Полный текст (1 138 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
المؤونة وقلة الفائدة، وإنما كان كافور قد وعده بأن يوليه ويقطعه، فجعل يسوفه ويمطله، وجعل يعطيه الشيء بعد الشيء ما يقوم بمئونته ومؤونة دوابه وغلمانه، فلما طال عليه ذلك قال له: إذا لم تنط بي ما وعدتني، وأعطيتني شيئا لا يبقى لي، ولا يفضل عني لأني أخرجه أولا فأولا، فكأنك لم تصنع شيئا، فجعل جوده في إعطائه له هذا الشيء اليسير بمنزلة الكسوة، وشغله له وقطعه عن التسبب بمنزلة السلب، فهذا هو المعنى.
(وقد روي: وشغلك، بفتح الشين، وذلك مما يدل على ما قلت).
وقوله: (الطويل)
وكُلُّ تمرْئ يُولي الجميلَ مُحَبَّبٌ ... وكُلُّ مَكَانٍ يُنْبِتُ العِزَّ طَيَّبُ
قال: قوله: ينبت العز استعارة حسنة؛ أي: من حصل بين يديك عز وعلا قدره.
وأقول: لا شك أن الاستعارة حسنة، ولكنه لم يفهم معنى البيت. ومعناه: أنه لما ذكر أهله وأوطانه فيما قبله، وذكر حنينه اليهم، وفضل كافورا عليهم في مقامه عنده، وانقطاعه إليه قال: لا ينبغي للإنسان أن يحن إلى الأهل والوطن إذا لم يوافق، وإن كان الأهل محببين، والوطن طيبا، بل المرء الذي يولي الجميل هو المحبب على الحقيقة، وكذلك المكان الذي ينبت العز هو الطيب، ويعني بذلك مقامه عند كافور لأنه بهذه المثابة.
стр. 37
وقوله: (الطويل)
وعَنْ ذَمَلانِ العِيس إنْ سامَحَتْ به ... وإلاّ فَفِي أَكْوارِهِنَّ عُقَابُ
قال: يقول: إن سمحت العيس لي بسيرها وإلا ففي أكوارها مني عقاب، فلا حاجة لي إلي سيرها؛ فأنا أقطع المفاوز على قدمي.
وأقول: إنه لم يفهم المعنى، ولا تنبه له أحد من بعده (والتقدير: أنا غني عن الأوطان والحنين إليها وعن ذملان العيس، وإلا اغن عنهما - لما يعرض لي من سوء المقام عند من أنا مقيم عنده - فإني خفيف في السير والاضطراب، كأني في أكوار العيس عقاب، فجعل الكور كالوكر له وهو آلف له معتاد كالعقاب).
(وقوله: (الطويل)
وأَكْثرُ مَا تَلْقَى، أبا المِسْكِ بِذلَة ... إذا لم يَصُنْ إلاَّ الحَديدَ ثِيَابُ
стр. 38
قال: يقول: إذا تكفرت الأبطال فلبست الثياب فوق الحديد خشية واستظهارا؛ فذلك الوقت أشد ما يكون تبذلا للضرب والطعن شجاعة وإقداما.
وأقول: ليس المعنى في التقدير كما. . .)
وقوله: (السريع)
لو دَرَتِ الدُّنيَا عندَهُ ... لاسْتَحْيَت الأيامُ من عَتْبِهِ
قال: يقول: لو علمت الدنيا بما عنده من الفضل والنفاسة، لاستحيت الأيام من عتبه عليها.
وأقول: إنها تعلم بما عنده من الفضل والنفاسة، ولكنها لا تعلم ما عنده من الحزن والكآبة، (ولهذا) اعتذر لها بما ذكره فيما بعد.
وقوله: (الكامل)
هُنَّ الثَّلاثُ المَانِعَاتِيِ لذتي ... في خَلْوَتي لا الخَوْفُ من تَبِعَاتِهَا
стр. 39
قال: يقول: إنما أترك لذتي في خلوتي، لما في المروءة والفتوة والأبوة، لا لما
يتخوف من تبعات اللذة، وهذا سرف نعوذ بالله منه.
وأقول إن أبا الطيب أطلق اللفظ بذكر التبعات، ولم يقيد بالتبعات التي تتخوف من قبل أهل المحبوب من قتل وقتال، وتوعد وتهدد، فذلك أراد، ولم يرد التبعات التي تلحقه من الآثام التي يكون الله - سبحانه - هو المطالب بها والمجازي عليها في الآخرة.
وقوله: (الكامل)
عَجَباً لهُ حَفِظَ العِنَانَ بأَنْمُلٍ ... ما حِفْظُهَا الأشْياَء من عَادَاتِها!
قال: يقول: كيف حفظ العنان بأصابعه، وإنما من شأنها، ابدا، العطاء والبذل، لا الحفظ.
وأقول: إن كان أراد بالحفظ إمساك الشيء ولزومه طويلا، كإمساك المال، فليس من عاداتها.
وإن أراد بالحفظ إمساك الشيء ولزومه، على الجملة، كلزوم السيف في الحرب وحفظه، وإمساك الرمح والقلم والكتب، فهي كذلك وهو من عاداتها.
وكأنه أراد بقوله: الأشياء التي تتمول وتقتنى من الذهب والفضة، ونفائس الذخائر من الثياب والجواهر والخيل والعبيد، فإن ذلك ليس من عاداتها، فأطلق بقوله:
стр. 40
الأشياء وهو يريد بعضها، وهذا كثير في استعمالهم كقوله - تعالى -: (وأوتيت من كل شيء) وقوله: (تدمر كل شيء) وقول أبي الطيب: (الوافر)
يقولُ لِيَ الطَّبيبُ أكَلْتَ شَيْئاً. . . . . . . . .
أي: شيئا ضارا.
وقوله: (الكامل)
لا تَعذُلُ المَرَضَ الذي بِكَ شائِقٌ ... أنْتَ الرَّجَالَ وِشَائقٌ عِلاتِها
أقول: إن هذه (الأبيات) في وصف المرض من أغث شعر قيل فيه وأبرده، وأناه
عن الصواب وأبعده. ومثلها الأبيات التي في فصد بدر بن عمار، بل تلك تربي عليها في الثقالة وتزيد في الإحالة، (وهي التي منها: (المنسوخ)
لم تُبْقِ إلاَّ فَبيلَ عافيةٍ ... قَدْ وفَدَتْ تَجْتَديكَها العِلَلُ
وتلك بشارة. . . .) وهذا إنما يوقعه فيه طلب التدقيق، فيخرجه عن المجار والتحقيق، فلا يأتي منه بما يستفاد، فضلا عما يستجاد.
