ فإني أمدحك إلى أوان، ذلك كما أن الجواد إذا شكل عن الحركة صهل شوقا إليها. وكان فاتك يسر خلاف الأسود، وينطوي على بغضه ومعاداته، وكان أبو الطيب يحبه ويميل إليه ولكن ليس يمكنه إظهار ذلك خوفا من الأسود. وأقول: الجيد أن يقال: إنه يقول: إن لم أقدر على مهاداتك ومجازاتك بالبذل والعطاء، لعلو قدرك، وعظم شأنك، وضيق مالي عن ذلك، فجعل نفسه جوادا،

стр. 1091

وجعل الإقلال له بمنزلة الشكال الذي يمنعه عن الجري وهو المجازاة بالعطاء، فإني أجازيك بالقول؛ أي: بالمدح والثناء، وجعل ذلك بمنزلة الصهيل للجواد إذا لم يقدر على الجري شوقا إليه. وقوله: البسيط لا وارِثٌ جَهِلَتْ يُمْنَاهُ ما وَهَبَتْ ... ولا كَسُوبٌ بغير السَّيفِ سَآَّلُ قال: يقول: لا يدرك المجد إلا سيد لا وارث؛ أي: لم يرث أباه شيئا لأنه كان جوادا فلم يُخلف مالا، ويمناه جهلت ما وهبت لكثرته. وأقول: لم يفهم المعنى! وتفسيره: لا وارث بقوله: لم يرث أباه شيئا. . . . . . إلى آخره، خطأ، ومعنى هذا البيت في الظهور كقول الشاعر: البسيط حَتَّى ظَهَرْتَ فما تَخْفَى على أحَدٍ ... إلاَّ على أحَدٍ لا يَعْرِفُ القَمرَا والمعنى: لا يدرك المجد إلا سيد فطن المكارم، يفعل منها أفعالا تشق على السادات، ووصف ذلك السيد فقال: لا وارثٌ جَهِلَتْ يُمْنَاهُ ما كَسَبَتْ ... . . . . . . وذلك أن الوارث لم يتعب في تحصيل المال، فإذا وهبه فهو جاهل به، وإنما كسب ذلك المال بسيفه ثم جاد به فهو ابلغ في الجود وافضل في العطاء. وقد ذكرت هذا في

стр. 1092

شرح التبريزي، وهو من قول ابن الرومي: الوافر وما في الأرض أكْرَمُ من جَوادٍ ... . . . . . . وقوله: البسيط القائدُ الأُسْدَ غَذَّتْها بَراثِنُهُ ... بِمِثْلهَا من عِداهُ وَهْيَ أشْبَالُ قال: أي: الذي يقود إلى الحرب رجالا هم أسود تغذوهم براثن فالتك بأمثالهم من الأعداء، يعني إنه يغنمهم الأبطال، وجعلهم كالأشبال له حيث قام بتغذيتهم. وأقول: إن هذه عبارة غير بينة مرضية. والمعنى إنه جعل فاتكا اسدا، يقود من غلمانه أسدا غذتها براثنه في حال صغرها بأسد مثلها من عداه. يعني إنه كان يصحبهم وهم صغار فيغنمهم ويجرئهم على القتال، ويرشحهم للقاء الأبطال، فهذا معنى قوله: . . . . . . ... . . . . . . وهي أشْبَالُ وقوله: الكامل ما كانَ منكَ إلى خَليلٍ قبلَهَا ... ما يُسْتَرابُ به ولا ما يُوجِعُ قال: يقول: لم يكن منك إلى خليل قبل المنية ما يريبه منك أو يوجعه، وذلك أشد لتوجعه عليك إذ لم تربه في حياتك.

стр. 1093

وأقول: المعنى إنه لما ساله ان يبرد حشاه بكلمة ولم تقع منه، استراب به لأنه لم يعهد ذلك منه، وتوجع له لترك جوابه فقال: ما كان منك إلى خليل قبل هذه الحالة، ما يوقع له ريبة بك وتوجعا منك بكونك لا تكلمه، ولا تقدر على نفعه لما حل بك من الموت. وقوله: البسيط لا أبْغِضُ العيسَ لكنِّي شَفَيْتُ بها ... قَلْبي من الهَمِّ أو جِسْمي من السَّقَمِ قال: يقول: ليست الإبل ببغيضة إلي، أي: ليس إتعابي لها في السفر بغضا لها مني، لكن أسافر عليها لأقي قلبي من الحزن، وجسمي من السقم، وذلك أن السقيم إذا غيّر الماء والهواء وسافر صح جسمه، وكذلك المحزون يتنسم بروح الهواء، ويصير إلى مكان يسر فيه بالإكرام. وأقول: لم يرد ما ذكره من حال السقيم وحال المحزون، ولكن يشير إلى ما كان يجده ويكابده في مصر، بسبب كافور، من الحزن في قلبه، والسقم في جسمه؛ يعني

стр. 1094

إنه بسير العيس، خلص من كافور ووقى وجسمه من ذلك، فهذا الكلام حكاية للحالة التي كان عليها، والشدة التي نجا منها. وقوله: البسيط في غِلْمَةٍ أخْطَروا أرْوَاحَهمْ ورَضُوا ... بما لَقُوهُ رِضَا الأيْسَار بالزُّلَمِ قال: يقول: سريت من مصر في غلمة حملوا أرواحهم على الخطر لبعد المسافة، وصعوبة الطريق، ورضوا بما يستقبلهم من هلك أو ملك، كما يرضى المقامرون بما يخرج لهم من القداح. وأقول: الجيد لو قال: بما يلقونه من نجاة أو هلاك، لأن أبا الطيب في خروجه من مصر على تلك الحال لم يحاول ملكا وإنما حاول نجاة من الأسود لخوفه على نفسه وماله منه بتوصيته عليه، ولكنه قصد بتلك العبارة الازدواج فوقع في الاعوجاج. وقوله: الطويل تُمِرُّ الأنابيبُ الخواطِرُ بينَنَا ... ونَذْكُر إقبالَ الأميرِ فَتَحْلَوْ لي

стр. 1095

قال: عند بعض الناس لا تجوز هذه الواو في هذه القافية. وقال: خطأ أن يجمع بين تجلي وتحلو لي في قافية. وليس كذلك؛ لأن الواو والياء إذا سكنتا وانفتح ما قبلهما جرتا مجرى الصحيح مثل القول والمين، وكذلك إذا انفتحتا وسكن ما قبلهما مثل أسود وأبيض، وهذا مثل قول الكسعي: الرجز يا رَبِّ وَفِّقْني لِنَحْتِ قَوْسِي فإنَّها من أرَبِي لِنَفْسي وانْفَعْ بِقَوْسي وَلَدِي وعِرْسِي وأقول: ليس هذا عند بعض الناس، كما ذكر، بل عند كل الناس ممن له علم بالقوافي واستقراء لأشعار العرب. وقوله: أن الواو والياء إذا سكنتا وانفتح ما قبلهما جرتا مجرى الصحيح؛ غير صحيح، ولو كانا كذلك لجاز أن يجتمع في قافية: الطول والصقل والقول والقتل. وهذا لا يجيزه أحد. ولجاز أن يأتي في قول رويشد: البسيط يا أيُّها الرَّاكبُ المُزْجي مَطِيَّتَهُ ... بَلَّغْ بني أسَدٍ ما هذه الصَّوْتُ المرت والخبت.

