Полный текст (543 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
ثم يقول في وصفه:
وإذا رميت به الفجاج رأيته ... يهوى مَخارمَها هُوِىَّ
وإذا نظرت إلى أَسِرَّة وجهه ... برقت كبرق العارض المتهلَّل
صعب الكريهة لا يرام جَنَابة ... ماضي العزيمة كالحسام المِقْصَلِ
يحمي الصحابَ إذا تكون عظيمة ... وإذا هُمُ نزلوا فمأوى العُيّل
ولم يكن ذلك شأن من ذكرنا من النساء فحسب؛ بل لقد كانت العرب تعيّر من قصّرت به أمه في بعض ذلك وتسبه به.
وبعد فذلك ما تواصى به نساء العرب في تربية أطفالهن وهن في جاهليتهن الأولى وما يبتغي الأطباء بعد بضعة عشر قرناً من عهدهن أن يكون النساء أتم عناية بأبنائهن وأشد حرصاً عليهم من كل ذلك.
ويدرج الطفل بعد ذلك فتجعل الأم مسلاته حديث الأبطال؛ وآيات النزال وبذل النوال؛ واصطناع الرجال. ثم يشب فتنشر بين يديه من جليل العظائم كتاباً؛ وتقيم بين عينيه من جميل المكارم محراباً؛ وتتعاهده كما يتعاهد الزارع الضَّنين منابت الغَرْس؛ ومساقط الغَيْث. إن احتكمت به نزوة الشر؛ وطاشت بلبه سورة الحقد؛ بغير حق وفي غير حزم؛ عَّطفت صدره؛ وألانت جانبه؛ وأوضحت نهج الخير له. وإن سكنت همته؛ وفترت عزمته؛ أذكت حميته؛
стр. 72
وأثارت حفيظته؛ وهاجت غضبته. ونحن أولا نضرب لك الأمثال ومنها تعلم إلى أي منزلة من نفاذ الرأي؛ وقوة التأثير؛ وحسن الهدايا؛ وصلَت الأم العربية في ذلك العهد السحيق.
جعل قوم لبشر بن أبي حازم الأسدي - وكان عبداً - جُعلاً على أن يهجوا أوس بن حارثة بن لأم. فأخذ يتلفقه بلسانه في كل مجتمع وناد حتى إذا ضاق بأوس أمره أرسل رسولا من لدنه ليشتري العبد من مولاه بالغاً ما بلغ. فلما اشتُري له
وجيء به إليه قال له: هجوتني ظالماً لي؛ أنت بين قطع لسانك؛ وحبسك في سرب حتى تموت؛ أو قطع يديك ورجليك وتخلية سبيلك؛ ثم دخل على أمه سُعدى - وكانت قد سمعت كلامه - فقالت له: يا بنّي: مات أبوك فرجوتك لقومك عامة فأصبحت أرجوك لنفسك خاصة؛ وزعمت أنك قاطع رَجُلاً هجاك فمن ما قاله غيره؟ قال: فما أصنع؟ قالت: تكسوه حلتك وتحمله على راحلتك وتأمر له بمائة ناقة. ففعل ما قالت. فملأ بشٌر عراض الآفاق بمدائح أوس. وكان مما مدحه به قوله:
إلى أوس بن حارثة بن لأم ... ليقضي حاجتي ولقد قضاها
فما وطىء الحصى مثل ابن سعدي ... ولا لبس النعال ولا احتذاها
وشبيه بهذا ما حدّث أبان بن تغلب قال: خرجت في طلب الكلأ فانتهيت إلى ماء من مياه كلب؛ وإذا أعرابي على ذلك الماء ومعه كتاب منشور يضطرم وعيداً وتهديداً؛ وجعل يقرأه على من بين يديه من القوم. فقالت له أمه وهي في خبائها - وكانت مُقْعَدَة كَبرا - ويلك! دعني من أساطيرك! لا تَحْمل عقوبتك على من لم يحمل عليك؛ ولا تتطاول على من لم يتطاول عليك؛ فإنك
стр. 73
لا تدري ما تُقرَّبُك إليه حوادث الدهر. ولعل من صيرك لهذا اليوم أن يصير غيرك إلى مثله غداً؛ فينتقم منك أكثر مما انتقمت منه؛ فاكفف عما أسمع منك: ألم تسمع إلى قول الأول:
لا تعاد الفقير عللّك أن تر ... كع يوماً والدهر قد رفعه
وأما ابتعاثها الهمم من مكانها؛ وانتضاؤها العزائم من أغمادها؛ فذلك ما لا يكلفها جهد القول؛ فحسب الكلمة أن تخرج من فيها هادئة وادعة؛ فيكون لها ما بعدها. ومَثَل ذلك ما روى الراوون أن ذؤاب بن أسماء العبسي قتل عبد الله بن الصمة - وكان ذؤاب بطلاً أَيِّداً عتيداً - فلبث دريد يترقبه حتى أعياه. فلما انقضى الحول ولم يأخذ بثار أخيه قالت له أمه ريحانة بنت معد يكرب: يا بني عجزت عن طلب
الثأر بأخيك فاستعن بخالك وعشيرته من زَبيد. فأنف لذلك. وحلف أن لا يَّدهن ولا يكتحل؛ ولا يمس طيباً؛ ولا يأكل لحماً؛ ولا يشرب خمراً؛ حتى يدرك ثأره. ثم استجمع لعبس وفاجأهم وأوقع بهم واقتاد ذؤاباً أسيراً وذهب به إلى فناء أمه فقتله بمرقب منها قال لها: هل بلغت ما في نفسك؟ قالت نعم مُتعت بك.
ألا إن أشد ما يملك النفس من أمر أولئك النساء أن يدفعن بأبنائهن في غمرة الواجب؛ ومن دونها رَصَدَ الموت؛ وبذل المهجات؛ لأن مية العز أروح في نفوسهن وأمثل بأبنائهن؛ من حياة العجز. ودونك حديثاً؛ لولا أن التاريخ العرب حافل بالكثير من مثله؛ لكان أنشودة العظمة والفخار لتلك الأمة المجيدة الكريمة.
ذلك أن ظعائن بني كنانة خرجن في ركبهم؛ وكان على خفارتهن ثلاثة
стр. 74
من رجال القوم أحدهم ربيعة بن مكدَّم - وكان غلاماً فتياً له ذؤابتان - فبينما هم في طريقهم أبصروا بجمع من بني سُليم يملك عليهم عُرض الطريق؛ وبين الحيين ثارات وأحقاد لا تلتئم جراحها؛ ولا تخمد جذوتها. فقال ربيعة لمن معه: أنا آتيكم بخبر القوم. فلما هّم بالسير قالت امرأة: هرب مني ربيعة! فقالت أخته: أين تنتهي نفرة الفتى؟! فعطف عليهن وقد رجف بما سمع منهن وقال:
لقد علمت أنني غير فَرق ... لأطعنن طعنةً وأعتنق
أصبحهم صاحي بمحمرّ الحدق ... عَضْباً حساماً وسناناً يأتلق
ثم انطلق يعدو به فرسه؛ فأصاب رجلاً من بني سليم فقتله، ورماه رجل منهم بسهمه فأصاب يده فنزف دمه؛ فلحق بالظعائن يستدمي حتى انتهى إلى أمه؛ فقال: اجعلي على يدي عصابة. ثم أخذ يقول:
شُدي علَىّ العصب أمَّ سَيّار ... فقد رُزيت فارساً كالدينار
يَطَعنُ بالرُّمح أمام الأدبار
أما أمه فلم يذهب بلبها ما رأت؛ ولم يفلتها ما سمعت من شطر قلبها عن السير به
في سبيل الواجب. فما كان جوابها إلا قولها:
إنا بنو ثعلبة بن مالكْ ... مُرَزّأ أخيارُنا كذلكْ
من بين مقتول وبين هالكْ ... ولا يكون الرزء إلا ذلكْ
قالت ذلك بينما هي تشد العصابة، فاستسقاها ماء فقالت إن شربت الماء مت؛ ولكن كُر على القوم فكر راجعاً يشتد على القوم وينزفه الدم؛ وقال للظعائن أوضعنْ ركابكن حتى تنتهين إلى أدنى البيوت من الحي فإني لمائت
стр. 75
وسوف أقف دونكهن فأعتمد على رمحي فلا يقدمون عليكن لمكاني؛ ثم وقف على فرسه يعترض طريق القوم وركز رمحه في الأرض واعتمد عليه؛ وهنالك فاضت روُحه والقوم عنه؛ لا يقدّمون هيبة له؛ ورعباً من بلائه واعتقاداً منهم بأنه رابض في موقفه ربضة الأسد المستجمع المتحفز. فلما طال بهم موقفهم ورابهم مكان صاحبهم؛ رماه أحدهم بسهم فأصاب فرسه فوقع جثة هامدة؛ على حين اعتصم النساء بالحي لم يكن إليهن من سبيل. فلُقب ربيعة منذ يومئذ بحامي الظُّعُن؛ وهو الذي حماهن حيّاً وميتاً.