стр. 41
وقوله: (الوافر)
ووَجْهُ البَحْرِ يُعْرَفُ من بَعِيدٍ ... إذَا يَسْجُو، فكيفَ إذا يَموجُ!
قال: قوبه: يموج لأنه رآه يدير الرمح فشبهه بالبحر المائج.
وأقول: الأظهر أنه وصف الجيش بالبحر وجعل سيف الدولة وجهه، لأنه أعلاه ومقدمه؛ فيكون فيه مدح له ولجيشه بأن جعل جيشه كالبحر في عظمه وتموجه، وسيف الدولة وجهه لعلوه، وشرفه وإقدامه.
وقوله: (الكامل)
نَازَعْتُهُ قُلُصَ الرَّكابِ ورَكْبُهُ ... خَوْفَ الهَلاكِ، حُدَاهُمُ التَّسْبِيحُ
قال: نازعته، أي أخذت منه بقطعي إياه، وأعطيته ما نال من الركاب.
стр. 42
وأقول: الذي قاله ليس بشيء!
وإنما هو من نازعت فلانا الشيء إذا جاذبته إياه.
يقول: نازعت هذا البلد الطويل الإبل لاستنقذها منه؛ لأنه يجذبها ليهلكها، وأنا أجذبها لأنجيها وأنجو عليها. وهذا من أفصح كلام وأحسن استعارة، (وقلما يقع لمحدث مثله).
وقوله: (الكامل)
جَهْدُ المُقِلَّ فَكَيْفَ بابْنِ كَريمةٍ ... تُوليهِ خَيْراً واللَّسَانُ فَصيِحُ
قال: يقول: الشكر جهد المقل، فكيف ظنك بكريم شاعر فصيح؛ يعني نفسه!
وأقول: إن قوله: الشكر جهد المقل خطأ، وإنما يريد ما ذكره من وصف الرياض في البيت الذي قبله، وهو قوله: (الكامل)
وذَكيُّ رائحةِ الرَّياضِ كَلامُهَا ... يَبْغي الثَّنَاَء على الحَيَا فَيَفُوحُ
قال الواحدي: ذاك (من الرياض) جهد المقل؛ لأنها لا تملك النطق ولا تقدر من
стр. 43
شكر السحاب إلا على ما يفوح منها من الروائح الطيبة، فكيف ظنك بابن كريمة - يعني نفسه - تحسين إليه وله لسان فصيح يقدر في الثناء (على) ما لا تقدر عليه الرياض؟
وقوله: (الرياض)
يَرُدُّ يداً عن ثَوبِهَا وهو قَادِرٌ ... ويَعْصي الهَوَى في طَيْفِها وهو رَاقِدُ
قال: لو أمكنه في موضع قادر يقظان لكان حسنا لكنه لما لم يجد إليه سبيلا، شحا على الوزن، جاء بلفظ كأنه مقلوب راقد، وهو قادر لقرب اللفظ في التجانس. على أن في البيت شيئا وهو أن الراقد قادر أيضا لأنه قد يتحرك في نومه ويصيح، ولكن لما كان ذلك لغير قصد وإرادة صار كأنه غير قادر.
ومعنى البيت: إنه يعصي الهوى من منازعته إياها راقدا ويقظان؛ يصف نفسه بالنزاهة.
وأقول في قوله: لو أمكنه في موضع قادر يقظان لكان حسنا: لو أراد ذلك
стр. 44
لأمكنه أن يجعل موضع يقظان لأنه في معناه وأحسن منه لأنه على وزن راقد وليس كذلك يقظان، ولم يرد ذلك لأن اليقظان قد يكون غير قادر، والقادر على الملامسة لا يكون إلا يقظان، وهذا يفسد قوله في النائم إنه قادر، فالأخذ الذي أخذه عليه غير صحيح، والصحيح ما ذكره أبو الطيب؛ (يقول: يعف عن الحبيب في اليقظة وعن طيفه في النوم. وهذا من قول الآخر: (الكامل)
ماذا يُريدُ النَّاسُ مِنْ رَجُلٍ ... خَلُصَ العَفافُ الأنامِ لَهُ
إن هَمَّ في حُلْم بفاحِشَةٍ ... زَجَرْتهُ عِفَّتُهُ فينتَبِهُ
وقوله: (الطويل)
وأورِدُ نَفْسي والمُهَنَّدُ في يَدِي ... كَوَارِدَ لا يُصْدِرْنَ من لا يُجَالِدُ
قال: أي: من وقف مثل موقفي في الحرب، ولم يكن شجاعا جلدا هلك.
وأقول: لم يفهم المعنى وهو: إني أورد نفسي موارد من الحرب لا ينجي فيها الفرار، لشدتها وضيقها وصعوبتها، ولا ينجي غيها إلا الجلاد. وكأن أبا الطيب وقف على قول
стр. 45
المهلب لابنه يزيد في بعض أيامه من الخوارج - وكان على رأسه (فوق البيضة) قلنسوة محشوة، وإن قطنها ليتطاير من ضرب السيوف -: هذا يوم لا ينجو فيه إلا من صبر! ذكر ذلك أبو العباس في الكامل.
وقوله: (الطويل)
وغَلَّسَ في الوَادي بهنَّ مُشَيَّعٌ ... مُبَاركُ ما تَحْتَ اللَّثَامَيْنِ عَابِدُ
(أقول): اشتغل (ابن جني) بذكر الفرق بين اللثام واللفام، فذكر عن الفراء وأبي زيد أن الذي على طرف الأنف بالثاء، والذي على الأنف بالفاء، عن معنى قوله: تحت اللثامين وهما: لثام العمامة ولثام المغفر، ومبارك ما تحتهما يعني وجهه، يقال: فلان مبارك الوجه وميمون النقيبة، فيكنى بذلك عن الجملة كقوله - تعالى: (وجوه يومئذ ناضرة) و (وجوه يومئذ ناعمة).
وقوله: (الطويل)
فَتَى يَشْتَهِي طولَ البِلادِ وَوَقِتِه ... تَضيقُ به أَوقَاتُهُ والمَقَاصدُ
стр. 46
قال: أي يشتهي طول البلاد ووقته، والزمان يظهر ما عنده من الفضل والكمال، ومع ذلك تضيق به مقاصده.
