← Адаб

Адаб · id 37057

المآخذ على شراح ديوان أبي الطيب المتنبي

المهلبي، أبو العباس

Полный текст (1 138 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

وهو مما استُقبح من أشعاره، والمتنبي نقل شيب الفؤاد إلى الكبد. وأقول: الأشبه أن يكون أبو الطيب اخذ ذلك من قول أبي نواس: المنسرح يا عمرو أضْحَيْتُ مُبْيَضَّةً كَبِدي ... فأخْضِبْ بياضاً بعُصْفُرِ العنبِ ويكون أبو تمام نقل منه شيب الكبد إلى الفؤاد. وقوله: البسيط حَتَّى وَصَلْتُ بنَفْسٍ مَاتَ أكثَرُهَا ... وليتني عِشْتُ منها بالذي فَضَلا قال: مات أكثرها: ذهب أكثر لحمها وقوتها لما قاسته من هول الطريق وشدته، ثم تمنى أن يعيش بما بقي من نفسه ليقضي حق خدمة الممدوح. وأقول: قوله: ليقضي حق خدمة الممدوح ليس بشيء، إنما يريد أن نفسه نفس كبيرة عظيمة. ولما قال: مات أكثرها خاف أن يسبق إلى الوهم أن الذي بقي يسير ضعيف فقال: ليتني عشت بالذي فضل منها فأنه قوي كثير مع ذهاب أكثره.

стр. 807

وقوله: الخفيف ذاتُ فَرْعٍ كأنَّما ضُرِبَ العَنْبَ ... رُ فيه بماءِ وَرْدٍ وعُودِ

стр. 808

قال: يريد إن شعرها طيب الرائحة كأنه خُلط بهذه الأنواع من الطيب. ويقال: إن العود إنما تفوح رائحته عند الإحراق، ولا تطيب رائحة الشعر إذا خُلط بالعود. فيقال: أراد: ضُرب العنبر فيه بماء ورد ودُخن بعود، وحذف الفعل الثاني كقوله: الرجز عَلَفْتُها تِبْناً وماءً بارِداً وقول الآخر: الكامل ورأيتُ بَعْلَكِ قد غَدَا ... مُتَقَلِّداً سَيْفاً ورُمْحَا فيقال: لا حاجة إلى حذف عاملين: الفعل والياء وإضمارهما والكلام مستقل بنفسه، والعود يُخلط بالعنبر مدقوقا، وهو معروف، ويرقق بما الورد إذا أريد وضعه في الشعر.

стр. 809

قوله: الخفيف جَمَعَتْ بين جِسْمِ أحْمَدَ والسُّقْ ... م وبينَ الجُفُونِ والتَّسْهِيدِ وأقول: أن هذا البيت والذي بعده فيه أيضا مناقضة كما ذكرت في الأول، لأن من يترشف ريقه كيف يسقم ويسهد ويُعذب؟ وهذا إنما وقع في هذه القصيدة لأنها من نظم الصبا كما ذكر. وقوله: الخفيف ولعَلَّي مُؤمِّلٌ بَعضَ ما أبْ ... لُغُ باللُّطْفِ من عَزيزٍ حَميدِ قال: يقول: لعلي راج بعض ما ابلغه بلطف الله العزيز الحميد؛ أي الذي أرجوه لعله بعض الذي أبلغه بلطف الله. . . وقيل: إن هذا على القلب؛ تقديره: لعلي بالغ بلطف الله تعالى بعض ما أؤمله. فيقال له: الوجه الأول، هو الحسن، والثاني هو القبيح، وذلك لأنه لا يقال: لعلي أبلغ بلطف الله دون ما أؤمله، أو بعض ما أؤمله، بل يقال: ابلغ بلطف الله فوق ما أؤمل. على أن الشيخ الكندي قال: حمل بعض الناس هذا البيت على القلب الوارد في كلام العرب، وهو أن يذكر الشيء ويراد عكسه، ولكن إنما يجوز ذلك عندهم إذا

стр. 810

أُمن الإلباس،. . . وهاهنا يقع اللبس، لأنه يجوز أن يريد أن الشيء الذي أبلغه بلطف الله أمر عظيم فوق أملي. وهذا هو الصحيح وهو الوجه الأول؛ يقول: أنا مؤمل أشياء لعلها بعض الذي أدركه بلطف الله وتيسيره. وكأن هذا من قول جعفر بن محمد الصادق ﵇: كن لما لا ترجو، أرجى منك لما ترجو؛ فإن موسى ذهب ليقتبس لأهله ناراً، فعاد نبياً مرسلاً! وقوله: الخفيف لا كما قَدْ حَيِيتَ غيرَ حَميدٍ ... فَإذَا مِتَّ مِتَّ غَيْرَ فَقيدِ قال: يقال: حيي يَحيى حياة، ويقال أيضا: حي بالإدغام في الماضي، ولا يقال في المستقبل بالإدغام، وذلك أن حيي عين الفعل منه ياء مكسورة ولامه أيضا ياء، والياء أخت الكسرة، فكأنه اجتمع ثلاث كسرات، فحُذفت كسرة العين، وأدغمت في اللام، ولم يعرض في المستقبل شيء من هذا. فيقال له: ليس الإدغام في حيي وبابه لكسرة العين، وإنما هو للزوم فتحة اللام واجتماع مثلين متحركين. ولو إنه كما تقول: لجاز الإدغام في يُحيى من الرباعي لان عينه مكسورة، كما في حيي، ولامه ياء، والذي يدل على صحة ما قلت قوله تعالى: (. . . بِقَادِرٍ عَلَى أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَى) فقد اجتمع فيها ما جعله علة من الياءين والكسرة وزيادة فتحة اللام؛ ومع ذلك فلم يدغم؛ لأن الفتحة هاهنا عارضة، فهذا الذي ذكره ليس بشيء، وما كان له أن يتعاطاه لأنه ليس من شأنه!

