Полный текст (543 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
اللهم باسمك نعتزم وبركنك نعتصم وبحولك نستدفع الوهن ونستعدي على الزمن، سبحانك لا نحصي ثناء عليك، لك الحمد في الأولى والآخرة، إنك أنت ملهم القول وولي التوفيق.
стр. 2
مقدمة
في سبيل المرأة
ماضينا وحاضرنا
نحن لا ننزع إلى الكمال لأن لنا فيه نسباً عريقاً، وطريقاً عميقاً إذا أنني عطف الزمان، فنحن مطلع فجره فخره. أو التبست عُقد العظائم، فنحن حُماة شرعتها، وكماة حومتها بنا استصحفت مِرة المجد واستشرقت ذروته ولنا عُقد لو اؤه، وتأثل بناؤه، فإذا ابتغينا الحياة سنَية، وابتعثنا الأمل جنياًّ، فلسنا بغاة نصفة ولا عُفاة معدلة، وإنما هو ميراث سُلبناه في غفوت الليل، وغلس الظلام، فنحن ننزع عنه شرك العوائق، ونرد دونه كيد الخطوب.
стр. 3
تلك صفحة من صفحات تاريخنا الذي نعتز به، ونطرب له، ونستثني من الرجاء منه ولعلها أحفل الصفحات بالعظات، وأجمعها للعظائم، وآهلهَا بنُبل الُخلق، وسناء الحياة. تلك هي المرأة العربية في جاهليتها وإسلامها، حياة العظمة الوادعة الرائعة؛ النفس الأبية النقية.
تلك هي المرأة التي يحدث المؤرخ المُنقَرّ الإنجليزي العظيم (كلاي مما استَشفه من أطلال بابل إنها كانت منذ أربعة وأربعين قرناً تجاذب الرجل سياسة الأمة، وولايتها الأمر، إنها كانت منذ أربعة وأربعين تجاذب سياسة الأمة، وولايتها الأمر، وجدّ العمل، وشُئون الحياة.
تلك هي للمرأة التي وثب بها الإسلام ووثبت هي به، وكان أثرها في تكوين
رجاله، وتصريف حوادثه، أشبه ما يكون بأثر الهادئ الفياض في زهر الرياض.
يريد نساؤنا أن ينهضنَ، فهن يبتغين الوسائل ويتلمسن الخطى. وما لهن لا ينهضن؟ ومنذا يذودهن عما شرع الله لهن؟ وهل هن إلا منابت حُماتنا، وأساة جراحنا، وبُناة دولتنا ومنار دعوتنا، ومثار قوتنا؟ وهل نحن وإياهن إلا كجناح النّسر الصاعد إذا ينهض أحدهما خفُض الآخر فيصبح لا يجد في الأرض مَقَعداً ولا في السماء مصعداً؟
لينهض النساء ما شئن أن ينهضن، ففي نهوضهن، وبلغ غايتنا، ولكن ليحذر الآخرون بيدها والداعون إلى نهوضها التواء القصد، والتباس الطريق فينالها الزلل وتَلِجُّ بها العثرات حتى يقول قوم لقد كان ما كانت فيه خيراً وأبقى.
стр. 4
ألا وإن من الالْتِواء القصد، وضلال الطريق، وأن ندع نساءنا يتخذن من المرأة الأوربية مثالاً يحتذينه، ويمعنَّ في التشبيه به.
نحن قوم تحتكم بنا أمزجتنا، وأسلوب حياتنا، وأجواء بلادنا وتكوين طبائعنا، ونظم شرائعنا، فمن الظلم أن نقول لنسائنا خُضن ثَبَجَ البحر واقتحمن شعاف الجبل وكن نساء أوربيات تَرَيَنَ ما يرين، وتدّعن ما يدعين. ذلك تكليف لا قدرة عليه ولا خير فيه. .
نعوذ بالله أن ننكر على المرأة الأوربية وفر فضلها، وسماحة عقلها، فذلك ما لا نجد له السبيل غلى جحده والإنكار له ولكننا ننكر عليها أعراضاً قد لا تبتئس بها، ولا يأبه لها من حولها، على أنها مما يحز المفاصل، ويستثير الغوائل وهي إذا نقلت إلينا كانت أشد وأفتك. ونخشى إذا حملنا نساءنا على الأسوة بنسائهم أن تكون الأعراض هي الأولى والآخرة.
لا أكذب فالمرأة الأوربية ليست المثل الأعلى للمرأة العظيمة. فإن قيل هي كاتبة حاسبة، وصانعة بارعة، قلنا لم تزد أن دعمت حياة المادة وزادتها نوطاً جديداً.
ولو كان لها أثر نافذ لنُسخت عبادة القوة، ودال سلطان الأّثَرَة ولأبصرت القوم يبادرون إلى عون الضعيف، وغوث اللهيف، ولما استمتعت أنه المظلوم تكاد تنفطر لها السماوات وتنشق الأرض وتخرّ الجبال هَدّا.
أجل بصرك بين أعطف هذا العالم وأطرافه ثم انظر هل ترى إلا رجلا مغشياً بالغل أو محنياً على الضغينة؟ وهل تجد إلا امرأة مَطْويةً على كبد حَرّى أو مهجة
стр. 5
حَسْرى؟ وهل تبصر إلا واتراً وموتوراً، قاهراً ومقهوراً؟ وهل تُحسُّ الأُلفاء والقرَناء بإخاء صاف، وودّ غير مدخول؟ وهل تعلم في القوم إلا الخُلق المضطرب، والخَلة المُموّهة، ويداً شعث الكلب، وتدمي قلوب الشعوب، فما ينهل من الدم ويشكو الأوام، فأين يد المرأة أثرها، غير تهذيب النفوس وتطهير القلوب خُلقت المرأة؟
لكل ذلك أُناشد نساءنا أن يَسْدلن الحُجٌب بينهن وبين نساء أوربا ففي أمهاتنا الأوليات فضل وغَناء. أولئك اللواتي نَستَنُّ عن طيب عروقهن وكرم أخلاقهن، وتلك دماؤهن تترقق بين جوانحنا وأعطاف قلوبنا. فأما نحن فيه من مظاهر النَّوْة بالواجب والنّكول عن الجد فإنما هو صدأ عارض وغشاء مستحدث علينا تطاول الزمن وتتابع الحادثات وما أصابنا في سبيل ذلك من فداحة الظلم وذل الإسار.
ففي سبيل الكمال المُطلق، والحياة الخالدة، أسواق حديث المرأة لا إلى النساء فحسبُ، بل إليهن وإلى الرجال معهن فإن صلاح كل من الفريقين لا يقوم إلا على صلاح صاحبه، والتجاوز له عن حقه الذي شرع له، وسيعلم الناس مبلغ تلك المرأة في عهد جاهليتها من قّوة النفس. وحرمة الرأي، وعزة الجانب، ونبل الخليقة، وكيف انتهى بها الإسلام إلى أبعد مدى من الحياة ونهج لها أوضح سُنَّة من الفضائل وألبسها أحسن لَبوس من جلال الكمال وجمال الخلال.
لذلك أنشأت كتابي مستعيناً بعناية الله، مستهدياً بهداه وحده وليّ النُّجْح، وهادي
السبيل.
стр. 6
وقد فصلته على أربع أجزاء:
الجزء الأول: المرأة العربية في عهد جاهليتها.
الجزء الثاني: المرأة العربية المسلمة في عصورها الزاهية.
الجزء الثالث: الدور الثاني من أدوار المرأة العربية في عصورها الزاهية.
الجزء الرابع: المرأة العربية الحديثة، وفيه وصف المرأة في أرجاء جزيرة العرب. مما قاله أهلها وما كتبه المستشرقون الذين نزلوا بها. ووصفها في كل قطر من الأقطار المتعربّة.
стр. 7
المرأة في الحياة
(ومن آياته أَن خَلقَ لكمِ مِن أَنفسكم أزواجاً لتَسكُنُوا إليها وَجَعَل بينَكم موَدة وَرَحمة لآيات لقوم يَتَفَكَّرُن).
ما كان الله لِيَدَع الرجل تحت أوقار الدهر: وأثقال الحياة، حتى يخلق له من نظام نفسه، من يذود عنه هموم نفسه، ويحتمل دونه الكثير من شئونه، ويضيء له ما بين من شعاب العيش وظلم الخطوب.
تلك هي المرأة قسيمة حياته، ومباءة شكاته، وعماد أمره، وعتاد بيته، ومهبط نجواه، وتلك هي آية الله ومنته ورحمته لقوم يتفكرون. ينهض الرجال إلى الحياة بعزم وقوة يستمدان عقله ورايه، وتستقبل المرأة الوجود بعواطف فياضة يتجلى بها قلبها الخفاق فتأسو بها ما جرحته من قلب الفضيلة.