وأقول: ليس في اللفظ ما يدل على ما ذكره من إظهار الزمان ما عنده من الفضل والكمال. ولكن: تضيق في موضع الحال.
يقول: إن الممدوح، لعظمه وعظم همته يشتهي طول البلاد وطول وقته، في حال ضيق أوقاته به ومقاصده ليبلغ من ذلك ما يليق به (وما يشابهه. ومثله قوله فيه: (البسيط)
ضَاقَ الزَّمَانُ وَوَجْهُ الأرضِ عن كَلِكِ ... ملءِ الزَّمان وملءِ السَّهْلِ والجَبَلِ)
وقوله: (الطويل)
أَخُو غَزَواتٍ ما تُغِبُّ سيُوفُهُ ... رِقَابَهُمُ إلاَّ وسَيْحانُ جَامِدُ
قال: أي: ما يغبهم إلا لجمود الماء.
وأقول: هذه عبارة ليست بتلك الجيدة؛ لأنه يقال: فجمود ماء شيحان مما يعينه على غزوهم، ويسهل له الدخول إليهم، (لأنه، كما ذكر أنه يجمد بحيث تدخل عليه المارة
стр. 47
والناس والدواب فيحملهم). ولو قال: ما يغبهم إلا لشدة البرد بهجوم الشتاء، كان أجود، وذلك أن قوله: وسيحان جامد في موضع الحال، أي: في حال جمود نهرهم المعروف سيحان، وذلك يدل على شدة البرد فيمتنع الغزو.
وقوله: (الطويل)
ذِكِيٌّ تَظَنَّيهِ طَلِيعةُ عَيْنِهِ ... يَرَى قَلْبُهُ في يَومهِ ما تَرَى غَدا
قال: يقول: لصحة ذهنه وفرط ذكائه إذا ظن شيئا رآه بعينه لا محالة، وهذا كقول دريد: (الطويل)
قليلُ التَّشَكَّي للمَصِيِبَات حَافظٌ ... من اليَومِ أعقْابَ الأَحَاديث في غَدِ
وأقول: إن بينهما فرقا. وذلك أن دريدا يصف أخاه بأنه متنبه للمكارم، باكتساب المحامد واجتناب الملاوم، لأن قوله:
. . . . . . حافظٌ ... من اليَوْمِ أعقابَ الأحاديثِ في غَدِ
стр. 48
أي: ما يعقب الأحاديث التي يذكر بها الإنسان (بعد موته) من حمد إن كانت خيرا أو ذم إن كانت شرا.
ومن ذلك ما حدث به أبو تمام عن بعض المهلبيين قال: قال يزيد بن المهلب: والله الحياة أحب إلي من الموت، ولثناء حسن أحب إلي من الحياة، ولو أنني أعطيت ما لم يعط أحد لأحببت أن تكون لي أذن تسمع ما يقال في غدا إذا أنا مت!
وأبو الطيب يصف الممدوح بصحة الحدس وحدة الذهن كقوله: (الكامل)
مُسْتَنْبطٌ من عِلْمهِ ما في غَدٍ ... فكأنَّما سَيكونُ فيهِ دُونا
ولو قال: هذا كقول أوس: (المنسرح)
الأَلْمعِيَّ الذي يَظُنُّ لك الظَّ ... نَّ كأنْ قد رأى وقد سَمِعَا
كان أولى من بيت دريد.
وقوله: (الطويل)
عَرَضْتَ له دونَ الحَياةِ وطَرْفِهِ ... وأبْصَرَ سَيْفَ اللَّهِ منكَ مُجَرَّدا
قال: لما رآك لم تسمع عينه غيرك لعظمك في نفسه، وحلت بينه وبين حياته فصار كالميت في بطلان حواسه إلا منك.
стр. 49
(وأقول:) وهذا الذي ذكره ليس بشيء!
والمعنى: أن الدمستق لما رأى سيف الدولة خاف منه؛ فلشدة خوفه كأنه حال بين طرفه وحياته وقد:
. . . . . . . . . . . . أَبْصَرَ سَيْفَ اللَّهِ منه مُجَرَّدا
أي: في تلك الحال، وقد هاهنا مقدرة، أي: سيف الله لا سيف خلقه، كقوله: (المتقارب)
فيا سيف ربك لا خلقه. . . . . . . . .
стр. 50
وقوله: (الطويل)
رَأَيْتُكَ مَحْضَ الحِلْمِ في مَحْضِ قُدْرَةٍ ... ولو شئتَ كانَ الحِلُمُ منكَ المُهَنَّدا
قال: أي حلمك عن الجهال عن قدرة، ولو شئت لسللت عليهم السيف.
وأقول: الجيد لو قال: (لقتلتهم) بالسيف.
وقوله:
. . . . . . . . . ... . . . كان الحِلْمُ منك المُهَنَّدا
стр. 51
فمن قولهم: عتابك السيف. وقول عمرو: (الوافر)
وخَيْلٍ قد دَلَفْتُ لها بِخَيْلٍ ... تَحِيَّةُ بَيْنهمْ ضَرْبٌ وَجيعُ
وقوله: (الكامل)
اليَوْمَ عَهْدُكُمُ فأينَ المَوْعِدُ ... هَيْهاتَ ليس ليَوم عَهْدِكمُ غَدُ
قال: أي: أموت وقت فراقكم فلا أعيش إلى غد ذلك اليوم، فليس لذلك اليوم غد عندي.
وأقول: لهم يفهم معنى هذا البيت، ولا فهمه أحد ممن جاء بعده!
ومعناه: كأنه سأل أحبته: متى الوصال؟ فقالوا: في غد، فلما حضر قال: اليوم عهدكم بالوصال فأين الموعد؟ أي: في أي مكان يكون. ثم كأنه تبين له منهم الخلف فقال: هيهات! أي: استبعد أن يكون ليوم عهدهم بالوصال غد. وهذا مثل قول بعضهم: (الكامل)
في كلَّ يَوْمٍ قائِلٌ لي في غَدٍ ... يَفْنَى الزَّمَانُ ومَا تَرَى عَيْني غدا
стр. 52
وقوله: (الكامل)
المَوْتُ أقْرَبُ مِخْلبا من بَيْنِكُمْ ... والعَيْشُ أبْعَدُ منكُمُ لا تَبْعُدُوا
قال: (أي: قبل أن تبينوا عني أموت خوفا لبينكم.