كذلك تقذف الأم بولدها في لهوة الموت وما به من هوان عليها؛ ولا بها من غَناء عنه. فهو عَرف الحياة تتنسمه؛ ونور الوجود تتلمسه. ومن أجل ذلك آثرته بحياة الخلود؛ حياة المجد والحمد والذكر الكريم.
ألا إن الناس ليظلمون تاريخ العرب أن زعموا أن حانماً مُسْتنُّ الجود بين العرب فذلك ميراُ أمته ائتمنه عليه؛ وسجيتها طبعته عليها؛ فما كان له إلا أن يكون جواداً كريماً.
لقد كانت عُتبة بنت عفيف أم حاتم الطائي موفورة الثروة؛ فياضة اليد؛ فكانت لا تبقى على شيء إذا قصدها سائل؛ أو هبط بفنائها نزيل. فلما رأى أخوتها إتلافها حجروا عليها مالها؛ حتى إذا ظنوا أنها قد وجدت ألم ذلك أعطوها طائفة من إبلها؛
فجاءتها امرأة من هوازن كانت تأتيها كل سنة تسألها فقالت لها: دونك هذه الإبل فخذيها؛ فواله لقد عضني الجوع ما لا أضيّع معه سائلاً. وأنشأت تقول:
لعمرك قِدماً عضى الجوع عضة ... فآليت ألاّ أمنع الدهرَ جائعا
стр. 76
فقولا لهذا اللائمي اليوم أعفني ... وإن أنت لم تفعل فَعضَّ
فماذا عساكم أ، تقولوا لأختكم ... سوى عذلكم أو عذل من كان مانعاً
وماذا ترون اليوم إلا طبيعة ... فكيف بتركي يا ابن أم الطبائعا
تلك أثارة نفاذ المرأة العربية في بنيها واحتكامها بنفوسهم؛ واستثارتها روح الفضائل والمكارم فيهم؛ وما بلغت ذلك إلا بفرط حبهم لها؛ ولياذهم بها؛ وعكوفهم عليها. ومن أمثالهم: إلى أمة يَلهَفُ الَّلهْفان
ولقد بلغ من كرامتها عليهم؛ ووفور منزلتها بينهم؛ أن السُّليك بن السُّلكة السَّعدي وأمه جارية حبشية - أطار نومه، وأثار همه، أن تشتل بلاد العرب على خالاته، ونظائر أمه، جواري قد ملكهن الرق، وأزرى بهن التبذل، وودَّ لو وجد من ذات يده ما يمكنه من افتدائهن. فذلك حيث يقول
أشابَ الرأس أني كل يوم ... أرى لي خالة بين الرحال
يَشُقُّ عَلَى أ، يَلقين ضيما ... ويَعْجِزُ عن تخلصِهِنّ مالي
ذلك أمر المرأة في بنيها. فأما بناتها فهن أتم بها ائتماماً؛ وأطول معها مقاماً؛ وأكثر لها لزاما. ومن أجل ذلك كن بها أشبه؛ وكان أدبها بهن أمثل؛ لعمر أبيك إنهن لزهر الروض شبيه بعضه ببعض؛ وهن لأمهاتهن أولى بقول من يقول:
فإن يك سيار بن مكرم انقضى ... فإنك ماء الورد إن فقد الورد
ولا تزال الفتاة عاكفة على أدب أمها حتى تحمل إلى زوجها فإذا احتملت طوقتها بوصية تجمع بين شتاتها أشد ما يحوجها في دار زوجها.
стр. 77
وإن لك فيما أنه سائقه إليك من الحديث لآية بالغة بما كان للمرأة يومذاك تكرمة
وتأديب:
ذلك أن الحارث بن عمرو ملك كندة خطب إلى عوف بن مُحَلِّم الشيباني ابنته؛ فلما كان يوم بنائه بها وأرادوا أن يحملوها إليه قالت لها أمها:
أي بنية: إن الوصية لو تركت لفضل أدب؛ تركت لذلك منك؛ ولكنها تذكرة للغافل ومعونة للعاقل؛ ولو أن امرأة استغنت عن الزوج لغنى أبويها، وشدة حاجتهما إليها؛ كنت أغنى الناس عنه؛ ولكن النساء للرجال خلقن، ولهنّ خلق الرجال. . .
أي بنية: إنك فارقت بيتك الذي منحه خرجت، وعشك الذي فيه درجت، إلى رجل لم تعرفيه؛ وقرين لم تألفيه، فكوني له أمَة، يكن لك عبداً واحفظي له خصالا عشراً يكن لك ذخراً؛ أما الأولى والثانية فالخشوع له بالقناعة؛ وحسن الطاعة. وأما الثالثة والرابعة فالتفقد لموضع عينه وأنفه، فلا تقع عينه منك على قبيح ولا يشم منك إلا أطيب ريح وأما الخامسة والسادسة فالتفقد لوقت منامه وطعامه فإن تواتر الجوع مَلهبة؛ وتنغيص النوم مَغضبة. وأما السابعة والثامنة فالاحتراس بماله والإرعاء على حشمه وعياله، وملاك الأمر في المال حسن التقدير، وفي العيال حسن التدبير وأما التاسعة والعاشرة فلا تعصين له أمراً ولا تفشِنّ له سرا فإنك إن خالفت أمره؛ أو غرت صدره؛ وإن أفشيت سره، لم تأمني غدره.
ثم إياك والفرح بين يديه إن كان ترِحاً، والترح بين يديه إذا كان فرحا، فإن الخصلة الأولى من التقصير والثانية من التكدير، وكوني أشد ما تكونين له إعظاماً، يكن أشد ما يكون لك إكراماً، وأشد ما تكونين له موافقة؛ يكن أطول ما يكون لك مرافقة.
стр. 78
واعلمي أنك لا تصلين إلى ما تحبين حتى تؤثري رضاه على رضاك وهواه على هواك؛ فيما أحببت أو كرهت؛ والله يخيرُ لكِ.
ثم احتملت إليه فعظم موقعها منه وولدت له الملوك السبعة الذين ملكوا بعده اليمن.
وقالوا إن النعمان بن المنذر تزوج أربعاً من أربع قبائل تأييداً لعرشه وتثبيتا لملكه
واحدة أنمارية: والثانية سُلمية؛ والثالثة نمرية؛ والرابعة أسدية.
فقال للأولى: ما أوصتك به أمك؟ فقالت: قالت لي. عطري جلدك وأطيعي زوجك واجعلي الماء آخر طيبك.
وقال للثانية: ما أوصتك به أمك؟ فقالت: قالت لي؛ لا تجلسي بالفناء؛ ولا تكثري المراء؛ واعلمي أن أطيب الطيب الماء.
وقال للثالثة: ما أوصتك به أمك؟ فقالت: قالت لي؛ لا تطاوعي زوجك فُتمِليه ولا تعاصيه فتشْكيه؛ وأصدقيه الصفاء؛ واجعلي آخر طيبك الماء.
وقال للرابعة: ما أوصتك به أمك؟ فقالت: قالت لي أَدني ستَرك؛ وأكرمي زوجك؛ واجتنبي الإباء واستنظفي بالماء.
стр. 79
المرأة العربية في عامة حياتها
عملها
الورهُ والخرق خلتان ينبو عنهما طبع الحرة الشريفة، فلا تطيقهما، ولا تحتمل أن توصم بهما.
فأما الورهاء فالهوجاء التي لا يتم لها عمل. وأما الخرقاء فالتي تدعى العمل ولا تحسنه. وهما بغيضتان إلى العرب جميعاً. وقديماً تحاموْهما وتواصَوا باجتنابهما مهما أوتيتا من بسطة الثراء. ودرجتا بين مهاد النعماءِ لأن الفراغ مدعاة الملل، والملل سبيل الفساد.