فإن ظهر الرجل بمضاءه وذكاءه فغن للمرأة غايتها من صفاء القلب، ونقاء السريرة، وما ينبعث عنهما من وفاء ووَلاء، وحنان وإحسان، وتسلية، وغَياث مكروب ونجدة منكوب، وما إلى ذلك مما يقيم مائل الارض، ويلم صدعات الحوادث.
من أجل ذلك كان قول المرأة في قلب الرجل وأملك لنفسه سواه. ولقد ريع النبي ﷺ لرؤية الروح الأمين أوَل عهده
стр. 8
به وملكه الفزع منه فلم يجد - وهو صفي الله وصفوتهُ من خلقه - من يُسرى روعه ويَشُدُّ قلبه إلا زوجه خديجة إذ تقول له: كلا والله لا يخزيك أبداً إنك تحمل الكَل، وتُكْسِبُ المعدوم. وتعين على نوائب الدهر.
ذلك قول المرأة التي أزرت نبي الله، وَوَاسَتْهُ بمالها وقلبها، وفرجَت عنه مواطن محدقة مُطبقة واحتملت دونه خطوباً جمة فوادحَ، وكان قولها أنفذ في نشر دين الله من ألف سيف تنْتَضى في سبيل الله.
ذلك وحي من الله وإلهامه على لسان المرأة فنزل برداً على قلب الرجل. أفبعد هذا
القول من ذلك القلب غاية لمستمع أو سبيل لمستزيد؟
ألا إن خشية الله ودينه - وهما سبيل الكمال - لا يجدان مجالاً أهدى، ولا موطناً أخصب من قلب المرأة، لأن حاجة الدين إلى قلب صاف، وعواطف غالية أشد من حاجته إلى قلب ذكيّ، ورأى أَلَمعِي.
إلى كل ذلك تنتقل المرأة إلى طور آخر تبلغه، فتبلغ به غاية ما أُعدّت له من كمال النفس وشرف العاطفة. ذلك طور الأمومة. فهناك تنزل المرأة عن حقها من الوجود لمن فصل عن لحمها ودمها تسهر لينام، وتظمئ ليروى، وتحتمل الألم الممض - راضية مغتبطة - لتذيقه طعم الدعة، وتنشيه نسيم النعيم.
تلك هي التضحية بالنفس بلغت بها الأمومة غايتها.
والجود بالنفس أقصى غاية الجود
إن من آيات التضحية في المرأة ما يقف دونه الرجل عانَىِ الوجوه نادِىَ الجبين ومن أمثال ذلك ما أنا سائقه وقاُّصه عليك: -
стр. 9
في صيف ١٣٢٩هـ كانت إحدى بواخر النيل تحمل العابرين غادية رائحة بين كفر الزيات ودسوق. ففي ذات مرة أخرج الرُّبان صدرها بمن احتملهم من قصاد المولد الدسوقي، فقذفها بضعفي ما تحمل.
سارت البواخر متعثرة تتحامل على نفسها وتضطرب في خطاها فما كادت تنكشف إلى عرض النيل قليلاً حتى آدها حملها، فانبتَّ عِقدها، وانحلت عُقدتها ومالت على نفسها، وتدفق الماء من منافذها. هنالك خرج الناس عن عقولهم، وتملكهم الفزع الأكبر، وظنوا أنهم أحيط بهم، فأخذوا يتدافعون على صدر النيل علَّهم يلقون يداً تدفعهم أو ترفعهم.
بين هذا الحفل المتماوج المتدافع تقطعت الأنساب، فلا أب ولا أم ولا زوج ولا ولد. لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه. وفي ذلك الموطن الذي دارت عليه كؤوس
الموت مُترعة ظهرت امرأة لا تتلمس الشاطئ كما يتلمسون، ولا تُلَوَّح بيدها كما تلوحون بل كان كن شُغلها والموج يرفعها ويخفضها والموت يقبضها ويبسطها: أن نزعت خمارها، وأدرجت فيه ولدها، ثم لوحت به إلى زوجها، وقذفته على صفحة الماء مترافقة إليه وصاحت به متهدجة قائلة: -
خذ يا فلان فذلك وصيتي إليك. . .
قالت ذلك ثم غاصت بين طيات الماء بعد ان أسلمت وديعتها وأبرأت إلى الله نفسها. . .
إلى تلك المنزلة السامية رفع الله المرأة ليكل إليها أشرف منازل الحياة: منزلة
стр. 10
التربية والتعليم، منزلة الأستاذ الذي لا يمحو علمه، ولا ينسخ آيته أستاذ سواه، بل كل سائر على سنته، ومستنبع طريقه.
لقد كان من سنن اليونان أيام سقراط وأفلاطون ومن لفَّ لفهما أن يقف الرجل خاشعاً حاسراً الرأس إذا مرت به حامل وما كان ذلك لمظهر جثماني فليس في ذلك ما يدعو إلى الهيبة والخشوع، بل ذلك لما مهد الله لها من عمل روحي ملكّي مقدّس.
فيأيتها الأم الرؤوم: ليس ذاك الذي بين يديك بالطفل الذي يبقى أمد الحياة طفلا، بل هو سر الوجود يذاع عنك وصفحة الحياة تنشر عن أثرك وهو أدل عليك من أسارير وجهك وبيان لسانك.
ليست هذه البَضْعة المتحركة باللعبة الُملهِيَة هي العاَلم الأكبر يضطرب كأضطرابه، ويتخايل في مخايله. فانضري على أي حالة تريدين أن يكون الكون.
ليس ذلك الدارج بين عينيك بالصبى الخَلى بل هو خبيئة الدهر وعُدّتُه وربما ضم معاطف ثوبه على رجل الدنيا وواحدهما. وما ينبئك لعل هناك ملكاً يترقب سيفه، أو عرشاً يطمئن لقدميه، أو أمة تنتظر النصفة من وَضَح رأيه، وفيض بيانه.
إن تلك النزلة التي أعدك الله لها هي تلك التي وصفها بحقّ وصفها بطلُ التاريخ لحديث - بونابرت - فقال: إن المرأة التي تهز المهد بيمينها تهز العالم بيسراها ولقد سائل ذات مرة: أي حصون فرنسا أمنع؟ فقال: المرأة الصالحة. . .
стр. 11
ليست المرأة باْلَخلْق الضعيف. فإن من احتمل ما احتملته في ظلمات التاريخ من عنت الدهر، وعسف الأب، وصَلَف الزوج، إلى وَقْر اَلحْمل، وألم المخاض وسُهد الأمومة - راضياً مطمئناً - لا يكون ضعيفا.
وليست بالخلق الحقير. فإن من وكَلَهُ الله بابتناء الكون وإنشاء الأمة لا يكون حقيراً.
ألا إنما المرأة دعامة الكون لا يزال ناهضاً مكيناً ما نهضت به. فإن وَهَنَتْ دونه، وتخاذلت عنه، تهاوت عمده، وتصاعدت جوانبه.
ولقد فتح المعز لدين الله ما يلي أفريقية حتى البحر المحيط، ثم أخذ يرنو إلى مصر واجماً متهيباً فلم يزال ذلك أمره حتى قال قائل: إن نساء قصر الإخشيد أغرقن في الترف واستهن بالفضيلة. . . فما لبث أن قال: اليوم فتحت مصر. . .
وكذلك وهنت نفس المرأة وهي مصدر قوتها وسبيل عملها فانَبت نظام الملك وانفصمت عروة الأمة، وكان حقاً على الله أن يبدلها ويُديل منها وما ربك بظلام للعبيد.
стр. 12
المرأة العربية في عهد جاهليتها
نصيبها من الوجود
لم تطْوَ التاريخ على امرأة بلغ من الضَّنَّ بها، والإيثار لها، وبذل المهج رِخصاً في سبيلها، ما بلغ بالمرأة العربية في تلك الحقب المتطاولة المترامية.
نشأت المرأة المصرية في قوم غَلَبت عليهم دقت الحِسَّ، وسَورة النفس، وخوض مناهل الدم خوف انثلام الشرف، واستباحة الحمى، فكانت هي أدق أوتار الحس في قلوبهم، وأوضح مواطن الشرف في نفوسهم. ولولا المرأة ما كان بالرجل نزوع إلى حًمى، ولا رَعْى على وطن.