стр. 1096

وفي قول عبد الشارق: الوافر ألا حُيِّيتِ عنا يا رُدَيْنَا ... نُحَيِّيهَا وإنْ كَرُمَتْ عَلَيْنَا ردعنا وغلبنا، وذلك غير جائز البتة. قالوا: والواو والياء إذا سكنتا وانفتح ما قبلهما لم يصيرا كالصحاح، ولكن يقربان من الصحاح بنقص المد فيهما، فإذا جاءا في قافية مجردة كان ذلك فيهما أسهل من مجيئهما إذا كانت حركة ما قبلهما من جنسهما، فالأبيات التي انشدها ببكسعي، والتي ذكرها ابن جني في المعرب وهي: الوافر نَدِمْتُ ندامةً لو أنَّ نَفْسي ... تُطَاوعُني إذا لقَتَلْتُ نَفْسي تَبَيَّنَ لي سَفَاهُ الرَّأي مني ... لعَمْرُ إبِيكَ حين كَسَرْتُ قَوْسِي معدودة في عيوب الشعر؛ ذكر ذلك ابن جني وغيره. وأما قوله: وكذلك إذا انفتحتا وسكن ما قبلهما فالقول: أنهما إذا تحركا أشبها الصحاح، وسواء في ذلك انفتحتا أو انضمتا أو انكسرتا أو سكن ما قبلهما أو تحرك. وقوله: الطويل ظَلِلْنَا إذا أنْبَى الحديدُ نُصولَنَا ... نُجَرِّدُ ذِكْراً منك أمْضَى من النَّصْلِ

стр. 1097

قال: يقول: إذا لم تنفذ نصولنا على أسلحة الأعداء ذكرناك فنفذت عليهم بدولتك فكان ذكرك أمضى من النصل. وأقول: هذا ليس بشيء! وليس في الكلام ما يدل على أن نصولهم إذا لم تنفذ من ملاقاتها الأسلحة، تنفذ بذكره. ولكن المعنى أنا ظللنا إذا أنبي سيوفنا كرة الضرب بملاقاة الحديد، فلا تغني سيوفنا هنالك شيئا، ولا تؤذي الأعداء، ذكرناك لهم لما اشتهر من بأسك وهيبتك، فكان ذكرك أمضى من نصولنا فيهم؛ يشير إلى الخوف في قلوبهم، وذلك لا يرد بدرع وسلاح. وقوله: الطويل فَوَلَّتْ تُرِيغُ الغَيْثَ والغيْثَ خَلَّفَتْ ... وتَطْلُبُ ما قَدْ كانَ في اليَدِ بالرِّجْلِ قال: قال ابن جني: لو ظفرت بالكوفة وما قصدت له لوصلت إلى تناول الغيث باليد عن قرب. وقال العروضي فيما أملاه عليَّ: هذا تفسير من لم يخطر البيت بباله؛ لأنه ظاهر على المتدبر! إنما يقول: قد كانوا في أمن ونعمة، وشبّه ما كانوا فيه بالغيث فاستزادوا طلب الملك، وجاءوا محاربين فهزموا فلما تولوا هاربين قصدوا ما كان في أيديهم من

стр. 1098

مواطنهم ونعمتهم يطلبون بأرجلهم، فذلك قوله: . . . . . . ... ويطلُبُ ما قد كانَ في اليَدِ بالرِّجْلِ وقال ابن فورجة: يعني قد كانت في غيث من إقطاع السلطان وإنعامه، فلما عصوا وحاربوا، ثم انهزموا وولوا هاربين تطلب حصنا ومأمناً وقد خلّفت آمنا كان حاصلا لها، وتطلب بأرجلها ما كان في أيديها؛ أي: تطلب بهربها وإغذاذها على أرجلها ما كان حاصلا في أيديها. وأقول: لم يصب أحد منهم المعنى! والغيث هاهنا هو العشب والكلأ كقوله تعالى: (كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجِبِ الكُفَّارَ نَبَاتُهُ) وقال امرؤ القيس: الطويل وغيثٍ كألوانِ القَنَا قد هَبَطْتُهُ ... تجاوَبَ فيه كلُّ أوْطَفَ حَنَّانِ يقول: ولت بنو كلاب منهزمين تطلب العشب الذي كانت مقيمة فيه في راحة وطمأنينة بتعب ونصب، فكنى بالأيدي عن الراحة، وبالأرجل عن التعب متجاوزين المكان الذي كانوا فيه حين أمنهم وتركهم العيث والفساد في الكوفة، وقوله: . . . . . . ... وتَطْلُبُ ما قد كانَ في اليَدِ بالرِّجْلِ تفسير لما ذكره في صدر البيت؛ أي: تطلب ما قد كان في اليد؛ أيدي الخيل في حال أمنها، بارجلها لخوفها، ولو طلبته بأيديها لوقفت عنده، ولكنها لمّا جاوزته للخوف كأنها طلبته بأرجلها؛ يقول: ما كان أمامها صار وراءها، وما كان قريبا منها صار بعيدا عنها، فكنى باليد والرجل عن القرب والبعد وعن استقبال الشيء واستدباره. وهذا

стр. 1099

هو المعنى لم يتنبه له أحد سواي، ولا ألم به غيري! وإنما أوقعهم في التفسير الذي فسروه، ظنهم أن اليد والرجل للإنسان وليس كذلك. والذي يدل على إنه لم يكن بالغيث عن الأمن والنعمة، كما ذكر العروضي، ولا عن الإقطاع والانعام، كما ذكر ابن فورجة، ولم يرد به إلا ما ذكرته من العشب والكلأ قوله فيما بعد: الطويل تُحاذِرُ هَزْلَ المالِ وهي ذليلةٌ ... وأشْهَدُ أنَّ الذُّلَّ شَرٌّ من الهَزْلِ وقوله: الكامل بَادٍ هَواكَ صَبَرْتَ أم لم تَصْبِرا ... وبُكَاكَ إن لم يَجْرِ دمُعكَ أو جَرَى أقول: إنه أخبر في هذا البيت أن هواه باد صبر أو لم يصبر، وإن بكاه باد جرى دمعه أو لم يجر، وأخبر في البيت التالي وهو قوله: الكامل كم غَرَّ صَبْرُكَ وابْتِسَامُكَ صَاحِباً ... لمَّا رآهُ وفي الحَشَا ما لا يُرَى أن هواه خاف، لأنه لا يغر صاحبه بابتسامه وصبره وهو باد، وهذا ظاهره التناقض كما ترى. وقد سئل أبو الطيب عن هذا فقال: ليس هذا في حال واحد إنما هو في حالين، وبيانه أن قوله: الكامل كَمْ غَرَّ صَبْرُكَ وابتسامُكَ صَاحِباً ... . . . . . .