في سبيل ذلك يقول الحارث بن كعب المذْجحي لبنيه - وقد جمعهم بين يديه في آخر عهده بالحياة: - إياكم والورهاءَ، فإنها أدوأ الداء، وتجنبوا الخرقاء، فإن ولدها إلى أفن يكون.
إن امرأة واحدة من قريش عرف عنها الحزن فكانت تجتلب الصوف فتغزله ثم تنقض ما تغزله. وبرغم ما كان لها من سعة العيش ودعة الحياة اتخذها العرب مثلا سائراً. كلما رأوا رجلا رزق اليسار وحُرم حسن التصرف فيه قالوا: خرقاء وجدت صوفاً. وإليها أشاروا، وبها شبهوا. وهي التي جعلها الله جل ذكره مضرب المثل في ذلك فقال: ولا تكونوا كالتي نُقَضَت غَزْلها من بَعد قوة أنكاثاً.
стр. 80
لذلك لم يكن بدعاً أن تأبى ابنة أوس بن حارثة على نفسها أن تكون زوجاً للحارث بن عوف لأنها لا عمل لها، فهي لا كفاية لها، وهي التي ستحتمل من دار سيد العرب إلى دار سيد العرب!.
تلك أثارة من البيان بما كان للمرأة يومذاك من داعية إلى العمل.
فأما ذلك العمل فعلى نوعين:
نوع شامل ينضوي تحته النساء جميعاً وفيهن المدللة، والسرية السنية، قضاء
للواجب، ودافعاً للملل، وتفادياً من سوء الأحدوثة. وآخر يتخذنه مجلبَةً للرزق، ومَعْدَاة على الحاجة، وعونا على الزمن، ودفعاً لسؤال اللئيم.
فمن الأول:
أ - أُسْوُ الجراح، وشد العظام، وحياطة الدم دون النزيف. ونفاذهن في ذلك شبيه بنفاذ الرجال في أساليب القتال، ومقارعة الأبطال، لحاجتهن إليه إذا اتقدت الحرب، واشتجرت السيوف، ونفذت الرماح إلى أعطاف الصدور. فهنالك يغتمرن الموقعة حاملات أداوى الماء، وإلى جانب كل منهن ما تحتاج إليه الجراح من لفائف وجبائر وما سوى ذلك.
وهن يسمَين لذلك بالأواسي. وفيهن يقول قيس بن الخطيم وقد طعن عدوّة طعنة منفسحة الجوانب جمة الشعاب:
طعنت ابن عبد القيس طعنة ثائر ... لها نفَذٌ لولا الشعاع أضاءها
يهون على أن تَرد جراحها ... عيون الأواسي إذ حمدت بلاءها
فجعل أقصى طعنته القاتلة أن ترد جراحها عيون الأواسي فلا يجدن إلى شفائها سبيلا.
стр. 81
وقد انبلج صبح الإسلام على كرائم حسيبات رافقن الغزاة الفاتحين مسعفات آسيات فكن في المحل الأمكن من نفوس المسلمين جميعاً. ولنا إليهن عودة في الكلام على المرأة المسلمة إن شاء الله.
ب - غزل أصواف الغنم وأوبار الإبل. وذلك مُسْلاَتُهُنَّ وأداة لهوهن. ومن أمثالهن في ذلك: نعْم لَهْوُ الحُرَّة المغْزَل.
ج - الضرب على المعَازف من دفوف وطبول وصنوج ومزاهر ومزامير وطنابير وأشباهها. بذلك كن يلهون في أفنيتهن أيام مواسمهن ومجامعهن وبذلك كن يخرجن مبتهجات لملاقاة بطل مظفر أو عند نبوغ شاعر مبين. وقد خرج
نساءُ بني النجار وولائدْهنّ للقاءِ النبي ﷺ عازفات على المزاهر صادحات متغنيات.
وممن برع في الغناء ماوّية ابنة عَفزر إحدى ملكات الحيرة وهي التي زوجت نفسها فيما بعد من حاتم الطائي. وكانت على سموّ مكانها تتلقى فتيان العرب فيفضون إليها بأشعارهم فتوَقَّعه إليهم بصوت يميد بأجسامهم ويهز ما ضّمت عليه صدورهم.
ومما ذكروا أن الحارث بن ظالم أساء إليه خالد بن جعفر بين يدي النعمان فخرج يهدرُ غضباً حتى انتهى إلى ماوية فاقترح عليها أن تغني هذه الأبيات:
تعلَّم أَبَيْتَ الَّلعْنَ إني فاتك ... من اليوم أومِنْ بعده يا ابن جعفر
أخَالِدُ قد نبهتني غير نائم ... فلا تأمَننْ فتكي يَدَ اَلَدهر واحذر
стр. 82
أَعَّيرْتَنيِ أَن نِلْت منا فوارساً ... غداة حُراضٍ مثلَ جِنات عبْقَرِ
أصابهمُ الدهر الخَتُورُ بختْرِهِ ... ومن لا يقِ الله الحوادث يَعثُرِ
فخرج من عندها ينتفض كالمحموم لفعل الصوت به، ونفاذ الإيقاع في نفسه، حتى عثر بخالد فقتله.
على أن الغناء من حيث هو فنٌ ومرتزق لم يكن في شيء من نساءِ العرب. بل كان صناعة موقوفة على القَيان، وهن اللواتي يُجْتَلَبْن من أطراف بلاد الفرس والروم. وأول من شد بالغناء في زعم العرب قيْنتان لمعاوية بن بكر أحد العماليق الأول تدعيان بالجرادتين ثم ذاع الغناء على أثرهما بين القيان لأنهن كن يغنين الشعر العربي بالألحان الفارسية واليونانية فيكون له في أسماع العرب تأثير لا يناله الوصف.
وفي أولئك القيان ومجالس غِنائهن عمرو بن الإطْنابة ملك الحجاز:
علِّلاني وعللا صاحبيا ... واسقياني من المُروَّق ريَّا
إن فينا القيان يعزفن بالدّف ... لفتياننا وعيشا رخيَّا
يتبارين في النعيم ويصببُن ... خِلاَلَ القرون مسكاً ذكيا
إنما هَمُّهن أن يتحلين ... سموطا وسُنْبُلاً فارسيا
من سُمُوط المَرْجَانِ بالدُّر ... فأحسن بِحَلْيهنّ حُليَّا
د - إلى كل ذلك تقوم المرأة بأمر البيت، وما إليه من إعداد المطاعم، ورعاية الخيل، وهنئ الإبل.
стр. 83
ولا يفوتنا وقد ذكرنا حاجة المنزل أن نلم بشيء من مطاعم العرب لأنها أمسُّ الأعمال بالمرأة، وألزم لها، فنقول:
قوام هذه المطاعم اللبن والتمر والبر والشعير والعسل والسكر والأرزُ والزبد واللحم والزيت والشحم والسمن.
وأشمل مطاعمهم الثريد والحيْس وهو من التمر يغلى مع اللبن والسمن ثم يدهك بعضه ببعض. وقد يضاف إليه بعد ذلك السَّويق.
ولهم فيما عدا هذين مطاعم مألوفة. منها:
الفالوذج: وكان عبد الله بن جدعان القُرشي قد أكله على مائدة كسرى فلما بلغ من نفسه سأل فقيل له هو لباب البر يُلبَكُ مع العسل فابتاع غلاماً فارسياً وقدم به مكة بها الفالوذج ومن هناك ذاع بين العرب.
والسَّخية: وهي متخذة من الدقيق دون العصيدة في الرقة وفوق الحساء. وأكثر ما عرفت عند قريش. وأشدّ ما يألفونها عند جهد وشدة الأزمات وكانوا يعيرون بها حتى سميت قريش في موطن التعريض والتنابز بالألقاب بالسخية.
قال حسان بن ثابت يهجو قريشاً:
زعمت سخية أن ستغلب ربها ... وليغلَبَّن مُغالب الغلاب
والبريك: وهو الرطب يؤكل بالزبد أو السمن.
والحزيرة: وهي أن ينصب القدر بلحم يقطع صغاراً على ماء كثير نضج ذر عليه الدقيق فإن لم يكن لحم فهو عصيدة.