стр. 811

وقوله: المنسرح وقد شَغَلَ الناسَ كَثْرَةُ الأمَلِ ... وأنْتَ بالمَكْرُمَاتِ في شُغُل قال: الناس مشغولون بكثرة آمالهم بك، وأطماعهم فيما يأخذون من أموالك، وأنت مشغول بتحقيق آمالهم، وتصديق أطماعهم. وأقول: الأولى أن يكون المعنى أن الناس شغلتهم الآمال بتحصيل الأموال وجمعها، وأنت مشغول بتفريقها في المكارم، وهذا كأنه من قول الآخر: الطويل لَشَتَّانَ ما بين اليَزِيدين في النَّدى ... يَزِيدَ سُلَيْمٍ والأغَرِّ ابن حَاتِم فَهَمُّ الفَتَى الأزْديِّ إِنفَاق مَالِهِ ... وَهَمُّ الفَتَى القَيْسيِّ جَمْعُ الدَّراهمِ فلا يَحْسبِ التَّمْتَامُ أني هَجَوْتُهُ ... ولكنَّني فَضَّلْتُ أهْلَ المكارمِ وقوله: المنسرح تَمَثَّلُوا حَاتِماً ولو عَلموا ... لكُنْتَ في الجُودِ غَايةَ المَثَلِ

стр. 812

قال: أراد تمثلوا بحاتم، أي في الجود، فحذف الباء ضرورة وذلك أن المثل يُضرب بحاتم؛ فيقال: أجود من حاتم. فيقال: ليس في هذا ضرورة بحذف الباء؛ والفعل متعد بنفسه لأن: تمثلت بمعنى: اتخذت مثلا، وتفعلت لاتخاذ الشيء كثير نحو: تديرت المكان وتوسدت الرأي، أي اتخذت ذلك داراً ووسادة، فتمثلوا حاتما، أي اتخذوه مثلا تُضرب به الأمثال، فيقال: فلان في الجود مثل حاتم فهذه حقيقة المثل. وبين تمثلت الشيء وتمثلت به فرق: فتمثلته: اتخذته مثلا، وتمثلت به: جعلته تُلحق به أمثال له. وقوله: الطويل خليليَّ ما هذا مُنَاخٌ لمِثْلِنَا ... فَشُدَّا عَلَيْها وارْحَلاَ بِنَهَارِ قال في قوله: فشدا عليها نوعان من الضرورة: حذف المفعول، والكناية عن غير مذكور. فيقال له: ما جاء مثله في كلام الله - سبحانه - فليس بضرورة: فأما حذف المفعول فقوله: (وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي) وأما الكناية عن غير مذكور فقوله: (حَتَّى تَوَارَتْ

стр. 813

بِالْحِجَابِ)، و: (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ). ولو أعرض عن التعرض للعربية، واشتغل بتفسير المعاني الذي أرصد نفسه له، وجعله المعتمد الذي هو بصدده، وعاب على ابن جني بخروجه عن المقصود من الديوان فيما ذكره، لكان أليق به وأستر له!! وقوله: الكامل والمَرْءُ يأمُلُ والحَيَاةُ شَهِيَّةٌ ... والشَّيْبُ أوْقَرُ والشَّبيِبَةُ أنْزَقُ قال: الشهية: المشتهاة من شهي يشهى. . . ذا اشتهى الشيء، فهي فعيلة بمعنى مفعولة. فيقال له ولأبي الطيب: لا يجوز دخول فعيلة الهاء إذا كانت بمعنى مفعولة بل يستوي فيها المذكر والمؤنث فيقال: رجل قتيل وامرأة قتيل. وأما حميد وحميدة فمشبه رشيد ورشيدة. وأما الذبيحة والرمية من قولهم: بئست الرمية الارنب، فإنها دخلت في الأسماء. ألا ترى إنها يقال لها ذلك. ولم تُذبح ولم تُرم؟!

стр. 814

وقوله: الطويل أشَاروا بتَسْليمٍ فَجُدْنَا بأنْفُسٍ ... تَسِيلُ من الآمَاقِ والسِّمُ أدْمُعُ قال: يقول: أشاروا إلينا بالسلام فجدنا عليهم بأرواح سالت من الآماق واسمها دموع، وتفسير هذا قولي: الطويل خَلِيلَيَّ لا دَمْعاً بَكْيتُ وإنما ... هو الرُّوحُ من عَيْني تسيل فَتَخْرُجُ وأصل الاسم: سم، بكسر السين ويقال سم أيضا. فيقال له: لقد ضعف تفسيرك وشعرك وتصريفك! أما قوله: . . . فجُدْنَا بأنْفُسٍ. . . ... . . . فليس من الجود الذي هو كثرة العطاء، إنما هو من الجود الذي هو كثرة البكاء بإسالة الأنفس، التي اسمها دموع من الآماق. وأما البيت الذي فسر به بيت أبي الطيب فقد كان له مندوحة عن ذكره بستره، لضعف عجزه وثقل صدره، واكتفاء بقوله: الكامل أروَاحُنَا انهمَلَتْ وعِشْنَا بَعْدَهَا ... من بَعْدِ ما قَطَرَتْ على الأقْدامِ

стр. 815

وقد جاء مثله لبعض أهل العصر: المتقارب بعَادُكمُ في قَرارِ القُلوبِ ... أضْرَمَ نَاراً تُسَمَّى هُلوعَا وهَجْرُكُمُ من سَماءِ العيونِ ... أسَالَ نُفوساً تُسَمّىَ دُموعَا وأما الاسم فأصله: سمو، لأن كل معرب على حرفين فإنما أصله ثلاثة نحو: يد، ودم، وفم، وفيه لغات: اسم بالحذف وبالتعويض، وسِم وسُم بلا تعويض، وسما على الأصل من غير حذف. وقوله: الطويل يَتِيهُ الدَّقيقُ الفِكْرِ في بُعْدِ غَورِه ... ويَغْرَقُ في تَيَّارِه وهو مِصْقَعُ قال: المصقع: البليغ الفصيح لأنه يأخذ في كل صقع من القول، والدقيق الفكر: الفهم الفطن. . . . . .، وهذا هو الرواية الصحيحة بالألف واللام في الدقيق، مع الإضافة إلى الفكر، وهو جائز في أسماء الفاعلين كالحسن الوجه، ومن روى: دقيق الفكر جعل الدقة نعتا للفكر؛ أي: يتيه الدقيق من الأفكار، والأول أجود، ليكون نعتا للرجل كأنه قال: يتيه الرجل الدقيق الفكر؛ ألا تراه يقول: وهو مصقع، وهذا نعت للرجل لا للفكر.

стр. 816

فيقال له: قوله: أن المصقع مشتق من الصقع، وهي الناحية، ليس بشيء وإنما هو مشتق من الصاقعة كأنه يدفع الخطباء المتكلمين فلا يقدرون على الكلام. وقوله: الطويل ألَيْسَ عَجيباً أنَّ وَصْفَكَ مُعْجِزٌ ... وأنَّ ظُنُوني في مَعَاليكَ تَظْلَعُ قال: أليس من العجب أني مع جودة خاطري وبلاغة كلامي أعجز عن وصفك، ولا يبلغ ظني معاليك، ولا أدركها لكثرتها. وأقول: هذه عبارة قاصرة، وإنما يقول: أليس من العجب أن وصفك معجز وأنا آتي في القول بالمعجزات، وظنوني تقصر عن صفات معاليك فلا أقدر على الإتيان بها وهذا خرق للعادة من قبلك وقبلي. وقوله: المتقارب أنَا ابنُ الفَيَافي أنا ابنُ القَوافي ... أنا أبنُ السُّرُوج أنا ابنُ الرِّعَانِ