قال: وهذا مثل قوله: (الوافر)
أَرَى أسَفِي ومَا سِرْنا شَديداً ... فكَيْفَ إذا غَدا السَّيرُ ابْتراكَا)
يقول: فإذا بعدتم كان العيش أبعد منكم؛ لأنه يعدم البتة وأنتم موجودون، وإن كنتم
بعداء عني فالعيش إذا أبعد منكم لأن بكم الحياة.
وأقول: أخصر من هذه العبارة (وأبين) أن يقول: الموت مني قريب ببينكم، وبينكم أيضا مني قريب. إلا أن الموت أقرب منه، وعيشي إذا بعدتم بعيد، وأنتم بعيدون إلا أن العيش ابعد منكم، فدعا لهم أن لا يبعدوا، وإنما الدعاء له في الحقيقة لأن ببعدهم بعد حياته وبقربهم قربها.
وقوله: (الكامل)
قالَتْ، وقد رأَتِ اصفرارِي: مَنْ بهِ؟ ... وتَنَهَّدَتْ، فأَجَبْتُها: المُتَنَهَّدُ
стр. 53
قال: أي: من المطالب به؟ كذا معناه.
وأقول: ليس كذا معناه، ومعنى: من به، أي: من في قلبه أو من يهوى؟ فأجبتها: المتنهد، أي: أنت، وهذا أمثل من قوله؛ لأن المطالبة تكون بالقتل، والاصفرار يدل على الهوى (لا على القتل) وهو مثل قول الآخر: (الكامل)
ظَلَّتْ تُسَائِلُ بالمُتَيَّمِ أهْلَهُ ... وهي التي فَعَلَتْ بهِ أفْعَالَها
وقوله: (الكامل)
فَرَأيتُ قَرْنَ الشَّمسِ في قَمَرِ الدُّجَى ... مُتَأوَّداً غُصْنٌ به يتأوَّدُ
قال: قرن الشمس: أعلاها؛ أي: قد جمعت حسن الشمس والقمر.
وأقول: المعنى غير ذلك، وهو أنه شبه صفرتها من الحياء بقرن الشمس، وهو أول ظهورها وشروقها، وشبه بياضها بالقمر، فكانت مصفرة الحياء في بياض وجهها كالشمس في القمر.
وقوله: (الكامل)
أبْلَتْ مَوَدَّتَها اللَّيالي بَعْدَنَا ... ومَشَى عَلَيْهَا الدَّهْرُ وهو مُقَيَّدُ
стр. 54
قال: هذا مثل واستعارة،
وذلك أن المقيد يتقارب خطوه، فيريد أن الدهر دب إليها فغيرها كما قال أبو تمام: (الوافر)
فَيَا حُسْنَ الدَّيارِ وما تَمَشَّى ... إليهَا الدَّهْرُ في صُورَ البُعَادِ
وقال الواحدي في قوله:
. . . . . . . . . وَمَشى عَلَيْهَا الدهرُ وهو مُقَيَّدُ
وهو الصحيح، أنه أراد المبالغة في الإبادة؛ أي وطئها وطأ ثقيلا، كما قال الحارث بن وعلة: (الكامل)
وَوَطئتَنَا وَطأ على حَنَقٍ ... وَطْأَ المُقَيَّدِ نَابِتَ الهَرْمِ
وقوله: (الكامل)
أبْرَحْت يا مَرَضَ الجُفُونِ بِمُمْرَضٍ ... مَرِضَ الطَّبِيبُ له وَعيِدَ العُودُ
قال: يعني بالممرض جفنها.
و:
. . . . . . . . . ... وَرِضَ الطَّبيبُ له وعِيدَ العُوَّدُ
стр. 55
مثل، ولا طبيب هناك ولا عود، ولكن لما جعل الممرض جفونا، جعل لها طبيبا وعودا.
(وأقول:) وهذا ليس بشيء! والمعني بالممرض نفسه، ووصفها بالمبالغة في المرض إلى أن مرض الطبيب والعود رحمة له وخوفا عليه.
والمعنى أن مرض جفون المعشوق أبرح بالممرض، الذي هو العاشق، أي: اشتد وتجاوز في الأذى والألم، فجعل مرض (الجفن) الذي هو ضعيف يشتد على العاشق ويبالغ في أذاه. وذلك عجب وهو من أحسن معنى.
ويدل على أن الممرض نفسه، الضمير الذي يليه في البيت الذي بعده وهو:
فَلَهُ بَنْو عبد العزيز. . . . . . . . .
وقوله: (الكامل)
نَظَرَ العُلوجُ فلم يَرَوْا مَنْ حَوْلَهُمْ ... لَّما رأَوْكَ وقيلَ: هذا السَّيدُ
قال: لما رأوك تشاغلوا بالنظر إليك، وبرقت أبصارهم فلم يروا أحدا لديك.
وأقول: لا حاجة إلى ذكر البرق، بل لما رأوا الممدوح لم يروا من دونه؛ لعظمته، اشتغالا به عمن سواه.
стр. 56
وقوله: (الكامل)
كُنْ حَيثُ شِئْتَ تَسِرْ إليك رِكابُنا ... فالأرضُ واحدةٌ وأنتَ الأوْحَدُ
قال: قوله: فالأرض واحدة: أي ليس للسفر علينا مشقة لإلفنا إياه، وهذا كقوله: (الوافر)
ألِفتُ تَرَحُّلي وجَعَلْتُ أرْضِي ... قُتُودي والغُرَيْرِيَّ الجُلالاَ
وأقول: لم يرد ذلك، وليس بين البيتين مشابهة. وكيف يقول: ليس علينا في السفر مشقة؟ والمعروف المألوف من الشعراء في أشعارهم أنهم يذكرون للممدوح ما يلقونه من الضرر ومشقة السفر بسلوك القفار، وتحمل الأخطار، يمتون بذلك إليه، ويدلون عليه، فمن ذلك قول الأعشى: (المتقارب)
إلى المَرْءِ قَيْسٍ أُطِيلُ السُّرى ... وآخذُ من كُلَّ حَيَّ عُصُمْ
وقول علقمة: (الطويل)
إليكَ أَبَيْتَ اللَّعْنَ كان وَجِيفُهَا ... بمُشْتَبِهاتٍ هَوْلُهُنَّ مهِيبُ
وقول الحطيئة: (الطويل)
إليكَ سَعِيدَ الخَيرِ جُبتُ مَهَامِها ... يُقَابِلُني آلٌ بهَا وتَنُوفُ
وما أشبه ذلك.
