← Фикх общий

Фикх общий · id 37059

المرأة العربية في جاهليتها وإسلامها

عبد الله العفيفي

Полный текст (543 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

السباء والوأد أما بعد: فإنا لا نخدع التاريخ في ماضيه، فنمثله زهر الأشواك فيه. فلئن كان من الحب ما يُمضُّ ويؤذي، ومن الصداقة ما يضر ويؤلم، لقد أصيبت المرأة العربية في سبيل إعزازها والحرص عليها بلواذع بلغت في بعض المواطن حبة قلبها ومستقرّ حياتها. فمن ذلك السباء. وذلك أن العرب كانوا يُعقبون صفوف القتال بنسائهم، وذوات أرحامهم، تثبيتاً لأنفسهم، وتشديداً لعزائمهم. وربما أحيط بهم، وغلبوا على أمرهم، فيكون هَمٌّ الظافر أن يتخذ نساء المقهور سبايا يسوقهن إلى بيته، ويتحكم فيهن كما يتحكم في ماله، لا لحاجته إليهن، بل ليقطع باستلابهن آخر عرق ينبض من قلب عدوه فيعيش ذليل الناصية، مُقَنَّع الوجه أمد الحياة. على أنهم وإن غلظت إلى هذا الحد أكبادهم على أعدائهم فهم يعرفون لسباياهم منازلهم بين قومهن فيخلطونهن بأنفسهم، إلا قليلا ممن أرّث الحقد صدورهم، وملكت الضغينة منازع الرحمة من قلوبهم. وفي أولى الحالتين يقول حاتم بن عبد الله الطائي: فما أنكحونا طائعين بناتِهِم ... ولكن خطبناها بأسيافنا قسرا فما زادها فينا السباء مذلة ... ولا كُلَّفت خَبزا ولا طبخت قدرا ولكن خلطناها بخير نسائنا ... فجاءت بهم بيضاء وجوهُهمُ زُهْرا وكائن ترى فينا من ابن سَبِيَّةٍ ... إذا لقي الأبطال يطعنهم عذْرا

стр. 37

ويأخذ رايات الطعان بكفه ... فيوردها بيضاً ويُصدرُها حمرا كريم إذا اعتز اللئيم تخاله ... إذا ما سرى الدجى قمراً بدرا وهنالك الكثير من سادات العرب وذوي زعامتهم انكشفت عنهم السبايا فلم يضع ذلك من منازلهم أو يُهَجَّنْ من أحسابهم. ومن بين أولئك دُرَيدُ بن الصَمَةِ حكيم العرب وشاعر فرسانهم وفارس شعرائهم وأمُّهُ ريحانة بنت معد يكرب أسرها الصَمَّةُ بن عبد الله تزوجها فأنجبت دريداً واخوته. وهي التي يقول عمرو في حديث إسارِها: أمن ريحانة الداعي السَّميعُ ... يُؤرَّقُني وأصحابي هُجُوع سباها الصَمَّةُ آلْجشَمِيُّ غصبا ... كأن بياض غُرتها صديع وحالت دونها فرسان قيس ... تَكَشَّفتُ عن سواعدها الدروع إذا لم تستطيع شيئا فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيع وبرغم كل ذلك كان النساء يبذلن ما ملكن من جهد وحيلة في الخلاص من الأسر ولو إلى الموت أنفة واستحياء وإبقاء على ذكر آلهن وذويهن. ومن أمثلتهن في ذلك: المنية ولا الدنية كما حدّثوا أن فاطمة بنت الْخرشُب لما أسرها حَمَل بن بدر رمت بنفسها من الهودج منكسة فماتت. ومن أمثال العرب: شرُّ يوميها وأغواه لها وأصل ذلك أن امرأة من طَسْم يقال لها عَنز أُخذت سَبية فحملوها في هودج وألطفوها بما ملكت ألسنتهم وأيديهم فقالت عند ذلك: شرُّ يوميها وأغواه لها

стр. 38

بل ربما تزوج الرجل بسبيته وأقام بها مقام العشير الكريم من عشيرته الوفية، حتى إذا أتاح لها القدر معاودة أهلها أقامت بينهم وأنفت أن تعود سيرتها الأولى من زوجها وبنيها. ومن ذلك ما حدث به أحمد بن معاوية الباهلي قال: إن رجلا من العرب أستى امرأة فولدت له سبعة بنين ثم قالت له: أزرْني أهلي ليذهب اسم السباء عنى، ففعل. فلما نزلت بقومها وتذاكروا ما في السباء من ذل وعار لزوجها: قد أبى القوم أن ينتزعوني منك. فقال: لا أُفارقك حتى تثنى علىّ بما تعلمين. فقالت: العشية إذا اجتمع القوم. فاجتمعوا وحضر الرجل وزوجه فقال: نشدتك هل خُبَرتِني أو علمتنِي ... كريماً إذا اسودّ الكراسيع أزهرا فقالت: نعم. فقال: نشدتك هل خبرتني أو علمتني ... شجاعاً إذا هاب الجبان وقصرا فقالت: نعم. فقال: نشدتك هل خبرتني أو علمتني ... صبوراً إذا ما الشيء ولّى وأدبرا قالت: نعم. فانصرفت نادماً حزيناً وهو يقول: تُبكَّي على ليلى بحق بلادها ... وأنت عليها بالملا كنت أقدرا ومثل ذلك ما فعلت سَلْمَى الكنانية زوج عروة بن الورد. وكان عروة شاعرا بطلا كريما، وله في صفاته تلك مواقف لا يستهان بها، وكان قد أصاب سلمى في غزاة غزاها لبني كنانة، فأعتقها وتزوجها وحلت من نفسه وعشيرته محلاًّ كريماً، فأقامت عنده بضع عشرة سنة. وولدت له أولادا.

стр. 39

وهو لا يشك في أنها أرغب الناس فيه، وكانت تقول له: لو حججت بي فأمُرَّ على أهلي وأراهم؟ فحج بها، فأتى مكة ثم أتى المدينة فنزل في بني النَّضير - وكانت له بهم صلة وصداقة - وكان قومها يخالطون بني النضِير فأتوهم وهو عندهم، فقالت لهم سلمى: إنه خارج بي قبل أن يخرج الشهر الحرام فَتَعالوا إليه وأخبره أنكم تستحيون أن تكون امرأة منكم معروفة النسب صحيحتُهُ سَبِيةً وافتدوني فإنه لا يرى أني أفارقه ولا أختار عليه أحدا. فأتوه فسقوه الشراب. فلما ثمل قالوا له: فادِنَا بصاحبتنا فإنها وسيطة النسب فينا معروفته، وإن علينا سُبَّةً أن تكون سبية، فإذا صارت إلينا وأردت معاودتها فعلنا. فقال لهم: ذلك لكم. ولكن لي الشرط فيها أن تخيروها، فإن اختارتني انطلقت معي إلى ولدها، وإن اختارتكم انطلقتم بها قالوا: ذلك لك. فلما كان الغد جاءوه فامتنع من فدائها. فقالوا له: قد فاديتنا بها منذ البارحة، وشهد عليك بذلك جماعة ممن حضر. فلم يجد إلى الامتناع سبيلا، وفاداها. فلما فادوه بها خيروها، فاختارت أهلها، ثم أقبلت عليه فقالت: يا عروة أما إني أقول فيك - وإن فارقتك - الحق: والله ما أعلم امرأة من العرب ألقت سترها على بعل خير منك. وأغَضَّ طرفاً، وأَقل فُحشاً، وأجودَ يداً وأحمى لحقيقته. وما مَرَّ على يوم منذ كنت عندك إلا والموت فيه أَحب إلى من الحياة بين قومك، لأني لم أشأ أن أسمع امرأة من قومك تقول: قالت أَمةُ عروة كذا وكذا - إلا ما سمعته ووالله لا أنظر في وجه غَطْفَانية أبداً، فارجع راشداً إلى ولدك وأحسن إليهم. فانصرف عنها حزيناً حسيراً. وفيها يقول قصيدته التي مطلعها: أرقت وصُحبتي بمضيق عُمْقٍ ... لبرق من تهامة مُستطير سقى سلمى وأين ديار سلمى ... إذا كانت مجاورة السَدير

стр. 40

أقول: ولم يكن غريباً عند العرب أن تفعل المرأة ما فعلته سلمى إذا استطاعت إلى الخلاص سبيلا، ولكن الغريب ألاَّّ تفعله وهي قادرة عليه. كما حدثوا أن ربيعة أُغير عليهم، فسبيت ابنة لأمير لهم، فجهد الأمير في استردادها. حتى إذا خُيرت بين أبيها وسابيها، آثرت من هي عنده. فراع الأمير ذلك وغضب له قومه وسَن لهم وأْد البنات وسنوه هم لمن سواهم، ويروون شبيه ذلك عن قيس بن عاصم. أما الوأْد فأشتد وأشنع ما اقترفته يد ظالمة آثمة، في نفس بريئة طاهرة. وذلك يعمد الرجال إلى وليدته وقد بدأت تستقبل الوجود وتستنشي نسيم الحياة، فيقذفها في حفرة من الأرض، ويهيل على جسمها التراب. ثم يدعها في غمرة الموت بين طِبَاق الأرض!!. ولو أننا افترضنا تلك الجريمة الموبقة بين جمهور العرب لما آمنا بتلك الجيوش الخضارم التي وطئت نواصي الأرض، وطوَّقت أعناق الأمم، وهم أبناؤهم وحَفَدَتهم والحق أن الوأد لم يكن معروفاً إلا في فرائق من ربيعة وكندة وتميم، وأفذاذ مغمورين لا يعدون قلةً من مختلف القبائل وهم بين رجلين: رجل أملق من عقل ومال، فهو يخشى أن يسيء الفقر إلى أدب ابنته، ويهتك من سترها، ويبذل من عرضها. وذلك جبان لا عزم له ولا ثقة ولا إيمان. والعرب براء منه. وآخر من سَراة القوم ذهبت بعقله الغيرة، وهوى بنفسه الإشفاق من تبدل الحوادث، وتداول المَثُلات وما عسى أن يصيبها من ذل أو سباء. وذلك وأمثاله شر مكانا وأقل عدداً.