стр. 817

قال: وكان ينشده أيضا بطرح الياء منهما اكتفاء بالكسرة كقوله تعالى: (جَابُوا الصَّخْرَ بِالَوَادِ). وأقول: هذا التشبيه ليس بسائغ؛ لأن حذف الياء من الوادي إنما كان من أجل الفواصل لتشابه المقاطع بالوقوف على الدال، التي هي آخر السجع، وهذا البيت ليس كذلك. ولكن إنما كان ذلك لتوازن الفياف والقواف السروج والرعان فتجري هذه الألفاظ الأربع في البيت على متن واحد؛ لأنه يجوز الوقوف على الرعان من غير إطلاق فيحصل التوازن ويخف اللفظ ويعذب الذوق. وقوله: الطويل فما وَرَدَتْ رُوحَ امرئٍ روحُهُ له ... ولا صدَرَتْ عن بَاخِلٍ وهو بَاخلُ قال: إذا وردت السيوف روح امرئ، كانت بها املك منه، وصار - وإن كان بخيلا - غير بخيل؛ لأن السيف ينال منه ما يطلب أو يفتدي روحه بماله. وأقول: تفسيره أول البيت صالح، وتفسيره آخره ليس بشيء، ومعنى قوله: . . . . ... ولا صَدَرَتْ عن بَاخلٍ وهو بَاخِلُ

стр. 818

أي: إنها تقتله فيخرج من صفة البخل بخروجه، من صفة الحياة. وهذا مثل قوله: الخفيف فرؤوسُ الرِّماحِ أذهَبُ للغّيْ ... ظِ وأشْفَى لِغلِّ صَدْرِ الحَقُودِ أي: إنه يُقتل فيخرج من صفة الغل والحقد بخروجه من صفة الحي التي هي مُصححة لهما. وقوله: الطويل غَثَاثَةُ عَيْشي أن تَغِثَّ كَامتي ... وليس بِغَثٍّ أن تَغِثَّ المآكِلُ قال: يقول: هزال عيشي في هزال دمي، لا في هزال مطاعمي. وأقول: أن تفسيره كرامتي بمعنى دمي عجيب غريب. وهذا لم يقله أحد، ولا له هاهنا معنى سائغ. وإنما كرامتي بمعنى إكرامي؛ أي: إكرام غيري لي. يقول: هُزال عيشي في هُزال كرامتي، وفصد إهانتي وإضاعة حُرمتي. . . . . . . ... وليس بِغَثٍّ أن تَغِثَّ المآكِلُ بل أن تغث الكرامة والحرمة، وهذه إشارة إلى قوله: الطويل . . . . . . ... إلى أن بَدَتْ للضيم فيَّ زلازِلُ

стр. 819

وقوله: البسيط أبْدَيْتِ مثلَ الذي أَبْدَيْتُ من جَزَعٍ ... ولم تُجِنِّي الذي أجْنَنْتُ من ألَمِ إذاً لبَزَّكِ ثَوْبَ الحُسْنِ أصْغَرُهُ ... وَرُحْتِ مِثْلِيَ في ثَوبَيْنِ من سَقَمِ قال: ذكر إنها لم تجن الألم، كأنه قال: لو أجننت من الألم، ما أجننته، إذا لسلبك ثوب الحسن أصغر جزء من أجزائه. أقول: وهذا، من تفسيره، يدل على إنها لم تُجن شيئاً من ألم، وأقول: إن قول أبي الطيب: البسيط . . . . ... ولم تُجِنِّي الذي أجْنَنْتُ من ألَمِ لا يدل على إنها لم تجن ألما البتة، وإنما معناه: ولم تُجني مثل الذي أجننت. وكذلك إذا قلنا: زيد يفعل فعل أبيه أو لا يفعل، فإنما معناه إنه لا يفعل مثل فعله لأنه مستحيل إذ الفعل الواحد لا يكون من فاعلين. وعلى ذلك فسر أبو علي قوله - سبحانه -: (وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا) وقال: ولا يجوز أن يُعطف ورهبانية على ما قبلها لان ما يجعله هو - سبحانه - لا يبتدعونه هم. وصدر البيت يدل على هذا التفسير وهو قوله: البسيط

стр. 820

أبْدَيتِ مثلَ الذي أبْدَيْتُ من جَزَعٍ ... . . . . . . وإذا صح ذلك قلنا: إنها أجنت الما، الا إنه ليس مثل ألمه، وإنما احتجنا إلى ذلك لئلا يتناقض قوله، لأنه قال قبل: البسيط تَنَفَّسَتْ عن وَفَاءٍ غَيْرِ مُنْصدعٍ ... . . . . . . فلو قدرنا إنها أبدت جزعا مثل جزعه ولم تُجن ألما البتة، لكان ذلك خداعا، ولم يكن وفاء وقوله: البسيط مِنْ كُلِّ أحْورَ في أنيابِه شَنَبٌ ... خَمْرٌ مُخَامِرُهَا مِسْكٌ تُخَامِرُهُ قال: الشنب: صفاء الأسنان، ورقة مائها. وسئل ذو الرمة عن الشنب، فأخذ حبة رمان فقال: هذا الشنب؛ إشارة إلى صفائها ورقة مائها. قال: وقال ابن جني: خمر بدل من شنب، كأنه قال: في أنيابه خمر قد خالطت المسك، والمسك قد خالطها. وهذا قول جميع من فسر هذا الديوان.

стр. 821

قال: ويبعد إبدال الخمر من الشنب لأنه ليس في معنى الخمر، والقول فيه إن خمر رفع بالابتداء، ومخامرها ابتداء ثان ومسك خبره، وهما في محل الرفع بالخبر عن خمر، والهاء في مخامره ضمير الشنب. وأقول: إذا كان قد فسر الشنب برقة ماء الأسنان، فكيف استبعد أن تُجعل الخمر بدلا منه، كناية عن طيب النكهة ولذاذة الريق؟ وكيف جاز أن يجعل خمر، وهي نكرة، مبتدأ ولم يصفها؟ ولم جعل مخامرها مبتدأً ثانياً خبراً عنها ولم يجعله صفة لها؟ وما اضطره إلى ذلك وقد قال: ومن روى: يخامرها مسك جعل الجملة صفة للنكرة وتخامره الخبر؟ فيقال: وكذلك إذا قال: مخامرها مسك فهذا جائز حسن! وقوله: البسيط يا مَنْ تَحَكَّمَ في نَفْسِي فَعَذَّبَني ... ومَنْ فؤادي على قَتْلي يُضَافِرُهُ قال: المضافرة: المعاونة، يعني أن قلبه يهينه على قتله حيث لا يسلو مع ما يرى من كثرة الجفاء. وأقول: إن قوله حيث لا يسلو ليس بشيء. ولكن حيث يزداد له حباً، كلما ازداد له جفاء؛ لأن من شأن الذي يجفوه شخص أن يميل قلبه عنه، وهذا يميل قلبه اليه،

