← Адаб

Адаб · id 37057

المآخذ على شراح ديوان أبي الطيب المتنبي

المهلبي، أبو العباس

Полный текст (1 138 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وأقول: إنه يحتمل أن يكون من خيره راجعا إلى آباء الممدوح، كأنه قال: هو خير الخلق من خير الخلق، وهذا الأقرب والأشبه بغرضه، لأن وصفه نفشه بأنه خير الناس من أقصى الرقاعة، وأقبح الشناعة! وقوله: (الطويل) وسَيْفي لأنْتَ السَّيفُ لا ما تَسُلُّهُ ... لِضَرْبٍ ومَّما السَّيفُ منه لك الغِمْدُ قال: أقسم بسيفه ثم أقبل على الممدوح فقال: لأنت السيف لا السيف الذي تسله لتضرب به الأعداء؛ أي: أنت في الحقيقة سيف، لا السيف المطبوع من الحديد، لأنك أمضى منه: . . . . . . . . . وممَّا السَّيْفُ منه لك الغِمْدُ أي: ومن الحديد الذي تطبع منه السيوف غمدك. يقول: إذا لبست الحديد، كالدرع والجوشن ونحوهما، كنت فيه كالسيف، وكان كالغمد. وأقول: إن في قوله: . . . . . . . . . . . . وممَّا السَّيْفُ منه لك الغِمْدُ تفضيلا للممدوح على السيف، وذلك أن السيف من الحديد، والحديد للممدوح غمد؛ أي: درع، والسيف أشرف من الغمد لأن الغمد لأن الغمد للسيف كالخادم فوجب أن يكون أشرف من السيف لأن الذي السيف منه، وهو الحديد، وهو جنسه، له غمد، وهذا كما يقال: زيد من تميم، وتميم لعمرو عبيد، فوجب أن يكون زيد لعمرو عبدا.

стр. 72

وقوله: (الطويل) وعِنْدَي قَبَاطيُّ الهُمامِ ورِفْدُهُ ... وعندهُمُ مما ظفِرتُ به الجَحْدُ قال: قوله: . . . . . . . . . وعندهُمُ مما ظفِرتُ به الجَحْدُ دعاء عليهم بأن لا يرزقوا شيئا، حتى إذا قيل لهم: هل عندكم خير أو بر من هذا الممدوح؟ قالوا: لا، فذلك هو الجحد؛ لأن لا حرف نفى هنا، أو يجحدوا ما رزقوا، إن كانوا رزقوا شيئا، ليكون ذلك سببا لانقطاع الخير عنهم. وأقول: إنه لم يفهم المعنى، وذلك أن قوله في البيت الذي قبله: (الطويل) . . . . . . . . . وفي يَدِهِمْ غَيْظٌ وفي يَدِيَ الرَّفْدُ والبيت الثاني، إلى آخره، في موضع حال من الضمير في ألقى من قوله: (الطويل) فلا زِلْتُ ألْقَى الحَاسِدين بِمِثْلِها. . . . . . . . . أي: بمثل أياديه التي هي ثناء ثناءٌ.

стр. 73

وقوله: . . . . . . . . . ... وعندهُمُ مِمّا ظَفِرتُ به الجَحْدُ أي: عندي الظفر برفد الممدوح وليس عندهم مما ظفرت به إلا الجحد له، أي: ليس عندهم من ذلك العطاء شيء إلا جحدهم له حسدا لي عليه، وكذلك يفعل الضد، والحاسد إما يقلل ما صار إلى محسوده أو ينفيه رأسا، فالجحد إذا إنما وقع من الحاسدين، فيما صار إلى أبي الطيب لا فيما صار إليهم ولا هو دعاء عليهم. وقوله: (الطويل) ومَّي استفادَ الناسُ كُلَّ فَضِيلَةٍ ... فَجازُوا بِتَرْكِ الذَّمَّ إن لم يَكُنْ حَمْدُ قال: قوله: فجازوا، كما تقول: هذا الدرهم يجوز على خبث نقده؛ أي: يتسمح به، أي: فغايتهم أن لا يذموا، وأما أن يحمدوا فلا. وأقول: إنه قد عابوا عليه هذا التفسير وقيل: كيف يزعم أنه قد أحكم سماع شعر أبي الطيب منه، وقراءته عليه ويقول هذا القول؟ وإنما قوله: فجازوا أمر من المجازاة لا من الجواز، أي: فجازوا على ما استفدتم مني من الغرائب بترك الذم لي إن لم يكن منكم حمد. (وهو مثل قوله: (البسيط) إنَّا لَفِي زَمَنٍ القَبيحِ به ... من أكْثَرِ النَّاسِ إحْسَانٌ وإجمالُ)

стр. 74

وقوله: (الخفيف) قد يُصيبُ الفَتَى المُشيرُ ولم يَجْ ... هَدْ ويُخْطِي الصَّوابَ بعد اجتْهَادِ قال: هم، وإن كانوا قد اعملوا الرأي، فإنهم قد أخطؤوا فيه وإن أصبته عفوا. وأقول: هذا ليس بشيء!؛ وذلك أن هذا القول (إنما) ضربه مثلا لمشير وكافور هنا هو المشار عليه فليس المثل له، وذلك أن قوما أشاروا عليه بالشقاق والقتال لابن سيده، فأبى ذلك عليهم، ويدل على ذلك ما قبله من قوله: (الخفيف) ولَعَمْرَي لقد هُزِرتَ. . . والبيت الذي بعده. والمعنى أن القوم الذي أشاروا عليه بالخلاف، اجتهدوا في ذلك الرأي وأخطؤوا، وقد يصيب الإنسان الرأي عفوا من غير اجتهاد، فالمثل الذي ضربه بالإصابة والإخطاء لشيء واحد، وليس ذلك لكافور وللمشير عليه (كأنه يقول: أنت فعلت الصواب وقد أشير عليك بالخطأ).