стр. 41

ذلك وقد نهض من سادات العرب من حال دون الوأد بما بذل من مال جم، وسعي حميد. ومن بين هؤلاء صَعْصَعة بن ناجية التميمي. فقد كان يلتمس من مسها المخاض فيغدو إليها ويستوهب الرجل حياة مولوده إن كان بنتاً على أن له في سبيل ذلك بعيراً وناقتين عُشَرَاوين. فجاء الإسلام وقد افتدى أربعمائة وليدة. ومنهم زيد بن عمرو بن نُفيل القرشيّ. كان يضرب بين مضارب القوم فإذا بَصُر برجل يهم بوأد ابنته قال له: لا تقتلها. أنا أكفيك مؤونتها. فيأخذها ويلي أمرها حتى تشب عن الطوق فيقول لبيها: إن شئت دفعتها إليك، وإن شئت كفيتك مؤونتها. وللعرب غير السباء والوأد هَنوات ظلموا بها المرأة، وموعدنا بذكرها والوفاء بها عند الكلام عن المرأة العربية في عهد إسلامها إن شاء الله. ولعمري إذا نحن أرخينا على تلك المظالم وضربنا صفحاً من أولئك الوائدين من القوم، فإنا واجدو العرب من وراء ذلك يكادون يذوبون عطفاً وحناناً على بناتهم، فهم ينزلون عما ملكت أيمانهم إغلاء لهن وإيثاراً للعز والنعمة والدلال فيهن. وأذكر أن صعصعة بن معاوية خطب إلى عامر بن الظرب - حكم العرب - وابنته عمرة فقال: يا صعصعة، إنك أتيتني تشتري مني كبدي، فارحم ولدي قبلتك أو رددتك، والحسيب كفء الحسيب، والزوج الصالح أب بعد أب، وقد أنكحتك خشية ألا أجد مثلك، أفر من السر إلى العلانية. يا معشر عَدْوان خرجت من بين أظهركم كريمتكم، من غير رهبة ولا رغبة؛ أقسم لولا قسم الحظوظ على الجدود، ما ترك الأول للآخر ما يعيش به.

стр. 42

سمو أدبها ونفاذ لبها إن المرأة التي انحسرت عن أشد أمم الأرض بأساً، وأسماها نفساً، وأدقها حساًّ وأرسخها في المكْرمات أقداماً، وأرفعها في الحادثات أعلاماً، وأوفرها في المشكلات أحلاماً، وأمدها في الكرم باعاً، وأرحبها في المجد ذراعاً؛ تلك المرأة التي انحسرت عن هذه الأمة، وأحلها الرجل أسمى المواطن من نفسه ورأيه ومشورته، لحريٌّ بالقلم أن يقف دون وصفها خاشعاً متراجعاً. نشأت المرأة العربية ونشأ معها نصيب من عزة الجانب وحرمة الرأي. وقد علمت مما أسلفنا لك وستعلم مما يمر بك أنها بلغت منها غايتهما فأنالها ذلك فضل ما وصلت إليه من شرف النفس، ومضاء القلب، ونفاذ الرأي، وسموّ العاطفة. إن المرأة التي سُلِبتْ نفسها ورأيها، وحُرمت نصيبها من الوجود، ووسمت بوسام من الذل والهوان، لا تكون امرأة فاضلة، ولا تنكشف عن أُمة فاضل. ذلك لأن المرأة إذا استشعرت المهانة من ذويها هانت عليها نفسها، وأحر بمن هانت عليه نفسه ألا يمتنع عن دينه، ولا يعتصم من منقصة. كل ذلك أدركه العرب منذ التاريخ القديم. فقد ذكر كلاي - فيما وصل من مباحثه عن دولة بابل أو العمالقة الأقدمين ٢٤٦٠ - ٢٠٨١ ق م - أن المرأة يومذاك كانت ممتعة بحريتها كاملة غير منقوصة وأنها كانت هي والرجل على سواء في تصريف الرأي، وتسُّنم المناصب.

стр. 43

كذلك كان نساء العرب منذ أربعة وأربعين قرناً لا فرق بينهن وبين أحدث نساء هذا العصر مدنية إلا أنهن فطرة الله وصبغته، ونثار الطبيعة وأنوارها، لم تثقلهن كلْفة، ولم تحجب صفاءَهن صناعة. قلب نقّي، ووجه غير مخضوب. إن الكذب والزور والخديعة والخيانة وأشباه تلك الدنايا لا تجد السبيل إلى قلب المرأة العربية لأنها جميعاً من فضول النفس الضعيفة، وهي بمنجاة عن ذلك الضعف. وأين للضعف من سبيل إلى المرأة التي تقول وقد استَحَرَّ القتل بقادتها والْحُماة المدافعين عنها: أبو أن يفروا والقنا في نحورهم ... ولم يبتغوا من رهبة الموت سُلما ولو انهم فروا لكانوا أعزة ... ولكن رأوا صبراً على الموت أكرما تلك هي المرأة العربية في قصِيّ عهدها، وبعيد أمدها. قوة في حياء، ورقة في مضاء، وذكاء في صفاء، ورعى ووفاء وصبر على الَّلأواء، وحدب على الأزواج والأبناء. ونحن أولاد موفون لك الكلام على المرأة العربية في حياتها الزوجية ، ثم في عهد الأمومة، ثم في حياتها العامة. حياتها الزوجية ما أسبغ على امرئ أعظم أثراً، ولا أسنى خطرا، ولا أجمع لشتات النعم، ولا أجلَبَ لنعيم الحياة من المرأة الصالحة، هي عُدّة في الشدّة، وزينة في الرخاء. هي منار أمل الرجل، منها يستمده، وبها يستفيده، وإليها يعود به. تلك هي المرأة الصالحة. فأما أحفل مشاهدها، وأخصب منابتها، فبين تلك

стр. 44

المهامه القفرة والأطلال البالية من بلاد العرب. وإليك آية ما نقول: يقوم صلاح الزوجة على دعائم ثلاث إذا تكاملت لها وتوافرت فيها صُرفت عن كل شيءٍ إلا الوفاء بواجبها. أُولاها: حسن اختيارها. الثانية: رعايتها وبذل الود والوفاء لها. الثالثة: شرف الرجل وعفته وبعد همته. اختيار الزوجة كان مرجع العربي في اختيار عشيرته إلى شرف الحسب وسناء الذكر، وليس بضائره ما عسى أن ينال ذلك من فقر وإقتار. . بل قد يطلب السيد الكريم في زوجه أن يخالط شرفها فراغ يدها حتى يدرأَ بذلك ما عسى أن يحدثه الثراءُ من الصَّلَف والكبرياءِ، فقد نزع قيس بن زهير سيد بن عبس وبطلها إلى النَّمر بن قاسط بعد أن أسرف في الدماء يوم الهباءة فقال:

стр. 45

يا معشر النمر، نزعت إليكم غريباً حزيناً، فانظروا إلى امرأة أتزوجها، قد أَذَلَّها الفقر وأَدَّبها الغنى، لها حَسَب وجَمَال. فزوجوه على هيئة ما طلب فكانت آثر الناس عنده وأذهبهم لبلواه. ومنهم من كان يخطب في المرأة سعة الحيلة، ومضاءَ الذكاءَ. وما أراد بذلك إلا أن يكون ذكاؤها تراثاً لبنيها كما زعموا أن امرأَ القيس الكندي آلى بألية ألا يتزوج امرأة حتى يسألها عن ثمانية وأربعة واثنتين. فجعل يخطب النساءَ فإذا سألهن عن هذا قلن أربعة عشر. فبينا هو يسير في جوف الليل إذا برجل يحمل ابنة له صغيرة كأنها البدر ليلة تمامه، فأعجبته، فقال: يا جارية ما ثمانية وأربعة واثنتان. فقالت: أما ثمانية فأطباء الكلبة وأما أربعة فأخلاف الناقة، وأما اثنتان فثديا المرأة. فخطبها إلى أبيها، فارتضى خِطبته، وشرطت هي عليه أن تسأله ليلة بنائها عن ثلاث خصال فجعل لها ذلك، وعلى أن يسوق إليها مائة من الإبل. فلما بلغ الموعد استاق إليها الإبل ومولىً له معه، حتى إذا كانا ببعض الطريق وامرؤ القيس على شفير بئر يشرب رمى به مولاه، وذهب بالإبل حتى أتى الفتاة. فقالت: والله ما أدرى أزوجي هو أم لا؟ ولكن انحروا له جَزُوراً وأطعموه من كَرشها وذنبها. ففعلوا. فقالت: اسقوه لبنا حاذراً. فسقوه فشرب. فقالت: افرشوا له بين الفَرْث والدم ففرشوا له فنام. فلما أصبح قالت: عليم العبدَ فشدوا أيديكم به. ففعلوا وما عرفت ذلك منه إلا لرضاه بالدنية وقراره على الهوان.

