← Адаб

Адаб · id 37057

المآخذ على شراح ديوان أبي الطيب المتنبي

المهلبي، أبو العباس

Полный текст (1 138 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

وقوله: الكامل نَافَسْتُ فيه صُورةٌ في سِتْرِهِ ... لَوْ كُنْتُهَا لَخَفِيتُ حتى يَظْهَرَا قال: ادعى إنه يحسد الصورة لقربها من الحبيبة، حتى لو قدر أن يكون إياها لأخفى نفسه وزال حتى تراها العيون لأنها مما تشوق الأبصار. وقيل: لخفيت نحولا وضنى حتى يظهر كأنه يشير إلى العدم، وهذه مبالغة تامة. وأقول: أما قوله: لو قدر أن يكون أباها لأخفى نفسه. . . . . . حتى تراها العيون: إن هذا مما لا يسمح به العاشق، لو قدر عليه، لأنه أشح الناس على محبوبه أن تراه العيون. وأما قوله: لخفيت نحولا وضنى حتى يظهر فيقال: كيف يضنى إذا كان مكان الصورة، وهو مشاهد لمحبوبته، مواصلها، يمسها وتمسه في حال الدخول والخروج؟ وقد أجبت عن هذا السؤال في شرح التبريزي بما يحصل عنه الانفصال.

стр. 772

وقوله: الخفيف مَثَّلُوهُ في جَفْنِهِ خَشْيَةَ الفَقْ ... دِ ففي مِثْلِ أثْرِهِ أغْمَادُهْ قال: قوله: . . . . . . ... . . . . . . ففي مِثْلِ أثْرِهِ أغْمَادُهْ أي: غشوة بفضة منقوشة نقشا دقيقا، وأرادوا بذلك تمثيله، لأنه لا يكون مسلولا دائما لينظر إلى حسنه، فلخشية فقدهم له جعلوا غمده مشبها له فضة بيضاء، نقشها الدقيق كفرنده. وأقول: إنه قد ذكر فيه أقوال؛ هذا أحدها. والذي عندي فيه أن هذا البيت مرتب على ما قبله، وهو قوله: الخفيف كلَّما سُلَّ ضَاحَكَتْهُ إيَاةٌ ... تَزْعُمُ الشَّمْسُ أنَّها أرْادُهْ فأخبر أن الشمس تزعم إنها ترب له ونظير، فلما ادعت الشمس ذلك مثلوه في جفنه خشية الفقد؛ أي، جعلوه ماثلا مقيما في غمده لأنه نور، خشية أن يذهب كما تذهب الشمس، وقوله: . . . . . . ... . . . . . . ففي مِثْلِ أثْرِهِ أغْمَادُهْ

стр. 773

أي: يغمد في غمد شريف من جنس جوهره، وهو الذهب، ويدل عليه قوله: الخفيف مُنْعَلٌ لا مِنَ الحَفَا ذَهَباً. . . . . . ... . . . . . . فعلى هذا غمده محلى بالذهب. وأما الفضة، التي ذكرها الشيخ، ونقشها، وهو قول ابن فورجة، فليس في كلامه ما يدل عليها. وقوله: الخفيف ورجَتْ رَاحَةً بِنَا لا تَراهَا ... وبلادٌ نسير فيها بلادُهْ قال: رجت أن تستريح عندنا، وذلك لا تراه، لأنا نسير صحبته في غزواته وصيده، فما دمنا في خدمته فلا راحة لها. وأقول: أجود من هذا ما قال ابن جني: إن خيله رجت أن تستريح عندي من طول كده لها، وليست ترى ذلك من جهتي ما دمت أسير في بلاده،

стр. 774

والعمل الذي يتولاه لسعة بلده. وهذا يكون عند انصرافه عن ابن العميد، وفي هذا تعظيم له وإغراق، وهو مثل قوله في بني عبد العزيز: الكامل . . . . . . ... ولكلِّ رَكْبٍ عِيسُهُمْ والفَدْفَدُ أي: العيس التي يركبونها إليهم لهم، وكذلك الفلاة التي يسيرون فيها إليهم. وقوله: الخفيف أنَا مِنْ أصْيَدِ البُزاةِ ولكنْ ... نَ أجَلَّ النُّجومِ لا أصْطَادُهْ قال: قال ابن جني: لو استوى أن يقول: أعلى النجوم كان أليق. وليس هذا بشيء! لأنه جعل الممدوح نجما في علو القدر، ثم انظر إلى جلالة قدره في الرئاسة. فيقال لابن جني: كان يستوي له أن يقول: ولكني أعلى النجوم، فيزيد ياء، ولا يفوت أبا الطيب ذلك لو رآه صوابا، ولو قال ذلك لدخل عليه نجوم كالسها وما أشبهه، ولكنه أراد بأجلّ النجوم الشمس، وهي أشرف الكواكب وأعظمها وأضوؤها، وهذا التفسير لم أجده لأحد سواي.

стр. 775

وقوله: الطويل وتلقَى نَواصيهَا المَنايَا مُشِيحَةً ... وُرُودَ قَطاً صُمٍّ تَشَايَحْنَ في وِرْدِ قال: مشيحة: جادة في لقاء الموت إيثارا لبقائها في ملكه، ولا ترى الخروج من يده إلى غيره حبا له. وأقول: إن قوله: جادة في لقاء الموت حسن، وما زاد على ذلك من قوله: إيثار لبقائها في ملكه. . . . . . إلى اخره، ليس بشيء! وإنما أوقعه في ذلك البيت الذي