стр. 1100

إنما كان أولا، فكان صاحبه يرى منه الصبر والابتسام، ولا يرى ما في حشاه من الهوى والغرام، ثم إنه بعد ذلك بدا وظهر. فالبيت الثالث وهو قوله: الكامل أمَرَ الفؤادُ لسَانَهُ وجفُونَهُ ... فكتَمْنَهُ وكَفَى بِجِسْمِكَ مُخْبِرا ينبغي ان يكون متعلقا بالبيت الأول مؤكدا لما فيه من ظهور الهوى، ولا يكون للثاني لأنه يناقضه بما يناقضه بما في الثاني من الإخفاء بالصبر والابتسام، ولما في الثالث من الإبداء بالنحول والسقام. وقوله: الكامل يَتَكَسَّبُ القَصَبُ الضَّعِيفُ بخَطِّهِ ... شَرَفاً على صُمِّ الرِّماح ومَفْخَرا قال: يقول: قلمه اشرف من الرماح؛ لأن كفه تباشره عند الخط فيحصل له الشرف والفخر على الرماح التي لم يباشرها. وأقول: أن بعض مفسري الديوان حمل هذا القول على أن ابن العميد كاتب وليس من أهل الحرب، فالأقلام التي يحملها، مع كونها ضعيفة، تشرف الرماح التي يحملها غيره، مع كونها قوية، فلذلك أطلق القول على صم الرماح، وذلك منه غير سديد، لأنه قد وصفه قبل هذا البيت بشدة الإقدام في الحرب، وكثرة الطعن للأبطال، وذلك لابد أن يكون بالرماح. فالذي ذكره الواحدي تخصيص للرماح، وهو الصواب؛ فجعل بعض الأقلام، وهي التي مسها، تفتخر على بعض الرماح، وهي التي لم يمسها، وإنه أتى بلفظ العموم وهو يريد الخصوص. وبهذا التفسير يسلم قول أبي الطيب من التناقض.

стр. 1101

وقوله: الكامل ويَبِينُ فيما مَسَّ منه بنَانُهُ ... تِيهُ المُدِلِّ مَشَى لتَبَخْتَرَا قال: يقول: كل شيء يمسه ببنانه يظهر فيه الكبر حتى لو مشى الشيء لتبختر شرفا بمسه إياه. وأقول: إنه جعل الضمير في منه راجعا إلى الشيء الذي قدره ووصفه بالذي وليس ذلك بحسن وإن كان فيه مبالغة، بل الضمير راجع إلى ما قبله من القصب الضعيف وصفه بتيه المدل لمسه إياه. فلو إنه بمنزلة إنسان يمشي لتبختر كبرا وعجبا. وقوله: الكامل قَطَفَ الرِّجالُ القولَ قبلَ نباتِهِ ... وقَطَفْتَ أنت القَول لما نَوَّرَا قال: يقول: أقوال الناس كالثمر التي تقطف قبل ينعها وأدركها، وقولك كالنبات المتناهي في نبته. وقوله: قبل نباته، أي: قبل تمام نباته فحذف المضاف.

стр. 1102

وأقول: لم يرد بالقطف هاهنا الثمر، ولكن أراد الزهر، وإنما غره ذكر القطف فظن إنه للثمر وحده، والقطف يستعمل فيهما كليهما، ولهذا قال: . . . . . . ... وقطَفْتَ أنت القولَ لما نَوَّرا وتفسيره: قبل نباته بقوله: قبل ينعه، ويريد به الثمر، خطأ، بل يريد قبل تمام نباته كما ذكر، وذلك يدل على الزهر. وقوله: الكامل وتَرَى الفَضِيلَةَ لا تَرُدُّ فَضِيلَةً ... الشَّمْسَ تُشْرِقُ والسَحَابَ كَنَهْوَرَا ذكر في هذا البيت قول ابن جني، وهو قول مرغوب عنه إعرابا ومعنى! وذكر قول ابن فورجة وتخطئته لابن جني، وهو صواب، ثم قال: والمعنى أنها ترى الفضيلة لا ترد ضدها من الفضائل على ما عهده في المتضادين، وفسر ذلك فقال: يوجدك الشمس مشرقة، والسحاب كنهورا أي: في حال واحدة يُوجدك هذا الممدوح هاذين المتضادين، إذ كانت الشمس يسترها السحاب كنهورا، فوجهه كالشمس إضاءة، ونائله كالسحاب الكنهور فيضا، وهما لا يتنافيان في وقت واحد. وأقول: لا يحتاج قوله:

стр. 1103

... الشَّمْسَ تُشْرِقُ والسَّحابَ كَنَهْوَرا إضمار فعل كما ذكر من قوله يوجدك ولا غيره! بل ذلك نصب على البدل من الفضيلة. وأما قوله: فوجهه كالشمس إضاءة إن أراد بذلك حسن الخلق فليس بصحيح؛ لأن ذلك ليس بفضيلة له، وإن أراد حسن الخلق من بشر وطلاقة تبدو في وجهه فتلك فضيلة فيه، وبها يصح المعنى لا بسواه. وقوله: الخفيف ما لبِسْنَا فيه الأكاليلَ حتَّى ... لَبِسَتْهَا تلاعُهُ ووِهَادُهْ قال: يريد بلبس التلاع ما عليها من النبات، والوهاد ضد التلاع؛ جمع وهدة، وهي المنخفض من الارض، وجعل ما على الوهاد أكاليل ولا يحسن ذلك. والبيت مأخوذ من بيت أبي تمام: الكامل حَتَّى تعَمَّمَ صُلْعُ هَامَاتِ الرُّبَا ... من نَبْتِهِ وتَأزَّرَ الأهْضَامُ وهذا البيت سليم لأنه جعل ما على الربا بمنزلة العمامة، وما على الاهضام - جمع هضم وهو المطمئن من الأرض - بمنزلة الإزار، ووجه قول أبي الطيب إنه أراد: حتى لبستها تلاعه والتحفت بها وهاده، فيكون من باب: عَلَفْتُهَا تِبْناً وماءً بَارِدَا