وإنما المعنى: كن حيث شئت من البعد، فإنا نصل إليك على كل حال؛ لأن الأرض
стр. 57
واحدة فلا بد من قطعها، وأنت الأوحد فلا بد من الوصول إليك، فلا نعدل عنك إلى غيرك.
وقوله: (الكامل)
وصُنِ الحُسَام فلا تُذلِهُ فإنَّهُ ... يشكُو يَمِينَكَ والجَمَاجِمُ تَشْهَدُ
قال: يشكو يمينك من كثرة ما يضرب به.
والإذالة: ضد الصون.
وقوله: صنه أي: لا تذله. لأنه به يدرك الثار ويحمى الذمار.
(وأقول): وقال ابن فورجة: كيف أمن أن يقول: ما أذلته إلا لأدرك (ثأري) وأحمي ذماري؟ ثم ذكر وجها من عنده غير حسن!
وأقول: المعنى أن السيف يتنزل من الشجاع منزلة الأخ؛ لطول مصاحبته وملازمته له، وذلك في كلامهم مشهور كقول طرفة: (الطويل)
أخي ثِقَةٍ لا يَنْثَني عن ضَرِيبةٍ ... إذَا قيلَ مَهْلاً قالَ حَاجِزُهُ ثَدِي
فيلزمه حينئذ صونه وحفظه؛ لأنه أخوه وصاحبه، وهو قد أذاله بكثرة ضربه للجماجم حتى شكا يمينه لذلك. وجعل الجماجم تشهد لأنها المباشرة له، فجعل السيف
стр. 58
والجماجم، بالشكوى والشهادة، بمنزلة من يحسن ويعقل ويتكلم. كل هذا استعارة ومبالغة، وكأن هذا ينظر إلى قوله: (الوافر)
لِمَنْ مَالٌ تُمَزَّقُهُ العَطايَا ... وتَشْرَكُ في رَغَائبِه الأنَامُ
ولا ندْعوك صَاحِبهُ فَتَرضَى ... لأنَّ بِصُحْبةٍ يَجِبُ الذَّمامُ
وقوله: (المتقارب)
تُعَجَّلُ قِيَّ وُجُوبَ الحُدودِ ... وَحَدَّيَ قَبْلَ وُجُوبِ السُّجودِ
قال: أي: إنما تجب الحدود على البالغ، وأنا صبي لم تجب علي الصلاة، فكيف أحد؟ وليس يريد، في الحقيقة، أنه صبي غير بالغ، إنما يصغر أمر نفسه عند الوالي. ألا ترى أن صبيا لا يظن به اجتماع الناس إليه للشقاق والخلاف.
وأقول: إن تأويله، وصرف الكلام عن ظاهره هو الواجب، ولكن ليس كما قال من أنه يصغر أمر نفسه عند الوالي، ولكن ضرب ذلك مثلا في الظلم. يقول:
стр. 59
أنا
فيما فعل بي من الحبس، وأنا غير مستحق له، بمنزلة صبي حد، وبما قيل عني من الكذب وأنه مستحيل، بمنزلة من قيل عنه، وهو طفل لم يبلغ القعود، إنه ظلم الناس، وهو تفسير البيت الذي يليه.
وقوله: (الوافر)
أُحَادٌ أمْ سُداسٌ في أحَادِ ... لُيَيْلَتُنَا المَنُوطَةُ بالتَّنادي
قال: كأنه قال: أواحدة أم ست؛ لأن ستا في واحدة ست.
والتنادي: يريد تنادي أصحابه بما يهم به؛ ألا ترى إلى قوله: (الوافر)
أُفَكَّرُ في مُعَاقَرِة المَنَايا. . . . . . . . .
وأقول: إن هذا الذي ذكره ليس فيه طائل ولا له معنى سائغ. وقد كثر الاختلاف في تفسير هذا البيت، والأظهر فيه ما ذكره الواحدي وهو أنه أراد بقوله: سداس في أحاد: سبعة لأنه جعل (الواحد) طرفا للستة ولم يرد الضرب الحسابي، وتلك أيام الأسبوع تدور إلى آخر الدهر. والتنادي: يريد به يوم القيامة، فكأنه قال لما استطال ليلته: أهذه الليلة واحدة أم أيام الأسبوع التي تدور أبدا فهي متصلة بيوم القيامة؟
стр. 60
وقوله: (الوافر)
جَزَى اللَّهُ المَسيرَ إليه خَيْراً ... وإنْ تَرَك المَطَايا كالمَزادِ
قال: أي: قد أنضاها وهزلها، وأراد المزاد البالية، فحذف الصفة لأن المعهود منهم أن يشبه النضو المهزول بالمزادة، وأنشد: (الرجز)
كأنَّها والشَّوْلُ كالشَّنانِ
تَمِيسُ في حُلَّةِ أرْجُوانِ
(وأقول:) وقال ابن فورجة: لا دليل على حذف الصفة، وأراد: كالمزاد التي تحملها في مسيرها إذ قد خلت من الماء والزاد لطول السفر، والألف واللام في
المزاد للعهد، ولم يدل على ذلك، والدليل (عليه) أنهما في المطايا كذلك، لأنه يريد مطاياهم ولم يرد جميع المطايا.
قال: والمعنى أن المسير إليه، أذهب لحوم مطايانا، وأفنى ماء اسقيتنا، فلم يبق في المطية لحم، ولا في المزادة ماء.
стр. 61
وقوله: (الوافر)
كأنَّ عطاَءكَ الإسلامُ تَخْشَى ... إذَا مَا حُلْتَ عاقِبَةَ ارتدادِ
قال: يقول: أنت تقوم على سخائك، وتتعهده كما يحفظ الإنسان دينه.
وأقول: إنه أراد المبالغة في محافظته على جوده، فشبه رجوعه عنه برجوعه عن الإسلام في الدنيا عار، وفي الآخرة نار!
وقوله: (الوافر)
لقُوكَ بأَكْبُدِ الإبلِ الأَبَابَا ... فَسُقْتَهُمُ وحَدُّ السَّيفِ حَادي
قال: الأبايا: جمع أبية، فسقتهم وحد السيف حاديك، ضربه مثلا. وهكذا قال أبو الطيب.
وأقول: المعنى: إنه لما ذكر هؤلاء الذين بغوا وعصوا في اللاذقية شبههم بالإبل في إبائهم وغلظ أكبادهم، وجعل السيف حاديهم وسائقهم بخلاف الإبل فإنها تساق وتحدى بالعصا، (فغلظ عليهم مقابلة لأفعالهم).