стр. 776

قبله وذكر تعرض أعناق الخيل لزواره خوفا من الخروج إليهم عنه، فرتب البيت الثاني عليه، وجعل جدها في لقاء المنايا إيثارا لبقائها عنده، وليس الأمر كذلك، وإنما وصف خيله بحالتين محمودتين: حالة تكون في السلم، فهي تتعرض بأعناقها خوفا من مفارقته بإعطائها الزوار كما تتعرض الوحش خوفا من الطرد. وحالة تكون في الحرب، فهي لا تعرض وتنحرف بل تلقى بنواصيها الموت جادة في طلبه كما تجد القطا في طلب الماء. فليس ذلك لخروجها عن ملكه بل ذلك لما عوّدها من لقاء العدو. وقوله: الطويل يُغَيِّرُ ألوانُ اللَّيالي على العِدَا ... بمَنْشُورةِ الرَّايَاتِ مَنْصُورةِ الجُنْدِ قال: الليالي سود، وتغيرها بالنيران في جيوشه وتألق السلاح من عساكره التي هي منشورة الرايات، فحذف الموصول للعلم به. وأقول: لم يحذف الموصول وإنما حذف الموصوف؛ أي: بكتيبة منشورة الرايات.

стр. 777

وقوله: الطويل وكلُّ شَريكٍ في السُّرورِ بِمُصْبَحي ... أرَى بَعْدَهُ مَنْ لا يَرَى مثلَهُ بَعْدِي ذكر فيه من التقدير ما لا يؤديه اللفظ ولا يحسن معه المعنى. والجيد أن يقال فيه: وكل شريك شاركني في السرور بمصبحي عندك وبما نلت أنا وإياه من رفدك، أرى بعده؛ أي: بعد المصبح أو الشريك، من لا يرى مثله، أي: إنسانا لا يرى مثل شريكي بعدي؛ أي: لا يرى مثلي ومثله، وأنا أتقدمه في الفضيلة وهو بعدي. وقوله: المنسرح وصَارَتِ الفَيْلقَانِ وَاحِدَةً ... تَعْثُرُ أحْيَاؤُهَا بِمَوْتَاهَا

стр. 778

قال: المعنى إن المخالفين له يصيرون من عبيده وأصحابه. وقال ابن جني: إنه يشن الغارة في الارض، فيختلط الجيش بالجيش حتى يصير واحدا. وقال غيره: يجتمع أهل هذا الزمان وتلك الأزمنة فيصيرون شيئا واحدا، وتضيق الأرض بهم حتى يعثر حيها بميتها للزحمة وكثرة الناس. قال: وهذا مثل قوله: الطويل سُبقنا إلى الدنيا فلو عاشَ أهْلُهَا ... مُنِعْنَا بها جِيئَةٍ وذُهُوبِ وأقول: الصواب من هذه الأقوال قول ابن جني، وأعجب من ظهوره في الصحة وظهور ما سواه في الفساد! كيف قرن به غيره مكثرا، وهو إنما ذكر هذه الحواشي مختصرا؟ ومن نظره في بعض المواضع ما هو أخفى من الشعر وخفائه عليه في بعضها ما هو أجفى من الشرع!

стр. 779

وقوله: المنسرح ودَارتِ النَّيِّراتُ في فَلَكٍ ... تَسْجُدُ أقْمَارُهَا لأبْهَاهَا قال: يريد بالنيرات ملوك الدنيا إذا اجتمعوا في زمن واحد. وأراد بأبهاها عضد الدولة. وأقول: قال الشيخ أبو الفتح، وهو الصحيح: شبّه الجيوش لمّا اختلط بعضها ببعض بفلك تدور فيه نجومه، وشبّه ملوك الجيوش بالأقمار، وشبّه عضد الدولة بالشمس لأنه أشرفهم وأشهرهم، والهاء في أبهاها عائدة على الأقمار. ومعنى تسجد تذل وتخضع. وقوله: المنسرح النَّاسُ كالعَابدين آلِهَةً ... وعَبْدُهُ كالمُوَحِّدِ اللاَّها قال: أي: من التجأ إلى غيره لم يجد عنده ما يغنيه عن سواه، فهو يرجو هذا وهذا، ومن التجأ إليه كفاه وأغناه عمن سواه، فكأنه موحد لله لا يرجو الرزق من غيره. وأقول: هذا قول ابن جني، والأولى غيره؛ أي: الناس الذين هم في دين غيره ضلال، والذين هم في دينه وطاعته مهتدون، وضرب لذلك مثلا بالشرك والتوحيد.

стр. 780

وقوله: الوافر ولكنَّ الفَتَى العَربيَّ فيها ... غريبُ الوَجْهِ واليَدِ واللِّسَانِ اختلف في قوله: غريب اليد فقال ابن جني: سلاحه غير سلاحهم. وقال المعري: اليد هنا النعمة. وقال الكندي آخرا: عندي أن غربة اليد هنا، عبارة عن قلة الانبساط إليهم، لأنها مظنة الأخذ والعطاء. وأقول: وعندي أن غربة اليد كناية عن عدم فهم الكتابة، كما أن غربة اللسان كناية عن عدم فهم اللغة، فاليد في هذه بلاد لا يفهم منها ما تكتب، كما أن اللسان لا يفهم منه ما يقول. وهذا هو المعنى الذي أراده أبو الطيب لمن تدبره بقلبه وأنصف بلسانه.