стр. 1104

وأقول: هذا التقدير لا يصح في بيت أبي الطيب، وذلك أن قوله: لبستها تلاعه راجع إلى الأكاليل فلا يجوز أن يقدر: والتحفت بها وهاده لأن الأكاليل لا يلتحف بها، وإنما الأكاليل هنا هي الأزهار المنظومة، والأكاليل استعارة فيها وكناية عنها لأنها تجعل على الرؤوس فصح أن يقال فيها: . . . . . . حَتَّى ... لَبِسَتْهَ تِلاعُهُ وَوِهَادُهْ ولا حاجة إلى إضمار فعل. وقوله: الخفيف مَثَّلُوهُ في جَفْنِهِ خَشْيَةَ الفَقْ ... دِ فَفِي مِثْلِ أَثْرِهِ إغمادُهْ قال: يقول: مثلوا هذا في غمده؛ يعني: جعلوا على مثاله وصورته، وهو انهم غشوه فضة محرقة فأشبهت تلك الآثار هذا السيف وما عليه من آثار الفرند فهو قوله: . . . . . . ... فَفِي مِثْلِ أثْرِهِ إغمادُهْ أي إنه يغمد في جفن عليه آثار كأثره. وقوله: خشية الفقد: الناس يقولون: أراد أن هذا السيف عزيز، فلعزه وخوف فقده غشوا جفنه الفضة. وقال ابن جني: صونا للجفن من الفقد لئلا يأكل جفنه. وقال ابن فورجة: يعني ما نسج من الفضة على جفنه تصويرا لما على متنه من

стр. 1105

الفرند؛ فعل ذلك به إرادة أن لا تفقده العين بكونه في غمده؛ بل تكون كأنها ناظرة إليه، ولم يرد بقوله: خشية الفقد ذهابه وضياعه بل أراد أنه، لحسنه، لا يشتهي مالكه أن يفقد منظره بأغماده فقد مثله في جفنه. وأقول: قد أطال المشائخ الكلام في شرح هذا البيت ولم يأتوا بطائل والمعنى ما ذكرته أولا وآخرا في شرح ابن جني والكندي. وقوله: الخفيف ورَجَتْ رَاحةً بنا لا تَراها ... وبلادٌ تَسِيرُ فيها بلادُهْ قال: قال ابن جني: لما انتقلت خيله إلي، رجت أن تستريح من طول كده إياها وليست ترى ذلك من جهتي ما دمت أسير في بلاده والعمل الذي يتولاه لسعته وامتداد الناحية التي تحت يده. هذا كلامه! وليس لسعة البلد وامتداد الناحية هاهنا مهنى، إنما يقول: لا ترى هذه الخيل ما ترجوه، لانّا لا نزال نغزو معه بغزواته، ونطارد عليها معه إذا ركب إلى الصيد، وإنما نستريح إذا فارقنا خدمته، ونحن لا نفارق خدمته وبلاده. وأقول: القول ما قال ابن جني لما ذكرته في شرح الكندي.

стр. 1106

وقوله: الخفيف هَلْ لعُذْري إلى الهُمامِ أبي الفَضْ ... لِ قبولٌ سَوادُ عَيْني مِدَادُهْ قال: قال ابن جني: أني رضيت أن يجعل المداد، الذي يكتب به، قبول عذري، سواد عيني حبا له وتقربا منه. هذا كلامه! وليس على ما قال؛ لأن المراد قبول العذر لا أن يكتب الممدوح. والمعنى إنه يقول: هل يقبل عذري؟ أو: هل عنده قبول لعذري؟ ثم قال: . . . . . . ... . . . . . . سواد عَيْني مِدَادُهْ على طريق الدعاء، كأنه قال: جعل الله مداده سواد عيني؛ يعني إنه إن استمد من سواد عيني لم أبخل عليه. وإنما قال هذا لأنه كاتب حاسب يحتاج إلى المداد. والكناية في مداده يعود إلى أبي الفضل، وعلى ما قال ابن جني يعود إلى العذر وليس بشيء. وأقول: الوجه الذي ذكره ابن جني أحسن في المعنى واقرب إلى الصواب، وقد تصحف على الشيخ الواحدي يكتب؛ فعل ما لم يسم فاعله ب: يكتب فجعله للممدوح وقال: المراد قبول العذر لا أن يكتب الممدوح، ولم يرد ابن جني ذلك وإنما قال: يقول: رضيت أن يجعل المداد الذي يكتب به قبول عذري سواد عيني؛ يعني إذا كتبت اعتذر إليه من تقصيري في مدحه، وعجزي عن إحاطة وصفه. وهذا المعنى على هذا الوجه هو الحسن، والذي ذكره من قوله: . . . . . . ... . . . . . . سواد عَيْني مِدَادُهْ أنه دعاء، ليس بحسن؛ لأنه منفصل عن الأول غير متعلق به فلا يحسن أن يكون من تمامه.

стр. 1107

وقوله: الخفيف ما سَمِعْنَا بمن أحبَّ العَطايَا ... فاشْتَهَى أنْ يكونَ فيها فؤادُهْ قال: يقول: لم نسمع قبله بجواد يحب الإعطاء ويتمنى أن يكون قلبه من جملة ما يعطي؛ يعني أن ما أفاده من العلم هو نتيجة عقله وقلبه وبنات فكره، فعبّر عن العلم بالفؤاد لأن محله الفؤاد كما قال تعالى ذكره: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ) أي: عقل، فسمى العقل قلبا، ولم يعرف ابن جني هذا فقال: الكلام الحسن الذي عنده إذا أفاد إنسانا فقد وهب له عقلا ولبا وفؤادا وهذا إنما يحسن لو قال: فاشتهى أن يكون فيها فؤاد؛ منكر، وأما إذا أضافه إلى الممدوح فليس يجوز. وأقول له: لم يعرف ابن جني المعنى ولا أنت!! ولا يجوز قولك ولا قوله لما ذكرته في شرح التبريزي والكندي!! وقوله في وصف كتاب ابن العميد: المتقارب فأخْرَقَ رِائَيهُ ما رَأى ... وأبْرَقَ ناقِدَهُ ما انْتَقَدْ إذا سَمِعَ الناسُ ألفاظهُ ... خَلَقْنَ له في القُلوبِ الحَسَدْ فقلتُ وقد فَرَسَ النَّاطِقينَ ... كذا يَفْعَلُ الأسَدُ ابن الأسَدْ