стр. 84
والربيكة: وهي التمر بالسمن والأقِط فيؤكل وربما صب عليه الماء فشرب وفي المثل: غَرْثان فاربكوا له. وذلك أن رجلا قدم على أهله وهو جائع عطشان فبشر بغلام وأتوه به فقال: والله ما أدري أآكله أم أشربه فقالت امرأته: غرثان فاربكوا له. فلما طعم وشرب قال: كيف الطلا وأمُّه؟
والبسيسة: وهي الدقيق أو السويق يْلتُ بالسمن أو الزبد.
والفَريقة: وهي شيء يعمل من البرَّ ويخلط فيه أشياء للنُّفساء.
ومما يصنع للنَفساء أيضا
الفُؤارةَ: وهي الحلبة تطبخ بالتمر.
والحريرة: الحساء من الدَسم والدقيق.
والبَهَط: وهو من الأرز يطبخ باللبن والسَّمن.
والمتتبع لمعاجم اللغة يستوقفه كثير من هذه المطاعم. وهي على امتزاج موادها بسيطة هينة لا تعنتُ صانعتها ولا تُثقل طاعمها.
وأما أعمال الارتزاق فالمرأة فيها قسيمة الرجل وشهرتها فيها تكاد تتمشى مع شهرته.
فهم يقولون عن رُدَيْنة أنها صانعة رماح بالبحرين. وإليها تنسب الرماح الردينية وهي أكرم الرماح جوهراً وأسرعها نفاذاً وأمنعها على اغتماز.
وكانت السيدة خديجة رضى الله عنها على نُبلها وسناء شرفها ذات متاجر واسعة ينتقل بها أتباعها بين الحجاز والشام. ومثلها في معاناة التجارة هند بنت عُتبة زوج أبي سفيان ابن حرب سرِى قريش وثريها.
стр. 85
وهنالك أعمال يتناولها ذوات الخصاصة من النساء دفعاً للحاجة واستدفاعاً لذل
السؤال.
ومن ذلك جمع الكمأة من الأودية وبيعها؛ ودبغ الجلود؛ وتنميق الحصير وانتجاع الأسواق؛ وارتياد مختلف الأحياء؛ لابتياع التمر والعسل والسّمِن؛ أو بيعها؛ أو استبدالها بأمثالها؛ واعتراض الركبان في مغداهم ورواحهم بالقُدُور والأدَم يبعْنها عليهم؛ والطواف على الفتيان والفتيات بالعطر يُطَيبْنهم به؛ والنداء في الأحياء بين النساء بالخرز لتحلية الثياب وبالعقود والدمالج والقرِطَةِ وودعات الأطفال وهي عقودهم من الودع.
ومن النساء من اتخذن النياحة على الموتى عملا ومهنة. ومن أمثال العرب في ذلك ليست النائحة الثّكْلَى كالمستأجرة.
ومنهن من همهّن تَعَرفُ الغيب وكشف حجب المستقبل. ولهن في ذلك وسائل. منها زجر الطير. وذلك أن تضرب الطير بحصاة أو تصبح به فيطير فان كان ما تراه منه مَيامِنه فهو سانح وإن أراها مياسره فهو بارح وأكثر العرب يتفاءلون بالسانح ويتشاءمون بالبارح. قال ذو الرُّمة:
خَلِيلىّ لا لاقيتُما ما حييتما ... من الطير الا السانحات وأسعدا
ومنهم من يتفاءلون بالبارح ويتشاءمون بالسانح. قال الأعشى:
أجارَهما بِشْرٌ من الموت بعدما ... جرى لهما طير السنيح بأَشأَم
وشبيه بالطير عند العرب الظباء فهي تزجر كما تزجر. غير أن لهذه قوماً؛ ولتلك آخرين.
ومنها الطرق بالحصى. وذلك أن تضرب المرأة على الرمال بالحصى وتخط
стр. 86
عليها خطوطاً متعارضة؛ ثم تلقى على من بين يديها ما ينم عنه ذلك النظام من كوامن السر وخفيات الأمور. وهاتان الصناعتان وإن آمن بهما دَهماءُ العرب وعامّتهم فقد سخر بهما عقلاؤهم وذوو آرائهم. وفي ذلك يقول لبيد بن ربيعة:
لعمرك ما تدري الطوارق بالحصا ... ولا زاجرات الطير ما الله صانع
ويقول ضابئ بن الحارث:
وما عاجلات تدنى من الفتى ... نجاحاً ولا عن رْيثهنَّ يَخيبُ
ورب أمور لا تُضيرُك ضيرة ... وللقلب من مخْشاتِهِنَّ وجيبُ
ولا خَيْرَ فَيمنْ لا يوطَن نفسه ... على نائبات الدهر حين تنوب
ويقول المرقّش:
ولقد غدوت وكنت لا ... أغدو على واقٍ وحاتِم
فإذا الأشائمُ كالأيا ... مِن والأيامن كالأشائم
وكذاك لا خَيْر ولا ... شَرٌّ على أحد بدائم
ويقول النابغة:
تَعَلّمْ أنَّه لا طيْر إلا ... على مُتَطَيَّرٍ وهُوَ الثُّبُورُ
بَلى شيءٌ يوافق بعض شيء ... أحاييناً وباطلُه كثيرُ
ويقول جهم الهُذلى:
يَظنّان مرة يُخْطئاِنهِ ... وأُخْرَى على بَعْضِ الذي يَصِفانِ
قضى اللهُ أن لا يَعْلَم الْغَيب غيره ... ففي أي أمر الله يمتَربان
ومنها الكهانة والعرافة. وهما آثر علوم القوم؛ وأنفذها في نفوسهم؛ وأجلبُها لتصديقهم وإقرارهم؛ ولهما القول الفصل في حكومتهم وخصوماتهم. وهم يقولون
стр. 87
إن مرجع هذين العلمين إلى الملائكة لأن رفاق الكهان والعرافين من الجن يعلو بعضهم بعضاً حتى يقاربوا السماء فيسترقوا السمع أن مما يتحدث به سكانها، والكهنة والعرافة كلمتان تكادان تترادفان. إلا أن من اللغويين من فرّق بينهما يأت الكهانة علم إدراك الماضي، والعرافة علم إدراك المستقبل.
وهذان العلمان وإن ادعاهما الرجال والنساء على سواء فإن جمهور العرب يرى
أن النساء فيهما أعمق، وأن أخبارهن أصدق، ورفاقهن من الجن أدق وأوثق.
وفي الحديث الذي أورده عليك يتبين لك رأي العرب في الكواهن ومبلغهن من علمهن:
حدث محمد بن ظَفَر في كتابه خير البُشَر بخير البَشَر فقال: رُوى أن مَرْثَدَ ابن عبد كُلالَ قفل من غزاة غزاها بغنائم عظيمة. فوفد زعماء العرب وشعراؤها وخطباؤها يهنئونه، فرفع الحجاب عن الوافدين وأوسعهم عطاءً، واشتد سروره بهم. فبينما هو كذلك إذ نام يوماً فرأى رؤيا في المنام أخافته وأذعرته وأهالته وهو نائم، فلما انتبه نسيها حتى لم يذكر منها شيئاً، وثبت في نفسه بها، فانقلبت سروره حزناً، واحتجب عن الوفود حتى أساء به الوفود الظن. ثم إنه حشر الكهان فجعل يخلو بكل كاهن كاهن، ثم يقول له أخبرني عما أريد أن أسألك فيجيبه الكاهن بأن لا علم عندي، حتى لم يدع كاهنا عَلَمِهُ إلا كان إليه منه ذلك. فتضاعف قلقه، وطال أرقه. وكانت أمه قد تكهنت، فقال له أبيت اللْعن أيها الملك! إن الكواهن أهدى إلى ما تسأل عنه، لأن أتباع الكواهن من الجان ألطف وأظرف من أتباع الكهان. فأمر مما أراد علمه. ولما يئس من طَلَبته سلا عنها. ثم
стр. 88
إنه بعد ذلك ذهب يتصيد فأوغل في طلب الصيد، وانفرد عن أصحابه، فرُفعت له أبيات في ذرى جبل، وكان قد لفحه الهجير، فعدل إلى الأبيات وقصد بيتاً منها كان منفرداً عنها، فبرزت إليه عجوز فقالت له: أنزل بالرْحب والسعة، والأمن والدعة، والجفنة المُدَعْدَعة، والعُلْبة المتْرعة. فنزل عن جواده ودخل البيت. فلما احتجب عن الشمس، وخفقت عليه الأرواح، نام. فلم يستيقظ حتى تصَرَّم الهَجِير فجلس يمسح عينيه. فإذا بين يديه فتاة لم يرى مثلها قَوَاما، ولا جمالا فقالت: أبيتَ اللعْن أيها الملك الهمام، هل لك في الطعام؟ فاشتد إشفاقه وخاف على نفسه لما رأى أنها عرفته، وتصامم عن كلمتها فقالت له: لا حذر، فَذَاك البَشَر، فَجدُّك
الأكبر، وحظنا بك الأوفر. ثم قربت إليه ثَرِيداً وقَديداً وحَيْساً. وقامت تَذثبُّ عنه، حتى انتهى أكله. ثم سقته لبنا صريفاً وضريباً. فشرب ما شاء وجعل يتأملها مقبلة مدبرة، فملأت عينيه حسنا، وقلبه هوى، فقال لها: ما أسمك يا جارية؟ قالت اسمي عُفَيْراءُ. فقال لها: يا عفيراءُ، من الذي دعوته بالملك الهمام؟ قالت مَرْثَدٌ عظيم الشأن، حاشُر الكواهن والكهان لمُعْضلة بَعدَ عنها الجان. فقال: يا عفيراءُ أتعلمين تلك المعضلة؟ قالت أجل أيها الملك، إنها رؤيا منام، ليست بأضغاث أحلام. قال الملك: أصبت يا عفيراءُ، فما تلك الرؤيا؟ قالت رأيت أعاصير زوابع، بعضها لبعض تابع، فيها لَهَبٌ لامع، ولها دخان ساطع، يقْفُوها نهر متدافع وسمعت فيما أنت سامع، دعاءَ ذي جرسٍ صادع.