стр. 781

وقوله: الوافر وأمْوَاهٌ يَصِلُّ بها حَصَاهَا ... صَلِيلَ الحَلْي في أيْدِي الغَوَاني قال: بها: أي بالأمواه، أي: يصل حصاها بجريها عليه، وفيه تشبيه خفي للأشجار بالغواني، والحصى بالحلي. وأقول: هذا التشبيه للأشجار بالغواني من أين صار إليه، وليس في كلامه ما يدل عليه؟ وكأنه لمّا رأى التبريزي قال: إن في هذا البيت صفة الأمواه وحصاها، فجعل حصاها كالحلي وجعلها كالغانيات من النساء، وهذان تشبيهان في مشبهين جعل هو مكان تشبيه الأمواه بالغواني تشبيه الأشجار بالغواني من غير دلالة. والذي عندي في هذا إنه شبه أصوات حصى هذه المياه بجريها في أنها تشوق القلوب وتستفزها كما يشوق القلوب الحلي في أيدي الغواني، ولا يحسن أن يكون الحلي هاهنا الأسورة وما أشبهها مما يجعل في اليد، فإن ذلك لا يوصف بالصليل والتصويت، ولكن الحلي هاهنا ما يكون في الأعناق من القلائد فهن يعبثن بأيديهن ويلعبن فيصوت فيشوق القلوب ويجذبها. وقوله: الوافر له عَلَّمْتُ نَفْسِي القَوْلَ فيهم ... كتَعْليمِ الطِّرادِ بلا سِنَانِ

стр. 782

قال: أي: إنما تأخرت عنه، لا تدرب بمدائح من مدحتهم، حتى أتمهر وأبلغ درجة الكمال بالشعر، ثم أقصد حضرته بعد ذلك وأمدحه، فكنت كمن طارد مدة بلا سنان ليتعلم ويتمهر ثم صار أهلا للطعان بالسنان. وأقول: إن فيه زيادة، وهي أن المدائح التي كنت أمدح بها غيره، لم تكن مني جدا بل كانت بمنزلة الطعان بلا سنان، وهو اللعب، ومدائحه هي الجد بمنزلة الطعان بالسنان. وقوله: الوافر بِعَضْدِ الدَّولةِ امتَنَعَتْ وعَزَّتْ ... وليس لغَيْرِ ذي عَضُدٍ يَدَانِ ولا قبضٌ على البِيضِ الموَاضِي ... ولا حَظٌّ من السُّمْرِ اللِّدَانِ قال: أي: الدولة به قدرت وقهرت، وإنما صارت ذات يدين بكونه عضدا لها، وعرّض بسيف الدولة وغيره من الملوك رمزا خفيا؛ أي: غيره لا يقوم مقامه في الدفع عن الدولة لأنها لا عضد لها، ومن لا عضد له لا يد له، ومن لا يد له، لا قبض له على السيوف للضراب بها، ولا حظ له من الرماح للطعن بها. وأقول: إن هذا موضع حسن، إنما أثبته تنبيها للأخذ عنه لا لأخذ عليه، وإن كان التبريزي قد سبقه إليه، إلا إنه زاد بحسن الترتيب عليه.

стр. 783

وقوله: الوافر رُقَاهُ كلُّ أبْيَضَ مَشْرَفِيٍّ ... لِكُلِّ أصَمَّ صِلٍّ أُفْعُوانِ قال: اللص الخبيث صل والسيف رقيته. وأقول: إنما أداه إلى هذا التفسير دون غيره ليجمع بين لفظ لص وصل، والمعنى غير ذلك! يريد إنه يدفع الشر بما هو أشد منه؛ أي: أذى الرمح الذي هو كالصل في لسعه وسمه لا يدفعه بالرقى والكلام، كما جرت به العادة، ولكنه يدفعه بالفعل من السيف خاصة، لأن سم صل الرمح ليس له رقى غير السيف. ومعناه إنه يدفع أذى الأعداء بالقهر لهم والقسر، لا باللين لهم والرفق. وفي هذا البيت من حسن المعنى وصحة اللفظ وجودة السبك ما لا زيادة عليه. واتفق له فيه من البديع أن أصم من صفة الرمح، وهو الصلب القناة، ومن صفة الحية، وهو الصل الذي لا يجيب الرقاة. وقوله: الوافر حَمَى أطْرَافَ فارِسَ شَمَّريٌّ ... يَحُضُّ على التَّبَاقي في التَّفَاني قال: أراد بشمري الممدوح، ولو قال: بالتفاني لكان أبين؛ أي: بالقتل يحصل الكف عن القتل.

стр. 784

وأقول: الذي ذكره الشيخ معنى حسن ظاهر، كما قال، إلا إنه غير الذي قصده أبو الطيب، ومعنى هذا البيت معنى قوله: البسيط . . . . . . ... . . . . . . إذَا تَلِفُوا قُدْماً فقَدْ سَلِموا وقوله: المتقارب . . . . . . ... وبالمَوْتِ في الحَرْبِ تَبْغي الخُلُودَا وقوله: الوافر بَضَرْبٍ هَاجَ أطْرَابَ المَنَايَا ... سِوَى طَربِ المثَالثِ والمَثَاني قال: جعل للمنايا طربا في قتل الذعار، إلا إنه لا يشبه طرب الأوتار! وأقول: إنه إنما ذكر لفظة الذعار لسجعة الأوتار وذلك تحسين للفظ وتغيير للمعنى، والذعار هم المفسدون والسراق، وهو يظن أن أبا الطيب في هذه الأبيات مستمر في ذكر اللصوص من قوله: الوافر يُذِمُّ على اللُّصُوص. . . . . . ... . . . . . .

стр. 785

وليس الأمر كذلك، بل قطع ذكرهم وأخذ في ذكر ما هو أعظم منهم من قتال الأعداء واصطلاء الحروب، وابتدأ في ذلك من قوله: رُقَاهُ كُلُّ أبْيَضَ مَشْرَفِيٍّ ... . . . . . . وقوله: السريع لَوْ دَرَتِ الدُّنْيَا بما عِنْدَهُ ... لاستَحْيَتِ الأيَّامُ من عَتْبِهِ قال: أي لو علمت الأيام بما فيه من الفضل والنفاسة، لاستحيت من عتبه عليها وكفت من أذاه. وأقول: إن أبا الطيب لم يرد إلا ما عنده من الحزن والكابة على عمته، لا الفضل والنفاسة فإنها تعلمه، ويدل على ذلك ما بعده من أن عمته كانت في بغداد فظنت الأيام إنه لا يتأذى بموتها لكونها بعيدة عنه، وإنها، لبعدها، ليست مقيمة في ذرا سيفه وفي جواره، فلو علمت ذلك لاستحيت من عتبه. وفي هذا إشارة إلى أن الأيام مسالمة له، طائعة لأمره، متجنبة ما يسوءه ولمن هو بسببه.