стр. 75

وقوله: (البسيط) ما يَقْبِضُ المَوْتُ نَفْساً من نُفُوسِهِمُ ... إلاَّ وفي يَدِهِ من نَتْنِهَا عُودُ قال: أي: لا يباشر الموت أنفسهم وقت قبضه إياها. وأقول: إن قوله: لا يباشر الموت أنفسهم كأنه يريد: لا يمسها بيده استقذارا لها، ولكن يمسها بعود. وكذلك قال غير ابن جني، وهذا ليس بشيء! والمعنى أن أنفس هؤلاء الكذابين المخلفين البخلاء، الذين ذكرهم أولا، أنفس منتنة، فإذا قبضها الموت وظفر بها فكأن في يده من نتنها عودا؛ أي: لا يعد ذلك نتنا بل طيبا؛ فرحا بها وسرورا بأخذها؛ وذلك أن اللئيم صعب الموت طويل العمر. (وكأن هذا المعنى من قول الراجز: (الرجز) يا رِيَّهَا إذا بَدَا صُنَانِي كأنَّني (جَانِي عَبَثْرَانِ) وقد جاء ذلك كثيرا في أشعارهم، منه قول أبي تمام: (البسيط) فالماءُ غيرُ عَجيبٍ أنَّ أَعْذَبَهُ ... يَفْنَى وَيْمتَدُّ عُمْرُ الآسِنِ الأَجِنِ

стр. 76

وقول: الأول: (الطويل) لَعَمْرُكَ أنَّي بالخَليل الذي له ... عَلَىَّ دَلالٌ وَاجب لمُفَجَّعُ وإنَّي بالمَوْلى ليس نَافعي ... ولا ضَائري فُقْدانُهُ لَمُمَتَّعُ وقوله: (البسيط) إنَّ امْرءاً أَمَةٌ حُبْلَى تُدَبَّرُهُ ... لمُسْتَضَامٌ سَخِينُ العَيْنِ مَفؤودُ قال: يعرض بابن الإخشيد، يعني ابن سيده. وأقول: لم يعن بذلك إلا نفسه، فالضمير في تدبره راجع إلى أبي الطيب، ويدل على ذلك ما قبله وهو قوله: (البسيط) جَوعَانُ ياكُلُ من زَادي ويُمْسِكُني. . . . . . . . . وما بعده وهو قوله، متعجبا من ضيزه عليه وإقامته عنده: (البسيط) وَيْلُ أمَّهَا خُطَّةً وَيْلُ أمَّ قَابِلها ... . . . . . . . . .

стр. 77

وقوله: (الخفيف) يَنْثَني عنكَ آخرَ اليَوْمِ (منهُ ... نَاظِرٌ أنتَ طَرْفُهُ وَسُهَادُهْ قال: أي: إذا انصرف عنك آخر اليوم) خلف عندك طرفه فبقي بعدك بلا طرف ولا نوم إلى أن يعود، وهذا مثل، وقد أحسن فيه. (وأقول): هذا ليس بشيء! وقد قال الواحدي: قال العروضي: هذا هجاء قبيح للممدوح إن أخذنا بقول أبي الفتح؛ لأنه يراه وينصرف عنه أعمى عديم النوم. ومعناه أنه استفاد منه النظر والرقاد وهما اللذان تستطيبهما العين. وقوله: (الخفيف) نحنُ في أَرْضِ فَارسٍ في سُرورٍ ... ذَا الصبَّاحُ الذي يُرَى ميلادُهْ

стр. 78

قال: أي: نحن كل يوم في سرور؛ لأن الصباح كل يوم يرى؛ يريد اتصال سرورهم. (وأقول): وقال الواحدي: قال العروضي: ليس كما ذهب إليه، وإنما يريد أن يخص صباح النيروز بالفضل فقال: ميلاد السرور إلى مثله من السنة هذا اليوم. وقال ابن فورجة: يريد: أنا في سرور، ميلاده في هذا الصباح؛ يعني: صباح نيروز؛ لأن السرور يولد في صباحه لفرح الناس الشائع في النيروز. وقوله: (الخفيف) كيفَ يرتَدُّ مَنْكِبي عن سَمَاءٍ ... والنَّجادُ الذي (عليه نِجادُهْ قال: يريد طول حمائل سيفه لطوله، وقد تجتوز في هذا قول أبي نواس: (الطويل) أشَمُّ طُوَالُ السَّاعِدَيْنِ كأَنَّمَا ... يُنَاطُ نِجَادا سيفهِ بِلِواءِ

стр. 79

وأقول: هذا ليس بشيء! ولم يتعرض ها هنا لطول نجاده ولا قصره، وإنما أراد علو شرفه، فوضع نجاد سيف ابن العميد على منكبه وقد وهبه له). (وقوله:) (الخفيف) مَثَّلُوهُ في جَفْنِه خَشيْةَ الفَقْ ... - دِ فَفي مِثْلِ أُثْرِهِ إغْمَادُهْ قال: كان جفن هذا السيف مغشى فضة منسوجة عليه صونا له من الفقد لئلا يأكل جفنه. وأقول: المعنى غير ما ذكره، وهو ان معنى مثلوه أي جعلوه قائما في جفنه خشية أن يفقد؛ لأن الشمس تزعم أنها رئده، أي: مثله وتربه فتذهب به، أي: تأخذه وتستلبه (للمناسبة التي بيتها وبينه)، وهذا البيت على هذا التفسير مرتب على ما قبله وهو الصحيح، ولم أسبق إليه!

стр. 80

وقوله: . . . . . . . . . . . . ففي مِثْلِ أثْرِهِ إغْمَادُهْ أي: جوهره أفخر الجواهر، فكذلك غمده لأنه ذهب لا فضة كما قالوا، ويدل عليه قوله: مُنْعَلٌ لا من الحَفَا ذَهَباً ... . . . . . . . . . وقوله: (الخفيف) فَرَّسَتْنَا سَوَابِقٌ كُنَّ فيه ... فَارَقَتْ لِبْدَهُ وفيها طِرَادُهْ قال: أي: جعلتنا فرسانا خيل كن في نداه، أي: كانت في جملة ما أعطانا خيل سوابق. فارقت لبده، أي: انتقلت إلى سرحي وفارقت سرح ابن العميد. وفيها طراده: أي: قد سرت معه كأحد من في حملته، فإذا سار إلى موضع سرت معه، وطاردت بين يديه، فكأنه هو المطارد عليها؛ لأن ذلك بأمره وطلب الحظوة عنده. (وأقول): وقال الواحدي: قال العروضي: هذا كلام من لم يتنبه من سنة الغفلة! إنما هو: فارقت هذه الخيل لبده وفيها تأديبه وتقويمه.

стр. 81

وقوله: (الخفيف) إنَّني أَصْيَدُ البُزَاة ولكِنَّ أَجَلَّ النُّجُومِ لا أَصْطَادُهْ قال: لو استوى له أن يقول: ولكن أعلى النجوم لكان أليق. وأقول: إن أبا الطيب لو أراد ذلك لاستوى له بأن يقول: ولكني أعلى النجوم، بزيادة الياء، ولو قال ذلك لدخل عليه نجوم خفية كالسها وما أشبهه، وذلك قبيح، ولكنه أراد بأجل النجوم الشمس؛ لأنها أعظم الكواكب وأضوؤها وأنفعها. وقال: الواحدي: عنى بأجل الكواكب زحل. وقوله: (الخفيف) ما تَعَوَّدْتُ أنْ أَرَى كأبي الفَضْ ... - لِ (وهذا الذي أتَاهُ اعْتِيادُهْ قال: أي (لم أمدح مثله فلذلك قصرت عن كنه وصفه و) هذا الذي أتاه من الكرم عادة له لم يتخلق لي به. (وأقول:) وقال الواحدي: هذا ليس المعنى، لأنه ليس في وصف كرمه، إنما يعتذر عن التقصير في مدحه.