стр. 62
وقوله: (الوافر)
فإنَّ الماَء يَخْرُجُ من جَمادٍ ... وإنَّ النَّارَ تَخْرُجُ من زِنَادِ
قال: يقول: إن الأشياء تكمن؛ فإذا استترت ظهرت.
وأقول: هذا ليس بشيء! وإنما يقول: لا تغتر بلين القول من عدو؛ فإنه يخرج من قلب قاس كالماء من الصخر. ولا تحقر عدوا ضئيلا ضعيفا فربما كبر أذاه واشتد إلى أن يلحقك ضرره، كالنار تخر من عود.
وقوله: (المتقارب)
كأَنَّ عطاءكَ بعضُ القَضاءِ ... فما تُعْطِ منه نَجِدْهُ جُدُودا
قال: أي: إذا وصلت أحدا ببر، سعد ببرك وبركتك، وشرف بعطيتك
стр. 63
فصارت جدا. وهذا قريب من قول أبي تمام: (البسيط)
وأقول: لا خلاف في النصف الآخر من البيت أنه كما قال، وأن (عطاء إذا) حصل لإنسان عده حظا وسعادة. وإنما الكلام في النصف الأول وهو قوله:
كأنَّ عَطَاءَكَ بعضُ القَضَاء. . . . . . . . .
وما معنى بعض القضاء؟ فإن ابن جني لم يذكره.
وقال الواحدي: (المعنى:) إن القضاء سعد ونحس، ونوالك سعد كله فهو أحد شقي القضاء.
وأقول: إنه كما ذكر الواحدي، وذلك أن القضاء فيه خير وشر، ونفع وضر، وعطاء ومنع، كقوله - سبحانه: (قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير) وذلك (كله) من الباري ﵎ عدل وحكمة، وشطر ذلك من الممدوح خير وجود.
стр. 64
وقوله: (المتقارب)
فأنْفَدْتَ من عَيْشِهِنَّ البَقَاَء ... وأَبْقَيْتَ مما مَلَكْتَ النُّفُودَا
قال: أي: أنفذت بقاء نفوس العدا، وأبقيت نفاد ما تملكه بسخائك وجودك.
وأقول: هكذا قال أبو الطيب، فلم تزد عليه إلا بتكرار اللفظ! وإنما جعل نفاذ ما يملكه بقاء لأجل الذكر الذي يبقى له به، والقول الذي يثنى به عليه دائما.
وقوله: (المتقارب)
كأنَّكَ بالفَقْرِ تَلْغي الغِنَى ... وبالمَوْتِ في الحَرْبِ تَبْغي الخُلُودا
قال: يقول: كأنك لإفراط سرورك ببذلك وهبات مالك، إنما تبغي بذلك الغنى؛ لأنك تسر بما تعطيه سرور غيرك بما يأخذه، وكأنه عندك أن الفقر هو الغنى، وكأنك إذا مت في الحرب أنك مخلد وهذا من قول الحصين: (الطويل)
تَأخَّرْتُ أسْتبَقِي الحَيَاةَ فلم أَجِدْ ... لِنَفْسِي حَيَاةٌ مثلَ أَنْ أتَقَدَّما
стр. 65
وأقول: إنه أراد المبالغة فعكس المعنى، (وذلك) أن الإنسان يريد الغنى والحياة، ويكره الفقر والموت، فجعل الممدوح، لكثرة عطائه، وقلة إبقائه على ماله بإنفاده وإنفاقه، وشهوته لذلك وسروره به، كأنه يبغي بذلك الغنى. ولذلك جعله لشدة إقدامه، وإلقاء نفسه في المهالك، وقلة إبقائه عليها من المتالف، كأنه يبغي بذلك البقاء، وهذا مثل قوله: (البسيط)
ضرَبَتْهُ بِصدورِ الخَيْلِ حَامِلَةً ... قوماً إذا تَلفُوا قُدْماً فَقَدْ سَلِمُوا
وقوله: (المتقارب)
خَلائِقُ تَدْعُو إلى رَبَّها ... وآيةُ مَجْد أرَاها العَبِيَدا
قال: أي: هذه تدعو إلى صاحبها، وتدل على معرفته وعلامة مجد أراها الناس لأنهم عبيد له.
وأقول: لو أن هذا البيت في صفة الباري - جلت عظمته - لكان أولى وأحرى من أن يكون في صفة غيره؛ لما فيه من الحكمة والإتقان بأن يكون موضع خلائق بدائع؛ لأن بالصناعة يستدل على الصانع، وعظم الآية من المجد والملك يستدل بها على عظم صاحبها.
стр. 66
وقوله: (المتقارب)
مُهَذَّبَةٌ حُلوَةٌ مُرَّةٌ ... حَقَرْنَا البِحَارَ بها والأسُودا
قال: مهذبة لا عيب فيها؛ حلوة؛ لأن كل أحد يستحسنها ويعشقها، ومرة؛ لأن الوصول إليها صعب لبذل المال والمخاطرة بالنفس. ومثل قوله: حلوة مرة قول
أبي تمام: (الطويل)
هو المرْكَبُ المُدْني إلى كُلَّ سُؤدَدٍ ... وعَلْيَاَء إلا أنَّهُ المركَبُ الصَّعْبُ
وأقول: أنه أراد بذلك حلوة للأولياء بالمنافع، مرة للأعداء بالمضار، وهذا من قول لبيد: (الرمل)
مُمْقِرٌ مُرٌّ على أَعْدَائِهِ ... وعلى الأذْنَيْنَ حُلْوٌ كالعَسَلْ
وقوله: (الطويل)
وطَعْنٍ كأنَّ الطَّعْنَ لا طَعْنَ عِنْدَهُ ... وضَرْبٍ كَنَّ النَّارَ من حَرَّهِ بَرْدُ
قال: الهاء في عنه تعود على طعن الأول من صفته. والطعن الثاني اسم كأن، وخبرها الجملة بعده، والعائد عليه منها محذوف للعلم به، فكأنه قال: وطعن كأن الطعن لا (طعن) منه أو به عنده.