стр. 786

وقوله: السريع أخَافُ أنْ يَفْطُنَ أعْدَاؤُهُ ... فَجُفِلوا خَوْفاً إلى قُرْبِهِ قال: أي لو فطن الأعداء بهذا المعنى، لاعتصموا بالقرب من داره، ليأمنوا منه ومن دهرهم. وقال: أطال في هذا المعنى وأسهب، ثم خرج إلى التحقيق. أي: ما ذكره بعد ذلك من الموت وأحواله في قوله: السريع لا بُدَّ للإنْسَانِ من ضَجْعَةٍ ... لا تَقْلِبُ المُضْجَعَ عن جَنْبِهِ ثم قال الشيخ: على أن في لقاء الملوك به جفاء. وأقول مثل قوله، وان هذا الموضع من بعض جفائه، وغلظ طباعه، وسوء عشرته، ومن ذلك قصيدته الميمية التي أولها: البسيط وَاحَرَّ قَلْبَاهُ ممَّنْ قلبُهُ شَبِمُ ... . . . . . . ومواجهته سيف الدولة، ابتداء بأن قلبه حار وقلبه بارد، وان بجسمه وحاله عنده سقم، وهذا أيسر ما يتبع ذلك في أثناء هذه القصيدة، وقد علم، وعلّم

стр. 787

الناس كيف كان حاله قبل مصيره إليه واتصاله به، وهذا متجاوز حد الجفاء والغلظ إلى حد السفه والجنون، حتى أن سيف الدولة أراد قتله لولا البقية والتقية، وإشفاقا من سوء الأحدوثة، والسمعة. وقوله: المنسرح عُدْ وأعِدْهَا فحبَّذَا تَلَفٌ ... ألْصَقَ ثَدْيِي بِثَدْيِهَا النَّاهِدْ قال: الغشية سبب مجيء الخيال وهي المعيدة له، لا هو المعيدها، فهي أولى بالخطاب. والكلام مقلوب عن أصل وضعه.

стр. 788

وأقول: ومع ذلك فان تشبيه الغشية وهي ضرب من الموت بالرقدة، ليغرب في المعنى، ضرب من التعسف والتكلف والإحالة والثقالة. وكذلك جميع غزله في مدائح عضد الدولة وابن العميد، ولاسيما غزل هذه القصيدة ووزنها وقافيتها، وما فيه من البرد والجمود، ونبو السمع عنه، وتجهم القلب له. وقوله: الوافر ولا إلاَّ بأنْ يُصْغِي وأحْكِي ... فَلَيْتَهُ لا يُتَيِّمُهُ هَواكَا

стр. 789

قال الشيخ: وفي هذا أحماض ومزح مع الممدوح. قلت: وتقديم وتوطئة للدلالة قبل الرسالة، وهذا أيضا أحماض ومزح مع المادح! وقوله: الوافر وما أنَا غير سَهْمٍ في هَوَاءٍ ... يعَوُدُ ولَمْ يَجِدْ فيه امتِسَاكَا قال: ما قيل في السرعة، وتقليل اللبث، ابلغ من هذا البيت! وأقول: لم يرد ذلك، لأن هذا التقليل في غاية التطفيل والتثقيل، والمعنى ما ذكرته فيما قبل، فتأمله تر الصواب. هذه جملة المآخذ على الشيخ أبي اليمن زيد بن الحسن الكندي، والحمد لله وحده وصلواته على محمد وآله.

стр. 790

سمع جميع هذا الكتاب على مصنفه الشيخ الإمام العالم العلامة عز الدين، حجة العرب، افتخار أهل الأدب، أبي العباس أحمد بن علي بن معقل الازدي المهلبي بقراءة الإمام الفاضل جمال الدين أبي العباس أحمد بن عبد الله بن شعيب التميمي، الائمة: شرف الدين أبو عبد الله الخطيب بن إبراهيم الاربلي ونجيب الدين أبو الفتح نصر الله بن أبي العز أبي طالب، الشيباني الصفار. وجمال الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الجليل بن الموقاني.

стр. 791

والحكيم أبو العباس أحمد بن صدّيق الطبيب. وابنه محمد ومحمد بن إبراهيم بن محمد الحمصي ويوسف بن محمد بن يوسف البرزالي. ومحمد بن عبد الرحمن بن إسماعيل المقدسي. وعمه عبد الله بن إسماعيل. وكاتب السماع إبراهيم بن عمر بن عبد العزيز بن الحسن القرشي. وذلك في يوم الأربعاء السابع والعشرين من ذي الحجة سنة أربعين وست مائة بمنزل المسمع بدمشق، وأجاز للجماعة جميع ما يجوز له روايته، وبلفظه بذلك، والحمد لله وحده.

стр. 792

الجزء الخامس المآخذ على شرح الواحدي القسم الأول

стр. 793

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبه نستعين هذه مآخذ على الشيخ الإمام أبي الحسن علي بن أحمد الواحدي في شرح ديوان أبي الطيب، أحمد بن الحسين المتنبي. من ذلك قوله: المنسرح فَفِي فُؤَاد المُحِبِّ نَارُ جَوىً ... أحَرُّ نَارِ الجَحيمِ أبْرَدُهَا قال: الجحيم: النار الشديدة التوقد، العظيمة؛ يقول: أحر النار، العظيمة المتوقدة، أبرد نار الهوى، يعني أن نار الهوى أشد حرارة. وأقول: إن نار الجحيم على تفسيره إضافة الشيء إلى نفسه، وذلك غير جائز، وإنما الجحيم هاهنا من أسماء النار في الآخرة نحو: جهنم، ولظى، وسقر، فعلى هذا يحسن إضافة النار إلى الجحيم، تخصيصاً لها؛ لأنها أعظم نار، وأحرها، وأشدها. وهذا الذي قصد المتنبي، وفي ذلك كثرة غلو، وقلة تحرج، بجعل أبرد نار للهوى أشد حرارة من أحر نار للجحيم، وهو مجاز شعري، لا يتحرج منه مثل المتنبي.