стр. 822

فكأنه يعينه عليه، وهو من قول الرشيد: قلب العاشق عليه مع المعشوق! قال الأصمعي: قلت هذا - والله - يا أمير المؤمنين أحسن من قول عروة بن حزام: الطويل ويُضْمِرُ قَلبي عُذْرَهَا ويُينُهَا ... عليَّ فما لي في الفُؤاد نَصِيبُ وقوله: البسيط من بَعْدِ ما كان لَيْلي لا صَبَاحَ له ... كأنَّ أولَ يَوْمِ الحَشْرِ آخرُهُ قال: يقول: بعد ما كنت أقاسي من الحزن ما يُسهرني فيطول عليَّ الليل للسهر حتى كأنه متصل بيوم الحشر. وأقول: ليس في الكلام ما يدل على الاتصال بيوم الحشر، ولكن أبا الطيب بالغ في وصف الليل بالطول، فجعل آخر ليله كأول يوم وهو يوم الحشر لقوله تعالى: (فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ) وكأن هذه المبالغة التي بالغ بها أبو الطيب في عجز البيت نقص بل نقض م لما ذكره في صدره وذلك إنه قال: . . . . . . لَيْلي لا صَبَاحَ له ... . . . . . . فنفى أن يكون له آخر. ويوم الحشر وإن كان طويلا فله آخر، ويمكن أن يُعتذر عنه بحذف الصفة؛ أي: لا صباح قريب له، وليتأمل هذا الموضع فإنه صالح.

стр. 823

وقوله: البسيط قد اشْتَكَتْ وَحْشَةَ الأحْيَاءِ أرْبُعُهُ ... وخَبَّرَتْ عن أسَى المَوْتَى مَقَابِرُهُ قال: لما غاب الأمير عن البلد، حزن لغيبته الأحياء حتى أحست بذلك دورهم، وكذلك الموتى، حزنوا حتى أخبرت المقابر عن حزنهم. وأقول: إن قوله: أحست بذلك دورهم ليس بشيء، ولو قال: استوحش لغيبته الأحياء حتى سرت الوحشة إلى منازلهم فاشتكت ذلك بلسان الحال. وكذلك يقال في الموتى في مقابرهم لكان حسنا، وكان في هذا البيت من المجاز والاستعارة ما في قوله تعالى: (إنا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إنه كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً). كأنه يقوله - والله أعلم -: لو إن هذه الأشياء مما يعقل وعُرض عليها حمل الأمانة لأشفقت من حملها لعظمها. وكذلك يقال في الاربع، والمقابر، لو إنها مما ينطق لأخبرت عن وحشة الأحياء وأسى الموتى. وقوله: البسيط وَجدَّدَتْ فَرَحاً لا الغَمُّ يَطْرُدُهُ ... ولا الصَّبَابَةُ في قَلْبٍ تُجَاوِرُهُ قال: عودة دولته جددت فرحا لا يغلبه الغم، ولا تجاوره شدة الشوق بعد هذا الفرح في قلب؛ أي لا تسكنه لامتلاء كل قلب بهذا الفرح لا يكون م فيه موضع للعشق.

стр. 824

وأقول: إن قوله: لامتلاء كل قلب بالفرح، لا يكون فيه موضع للعشق ليس بشيء! وإنما غره بذلك ذكر الصبابة، فوهم إنها من العشق. والصبابة، وهي رقة الشوق، تكون من العشق وغيره. والمعنى أن الممدوح لما غاب عن ذلك البلد، حصل عند الناس غم لغيبته، وشوق شديد إليه، فلما عاد تجدد عندهم فرح أزال الغم والشوق لأنهما إنما حدثا بسبب بعده. وقوله: البسيط دَخَلْتَها وشُعَاعُ الشمس مُتَّقِدٌ ... ونُورُ وَجْهِكَ بين الخَيْلِ باهِرُهُ قال: يقول: دخلت هذه البلدة في إشراق الشمس حين توقد ضياؤها، ونور وجهك قد بهر ضوء الشمس؛ أي: غلبه. وأقول: إنه لم يُفسر معنى قوله: بين الخيل ولا بد له من فائدة. والمعنى إنه كان بين الخيل، وهي تُثير النقع، فلابد أن يعلو وجهه غباره فيؤدي إلى أن يستر من نوره، وهو مع ذلك يبهر شعاع الشمس، أي: يغلبها بكثرة ضيائه. وقوله: الطويل عَزِيزُ أسىً مَنْ داؤه الحَدَقُ النُّجْلُ ... عَيَاءٌ به ماتَ المُحِبُّون من قَبْلُ

стр. 825

قال: النجل: جمع أنجل، وهو الواسع العين. وأقول: النجل: جمع نجلاء، وهي العين الواسعة، وقد قال: الكامل مَثَّلْثِ عَيْنَكِ في حَشَايَ جراحَةً ... فتشابَهَا كِلْتَاهُمَا نَجْلاءُ ولم يرد جمع انجل، ويدل عليه قوله: الحدق النجل، أي: العيون. وقوله: الطويل وما هِيَ إلاَّ نَظْرَةٌ بعد نَظْرةٍ ... إذا نَزَلَتْ في قَلْبِهِ رَحَلَ العَقلُ قال: هي كناية عن لحظات العاشق. يقول: ما هي إلا أن يلحظ مرة بعد أخرى، فإذا تمكنت النظرة من قلبه زال عقله لأن الهوى والعقل لا يجتمعان. وأقول: إن هي محتمل أن تكون كناية عن الصبابة ويدل عليها الهوى قبلها. ويحتمل أن تكون ضميرا راجعا إلى الحدق للمبالغة؛ كأنه يقول: ما الحدق النجل إلا نظرات متتابعة تعقب الهوى فتزيل العقل. وقوله: الطويل رأيتَ ابنَ أمِّ المَوْتِ لو أنَّ بأسَهُ ... فَشَا بينَ أهْلِ الأرضِ لانقَطَعَ النَّسْلُ!

стр. 826

قال: المعنى: إن بأسه لو كان للناس، لكان كل واحد قتالا، فينقطع النسل بكثرة القتل. وأقول: هذا ليس بشيء! والمعنى: إنه لو ظهر للناس بأسه كله لأهلك الرجال فانقطع النسل، وإنما يخفيه عنهم بقيا عليهم. وقوله: الطويل ولولا تَوَلِّي نفسه حَمْلَ حِلْمِهِ ... عن الأرض لانْهَدَّت ونَاَء بها الثُّقْلُ قال: وصف حلمه بالرزانة. يقول: لولا إنه باشر بنفسه حمل حلمه عن الأرض لانكسرت الأرض بثقل حمله، وأثقلها ذلك الحمل. فيقال له ولأبي الطيب: أليست الأرض حاملة له وهو حامل حلمه الثقيل فقد ازدادت ثقلا على ثقل فلمَ لم تنهد؟ والجواب عنهما: إن الكلام مجاز وهو أن الأرض لو كانت من الأجسام الأحياء، وكان الحلم جسما وحملته كما يحمله الممدوح لانهدت وأثقلها حمله، والواو هنا لم تُرتب؛ لأن التقدير: لناء بها الحمل ولانهدت. والمعنى: وصفه بكثرة الحلم وقوة الصبر والجلد.