стр. 82

وقوله:) (الخفيف) غَمَرَتْني فَوَائِدٌ شَاَء فيها ... أنْ يكونَ الكلامُ مِمَّا أفَادُهْ قال: أي: تعلمت منه حسن القول؛ يصفه بالبلاغة والخطابة. وأقول: إن أبا الطيب أشار إلى مواضع كان قد أخذها عليه في حال إنشاده: بادٍ هواك. . . يقول: أعطاني عطايا كثيرة، وأفادني فوائد جليلة من أموال، وتحف أراد أن يكون فيها فوائد الكلام، وهذا من قول أبي تمام: (المنسوخ) . . . . . . . . . ... نأخُذُ من مَالِهِ ومِنْ أدَبِهْ وقوله: (الخفيف) ما سَمِعْنَا بمن أحَبَّ العَطَايا ... فاشْتَهَى أَنْ يَكونَ فيها فُؤادُهْ قال: يقول: هذا الكلام الحسن الذي عنده نتيجة عقله وقلبه؛ فكأنه إذا أفاد إنسانا فقد وهب له عقلا ولبا وفؤادا.

стр. 83

وأقول: إنه لم يفهم معنى البيت؛ لأنه جعل الكلام الحسن الذي يفيده فؤاده، وليس كذلك، ولو كان الأمر على ما يقول، لكان بين البيت الأول والثاني تناقض، وذلك أنه قال في الأول: (الخفيف) غَمَرَتَني مواهبٌ شَاَء فيها ... أنْ يكونَ الكَلامُ ممَّا أَفَادُهْ فقد أراد بهذا البيت و: شاء أن يفاد كلامه، والبيت الثاني: (الخفيف) ما سَمِعْنَا بمن أحَبَّ العَطَايا ... فاشْتَهى أنْ يكونَ فيها فؤادُهْ أي: لا يشتهي ولا يريد أن يكون فيها فؤاده، أي: كما ذكر. وهذا التناقض إنما وقع في حمله البيت الثاني على الأول وتعلقه به، فجعل الفؤاد كلاما وليس بينهما تعلق. والبيت الثاني من قول مسلم: (البسيط) يَجُودُ بالنَّفْس إنْ ضَنَّ الجوادُ بها ... والجُودُ بالنَّفسِ أقْصَى غَايةِ الجُودِ وهذا المعنى كثير ظاهر لكل بصير. (وقوله: (الخفيف) خَلَقَ اللَّهُ أَفْصَحَ النَّاسِ طُرَّا ... في مَكَانٍ أَعْرابُهُ أكْرَادُهْ

стр. 84

لأنهم أفسد الناس لغة وأردأهم لسانا، فقد خرق الله العادة بهذا الممدوح أن خلقه أفصح الناس من أنكر الناس. ولم يعرف ابن جني هذا المعنى فروى: أفضل، والصحيح: أفصح). وقوله: (الخفيف) وأحقَّ الغُيُوثِ نَفْساً بحمْدٍ ... في زَمَانٍ كل النُّفُوسِ جَرادُهْ قال: جعله كالغيث، وجعل جميع الناس كالجراد. أي: لأنه يعطيهم، وجميعهم يأخذ منه وهو سبب حياته. وأقول: الصواب؛ أن يجعله كالغيث لعموم نفعه، ويجعل الناس كالجراد لظهور فسادهم في الأرض، ويدل على ذلك قوله فيما يليه: (الخفيف) مِثْلَمَا أحْدَثَ النُّبُوَّةَ في العَا ... لَمِ والبَعْثَ حين شَاعَ فَسَادُهْ (وهو من قول ابن أبي عيينه: (الطويل) أبُوكَ لنَا غَيْثٌ نَعِيشُ لِظِلِهِ ... وأنتَ جَرادٌ لستَ تُبقِي ولا تَذَرْ)

стр. 85

وقوله: (الطويل) نَسِيتُ وما أَنْسَى عتاباً الصَّدَّ ... ولا خجَلاً زادَتْ به حُمْرةُ الخَدَّ قال: وفيت بمن غدر بعهدي. وأقول: إنه فسر البيت على نسيت، بضم النون، ولم يجد التفسير، والجيد فتحها. يقول: نسيت كل شيء ولا أنسى عتاب الحبيب على صده، ولا أنسى خفره عند ذلك وحمرة خده. وهم كثيرا ما يذكرون أيام (الوصال) والوداع ولياليها، وما جرى بينهم وبين أحبابهم فيها، كقوله: (الطويل) وما أَنْسَ مِ الأشياءِ لا أنْسَ قَوْلَهَا ... وأدْمُعُها يُذْرين حَشْوَ المكَاحِلِ تَمَتَّعْ بِذا القَصِيرِ فإنَّهُ ... رَهينٌ بأيَّامِ الشُّهورِ الأطَاوِلِ (وأشباه ذلك)

стр. 86

وقوله: (الطويل) يَحُلُّ القَنا يومَ الطَّعَانِ بِعَقْوَتي ... فَاَحْرِمُهُ عِرْضِي وأُطعِمُهُ جِلْدَي قال: يقول: إذا أحاط بي الطعن لم أهرب إشفاقا من أن يعاب حسبي أو يطعن، بل أنصب نفسي وأعرض وجهي له، فإما هلك وإما ملك. وهو قريب من قول الآخر: (الوافر) نُعَرَّضُ للطَّعَانِ إذَا التَقَيْنَا ... وجُوها لا تُعَرَّضُ للسِبَابِ وأقول: إن هذه العبارة غير مرضية في تفسير هذا المعنى المرضي!؛ وذلك أنه يصف نفسه بالشجاعة والأنفة من الفرار، ولما جعل الرماح بمنزلة الأضياف التي تحل بعقوته، جعل قراها إطعامه جلده دون عرضه. يعني أن تخريقها جلده بالطعن أسهل من تخريقها عرضه بالذم للفرار. وقوله: (الطويل) إذَا مَا اسْتَحَيْنَ المَاَء يَعْرِضُ نَفْسَهُ ... كَرَعْنَ بِسِبْتٍ في إناءٍ من الوَرْدِ