стр. 89
هَلمُّوا إلى المَشَاَرع، فروى جارع؛ وغرق كارع؛ فقال الملك: أجل؛ هذه رؤياي فما تأويلها ياعفيراءُ؟ قالت: الأعاصيرُ الزوابع؛ ملوك تبايع؛ والنهر علْمٌ واسع؛ والداعي نبي شافع؛ والجارع وَليٌ تابع؛ والكارع عدوٌّ مُنازع. فقال الملك: يا عفيراءُ؛ أَسلْمٌ هذا النبي أم حرب؟ فقالت أقسم برافع السماء؛ ومنزل الماء من العماءِ؛ إنه لُمطِلّ الدّماءِ؛ ومنطْق العقائل نطق الإمام؛ فقال الملك: إلامَ يدعو يا عفيراءُ قالت: إلى صلاة وصيام؛ وصلة أرحام؛ وكَسر أصنام؛ وتَعْطيل أزلام؛ واجتناب آثام؛ فقال الملك: يا عفيراءُ إذا ذَبَحَ قومهُ فمن أعضاده؟ فقالت: أعضاده غظاريف يمانون؛ طائرهم به ميمون؛ يُغزيهم فَيغْزُون؛ ويُدَمّث بهم الحُزُون؛ وإلى نصره؛ فأطرق الملك يؤامر نفسه في خطْبتها. فقالت: أبيتَ اللعن أيها الملك؛ إن تابعي غَيُور؛ ولأمري صَبُور؛ وناكحي مثْبور؛ والكَلفُ بي ثَبُور. فنهض الملك وجال في صهوة جواده وانطلق فبعث إليها بمائة ناقة كوماءِ.
ومن النساء من يَنْفُثن العُقد؛ وتلك قواعد السحر. وذلك أن تأتي المرأة بخيط أو وتر وتقرأ عليه شيئاً من مبهم القول ومعجمه، وبينا هي تقرأ تنفث في الخيط
وتعقد عقدة منه ثم تدفنه في مَعْطن من الأرض فلا تزال الجن موكلة بأذى المسحور به ما دام الخيط في موطنه. وأولئك هن اللواتي أمر الله نبيه
стр. 90
صلى الله عليه وسلم أن يستعيذ منهن فقال: (وَمِنْ شَر النَّفَّاثاتِ في العُقَدِ).
وهنالك المراضع. وكان نساءٌ من البادية يأتين المدائن والقرى مِلاَءَ الأثداءِ فَيؤُبْن بولدان الحَضَر يُرْضعنهم؛ ويتعهدن منابتهم؛ بين ملاعب البدو؛ ومضارب الخيام.
وكانوا يختارون المُرضع في نفسها وعشيرتها فأيهن كانت أسمح خُلُقاً؛ وأقوم خَلْقاً؛ وأبْيَنَ بياناً. وأعزَّ نفراً، فهي الظافرة السابقة.
وكان من شيم العرب وأخلاقهم إذا ولد لهم ولد أن يلتمسوا له مرضعة في غير قبيلتهم ليكون أنجب للولد وأفصح له. ومكن أجل ذلك دفع النعمان بن المنذر بابنه إلى بني مرة ليُسترضع فيهم فأرضعته سلمى بنت الحارث بن ظالم.
وكان رسول الله صلى الله عليه يُرجع فصاحته المُعجزة إلى منبته في قريش واسترضاعه في بني سعد وهو الذي يقول: أنا أعْرَبُكُم وُلدت في قريش واستُرضعت في بني سعد. وقال له أبو بكر: ما رأيت أفصح منك يا رسول الله. فقال: ما يمنعني! وُلدت في قريش وأُرضعت في بني سعد
وفي حديث حليمة بنت أبي ذؤيب مرضع رسول الله ﷺ تجد خبر المراضع وخروجهن إلى قرى العرب يبتغون المآب بأطفالهم.
قالت: خرجت في نسوة من بني سعد عشرة يطلْبن الرُّضعاء، في سنة شَهْباء، على أتان قمراءَ، معنا شارِف ما تبضُّ، وما كنا ننام ليلتنا أجمع من صبينا الذي معنا، ما في ثدي ما يغنيه، وما في شارفنا ما يغذيه، حتى قدمنا مكة. فما منا امرأة إلا وقد عُرض عليها رسول الله ﷺ فتأباه
стр. 91
إذا قيل لها يتيم. وذلك أنَّا إنما نرجو من أبي الصبى، فكنا نقول يتيم ما عسى أن تصنع أمه وجده؟ فكنا نكرهه لذلك، فما بقيت امرأة معي إلا أخذت رضيعاً غيري. فلما أجمعنا
الانطلاق قلت لصاحبي: والله إني لأكره أن أرجع من بين صواحبي: ولم آخذ رضيعاً والله لأذهبن إلى ذلك الرضيع فلآخذته. قال: لا عليك، عسى الله أن يجعل لنا فيه بركة، فذهبت إليه فأخذته.
وفي حديث أخر أَن حليمة قالت: استقبلني عبد المطلب فقال: من أنت؟ فقلت: أنا امرأة من بني سعد، قال: ما اسمك؟ قلت: حليمة، فتبسم عبد المطلب وقال: بَخٍ بخٍ سعد وحلم، خصلتان فيهما خير الدهر، وعزَّ الأبد، يا حليمة إن عندي غلاما يتيماً، وقد عرضته على نساء بني سعد فأبين أن يقبلنه، وقلن ما عند اليتيم من الخير؟ إنما نلتمس الكرامة من الآباء، فهل لك أن ترضعيه، فعسى أن تسعدي به؟ فقلت: ألا أنظرني حتى أشاور صاحبي؟ فانصرفت إلى صاحبي فأخبرته، فكأن الله قذف في قلبه فرحاً وسروراً فقال لي يا حليمة خذيه. فرجعت إلى عبد المطلب فوجدته قاعداً ينتظراني فقلت: هلم الصبيَّ. فاستهَلَّ وجهه فرحاً. فأخذني وأدخلني إلى بيت آمنة فقالت لي. أهلاً وسهلا وأدخلني في البيت الذي فيه محمد ﷺ ، فإذا هو مُدْرَج في صوف أبيضَ من اللبن، وتحته حريرة خضراء، راقد على قفاه يغط، تفوح منه رائحة المسك، فأشفقت أن أوقظه من نومه لحسنه وجماله، فوضعت يدي على صدره فتبسم ضاحكاً وفتح عينيه إلىَّ فخرج من عينيه نور حتى دخل خلال السماءِ وأنا أنظر إليه. فقبَّلته بين عينيه وأخذته.