لقد كان العرب رُوَّادَ غارات، وطلاَّب ثارات، وكان الرجل منهم يغتمر الموقعة لا يدري أَوقع على الموت أم وقع الموت عليه؛ غير أن ابنته وما عسى أن يصيبها بعده من حاجة وهوَ إن كان يتغلغل في نفسه فيهيج بها حبّ الحياة. فمثله في ذلك مثل إسحاق بن خلف حيث يقول: -
لولا أُمَيْة لم أجزع من العدم ... ولم أَُجب في الليالي حِنْدِس الظُّلَم
وزادني رغبة في العيش معرفتي ... ذل اليتيمة يجفوها ذوو الرحِم
تهوى بقائي وأهوى موتها شَفَقاً ... والموت أكرم نزال على الحرَم
أحاذرُ يوماً أن يُلم بها ... فيكشف الستْرَ عن لحم على وَضَم
إذا تذكرت بنتي حين تندبني ... فاضت لرحمة بنتي عَبرتي بدم
стр. 13
وفي سبيل ذلك يقول حَّطانُ بن المعلَّى:
لولا بُنَيَّات كزُغْب القطا ... ردُدن من بعض إلى بعض
لكان لي مُضْطَرَب واسع ... في الأرض ذات الطول والعرض
وإنما أولادنا بيننا ... أكبادنا تمشي على الأرض
لو هبت الريح على بعضهم ... لامتنعت عيني عن الغمض
كذلك كانت المرأة تهتف بالرجل أو تلمُّ به تحت ظلال السيوف، وقد ملَلك الروعُ القلوبَ، وعقد الهول الألسنة، وانثغرت الأفواه، وحارات النواظر في المحاجر؛ فيستمد عزماً نبا؛ ويسترد قوة عَزَبت. ومَثَل ذلك ما فعل ابنتا الفِنْد الزَّمَّاني يوم تَحْلاَق اللمم وهو يوم انتصاف بكر من تَغْلب. فقد اشتجرت
стр. 14
الأسنة، واعتنقت الأبطال، ونفذت السيوف إلى أعماق القلوب وظهرت تَغْلبُ كالجذوة المضطرمة، وبدأت تنكشف وترتد. وهنالك الفتاتان البكريتان خماريهما ونفذتا بين صفوف قومها وأخذتا تُنْشدَان نفوسهم، وتذْكيان نار الحفيظة فيهم وكان مطلع قولهما:
وغى وغى وغى وغى ... حَرَّ الحَرَار واْلتَظَى
ومُلَئت منه الرُّبى ... يا حَبّذَا الُمحَلّقون بالضحى
وأقبلت من ورائهما كَرْمة بنت ضِلَع، أم مالك بن زيد، فارس بكر وواحدِها فتغنت بما يُحيل الجبان المستطار شهاباً ثاقباً، وسعيراً مستطيراً، وكان مما تغنت به قولها:
نحن بنات طارق ... نمشي على النمارق
مَشْيَ القُطَيّ البارق ... المسكُ في المفَارق
والدُّر في المخانق ... إن تقبلوا نعانق
أو تدبروا نفارق ... فِرَاقَ غير وامِق
عِرسُ المُوَلّي طالق ... والعار منه لاحق
فلم يلبث القوم أن تدافعوا وراءهن على أعدائهم، واقتحموا صفوفهم، واستباحوا معاقلهم، وأعملوا السيوف في رؤوسهم، وأنهلوا الأسنة من صدورهم فلم ينكشف
стр. 15
الهول حتى كانت تغلب بين قتيل وأسير وشريد، وفي مثل هذا الموقف يقول عمرو بن كلثوم:
على آثارنا بِيضٌ حِسَانٌ ... نُحاذر أن تُقَسم أو تهونا
أخَذْنا على بعولتهنّ عهداً ... إذا لا قَوْا كتائب مُعلمينا
لَيَسْتَلِبُنّ أفراساً وبيضاً ... وأسرى في الحديد مُقَرّنينا
إذا ما رُحْن يمشين الهُوَينى ... كما اهْتَزَّت متون الشاربينا
يقْتَن جيادنا ويقلن لستم ... بُعُولَتَنَا إذا لم تمنعونا
إذا لم نحمهن فلا بقينا لشيء بعدهن ولا حيينا
كل ذلك ينبئك أن المرأة العربية مَثَار عاطفة الرجل، ومَدَار وِجدانه، هي سر حياته وموته، هي مَهَاج غضبه، ومَعقِد أُلفته، هي مُجْتَلَى قريحته، ومطلع قصيدته، هي موطن غنائه، ومذهب غِنَائه، هي مَشْرِق وحيه، ومنار إلهامه، هي نور الوجود في ناظريه، هي كل شيء بين يديه.
لقد بلغ خيال العربي من السموّ بالمرأة أن جعل الملائكة أشباهاً لها ونظائر فقال:
هم بنات الله وصَفِيَّاته. . .
تعالى الله عما يقولون علَّوا كبيرا.
وإذا علمت العرب اتخذوا الملائكة آلهة من دون الله فما ظنك بأشباههم يومئذ؟
بل ما ظنك بامرأة ملكت على الرجل قلبه ورأيه فلا يكاد يصيب معن، أو يطيف بموضوع، حتى يُلِمَّ بذكْرها، يتغنى بمحاسنها، ويمتدح بشمائلها، ويتأثر بأطلالها ومَعَالمها.
стр. 16
كذلك كان يفعل شعراء العرب، وهم ألسنة القوم، وحَفَظة آدابهم وحُماة مجدهم، وشُرَّاع فضائلهم. حتى لقد بكى مُهَلْهِلُ بن ربيعة كليباً أخاه وهو مُحْرَق الكبد، موصل الكَمد، فبدأ بالمرأة يذكرها ويصف دارها، قبل أن يذكر أخاه، وذلك حيث يقول:
الدار قَفْرٌ عفاها بعد ساكنها ... بالريح بعد ارتحال الحيَ عافيها
وغالها الدهر إن ذو غِيَل ... فأصبحت بَلْقعاً قفراً مغانيها
إلا رَواكدَ سُفْعاً بين مُلْتَبِد ... مثل الحمامة منتوفاً خوافيها
دار لمهضومة الكَشْحَين خَرْعَبةٍ ... كالشمس حين بدا في الَّضْوء باديها
فما زال يستتبع قوله في وصف صاحبة الدار حتى قال:
كليبُ لا خير في الدنيا ومن فيها ... إذ أنت خلَّيتها فِيمن يُخَلّيها
كذلك فعل الحارث بن عُباد بعد أن قتل مهلهل ابنهُ بحيراً واستَعَرَت جمرة الحفيظة والثأر في صدره، حتى صبها على آل مهلهل جحيماً وحميماً. فقال يصف فتكته، ويذكر ولده في قصيدة ضافية ألم في أولها بالمرأة فقال:
بانت سعاد وما وَّفتك ما تعد ... فأنت في إثِرها حَرّانُ مُعتَمدُ
стр. 17
وما زال يمعن في وصف سعاد حتى استكمل فيها عشرة من أبيات كاملة، ثم عطف على موضوعه فقال:
سل حتى تغلب عن بكر ووقعتهم ... بالِحنو إذ خَسِرُوا جهداً وما رَشَدوا
لعمرك ما ترك الحزن لمهلهل ما يشغله عنه، وما أبقى الزمن للحارث ما يقوى على اللهو به. فما لهما يفعلان ذلك؟ أما إنهما لم يفعلا ما فعلا إلا ليتألفا المعاني النافرة ويستقيدا الألفاظ الشاردة. ولولا ذلك ما جاء قولهما كماء جاء عذباً فراتا.
ذلك طبع العرب. وتلك سنتهم.