стр. 87

قال: يقول: إذا مرت هذه الإبل بالمياه التي غادرتها السيول، فلكثرتها كأنها تعرض أنفسها على الإبل فتشرب منها مستحيية منها لكثرة عرضها نفوسها عليها، وإن كان لا عرض هناك ولا استحياء في الحقيقة، ولكنه جرى مثلا. ويعني بالسبت مشافرها للينها ونقائها، وجعل الموضع المتضمن للماء، لكثرة الزهر فيه، كإناء من ورد (وأقول:) وقال الواحدي: إن أبا الفضل العروضي روى عن جماعة عن أبي الطيب أن أبا الفتح صحف استحين وبسبت وإنما هو استجبن وبشبيب، أي: إذا ما استجبن الماء، والاستجابة بالعرض أشبه وأوفق في المعنى؛ هذا يعرض نفسه وذلك يجيب. والكرع بالشيب: أن ترشف الماء، وحكاية صوت مشافرها: شيب شيب، ومنه قول ذي الرمة: (الطويل) تَدَعَيْنَ باسْمِ الشَّيبِ في مُتَثَلَّمٍ ... جَوانِبُهُ من بَصْرَةٍ وسِلاَمِ قال الواحدي: وليس ما قال ابن جني ببعيد من الصواب. وأقول: إنه نقص في الإعراب وذلك أن استحين أصله: استحيين، يقال: استحيى يستحي فهو مستحى، كقوله - تعالى -: (إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا) فيقع الحذف لغير علة. واستجبن ليس فيه حذف والمعنى معه صحيح مستقيم فكان (هو) الصواب، ويكون استجبن بمعنى اجبن؛ قال كعب بن سعد: (الطويل)

стр. 88

وَداعٍ دَعَا: هَلْ مُجيبٍ إلى النَّدَى ... فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عند ذَاكَ مُجِيبُ أي: فلم يجبه. وقوى الواحدي رواية ابن جني بسبت وقال: مشافر الإبل، تشبه في صحتها ولينها بالسبت، وهي جلود تدبغ بالقرظ، واحتج على ذلك بقول طرفة: (الطويل) وخَدَّ كقِرطاسِ الشَّامي ومِشْفَرٍ ... كَسِبْتِ اليَمَاني قِدُّهُ لم يُجَرَّدِ وضعف الرواية بشيب وقال: لا يقال: كرعت الإبل في الماء بشيب. فيقال له: ولم لا يقال: كرعن بشيب؟، إذا جعله في مكان الحال، والعامل في الجار والمجرور محذوف، كأنه قال: كرعن مصوتة بشيب، فإن ذلك جائز حسن. وإذا قيل: كرعن بسبت، كان الجار والمجرور في مكان المفعول به والعامل فيه الفعل. وقوله: (الطويل) يُعَلَّلُنَا هَذَا الزَّمانُ بذا الوَعْدِ ... ويَخدَعُ عمَّا في يَديْهِ من النَّقْدِ قال: يقول: قد طال انتظارنا لهذا المهدي المتوقع، ولسنا نرى لذلك أثرا، فكأن الزمان يسخر منا ويخدعنا، ولا حقيقة لما يدعيه أناس من ذلك. وأقول: إن هذه العبارة ليست بحسنة، والحسنة عبارة الواحدي، قال يقول: هذا الزمان يعدنا خروج المهدي فيعللنا بوعد طويل، ويخدعنا عما عنده من النقد

стр. 89

بالوعد. يعني: أن الممدوح هو المهدي نقدا حاضرا، ومن ينتظر خروجه وعد وتعليل وخداع، ثم أكد ذلك بالبيت الذي بعده. وقوله: (الطويل) وكُلُّ شَرِيكٍ في السُّرور بمُصبَحي ... أَرَى بَعْدَهُ من لا يَرَى مِثْلَهُ بَعْدي قال: أي: وكل من يشاركني في السرور بمصبحي عنده إذا عدت إليه من أهلي وغيرهم، فرأى ما أفدتنيه وحظيت به منك، أرى أنا بعده منك - يا ابن العميد - إنسانا لا يرى هو مثله بعد مفارقتي إياه، لأنه لا نظير لك في الدنيا. وأقول: هذا الذي ذكره ليس بشيء! لأنه لم ينتبه على معودات الضمائر. والمعنى: أن كل شريك لي في السرور بمصبحي عند ابن العميد أرى بعد المصبح، أو بعد الشريك إنسانا لا يرى مثل شريكي بعدي، لما حصل لي وله من الفوائد والشرف، وأنا أفضل منه ومقدم عليه. وقوله: (الكامل)

стр. 90

أنا بالوُشَاةِ إذَا ذَكَرْتُكَ أَشْبَهُ ... تَأْتي النَّدَى ويُذاعُ عَنْكَ فَتَكْرَهُ وإذَا رأيتُكَ دونَ عِرْضٍ عَارِضاً ... أيْقَنْتُ أنَّ اللَّهَ يَبْغي نَصْرَهُ قد أطال الشيخ أبو الفتح الكلام في قافية هذين البيتين، وأثبت أن الروي قيهما الراء لأن ما قبل هاء الإضمار إذا كان محركا لم يكن إلا رويا احترازا من مثل قول الحطيئة: (البسيط) يا دَارَ هِنْدٍ عَفَتْ إلاَّ أثَافِيها ... بين الطَّوِيَّ فَصَاراتٍ فَواديها (أو ما أشبه ذلك) وإذا ثبت أن حرف الروي (الراء) من فتكره ونصره بطلت التقفية في المصراع الأول من البيتين، وذلك لأن ما قبل الهاء، التي هي وصل، الباء. ثم إنه جوز ذلك من ثلاثة أوجه: أحدها: أن تكون الواو في أشبه ملحقة على لغة من يقف بالواو والياء على المرفوع والمجرور كما يقف بالألف على المنصوب. والثاني: أنه أشبع الضمة فنشأت الواو كقوله: (البسيط) . . . . . . . . . من حيثما سَلَكُوا أدنو فَأنْظُور والوجه الثالث، وهو أبعدها: أن يكون أكفاء بالحروف المتباعدة المخارج كما جاء عن بعضهم: (الطويل)

стр. 91

خليلَيّ حُلاَّ واترُكَا الرَّحْلَ إنَّني ... بمَهْلكَةٍ والدَّائِراتُ تَدُورُ فبَيْنَاهُ يَشْري رَحْلَهُ قالَ قائِلٌ ... لِمَنْ جَمَلٌ رِخْوْ المِلاطِ نَجِيبُ فجمع بين الراء والباء رويا كما جاء لأبي الطيب. وأقول: إنه يحتمل وجها رابعا: وهو أن لا يعتد بالمخالفة في التصريع والتقفية اعتداد ما في أواخر الأبيات فلا يبلغان في القوة، من المراعاة لهما والمثابرة عليهما، مبلغ آخر البيت، فإذا لا يعد ذلك إكفاء، ألا ترى إلى قول امرئ القيس: (الطويل) خَلِيلي مُرَّا بِي على أمّ جُنْدَبِ. . . . . . . . . وقوله في البيت الثاني: (الطويل) . . . . . . . . . . . . تَنْفَعْني لدَى أمَّ جُنْدَبِ ولم يعد ذلك إيطاء، وإلى قول الآخر: (البسيط) أَلْمِمْ بَجَوْهَرَ بالقضبان والمَدَرِ ... وبالعِصِيَّ التي في رأسِهَا عَجَرُ وقول أبي نواس: (البسيط) تَخَاصَمَ الحُسْنُ والجَمَالُ ... فيكَ فصارا إلى جِدَالِ ولم يعد ذلك إقواء.