стр. 46

قالوا: ومر قوم فاستخرجوا امرأ القيس من البئر فعاود حيّه واستاق مائة من الإبل وقصد إلى فتاته، فقالت: والله ما أدرى أزوجي هو أم لا، ولكن انحروا له جزوراً فأطعموه من كرشها وذنبها. فلما أتوه بهما قال: وأين الكَبد والسّنام وأبى أن يأكل. فقالت: اسقوه لبناً حاذراً. فأباه وقال: أين الصريف والرثيئة؟ فقالت: افرشوا له بين الفرث والدم. فأبى أن ينام وقال: افرشوا لي فوق التَّلْعَة الحمراء، واضربوا عليها خباء. ثم أرسلت إليه: هلم شريطتي إليك في المسائل الثلاث. فأرسل إليها أن سلي عما شئت فقالت: مم تختلج شفتاك؟ قال: لشربي المُشعشعات. قالت: فمم يختلج كشحاك؟ قال: للبس الحَبِرات. قالت: فمم يختلج فخذاك؟ قال: لركض المطهمات. قالت: هذا زوجي لعمري فعليكم به، ودونكم العبد فاقتلوه. هل أتاك حديث شنٍّ - وكان رجلاً من دهاة العرب وعقلائهم - إذ قال: والله لأُطوَفَنّ حتى أجد امرأة مثلى أتزوجها. فبينما هو في بعض مسيره غذ وافقه رجل في الطريق. فسأله: أين تريد؟ فقال: موضع كذا - يريد القرية التي يقصدها شنّ - فوافقه، حتى إذا أخذا في مسيرهما قال له شنٌ: أتحملني أم أحملك؟ فقال له الرجل: يا جاهل أنا راكب وأنت راكب، فكيف أحملك أو تحملني؟! فسكت عنه شَنٌّ. وسار حتى إذا قرُبا من القرية إذا بزرع قد استحصد. فقال شنٌّ. أترى هذا الزرع أُكل أم لا فقال له الرجل: يا جاهل ترى نبتاً مُستحصداً فتقول أُكل أم لا؟ فسكت عنه شنٌّ، حتى

стр. 47

إذا دخلا القرية لقَيتهما جنازة، فقال شنٌّ: أترى صاحب هذا النعش حيّاً أو ميتاً؟ فقال له الرجل: ما رأيت أجهل منك! ترى جنازة تسأل عنها أميت صاحبها أم حيٌّ؟! فسكت شنٌّ وأرد مفارقته، فأبى الرجل أن يتركه حتى يصير به إلى منزله. فمضى معه. وكان للرجل بنت يقال لها طَبَقَةَ، فلما دخل عليها أبوها سألته عن ضيفه. فأخبرها بمرافقته إياه وشكا غليها جهله، وحدثها بحديثه. فقالت: يا أبت ما هذا بجاهل! أما قوله: أتحملني أم أحملك؟ فأراد أتحدثني أم أحدثك، حتى نقطع طريقنا. وأما قوله: أترى هذا الزرع أُكل أم لا، فأراد هل باعه أهله فأكلوا ثمنه أم لا. وأما قوله في الجنازة، فأراد هل ترك عقباً يحيا بهم ذكْره أم لا. فخرج الرجل فجلس إلى شنّ، فحادثه ساعة ثم قال: أتحب أن أفسر لك ما سألتني عنه؟ قال: نعم. ففسره. فقال شن: ما هذا من كلامك، فأخبرني من صاحبه؟ قال: ابنة لي. فخطبها إليه، فزوّجه إياها وحملها إلى أهله. فلما رأوها قالوا: وافق شَنّق طَبَقَةَ. فذهبت مثلاً لكل اثنتين متوافقتين. وكان مرجع الرأي في الأمر كله إلى الفتاة. فقد كان لها - إذا ذكر عن خطيبها ما يُهجَنه، أو وصف منه ما ينبو الطبع عنه، أو نزلت من الأمر على ما يحول دون الزواج به - أن ترُدّ خطبته، وليس لأهلها أن يستاقوها قسراً إليه. بذلك تجمل لأشرافهم واستَنّ في أثرهم من دونهم. وفي سبيل ذلك أبت الخنساء بنت عمرو بن الشَّريد أن تساق إلى دريد بن الصمة - وكان سيد قومه وفارسهم وشاعرهم - لأن بينهما من تفاوت السن ما يرنق صفو العيش ويسئ طبع العشير. ولما أقبل سهيل بن عمرو وأبو سفيان بن حرب على عتبة بن ربيعة يخطبان إليه ابنته هندا عرض عليها أمر كل منهما وحسر لها عن بيَنة أمره في نفسه.

стр. 48

وأسرته، وعشيرته. فآثرت أبا سفيان فَزُجت منه. وقالوا: أن الحارث بن سليل الأسدي زار علْقَمة بن خَصفة الطائي - وكانا حليفين وكلاهما سيد قومه - فأبصر ابنته الزباء - وكانت كأجمل أهل دهرها - فخطبها إليه، فقال له علقمة: أنت كفء كريم يُقبل منك الصفو وُيؤخذ منك العفو، فأقم ننظر في أمرك - وأنى أن يقْطع القول له - ثم انكفأ على أمها فقال لها: إن الحارث بن سليل سيد قومه حَسَباً ومَنْصِباً وبيتاً وقد خطب إلينا الزباء فلا ينصرفن إلا بحاجته. فنهضت المرأة إلى ابنتها، وأنشأت تؤامرها في أمر الحارث - وكان الحارث شيخاً لا شباب فيه - فكان أول ما بدأتها أن سألتها: أي الرجال أحب إليك الكهل الجحجاح، الواصِلُ المنّاح، أم الفتى الوضاح؟ وهنالك تجاذبا الحوار في أيهما أمثل بالفتاة وأولى لها. وكلٌّ يؤثر شكله، ويضرب الأمثال في نفاذ قوله. على أن الأمَّ كانت أدل بحجتها. فنزلت ابنتها دون رأيها. . . فهل رأيت مدى في الحرية أبعد من هذا؟ وشبيه ذلك ما حدثوا أن زيد الخيل، وأوس بن حارثة، وحاتم بن عبد الله الطائيين نزعوا إلى ماوية ابنة عفْزر إحدى ملكات الحيرة يخطبونها فقالت: ليصف كل إنسان منكم نفسه. فقال زيد: أنا زيد الخليل، تفخر بي طّي على العرب، ولي في كل مرْباع غنيمة، وغزوت ثلاثاً وسبعين غزاة، لم تثكل طائية

стр. 49

فيها ولداً، ولم تُفْجع فيها بحليل. ولم أخب في شيء منها. ثم إني لم أرُد سائلاً، ولم ألاَح جاهلاً، ولم أنطق باطلاً، ولم أبت على وغم. فقال أوس أوَّل ما أخذْت من لحيتي قامت سُعْدى فالتقطت كل شعرة سقطت منها فأعتقت بها نسمة من معد. فقال حاتم الطائي: أنهبت مالي ثلاث عشرة مرة، وأحلتْ لي طيء أموالها، آخذ وأدع ما شئت. قالت: هاتوا بذلك شعراً. فتنازعوا ذلك القول شعراً. فلما انتهوا قالت: أما أنت يا زيد فقد وترْت العرب. فمقام الحرة معك قليل. وأما أنت يا أوس فرجل ذو ضرائر، والدخول عليهن شديد. وأما أنت يا حاتم فرجل كريم المُنتسبِ، قريب المنصب، وقد تزوجتك، ورضيت بك. فتزوجها. وقد أسلفنا لك حديث أوس بن حارثة. ومؤامرَتَه بناته في زواجهن، وفيه بلاغ. وقل أن غُلبت امرأة من العرب في أمر زوجها على أمرها. ومن حديثهم أن ملكاً من ملوك غسان كان يَغْدر النساء، لا يبلغه عن امرأة جمال غلا أخذها، غير آبه برأيها ورضاها. فأخذ بنت يزيد بن الصَّعق الكلابي - وكان أبوها غائباً - فلما قَدم أخبر، فوفد إليه، فصادفه مُنْتَدياً - وكان الملك إذا انتدى لا يحجب عنه أحد - فوقف بين يديه فقال: يأيها الملك المُقيت أما ترى ... ليلا وصبحاً كيف يختلفان هل تستطيع الشمس أن تأتي بها ... ليلاً وهل لك بالمليك يدان فاعلمْ وأيقن أن ملكك زائل ... وأعلم بأن كما تدين تُدان

стр. 50

فأجابه الملك فقال: غن التي سَلَبت فؤادك ... مرفوضة مِلآنَ يا ابن كلاب فارجع بحياتك التي طالبتها ... والحق بقومك في هضاب إراب ثم نادى أن هذه السُّنة مرفوضة. وربما اختارت المرأة لنفسها وهي الشرف الصميم، والمجد القديم، من قومها، فلا لوم ولا نكير، وما كانت تخطب منه إلا صفو الخلق، وكرم الضريبة فقد وصف لخديجة بنت خويلد محمدُ بن عبد الله - صلوات الله عليه - وما كمله الله به، أثراً عنده، وأسناهن ذكراً في الحياة. وقد حدّثوا أن بنى كنانة توقعت غارة يفجؤها بها بعض الضاربين حولها القبائل فخرجت إحدى كرائم الحي، وجلست بين صواحب لها، ثم دعت وليدة من ولائدها وقالت: أدعى لي فلاناً، فدعت لها رجلاً من الحيّ، فقالت له: إن نفسي تحدثني أن خيلاً تُغير على الحي فكيف أنت إن زوجتك نفسي؟ قال: أفعل وأفعل - وجعل يطنب في وصفه نفسه ويفيض - فقالت له: انصرف حتى أرى رأيي، وأقبلت على صواحبها فقالت: ليس عنده غَناءٌ. ادعى لي فلاناً. فدعت فخاطبته بمثل ما خاطبت صاحبه، وأجابها بمثل جوابه. فصرفته. ثم قالت للوليدة: ادعي لي ربيعة بن مُكدَّم. فقالت لم مثل قولها للرجلين قبله. فقال: إن أعجز العجز أن يصف الرجل نفسه، ولكني إن لقيت أعْذَرت، وحسب المرءِ غَناءً أن يُعذر. فقالت له: قد زوجتك نفسي، فاحضر غداً مجلس الحي ليعلموك ذلك. فلما كان الغد تزوجها وخرج من عندها، ودافع الخيل، وردَّ كيد المعتدين.