стр. 1108

قال: لو خرس المتنبي فلم يصف كتاب أبي الفتح بن العميد بما وصف لكان خيرا له! وكأنه لم يسمع وصف كلام قط! وأي موضع للاخراق والبراق والفرس في وصف الألفاظ والكتب! وهلا احتذى على مثال البحتري في قوله يصف كلام ابن الزيات: الخفيف وكلامٌ كأنَّهُ الزَّهَرُ الضَّا ... حكُ في رَوْنقِ الرَّبيع الجَديدِ ومَعَانٍ لو فَصَّلَتْهَا القَوافي ... هَجَّنَتْ شِعْرَ جَرْوَلٍ وَلَبيدِ حُزْنَ مستعْمَلَ الكلامِ اختيارا ... وتَجَنَّبْنَ ظُلْمَةَ التَّعْقيدِ أو هلا ربع على ظلعه ولم يكن معورا تبدو مقاتله!! فيقال له: لم يكن أبو الطيب ممن يقال له: ربع على ظلعه وهو احذق الناس بأصل الشعر وفرعه، وهو المسلم إليه قصب السبق على تأخر العصر! وأما قوله: لو خرس فلم يصف كتاب ابن العميد. . . . . . فيقال له: لم يكن ليخرس وهو القائل: الكامل مَا نَالَ أهلُ الجَاهِلَّيةِ كُلُّهم ... شِعْري ولا سمِعَتْ بِسحْرِيَ بَابلُ والبيت الذي بعده. وإن كان وقع منه تقصير في هذه الأبيات؛ فلأنه لم يحتفل بها، ولم يتكلف لها بل قالها بديها.

стр. 1109

وأما قوله: وأي موضع للاخراق والإبراق والفرس في صفة الألفاظ. فيقال له: هذه استعارة لم يسبق إليها، فلا يحتاج أن يقتدي بأحد فيها. وأما قوله: هلا احتذى على مثال البحتري في الأبيات التي ذكرها. فيقال له: لم يكن أبو الطيب ليحتذي به فيما هو اقل منها؛ ألا ترى إلى ما يحكى عنه من انه لما نظم قوله: الوافر إذا اعوَجَّ القَنَا في حَامِليهِ ... وجازَ إلى ضُلوعِهِمُ الضُّلُوعَا قال: كنت قلت: . . . . ... وأشْبَهَ في ضُلوعِهمُ الضُّلُوعَا ثم أنشدت بيتا لبعض المولدين يشلهه فرغبت عنه؛ يعني قول البحتري: الكامل في مَأزَقٍ ضَنْكٍ تُخَالُ به القَنَا ... بينَ الضُّلُوع إذا انْحَنَيْنَ ضُلُوعَا ولعمري ما أبيات البحتري بتلك الأبيات الغريبة المعاني المحكمة الألفاظ، وما المستحسن منها غير سهولتها وترك التكلف فيها. ولا أعلم لم خصها بالذكر دون غيرها مع أن لأبي تمام أشهر وأسير من أبيات البحتري وأشد أسرا وأتم معنى، وصف بها كتابا جاءه من الحسن بن وهب وهي: الوافر فَضَضْتُ خِتَامَهُ فَتَبَلَّجَتْ لي ... غَرائِبُهُ عن الخَبَرِ الجَلِيِّ وكان أغَضَّ في عَيْني وأنْدىَ ... على كَبدِي من الزَّهَرِ الجَنيِّ

стр. 1110

وأحسن مَوْقِعاً منِّي وعندي ... من البُشْرَى أتَتْ بعدَ النَّعِيِّ وضُمِّنَ صَدْرُهُ ما لم تُضَمَّنْ ... صُدورُ الغَانياتِ من الحُلِيِّ وكأن الواحدي استضعف هذه الأبيات التي في أبي الفتح فقال فيها ما قال فهلاَّ تعرض لقوله في أبيه يصف بلاغته: الكامل أنت الوحيدُ إذا ارتكبْتَ طَرِيقةً ... فمن الرَّديفُ وقد رَكِبْتَ غَضنَفْرا قطَفَ الرجالُ القولَ قَبْلَ نباتِهِ ... وقطَفْتَ أنت القولَ لمَّا نَوَّرا فهو المُتَبَّعُ بالمسَامعِ إن مَضَى ... وهو المُضَاعَفُ حُسْنُهُ إنْ كُرِّرا وقوله: الطويل وليسَ حَيَاءُ الوَجْهِ في الذِّئبِ شيمةً ... ولكنَّهُ من شيمةِ الأسَدِ الوَرْدِ قال: المعنى أن حياءهم ليس بمزر بهم كما إنه لا يعيب الأسد حياؤه. وأقول: الجيد أن لو قال: حياؤهم فضيلة فيهم وفخر لهم، كما إنه في الأسد كذلك. وذكره الورد صفة للأسد زيادة يتم الكلام من دونها، لأن جميع الأسد توصف بالحياء؛ الورد منها وغير الورد، وإنما ذكرها للقافية.

стр. 1111

وقوله: الطويل إذا ما اسْتَجَبْنَ الماء يَعْرِضُ نفسَهُ ... كَرِعْنَ بِسِبْتٍ في إناءٍ من الوَرْدِ قال: قال أبو الفضل العروضي: ما أصنع برجل ادعى إنه قرا على المتنبي ثم يروي هذه الرواية؛ يعني: استحين؛ بالحاء، ويفسر هذا التفسير! وقد صحت روايتنا عن جماعة منهم: محمد بن العباس الخوارزمي، وأبو محمد بن أبي القاسم الحرضي، وأبو الحسن الرخجي، وأبو بكر الشعراني، وعدة يطول ذكرهم رووا: إذا ما اسْتَجَبْنَ الماَء يَعْرِضُ نَفْسَهُ ... كَرِعْنَ بِشَيْبٍ. . . . . . وأقول: أن ابن جني لم يقرأ على أبي الطيب مديح ابن العميد ومديح عضد الدولة؛ لأنه لم يكن معه في حال توجهه إليهما، ولم يجتمع به بعد رحيله عنهما، وذلك إنه رجع من شيراز يريد الكوفة فقتل في الطريق فلا يؤخذ عليه ذلك من جانب الرواية، مع أن التصحيف لا يحسن بمثله لعلو قدره واشتهار فضله، وهؤلاء الجماعة الذين روى عنهم العروضي، استجبن وبشيب ينبغي أن يكونوا بارجان أو بشيراز وقد قرؤوا وسمعوا الديوان على أبي الطيب. وقد ذكرت ما ذكره من المآخذ في هذا البيت والجواب عنها في شرح ابن جني.