стр. 92

وقوله: (المتقارب) وأعلمُ أني إذا ما اعتذَرْتُ ... إليك أرادَ اعتذَاري اعْتِذَارا قال: أي: اعتذاري من غير ذنب منكر، ينبغي أن اعتذر منه. وقال الواحدي: أي: إذا اعتذرت إليك من غير جناية، كان ذلك كذبا، والكذب مما يعتذر منه. وأقول: الاعتذار إنما يكون من القبيح الذي يصل إلى من يتعذر إليه، إذ الحسن لا يعتذر منه، وإنما يفعله الإنسان إلى صاحبه حسن أدب ولطف تأت استبقاء لوده، واستلالا لضغنه. فالاعتذار إذا من غير ذنب ذنبٌ لأنه إقرار بالقبيح على نفسه، والعاقل لا يقر على نفسه بالقبيح ثم يعتذر منه! وهذا - لعمري - قد يحسن مع الملوك والأحباء؛ لأنه ربما أفضى بهم الدلال والإدلال إلى التجني على الإنسان بذنوب لم يقترفها، فيحتاج إذا إلى الاعتذار منها، بل ربما جرى بينه وبينهم أشياء، كان الذنب لهم فيها فجعله لنفسه استبقاء للود، وخوفا على النفس، ورجاء للنفع، وقد قال الشاعر: (البسيط) إذَا مَرِضنَا أَتَيْناكُم نَعُودكُمُ ... وتُذنِبونَ فَنأْتيكمْ فنعتَذِرُ

стр. 93

وقال عروة: (الطويل) ويُضْمِرُ عُذْرَهَا ويُعِينُها ... عليَّ، فما لي في الفؤادِ نَصِيبُ وقوله: (البسيط) تَشْبيهُ جُودكَ بالأَمْطَارِ غَادِيَةً ... جُودٌ لِكَفَّكَ ثَانٍ نَالَهُ المَطَرُ قال: أي: قد أفرطت كفك في الجود، حتى جادت على المطر بأن شبه بها. (وأقول:) وقال الواحدي: أي: إذا شبهنا جودك بالأمطار التي تأتي بالغدوات، وهي أغزرها، كان ذلك جودا ثانيا لكفك، لأن المطر يسر ويفتخر أن يشبه بجودك. وأقول: المعنى أنك إذا جدت على إنسان بجود استكثره فشبه، لكثرته، بالمطر، وتشبيهه بالمطر بعد جوده على الطالب جود ثان على المطر بأن شبه به وهو أغزر منه. ومن عادة الأقل أن يشبه بالأكثر ولا ينعكس، فلما شبه الأكثر بالأقل كان ذلك بمنزلة الجود عليه.

стр. 94

(وقوله: (الوافر) وكنتَ السَّيْفَ قائِمُهُ إليهم ... وفي الأعْدَاء حَدُّكَ والغرارُ فأمْسَتْ بالبَدِيَّةِ شَفْرَتَاهُ ... وأَمْسَى خَلْفَ قائِمِهِ الحِيَارُ قال: الحيار أقرب إلى العمارة من البدية، والبدية أدخل في البر من الحيار، فلما خالفوه ضربهم بالسيف الذي كانوا يضربون به أعداءهم، ثم عظم حال لسيف فقال: كان الحيار خلف قائمه؛ أي: قائمة أدنى إلى العمارة من الحيار وكانت شفرتاه، وقت كون قائمه دون الحيار بالبدية، وبين الحيار والبدية مسيرة ليلة، فطال السيف إليهم لطول باع حامله وراءهم، فكأنه مد يده إليهم فلم يفوتوه. فيقال له: إذا كان الحيار أقرب إلى العمارة - كما ذكرت - وكان خلف قائمه، فكيف يكون قائمه أدنى إلى العمارة من الحيار وهو خلفه؟! هذا خلف من القول! والمعنى: إنه

стр. 95

كان سيفا في أيديهم حين الطاعة، فلما عصوه صار سيفا فيهم، وذلك أنه جاوز الحيار إليهم وهم في البدية فأوقع فيهم.). وقوله: (الوافر) يُغادِرُ كلَّ مُلْتَفِتٍ إليه ... ولَبَّتهُ لِثَعْلبهِ وِجَارُ قال: يقول: يطردهم بكل رمح، إذا التفت الفارس المنهزم لينظر أين هو منه طعنه في لبته، فصارت لبته لطرف الرمح، وهو ثعلبه، بمنزلة الوجار للثعلب؛ أي: دخل السنان وما في جبته من طرف الرمح في لبته. وأقول: إن هذه استعارة حسنة، ما علمت أنه سبق إليها. وذلك أنه لما ذكر الثعلب من الرمح جعل الطعنة في لبة الفارس وجارا لدخوله فيها وللمناسبة التي بينهما. وقد استعملت بهده هذه الاستعارة كثيرا، من ذلك قول بعض أهل العصر: (الرمل) ضَبَحَ الثَّعْلَبُ من خَطَّيَّهِ ... في وِجَارِ الصَّدْرِ لَّما وَلَغَا فزاد عليه في ذلك زيادتين وهما: الضبح والولوغ. وقوله: (الوافر) إذَا صَرَفَ النَّهارُ الضَّوَْء عنهم ... دَجَا لَيْلاَنِ لَيْلٌ والغُبَارُ

стр. 96

قال: أي: إذا زال ضوء النهار، دخلوا في سواد الليل وظلمة الغبار، فكأن هناك ليلين. وكذا قال في البيت الذي يليه (في صفة الليل) وهو قسيمه في معناه. قال: وقد أتى النابغة بمعنى هذين البيتين في بيت واحد في قوله في وصف الجيش (البسيط) تَبْدو كَوَاكِبُهُ والشَّمْسُ طَالِعَةٌ ... نُوراً بِنُورٍ وإظْلاما بإظلامِ وأقول: هذا المعنى قد جاء كثيرا، وكأن معنى أبي الطيب وترتيبه من قول أبي تمام: (البسيط) ضَوْءٌ من النَّارِ والظَّلْمَاءُ عَاكِفَةٌ ... وظُلْمَةٌ من دُخَانٍ في ضُحى شَجِبِ فالشَّمْسُ طَالِعَةٌ مِنْ ذَا وقَدْ أفَلَتْ ... والشَّمْسُ واجِبةٌ مِنْ ذَا ولم تَجِبِ إلا أن بيتي أبي الطيب أقصر وزنا، وأظهر معنى، وأقل كلفة، فإن كان أخذ المعنى منه، فقد زاد عليه فيه، وإن كان وارده (فيه) فهو أحق به منه. والأظهر أن أبا الطيب لم يكن ليعتمد إلا على ما يجلبه فكره ويستنتجه خاطره.