стр. 51

وكذلك كان حسن الاختيار مجاذبة بين المرء وزوجه، وهي تختار منه شرف الهمة، وسناء القدر، وهو يخطب فيها كرم المنبت، وجلال الخلال. لقد نشأت الفتاة بين أُم كريمة، وأب كريم، فليس عجيباً أن تبتغي العشير الكريم. لقد أحلَّها أبوها موطن الرعاية والإكرام، وزوّتها أُمها بزاد من الأدب والفضائل، وليس من الحق أن يضيع كل ذلك عند زوج مُضيع. كذلك كانت المرأة العربية زهرة طيبة الغرس، كريمة المجتنى، خرجت من دارة العز، إلى دارة الجدّ وصدق العمل. ذلك وكان من حق النساء أن يجلسن إلى خّطابهن من الرجال، ويجاذبنهم عقدة الأمر، وشجون الحديث. وأكثر ما كان يخطبُ إلى غير عشيرته. وحجتهم في ذلك أن الغرائب من النساء أولدُ للنجباء من الأبناء، فأما بنات العم فلا يلدن فيما زعموا إلا ضعاف الأجسام، والأحلام. قال قائلهم: أُنْذِر من كان بعيد الهمَّ ... تزويجَ أولاد بنات العمَّ فليس ناج من ضَوًى وسُقْم وقال آخر: أَلاَ فَتىً نال العلى بِهمَّه ... ليس أبوه بابن عم أُمته ترى الرجال تهتدي بأَمّه وعلى هذا النسق سار رسول الله ﷺ في قوله: اغْتَرِبوا لا تْضُووا أي تزوجوا الغرائب ولا تتزوجوا بنات العمومة - حتى لا ينكشفن عن الضعاف -

стр. 52

ومن حديثهم أن عمر بن الخطاب نظر إلى قوم من قريش صغار الأجسام فقال: مالكم صغرتم؟ قالوا قُرْبُ أُمهاتنا من آبائنا. قال: صدقتم. فتزوجوا في البعداءِ فأنجبوا. على أن من العرب من كان يُؤثر بنات العم لأنهن أصبر على نَبْوَة الخلق وريب الزمان. وكان بنو عبس يؤثرونهن، وقد سئلوا أيَّ النساءِ وجدتم أصبر؟ فقالوا بنات العم. ومن قول شقيق بن السُّلَيك، وقد خطب امرأة من قومه فردته: ونُبَّئْتها أَحرَمَتْ قومها ... لتنكح في مَعْشَرٍ آخرينا فإما نَكَحْتِ فلا بالرَّفاءِ ... إذا ما نَكَحْتِ ولا بالبنينا وزُوجت أَشْمطَ في غُربةٍ ... تَجن الْحِليلةُ منْهُ جُنُونا خَلِيلَ إماءٍ يُراوحْنَهُ ... وللْمُحْصَنَاتِ ضَرُوباً مُهنا إذا ما نُقلتِ إلى داره ... أَعد لظهرك سوطاً متينا وقَلَّت طرفك في ماردٍ ... تَظَل الْحَمَامُ عليه رُكُونا يُشِمُّك أَخْبَثَ أضراسِهِ ... إذا ما دنْوتِ لتَسْتَنْشِقِينا كأن المساويك في شدْقِهِ ... إذا هُنَّ أكرِهْنِ يَقْلَعْن طينا وبعد فكل ما أسلفنا من حق المرأة في الزواج لم يكن كل ما تملك المرأة منه، بل كان لها فوق ذلك فصل القول في فصمه. لقد كان من حق المرأة في حاشية الجزيرة العربية، وبين أعطاف الزمن السحيق العميق، أن تطلق الرجل، كما كان

стр. 53

لها الحق أن تختاره! قال أبو الفرج: وكان النساء أو بعضهن يطلقن الرجال في الجاهلية. ولم يكن النساء يومذاك في حاجة إلى المصارحة بالطلاق، بل كان حسب البدويات منهن أن يحوّلن أبواب أخبيتهن إن كانت إلى الشرق فإلى الغرب. أو كانت إلى الجنوب فإلى الشمال. كذلك طلقت ماويّة بنت عَفْرَ زوجها حاتماً حين أمعن به جنون الكرم فلم يُبق لأبنائه ما يتبلغون به. وفي سبيل ذلك أرسل إليها قصيدته التي استهلَّها بقوله: هل الدهرُ إلا اليوم أو أمْس أو غدُ ... كذلك الزمان بيننا يتردد وفيها يقول: فأقسمت لا أمشي على سر جارتي ... مدى الدهر ما دام الحمام يُغَرّد ولا أشتري مالاً بغدر علمته ... ألا كلُّ مال خالط الغدر أنكَدُ إذا كان بعض المال ربّاً لأهله ... فإني بحمد الله مالي مَعْبَدُ يُفَكُّ به العاني ويؤكل طيباً ... ويعطي إذا منَّ البخيل المُطَرَّدُ إذا ما البخيل الْخب أخمد ناره ... أقول لمن يصلي بنارِيَ أوْقِدُوا ولهن - إذا لم يكنَّ ذوات أخيه - أساليب يدللن بها الرجال على الطلاق، فليس لهم عليهن من سبيل. قال أبو هلال: وكانت عَمْرَة بنت سعد، ومارية بنت الْجُعيد العبدية وعاتكة بنت مُرَّة السُّلَمِيَّة، وفاطمة بنت الخُرْشُب الأنمارية، والسَّوَّاءُ العنزية

стр. 54

وسلمى بنت عمرو زيد النجارية وهي أم عبد المطلب بن هشام، إذا تزوجت الواحدة منهن رجلاً وأصبحت عنده كان أمرها إليها، وتكون علامة ارتضائها أن تعالج طعاماً إذا أصبح. على أن من النساء من تناسين هذا الحق فنزلن عنه حياء لأزواجهن. ولكن الرجال بغوا في ذلك وأسرفوا حتى أن الرجل ليموت فيقول وليّه - وربما كان أخاه أو ابن عمه: - أنا أحق بامرأته. فينقلها إلى داره، ثم إن شاء استبقاها لنفسه، وإن شاء زوجها وذهب بمهرها! ذلك ما نهى الإسلام عنه وقطع أسباب الأخذ به. كرامتها على زوجها هنالك فيما أوردنا من حديث القوم. وأسلفنا من مساق أشعارهم، وشتات آرائهم علمت مكان المرأة من زوجها، واستمكانها من نفسه، واحتكامها بذات يده واستئثارها بالصميم من قلبه. ورأيت كيف حرصه عليها. واحتفاظه بها، ووفاؤه لها، وتفديته إياها بالتالد والطريف من ماله والحر الشريف من دمه. لقد كان العربي يعتد زوجه العشير الأدنى، والمشير الأمين، وكان يُطرق لقولها، ويطمئن إلى رأيها، ويسكن دون الصفيّ العذب من لفظها، وكان عزيزاً عليه أن تطلب فلا تجاب، أو تشفع فلا تُشَفَّع. ولقد كان من أمر عمرو بن حُجر يوم خطب غلى عوف بن مُلحم ابنته أن أمهرها ضيعة له في كندة. وأضاف إلى ذلك أن يمنحها حاجات قومها فلا تُرَدُّ لأحد منهم حاجة، وكان ذلك شرطاً معقوداً.

стр. 55

أما لقد نشبت الحرب بين أعظم شعوب العرب - عدنان وقحطان - حتى انقلب بها ميزان القوة، واستحالت لها مقادة الملك للطمة أصابت امرأة من زوجها. ذلك أن ملوك اليمن لهم سيادة العرب جميعاً. وكانوا يرسلون ولاتهم وعمالهم يجمعون لهم الأتاوى، ويرهقون العرب في سبيلها إرهاقاً لا يطاق، وكانت ربيعة قد انتقضت على اليمن فرماها الملك بوالٍ عتيد شديد هو لَبيد بن عَنْبَسةَ الغَسّاني فأقام فيهم وتزوّج امرأة منهم يقال لها عَمْرة بنت الحَباب التَّغلبية فبينما هو يحدثها ذات يوم قال لها: ما بال كليب - عظيم ربيعة - ينصر مُضر ويتهدد الملوك؟ قالت: لا أعلم في ولد إسماعيل ذا لِبْدة هو أشد منه! فهاج ذلك القول لبيداً حتى عمد إليها فلطمها وقال لها: أترين أنك حرة؟ أنت أمَتي فاقبلي ما يأتيك منا معشر الملوك. قالت: أنا أكرم منك. ثم خرجت مُغْضَبَة حتى انتهت إلى كليب وهي تقول: ما كنت أحسب والحوادث جمة ... أنا عبيد الحي من غَسان حتى علتني من لبيد لطمة ... سُجرت لها من حَرها العينان إن ترض تغْلب وائل بفعالهم ... تكن الأذلة عند كل رهان لولا الوجيهة قطَّعتني بكرةٌ ... جرباء مُشْعَلة من القطران فلما سمعها كليب خرج حتى هتك على لبيد قُبّته، وصدع بالسيف هامته، وهنا لك ساقت اليمن جحافلها، وجمعت مضر وربيعة جموعها، وقاد الأولين عمر من بابل اللخْمي، ورَأَس الآخرين كليب بن ربيعة التغلبي، واقتتل الفريقان