ولقد كان الرجل منهم وما كاد يبتدر صالحةً، أو يسبق إلى مَكْرُمة، حتى يسبق إلى المرأة، فيسوق إليها الشعر فياضاً بمأثرته، حفيلاً بمفخرته، وأكبر أمله أن تذكره بكلمة طيبة بين نظرائه، فيروحَ عنها بفخر لا ينفد، ومجد لا يبيد. وفي مثل ذلك يقول شاعر قيس:
إنا مُحَيُّوكِ فَحّيينا ... وإن سَقَيْتِ كرام الناس فاسقينا
وإن دعوت إلى جُلى ومكْرُمة ... يوماً سَرَاة الناس فادعينا
ويقول شاعر ذُهل يوم ذي قار:
إن كنت ساقية يوماً ذوي كرم ... فاسقي فوارس من ذهل بن شيبانا
واسقي فوارسَ حاموا عن ذِمارهم ... واعلي مفارقهم مسكاً ورَيحانا
بل لقد كان الرجل يأتي الأمر تسوّغه نفسه؛ ويحمله عليه موقفه وربما كان الخير كله فيه، فلا تهدأ نفسه، ولا تطمئن سريرته، حتى يُفضى إليها بعذره،
стр. 18
ويكشف عن مكنونه أمره. وفي مثل ذلك ما يقول أَزهَرُ بن هلال التميمي يعتذر عن فراره:
أعاتِكَ ما ولّيت حتى تبددت ... رجالي حتى لم أجد متقدّما
وحتى رأيت الوَرد يَدْمَى لَبَاُنهُ ... وقد هزه الأبطال وانتعلَ الدَّما
أعاتك إني لم أُلم في قتالهم ... وقد عَضّ سيفي كبشهم ثم صّمما
أعاتك أفناني السلاح ومن يُطِل ... مقارعة الأبطال يرجعْ مُكلما
وشبيه بذلك قول من يقول:
قالت سَلاَمة ما رأى عادةً ... أن تترك الأعداء حتى تُعذِرا
لو كان قتل ياسلامَ فراحةُ! ... لكن فررت مخافةً أن أوسَرا
وسبقت قبل المقرفين فوارساً ... لبني فزارة دارعين وحُسَّرا
ولعل هذا أبلغ من هذين معذرة، وأقوام سبيلاً، ذلك الذي يعتذر عن قراره في داره، ورضاه باليسير من عيشه، فيقول:
قالت أما ترحل تبغي الغنى ... قلت فَمنْ للطارق المُعتم؟
قالت فهل عندك شيء له ... قلت نعم جُهْدُ الفتى المعْدِم
فكم وحقّ الله من ليلة ... قد أُطعِمُ الضيف ولم أَطَعم
إن الغِنَى بالنفس يا هذه ... ليس الغِنَى بالمال والدرهم
ومن أمثل ما جاء في الاعتذار إلى المرأة قول عنترة العبسي:
بَكَرَت تَخوّفني الحتوف كأنني ... أصبحتُ من غَرَض الحتوف بمعزلِ
فأجبتها: إن المنية منهل ... لا بدّ أن أُسقى بكأس المنهل
стр. 19
أما ضنُّ الرجل بها، وإيثاره لها، وحرصه عليها، وتفديته إياها بنفسه وما ملكت يمينه فقد بلغ من أمره أن كسرى أَبْرويز ملك الفرس وسيد ملوك المشرق، وأرسل إلى النعمان يبغي مصاهرته - ولو أن ملكاً من أقطاب العالم وأبطاله الفاتحين خَطبَ إليه كسرى ابنته لوثب عن عرشه زهواً واختيالاً بتلك النعمة السابغة - على النعمان وهو مولاه، وصنيعته، والقائم بأمره، والقارّ لسيفه، والخاضع لسلطانه، رَدّ رسوله مُقَنّعاً بالخيبة ضنّا ببنات المنذر أن يكون قائد بيت أعجمي أيًّا كان مكانه وسلطانه. حتى إذا عاود الرسول مولاه بما لا يرضاه اضطرمت في صدره جذوة الغضب، وثارت بين جنبيه سورة الملك، فأرسل يستقدم عاهل العرب!
هنالك أبصر النعمان وميض الموت يلمع من صوب المدائن، فأودع ابنته حرقة وما يعتزُّ به من سيوف ودروع هانئ بن قبيصة الشيباني وذهب إلى حيث طرح تحت أقدام الفيلة، فذهبت بلحمه وعظمه ودمه كل مذهب من ثَغَرات الأرض وسَوّت معالم جسمه بالتراب.
بذلك نقع كسرى غليل غضبه، وأراد أن يعاود ما بدأ، فأرسل إلى هانئ يقضيه ابنة النعمان، فما كان نصيبه منه بأجمل من نصيب صاحبه. هاج كسرى هائجُ الحَنق على هذه الأمة التي استأسدت في وجهه، واحتجزت فتَاتَها دونه. فأرسل فيالقه يزَحم بعضها بعضاً ليوقع الخسف بها، وَيبسط رواق الذل ضافياً عليها. وهنالك قام العرب يدفعون عن حوزتهم، ويذودون عن أعراضهم فالتقوا بجحافل الفرس على بَطحاء ذي قار، في موقعة احمرّ لها وجه الأفق. وارتفع النّقْع المثار، حتى مَحَا آية الشمس، فظهرت الكواكب واضحة عند منتصف
стр. 20
النهار. وقام من أبطال العرب من قطع وُضُن النساء حتى لا يجدن سبيلاً إلى الفرار إذا جاشت به
نفوس ذويهن؛ فتأججت عند ذلك قلوب القوم، وأرهفت أنياُبهم، واستحالوا إلى صواعق ساحقة. ثم انحسر القتال وقد ضربوا أعداءهم ضربة أطارت قلوبهم، فنكصوا على أعقابهم، وفزعوا إلى ديارهم، وسيوف أولئك البواسل، القلائل، الأباة الضيم، الحماةِ الذَّمار، تعمل في أقفيتهم حتى أرباض المدائن. وفي ذلك يقول العُديل العِجلى:
ما أوقد الناس من نار لمكرُمة ... إلا اصطلينا وكنا موقدي النار
وما يَعُدٌّون من يوم سمعت به ... للناس أفضَلَ من يوم بذي قار
جئنا باسلابهم والخيلُ عابسة ... لما استلبنا لكسرى كل أُسوار
ذلك يوم ذي قار. ذلك يوم انتصاف العرب من الفرس، وتحريرهم من رقهم ولم تكن المغالاة بالمرأة العربية وقفاً على ذوات الثراء والسناء منهن. فقد كان يغَالي بها وتغالي بنفسها، مها هان أمرها، أو اتضعت عشيرتها، ومثل ذلك ما حَدَّث ابن الأثير أن أحد دهاقين الفرس جَهدَ أن يتزوج امرأة من باهلة فأبت عليه ذلك. كل ذلك رَغم ما لدَهاقين الفرس من سعة العيش، ونعومة الحال، وما بلغته باهلة بين العرب، من لؤم الحسب، وانصداع النسب.
كذلك بلغ من غضب العربي للمرأة، وحرصه على كرامتها، ووقف شرفه على شرفها: أن يعمد الرجل منهم إلى الملك المتوج فيقصم هامته، حِيَاطة لهذا
стр. 21
الشرف، وذياداً عنه أن يُبذَل أو يُذال. فقد حَدثوا أن عمر بن هند ملك العرب قال لجلسائه: تعلمون أحداً تأنف أمه أن تخدُم أمّي؟ فقالوا: نعم! ليلى بنت مهلهل، لأن أباها مهلهل بم ربيعة، وعمها كليب وائلٍ أعزُّ العرب، وبعلها كلْثوم بن مالك أفرس العرب، وابنها عمرو بن كلثوم سيد قومه، وليث كتيبتهم. فأرسل عمرو بن هند إلى عمرو بن كلثوم يستزيره ويسأله أن يزيز أمّهُ أمّهُ، فأقبل عمرو من الجزيرة في جماعته من بني تَغلب، وأقبلت ليلى في ظُعٌنٍ من قومها. وأمر عمرو بن هند
برواقه فضربه فيما بين الجزيرة والفرات وأرسل إلى وجوه أهل مملكته فحضروا. ثم دخل عمرو بن كلثوم على عمرو بن هند في رواقه، ودخلت ليلى وهند في قبة واحدة. وقد كان الملك أمر أمه أن تُنَحَّى الخدم إذا دعا بالُّطرف وتستخدم ليلى! فدعا عمر بمائدته، ثم دعا بالطرَف. فقالت هند: ناولني يا ليلى هذا الطبق. فقالت ليلى: لِتَقْم صاحبة الحاجة إلى حاجتها! فأعادت هند ما طلبت، وألَحّت في ذلك وأكثرت. فصاحت ليلى: واذلاه! يا لَتَغْلِب! فسمعها عمروا ابنها فانتفض انتفاضة المحموم وقال: لا ذل لتغلب بعد اليوم! ثم نظر إلى سيف معلق بالرواق ليس هناك غيره. فاخترطه وصدع به رأس عمرو. ونادى بعد ذلك في بني تغلب فانتبهوا ما في الرواق. واستاقوا نجائب الملك. ففي ذلك يقول عمرو معلقته وفيها يقول:
أبا هند فلا تعجل علينا ... وأنظِرنا نُخَبَّرْك اليقينا
بأنّا نورِد الرايات بِيضا ... ونصْدِرُهُنّ حُمْراً قد رَوينا
стр. 22
حتى يقول:
ألا لا يعلم الأقوام أّنا ... تضعضعنا وأنا قد ونينا
ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا
بأي مشيئة عمرو بن هند ... تطيع بنا الوشاة وتزدرينا
بأيَّ مشيئة عمرو بن هند ... نكون لقيلِكم فيها قطِينا
تَهدّدنا وأوعدنا رويداً ... متى كنا لأمك مقْتوينا
وكأن ما فعل عمرو بن كلثوم لم يغن تغلبَ كثيراً. فقام مُرة بن كلثوم وقتل ولد النعمان وأخاه ليطفئ جذوة من الغضب هاجها تعمد المهانة لأمه.
ألا إن كلمة واحدة قذَفَت بها امرأة فأصابت مواطن الحسَّ من رجل فهاجمت لها الحرب أربعين عاماً لم يدرّ فيها ضرع، ولم يكتهل بين أثنائها فتى.