стр. 97

وقوله: (الوافر) فكانُوا الأُسْدَ لَيْسَ لهَا مَصَالٌ ... على طَيْرٍ وليسَ لهَا مَطَارُ قال: أي: كانوا قبل ذلك أسدا، فلما غضبت عليهم وقصدتهم لم تكن لهم صولة على طير لضعفهم، ولم يقدروا أيضا على الطيران فأهلكتهم. وأقول: ليس هذا بشيء! لأنه جعل الضمير في لها التي في صدر البيت، ولها التي في عجزه (للفرسان)، وليس كذلك بل الأولى للفرسان والثانية للخيل. يقول: هؤلاء الأعراب كانوا كالأسد في الشدة والشجاعة، ولكن ليس لها مصال على خيل كالطير في السرعة، وليس لتلك الخيل مطار؛ إما لما حل بها من الإعياء والكلال، أو لما لحقهم من الخذلان والخوف (والخبال) بلحاق سيف الدولة لهم، (وهذا المعنى والتفسير لم أسبق إليه، ولا ثم معنى سواه). وقوله: (الوافر) فَهُمْ حِزَقٌ على الخابور صَرْعَى ... بهم من شُربِ غَيْرِهِمُ خُمَارُ

стр. 98

قال: ومعنى البيت انهم ظنوا ان قد قصدهم فهربوا من بين يديه فتقطعوا. وأقول: إن هذا مثل ضربه، وذلك أن العادة جارية بحدوث الخمار فيمن يشربون الخمر فتحدث لهم سكرا وصرعا بالنون، لا فيمن لم يشربها. وهؤلاء - بنو نمير الذين أجفلوا خوفا من سيف الدولة مما صنع ببني كلاب الذين أوقع (بهم) - بمنزلة الذين صرعوا سكرا وخمارا من شرب غيرهم. وقوله: (الوافر) تَصَاهَلُ خَيْلُهُ مُتَجَاوِبَاتٍ ... وما من عَادَة الخَيْلِ السَّرارُ قال: يقول: كأن بعضها يسر إلى بعض شكيته، لما يجشمها من ملاقاة الحروب وقطع المفاوز، ألا ترى إلى قوله: (الكامل) نَطَقَتْ بسُؤدَدِكَ الحَمَامُ تَغَنَّياً ... وبِمَا تُجَشَّمُهَا الجِيَادُ صَهِيلاَ ويجوز أن يكون معناه أن خيله مؤدبة فتصاهلها سرارا هيبة له كقوله في أبي شجاع يصف خيله ورجاله: (الرجز) ما يَتَحَّركْنَ سِوَى انْسِلاَلِ فَهُنَّ يُضْرَبْنَ على التَّصْهَالِ كُلُّ عَليلٍ فَوْقَهَا مُخْتَالِ يُمْسِكُ فاهُ خَشْيَةَ السُّعَالِ

стр. 99

وأقول: إنه فهم المعنى مقلوبا! قال الواحدي: قال ابن فورجة: لفظ البيت لا يساعده على واحد من التفسيرين؛ فإنه ليس في البيت ذكر التشاكي ولا المسارة في الصهيل، ولكن المعنى أنها تتصاهل من غير سرار، وليس السرار من عادة الخيل، أي: إن سيف الدولة لا يباغت العدو ولا يطلب أن يكتم قصده العدو لاقتداره وتمكنه، والذي يطلب المباغتة والتستر عن عدوه يضرب فرسه على الصهيل كما قال: (المتقارب) إذا الخَيْلُ صَاحَتْ صِياحَ النُّسور ... حَزَزْنَا شَراسِيفَها بالجِذَمْ وقوله: (الوافر) لَهُمْ حَقٌّ بِشَركِكَ في نِزَارٍ ... وأَدْنَى الشَّركِ في أَصْلٍ جِوَارُ قال: يقول: أنت تجتمع معهم في نزار، فهذه قرابة لهم تعطفك عليهم. وأقول: إنه فسر النصف الأول ولم يفسر الثاني، ومعناه: أن هؤلاء؛ بني كلاب، لهم حق عليك بمشاركتهم لك في نزار، وأقل ما يوجبه حق الشركة، (في الأصل)، أن تجيرهم بالعفو عنهم.

стр. 100

وقوله: (الوافر) لعَلَّ بَنِيهمُ لِبَنيكَ جُنْدٌ ... فأوَّلُ قُرَّحِ الخَيلِ المِهَارُ قال: أي: الأمور أوائلها صغار وأواخرها كبار. وأقول: ليس هذا المعنى، وإنما هو ما ذكره الواحدي؛ قال: يستعطفه عليهم ويحثه على العفو عنهم؛ يقول: لعل أبناءهم يكونون جندا أبنائك، فالمهار من الخيل تصير قرحا، أي: الصغير يصير كبيرا، كما قال بعض العرب: (الرجز) وإنَّما القَرْمُ مِنَ الأفِيلِ وسُحُقُ النَّخْلِ من الفَسِيلِ وقوله: (البسيط) فَقَدْ تَيَقَّنَّ أَنَّ الحَقَّ في يَدِهِ ... وقَدْ وَثِقْنَ بأَنَّ اللَّهِ ناصِرُهُ قال: هذا مثل قول النابغة: (الطويل)