стр. 827

وقوله: الكامل اليومَ عَهْدُكُمُ فأين الموعِدُ ... هَيْهاتَ ليس ليومِ عَهْدِكُمُ غَدُ قال: العهد: اللقاء. يقول لأحبته عند الوداع: اليوم ألقاكم، فأين موعد لقائكم؟ ثم التفت إلى سلطان البين فقال: هيهات! بعد ما أطلبه! ليس لهذا اليوم غد! أي: لا أعيش بعد فراقكم، فلا غد لي بعد هذا اليوم، ولو قال: فمتى الموعد لكان أليق بما ذكر بعده؛ لأن: أين سؤال عن المكان، ومتى سؤال عن الزمان. ويريد بقوله: . . . . . . ... . . . . . . ليسَ ليَوْمِ عَهْدِكُمُ غَدُ أي: يوم عهدكم للوداع. وأقول: الكلام فيه تقدير محذوف، كأن أحبته وعدوه بالوصال، فسألهم عن وقته، فقالوا: في غد، فلما حضر قال: اليوم عهدكم بالوصال فأين الموعد؟ فلما تبين له خُلف موعدهم استبعد قولهم، فقال: . . . . . . ... هيهات ليس ليوم عَهْدِكُمُ غَدُ ومثل هذا قول بعضهم: الكامل في كُلِّ يومٍ قائلٌ لي في غَدٍ ... يَفْنَى الزَّمَانُ وما تَرَى عَيْني غَدَا

стр. 828

وانظر إلى غلط الواحدي وتخبطه في شرح هذا البيت، وغلطه في المعنى وفي اللغة بجعل العهد اللقاء، وفي قوله: لو قال: فمتى الموعد لكان أليق لظنه إن الموعد الزمان، وإنما هو المصدر. وكيف يسال بمتى عن الوقت وهو فيه يعلمه؟ وإنما يسال بأين عن مكان الوعد بالوصال لأنه لا يعلمه، وهذا السؤال كأنه تقريع وتوبيخ لأحبته؛ لأنه عند الرحيل، وفي ذلك الوقت لا يمكن الوصال. وقوله: الكامل إنَّ التي سَفَكَتْ دمي بجُفُونِها ... لم تَدْرِ أنَّ دَمِي الذي تَتَقَلَّدُ قال: إن التي قتلتني لما نظرت إلي، ليست تدري إن دمي في عنقها، وإنها باءت بإثم قتلي. وأقول: إن في هذا البيت خبئاً! وهو أن هذه المرأة لم تدر أن دمي عظيم، وإنها قد ارتكبت بسفكه خطراً عظيماً. وفي هذا تنبيه على كبر شأنه وعلو قدره. وقوله: الكامل قَالتْ، وقد رأت اصْفِراري مَنْ بهِ؟ ... وتَنَهَّدَتْ فأجَبْتُها المُتَنَهِّدُ قال: لما رأت صفرة لوني وجدا بفراقها قالت: من به؟ أي: من فعل به هذا الذي أراه؟ وقال ابن جني: من المطالب به؟

стр. 829

وأقول: إن قوله: وجدا بفراقها غير جيد، والجيد لو قال: وجدا بها. وتفسيره: من؟ أي: من فعل به، وتفسير ابن جني: من المطال به ليسا بصواب. ولو قالا: من به؟ أي: من في قلبه؟ أو: من يهواه؟ لا صابا، وهذا من قول ديك الجن، عبد السلام، شاعر الشام: الكامل مَرَّتْ فقلتُ لها مَقَالةَ مُغْرَمٍ ... مَاذَا عليكِ من السَّلامِ فَسَلِّمي قالتْ: بمَنْ تَعْني فَحُبُّكَ ظَاهِرٌ ... بنحُولِ جسْمِكَ قلتُ: بالمُتَكَلِّمِ فتضاحَكَتْ عَجَباً وقالَتْ يا فَتَى ... لو لَمْ أدَعْكَ تنامُ بي لم تَحْلُمِ وقوله: الكامل فَمضَتْ وقد صَبَغَ الحَيَاءُ بَيَاضَها ... لَوْني كَمَا صَبَغَ اللُّجَيْنَ العَسْجَدُ قال: إنما عدّي الصبغ إلى مفعولين لأنه تضمن معنى الإحالة؛ كأنه قال: أحال الحياء بياضها لوني. وأقول: إن لوني صفة مصدر محذوف؛ كأنه قال: لوناً مثل لوني. وهذا كما يقال: ضربته ضرب زيد؛ أي: ضربا مثل ضرب زيد. وكقول امرئ القيس: الطويل إذا قامَتَا تَضَوَّعَ المِسْكُ منهما ... نَسِيمَ الصَّبَا جَاَءتْ بِرَيَّا القَرنفلِ

стр. 830

وقوله: الكامل فَلَه بنو عبد العزيز بن الرِّضَا ... ولكلِّ رَكْبٍ عِيسُهُمْ والفَدْفَدُ قال: أي: للممرض المذكور قبل وهو المتنبي، هؤلاء الذين يقصدهم، ويبلغ بهم آماله، ولسائر الناس من المسافرين إلى غيرهم الإبل والمفازة؛ أي: لا يحصلون من سفرهم على شيء سوى التعب وقطع الطريق. وأقول: هذا ليس بشيء! والمعنى: إن المتنبي له هؤلاء؛ بنو عبد العزيز الممدوحون، ولكل ركب يقصدهم عيسهم التي يسيرون إليهم عليها؛ والأرض التي يسيرون فيها؛ أي: إذا قصدوا بني عبد العزيز ركبوا إليهم ما أخذوه قبل منهم، وساروا إليهم في أرضهم، وهذا إخبار بكثرة عطائهم وسعة مملكتهم، وهو مثل قوله: الطويل أسِيرُ إلى إقْطَاعِهِ في ثِيَابِهِ ... على طِرْفِهِ من دَارِهِ بحُسَامِهِ وقوله: الكامل ما مَنْبِجٌ مُذْ غِبْتَ إلاَّ مُقْلَةٌ ... سَهِدَتْ وَوَجْهُكَ نومُهَا والإثمِدُ