وحديث ذلك: أن البسوس ابنة مُنقذ - خالة جَساس بن مرة سيد بني بكر نزل بها ضيف من ذويها يدعى سعداً، فأفسحت دارها له، وأناخت بحظيرتها ناقته، فما كاد يطمئن بالرجل مُقاُمهُ حتى انطلقت ناقته ترعى. وقادها حينها إلى حِمى لكليب بن ربيعة صهر جساس، وفتى العرب، وسيد تغلب - ولم يكن لأحد غير جساس أنن يُرْعِىَ إبِله حِمى كليب - فلما بصُرَ كليب بها غريبة بين إبله أنفذ سهمه في ضرعها، فانطلقت تعدو وهي تشخب دما ولبناً حتى نزلت بفناء البسوس. فلما استبانت ما بها صاحت وأعولت واندفعت تقول:
стр. 23
لعَمْرُك لو أصبحت في دار مُنقِذ ... لما ضيمَ سعد وهو جارٌ لأبياتي
ولكنني أصبحت في دار غربة ... متى يعدُ فيها الذئب يَعد على شاني
فيا سعد لا تغرر بنفسك وارتحل ... فإنك في قوم عن الجار أموات
ودونك أذْوَادي فإني عنهم ... لراحلةٌ لا يفقدون بُنَيّاتي
سمع جساس تلك الكلمة الأخيرة فأصابت الوتر الأرَنّ من قلبه، فأجفل إجفال الأخيذة من تلك الوَصمةِ المنْدية؛ وصمة العجز عن حياطة بنيات خالته! فقال: اسكتي أيّتها المرأة فَلُيقْتَلَنّ غداً جمل أعظم عقراً من ناقة جارك ولم يزل يتوقع غِرة كليب حتى أنبئ بانفراده فاعتقل رمحه، وخرج للقائه. فلما أبصره طعنه، ودَقّ صُلْبهُ، وأبى عليه الماء أن يُبَلَغَهُ به. وعلى إثر ذلك ثارت حرب البسوس، وفيها استحرّ القتل باْلَحَّيين أربعين عاماً حتى كاد يلحقهما الدثور في أثرها وما عصفت بها إلا كلمةٌ واحدة كان خليقاً بها أن تذهب لحينها، لولا أن نَسَجَتَها امرأة، وحاكتها على امرأة.
ربما قلت أولئك سَرَوات القوم وهاماتهم، غضِب بعضهم لبعض، وهاج بعضهم على بعض، فتدافع العرب في مَسَاقسهم طَوَاعيةً لهم، وانسياقاً في أثرهم. فمثلهم في ذلك مثل عامة الفرس والرومان وأمم القرون الوسطى من أشرافهم.
على أن ذلك إن قيل فيمن سوى العرب من الأمم، فالعرب أجل وأعظم من أن يوصموا به، أو يكونوا في شيء منه.
إن شرف المرأة العربية حَلْقَةٌ مُفْرَغةٌ لا طَرف لها. ولئن تدافعت عامّة العرب في مَسَاق أشرافهم يوم البسوس، لقد تدافع الأشراف في مساق عامتهم
стр. 24
يوم الفِجار قريش وهوازن. وكان من أمر ذلك أن شباباً من كنانة أطافوا بامرأة من غَمار الناس في سُوق عُكاظ، فأعجبهم ما رأوا من حسنها، وسألوها أن تسفِر لهم عن وجهها. فأبت ذلك عليهم، فأخذوا يُعْنِتُونها ويسخرون بها، وهنالك نادت يا آل عامر، فلبَّتها سيوف بني عامر. ووقف بنو كنانة يدرءون عن فتيانهم. وهاجت هوازن لعامر، واغتمرت قريش في كنانة، وهنالك تفجرت الدماء، وتناثرت الأشلاء. ولولا حكمة بدرت من حرب بن أمية يومئذ لكان الخطب أفدح، والمصاب أطَمّ. فقد بين القوم فحسم ضغينتهم، واحتمل ديات قتلاهم.
لم تقف منزلة من الرجل عند حدّ حمايته لها، وسفك دمه دون البلوغ إليها، ففي ذلك ما عسى أن يشعر بشيء من رعاية المالك لما يملك، وما كذلك كان أمرهما. فقد كانا جميعاً على سواء، يتجاذبان الرأي، ويتساجلان المعونة، ويتآزران على نوائب الحياة. وإن من ضعف الأسلوب أن يقال إن العربي كان رفيقاً بالمرأة، عطوفاً عليها. فإن الرفق والعطف يُشعران بالضعف بين يدي القوة، على حين كان نصيبها من الحياة على قدر نصيبه منها، وقسطه من الإجلال والاحترام في قلبها على قدر قسطها في قلبه.
ففي العهد الذي كانت المرأة الرومانية تدين فيه بالعبادة للرجل وكانت تعتدُّه من دون الله إلها قهاراً: كانت أختها العربية في الذروة والسّنام من الحرية والمساواة لها ما للرجل وعليها ما عليه.
стр. 25
وليس أمثلُ بذلك ولا أدلّ عليه من قولهم فيما سار من أمثالهم:
إن النساءَ شقائق الأقوام
يريدون بذلك أنّ نساءهم في سواء رجالهم فلا فضل فيهم لامرئ على امرأة. بل لقد كان للمرأة فرط من الكرامة، وحرمة الكلمة ما لم يستشرف له الرجال على هول قوّته، ومضاء عزيمته، ولقد عقدت فتاة من العرب أمانا لرجل فلم يستطيع ملك العرب وجبارها أن ينقضه أو يبلغ منه.
وبيان ذلك فيما حدّثوا أن مَروان القَرَظ بن زنباع بكر بن وائل فقَصُّوا أثر جيشه فأسَرَه منهم وهو لا يعرفه فأتى به أمَّه فلما دخل عليها قالت له: إنك لتختال بأسيرك كأنك جئت بمروان القرَط. فقال لها مروان: وما ترتجين من مروان؟ قالت: عظم فدائه. قال: وكم ترتجين من فدائه؟ قالت: مائة بعير. قال مروان: ذاك لك على أن تؤدّيني إلى خُماعةَ بنت عوف بن مُلحم - وكان مروان قد أسدى إليها يداً فيما سلف من دهرها - فقالت المرأة: ومن لي بمائة من الإبل؟ فأخذ عوداً من الأرض فقال: هذا لك بها. فمضت به إلى عوف بن مُلحم فأجارته ابنته من كل مكروه. وكان مروان قد أساء إلى عمرو بن هند ملك العرب وطاغية الحبرة فأقسم عمرو لا يعفو عنه حتى يضع يده في يده. فلم علم بمستقره من عوف أرسل إليه ليأتيه به. فقال عوف: قد أجارته ابنتي وليس إليه من سبيل. فقال عمرو: قد آليت ألاَّ أعفو عنه أو يضع يده في يدي. قال عوف: يضع يده على يدك على أن تكون يدي بينهما. فأجابه عمرو
стр. 26
إلى ما طلب وعفا عن مروان وما كان ليعفو عنه بعد أن ظفِرَ به لولا أن أجارته المرأة. ولو أن عوفاً هو الذي أجاره لسامهُ الحرب أو يُسْلمه.
تجاوزت المرأة مواطن الرعاية إلى ما هو أسمى وأجل. فقد كان حَسب الهارب المطلوب أن يعقد رداءه بطنُب خبائها فيعود آمناً ليس عليه من سبيل. وكذلك كانت ساحتها حرماً آمناً، إليه يفزع الخائفون، وببابه يتدافع العافون، ويهتدي
السارون.
ومن أبدع مظاهر ذلك ما حدّثوا أن سُبيعة ابنة عبد شمس بن عبد مناف كانت زوجاً لمسعود بن مالك الثقفي، فلما عصفت حرب الفجار الأكبر - بين كنانة وقيس - كانت سيادة الأولين لحرب بن أمية ابن أخيها، وقيادة الآخرين لمسعود زوجها. وكان مسعود قد ضرب لها خباء وراء جنده، فدخل عليها فأبصر بالدموع تجول بين خدّيها، فقال: ما يبكيك؟ قالت أبكي لما عسى أن يصيب قومي. فقال لها: من دخل خباءك من قريش فهو آمن، فأخذت تصل به قطعاً حتى يسع الجمع العديد من قومها.
فلما انكشفت قيس وغُلب على أمره مسعود، قال لها ابن أخيها: من تمسك بأطناب خبائك آمن، ومن دار حول خبائك فهو آمن، فلم يبق قيسي إلاَّ اعتصم بها، ودار حول خبائها.