والعرب يأبون أن تؤجر الحسيبات منهن على الرضاع. ويقولون في ذلك: تجوعُ الحرة ولا تأكل بثدييها.
стр. 92
على أن هذه الصناعات وإن آذن بعضها باتضاع في منزلته وهبوط في مادته فليس منها ما يؤذن بضَعَة في الخُلق. ولا ثَلمة في العقل، ولا ذلة في الحياة وإن كان شريفاتُ العرب وربات الحسب منهم يتعالين عن الارتزاق بالصناعة فلم يتجاوزن بذلك حد الإدلال بالعز، والمباهات بالغنى. فأما شرف النفس ونقاء
العرض وصدق القول، وفرط الإباء، فهن فيها على سواء، وبين يدينا حديث عن امرأة تبيع الخرز بالبادية. وتلك المرأة وإن تأخر بها الزمن إلى أول العهد الإسلامي فإن في عراقة بداوتها ما يلحقها بالجاهليات. وقَلَّ من نساء الأعراب من غيَّرها الإسلام في طبع أو عادة أو خُلُق.
أما الحديث فقد رواه رُسْتَم العَبْديّ قال:
خرجت من مكة زائراً لقبر النبي ﷺ إذا جَويَرية تسوق بعيراً وتترنم بصوت حلو بهذا الشعر:
فيا أيها البيت الذي حِيلَ دونه ... بنا أنت من بيت وأهلُك من أهل
بنا أنت من بيت دخولك لذة ... وظلك لو يُسْطاع بالبارد السهل
ثلاثة أبيات فبيت أُحبه ... وبيتان ليسا من هواي ولا شكلي
فقلت لمن هذا الشعر يا جُويرية؟ فقالت: أما ترى تلك الكَوَّة التي عليها الحمراءُ قلت: أراها. قالت: من هناك نجم الشعر. فقلت: أفحَيٌّ قائله؟ قالت هيهات! لو أن لميت أن يرجع لطول غيبة كان ذلك!. فأعجبني فصاحة لسانها، ورقة ألفاظها. فقلت ألك أبوان؟ فقالت: فقدت أكبرهما وأكثرهما وأجلَّهما، ولي أم. قلت: فأين أمك قالت: منك بمرأى ومسمع. وإذا امرأة تبيع الخرز على ظهر الريق بالجُحْفة. ثم قالت: ياأم، شأْنك، فاستمعي من عمي
стр. 93
ما يلقي إليك. فقالت: حياك الله هِيِه، هل من جائية بخير؟ قلت: هذه بُنَيَّتك؟ قالت: كذا كان أبوها يقول! قلت أتزوجينها؟ قالت: لعلة ما رغبت فبها! فوالله ما لها جمال، ولا لها مال. قلت: لحلاوة لسانها، وحسن عقلها. قالت: أُّينا أمْلك هي أم أنا؟ قلت: هي قالت: إياها فخاطب! قلت: تستحي أن تجيب غلى مثل هذا. قالت: ما هذا عندها، أنا أخبرُ بها. فقلت يا جارية، أما تسمعين ما تقول أُمك. قالت أسمع. قلت: ما عندك؟ قلت بحسبك أن قلت تستحي في مثل هذا! فإذا كنتُ من شيء فلم أفعله؟!. . . قالت ذلك ثم
اعتزمت في إبائها وانصرفت.
وشبيه هذا الحديث وما ضمَّ من صراحة في الرأْي، ومجانبة للكلفة، وحسن نسق في الكلام، بما أسلفنا من أحاديث ذوات الشرف والسنا من النساء. وفي ذلك وأمثاله ما يدلك على أن الدم العربي يتدفق إلى تلك القلوب من معين واحد، ويجري غلى غاية واحدة.
وبعد فإن لأولئك النساء على ما بينهن من تباين في العمل، وتناءٍ في الحالات عملاً عامَّا، يجتمعن إليه، ويشتركن فيه. ذلك هو اقتياد مشاعر الرجال وتصريف أزمَّتها، بما أوتين من نفاذ في الرأْي، وسعة في الحيلة. وقوة في الأسلوب لا لرجالهن وأبنائهن فَحسب. بل للقول جميعاً: إن عصفت برؤوسهم عاصفة الشر واحتكمت بنفوسهم الحمية: حمية الجاهلية، سكَّن الثائر وأطفأْن النائرة. وإن بردت دماؤهم، وخَمَدت عزائمهم، وقَرّوا على الذل، وأغضْوا على القذى، هْجِن أشجانهم، وابتعثن أضغانهم، ورمينهم بكلمات دونها حَر الطعان، ووخز السنان. فهي ركن الأمة، وعماد البلاد، إن رجفت بها الأرض ومادت بأطرافها الحادثات.
ولقد أخذ الربيع بن زياد العامري درع قيس بن زهير العبسي وغصبه إيّاها وأبى
стр. 94
أن يعيدها وكلاهما سيد قومه. وبرغم ما بينهم من المصاهرة استحكمت حلقات الخلاف بينهما، وقام كل يستصرخ قومه. وكاد السيف يكون حكماً بين الحَّيين لولا كلمات من امرأتين حسمت الجرح، ورأيت الصدع، وردت إلى ذي الحق حقه.
فأما أولاهما ففاطمة أم الربيع. عرض لها قيس في طريقها وهي على راحلتها في مسير لها. فأراد أن يتخذها رهينة بدرعة. فقالت له: أين عزب عنك عقلك يا قيس؟ أترى بنى زياد مصالحيك وقد ذهبت بأُمهم يميناً وشمالا وقال الناس ما قالوا وشاؤا؟ وإنَّحَسْبك من شّرٍ سماعهُ. فأخجل ذلك القول قيساً وتركها وهو يفكر في أمره.
وأما الثانية فالجُمانة بنت قيس، قالت لأبيها لما شَرق ما بينه وبين الربيع؛ دعني أناظر جدي، فإن صلح الأمر بينكما وإلا كنت من وراء رأيك. فأذن لها فأتت الربيع فقالت: إذا كان قيس أبى فإنك يا ربيع جدي، وما يجب له من حق الأبوة علَّى كالذي يجب من حق النبوة لي. والرأي الصريح تبعثه العناية، وتجلى عن محضه النصيحة، إنك قد ظلمت قيساً بأخذ درعه، وأجد مكافأته إياك سوء عزمه، والمعارض منتصر، والبادي أظلم، وليس قيس ممن يخوَّف بالوعيد، ولا يردعه التهديد. فلا تركنن إلى منابذته، فالحزم في متاركته، والحرب متلفة للعباد، ذهّابه بالطارف والتلاد، والسلم أرخى للبال، وأبقى لأنفس الرجال وبحقّ أقول لقد صدعت بحكم، وما يدفع قولي إلا غير ذي فهم. ثم أنشأت تقول:
أبي لا يرى أن يترك الدهَر درعهَ ... وجدي يرى أن يأْخذ الدرع من أبي
فرأْى أبي رأْي البخيل بماله ... وشيمة جدي شيمة الخائف الأبي
ولعمري لقد صدع الرجل بقوله ابنته. وكان ذلك فصل الخطاب.
стр. 95
أما صيحتها في القوم إن طالت رقدنهم، وهانت شوكتهم واطمأنت نخوتهم فأهون منها الوثوب على أنياب الأفاعي، وركوب أطراف الأسنة.
وأي جبان أمة يسمع قول عفيرة بنت عفان:
وإن أنتمو لم تغضبوا بعد هذه ... فكونوا نساء لا تعاب من الكحل
ودونكمو طيب العرس فإنما ... خلقتم لأثواب العروس وللغسل
فبعداً وسحقاً للذي ليس دافعاً ... ويختال يمشي بيننا مِشْية الفحل
أو يسمع قولها بين مستجر القنا وتحت ظلال السيوف: ألا إن خضاب النساء الحناء وخضاب الرجال الدماء.
ويسمع قول حُكيم بن عمرو العبدي:
فإن لم تنالوا نيلكم بسيوفكم ... فكونوا نساء في المُلاءِ المُخَلَّق
أي جبان أُمة يستمع هذا القول وأشباهه من بين شفاه النساء فلا يترشف الدماء، كما يترشف الظماء برد الماء.
ولما خرجت قريش إلى أحد لقتال رسول الله ﷺ خرج معهن نساؤهم يحملون الدفوف ويبكين على أصواتها المشجيات قتلى بدر فيوقدن بذلك نار الثأر في قلوب الرجال.