стр. 56

من صبيحة اليوم إلى أصيله في موقعة بذلت فيها المهج، وبيعت الأرواح بيع السماح ثم حمل كليب على عمرو فحال أصحابه دونه بالرماح. ويقولون إن أربعة آلاف سيف عرضت دونه فشقها كليب جميعاً حتى انتهى إلى عمر فطعنه فقصم صلبه، وحملت ربيعة في أثره، ومضر من ورائها، حتى أوقعوا بجيوش اليمن، ومزقوها كل ممزق وحرروا العرب من وسم عارها، وذل أسارها. ولعمر أبيك ما كان مثل الزوجين في توادّهما وتآلفهما وتجاذب الودّ والولاء بينهما إلا كما قالت صفية الباهلية في رثاء زوجها: عشنا جميعاً كغصني بانة سمقا ... حينا على خير ما تنْمى له الشجر حتى إذا قيل قد طابت فروعهما ... وطال قنواهما واستنضر الثمر أخنى على وإحدى ريب الزمان ولا ... يبقى الزمان على شيء ولا يذر فاذهب وحيداً على ما كان من أثر ... فقد ذهبت فأنت السمع والبصر وما رأيتك في قوم أسر بهم ... إلا وأنت الذي في القوم تشتهر كنا كأنجم ليل بيننا قمر ... يجلو الدجى فهوى من بيننا القمر وربما نادى الرجل امرأته فذكر اسمها مجرداً لأنه للود أوثق، وبالقلب ألصق، وقد يذكره مصغراً لأن ذلك أروح لنفسها وأبقى على الدلال فيها. وقد يكنى عنه بما هو من خاصة شأنها، ولِزام أمرها، فيقول: يا ربة البيت. كما يقول مُرة بن مَحْكان التميمي: يا ربة البيت قومي غيرَ صاغرة ... ضمي إليك رِحال القوم والقربا أو يا ربة الخدْر كما يقول: ألم تعلمي يا ربة الخدر إنني ... أبيّ إذا رام العدوّ تهضمي

стр. 57

وربما سمى بندائها فألطفه بأسى مفاخرها، كما يقول قيس بن عاصم المنْقَرِي يخاطب زوجه مَنْفُوسة بنت الخيل - وكانت قد أتت بطعامه في الليلة الثانية من بنائه بها فقال لها: أين أكيلي؟ فلم تعلم ما يريد حتى قال: أيا ابنة عبد الله وابنة مالك ... ويا ابنة ذي البردين والفرس النَّهد إذا ما صنعت الزاد فالتمسي له ... أكيلا فإني لست آكله وحدي قصياً كريماً أو قريباً فإنني ... أخاف مذمات الأحاديث من بعدي وإني لعبد الضيف ما دام نازلا ... وما في صفاتي غيْرها شِيم العبد شرف الرجل وعفته إذا رأيت الرجل يخشى مواطن السوء، ويغتمر مكامن الريب، ويعتم خفيات الدنايا، فأشفق على زوجه أن يصيبها ما أصابه. لأن القرين سنَّة القرين، والرجل مرآة أخيه. فكيف بزوجه وهي ألزم له، وأعلم بخبيئة أمره؟ إن سيرة الرجل في نفسه هي الجزء الأكبر من عرضه ومن فَرَّط في النصيب الأوفر أوشك أن يتبعه بالأقل. ومن لا أمانة له في نفسه، لا أمانة له فيمن سواه. وأن تعجب فعجب ما يقول الرجل، أن الله اصطفاه وفضله وآثره بوفر العقل، ورياضة النفس، وغلبة الهوى، وإلى المرأة إنما هي حِسٌّ ثائر، وعاطفة نَزَّاعة،

стр. 58

يتضاءل العقل بينهما، ويتَفيَّل الرأي دونهما، ثم هو يجري في اللهو مخلوع العذار لا عاصم له من عقل ودين، حتى إذا آنس منها ما يكره، وأنزل من أمرها على ما يريب، طاش لبه وانخلع قلبه، والْتَفَع بقناع العار وجهه، وحملها من التبعة ما لو حمل نفسه اليسير الدنيَّ منها لبلغ نظام الكون أقصى مداه من الكمال. ولكنه أساء إلى نفسه، فأساء إلى عشيرته، وتنكب الطريق السوي، فعمت النكبة، وتوالت المثُلات وما ظلمهُم الله وَلكن أنْفُسَهُم يظلمِون. ذلك مثل ما يختلج بنفوس القوم الذين وهنت إرادتهم دون نزعات أهوائهم وناءت نفوسهم بعقبى جرائرهم، والرجل العربي أبعد ما يكون عن هؤلاء. إن الذي يكْلمُ العربي في سيرته، ويرميه في عفته، إنما يطعنه في أمَسَّ صفاته به وأبقاها أثراً فيه؛ التي أُرهفت عليها، وشرفه الذي يموت وهمته التي تضطرم بين جنبيه. إن الرجل الذي يتأثر النساء في مسيرهن، ويجعل همه ابتغاءَ المهنيات منهنّ جبان، ساقط الهمة، مغمور العرض، وليس العربي في شيءٍ من ذلك. لقد كان الرجل من هؤلاء يزهيه ويهز عطفيه أن يمتدح بعفة المئزر أكثر مما يكون لو مدح بشجاعته واعتزامه. وكان إلى ذلك مرجع فخره بنفسه وتمدحه بشمائله لأن مغالبة النفس، وقمع الهوى أدل على الشجاع، وأمثل به من مغالبة الأسد في غبلها واقتياد العُصم من جوها. على أننا لا نكْذبُ التاريخ، ولا نَتَبغّى المحال، فنقول إن العرب سنَّيهم ودينهم، شريفهم ومشروفهم، كانوا على سواءٍ في اطراح المآثم واجتناب المحارم،

стр. 59

فذاك سبيل أهل الخيال، الذين يرون من كل شيءٍ غايته ويأخذون من كل أصفاه، فإن في تنزيه العرب أنفسهم عن الدنيا دليلا على وجودها. وكما افترضنا بين غمار العرب الجبان المستطار حق لنا أن نفترض الفاحش المريب. على أن هؤلاء أوزاع صعاليك العرب وشرادهم كان مغداهم إلى ماءٍ قَلَّ بينهن من تنتسب إلى العرب، وكان يتوارين عن العيون بمنجاة عن المدائن والقرى ومضارب خيام البادية. وكان الرجل إذا غدا إليهن اَّدرع الظلام وأرخى إزاره على أثر خطاه فوق الرمال حتى لا يتعرف الناس أثره. وكان العرب يدعون المرأة المهنية بالمظْلمة من أجل ذلك. ومن جوامع كلهم في المدح: فلانٌ لآيرخى لمظْلِمةٍ إزاره. قالت العوراء بنت سُبيع: أبكى لعبد الله إذ ... حُشَّت قُبيل الصبح نارُه طَيانَ طاوِي الكَشْح لا ... يُرْخَي لُمظْلِمةٍ إزارُه أما بغاة الشرف وأبناء سادات العرب فهم بنجوة عن كل ذلك. وقد أطرد امرأ القيس أبوه، ووكل به من يقتله، لأنه اْشتَم روح الفجور من شعره. وقالوا: ليس سيداً من غلبته شهوته. وكان من أكبر المآثم عند العرب أن يلتقي الرجل بالفتاة فيبدأها بالكلام أو يُلقي إليها السلام، وربما هاج ذلك شرّاً عقاماً. وقد يكون من ذوي قرباها والراغبين في خطبتها فتحول تحيته دون ما يبتغي. وفي ذلك يقول حُميد بن ثور: ومالي من ذنب إليهم علته ... سوى أنني قد قلت يا سْرحةُ اسلمي

стр. 60

نعم فاسلمي ثم اسلمي ... ثلاث تحيات وإن لم تَكَلَّمي وقد كف عنترة عن طلب عبلة جارية أبيه وسام نفسه البعد عنها، والحرمان من زواجها، لأنه ذكرها في شعره، حتى لا يثلم سنة العرب، ولا يحل حرامهم. ومن أمثال العرب: كل شيءٍ مَهَةٌ ما خلا النساءَ وذكرهن أي كل شيء يسير يحتمله الحر إلا أن يذكر النساء وتذاع أخبارهن. لذلك كله ولفرط ما طبعت عليه منذ نشأتها الأولى من صفاء الفطرة وسماحة الخلق، وكرم التأديب، اشتملت الزوجة العربية على خير ما أشتمل عليه فضليات النساء من مواتاة الزواج، والبر به، والإخلاص له، والحدب عليه. ولئن ذكر عن الرجال أنهم يموتون ذوداً ن حريمهم. لقد أثر مثل ذلك عن النساء أنهن يمتن دون الدنية في أحرج المواقف وأضيقها، إيثاراً لشرف أزواجهن على غوالي حياتهن، وإن لك فيما أسلفنا من أمر فاطمة بنت الخرْشُب وقتلها نفسها دون أن تتخذ سبية أسيرة ودون أن يوصم اسم زوجها وبنيها ما فيه غناء. ومن أمثلتهن في ذلك: المنية ولا الدنية. لقد كانت الزوجة العربية من الزوج لا يملك أمر مادته ولا معناه إلا بها، فهي تعلم من أمر الحياة ما يعلم، وتحسن من رياضة الكلام ما يحسن، وتجيد من إجالة الرأي، وتصريف الأمر ما يجيد، فهي عديل نفسه، وملاك أمره، وقوام نظامه. إن أعوزه السمر أطربته، أو جدّ به الأمر آزرته، أو التبس عليه الرأي أوضحته، أو ضاق به الصدر فرجته. وحدثوا أن رجلاً من سراة قريش - جمع بين ضيق الخلق وسماح اليد -