стр. 794

وقوله: المنسرح في مِثْلِ ظَهْرِ المِجَنِّ مُتَّصِلٍ ... بِمِثْلِ بَطْنِ المِجَنِّ قَرْدَدُهَا قال: القَرْدَدُ: أرض فيها نجاد ووهاد، وظهر المجن ناتٍ وبطنه لاطٍ فهو كالصعود والهبوط؛ أراد: يسبقه تأيدها في مفازة مثل ظهر المجن متصل قرددها بمثل بطن المجن؛ أي: أرضها الصلبة بمفازة أخرى مثل بطن المجن. فيقال له: القَرْدَدُ: المكان الغليظ المرتفع، وليس كما ذكرت، من إنه أرض فيها نجاد ووهاد. وإنما غره ذكر ظهر المجن وبطنه، فظن إنه تشبيه بأرض واحدة، وإنما هو تشبيه أرضين؛ مرتفعة ومنخفضة، متصلة إحداهما بالأخرى، وقد بين ذلك بقوله: في مَفَازٍة مثل ظَهْرِ المجن إلى آخره. فتناقض في كلامه ولم يشعر! وقوله: المنسرح له أيَاد إليَّ سَالِفَةٌ ... أُعَدُّ مِنْهَا ولا أُعَدِّدُهَا قال: إليَّ من صلة معنى الأيادي، لا من صلة لفظها؛ لأنه يقال: له عندي يد، ولا يقال: له إليَّ.

стр. 795

وأقول: يريد بمعنى الأيادي الإحسان؛ لأنه يقال: له إحسان إلي، ولا يقال: له أياد إلي، فيقال له: إلي، هنا، بمعنى عند، وقد استُعمل ذلك كثيرا؛ منه قول الراعي: الطويل ثَقَالٌ إذا رَادَ النَّسَاءُ، خَريدةٌ ... صَنَاعٌ فقد سَادَتْ إليَّ الغَوانِيَا أي: عندي وقال أبو كبير: الكامل أمْ لا سَبيلَ إلى الشَّباب، وذِكْرُهُ ... أشْهَى إليَّ من الرَّحِيقِ السَّلْسَلِ أي: عندي. وقول غيرهما. وقال في معنى البيت: قال أبو الفتح: أي: أنا أحدها، كما قال الجماز: السريع لا تَنْتِفَنِّي بعد ما رشْتَنِي ... فإنني بعضُ أياَدِيكَا ثم قال: يريد إنه وهب له نفسه! قال الواحدي: وهذا فاسد؛ لأنه ليس في البيت ما يدل على إنه خلَّصه من ورطة، أو أنقذه من بلية، أو أعفاه من قصاص وجب عليه، ولكنه يقول: أنا غَذِيُّ نعمته، وربيب إحسانه، فنفسي من جملة نعمه.

стр. 796

فيقال: أما استشهاده بالبيت على ما ذكر، فحسن ليس فيه طعن. وأما قوله: يريد إنه وهب له نفسه، فيريد إنه كان في جهد من العيش، وعلى شفاً من الفقر فأنقذه بعطائه وحبائه، فقوله غير فاسد بما فسَّرته وألزمته وذهبت به عن غير وجهه لتوجه عليه الأخذ، بل هو مطابق لما رأيته من حيث لا تعلم. وقوله: المنسرح يا ليتَ بي ضَرْبةً أُتيحَ لها ... كما أُتِيحَتْ له مُحَمَّدُهَا قال: كان هذا العلوي قد أصابته في بعض حروبه ضربة على وجهه، فقال: ليت الضربة التي قُدَّر لها مُحمَّدها - يعني الممدوح - كما قُدرت له، كانت بي؛ أي: ليتني فديته من تلك الضربة، فوقعت بي دونه. ويجوز أن يكون الممدوح أتاح وجهه للضربة حين ثبت في الحرب فجُرح فتمنى المتنبي رتبته في الشجاعة، وأضاف محمداً إلى الضربة إشارة إلى أنها كسته الحمد فأكثرت حتى صار محمداً بها. فيقال له: الوجه الأول الذي اعتمدت عليه، بتقديمك له، فاسد لأنه لا يسوغ له أن يفديه من ضربة كسته حمداً على قولك، ولم تؤثر فيه بل أثر فيها. فهذا التمني بمعنى الدعاء على الممدوح على هذا الوجه. والوجه الصحيح هو الثاني، وهو إنه تمنى رتبته في الحال التي قُدرت له من الشجاعة.