стр. 1112

وقوله: الطويل هَلِ الخيرُ شَيءٌ لَيْسَ بالخَيْرِ غَائِبٌ ... هَلِ الرُّشْدُ شَيءٌ غائبٌ ليس بالرُّشْدِ؟ قال: يقول: لا ينبغي ان يعتقد في الخير والرشد الحاضرين انهما ليسا بخير ولا رشد، كذلك لا ينبغي أن يقال: ليس ابن العميد المهدي، والمهدي غيره وهذا استفهام معناه الإنكار. وقال ابن جني: أيحسن أن يترك الخير والرشد الحاضران وأن يقال: هما الرشد والخير ويدعي أن هنا رشدا وخيرا غائبين هما في الحقيقة الخير والرشد، أي اعتقاد هذا فاسد فلذلك ينبغي أن يكون من ترك أن يقول: إن ابن العميد هو المهدي في الحقيقة، وادعى أن المهدي غائب متوقع فاسد الاعتقاد. فيقال له: بل الفاسد الاعتقاد، من يرى أن المهدي من غير ولد النبي وقد قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: المهدي من فاطمة وذلك مروي عنه من طرق معروفة في أحاديث مشهورة. ولكن لا ينكر للمتنبي أن يدعي في ابن العميد إنه المهدي، ولو علم إنه يزيده في العطاء بزيادته على ذلك لقال إنه نبي بل قال إنه إله، وتهوره في هذا المديح، يدل على تهوره في الضلال ووقوعه في الوبال!!

стр. 1113

وقوله: الطويل وكلُّ شَرِيكٍ في السُّرورِ بمَصْبَحي ... أرَى بَعْدَهُ من لا يَرَى مِثْلَهُ بَعْدي قال: يقول: كلمن شاركني في السرور بمصبحي عنده إذا عدت إليه من أهلي وغيرهم ورأى ما أوتيته أرى بعده منك يا ابن العميد إنسانا لا يرى هو مثله بعد مفارقتي إياه لأنه لا نظير لك في الدنيا. وأقول: هذا قول ابن جني، وليس بشيء! والمعنى قد بينته في شرحه. وقوله: المنسرح أوْهِ بَديلٌ من قَوْلتي وَاهَا ... لِمَنْ نَأتْ والبديلُ ذِكْراهَا أقول: إن هذا من الابتداءات البشعة، والافتتاحات المظلمة التي يتطير منها ويرغب عنها وهل يحسن بشاعر في أول قدومه على ملك ولقائه له، أن يبتدئ ناطقا

стр. 1114

بأوه مكررا لها ثلاث مرات؟! أفأمن أن يقال له: علة تقطع أمعاءك وأعضاءك؟! وما أعلم هل وقع هذا منه لتغفل، أو لسوء أدب وجفاء طبع؟! ومثل ذلك ابتداؤه في مديح كافور أول وفوده عليه ووصوله إليه بقوله: الطويل كَفَى بك داءً أنْ تَرَى الموت شَافِيَاً ... وحَسْبُ المنايا أنْ يَكُنَّ أمَانِيَا وهذا إذا قيل مع كافور، وهو جاهل بالشعر وبما يقال فيه، فهل يقال ذلك في عضد الدولة وهو من الحذاق في العربية والنقاد للشعر؟ ولكنه أراد أن يتعرب ويتغرب بلفظ أوه وواها فتبرص وتبغض! وقوله: المنسرح شَامِيَّةٌ طالَماَ خَلَوْتُ بها ... تُبْصِرُ في ناظِري مُحَيَّاها قال: هذا يحتمل وجهين: أحدهما: إنه يريد فرط قربها منه حتى إنها منه بحيث ترى وجهها في ناظره، وهذه عبارة عن غاية القرب. والآخر: إنه أراد حبها إياه فهي تنظر إلى وجهه وتدنو منه لحبه، حتى ترى وجهها في ناظره

стр. 1115

وأقول: الوجه الثاني وجه قبيح، وذلك إنه قال فيما يليه: المنسرح فَقَبَّلَتْ نَاظِري تُغًالطني ... وإنما قَبَّلَتْ به فَاهَا فكيف تقرب منه لحبها اياه، وهي تغالطه وتخادعه بما تظهر له من تقبيل ناظره غير الذي تخفيه من تقبيل فيها، وهذا لأن يدل على البغضاء أولى من أن يدل على المحبة، ومع ذلك فإن هذه من الألفاظ الغثة، والمعاني الباردة. وقوله: المنسرح في بَلدٍ تُضْرَبُ الحِجَالُ به ... على حِسَانٍ ولَسْنَ أشْبَاهَا قال: يقول: هي في بلد، الحسان المحبوسات في الحجال كثيرة بذلك البلد، ولسن أشباها لهذه؛ لأنها تفضلهن في الحسن والجمال. ويحوز أن يكون المعنى: إن كل واحدة منهن منفردة من الحسن بما لا يشاركها فيه غيرها، فلا يشبه بعضها بعضا. وأقول: الوجه الحسن في هذا، قد ذكرته في شرح المعري. وقوله: المنسرح لا تجدُ الخَمْرُ في مَكارِمِهِ ... إذا انْتَشَى خَلَّةً تلافَاهَا

стр. 1116

قال: يقول: هو قبل الشرب متكرم بالبذل والعطاء، فلا يزيد تكرمه شرب الخمر، وليست في مكارمه حلة تتلافاها. وأول هذا المعنى لعنترة: الكامل وإذا صَحَوْتُ فما أقَصِّرُ عن نَدىً ... وكما عَلِمْتِ شمائلي وتَكَرُّمي فيقال له: بل أول هذا المعنى لامرئ القيس: الطويل وتعرِفُ فيه من أبيهِ شَمائلاً ... ومن خالِهِ ومن يَزِيدَ ومن حُجُرْ سماحَةَ ذَا وبِرَّ ذَا ووَفَاَء ذَا ... ونائِلَ ذَا إذا صَحَا وإذا سَكِرْ وقوله: المنسرح وصَارتِ الفَيْلقَانِ واحدةً ... تَعْثُرُ أحْيَاؤهَا بمَوْتَاها قال: قال ابن جني: أي: شن الغارة في جميع الارض، فخلط الجيش بالجيش، حتى يصير اختلاطهما كالشيء الواحد. وقال ابن فورجة: ليس أبو الطيب في ذكر الغارة وشنها، وإنما يقول قبله