стр. 61

خطب إحدى كرائم قومه وحسيباتهم، فلما وفق إلى قبولها ذهب إليها فقال لها: يا هذه إن في سوءِ خلق يعود إلى احتمال وتكرُّم، فإن كان بك على صبر وإلا فلست أغُرُّك مني. فقالت له: إن أسوأ خلقاً منك لمن يحوجك إلى سوء. . . فما جرت بينهما كلمة حتى فرق بينهما الموت. ليست تلك بالمتفردة في خلقها، فإن ما عرف عن نساء العرب جميعاً سعة الصدر وطول الإنارة وقد راضهن على ذلك كثرة ما رأينه من تبدل الحال بين عسر ويسار، وطوال ما أَلفْنهُ من نشوة الكرم، وجنون السخاء في أزواجهن، حتى لا يبقون على ما يتبلغ به أطفالهم. كل ذلك إلى ما عهدنه من تتابع الخطوب، وموالاة الحروب، وما إليها من ثُكل وفجائع؛ مما وطنهن على احتمال الأذى، وجعل مدى الصبر في صدورهن بعيداً مديداً. والصبر والوفاء توأمان متشابهان، ورفيقان متلاحقان، إذا اكتمل أحدهما استتم الآخر ولئن كان حميداً من المرأة أن تعاشر زوجها على الوفاء له، فإن أحمد من ذلك أن تفي له بعد طلاقها منه، فتذكر له ولآله خير ما عرفت عنهم. وليس ذلك بعزيز على امرأة أقامت كريمة وفارقت كريمة إمساكٌ بمعروف أو تسريح بإحسان وسأورد لك من أمرها في ذلك ما يطمئن به قلبك. ويسكن له ثائر نفسك. حدث محمد بن زياد الأعرابي، قال: قامت امرأة عروة بنت الورد العبسي في نادي قومه بعد أن طلقها، فقالت: أما والله إنك للضَّحوك مقبلا، السكوت مدبراً. خفيف على ظهر الفرس ثقيل على مَتْنِ العدو، رفيع العماد، كثير الرَّماد، ترضى الأهل والأجانب. فقال: فتزوجها رجل بعده فقال: أثنى علَّي كما أثنيت عليه. قالت: لا تحوجني إلى ذلك فإني

стр. 62

إن قلت قلت حقا. فأبى. فقالت: إن شملتك الالتفاف. وإن شربتك الاشتفاف، وإنك لتنام ليلة تخاف، وتشبع ليلة تضاف. وحدث أبو عمر بن العلا قال: تزوج رجل من بني غدانة بامرأة من جعدة ثم وقع بين الحيين ما حمله على فراقها، فمسه من ذلك غمٌّ وأحزان، فلما اعتزمت الرحيل قال: استمعي ويستمع من حضر: أما لقد اعتمدتك برغبة، وعاشرتك بمحبة، ولم أجد عليك زلة، ولم تدخلني لك ملة، وإن كان ظاهرك لسروراً، وباطنك للهوى، ولكن القدر غالب، وليس له صارف. فقالت له المرأة مجيبة: أثنيت وأنا مثنية، فجزيت من صاحب ومصحوب خيراً، فما استربت خيرك، ولا شكوت ضيرك، ولا تمنت نفسي غيرك، وما ازددت إليك إلا شرهاً، ولا أحسست في الرجال لك شبهاً. ثم افترقا. وحدث المدائني قال: تزوج حصْن بن خليد ببنت الورد بن الحارثثم طلقها فجاء اخوتها ليحملوها فقالت: مُروا بي على المجلس بالحي أسلم عليهم فنعم الأحماءُ كانوا. فأقبل هو وهي في قبتها فقالت: جزاكم الله خيراً، فما أكرم الجوار، وأكف الأذى! قالوا: ما الذي كان عن ملإمنا ولا هوى. فقالت اللهم إني لم أُطلق من بغض ولا قلًى فعليكم السلام.

стр. 63

الأم العربية هي منبت فتيان العرب ومعْقدُ فخرهم، ومَثَارُ حميتهم، ومُستَقَ أدبهم، وملاذهم إن جدَّ بهم الدهر، ومفزعهم إن أشكل عليهم الأمر، ومُعولهم غن فدح الخطب، وعز المعين. تلك هي الأم العربية موطن ثقة الأب وفخر الابن، وعز العشيرة. لقد نزع رسول الله ﷺ بفخره - وهو أكرم العالمين خليفة وأكملهم كمالاً - إلى أمهاته في الجاهلية فقال: أنا ابن العواتك من سليم وما كان ذلك إلا لأن الله قرن منزلته الملكية العلية بأسمى مراتب البشر، وتلك التي هيأته لها منذ القدم أرحام أمهاته الطاهرة وأرواحهن الزكية. وشبيه بذلك قول على ﵇ للأشعث بن قيس وقد خطب إليه ابنته: غَرَّك ابن أبي قحافة إذ أعطاك ابنته وليست من الفواطم من قريش ولا العواتك من سليم.

стр. 64

وإذا كان من القبائل من اتخذت آباءها منتهى أنسابها كمضَر وربيعة فإن منها من آثرت الانتساب إلى أمهاتها كخِنْدف وجديلة. وإذا كان من الملوك من نسب إلى أبيه كالنعمان بن المنذر، فمنهم من نسب إلى أمه كعمرو بن هند. على أن المناذرة جميعاً نسبوا إلى أمهم ماء السماء وهي ماوية بنت عوف بن جشم ملكة وأم العراق وأم ملوكها. وإليها ينتهي جلال الجمال الخلال؛ وعنها ورث ملوك العراق سناء الشرف ومضاء الذكاء وبها العرب يعْتَزُّن؛ وباسمها يقسمون ويعتزمون. وإذا كان شديداً على الرجل أن يقال له: لا أدب لك؛ فأن أوجع من ذلك وأشد أن يقال له: لا أمّ لك. وليس عجيباً بعد ذلك أن يقوم بن ربيعة بني عامر بين يدي النعمان ابن المنذر فييقولنحن بنو ربيعة أم البنين الأربعة وكذلك يجعل المرأة منزع القوم بأسرهم في فخرهم. وما كان لأحد من العرب ان يجذب امرأته فخر تربية أبنائها: وفضل تأديبهم فكل ذلك منها مفيضة؛ وإليها مرجعه. حتى لو كانوا يلقبون المرأة إذا انحسرت عن ثلاثة بنين فَنُبه ذكرهم وذاعت بين الخافقين مآثرهم بالمُنْجبة ويتخذونها لذلك مضرب أمثالهم ومسار أشعارهم، ومساق مفاخرهم؛ وما كان الرجل في شيء من ذلك اللقب الكريم المجيد.

стр. 65

وقد حلىِ بذلك اللقب الكثير من عقائل العرب نذكر منهن. - فاطمة بنت الْخُرْشُب وهي التي أنجبت الكلمة لزياد العبسي وهم: ربيعُ الكامل، وقيسُ الْحافظ، وعِمارَة الوهّاب، وأنس الفوارس. وقيل لها: أي بنيك أفضل؟ فقالت الربيع، لا بل قيس، لا بل عمارة، لا أنس، ثكلْتهم إن كنت أدرى أيهم أفضل، هم كالْحَلقة المُفْرغة لا يُدْرَى أين طَرَفاها. - أم البنين ابنة عامر بن عمرو زوج مالك بن جعفر، وأبناؤها: مُلاعب الأسنة، وطُفيل الخيل، وربيع المُقترين، ونَزل المضيف، ومُعَوّذ الحكماء، وهي التي أسلفنا فيها قول لبيد: نحن أم البنين الأربعة وقد أثكلتها القافية ولدا وإلا فهم خمسة كما بينا. - خَبِيثة بنت رياح الغَنَوية هتف بها هاتف في منامها فقال: أعشرة هدَرَةٌ أحب إليك أم ثلاثة كالعشرة؟ ثم هتف بمثل ذلك في الليلة الثانية فقصت رؤياها على زوجها فقال: إن عاد ثالثة فقولى: ثلاثة كعشرة. فولدت خالداً الأصبع ومالكا الطيان، وربيعة الأحْوَص. - عاتكة بنت هلال السُّلمية. أنجبت لعبد مناف بن قُصَيّ هاشما وعبد شمس، والمُطَّلب. - ريحانة بنت معد يكرب. ولدت للصِّمة بن عبد الله دريداً، وعبد الله وعبد يغوث وقيساً وخالدا. ولولا خشية الإطالة، وأن نخرج من حديث النساء إلى حديث الرجال لعقدنا الفصول الطوال في مآثر أولئك الرجال وآثارهم وما منهم إلا السيد الكريم والبطل العظيم.