стр. 797

وقوله: وأضاف محمدا إلى الضربة إشارة إلى أنها كسته الحمد وأكثرت حتى صار محمدا بها خطأ من وجهين: أحدهما: إنه جعل الضربة كسته حمدا، وذلك بالعكس بل اكتست به، ويدل على ذلك قوله فيما بعد: المنسرح واغْتَبَطَتْ إذْ رَأتْ تَزَيُّنَهَ ... بمثِلِه والجِرَاحُ تَحسُدُهَا يعني: أن الضربة فرحت، لما تزينت بالممدوح، في حال حسد الجراح لها؛ لأنها تمنت أن تكون مكانها، لما حصل لها من الشرف به دونها. والوجه الثاني: من الخطأ قوله: كسته الحمد والشرف حتى صار محمدا، وذلك إنه جعل محمدا هاهنا صفة تكثير كما يقال: كرمته فهو مكرم، وقدمته فهو مقدم. وليس كذلك بل محمد اسم علم على الممدوح، أضافه إلى الضربة لشدة اعتناء الممدوح بذلك الفعل، والإكثار منه كقولهم: عمرو القنا، وزيد الخيل، وقيس الرأي، وقس البيان، وحاتم الجود، وقول الراجز: الرجز يا زيدُ زَيْدَ اليَعْمُلاتِ الذُّبَّلِ وأشباه ذلك. وقوله: المنسرح أثَّر فيها وفي الحَديدِ وما ... أثَّر في وَجْهِهِ مُهَنَّدُهَا قال: قصد السيف، والضربة إزهاق روحه وإهلاكه، فردهما عن قصدهما فهذا تأثيره

стр. 798

فيهما. وقوله: . . . . . . وما ... أثَّر في وَجْهِهِ مُهَنَّدُهَا أي: ما شانه، ولا أثَّر تأثيرا لأن الضربة على الوجه شعار الكرام، والعرب تفتخر بالضرب على الوجه. ألا ترى إلى قول الحصين: الطويل ولسنا على الأعقاب تدمى كلومنا ... ولكن على أقدامنا تقطر الدما فيقال: هذا خبط عشواء وكلام من هو ذاهب عن الرشد ليس -كما ذكر في الخطبة- سالكاً الجدد ولا سابقاً غيره. البسيط ......... سبق الجواد إذا استولى على الأمد وقول المتنبي: المنسرح أثر فيها وفي الحديد ......... يس كما زعمت أنت غيرك، وإنما هذا من المقلوب على طريق المبالغة، يقول: الممدوح أثر في الضرب وفي السيف الذين من شأنهما أن يؤثرا وما أثرا فيه، وذلك نحو قوله: الطويل طِوَالُ الرُّدَيِنْيَّاتِ يَقْصِفُها دَمِي ... وبيضُ السُّرَيْجِيَّاتِ يَقْطَعُهَا لَحْمي وقوله: المنسرح

стр. 799

تَبْكي على الأنْصُلِ الغفُمُودُ إذا ... أنْذَرَهَا إنه يُجَرِّدُهَا لِعِلْمِهَا أنَّها تَصِيرُ دَماً ... وإنه في الرِّقابِ يُغْمِدُهَا قال: يقول: إذا أنذر الغمود بتجريد السيوف، بكت عليها، لعلم الغمود إنه يغمس السيوف في رقاب الاعداء، حتى تصير كأنها دم، لخفاء لونها بلون الدم؛ وإنه يتخذ لها أغمادا من رقاب الأعداء؛ أي: أنها لا تعود إلى الغمود فلذلك تبكي عليها. وأقول: لو أتم ذلك بأن قال: للمصاحبة التي بينهما؛ لأن المصاحب يبكي لفراق مصاحبه، لأفاد وأجاد. وهذان البيتان، يُرى كان الثاني منهما تتمة للاول؛ يزيد في معناه، أو لا معنى له من دونه، وليس الأمر كذلك بل إذا انفرد البيت الأول من الثاني، كان مستقلا بنفسه واكمل معنى؛ وبيانه: إنه إذا انذر الغمود إنه يُجرد السيوف، بكت عليها لعلمها بالعادة إنه سيقتلها في جسم القتيل بها، لما ذكرنا من الصحبة التي بينهما. وإذا اتصل بالبيت الثاني كان المعنى أن الغمود تبكي لفراقها، لكونها تصير في غمود غيرها وهي الرقاب، والبكاء على الفاني الماضي أولى من البكاء على الباقي النائي، والمديح به اكمل والمعنى اجمل. وقوله: المنسرح تَنْقَدِحُ النَّارُ من مَضَاربها ... وصَبُّ مَاءِ الرِّقابِ يُخْمِدُهَا

стр. 800

قال: إنها تصير إلى الأرض لشدة الضرب فتوري النار، ثم يُخمدها ما ينصب من الدماء عليها. وأقول: لم يُرد بمضاربها ضربها وإنما أراد حدودها، فالنار تنقدح منها لعتقها وجودتها وحسن جوهرها، لا بالضرب والإيراء بالبلوغ إلى الأرض؛ لأنها لا توري النار إلا وقد سبقت الدماء، ومستحيل الإيراء مع صب الدماء، فينبغي أن يكون انقداح النار منها قبل الضرب بها وصب ماء الرقاب عليها. وإذا كانت السيوف قد شُبهت كلها بالنار فالأولى أن تُشبه حدودها بالنار، أو تُجعل النار تنقدح منها. وقوله: المنسرح قد أجمْعَتْ هَذه الخَليقةُ لي ... أنَّكَ يا ابْنَ النَّبيَّ أوْحَدُهَا قال: أجمعت الخليقة موافقة لي، أنك أوحدها. ويجوز أن يكون على التقديم والتأخير؛ أي: أوحدها إحساناً إليَّ وأفضالاً عليَّ، ولا يكون في هذا كبير مدح. ويجوز أن يكون: أجمعت فقالت لي؛ لأن القول يُضمر كثيرا. وأقول: هذه الوجوه كلها تخيلات على تقرير قوله: لي، وهي أينما قُررت قلقة مضطربة، ولو إنه قال: قَدْ أجْمَعتْ سَادةُ الأنام معي ... . . . . . . أو: . . . . . . الكرام. . . . . . ... . . . . . . لهجر التكلف وأمن التعسف.