وإني لمفضٍ إليك بحديث عن القوم يملأ قلبك روعة وإيماناً بما كان للمرأة يومذاك من سماحةٍ في الرأي، ووفور في الحرية، وسمو في المنزلة:
стр. 27
ذلك أن سيد العرب الحارث بن عوف المري قال لمن حوله: أتروني أخطب إلى أحد فيردني؟ قيل: نعم. قال ومن ذاك؟ قيل له: أوس بن حارثة الطائي فقال الحارث لغلامه: إرحل بنا إليه. فركبا ومعهما خارجة بن سنان حتى أتوا أوساً في بلاده، فألقوه في منزلة. فلما رأى الحارث قال: مرحبا بك يا حارث. قال: وبك قال: ما جاء بك؟ قال: خاطباً: ليست هناك! فانصرف الحارث ولم يكلمه. ودخل أوس امرأته مُغْضَباً فقالت: من الرجل وقف عليك فلم تُطلْ ولم تكلمه؟ قال: ذاك سيد العرب الحارث بن عوف المرَّي. قالت: فما لك لا تستنزله؟ قال: إنه اسْتَحْمَقْ قالت: وكيف؟ قال: جاءني خاطباً! قالت: أفتريد أن تزوج بناتك؟ قال: نعم. قالت: فإذا لم تزوج سيد العرب فمن؟ قال: قد كان ذلك. قالت: فتدارك ما قد كان
منك. قال: ماذا قالت: تلحقه فترده. قال: وكيف وقد فرط ما فرط إليه؟ قالت: تقول له إنك لقيتني مغضَباً بأمرٍ لم تُقدّم مني فيه قولاً فلم يكن عندي من الجواب إلا ما سمعتَ، فانصرف ولك عندي كل ما أحببت فإنه سَيفعل، فركب في أثَرهما.
قال خارجة بن سنان: فوالله إني لأسير حانت منى التفاتة فرأيته، فأقبلت على الحارث وما يلمني غما، فقلت له: أوس بن حارثة في أثَرنا. قال: وما نصنع به؟ امض. فلما رآنا لا نقف عليه قال: يا حارث اربَعْ عَلَي ساعة فوقفنا له، فكلمنا بذلك الكلام، فرجع مسروراً.
فبلغني أن أوساً لما دخل منزله قال لزوجته: أدعى لي فلانة - لكْبَرى بناته - فأتته، فقال: هذا الحارث بن عوف سيد من سادات العرب قد جاءني طالباً خاطباً، وقد أردت أن أزوجك منه فما تقولين؟ قالت: لا تفعل. ولَمِه؟ قالت
стр. 28
لأنني امرأة في وجهي رَدّة وفي خُلقي بعض العُهدَة ولستَ بابن عمه فيرعى رَحمي وليس بجارك في البلد فيستحي منك، ولا آمَن أن يرى مني ما يكره فيطلقني، فيكون على من ذلك ما فيه. قال: قُومي بارك الله عليك، ادعي فلانة - لابنته الوُسْطَى - فدَعَتها، ثم قال لها مقالتَهُ لأختها، فأجابته بمثل جوابها وقالت: إني خرقاء، وليست بيدي صناعة، ولا من أن يرى مني ما يكره فيطلقني، فيكون عَلَى من ذلك ما تعلم، وليس بابن عمي فَيرْعى حقي، ولا جارك في البلد فَيْستَحييَك. قال: قومي بارك الله عليك، أدعى لي بُهَيْسَة - يريد الصُّغرى - فأُتي بها، فقال لها ما قال لهما، فقالت: أنت وذاك. قال: قد عرضت ذلك على أختيك فأَبتاه. فقالت: - ولم يذكر لهما مقالتيهما - لكنني والله الجميلة وجهاً الصّناع يداً، الرفيعة خُلقاً، الحسيبة أباً، فإن طلقني فلا أخلف الله عليه بخير. فقال: بارك الله عليك. ثم خرج إلينا فقال: قد زوجتك يا حارث بُهَيْسَة بنت أوس. قال: قد قبلت. فأمر أمها أن تهيئها وتُصْلح من شأنها حتى إذا حُملت إلى زوجها، وبلغ بها حماه كانت حرب داحِسٍ والغَبْراء
بين عَبْس
стр. 29
وذُبيان قد عَصَفت هوجاؤُها بهم، واشتدت نارها فيهم، فلم تَذَرْ من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم. وهَمَّ من يليهم من العرب بأن يَكْتَوُوا بضرامها، ويصطلوا بلظاها. فلما بَصرت به مرتدياً مطارف العُرس قالت: والله لقد ذكرت من الشرف مالا أراه فيك؟ قال: وكيف؟ أتفرغ للنساء والعرب يقتل بعضها بعضا؟ قال: فيكون ماذا؟ قالت: أخرج إلى هؤلاء القوم فأصلح بينهما. فخرج لساعته إلى صاحبه خارجةَ ابن سنان وقَص عليه حديث امرأته. فقال خارجة: والله إني لأرى همة وعقلا، ولقد قالت قولا. قال: فاخرج بنا إليه. فخرج الرجلان فمشيا بين القوم بالصلح واحتملا حمائل القوم وديات قتلاهم فكان ما نزلا عنه ثلاثة آلاف بعير في ثلاث سنين وهي لعمر أبيك ثروة للأعرابي لا تقوم بما مَلك الحضري من ضياع. وما اختزن من أموال.
ذلك شيء بلغته المرأة يومذَاك من سموّ في الوجود، وإكبار للرأي، وبلوغ من النفس بل لقد كانت وكان الرجل العربي - وهو مَنْ تَعْلم من صلابة العود، ورجاحة الرأي، وفرط الإباء - ينزل تحت حكمها، ويَفيءُ إلى ظلها لسلطانها. إذا آنس منها القدرة على قيادته وسياسته.
وقد نبغ من النساء مشيرات آزرن أزواجهن وذويهن من الملوك والأبطال فأحسن مؤازرتهم؛ وملكات قمن بالأمر من دون الرجال فابتنين مجدا لا يُطاول وبلغن غاية لا ترام.
ونحن ملمون لك بحياة امرأتين ملكتا فاختصهما التاريخ بصفحتين خالدتين واصطفاهما بآيتين بينتين. وهما: -
بِلقيس مَلِكة اليمن وزَيْنَبُ ملكة تَدْمرُ
стр. 30
بلقيس ملكة اليمن
هناك فوق مشارف الأرض، وبين أفياء الثمر وخمائل الزهر وفسحات الأودية، ومَسَايل الماء قامت مدينة مَأْرِب عاصمة اليمن، وقبلة أقيالها، ومستقر عواهلها.
بين يدي هذه المدينة الغانية امتدَّ سدُّ مأْرب. مطلع الحضارة القديمة، وآيتها الناطقة. وأدنى ما يقال عنه أنه ثلاثون قنطرة ذراعها ثلاثة أميال في مثلها قد انبسط على جانبيه جنبتان، هما صُنع الله وآيته وحجته على تلك الأمة الوثَّابة الطَّموح. ومن حول هاتين الجنتين، وبين أفيائهما، انتثرت قصور مأرب، تلك التي جاذبت دور مصر دقة الوضع، وجلال الصنع، والنزوع إلى السماء، ونازعت قصور فارس حُسن النسق، وروعة المنظر، وجمال البناء.
تلك هي مأْرب دارةُ الملك اليمني في هد بلقيس ابنة الْيَشْرَح أنفذ ملوك اليمن رأيا، وأسناهم ذكرا، وأهداهم سبيلا.
ورثت بلقيس عرش زوجها وأبيها، وما كان لها بهما من حاجة. اتخذت لنفسها عرشاً بلغ من إبداع صنعه. وجمال نسقه، أن وصفه الله جل ذكره بالعظمة فقال: (وأُوتِيَتْ مِنْ كُلَّ شَيءٍ وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ).
стр. 31
وهو الذي يصفه تُبع بقوله:
عرشُها رافعُ ثمانين باعا ... كَلَّلَته بجوهر وفريد
وبدُرّ قد قَيَّدَته وياقو ... تٍ بالتَّبر أيَّمَا تقييد
أقامت بلقيس في ملكها خمس عشرة عاماً بلغت فيها من جلال الصولة وكمال القوّة أنها ركبت إلى سليمان صلوات الله عليه سار في ركابها مائة ألف من أمراء اليمن.
أما وفور عقلها، ومضاء عزمها، وسناء منزلتها، واستمكانها من نفوس رعيَّتها فقد بلغ من أمره: أن سليمان حين أرسل إليها يُؤذنُها بدينه، ويدعوها إلى سُنته كان كلُّ ما كتب إليها: (إنَّهُ مِن سُلْيمَانَ وإنَّهُ بِسمِ اللهِ الرَّحمن الرحيم ألا تَعْلُوا عَلىَّ
وأُتوني مُسْلِمِين). فأما هي فلم تأخذ العزة بالإثم ولم يَنَلْ من نفسها أنّ الكتاب لم يحو تَكْرِمَةً وتبجيلاً، ولم يذهب برُشدها أن صاحب الكتاب ليس له في ذات نفسها من بسطة الملك وقوة السلطان ما لها. بل جمعت كل من يلوذون بطاعتها من الملوك - وكان أولو مشورتها ثلاثمائة واثني عشر أقيال اليمن - وبرغم كل ما أسلفناه من أمر الكتاب أحلته محلاً كريماً فقالت: (يا أَيُّها المَلأُ إنّي أُلْقِي إليَّ كِتَاب كريم) ثم انثنت إليهم ذلك فقالت: (يَا أيُّها المَلأُ أَفْتُوني في أمْرِي ما كُنْتُ أمْراً حَتَّى تَشْهَدون) أما هم فوقفوا دون رأيها، ونزلوا تحت أمرها، فقالوا: (نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وأُولُو بَأُسٍ شَدِيدٍ والأَمْرُ إلَيْكِ فاْنظُري ماذا تأُمُرين).