стр. 66

كل ذلك وأمثاله مما جعل نساء العرب يَشْخَصْن بأبصارهن، ويرمين بأمانيهن، إلى أبنائهن. إن حَسْب الطفل أن يضطرب في أحشاء أُمه حتى يدعوها إلى الإطراق الطويل، والتفكير الكثير، وربما هاج ذلك ضرباً من الخيال ينبعث من أعماق صدرها فيثير دمها، ويرهف حسَّها، ويتمثل بين مسارب سمعها صوتاً واضح المنطق، فياض المعاني: يسوق لها البشرى، ويضيء بين يديها مناهج الأمل، ويهديها إلى خير العمل، فتحسب ذلك هاتفاً يهتف بها. وما هو إلا صوت القلب يشدو بإيقاع الأماني. وأكثر ما يستمع النساء الهواتف إذا هدأت عيونهن، فيستيقظن على صوته. وقد يستمعنه وهن يقظات. وممن سمعن الهاتف ووعينه ليلى بنت مُهلهل أم عمرو بن كلثوم. هتف بها الهاتف حين حملت بابنها فقال لها: ياَ لك لَيلى من ولد ... يُقدِم إقدام الأسد من جُشَم فيه العدد ... أقول قولاً لا فَنَد فلما استكمل وليدها سنة أتاها ذلك الآتي حين اشتمل عليها الليل فأشار إلى الطفل وقال: إني زعيم لك أمَّ عمرو ... بماجِدِ الجَدَّ كريم النَّجْرِ أشجع من ذَي لَبِدٍ هزَبْر ... وَقَّاص آدابٍ شديد الأسر يسودهم في خمسة وعشر

стр. 67

قبل فساد قومه، ولم يجاوز الخامسة عشرة من سنيه. ومنهن عُتبة بنت عفيف أم حاتم الطائي سيد سُمحاء العرب وإمام أجوادهم هتف بها الهاتف فقال لها: أغلامٌ سمح يقال له حاتم أحب غليك أم عشرة غلمة كالناس. ليوث ساعة الباس، وليس بأوغاد ولا أنكاس، فقالت: حاتم. وأمثال هاتين كثيرات لا يحُصين عدداً. على أثر ذلك يولد الطفل فتبدأ بتسميته - وكانت تَشرك زوجها تسمية بنيها - فإن كان وليداً تخيرت له كل صُلبٍ شديد من الأسماء يَنمي به حسُّه، وتُنبت عليه شجاعته. فمن أسمائهم: صَخر، وحَرب؛ وحَنْظلة؛ وعَلْقَمة؛ وأَسد وذئب؛ وأشباهها مما لا يشعر بوهى عند النداء؛ ولا انثناء عن الأعداء. ومن طريف أمر التسمية وغريب أثرها ما حدَّث ابن حبيب أن أسماء بنت دُرَيْم كانت في خباءٍ لها؛ وكان بنوها يرعون بمنجاة عنها؛ فمر بها وائل بن قاسط فنظر إليها نظرة مريبة. فقالت: لعلك أسررت في نفسك مني شيئاً؟ فقال: أجل. قالت: لو دعوت سباعة لمنعتني منك وأعانتني عليك. فقال: أو تَفْهَم السباع عنك؟! قالت: نعم. ثم رفعت صوتها: يا كلب؛ يا ذئب، يا فهد؛ يا دب؛ يا سرْحان؛ يا أسد. فجاءَ بنوها يتعاوَوْن ويقولون. ما خبرك يا أماه؟ قالت: ضيفكم هذا أحسنوا قرِاه. ولم تَرَ أن تفضح نفسها عند بنيها. فذبحوا له وأطعموه. فذهب وهو كالمأخوذ عجباً مما رأى. وسمى ذلك بوادي السباع فهو اسمه منذ ذلك اليوم.

стр. 68

أما البنات فيختار لهن خفيف المسمع؛ بديع الموقع من الأسماء. فمن أسمائهن حُبَّى وبَيِبة والنَّضيرة؛ وسُعدى؛ ومَيَّة؛ وأُميمة؛ ونظائرها. إلى ذلك يأتي دور الرضاع. وهنالك تمهد طفلها لما هو أهل له من عظمة الحياة؛ فتجهد ألا يصدع سمعه شيءٌ من دنيّ الألفاظ ورَذْلها. بل تردّد له في إرضاعه ومداعبته ألفاظ الشرف والسؤدد؛ وتلقنه آيات المجد والكرم. وللنساء في سبيل ذلك ما لا يناله العد من الأناشيد القصار؛ يُغَنَّين بها أولادهن ويرقصنهم بها؛ وفيها من غُر المكارم؛ وحُر العظائم؛ ما هو خليق بأشبال أولئك الأبطال. ومن يقول بنت زيد الخيل وهي ترقص ولدها: أشبه أخي أو أشْبِهنْ أباكا ... أما أبي فلن تنال ذاكا تَقْصُرُ عن مَنَاله يداكا ولقد يظن قصار النظر في قولها شيئاً من تعجيز الطفل وتقصير همته. على أنه من ذلك بعيد. فهو مبالغة في الإغراءِ؛ وافتنان في التشويق؛ وخليق بالغلام أن يفكر حين يستمع ذلك الكلام في منزلة جده قبل منزلة أبيه. ومن قول فاطمة بنت أسد وهي ترقص ولدها عقيل بن أبي طالب. أنت تكون ماجدٌ نبيل ... إذا تهب شمأل بَلِيل ومن قول أم الفضل بنت الحارث وهي ترقص ابنها عبد الله بن عباس: ثَكِلتُ وثكلت كبرى ... إن لم يسد فِهْراً وغيرَ فِهْر بالحسب الوافي وبذل الوفر وليس بفائتنا ونحن في أول عهد الأم بابنها أن نسوق إليك حديثين لاثنتين من نساءِ العرب. وستعلم من تناسق رأيهما ووثوق الصلة بينهما إلى أي

стр. 69

حد وصلت المرأة العربية من تربية طفلها وإعداد نفسها له منذ الاشتمال عليه. قالت أُمَيمة أم تأبط شرا - وقد سئلت عن أمر تربيتها لولدها -: والله ما حملته تُضَعاً ولا وُضَعاً ولا ولدته يَتْناً ولا أرضعته غَيْلا ولا أَبته مَئِقاً ولا آنَمْتُه تَئِداً ولا سَقَيْتُه هُدَبِداً ولا أطعمه قبل رِئةٍ كبداً. وقالت فاطمة بنت الخرشب - وقد سئلت أي بنيك أفضل -: والله ما أدرى، ما حملت واحداً منهم تُضَعاً ولا ولدته يتْناً ولا أرضعته غَيلا ولا منعته قَيلا ولا أنمته تئداً ولا سقيته هُدبداً ولا أطعمته قبل رئة كبداً ولا أبتّه على مأقة. ونحن أولا موفون لك القول في شرح هذه الألفاظ ورأى الطب الحديث في حالاتها. فالحمل التُّضع أن تحمل المرأة قبيل الحيض. والوُضع أن تحمل في أعقابه. وفي كلتا الحالتين ينضحُ الرحم سائلاً يؤذى النطفة ويضعها وهي قفي أول منابتها ومقْتَبَل عهدها بالحياة ولها ما لها من سوء نشأة الطفل وضعف تركيبه. أما ولادة الطفل يَتنا فَأن يولد منكساً، رجلاه قبل رأسه؛ وهنالك تصاب عظام الطفل اللدنة الناعمة بتأثير من الضغط الذي ينالها وقَلَّ أن يتلافاه مهما تطاول به العمر وامتدت بأيامه الحياة. وأما الإرضاع غَيْلا فأن تُرضع وليدها وهي حامل واللبن حينذاك فاسد موبق يكاد يكون مسموماً وقد يكون قاتلاً. وأما القَيل الذي لا تمنعه طفلها فتناول اللبن وقت اشتداد الهاجرة واتّقاد

стр. 70

الرمضاء وهو يطفئ الحر وينقع غُلة الجسم. فأما بلوغ ذلك فقد يعقبه كثير من الأذى. وأما المبيت مئقاً فأن يقضي الطفل ليلة مُغْضَباً أو حزيناً. وفي ذلك أمن التأثير على نوم الطفل وذات نفسه ما فيه وليس هنالك أزكى لنفس الطفل وأنهض بعقله وأصفى لدمه وجسمه من أن يكون مبتهجاً في نومه ويقظته. وأما النوم تئداً فأن ينام على موضع نكد لصلابته أو استقذاره ولكليهما تأثير قوىٌّ شديد في عظام ونمائه واتجاه صحته. وأما الهُدبِد فالَّلبن المتكَبد الذي لان بعضه وجف بعضه وذلك إما لقرب انقطاعه وإما لحالة نفسية أو جثمانية أصابت الأم. وذلك لعمرك السم النقيع يتناوله الطفل فَيذْوِي وينحل جسمه وليس وراء ذلك ألاّ الموت أو الحياة على شر من الموت. وأما الرئة والكبد فكل منهما يحتاج في هضمه إلى لُعاب الأسنان فإذا لم يستوف طعامها ذلك اللعاب وَخِماً ثقيلاً لا تملك المعدة أن تتخذ منه نصيبها من الفائدة فيستحيل إلى إسهال شديد يعقبه ضعف شديد. لذلك كله لم يكن بدعاً أن يمتدح أبو كبير الهذلي بعض رفاقه ببعض تلك الحالات ثم ينسب إليها قوته وصلابة عوده وبعد همته. فذلك حيث يقول: ومُبرإ من كل غُبَّر حَيْضةٍ ... إفساد مرضعة وداءِ مُغيلِ