стр. 801

وقوله: المنسرح ومَكْرُمَاتٍ مَشَتْ على قَدَمِ ال ... برِّ إلى مَنْزلي تُرَدِّدُهَا أقَرَّ جِلْدي بها عَلَيَّ فما ... أَقْدِرُ حتى المَمَاتِ أَجْحَدُهَا قال: أراد بالمكرمات هاهنا ثيابا أنفذها؛ أي: أقر الجلد بظهور ما عليه من الخلع للناس الناظرين اليه، فكأنه باكتسائه ناطق مُقر، كما قال الناشئ الأكبر: الطويل ولَوْ لَمْ يَبُحْ بالشُّكْرِ لَفْظي لَخَبَّرَتْ ... يَميني بما أوْلَيْتَني وشِمَاليَا وأقول: المعنى الذي قصده أبو الطيب، أتم مما ذكره الواحدي، وهو إنه أراد بالثوب الناطق بشكره جلده؛ جعله كأنه كساه إياه بجوده وإحسانه، وهو من قول الحطيئة: الطويل سَقَوا جَارَكَ العَيْمَان لما تَرَكْتَهُ ... وَبَرَّدَ عن بَرْدِ الشِّتاءِ مَشَافِرُهْ سنَاماً ومَحْضاً أنْبَتَ اللَّحْمَ فاكْتَسَتْ ... عظامُ امرئٍ مَا كانَ يشبَعُ طائِرُهْ ومثله قوله: الوافر وإن يَكُ سَيْفَ دولةِ غيرِ قَيْسٍ ... فمنه جلودُ قَيسٍ والثيابُ

стр. 802

ويكون إقرار جلده هاهنا مثل قوله في مكان آخر: المنسرح تُنْشِدُ أثوابُنَا مدائِحَهُ ... بألْسُنٍ ما لَهُنَّ أفْواهُ وقوله: البسيط مُلَقَّبٌ بك ما لُقِّبتَ وَيْكَ به ... يا أيُّهَا اللَّقَبُ المُلْقَى على اللَّقَبِ قال: يقول: ما لُقبت به مُلقب بك؛ أي: أنت تشين لقبك وأنت بنفسك عار له، فلقبك مُلقى على لقب؛ أي: على عار وخزي. وأقول: تفسيره النصف الأول مستقيم، وهو ظاهر والثاني لم يتبين له وهوانه أراد بقوله: . . . . . . ... يا أيُّهَا اللقبُ المُلْقَى على اللَّقَبِ يا أيها الشائن العائب ما من شأنه أن يُعاب ويُشان به، وذلك إنه جعله لقباً للقب فهو عار مُلقى على اللقب، أي: عار له، لا اللقب ملقى عليه عار عليه.

стр. 803

وقوله: الكامل يا وَجْهَ دَاهِيَةَ الذي لولاك ما ... أكَلَ الضَّنَى جِسْمي وَرَضَّ الأعْظُمَا قال: قال ابن جني: داهية اسم التي شبب بها. وقال ابن فورجة: ليس باسم علم لها، ولكنه كنى به عن اسمها، على سبيل التضجر بما حل به من بلائها؛ أي: إنها لم تكن إلا داهية علي. والوجه قول ابن جني لترك صرفها في البيت، ولو لم تكن علما لكان الوجه صرفها. فيقال: إذا كنى عن اسمها فقال: يا وجه داهية على التحقيق لما حل به منها، لا: فلانة، يريد: نحو عائشة وفاطمة. كيف يكون الوجه صرفها لولا قلة التأمل وكثرة التغفل! فالوجه الذي ذكره ابن فورجة سائغ في المعنى وفي الاعراب، غير خارج من حيز الصواب. وقوله: الكامل أنْ كانَ أغْنَاهَا السُّلُوُّ فإنني ... أصْبَحْتُ من كَبِدِي ومنها مُعْدِمَا

стр. 804

أقول: لو قال: . . . . . . ... أصْبَحْتُ من صَبْري. . . . . . فوضع: صبري أو جلدي مكان كبدي لكان أحسن وألطف وأصنع. ولكنه أجفى وأغلظ من ذلك! وقوله: الكامل يا أيُّهَا المَلِكُ المُصَفَّى جَوْهَراً ... مِنْ ذاتِ ذي المَلَكُوتِ أسْمَى من سَمَا أقول: أن هذا البيت وثانيه ورابعه وخامسه من أقبح الشعر وأرذل الألفاظ وأخس المعاني، ولا يصدر مثل هذا إلا عن متهافت في الرأي والعقل، غير متماسك في التقى والدين، وكأنه ينبه على قائله بذلك بل ينادي! وقوله: الطويل وخُضْرَةُ ثَوْبِ العَيْش في الخُضْرَةِ التي ... أرتْكَ احْمِرَارَ المَوْتِ في مَدْرَجِ النَّمْلِ

стр. 805

قال: مدرج النمل: مدبه، وهو حيث درج فيه بقوائمه فأثر آثاراً دقيقة، وجعل النصل مدرج النمل لما فيه من آثار الفرند. وأقول: مفهوم قوله إنه شبه جوهر السيف بآثار النمل لخفائها ودقتها. وليس كذلك، إنما تشبيه جوهر السيف بالنمل أنفسها لا بآثارها، وذلك لما يُشاهد من تفرقه وتنقله واضطرابه مع صغره. وهذا الذي أرادته الشعراء؛ قال أوس: الطويل كأنَّ قُرَى نَمْلٍ على جَنَبِاتِه ... أحَسَّ بِقَلعٍ نَفْخَ ريحٍ فأجْفَلا وقوله: البسيط إلاَّ يَثِبْ فَلَقَدْ شَابَتْ له كَبِدٌ ... شَيْباً إذا خَضَّبَتْهُ سَلْوَةٌ نَصَلا قال: هذا من قول أبي تمام: الخفيف شَابَ رأسِي وما رأيتُ مَشِيبَ ال ... رَّأسِ إلاَّ من فَضْلِ شَيْبِ الفُؤادِ