стр. 32
هنالك بسطت لهم أمر الحرب، وأنها مدعاة دمار الديار، ومَتْلَفَةَ البلاد والعباد فقالت: (إنَّ الْمُلُوك إذا دَخَلُوا قَرْيةً أْفسَدُوها وجَعَلُوا أعِزَّةَ أهْلِهَا أذِلَّةً وكَذلِكَ يَفْعَلُون) ثم كشفت لهم عن وجه الرأي فقالت: (وإني مُرْسِلةٌ إلَيْهِمْ بهدِيَّةٍ) كفيلة بأن تصرف ذوي المطامع وتجتذب بُغَاةَ الدنيا فإن صرفته عن قصده فهو ملك ولنا من بأسنا وقوّتنا ما يَثُل عرشه ويَفل غربه وإن ردَّها وصُرف عنها فعسى أن يكون نبياً يُبصرنا الحجة، ويهدينا سواء السبيل.
فلما جاءت رُسُلها سليمان بهديتها التي جمعت من كل شيء أسناه وأتمة قال: (أُتمدٌّونني بما فما آتاني اللهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أْنتمْ بِهَديِتكُمْ تَفْرَحُون).
حتى إذا استبانت بلقيس وضح الهدى من سليمان تَبدّلت بدين آبائها دينَ الله وكان ذلك سبيلا إلى طمس آية المجوسية بين أرجاء اليمن.
تلك آيات من الذكر الحكيم قامت بفضل المرأة، ورجاحة عقلها، وسماحة رأيها، وأن قوة الشوكة وعزة الملك لم تصرفاها عن ابتغاء الحق أيّاً كان سبيله، ومن أّي كان مفيضه.
ولئن صح ما روى الفخر الرازي: أن بلقيس هي التي مدّت سدّ مأرب وجعلته
طبقات ثلاثا بعضها فوق بعض لتكوننَّ تلك المرأة مهبط وحي العظمة ومشرق نور الحضارة في العالم كله. فأما ما بُنى قبل ذلك فجبال تعترض سَرَوَات الطرق، وترهق مناسم الأرواح، نُشرت على هاماتها ألوية الظلم ونُزفت على أقطارها دماء الضعفاء.
تلك هي بلقيس ربة القوم الذين رضوا الزمان ومدّوا سدّ العَرم وشادوا قصر غمدان.
стр. 33
زينب ملكة تدمر
مدينة قاصية قامت بين نطاق من الصحراء، فتألقَ لألاؤُها، وتبلَّجَ بهاؤها، وأخذت تبدو كما شق النجمُ رداء الظلمات، في كبد السماء. نهضت بها امرأة من العرب، فبسطت سلطانها، ونشرت أعلامها، على ما بين مجاهل السودان، ومعالم أنقرة، من مسالك وممالك، وأمم وشعوب.
تلك هي تدمر، في عهد ملكتها زينب.
تقع تدمر في بادية الشام إلى الشمال منها، على مدى مائة وخمسين ميلاً من دمشق، ومسيرة خمس أيام من الفرات. وهي ملتقى الغادين والرائحين بين الشام والعراق. لذلك كان انتجاع أهل هذا البلد إلى ذينك القطرين لا ينقطع. ومن أجل ذلك جمعوا بين مدينتي الفرس والرومان، فأرهفت لذلك طباعهم ورقت شمائلهم، ونَفَذَت أفهامهم، وطفقوا يقيمون البنية ترسخ أصولها في أعماق الأرض، وتناغى مشارفها منازل الأفلاك. ومن أدل ذلك على ما نقول هيكل الشمس أو هيكل بعل. والقصر الأعظم الذي بلغ ذرعه ألفى ذراع في مثلها. ولا تزال أطلالهما باقية تعنو لها الوجوه، وتخشع بين أيديها القلوب.
تلك هي الأمة التي قامت بأمرها زينب فبلغت بها غاية ما أسلفنا لك.
تَنَقَل الملك بزينب في دورين: فكانت مشيرة لزوجها، ثم وصية على ولدها وفي كلا الدورين كانت الوحي الُملهم، واليد الطائلة.
стр. 34
كانت زينب على فرط من جمالها، وعذوبة منطقها، وسماحة أسلوبها، ونفاذ لها، وعظمة قلبها؛ من أشد الناس بأسا، وأمضاهم عزماً، وأرسخهم في الحروب قدماً.
وكانت إذا وقفت الصفوف، وأُشرعت الرماح، والتمعت الأسنة؛ تتقلد سيفها وتعتقل رُمحها، وعلى رأسها خُوذة مُرصعة بالدر والياقوت، وقد تَدَلَّت فوق غلالتها أهداب من الحرير الأُرجواني، ثم تمر بين الصفوف مُجَرَّدة يُمنى ذراعيها كما يفعل أبطال اليونان والرومان، فُيذهل القوم عن نفوسهم، وتملك عليهم
مشاعرهم حتى تكون أبصارهم التي يبصرون. وأيديهم التي بها يبطشون، وقلوبهم التي بها يشعرون، ثم يصَبُّون على أعدائهم كما تنصب النار على هشيم الكلأ. بذلك افتتح جندها ما افتتحوا من بلاد، واقتحموا ما اقتحموا من معاقل. ولذلك أشادت الأمم قديماً بذكرها، وأفسحوا لأخبارها وسِيَرها المكان الأوفى من صدور تاريخهم. وبطون صحائفهم.
وكانت زينب تجيد لغات الفرس واليونان والرومان وأخلاط من يليها من شعوب وقبائل.
على أن هذه الجمرة المستطيرة نكبت في آخر عهدها نكبة لم تجد لها من مُقيل. فقد فجأتها جنود الرومان معقودة اللواء بكف أورليان وكان في جيشها جمع لا يُحصَون عدداً ممن انحسر عنهم ظل الروم في عهدها، يولونها ظاهر الطاعة وزمام قلوبهم بأيدي سادتهم الأقدمين، فكانوا الفتنة والاضطراب في جندها. وكان سبيل ذلك أن تراجعت جنودها مرة بعد مرة حتى إلى أمرها إلى التسليم
стр. 35
لعدوها سنة ٢٨٢م. فأخذت أسيرة إلى روما ثم أعيدت إلى موطنها لمكانها من نفوس قاهريها فعكفت على عزلتها ونسكها حتى ماتت.
هذا وللعرب حديث عن ملكة تدمر يعزب لب الناقد عنه، وتضل حقائق التاريخ دونه. وهم يَدعونها الزّبّاء وينسبون إلى عمرو بن عَدِيٍّ الّلخمي أنه قادها إلى الموت انتقاما لخاله جذيمة بن مالك ملك الحيرة، ويزعمون أن عمراً خبأ لها الرجال في الغرائر.
وتلك لعمرك أشبه بأساطير الأولين، منها بحقائق المؤرخين، والله بكل شيء عليم.
стр. 36
السباء والوأد
أما بعد: فإنا لا نخدع التاريخ في ماضيه، فنمثله زهر الأشواك فيه. فلئن كان من الحب ما يُمضُّ ويؤذي، ومن الصداقة ما يضر ويؤلم، لقد أصيبت المرأة العربية في سبيل إعزازها والحرص عليها بلواذع بلغت في بعض المواطن حبة قلبها ومستقرّ حياتها.
فمن ذلك السباء. وذلك أن العرب كانوا يُعقبون صفوف القتال بنسائهم، وذوات أرحامهم، تثبيتاً لأنفسهم، وتشديداً لعزائمهم. وربما أحيط بهم، وغلبوا على أمرهم، فيكون هَمٌّ الظافر أن يتخذ نساء المقهور سبايا يسوقهن إلى بيته، ويتحكم فيهن كما يتحكم في ماله، لا لحاجته إليهن، بل ليقطع باستلابهن آخر عرق ينبض من قلب عدوه فيعيش ذليل الناصية، مُقَنَّع الوجه أمد الحياة.