стр. 1117

بيتين: في قلبه همم إحداها أعظم من فؤاد الزمان، فهو لا يبديها لأنه لا يجد زمانا يسعها، فإن قضي لها وجاء حظها وبختها بأزمنة أوسع من هذا الزمان، حينئذ أظهر تلك الهمم، واجتمع أهل هذا الزمان وأهل تلك الأزمنة، وصارا شيئا واحدا، وضاقت الأرض بهم حتى يعثر حيها بميتها للزحمة وكثرة الناس، ومثل هذا في الزحمة قوله أيضا: الطويل سُبِقْنَا إلى الدُّنيا فلو عاشَ أهْلُهَا ... مُنِعْنَا بها من جيئةٍ وذُهوبِ وأنث الفيلق على إرادة الكتيبة والجماعة. وأقول: القول قول ابن جني. وقول ابن فورجة قول الذي يتخبطه الشيطان من المس!! وهل يلبس على أحد قوله: المنسرح وصارتِ الفَيْلَقَانِ واحدةٍ ... تَعْثُرُ أحياؤهَا بموتَاهَا إنه يريد اختلاط الجيشين في الحرب وكثرة القتال والقتل. وأما تفسير البيتين اللذين قبل هذا فانه يقول: تجمعت في فؤاد عضد الدولة همم لا يسعها فؤاد الزمان لعظمها؛ بل إحداها ملؤه! كأنه يقول: هذا الزمان يصغر عن هممه بأن يملكه بالقتال؛ أي: كل من فيه من الملوك ليسوا بأكفاء له، ولا بأهل أن

стр. 1118

يقصد حربهم لحقارتهم بالإضافة إلى عظمته! فإن اتفق لهممه أن تتضاعف الأزمنة وتكثر، فحينئذ يقصد تملكها وقتال ملوكها، ويقدم إقداما في الحرب إلى أن يخلط الجيش بالجيش، ويكثر القتل إلى أن يعثر الحي بالميت. وإيراد الواحدي كلام ابن فورجة ووقوفه عليه وسكوته عنه، يدل على الرضا به فهو مشارك له في الخطأ، وزائد عليه في إيراده بالتعب! وقوله: المنسرح ودارَتِ النَّيِّراتُ في فَلَكٍ ... تَسْجُدُ أقمارُهُ لأبْهَاهَا قال: لم يأت ابن جني ولا ابن فورجة في هذا البيت بشيء يفهم ويتحصل! والمعنى: يريد بالنيرات، والأقمار ملوك الدنيا إذا عادوا واجتمعوا في زمان واحد كما ذكرنا فيما قبل. وأراد بأبهاها عضد الدولة. ومعنى سجود الأقمار: خضوع الملوك، فحينئذ يبدي هممه. وأقول: هذا البيت مرتب على ما ذكره عن ابن فورجة في تفسير البيت الذي قبله وهو خطأ نتيجة مقدمة خطأ، والصحيح ما ذكرته في شرح المعري. وقوله: الوافر ولكنَّ الفَتَى العربيَّ فيها ... غَريبُ الوَجْهِ واليَدِ واللِّسَانِ

стр. 1119

ذكر في قوله غريب الوجه وجهين: أحدهما: إنه لا يعرف. والثاني: إنه اسمر اللون؛ لأنه عربي، وغالب ألوان العرب السمرة. وأهل الشعب شقر الوجوه. وذكر في غربة اليد أيضا وجهين: أحدهما: أن سلاحه الرمح، وأسلحة ذلك المكان الزانات والمزاريق، وهذا قول ابن جني وليس بشيء! والوجه الآخر، وهو الصحيح، أن كتابته العربية وكتابتهم الفارسية. وهذا الوجه كنت كتبته، وظننت أني لم اسبق اليه، وما كنت - شهد الله - رأيته لأحد قبل ذلك، فاتفقت مواردي له فيه، وذلك إنه المعنى الذي أراده الشاعر فالذهن الصحيح لا يميل عنه! وقوله: الوافر غَدَوْنَا تَنْفُضُ الأغصانُ فيها ... على أعْرافِهَا مِثْلَ الجُمَانِ

стр. 1120

قال: الجمان خرز من فضة يشبه اللآلئ؛ يريد إنه إذا سار في شجر هذا المكان وقع من خلل الأغصان على أعراف خيله مثل الجمان من ضوء الشمس، فكأن الأغصان تنفضه على أعرافها. وأقول: لم يرد ما ذكره من تشبيه ضوء الشمس الساقط من خلل الأشجار بالجمان، وإنما أراد قطر الندى الذي تنفضه الأغصان بتحركها؛ شبهه للونه وصفائه، بالجمان، ولهذا قال: غدونا لأن الندى يكون بالغداة. وقوله: الوافر ولو كانَتْ دِمَشْقَ ثَنى عِنَاني ... لَبِيقُ الثُّرِدْ صِينِيُّ الجِفَانِ قال: يقول: لو كانت هذه المغاني الطيبة دمشق لثنى عناني إليه رجل ثريده ملبق وجفانه صينية؛ يعني: لأضافني هناك رجل ذو مروءة يحسن إلى الضيفان؛ لأنها من بلاد العرب، وشعب بوان من بلاد العجم. وحمل ابن جني قوله: لبيق الثرد على الممدوح. وليس الأمر على ما قال، فإن البيت ليس بمخلص، ولم يذكر الممدوح بعد. والمعنى إنه يبين فضل دمشق وأهلها وإحسانهم إلى الضيفان. فيقال له: الصحيح ما قال ابن جني في أن المراد بذلك عضد الدولة الممدوح. والذي قلته من إنه لغيره، وان البيت ليس بمخلص، والممدوح لم يذكر بعد، قول من ليس له اطلاع على طرائق أشعار العرب وغيرهم من فحول الشعراء، فمن ذلك قول زياد بن منقذ: البسيط لا حَبَّذَا أنت يا صَنْعَاءُ من بَلَدٍ ... ولا شَعوبُ هوىً منِّي ولا نُقُمُ

стр. 1121

فابتدأ بذم صنعاء وبلادها، وبقاعها التي تحل بها عنس وقدم، ودعا عليها بسقيا النار إذا سقيت غيرها الأمطار، ثم خرج من ذلك إلى مدح وادي اشي ومن حاده من الجيران، ووصفهم بالكرم والإحسان في أبيات، ثم أخذ في الغزل فذكر منه شيئا، ثم عاد إلى ذكرهم والثناء على مواضعهم وديارهم، وأيامه التي تقضت له فيها، وتشوقه إليها وتأسفه عليها. وإذا تفقدت أشعار العرب وجد فيها مثل ذلك كثير. وإذا صح أن المراد بذلك الممدوح، كان البيتان اللذان بعد هذا البيت من صفاته أيضا، وبطلت المآخذ الفاسدة، والروايات الكاذبة، والاختلاف في القلبين اللذين في البيت الثالث هل هما للضيف أو للمضيف؛ اعني قوله: الوافر تَحُلُّ به على قَلْبٍ شُجَاعٍ ... وتَرْحَلُ منه عن قَلْبٍ جبان وقوله: الوافر منازلُ لم يَزَلْ منها خَيَالٌ ... يُشَيَّعُني إلى النَّوْبَنْدِجَانِ قال: نوبندجان: بلد بفارس؛ يريد إنه يرى دمشق في النوم وهو بفارس، فخيال منازل دمشق يتبعه. والمعنى إنه يحبها، ويكثر ودها، ويحلم بها. ويجوز أن يريد خيال حبيب له بدمشق ونواحيها يأتيه في منامه.