стр. 831

قال: يقول: هذه البلدة مذ غبت عنها كالمقلة الساهرة، ووجهك لها بمنزلة النوم والكحل، وهما اللذان بهما تصلح العين؛ أي: صلاحها بحضورك. وأقول: لو قال في قوله: . . . . . . ... . . . . . . وَوَجْهُكَ نَوْمُهَا والإثْمِدُ أي: تهدأ به وتُزين؛ فيجعل النوم للهدوء، والكحل للتزيين، لكان أكمل وأجمل. وقوله: الكامل قَطَّعْتَهُمْ حَسَداً أرَاهُمْ مَا بِهم ... فتقطَّعُوا حَسَداً لمن لا يَحْسُدُ قال: يريد أنهم حسدوك فماتوا لشدة حسدهم إياك فكأنك قطعتهم إربا حتى تقطعوا. وأقول: لم يرد الموت وإنما المعنى انك بالغت في المهم، وإذا هم - حسداً لك - بمنزله من تقطّع أعضاؤه. ولو أنهم ماتوا لم يحسن أن يقول فيما بعد: حتى انْثَنَوْا. . . . . . ... . . . . . . وقوله: الكامل وصُنِ الحُسَام فلا تُذِلْهُ فإنه ... يَشْكو يَمينَكَ والجَماجِمُ تَشْهَدُ

стр. 832

قال: قال ابن جني: صنه فانه به يُدرك الثار ويُحمى الذمار. قال ابن فورجة: كيف أمن أبو الفتح أن يقال له: ما أذلته ألا لأدرك ثأري وأحمي ذماري؟ وهذا تعليل، لو سكت عنه لكان أحب إلى أبي الطيب. إنما يعني إنك أكثرت القتل فحسبك واغمد سيفك. فقال: صن سيفك! وإنما يريد أغمده، وهذا كقوله: الكامل شِمْ ما انْتَضَيْتَ. . . . . . ... . . . . . . فيقال: كيف أمن ابن فورجة أن يقول له: ما أكثرت إلا قتل من يستحق القتل، ومن يجب عليه؛ فكيف نهيتني عن فعل الواجب؟ وهذا البيت لا يُجعل مثل: شِمْ ما انْتَضَيْتَ. . . . . . ... . . . . . . ومعناه قد ذكرته في شرح ابن جني. وقوله: المتقارب

стр. 833

تَعَجَّلَ فيَّ وُجُوب الحُدودِ ... وحَدِّيَ قبلَ وجُوب السُّجودِ قال: يريد أتعجل؟ الاستفهام، وحذف الهمزة. وأقول: هذا فيمن روى تعجل بفتح التاء والعين وضم اللام، وجعل وجوب الحدود مفعولا به منصوبا. والأكثر أن يُجعل تعجل فعل ما لم يُسم فاعله ووجوب مرفوعا به. وروي: تَعجل فعلا ماضيا ووجوب، مرفوعا، فاعله. والوجه الذي ذكره أضعف الوجوه الثلاثة لإضمار همزة الاستفهام وحذفها من غير دليل عليها. ومعنى البيت قد ذكره عن ابن جني، والأجود ما ذكرته هناك. وقوله: الوافر أبا عبد الإلهِ مُعَاذُ إني ... خَفِيُّ عنك في الهَيْجَا مُقَامي قال: يقول: يخفى عليك مقامي في الحرب لأني مختلط بالأبطال، ملتبس بالأقران بحيث لا تراني. وأقول: المعنى غير ذلك، وهو: إنك جاهل بي لا تعلم عنائي وبلائي في الحرب، فأنت تقيدني وتعظم ما أطلبه لتثبطني عن السعي فيه، وما بعده يدل عليه.

стр. 834

وقوله: الوافر فَمَوْتي في الوَغَى عَيشي لأنِّي ... رَأيْتُ العَيْشَ في أرَبِ النُّفوسِ قال: أي إذا قتلت في الحرب فكأني قد عشت؛ لأن حقيقة العيش أن يكون فيما تشتهي النفس، وحاجتي أن أقتل في الحرب، فإذا أدركت حاجتي فكأني قد عشت! وأقول: إن العاقل لا يؤثر القتل على الحياة من غير سبب يدعوه اليه، وغرض يقصده فيه، فقوله: فحاجتي أن أقتل في الحرب فإذا أدركت حاجتي فكأني قد عشت ليس بشيء. وإنما يريد بقوله: فَمْوتي في الوغى عَيْشي. . . . . . ... . . . . . . لأني أبلي فيها حسنا أذكر فيه كقوله: ذِكْر الفَتَى عُمْرُهُ الثَّاني. . . . . . ... . . . . . . فإذا كان كذلك فأنا لا أكره الموت في الوغى لأنه أرب نفسي الحصول ما تهواه من حسن الذكر وجميل الثناء؛ وعيش الإنسان في حصول أرب نفسه. وقوله: البسيط الفَرْقَدُ ابنُكَ والمِصْباحُ صاحِبُهُ ... وأنتَ بَدْرُ الدُّجَى والمَجْلِسُ الفَلَكُ

стр. 835

قال: جعل ابنه، وهو قريب من المصباح، كالفرقدين وأراد بالصاحب الفرقد الأخر، وهما كوكبان معروفان. وأقول: قد قيل في قوله: الفَرْقَدُ ابنُكَ والمِصْبَاحُ والمِصْبَاحُ صَاحِبُهُ ... . . . . . . يحتمل أن يكون صاحبه أخا له أو غيره، وأن يكون المصباح الشمس كقوله تعالى: (وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجا)، فلم يمكنه أن يقول السراج فقال: المصباح لأنه في معناه كقول بعضهم: أنشدنا أبو علي: الطويل وقاَء عليه اللَّيْثُ أفلاذَ كِبْدِهِ ... وكَهَّلَهُ قِلْدٌ من البَطْنِ مُرْدِمُ يصف نبتا أصيب بنوء الأسد، فوضع الليث موضع الأسد لإقامة الوزن. والوجه الصحيح هو الأول. وفي هذا البيت أربعة تشبيهات. وقد جاء مثل ذلك لبعض أهل العصر: الرمل رُبَّ كَأسٍ قد شَرِبْنَاها على ... وَجْهِ خَوْدٍ ذاتِ ثَدْيٍ قد فَلَكْ إنْ تَقُلْ من دونها بدرُ الدُّجَى ... في السَّنَا والحُسْنِ والظَّرْفِ فَلَكْ وهي قُطْبٌ والنَّدامَى أبْرُجٌ ... والطِّلا شَمْسٌ وسَاقِينَا فَلَكْ

стр. 836

وقوله: البسيط أظبَيْةَ الوَحْش لَوْلاَ ظَبْيَةُ الأنَسِ ... لما غَدَوْتُ بِجَدٍّ في الهَوَى تَعِسِ قال: يخاطب الظبية الوحشية، لأنها أليفة لكثرة ملازمته ومساءلته الأطلال كما قال ذو الرمة: الطويل أخُطُّ وأمْحُو الخَطَّ ثم أعِيدُهُ ... بِكَفِّيَ والغِزْلاَنُ حَوْليَ رُتَّعُ وهو قول ابن جني. وأقول: ليس بدؤه لظبية الوحش لما ذكره، ولكن لمشابهتها لها في عينيها وجيدها ونفارها، فخاطبها كانها نسيبة لها، كقول ذي الرمة أيضا: الطويل أيا ظَبْيَةَ الوَعْسَاءِ بين جُلاجِلٍ ... وبين النَّقَا آأنتِ أمْ أمُّ سَالمِ فلا حاجة إلى ذكر ملازمة الفيافي وسؤال الأطلال.