стр. 101

جَوَانِحُ قد أيْقَنَّ أنَّ قَبِيلَهُ ... إذَا ما التَقَى الجَمْعَانِ أوَّلُ غَالِبِ وأقول له: إن الطير وصفهن باليقين لما ذكره فيما بعد من قوله: (الطويل) لَهُنَّ عَلَيْهِمْ عَادَةٌ قَدْ عَرَفْنَهَا ... إذَا عُرَّضَ الخطيُّ فَوْقَ الكَوائِبِ وأنت فلم تذكر لم وصفهن أبو الطيب باليقين والثقة، وكان ينبغي أن يقول: إنما وصفهن بذلك لما قبله من قوله: (البسيط) تَحْمَى السُّيُوفُ على أَعْدَائِه مَعَهُ ... كأَنَّهُنَّ بَنُوهُ أَوْ عَشَائرُهُ (إذَا انْتَضَاهَا لَحْرْبٍ لم تَدَعْ جَسَداً ... إلاَّ (وباطُنُهُ للعَيْنِ ظاهِرُهُ) وقوله: (الطويل) رَأَتْ وَجْهَ مَنْ أَهْوَى بِلَيْلٍ عَوَاذِلي ... فَقُلْنَ: نَرَى شَمْساً ومَا طَلَع الفَجْرُ قال: إنما خص العواذل هنا دون غيرهن؛ لأنهن لم يعترفن له بهذا إلا لما فاق عندهن الوجوه، فعذرنه في محبته، وذلك الغاية في معناه. (وأقول:) وقال الواحدي: وخص العواذل لأنهن إذا اعترفن بهذا، مع إنكارهن عليه حبها، كان ذلك أدل على حسنها.

стр. 102

وأقول: إن العواذل إنما يعذلن العاشق شفقة عليه ورحمة له، فمن شأنهن أن يصغرن حال المحبوب عنده، ويقبحنه في عينه، ويخدعنه عنه ليزهد فيه؛ فيحصل لهن الغرض الذي قصدنه منه. وكأن عواذل أبي الطيب لم يرين محبوبه قبل تلك الليلة، فلما رأينه بهرهن وجهه بالحسن الذي أراهن، كأن الشمس طالعة بالليل، فلم يقدرن على المخادعة والمغالطة، ووصفنه بذلك فعدن، بعد إذ كن يعذلنه؛ يغرينه، لأن وصف المحبوب إغراء به وتعريض لعشقه كما قال الشاعر: (الوافر) وَلسْتُ بواصِفِ أَبداً حَبِيباً ... أُعَرَّضُهُ لأَهْوَاءِ الرَّجَالِ (وقوله: (الكامل) أو يَرْغَبُوا بقصُورِهِمْ عن حُفْرَةٍ ... حَيَّاهُ فيها مُنْكَرٌ ونَكِيرُ قال: أعيذهم أن يتركوا زيارة قبره ويلزموا قصورهم. وقال الواحدي: قال العروضي: ما أبعد ما وقع، وإنما أراد: لا يحسبوا قصورهم أوفق له من الحفرة التي صارت من رياض الجنة حتى حياه فيها الملكان. وأقول: ما العجب (من وقوعه) في مثل هذا، بل سلامته!)

стр. 103

وقوله: (الكامل) غَاضَتْ أنَامِلُهُ وَهُنَّ بُحورُ ... وخَبَتْ مَكائِدُهُ وهُنَّ سَعِيرُ قال: أي: لما مات بطلت أفعاله، إلا من الذكر الجميل. وأقول: هذا الاستثناء (الذي ذكره) لا يدل عليه اللفظ، وإنما ذكر غيض أنامله وهن بحور، وخبو مكائده وهن سعير، على وجه الإعظام والتعحب للبحار، مع كثرة مائها كيف تغيض، وللنار مع شدة اضطرامها (- ويعني نار جهنم -) كيف تخبو؟! (والواو في وهن المكررة للحال.) والمعنى: أنه يصفه بكثرة الجود على الأولياء، وبكثرة الانتقام من الأعداء. وقوله: (الكامل) طَارَ الوُشَاةُ على صَفَاءِ ودادِهِمْ ... وكذا الذُّبَابُ على الطَّعام يَطِيرُ قال: معنى طاروا: ذهبوا وهلكوا، لما لم يجدوا بينهم مدخلا.

стр. 104

قال الواحدي: وقال أبو علي بن فورجة: كيف يعني بقوله: طاروا: ذهبوا وهلكوا وقد شبه طيرانهم على صفاء الوداد بطيران الذباب على الطعام؟ وإنما يعني أن الوشاة تعرضوا لما بينهم، وجهدوا أن يفسدوا ودهم، كما أن الذهاب يطير على الطعام، ومثله قول الآخر: (البسيط) وَجَلَّ قَدْرِيَ فاسْتَحْلَوا مُسَاجَلَتي ... إنَّ الذُّبَابَ على المَاذِيّ وَقاعُ قال الواحدي: والمعنى أن اجتماع الوشاة وسعيهم فيما بينهم بالنمائم، دليل على ما بينهم من المودة كالذباب، لا يجتمع إلا على طعام، كذلك الوشاة إنما يتعرضون للأحباء المتوادين. قال: وقال العروضي، فيما أملاه علي: يظلم نفسه ويغر غيره من يفسر شعر المتنبي بهذا النحو، ألا تراه يقول: . . . . . . . . . . وكذَا الذُّبابُ على الطَّعَامِ يطِيرُ أذهاب هذا عنه أم اجتماع عليه؟! وقال: طَارَ الوُشَاةُ عَلَى. . . . . . . . . . . . ولو أراد ما قال أبو الفتح لقال: (طار) عنه. وأقول: هذا (الذي) أخذوه على ابن جني حسن، إلا أنهم لم يبينوا المعنى ويكملوه؛ وهو أن الوشاة تعرضوا لإفساد ما بينهم من الوداد، ولا يعبأ بهم لحقارتهم عندهم، فكانوا بينهم بمنزلة الذباب الذي يطير على الطعام متعرضا لفساده فلا يعبأ به ويطرد عنه.

стр. 105

وقوله: (الطويل) مَرَتْكَ - ابنَ إبراهيمَ - صَافِيَةُ الخَمْرِ ... وهُنَّئْتَهَا من شَارِبٍ مُسْكِرِ السّكْرِ قال: معنى مسكر السكر: إما لأنك لا يغلبك السكر، ومن عادته أن يغلب كل شيء، فكأنك قد غلبته، وإما أنه استحسن شمائلك فسكر لحسنها، وكلاهما يحتمله البيت. وأقول: الصحيح الوجه (الأول)، والثاني ليس بشيء! والمعنى أنه أراد المبالغة فعكس فجعله يسكر السكر الذي من عادته أن يسكر، ولا يسكره السكر. وهو مثل قوله: (الطويل) طِوَالُ الرُّدَيْنياتِ يَقْصفُها دَمي ... وبيضُ السُّريْجِياتِ يَقْطَعُها لَحْمِي وقوله: (الوافر) عَدُويَّي كُلُّ فيكَ حَتَّى ... لَخِلْتُ الأُكْمَ مَوُغَرةَ الصُّدُورِ