على أنهم وإن غلظت إلى هذا الحد أكبادهم على أعدائهم فهم يعرفون لسباياهم منازلهم بين قومهن فيخلطونهن بأنفسهم، إلا قليلا ممن أرّث الحقد صدورهم، وملكت الضغينة منازع الرحمة من قلوبهم. وفي أولى الحالتين يقول حاتم بن عبد الله الطائي:
فما أنكحونا طائعين بناتِهِم ... ولكن خطبناها بأسيافنا قسرا
فما زادها فينا السباء مذلة ... ولا كُلَّفت خَبزا ولا طبخت قدرا
ولكن خلطناها بخير نسائنا ... فجاءت بهم بيضاء وجوهُهمُ زُهْرا
وكائن ترى فينا من ابن سَبِيَّةٍ ... إذا لقي الأبطال يطعنهم عذْرا
стр. 37
ويأخذ رايات الطعان بكفه ... فيوردها بيضاً ويُصدرُها حمرا
كريم إذا اعتز اللئيم تخاله ... إذا ما سرى الدجى قمراً بدرا
وهنالك الكثير من سادات العرب وذوي زعامتهم انكشفت عنهم السبايا فلم يضع ذلك من منازلهم أو يُهَجَّنْ من أحسابهم. ومن بين أولئك دُرَيدُ بن الصَمَةِ حكيم العرب وشاعر فرسانهم وفارس شعرائهم وأمُّهُ ريحانة بنت معد يكرب أسرها
الصَمَّةُ بن عبد الله تزوجها فأنجبت دريداً واخوته. وهي التي يقول عمرو في حديث إسارِها:
أمن ريحانة الداعي السَّميعُ ... يُؤرَّقُني وأصحابي هُجُوع
سباها الصَمَّةُ آلْجشَمِيُّ غصبا ... كأن بياض غُرتها صديع
وحالت دونها فرسان قيس ... تَكَشَّفتُ عن سواعدها الدروع
إذا لم تستطيع شيئا فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيع
وبرغم كل ذلك كان النساء يبذلن ما ملكن من جهد وحيلة في الخلاص من الأسر ولو إلى الموت أنفة واستحياء وإبقاء على ذكر آلهن وذويهن. ومن أمثلتهن في ذلك: المنية ولا الدنية كما حدّثوا أن فاطمة بنت الْخرشُب لما أسرها حَمَل بن بدر رمت بنفسها من الهودج منكسة فماتت. ومن أمثال العرب: شرُّ يوميها وأغواه لها
وأصل ذلك أن امرأة من طَسْم يقال لها عَنز أُخذت سَبية فحملوها في هودج وألطفوها بما ملكت ألسنتهم وأيديهم فقالت عند ذلك: شرُّ يوميها وأغواه لها
стр. 38
بل ربما تزوج الرجل بسبيته وأقام بها مقام العشير الكريم من عشيرته الوفية، حتى إذا أتاح لها القدر معاودة أهلها أقامت بينهم وأنفت أن تعود سيرتها الأولى من زوجها وبنيها. ومن ذلك ما حدث به أحمد بن معاوية الباهلي قال: إن رجلا من العرب أستى امرأة فولدت له سبعة بنين ثم قالت له: أزرْني أهلي ليذهب اسم السباء عنى، ففعل. فلما نزلت بقومها وتذاكروا ما في السباء من ذل وعار لزوجها: قد أبى القوم أن ينتزعوني منك. فقال: لا أُفارقك حتى تثنى علىّ بما تعلمين. فقالت: العشية إذا اجتمع القوم. فاجتمعوا وحضر الرجل وزوجه فقال:
نشدتك هل خُبَرتِني أو علمتنِي ... كريماً إذا اسودّ الكراسيع أزهرا
فقالت: نعم. فقال:
نشدتك هل خبرتني أو علمتني ... شجاعاً إذا هاب الجبان وقصرا
فقالت: نعم. فقال:
نشدتك هل خبرتني أو علمتني ... صبوراً إذا ما الشيء ولّى وأدبرا
قالت: نعم. فانصرفت نادماً حزيناً وهو يقول:
تُبكَّي على ليلى بحق بلادها ... وأنت عليها بالملا كنت أقدرا
ومثل ذلك ما فعلت سَلْمَى الكنانية زوج عروة بن الورد.
وكان عروة شاعرا بطلا كريما، وله في صفاته تلك مواقف لا يستهان بها، وكان قد أصاب سلمى في غزاة غزاها لبني كنانة، فأعتقها وتزوجها وحلت من نفسه وعشيرته محلاًّ كريماً، فأقامت عنده بضع عشرة سنة. وولدت له أولادا.
стр. 39
وهو لا يشك في أنها أرغب الناس فيه، وكانت تقول له: لو حججت بي فأمُرَّ على أهلي وأراهم؟ فحج بها، فأتى مكة ثم أتى المدينة فنزل في بني النَّضير - وكانت له بهم صلة وصداقة - وكان قومها يخالطون بني النضِير فأتوهم وهو عندهم، فقالت لهم سلمى: إنه خارج بي قبل أن يخرج الشهر الحرام فَتَعالوا إليه وأخبره أنكم تستحيون أن تكون امرأة منكم معروفة النسب صحيحتُهُ سَبِيةً وافتدوني فإنه لا يرى أني أفارقه ولا أختار عليه أحدا. فأتوه فسقوه الشراب. فلما ثمل قالوا له: فادِنَا بصاحبتنا فإنها وسيطة النسب فينا معروفته، وإن علينا سُبَّةً أن تكون سبية، فإذا صارت إلينا وأردت معاودتها فعلنا. فقال لهم: ذلك لكم. ولكن لي الشرط فيها أن تخيروها، فإن اختارتني انطلقت معي إلى ولدها، وإن اختارتكم انطلقتم بها قالوا: ذلك لك. فلما كان الغد جاءوه فامتنع من فدائها. فقالوا له: قد فاديتنا بها منذ البارحة، وشهد عليك بذلك جماعة ممن حضر. فلم يجد إلى الامتناع سبيلا، وفاداها. فلما فادوه بها خيروها، فاختارت أهلها، ثم أقبلت عليه فقالت: يا عروة أما إني أقول فيك - وإن فارقتك - الحق: والله ما أعلم امرأة من العرب ألقت سترها على بعل خير منك. وأغَضَّ طرفاً، وأَقل فُحشاً، وأجودَ يداً وأحمى
لحقيقته. وما مَرَّ على يوم منذ كنت عندك إلا والموت فيه أَحب إلى من الحياة بين قومك، لأني لم أشأ أن أسمع امرأة من قومك تقول: قالت أَمةُ عروة كذا وكذا - إلا ما سمعته ووالله لا أنظر في وجه غَطْفَانية أبداً، فارجع راشداً إلى ولدك وأحسن إليهم.
فانصرف عنها حزيناً حسيراً. وفيها يقول قصيدته التي مطلعها:
أرقت وصُحبتي بمضيق عُمْقٍ ... لبرق من تهامة مُستطير
سقى سلمى وأين ديار سلمى ... إذا كانت مجاورة السَدير
стр. 40
أقول: ولم يكن غريباً عند العرب أن تفعل المرأة ما فعلته سلمى إذا استطاعت إلى الخلاص سبيلا، ولكن الغريب ألاَّّ تفعله وهي قادرة عليه. كما حدثوا أن ربيعة أُغير عليهم، فسبيت ابنة لأمير لهم، فجهد الأمير في استردادها. حتى إذا خُيرت بين أبيها وسابيها، آثرت من هي عنده. فراع الأمير ذلك وغضب له قومه وسَن لهم وأْد البنات وسنوه هم لمن سواهم، ويروون شبيه ذلك عن قيس بن عاصم.
أما الوأْد فأشتد وأشنع ما اقترفته يد ظالمة آثمة، في نفس بريئة طاهرة. وذلك يعمد الرجال إلى وليدته وقد بدأت تستقبل الوجود وتستنشي نسيم الحياة، فيقذفها في حفرة من الأرض، ويهيل على جسمها التراب. ثم يدعها في غمرة الموت بين طِبَاق الأرض!!. ولو أننا افترضنا تلك الجريمة الموبقة بين جمهور العرب لما آمنا بتلك الجيوش الخضارم التي وطئت نواصي الأرض، وطوَّقت أعناق الأمم، وهم أبناؤهم وحَفَدَتهم والحق أن الوأد لم يكن معروفاً إلا في فرائق من ربيعة وكندة وتميم، وأفذاذ مغمورين لا يعدون قلةً من مختلف القبائل وهم بين رجلين: رجل أملق من عقل ومال، فهو يخشى أن يسيء الفقر إلى أدب ابنته، ويهتك من سترها، ويبذل من عرضها. وذلك جبان لا عزم له ولا ثقة ولا إيمان. والعرب براء منه. وآخر من سَراة القوم ذهبت بعقله الغيرة، وهوى بنفسه الإشفاق من
تبدل الحوادث، وتداول المَثُلات وما عسى أن يصيبها من ذل أو سباء. وذلك وأمثاله شر مكانا وأقل عدداً.
следующие страницы →