стр. 1122

وأقول: لم يرد دمشق، ولا خيال حبيب فيها، وإنما يريد الواضع التي استحسنها ومغاني الشعب، ووصفها قبل، فعاد إلى ذكرها فقال: منازل لطيبها وحسنها لم يزل منها خيال يشيعني إلى مكان مثلها في الطيب والحسن أو أحسن منها وهو النوبندجان فإنه أنسانيها لزيادته في الطيب عليها. وقوله: الوافر رُقَاهُ كلُّ أبْيَضَ مَشْرَفِيٍّ ... لكلِّ أصَمَّ صِلٍّ أُفْعُوَانِ قال: جعل اللصوص كالافاعي، وجعل سيوفه رقى لتلك الأفاعي فكما أن الحية تدفع بالرقية، كذلك هو يدفع اللصوص بسيوفه. فيقال له: هذا الموضع أغمض من أن تدركه وأعز من أن تملكه! ولم يرد باللصوص الأفاعي أيها الشيخ الواحدي، لما ذكرته في شرح الكندي! وقد فسر قوله: الوافر حَمَى أطرافَ فَارِسَ شَمَّرِيٌّ ... يَحُضُّ على التَّبَاقي بالتَّفَاني بشيء من هذا حاكيا قول العروضي: إنه حمى فارس من الخراب واللصوص رادا على ابن جني قوله: إن المعنى: يقول لأصحابه: افنوا أنفسكم ليبقى ذكركم. وهو القول الحق، وقول العروضي هو الباطل! لأن ذكر اللصوص انقطع من لدن قوله:

стр. 1123

فباتَتْ فوقَهُنَّ بلا صِحَابٍ ... . . . . . . وأخذ بعد ذلك في ذكر ما هو أعظم منهم متنقلا بذكر الحرب عنهم. وقوله: الوافر فلو طُرِحَتْ قلوبُ العِشْقِ فيها ... لما خافَتْ من الحَدَ قِ الحِسَانِ قال: أراد قلوب أهل العشق. والمعنى: إن الأمن قد عم بلاد فارس حتى لو كانت قلوب العشاق فيها، لما خافت سهام أحداق الحسان. وأقول: المعنى ما ذكره، إلا أن زيادة تخفى على مثله! وهي إن الأشياء المخوف عليها، التي لا تحمى بالبأس من جميع الناس، لو حلت في بلاده لأمنت وحميت وهي قلوب العشاق المرمية بسهام الأحداق. وفي هذا البيت زيادة على قوله: الكامل حَدَقٌ يُذِمُّ من القَواتِلِ غيرها ... بَدْرُ بنُ عَمَّارِ بن إسْمَاعِيلا وذلك إنه جعل بدر بن عمار لا يحمي من الحدق، وجعل عضد الدولة يحمي منها. وقوله: الوافر وأكثرَ في مَجَالسِهِ حَديثاً ... فُلانٌ دَقَّ رُمْحاً في فُلانِ

стр. 1124

قال: لم أر ولدين أكثر منهما استماعا في مجالس الأدب دق رمحا فلان في فلان؛ يعني: لا يجري في مجلس أبيهما غير ذكر المطاعنة فهما لا يسمعان غير ذلك. وأقول: إنه قد نقص البيت بنقص العبارة، وذلك أن أبا الطيب إنما قال: أكثر استماع ولم يقل: لا يجري في مجلس أبيهما غير ذكر المطاعنة فهما لا يسمعان غير ذلك فينفي أن يجري في مجلسه ذكر العلم والجود، وهما اشرف من البأس! وإنما يقول: إن هذا ملك صاحب جد وقتال لا لهو ولعب فاكثر ما يجري في مجلسه ذكر الطعان، وقد يجري فيه غير ذلك من الفضائل. وقوله: المنسرح ناثِرُهُ ناثِرُ السُّيُوفِ دَماً ... وكلِّ قَوْلٍ يقولُهُ حِكَمَا قال: يقول: الذي نثر هذا الورد ينثر السيوف؛ أي يفرقها وهي دم؛ أي: متلطخة فكأنها دم. وأقول: الجيد البالغ، أن يقال: إنه ينثر السيوف بضرب يده؛ أي: يقطّعها به ولا يفرّقها

стр. 1125

بأيدي غيره، ويدل على قولي، قوله بعده: المنسرح فَلْيُرِنَا الوَرْدُ إن شكا يَدَهُ ... أحسن منه من جُودها سَلِما والبيت الذي بعده١. وقوله: المنسرح والخيلُ قد فَصَّلَ الضِّياعَ بها ... والنِّعَمَ السَّبِغَاتِ والنِّقَمَا قال: يقال: فصل العقد إذا نظم فيه أنواع الخرز فجعل كل نوع من نوع ثم فصّل بين الأنواع بذهب أو بشيء آخر. هذا هو الأصل في تفصيل العقود، ثم يسمى نظم العقد تفصيلا فيقال: عقد مفصل إذا كان منظوما، ومنه قول امرئ القيس: الطويل . . . . . . ... . . . . . . أثناءِ الوشَاحِ المُفَصَّلِ والمعنى إنه جمع هذه الأشياء بالخيل؛ أي: تمكن من جمعها بالخيل، وجعل جمعها تفصيلا؛ لأنها أنواع فجعل ذلك كتفصيل العقد. والمعنى إنه ينثر الخيل؛ أي: يفرقها في الغارة، ثم ذكر إنه جمع بها هذه الأشياء التي ذكرها من النعم لأوليائه، والنقم لأعدائه. وأقول: إن الواحدي قد خبّط وخلّط في مواضع من هذا التفسير ولا كتخبطه
следующие страницы →