стр. 67
وأقول: ليس الأمر على ما ذكر في العائد، بل العائد على اسم كأن معنوي، وذلك أن لا لما كانت تنفي نفيا عاما في قوله: لا طعن عنده كان الطعن داخلا تحته (وذلك كقوله: (الطويل)
وأمَّا الصُّدورُ لا صُدورَ لجعْفَرٍ ... ولكنَّ أعجازا شديداً ضريرها)
وقد شبه الشيخ أبو علي به قولهم: نعم الرجل عبد الله، في أحد الوجهين وقال: فأما الراجع إلى المبتدأ فإن الرجل لما كان شائعا ينتظم الجنس كان عبد الله داخلا تحته وصار بمنزلة الذكر الذي يعود عليه، (وكذلك قال في البيت لعموم النفي). وقوله: (الطويل)
وأَكْرَمُهُمْ كَلْبٌ وأَبْصَرُهُمْ عَمٍ ... وأسْهَدُهُمْ فَهْدٌ وأَشْجَعُهمْ قِرْدُ
وأقول: لو قال: وأبصرهم خلد لكان مناسبا للأجناس الثلاثة التي ذكرها (وتكون الهمزة في ابصرهم غير معتد بها لزيادتها، أو تكون: أنضرهم، بالنون والضاد، وذلك أحسن في الاستعارة)، ويكون البيت مصرعا، أو يكون إذا نون
стр. 68
خلد مثل
قوله: (الطويل)
تَفَكُّرُهُ عِلْمٌ ومنطِقُهُ حُكْمٌ ... وبَاطِنُهُ دِينٌ وظاهرهُ ظَرْفُ
وقوله: (الطويل)
تَلَجُّ دُمُوعي بالجُفُونِ كأنَّما ... جُفُوني لِعَيْنَيْ كلَّ باكِية خَدُّ
قال: أي: كلما بكت باكية فكأن دموعها تمر بجفوني كما تمر بخدها، فلست أخلو من بكاء ودموع، كما لا تخلو الدنيا من باكية يجري دمعها.
وأقول: هذا ليس بشيء!
والمعنى: وصف جفونه بكثرة الدموع؛ يقول: يفيض على جفوني من دموع عيني مثلما يفيض على خد كل باكية.
وقوله: (الطويل)
بِنَفسِيَ من لا يُزْدَهَى بِخَدِيعَةٍ ... وإنْ كَثُرَتْ فيها الذَّرائعُ والقَصْدُ
قال: كأنه قال: بنفسي غيرك أيها الممدوح، لأني أزدهيك بالخديعة، وأسخر منك
стр. 69
بهذا القول. وهذا مذهبه في أكثر شعره، لأنه يطوي المديح على الهجاء، حذقا منه بصنعة الشعر. ثم ذكر من مديحه في كافور أبياتا تحتمل التوجيه، وأضاف إلى ذلك قوله: (البسيط)
مَدَحْتُ قَوْماً وإنْ عِشْنَا نَظَمْتُ بهم ... قصائِداً من إنَاثِ الخَيْلِ والحُصُنِ
وليس بينه وبين تلك مناسبة؛ لأنه يقول في هذا: مدحت قوما لا يستحقون المديح بقصائد من نظم، وإن عشت نظمت لهم قصائد من خيل، محاربا لهم ومغيرا عليهم، إما لأنهم لم يتجاوزه (على قدر مدحه) وإما لأنهم لا يستحقون ما هم فيه، وأنه أولى به منهم.
وأقول: إن قوله: وهذا كان مذهبه في أكثر شعره يطوي المديح على الهجاء، وصف لأبي الطيب بالطبع الرديء والخلق الدنيء، وتخرض منه عليه؛ لأن هذا
لم يقع (منه) إلا في مدح كافور؛ لأنه كان عبدا أسود خصيا؛ ترك مثل سيف الدولة في الشرف والفضل والكرم، وقصده رجاء الزيادة عنده فوقع في النقص.
وهذا الممدوح - قال ابن فورجة - ذكره الواحدي - من صميم بني تميم، عربي ممدح، ينتابه الشعراء، لا يبعد من فهم. فكيف يسوغ لأبي الطيب ذلك في حقه؟ ولو كان المعني في هذا البيت غيره، وقد أتبعه بأوصاف كثيرة على نسق واحد، لكانت هذه القصيدة خالية أو أكثرها من مدحه.
стр. 70
والصحيح أن معنى قوله: لا يزدهي بخديعة أي: لا يستخف بها وإن كثرت فيها الوسائل توصلا إلى أخذ غرته؛ يصفه بصحة فطنته، وحصافة عقله، ورزانة لبه.
وينبغي أن تكون هذه الخديعة في غير المكارم؛ لأن المكارم ينبغي للكريم أن ينخدع (منها) كقوله: (البسيط)
. . . . . . . . . ... والحُرُّ يُخْدَعُ أحْيَاناً فَيَنْخَدِعُ
وكما يحكى عن معاوية، أنه دخل عليه رجل من أهل الكوفة، فشكا إليه زيادا فقال: يا أمير المؤمنين إن زيادا غصبني داري، وقد اشتريت ساجها بكذا وكذا ألف درهم، وقد دخلها أمير المؤمنين سنة كذا وكذا ورآها! قال: فكتب له: ردها له، وبما ذكره من قيمة ساجها، فلما خرج من عنده أقبل معاوية على أصحابه وقال: والله ما أعرف مما يقول شيئا، وإنما يخادعوننا فننخدع!
وقوله: (الطويل)
ألومُ به مَنْ لاَمَني في وِدادِهِ ... وحُقَّ لِخَيْرِ الخَلْقِ من خَيْرِهِ الوُدُّ
قال: أي: هو خير الخلق وأنا كذلك، وحقيق أهل الخير أن يود بعضهم بعضا، فحقيق علي إذا أن أوده.
стр. 71
وأقول: إنه يحتمل أن يكون من خيره راجعا إلى آباء الممدوح، كأنه قال: هو خير الخلق من خير الخلق، وهذا الأقرب والأشبه بغرضه، لأن وصفه نفشه بأنه خير
الناس من أقصى الرقاعة، وأقبح الشناعة!
وقوله: (الطويل)
وسَيْفي لأنْتَ السَّيفُ لا ما تَسُلُّهُ ... لِضَرْبٍ ومَّما السَّيفُ منه لك الغِمْدُ
قال: أقسم بسيفه ثم أقبل على الممدوح فقال: لأنت السيف لا السيف الذي تسله لتضرب به الأعداء؛ أي: أنت في الحقيقة سيف، لا السيف المطبوع من الحديد، لأنك أمضى منه:
. . . . . . . . . وممَّا السَّيْفُ منه لك الغِمْدُ
أي: ومن الحديد الذي تطبع منه السيوف غمدك.