стр. 806

وهو مما استُقبح من أشعاره، والمتنبي نقل شيب الفؤاد إلى الكبد. وأقول: الأشبه أن يكون أبو الطيب اخذ ذلك من قول أبي نواس: المنسرح يا عمرو أضْحَيْتُ مُبْيَضَّةً كَبِدي ... فأخْضِبْ بياضاً بعُصْفُرِ العنبِ ويكون أبو تمام نقل منه شيب الكبد إلى الفؤاد. وقوله: البسيط حَتَّى وَصَلْتُ بنَفْسٍ مَاتَ أكثَرُهَا ... وليتني عِشْتُ منها بالذي فَضَلا قال: مات أكثرها: ذهب أكثر لحمها وقوتها لما قاسته من هول الطريق وشدته، ثم تمنى أن يعيش بما بقي من نفسه ليقضي حق خدمة الممدوح. وأقول: قوله: ليقضي حق خدمة الممدوح ليس بشيء، إنما يريد أن نفسه نفس كبيرة عظيمة. ولما قال: مات أكثرها خاف أن يسبق إلى الوهم أن الذي بقي يسير ضعيف فقال: ليتني عشت بالذي فضل منها فأنه قوي كثير مع ذهاب أكثره.

стр. 807

وقوله: الخفيف ذاتُ فَرْعٍ كأنَّما ضُرِبَ العَنْبَ ... رُ فيه بماءِ وَرْدٍ وعُودِ

стр. 808

قال: يريد إن شعرها طيب الرائحة كأنه خُلط بهذه الأنواع من الطيب. ويقال: إن العود إنما تفوح رائحته عند الإحراق، ولا تطيب رائحة الشعر إذا خُلط بالعود. فيقال: أراد: ضُرب العنبر فيه بماء ورد ودُخن بعود، وحذف الفعل الثاني كقوله: الرجز عَلَفْتُها تِبْناً وماءً بارِداً وقول الآخر: الكامل ورأيتُ بَعْلَكِ قد غَدَا ... مُتَقَلِّداً سَيْفاً ورُمْحَا فيقال: لا حاجة إلى حذف عاملين: الفعل والياء وإضمارهما والكلام مستقل بنفسه، والعود يُخلط بالعنبر مدقوقا، وهو معروف، ويرقق بما الورد إذا أريد وضعه في الشعر.

стр. 809

قوله: الخفيف جَمَعَتْ بين جِسْمِ أحْمَدَ والسُّقْ ... م وبينَ الجُفُونِ والتَّسْهِيدِ وأقول: أن هذا البيت والذي بعده فيه أيضا مناقضة كما ذكرت في الأول، لأن من يترشف ريقه كيف يسقم ويسهد ويُعذب؟ وهذا إنما وقع في هذه القصيدة لأنها من نظم الصبا كما ذكر. وقوله: الخفيف ولعَلَّي مُؤمِّلٌ بَعضَ ما أبْ ... لُغُ باللُّطْفِ من عَزيزٍ حَميدِ قال: يقول: لعلي راج بعض ما ابلغه بلطف الله العزيز الحميد؛ أي الذي أرجوه لعله بعض الذي أبلغه بلطف الله. . . وقيل: إن هذا على القلب؛ تقديره: لعلي بالغ بلطف الله تعالى بعض ما أؤمله. فيقال له: الوجه الأول، هو الحسن، والثاني هو القبيح، وذلك لأنه لا يقال: لعلي أبلغ بلطف الله دون ما أؤمله، أو بعض ما أؤمله، بل يقال: ابلغ بلطف الله فوق ما أؤمل. على أن الشيخ الكندي قال: حمل بعض الناس هذا البيت على القلب الوارد في كلام العرب، وهو أن يذكر الشيء ويراد عكسه، ولكن إنما يجوز ذلك عندهم إذا

стр. 810

أُمن الإلباس،. . . وهاهنا يقع اللبس، لأنه يجوز أن يريد أن الشيء الذي أبلغه بلطف الله أمر عظيم فوق أملي. وهذا هو الصحيح وهو الوجه الأول؛ يقول: أنا مؤمل أشياء لعلها بعض الذي أدركه بلطف الله وتيسيره. وكأن هذا من قول جعفر بن محمد الصادق ﵇: كن لما لا ترجو، أرجى منك لما ترجو؛ فإن موسى ذهب ليقتبس لأهله ناراً، فعاد نبياً مرسلاً! وقوله: الخفيف لا كما قَدْ حَيِيتَ غيرَ حَميدٍ ... فَإذَا مِتَّ مِتَّ غَيْرَ فَقيدِ قال: يقال: حيي يَحيى حياة، ويقال أيضا: حي بالإدغام في الماضي، ولا يقال في المستقبل بالإدغام، وذلك أن حيي عين الفعل منه ياء مكسورة ولامه أيضا ياء، والياء أخت الكسرة، فكأنه اجتمع ثلاث كسرات، فحُذفت كسرة العين، وأدغمت في اللام، ولم يعرض في المستقبل شيء من هذا. فيقال له: ليس الإدغام في حيي وبابه لكسرة العين، وإنما هو للزوم فتحة اللام واجتماع مثلين متحركين. ولو إنه كما تقول: لجاز الإدغام في يُحيى من الرباعي لان عينه مكسورة، كما في حيي، ولامه ياء، والذي يدل على صحة ما قلت قوله تعالى: (. . . بِقَادِرٍ عَلَى أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَى) فقد اجتمع فيها ما جعله علة من الياءين والكسرة وزيادة فتحة اللام؛ ومع ذلك فلم يدغم؛ لأن الفتحة هاهنا عارضة، فهذا الذي ذكره ليس بشيء، وما كان له أن يتعاطاه لأنه ليس من شأنه!
следующие страницы →