стр. 71

ثم يقول في وصفه: وإذا رميت به الفجاج رأيته ... يهوى مَخارمَها هُوِىَّ وإذا نظرت إلى أَسِرَّة وجهه ... برقت كبرق العارض المتهلَّل صعب الكريهة لا يرام جَنَابة ... ماضي العزيمة كالحسام المِقْصَلِ يحمي الصحابَ إذا تكون عظيمة ... وإذا هُمُ نزلوا فمأوى العُيّل ولم يكن ذلك شأن من ذكرنا من النساء فحسب؛ بل لقد كانت العرب تعيّر من قصّرت به أمه في بعض ذلك وتسبه به. وبعد فذلك ما تواصى به نساء العرب في تربية أطفالهن وهن في جاهليتهن الأولى وما يبتغي الأطباء بعد بضعة عشر قرناً من عهدهن أن يكون النساء أتم عناية بأبنائهن وأشد حرصاً عليهم من كل ذلك. ويدرج الطفل بعد ذلك فتجعل الأم مسلاته حديث الأبطال؛ وآيات النزال وبذل النوال؛ واصطناع الرجال. ثم يشب فتنشر بين يديه من جليل العظائم كتاباً؛ وتقيم بين عينيه من جميل المكارم محراباً؛ وتتعاهده كما يتعاهد الزارع الضَّنين منابت الغَرْس؛ ومساقط الغَيْث. إن احتكمت به نزوة الشر؛ وطاشت بلبه سورة الحقد؛ بغير حق وفي غير حزم؛ عَّطفت صدره؛ وألانت جانبه؛ وأوضحت نهج الخير له. وإن سكنت همته؛ وفترت عزمته؛ أذكت حميته؛

стр. 72

وأثارت حفيظته؛ وهاجت غضبته. ونحن أولا نضرب لك الأمثال ومنها تعلم إلى أي منزلة من نفاذ الرأي؛ وقوة التأثير؛ وحسن الهدايا؛ وصلَت الأم العربية في ذلك العهد السحيق. جعل قوم لبشر بن أبي حازم الأسدي - وكان عبداً - جُعلاً على أن يهجوا أوس بن حارثة بن لأم. فأخذ يتلفقه بلسانه في كل مجتمع وناد حتى إذا ضاق بأوس أمره أرسل رسولا من لدنه ليشتري العبد من مولاه بالغاً ما بلغ. فلما اشتُري له وجيء به إليه قال له: هجوتني ظالماً لي؛ أنت بين قطع لسانك؛ وحبسك في سرب حتى تموت؛ أو قطع يديك ورجليك وتخلية سبيلك؛ ثم دخل على أمه سُعدى - وكانت قد سمعت كلامه - فقالت له: يا بنّي: مات أبوك فرجوتك لقومك عامة فأصبحت أرجوك لنفسك خاصة؛ وزعمت أنك قاطع رَجُلاً هجاك فمن ما قاله غيره؟ قال: فما أصنع؟ قالت: تكسوه حلتك وتحمله على راحلتك وتأمر له بمائة ناقة. ففعل ما قالت. فملأ بشٌر عراض الآفاق بمدائح أوس. وكان مما مدحه به قوله: إلى أوس بن حارثة بن لأم ... ليقضي حاجتي ولقد قضاها فما وطىء الحصى مثل ابن سعدي ... ولا لبس النعال ولا احتذاها وشبيه بهذا ما حدّث أبان بن تغلب قال: خرجت في طلب الكلأ فانتهيت إلى ماء من مياه كلب؛ وإذا أعرابي على ذلك الماء ومعه كتاب منشور يضطرم وعيداً وتهديداً؛ وجعل يقرأه على من بين يديه من القوم. فقالت له أمه وهي في خبائها - وكانت مُقْعَدَة كَبرا - ويلك! دعني من أساطيرك! لا تَحْمل عقوبتك على من لم يحمل عليك؛ ولا تتطاول على من لم يتطاول عليك؛ فإنك

стр. 73

لا تدري ما تُقرَّبُك إليه حوادث الدهر. ولعل من صيرك لهذا اليوم أن يصير غيرك إلى مثله غداً؛ فينتقم منك أكثر مما انتقمت منه؛ فاكفف عما أسمع منك: ألم تسمع إلى قول الأول: لا تعاد الفقير عللّك أن تر ... كع يوماً والدهر قد رفعه وأما ابتعاثها الهمم من مكانها؛ وانتضاؤها العزائم من أغمادها؛ فذلك ما لا يكلفها جهد القول؛ فحسب الكلمة أن تخرج من فيها هادئة وادعة؛ فيكون لها ما بعدها. ومَثَل ذلك ما روى الراوون أن ذؤاب بن أسماء العبسي قتل عبد الله بن الصمة - وكان ذؤاب بطلاً أَيِّداً عتيداً - فلبث دريد يترقبه حتى أعياه. فلما انقضى الحول ولم يأخذ بثار أخيه قالت له أمه ريحانة بنت معد يكرب: يا بني عجزت عن طلب الثأر بأخيك فاستعن بخالك وعشيرته من زَبيد. فأنف لذلك. وحلف أن لا يَّدهن ولا يكتحل؛ ولا يمس طيباً؛ ولا يأكل لحماً؛ ولا يشرب خمراً؛ حتى يدرك ثأره. ثم استجمع لعبس وفاجأهم وأوقع بهم واقتاد ذؤاباً أسيراً وذهب به إلى فناء أمه فقتله بمرقب منها قال لها: هل بلغت ما في نفسك؟ قالت نعم مُتعت بك. ألا إن أشد ما يملك النفس من أمر أولئك النساء أن يدفعن بأبنائهن في غمرة الواجب؛ ومن دونها رَصَدَ الموت؛ وبذل المهجات؛ لأن مية العز أروح في نفوسهن وأمثل بأبنائهن؛ من حياة العجز. ودونك حديثاً؛ لولا أن التاريخ العرب حافل بالكثير من مثله؛ لكان أنشودة العظمة والفخار لتلك الأمة المجيدة الكريمة. ذلك أن ظعائن بني كنانة خرجن في ركبهم؛ وكان على خفارتهن ثلاثة

стр. 74

من رجال القوم أحدهم ربيعة بن مكدَّم - وكان غلاماً فتياً له ذؤابتان - فبينما هم في طريقهم أبصروا بجمع من بني سُليم يملك عليهم عُرض الطريق؛ وبين الحيين ثارات وأحقاد لا تلتئم جراحها؛ ولا تخمد جذوتها. فقال ربيعة لمن معه: أنا آتيكم بخبر القوم. فلما هّم بالسير قالت امرأة: هرب مني ربيعة! فقالت أخته: أين تنتهي نفرة الفتى؟! فعطف عليهن وقد رجف بما سمع منهن وقال: لقد علمت أنني غير فَرق ... لأطعنن طعنةً وأعتنق أصبحهم صاحي بمحمرّ الحدق ... عَضْباً حساماً وسناناً يأتلق ثم انطلق يعدو به فرسه؛ فأصاب رجلاً من بني سليم فقتله، ورماه رجل منهم بسهمه فأصاب يده فنزف دمه؛ فلحق بالظعائن يستدمي حتى انتهى إلى أمه؛ فقال: اجعلي على يدي عصابة. ثم أخذ يقول: شُدي علَىّ العصب أمَّ سَيّار ... فقد رُزيت فارساً كالدينار يَطَعنُ بالرُّمح أمام الأدبار أما أمه فلم يذهب بلبها ما رأت؛ ولم يفلتها ما سمعت من شطر قلبها عن السير به في سبيل الواجب. فما كان جوابها إلا قولها: إنا بنو ثعلبة بن مالكْ ... مُرَزّأ أخيارُنا كذلكْ من بين مقتول وبين هالكْ ... ولا يكون الرزء إلا ذلكْ قالت ذلك بينما هي تشد العصابة، فاستسقاها ماء فقالت إن شربت الماء مت؛ ولكن كُر على القوم فكر راجعاً يشتد على القوم وينزفه الدم؛ وقال للظعائن أوضعنْ ركابكن حتى تنتهين إلى أدنى البيوت من الحي فإني لمائت

стр. 75

وسوف أقف دونكهن فأعتمد على رمحي فلا يقدمون عليكن لمكاني؛ ثم وقف على فرسه يعترض طريق القوم وركز رمحه في الأرض واعتمد عليه؛ وهنالك فاضت روُحه والقوم عنه؛ لا يقدّمون هيبة له؛ ورعباً من بلائه واعتقاداً منهم بأنه رابض في موقفه ربضة الأسد المستجمع المتحفز. فلما طال بهم موقفهم ورابهم مكان صاحبهم؛ رماه أحدهم بسهم فأصاب فرسه فوقع جثة هامدة؛ على حين اعتصم النساء بالحي لم يكن إليهن من سبيل. فلُقب ربيعة منذ يومئذ بحامي الظُّعُن؛ وهو الذي حماهن حيّاً وميتاً. كذلك تقذف الأم بولدها في لهوة الموت وما به من هوان عليها؛ ولا بها من غَناء عنه. فهو عَرف الحياة تتنسمه؛ ونور الوجود تتلمسه. ومن أجل ذلك آثرته بحياة الخلود؛ حياة المجد والحمد والذكر الكريم. ألا إن الناس ليظلمون تاريخ العرب أن زعموا أن حانماً مُسْتنُّ الجود بين العرب فذلك ميراُ أمته ائتمنه عليه؛ وسجيتها طبعته عليها؛ فما كان له إلا أن يكون جواداً كريماً. لقد كانت عُتبة بنت عفيف أم حاتم الطائي موفورة الثروة؛ فياضة اليد؛ فكانت لا تبقى على شيء إذا قصدها سائل؛ أو هبط بفنائها نزيل. فلما رأى أخوتها إتلافها حجروا عليها مالها؛ حتى إذا ظنوا أنها قد وجدت ألم ذلك أعطوها طائفة من إبلها؛ فجاءتها امرأة من هوازن كانت تأتيها كل سنة تسألها فقالت لها: دونك هذه الإبل فخذيها؛ فواله لقد عضني الجوع ما لا أضيّع معه سائلاً. وأنشأت تقول: لعمرك قِدماً عضى الجوع عضة ... فآليت ألاّ أمنع الدهرَ جائعا
следующие страницы →