стр. 106

قال: وقوله: . . . . . . . . . لَخِلْتُ الأكْمَ مُوغَرَةَ الصُّدُورِ يحتمل أمين: أحدهما: أنه يريد أن الأكم تنبو به فلا يستقر فيها، ولا تطمئن به فكأنه ذلك لعداوة بينهما. والآخر، وهو الوجه: أن يكون أراد شدة ما يقاسي فيها من الحر والبرد، وأنها موغرة الصدور من شدة حرارتها، ويؤكد هذا قوله في هذه القطعة أيضا: (الوافر) . . . . . . . . . وأَنْصِبُ حُرَّ وَجْهي للهَجِيرِ وذكر الواحدي عن ابن فورجة تزييف الوجهين؛ بأن قال: لم يرد أن يستقر في الأكم فتنبو به وبئس ما يختار لداره ومقامه، وكيف خص الأكم بشدة الحر، والمكان الضاحي للشمس أولى بالحر؟ وللأكم ظل فهي أبرد من المكان الذي لا ظل فيه. ثم إنه ذكر وجها ثالثا ليس يحسن كالوجهين الأولين يذكر في شرح الواحدي. وأقول: إنما خص الأكم، ويريد بها الجبال، وجعلها موغرة الصدور لحسدها له حيث يفضلها في العلو والثبات والرصانة، وقوله: كل شيء أطلق وأراد التخصيص أي: كل شيء حسن عال غال، كقوله - تعالى: (وأوتيت من كل شيء).

стр. 107

وقوله: (الوافر) ولو كُنْتَ امْرءاً يُهْجَى هَجَوْنا ... ولكِنْ ضَاقَ فِتْرٌ عن مَسِيرِ قال: أي لست ممن يستحق الهجاء. وأقول: هذه عبارة ناقصة، والمعنى: أنت أقل من أن تهجى، كما أن الفتر أضيق من أن يسار فيه؛ كأنه يقول: ليس لك (عرض)، وإنما يهجى من له عرض. وقوله: (الطويل) ذَرِ النَّفْسَ تأخُذْ وُسْعَهَا قبلَ بَيْنِهَا ... فمُفْتَرِقٌ جَارانِ دَرُهُمَا عُمْرُ (قال: أي: إنما النفس مجاورة لهذا الجسم مدة العمر، ثم يفترقان إذا فني العمر.) وأقول: فسر عجز البيت، وعجز أن يفسر صدره وهو: دع نفسك تأخذ ما تطيق مما تريد من لذة أو مال أو حرب؛ فإنها غير باقية مع الحسد.

стр. 108

وقوله: (الطويل) إذَا الفَضْلُ لم يرفَعْكَ عن شُكْرِ نَاقِصٍ ... عَلَى هِبَةٍ فالفَضْلُ فِيمَن له الشُّكْرُ قال: أي: إذا اضطرتك الحال وشدة الزمان إلى شكر الأصاغر من الناس على ما تتبلغ به إلى إمكان الفرصة، فالفضل فيك ولك، لا للممدوح المشكور. وأقول: هذا الذي ذكره ليس بشيء! وقال الواحدي: قال أبو الفضل العروضي: يقول أبي الطيب: الفضل فيمن له الشكر، ويقول أبو الفتح: الفضل فيك ولك فيغير اللفظ ويفسد المعنى، وإنما أوقعه في ذلك أنه توهم قوله، فالفضل فيمن له الشكر أنه الشاكر، وإنما هو المشكور. والذي أراد أبو الطيب أن الفضل إذا لم يرفعك عن شكرك الناقص على هبة، فالناقص هو الفاضل؛ يشير إلى الترفع عن هبة الناقص لئلا يلتزم شكره. وقوله: (الطويل) وكَمْ من جِبَالِ جُبْتُ تَشْهَدُ أنَّني ال ... جِبَالُ وبَحْرٍ شَاهِدٍ أَنَّي البَحْرُ لم يفسر البيت لظهوره. إلا أن قوله: أنني البحر يسبق إلى الوهم أنه في الجود، ولم يكن أبو الطيب

стр. 109

ليدعي ذلك، ولا يدعى له، وإنما أراد: في العلم. وأقول: لو كان (قال): وكم من جِبَالٍ جُبْتُ تَشْهَدُ أنَّني ... أخُوهَا. . . . . . . . . لكان (أقل كلفة، وأوقع تشبيها،) وأحسن من الإدماج في البيت، وتشبيه الواحد بالجمع. ولكنه لما قال: . . . . . . . . . . . . . وبَحْرٍ شَاهدٍ أنَّني البَحْرُ أراد أن يكون الأول مثل الآخر في ازدواج اللفظ فأوقعه في ذلك، والتكلف ظاهر فيه مع سوء التشبيه. وقوله: (الطويل) وخَرْقٍ مكانُ العِيسِ منهُ مَكَانُنَا ... مِنَ العِيسِ فيه واسِطُ الكُورِ والظَّهْرُ قال: ومعنى البيت: أن هذه الإبل كأنها واقفة في هذا الخرق، وهو المتسع من الأرض، ليست تذهب فيه ولا تجيء، وذلك لسعته، فكأنها ليست تبرح منه كما قال آخر في صفة خرق: (الرجز) يُمْسِي به القَوْمُ بِحَيْثُ أَصبْحَوا

стр. 110

أي: فكما أنا نحن في ظهور هذه الإبل، فكذلك هي، كأن لها من أرض هذه الخرق كورا وظهرا، فقد أقامت به لا تبرحه. وأقول: هذا كلام من لم يشم رائحة هذا المعنى فضلا عن أن يذوقه! وهو ما قاله الواحدي، ويقوله كل من له أدنى تأمل!: أنه توسط هذا الخرق راكبا ظهر البعير في جوزه، فمكانه من ظهر البعير من الخرق. والمعنى: نحن في وسط ظهور الإبل والإبل في وسط الخرق، ولم يتعرض في هذا البيت لوقوفها ولا لبراحها، ثم ذكر سيرها في البيت الثاني. وقوله: (الطويل) ولا يَنْفَعُ الإمكانُ لولا سَخَاؤه ... وهَلْ نَافِعٌ لولا الأكُفُّ القَنَا السُّمْرُ قال: يقول: لولا سخاؤه لما انتفع الناس بإمكانه؛ لأنه قد يكون الإمكان مع الشح فلا ينفع، كما أن القنا لو لم تحفزها الأكف لم تقتل. وأقول: الصحيح؛ أن الانتفاع راجع إلى الممدوح لا إلى الناس. يقول: لولا سخاؤه لما انتفع بكثرة ماله، وضرب مثلا للثراء والسخاء بالقنا السمر والأكف، فالثراء لا ينتفع (به) لولا السخاء، كما أن القنا السمر لا ينتفع به لولا الأكف.
следующие страницы →