стр. 837

وقوله: الكامل هذي بَرَزتِ لَنَا فهِجْتِ رَسِيسَا ... ثم انْصَرَفْتِ ومَا شَفَيْتِ نَسِيسَا قال: يقول: برزت لنا فحركت ما كان في قلوبنا من هواك، ثم انصرفت عنا ولم تشفي بقايا نفوسنا التي أبقيت لنا. وأقول: الجيد أن يقال: إن هواك أفنى نفوسنا إلا بقية بقيت منها مريضة كنا نؤمل أن تشفيها بوصلك فانصرفت وما شفيتها. وقوله: الكامل حَاشَا لِمِثْلِكِ أنْ تكونَ بخيلَةً ... ولِمِثْلِ وجْهِكِ أن يكونَ عَبُوسَا ولمثلِ وَصْلِكِ أن يكون مُمَنَّعاً ... ولمثلِ نَيْلِكِ أن يكونَ خَسيِسَا أقول: إنه قد اعترض على أبي الطيب بقوله: حَاشَا لمثِلكِ أن تكونَ بَخيلةً ... . . . . . .

стр. 838

وبقوله: ولمثلِ وَصْلِكِ أن يكوَنَ مُمَنَّعاً ... . . . . . . بأن قيل: البخل بالوصل في النساء محمود، وأطيب الوصل ما كان ممنعا، واستشهد على ذلك بأبيات للعرب وللمحدثين نحو قول أبي تمام: الكامل عالي الهَوَى مما يُرَقِّصُ هامتي ... أرْوِيَّةُ الشَّعَفِ التي لم تُسْهِلِ وقول كثير: الطويل وإني لأسْمُو بالوِصَالِ إلى التي ... يكونُ سَناءً وَصْلُهَا وازْدِيَارُهَا وقيل: بل يحسن البذل منهن، وهو مذهب لبعضهم، وقد جاء عنهم: الطويل أحِبُّ اللواتي هُنَّ من وَرَقِ الصِّبَا ... وفيهنَّ عن أزْوَاجِهنَّ طِماحُ ومن ذلك قول بعض المحدثين: الكامل قالُوا: فَفِيهِ تَبَذُّلٌ ... يأباهُ مثلُكَ قلت: أدري لو كانَ مَسْتُوراً لما ... هَتَكَ الغَرامُ عليهِ سِتْري! ويحتمل وجهاً آخر، وهو أن صفة الجود لما كانت محمودة في الرجال، معروفة بين الناس ذكرها لها ليخدعها عن وصلها فتسمح له به، ويكون مثل قوله: الوافر أخِفْتِ اللَّهَ في إِحْيَاءِ مَيْتٍ ... مَتَى عُصِيَ الإلهُ بأنْ أُطِيعَا

стр. 839

وقوله: الكامل لمَّا وَجَدْتُ دَوَاَء دَائي عندَهَا ... هانَتْ عليَّ صِفَاتُ جَالينُوسَا قال: يريد بصفاته: ما وصفه من الأدوية في كتبه ومعالجاته. وأقول: يقول: دائي عشقها، ودواؤه وصلها، وإذا كان كذلك فحقير لدي وهين علي ما وصفه جالينوس في كتبه من معالجة العشق، فقد ذكر فيها أشياء لا تُغني غناء الوصل ولا تقوم مقامه. وقوله: الكامل ولَحَظْتُ أنْمُلَهُ فَسِلْنَ مَوَاهِباً ... ولمَسْتُ مُنْصُلَهُ فَسَالَ نُفُوسَا قال: لحظ الأنامل كناية عن الاستمطار، ولمس المنصل كناية عن الاستنصار. يقول: تعرضت لعطائه فسالت بالمواهب أنامله، وتعرضت لإعانته فسال سيفه بنفوس أعدائه وأرواحهم لأنه قتلهم. وأقول: ما ينبغي أن يكون بنفوس أعدائه - وهكذا رايته في نسخ - بل بنفوس أعدائي لأني أنا المستنصر به، فنصره لي بقتل أعدائي لا أعدائه. والمعنى: أني لما سمعت به أردت أن أختبره جوده وبأسه وكنى عن اختبار الجود بلحظ الأنمل وعن اختبار البأس بلمس المنصل فوجدتهما يفعلان ويؤثران في غاية الكثرة؛ هذه تسيل مواهب وهذه تسيل نفوسا!

стр. 840

وقوله: البسيط أيَّامَ فيك شُموسٌ ما انْبَعَثْنَ لنَا ... إلاَّ انْبَعَثْنَ دَماً باللَّحْظِ مَسْفُوكَا قال: أي لم يظهرن لنا إلا أبكيننا دما مصبوبا بنظرنا إليهن. وأقول: لم يُرد باللحظ لحظ العشاق ولكن أراد لحظ الشموس اللواتي هن النساء؛ أي: يسفكن دماءنا بسيوف لحاظهن، وهو ابلغ في المعنى وأصح في اللفظ وأكمل في الاستعارة. قوله: البسيط نَجَا امرؤٌ - يا ابنَ يَحْيَى - كنتَ بِغيَتَهُ ... وخَابَ رَكْبُ رِكَابٍ لم يَؤُمُّوكَا قال: تخلص من مكاره الزمان من كنت حاجته؛ أي من قصدك بسفره، وخاب من لم يقصدك كما قال: الكامل . . . . . . ... ولكل رَكْبٍ عِيسُهُمْ والفَدْفَدُ وأقول: ليس بينهما تماثل إلا بذكر ركب. ومعنى: ولكل ركب قد ذكرته قبل وبينت خطأه فيه، واستشهاده به خطأ على خطأ فلا يشبه هذا البيت.