ثم لما التقى الجيشان خاض المسلمون في أحشاء قريش، فانخلعت شُعيب قلوبهم وانحلت عُقد صفوفهم، وطرح لواؤهم تحت أقدامهم، فلم يقدم رجل على حمله، حتى كانت عَمْرة بنت علقمة هي التي أخذته فرفعته. فاجتمعت قريش حولها وهنالك أخذت هند بنت عتبة ومن حولها من نساء قومها يتغنين بالمُقيم المُقعد من الشعر. وكان من غنائهن:
стр. 96
نحن بنات طارق ... نمشي على النمارق
إلى آخر الأبيات التي أسلفناها في يوم تحلاق اللمم. ويقلن أيضاً:
وَيْهاً بنى عبد الدار ... وَيْهاً حُمَاة الديار
ضربا بكل بَتَّار
فكان ذلك أشد عليهم من فتكات السيوف. فانقلبوا يقاتلون المسلمين حتى ظفروا بهم.
لم يكن كله جهد ما بلغته المرأة في مواطن القتال، ومجالات النزال، بل لقد اقتحمت الطريق إلى أقصى مداه فقادت الجحافل، وهتكت المعاقل، ونالت من مهج الأبطال كل منال.
فقد عَبَرت طيء دهراً طويلاً تفيء في غزواتها إلى امرأة منهم يقال لها رَقَاش يعتزون بقوتها، ويستضيئون برأيها، ويطالعون النجح من خفقة سيفها، ووميض عزيمتها.
تلك طيء بيضة اليمن، وعرين البواسل، ومربض القادة الكماة، والذادة الحماة، ومثار الكرم والبيان، والحرب والعَوَان، عقدت ألويتها على امرأة منهم فملكت بها رقاب أياد، وخلعت قلوب من سواهم.
أما بعد فذلك عمل المرأة في بيتها، وبين عشيرتها، وفي مادة الحياة ومعناها. أفلا ترها في عامة ما تقصده وتعمد إليه مَفَيض الخير، ومعين الأمل، وعتاد البيت، وَعِماد البلاد؟.
стр. 97
حجابها وسفورها
إن المرأة التي تضرم جمرة الحرب، وتخوض غمرتها، وترسل الكلمة فتعنوا لها الوجوه، وتتخلع من هولها القلوب! لا يضيرها أن تخرج - سافرة - إلى الرجال، تحت ظلال السلم، أو بين لوافح الحرب، وليس بنافعها أن تتوارى عن العيون، وتُسدل من دونها الحجاب.
تلك كلمة نقدمها بين يدي موضوعنا لتعلم أن المرأة العربية إذا أرخت قناعها أو حسرته عن وجهها فليس ذلك قي شيء من خياطة السرف أو ابتذاله.
ونحن إذا تكلمنا عن حجاب المرأة العربية فإن حقَّا علينا قبل ذلك أن نكشف عن معنى ذلك الحجاب حتى يكون حكم التاريخ فيه واضحاً لا عِوجَ فيه.
يطلق الحجاب على واحد من اثنين:
أولهما: قرار المرأة في دارها والاحتجاب دون الرجال فلا تكون بمرأى ولا مسمع منهم.
الثاني: إرخاء القناع على وجهها إذا غادرت دارها لبعض شأنها.
أما الأول فما كان بالمرأة من حَرَج أن تغشي مجالس الرجال، وتطرُق أنديتهم، وتخطب في محافلهم ومشاهدهم، لا في الخطب الملم، والأمر المهم، وكفى؟ بل في القليل التافه من الشئون أيضاً. فقد فصلنا فيما أسلفنا حديث امرأتين قامت كل
واحدة تثني على زوجها في نادي قومه بعد طلاقها منه من غير تحرج ولا استحياء.
وهنالك في سوق عكاظ وهو أحفل مجامع العرب، وأجمع مواسمهم، كان النساء يأتين من كل صوب وحَدَب على اختلاف مقاماتهن، وانشعاب ديارهن، فيزاحمن الرجال بالمناكب في كل ما قصدوا له، واحتفلوا به. فبينما كنت ترى امرأة تناضل الرجل في حومة القول، إذا بأخرى تخطب الناس. وإلى جانب من هؤلاء امرأتان تتناشدان الشعر وقد اجتمع عليهما خلق كثير.
стр. 98
فلقد حدثوا أن هند ابنة عتبة، والخنساء بنت عمرو بن الشريد، تلاقتا هنالك، فتذكرتا مصيبتهما، وكانت الأولى قد قتل عنها أبوها وعمها وأخوها يوم بدر. ومات عن الثانية أبوها وأخوها، وادّعت كل واحدة أنها أوجع مصاباً، وأَحَرُّ كبداً من أختها ولكي تفي كل بدليلها جاءَت بأبرع الشعر وأروعه في وصف مصابها، وجُهد ما فعل بها وبقومها. ثم انصرفتا وقد جاش بالناس الحزن، وتملكهم الإعجاب.
وما كانت الخنساء ولا صاحبتها بالتي ينكرها أحد من العرب، فهما جميعاً في المكان الأرفع من زكاء الحسب، وسناء المنزلة.
تقول العرب في أمثالها: ما يوم حليمةَ بِسّر. فَمْن حليمة وما يومها؟
стр. 99
أما حليمة فهي ابنة الحارث بن أبي شَّمر ملك الشام. وكانت كأجمل أهل دهرها وأكلهم وأما يومها فذلك الذي أقصه عليك: -
استحكمت الجفوة بين المنذر بن ماء السماء ملك الحيرة، والحارث بن أبي شمر الغساني ملك الشام، وطمع كل منهما في صاحبه، فخرج إليه بما ملك من قوة وبأس شديد. وبينا الحارث في طريقه إلى العراق قدم عليه قادم من الحيرة له نسب في الغساسنة فأخبره أن جيش المنذر لا يناله العد وأن لا طاقة له بقتاله!
فلما تراءى الجيشان على عين أُباغ أختار الحارث مائة من فتيانه كلهم شديد البأس، قوي الشكيمة، وأمرهم أن يأتوا المنذر فيفْضُوا إليه بطاعتهم وطاعة أهل الشام جميعاً، حتى إذا أنسوا منه هدواء وغرّة فنكبوا به. ثم أمر ابنته حليمة فطافت بهم فضّمختهم بالمسك جميعاً، - وكان ذلك مما أفاض عليهم حمّية وعزماً - فذهبوا إلى حيث أمروا، وقتلوا المنذر هو في العدد العديد من قومه حتى إذا سمع الحارث وجنده صيحة الظفر من فتيانهم زحفوا فتلاقوا بأعدائهم وأوقعوا بهم.
فراحوا فريق في الإسار ومثله ... قتيل ومثل لاذ بالبحر
ذلك يوم حلمة وهو من أروع أيام العرب وأهواها وحسبه على ما نريد دليلا وأما حجاب الانتقاب فلم يكن له بينهن نظام شامل ولا هيئة واحدة، ففي القبيلة الواحدة ترى اْلبَرْزة وهي التي تجلس إلى الرجال وتجاذبهم الحديث سافرة غير محجوبة والمحتشمة وهي التي ترخي قناعها إذا خرجت عن بيتها فلا تطرحه حتى تعود. وهذا وذلك شأن السن منهن.
стр. 100
وشبيه بذلك شأن الفتيات. فمنهن سقوط القناع وهي التي لا تكاد تنتقب ثقة بنفسها وإدلالا بحسنها أو سيراً على سجيتها، وفي مثلها يقول المسيَّب ابن عَلَس:
إذا تستبيك بأصلَتّيٍ ناعم ... قامت لتفته بغير قناع
ويقول المرقَش الأصغر:
أرتْك بذاتِ الضال منها معاصماً ... وخداً أسيلا كالوذيلةِ ناعما
وإلى هذه يشير عمر بن أبي ربيعة في قوله:
فلما توافقنا وسَلَّمت أقبلت ... وجوه زهاها الحسن أن تتقنعا
ويقول أبو النجم في إحدى أراجيزه:
من كل غراء سقُوط البرقع ... بَلْهَاء لم تحْفَظ ولم تُضَيّع
ويقول الأصمعي: وقد تُلقى المرأة خمارها لحسنها وهي على عفة. وأنشد في ذلك بيت أبي النجم
ومنهن التي لا تكاد تفارق قناعها إذا انحسرت عن دارها: إما لاحتشامها واستحيائها وفي مثلها يقول الشَّنْفَرَي:
فواكبدي على أمية بعد ما ... طمعت فَهْبها نعمة العيش زلت
لقد أعجبتني لا سقوطاً قناعها ... إذا ما مشت ولا بذات تلفُّتِ
وإما لكَلَف أصاب وجهها فهي تجهد أن تستره وفي نحو ذلك ما نقل أبو زيد في نوادره عن أعرابي قيل له: ما تقول في نساء بني فلان؟ فقال: بَرْقعْ وانظر، يريد بذلك أن عيونهن خير ما فيهن.