يقول: إذا لبست الحديد، كالدرع والجوشن ونحوهما، كنت فيه كالسيف، وكان كالغمد. وأقول: إن في قوله:
. . . . . . . . . . . . وممَّا السَّيْفُ منه لك الغِمْدُ
تفضيلا للممدوح على السيف، وذلك أن السيف من الحديد، والحديد للممدوح غمد؛ أي: درع، والسيف أشرف من الغمد لأن الغمد لأن الغمد للسيف كالخادم فوجب أن يكون أشرف من السيف لأن الذي السيف منه، وهو الحديد، وهو جنسه، له غمد، وهذا كما يقال: زيد من تميم، وتميم لعمرو عبيد، فوجب أن يكون زيد لعمرو عبدا.
стр. 72
وقوله: (الطويل)
وعِنْدَي قَبَاطيُّ الهُمامِ ورِفْدُهُ ... وعندهُمُ مما ظفِرتُ به الجَحْدُ
قال: قوله:
. . . . . . . . . وعندهُمُ مما ظفِرتُ به الجَحْدُ
دعاء عليهم بأن لا يرزقوا شيئا، حتى إذا قيل لهم: هل عندكم خير أو بر من هذا الممدوح؟ قالوا: لا، فذلك هو الجحد؛ لأن لا حرف نفى هنا، أو يجحدوا ما
رزقوا، إن كانوا رزقوا شيئا، ليكون ذلك سببا لانقطاع الخير عنهم.
وأقول: إنه لم يفهم المعنى، وذلك أن قوله في البيت الذي قبله: (الطويل)
. . . . . . . . . وفي يَدِهِمْ غَيْظٌ وفي يَدِيَ الرَّفْدُ
والبيت الثاني، إلى آخره، في موضع حال من الضمير في ألقى من قوله: (الطويل)
فلا زِلْتُ ألْقَى الحَاسِدين بِمِثْلِها. . . . . . . . .
أي: بمثل أياديه التي هي ثناء ثناءٌ.
стр. 73
وقوله:
. . . . . . . . . ... وعندهُمُ مِمّا ظَفِرتُ به الجَحْدُ
أي: عندي الظفر برفد الممدوح وليس عندهم مما ظفرت به إلا الجحد له، أي: ليس عندهم من ذلك العطاء شيء إلا جحدهم له حسدا لي عليه، وكذلك يفعل الضد، والحاسد إما يقلل ما صار إلى محسوده أو ينفيه رأسا، فالجحد إذا إنما وقع من الحاسدين، فيما صار إلى أبي الطيب لا فيما صار إليهم ولا هو دعاء عليهم.
وقوله: (الطويل)
ومَّي استفادَ الناسُ كُلَّ فَضِيلَةٍ ... فَجازُوا بِتَرْكِ الذَّمَّ إن لم يَكُنْ حَمْدُ
قال: قوله: فجازوا، كما تقول: هذا الدرهم يجوز على خبث نقده؛ أي: يتسمح به، أي: فغايتهم أن لا يذموا، وأما أن يحمدوا فلا.
وأقول: إنه قد عابوا عليه هذا التفسير وقيل: كيف يزعم أنه قد أحكم سماع شعر أبي الطيب منه، وقراءته عليه ويقول هذا القول؟ وإنما قوله: فجازوا أمر من المجازاة لا من الجواز، أي: فجازوا على ما استفدتم مني من الغرائب بترك الذم لي إن لم يكن منكم حمد. (وهو مثل قوله: (البسيط)
إنَّا لَفِي زَمَنٍ القَبيحِ به ... من أكْثَرِ النَّاسِ إحْسَانٌ وإجمالُ)
стр. 74
وقوله: (الخفيف)
قد يُصيبُ الفَتَى المُشيرُ ولم يَجْ ... هَدْ ويُخْطِي الصَّوابَ بعد اجتْهَادِ
قال: هم، وإن كانوا قد اعملوا الرأي، فإنهم قد أخطؤوا فيه وإن أصبته عفوا.
وأقول: هذا ليس بشيء!؛ وذلك أن هذا القول (إنما) ضربه مثلا لمشير وكافور هنا هو المشار عليه فليس المثل له، وذلك أن قوما أشاروا عليه بالشقاق والقتال لابن سيده، فأبى ذلك عليهم، ويدل على ذلك ما قبله من قوله: (الخفيف)
ولَعَمْرَي لقد هُزِرتَ. . .
والبيت الذي بعده.
والمعنى أن القوم الذي أشاروا عليه بالخلاف، اجتهدوا في ذلك الرأي وأخطؤوا، وقد يصيب الإنسان الرأي عفوا من غير اجتهاد، فالمثل الذي ضربه بالإصابة والإخطاء لشيء واحد، وليس ذلك لكافور وللمشير عليه (كأنه يقول: أنت فعلت الصواب وقد أشير عليك بالخطأ).
стр. 75
وقوله: (البسيط)
ما يَقْبِضُ المَوْتُ نَفْساً من نُفُوسِهِمُ ... إلاَّ وفي يَدِهِ من نَتْنِهَا عُودُ
قال: أي: لا يباشر الموت أنفسهم وقت قبضه إياها.
وأقول: إن قوله: لا يباشر الموت أنفسهم كأنه يريد: لا يمسها بيده استقذارا لها، ولكن يمسها بعود.
وكذلك قال غير ابن جني، وهذا ليس بشيء!
والمعنى أن أنفس هؤلاء الكذابين المخلفين البخلاء، الذين ذكرهم أولا، أنفس منتنة، فإذا قبضها الموت وظفر بها فكأن في يده من نتنها عودا؛ أي: لا يعد ذلك نتنا بل طيبا؛ فرحا بها وسرورا بأخذها؛ وذلك أن اللئيم صعب الموت طويل العمر. (وكأن هذا المعنى من قول الراجز: (الرجز)
يا رِيَّهَا إذا بَدَا صُنَانِي
كأنَّني (جَانِي عَبَثْرَانِ)
وقد جاء ذلك كثيرا في أشعارهم، منه قول أبي تمام: (البسيط)
فالماءُ غيرُ عَجيبٍ أنَّ أَعْذَبَهُ ... يَفْنَى وَيْمتَدُّ عُمْرُ الآسِنِ الأَجِنِ
следующие страницы →