стр. 841

وقوله: البسيط أحْيَيْتَ للشُّعَراءِ الشِّعْرَ فامْتَدَحُوا ... جَميعَ من مَدَحُوه بالذي فيكَا قال: يقول: أحييت لهم الشعر بما أريتهم من دقائق الكرم، وعلمتهم من غوامض المعاني، حتى استغنوا عن استخراجها بالفكر، فسهل عليهم الشعر حتى كأنه صار حيا بعد أن كان ميتاً، ثم امتدحوا ممدوحهم بما فيك من خصال المجد ومعاني الشرف، وهي لك غير أنهم ينحلونها ممدوحيهم. وأقول: إن موت الشعر إنما هو بموت الكرام وحياته بحياتهم، أي: كان الشعر قبل وجودك ميتاً؛ فلما وجدت ورأى الشعراء ما فيك من الخلال الحميدة، والأفعال الجميلة، فكأنك أحييته لهم وسهلته عليهم فاخذوا ما فيك فمدحوا به غيرك. وهذا مثل قوله: الكامل من يَهْتَدي في الفِعْلِ مالا تَهْتَدي ... في القَوْلِ حَتى يَفْعَل الشُّعَراءُ والبيت الذي بعده يشهد بما قلته وهو قوله: البسيط وعَلَّمُوا النَّاسَ منكَ المجدَ واقْتَدَرُوا ... على دَقيقِ المعَاني من مَعَانيكا ومثله قول أبي العتاهية: الخفيف شِيَمٌ فَتَّحَتْ من المَجْدِ ما قَدْ ... كانَ مُسْتَغْلِقاً على المُدَّاحِ وقول احمد بن أبي فنن: الطويل يُعَلِّمُنَا الفتح المَدِيحَ بجُودِهِ ... ويُحسِنُ حتى يُحْسِنَ القَوْلَ قَائِلُهْ

стр. 842

وضده قول أبي تمام: الطويل ولولا خِلاَلٌ سَنَّها الشِّعْرُ ما دَرَى ... بُغَاةُ العُلا من أين تُؤْتَى المَكارِمُ وقوله: الطويل وإنْ كانَ يُبِقي جُودهُ من تَلِيدهِ ... شَبيهاً بما يُبْقي من العاشِقِ الهَجْرُ قال: يقول: سارت ناقتي إليه وقصدته وإن لم أكن واثقاً بإبقاء نواله شيئاً من ماله، والمعنى أن جوده يبقي من ماله الشيء اليسير. وأقول: إن قوله: وإن لم أكن واثقا بإبقاء نواله شيئاً من ماله ثم يقول: إن جوده يبقي من ماله الشيء اليسير تناقض. والصحيح في هذا أن قوله: وإن كان يُبْقي جُودُهُ. . . . . . ... . . . . . . متعلق بقوله: الطويل . . . . . . ... وبَحْرِ نَدىً. . . . . . لا بقوله: الطويل . . . . . . تَجَاوَزَتْ ... بي البِيدَ عِيسٌ. . . . . .

стр. 843

والمعنى؛ إن هذا الممدوح يعطي عطاء كثيرا وإن كان يبقى جوده من ماله شيئا يسيرا؛ لا يكاد ينتفع به بمنزلة إبقاء الهجر من العاشق بخلاف المعهود من عطاء غيره من الأجواد فإنه لا يكاد يعطي الكثير إلا وقد أبقى أكثر مما أعطى؛ كأنه يقول: يؤثر الطالب من ماله بعطاء كثير، يزيد على البحر ويغرقه ولا يبقى له شيء. وقوله: البسيط ولا الدِّيَارُ التي كانَ الحَبيبُ بِهَا ... تَشْكُو إليَّ ولا أشْكُو إلى أحَدِ قال: قال ابن جني: لم يبق في فضل للشكوى، ولا في الديار أيضا فضل لأن الزمان أبلاها. قال ابن فورجة: ذهب أبو الفتح إلى إن تقدير الكلام: ولا الديار تشكو إلي، وقد عُلم أن الديار لما كانت أشد دثوراً وبلىً كانت أشكى لما تُلاقي من الوحشة بفراق الأحبة، فكيف جعل الديار لا فضل فيها للشكوى، وشكواها ليس بحقيقة وإنما هو مجاز؟ وإنما كان يكون على ما ذُكر لو أن شكواها حقيقة فكانت تُقصّر عنها لضعفها

стр. 844

وبلاها كما يصح ذلك في العاشق، كما قال الملقب بالببغاء: البسيط لم يَبْقَ لي رَمَقٌ أشكُو إليك بهِ ... وإنما يَتَشَكَّى من به رَمَقُ وأيضا: فلو كان على ما ادعى ما كان لعطف هذه الجملة على قوله: ما الشَّوق مُقْتَنِعاً مِنَّي ... . . . . . . معنى، ولما عطفها عليها دل على إنها منها بسبيل، وإنما يعني: ما الشوق مُقتنعا مني بذا الكمد، ولا الديار تقنع مني وتم الكلام عند قوله: . . . . . . كان الحَبيبُ بها ... . . . . . . ثم ابتدأ فقال: هذه الديار تشكو إلي وحشتها بفراق أهلها، وأنا لا أشكو إلى أحد: أما لجلدي، أو لأني كتوم لأسراري، ويكون قد نظر إلى قول القائل: الوافر فإنِّي مثلُ ما تَجدِينَ وَجْدي ... ولكنِّي أُسِرُّ وتُعْلِنينَا وأقول: الأولى ما قال ابن جني وليس بمخطئ؛ وذلك إن الديار توصف بالنحول والصمم والخرس؛ قال: الرجز مَنْزِلةٌ صَمَّ صَدَاهَا وعَفَتْ ... أرْسُمُهَا إنْ سُئِلَتْ لم تُجِبِ

стр. 845

وتوصف أيضا بالموت والقتل وكل ذلك مجاز واستعارة كقوله: المنسرح لا تَحْسِبُوا رَبْعَكُمْ ولا طَلَلَهْ ... أوَّلَ حَيٍّ فِراقُكُمْ قَتَلَهْ فإذا وصفها إنها لا تشكو إليه، ولا تكلمه لفرط نحولها، فقد سلك طريق من تقدمه، ويدل على ذلك قوله في البيت الذي يليه: البسيط ما زالَ كلُّ هَزِيمِ الوَدْقِ يُنْحِلُها ... والسُّقْمُ يُنحِلُني حتى حَكَتْ جَسَدي فقد جعل حالها كحاله. ولا يلزم أن تكون هذه الجملة معطوفة على ما قبلها في المعنى كما ذكر، فيكون التقدير: ما الشوق مقتنعا، ولا الديار مقتنعة؛ لأن ذلك يلزم في عطف المفرد وأما عطف الجملة على الجملة فلا. وقوله: البسيط فأينَ من زَفَراتي من كَلِفْتُ بِهَا ... وأينَ منكَ - ابنَ يَحْيَى - صَوْلَةُ الأسَدِ قال: يقول: أين من عشقته من معرفة ما بي من الشوق إليه والحسرة على فراقه، وأين تقع منك - أيها الممدوح - صولة الأسد؛ أي: من صولتك! كأنه قال: صولتك فوق صولة الأسد فلا تقع صولة الأسد من صولتك إلا دونها! أنكر أن يعرف الحبيب حاله، وأن تكون صولة الأسد كصولة الممدوح! وأقول: لو قال: إن تكون زفرات الحبيب كزفراته وصولة الأسد كصولة الممدوح لأصاب. تقديره: فأين من زفراتي زفرات من كلفت به؟ فحذف المضاف وأقام المضاف
следующие страницы →