стр. 101
وشبيه ذلك ما حدث الراغب لأن أسد يا قبيح الوجه خطب امرأة قبيحة فقيل لها: إنه قبيح وقد تعمم لك. فقالت: إن كان قد تعمم لنا فأنا قد تبرقعنا له.
وبين أيدينا أمثال سائرة أرسله العرب تنبئنا أن كشف القناع أغلب حالات فتيات العرب وأمثلها بهن.
فمن ذلك قولهم: تَرَكَ الخِدَاعَ منْ كَشَفَ الْقِنَاعَ، يريدون أن الفتاة لا تستر وجهها إلا لشر تُؤْثر أن تستره.
وقولهم من لا يستر عيبه: كذاتِ الشيبِ ليس لها خَمِارُ فهم لا يرون الخِمارَ لزاما إلا لذات الشيب فإن خليقاً بها أن تواريه.
وقولهم: إن العَوَان لا تَعلَّمُ الْخِمْرَةَ. فأما العوان فالنَّصفُ التي ناهزت الأربعين. وأما الخِمرة فهيئة الالتفاع بالخمار. ومعنى ذلك لان العوان جاوزت السن التي كانت تعاني فيها التقنع فلا تحسنه.
مما جرى مجرى الأمثال ما روى ابن منظور أن امرأة قالت لبعلها: مُر بي على بني نَظَرَي ولا تمر بي على بنات نَقَرى. أي مرَّ بي على الرجال الذين ينظرون
إلىّ ولا تمرّ بي على النساء اللواتي يعبنني ويُنَقّرْن في عرضي.
وشبيه في ذلك ما روى صاحب التهذيب من أمثال العرب أن أعرابية قالت لصاحبة لها: مُرّي بي على النَظَرَى ولا تمري بي على النَّقَرَى.
لكل ذلك لا نتحرج أن نقول إن طرح النقاب كان أغلب حالات نساء العرب. حتى لقد غلا الرازي والطبري فأطلقا الأمر على سنة وجهة فقالا: إن نساء العرب كن يخرجن مكشوفات مُتَبَذَّلات سواءٌ في ذلك حرائرهن أو إماؤهن فأمرن - أي في الإسلام - بلبس الأردية والملاحف وستر الرؤوس.
стр. 102
ذلك قول الإمامين المفسرين أرسلاه على إجماله وطَوَياه على بِلاله ليخبرا به عن حالة شائعة وهيئة غالبة. والقول ما فصلناه فيما أسلفناه.
تلك الحالة الشائعة التي عالجها القرآن الكريم في قوله جلت آيته: (يَا أَيُّهَا النَّبيُّ قُلْ لأزْوَاجِكَ وبِنَاتِكَ ونِسَاءِ المُؤْمِنِينَ يُدنينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلاَبِيِبِهِنَّ ذلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وكانَ اللهُ غَفُوراً رَحيماً).
على أن هناك حالات شاملة لم تكن المرأة أياًّ كانت لتُعني فيها بأمر نقابها. وأشملها حالة الروع إذا اشتملت عليها الوقائع، أو دارت على فريقها الدوائر، وارتقبت من وراء ذلك ذل السباء وعار الإسار. وذلك إما لشغلها بالجليل المهم من الأمر. وإما لخشيتها السباء، فهي تظهر سافرة حاسرة حتى تلتبس بالإماء. وفي هذا الموطن يقول مُهَلهِلٍ بن ربيعة:
قَرِبا مَرْبَط المشَّهر مني ... سوف تبدو لنا ذوات الحجال
ويقول عوف بن عطية بن الَخزعِ التَيْمِي:
ولِنعم فتيانُ لقيتهم ... وإذا النساءُ كالعنقر
من كل واضعة الْخمار وأخْتُها ... تَسْعَى ومنْطَقُتها مكان الِمئْرِز
وتكر أولاهم على أخراهم ... كر الُمحَلَّ عن خلاط الَمصْدَرِ
أم مناحاتهن ومواقف أحزانهن فيها سوافر الوجوه، حواسر الرؤوس، وفي مثل ذلك يقول مُهلهل بن ربيعة:
стр. 103
حتى تبيد قبيلة فقبيلة ... ويَعضَّ كل مثَقّفٍ بالهمام
وتقوم ربات الخدور حواسر ... يمسحن عُرض ذوائل الأيتام
ويقول:
كنا نغار على العواتق ... بالأمس خارجة عن الأوطان
فخرجن حين ثوى كليب حُسَّرا ... مستيقنات بعده بهوان
وترى الكواعب كالظباء عواكلا ... يبكين مصرغه فقد أبكاني
ويقول الربيع بن زياد:
من كان محزوناً بمقتل مالك ... فليأت نسوتنا بوجه نهار
يجد النساء حواسرا يندبنه ... يلطمن أوجههن بالأسحار
قد كن الوجوه تستراً ... فاليوم حين برزن للنّثظار
يضربن حُرَّ وجوههن على فتى ... عف الشمائل طيب الأخبار
وهنالك في أعياد القوم وأعراسهم وبين مظاهر زهوهم وأفراحهم إذا نبغ شاعر حكيم أو قدم قائد عظيم يخرج فتيات الحي سوافر الوجوه يعزفن على المعازف ويرقصن على المزاهر. وَيَتَغنْين بمآثر قوومهن ومفاخرهم ويتمدحن بعظائمهم ومكارهم ويرسلن القول عذباً ندياً في وصف من اجتمعن له واحتفلن به. ولقد راب عنْترة الفَوارِس ما رآه من انتقاب خدينته عبلة دونه وسكوتها عما شُغل به الناس من الإشادة به والثناء عليه بعد مآبه من حرب داحس والغبراء فقال:
إن تُغْدفي القناع فإنني ... طبٌ بأخذ الفارس المُسْتلئم
آثنى على بما علمت فإنني ... سمح مخالفتي إذا لم أُظلم
стр. 104
فإذا ظلِمتُ فإن ظلمي باسل ... مُر مذاقته كطعم العلقم
وما زال يتمدح بحسن ضريبته، ويمن نقيبته، وجهد عزيمته حتى استوفاهن نيّفاً وأربعين بيتاً:
أفلا تراه كيف عد انتقابها دونه إنكاراً لعظيم شأنه، وسموا مكانه؟ ثم ألا تراه كيف ساق إليها من مأثور مكارمه ما كان خليقاً أن تصوغ له، وتُفرغه عليه؟
ذلك ربما اختمرت المرأة حتى إذا التقت بالجبان في طريقها كشفت عن وجهها إزارء به، وإيماء له بأنه ليس بالذي يحتشم منه. وقد حدثوا عن نساء بني الحارث ابن كعب أنهن لم يكنّ يُقَنَّعْن دون جبنائهن. وذلك الذي عناه الحارث بن حلَّزَةَ الْيَشْكُرِيُ في قوله:
عيشي بجَدٍّ لا يضرْ ... كِ النَّوكُ ما أوتيت جدَّا
وضعي قناعك إن رأي ... ت الدهر قد أفنى مَعَدَّا
يقول إذا ذهب بمعد فضعي قناعك فليس هناك عظيم يأخذك الحياء منه كل ذلك شأن الحجاب في أمم العرب الطارئة وهم بنو إسماعيل وحَفَدَةُ قحطان الذين خلفوا على جزيرة العرب بعد أن عصف الدهر بأهلها الأولين.
أما الأمم البائدة - وهن عاد وثمود وطْسم وجَديس والعمالقة وأُخر غيرهن لا يعلمهن إلا الله - فلم يكن الحجاب معروفاً عندهن بل لقد تبرج النساء في تلكم الأيام تبرجاً أخذه الله عليهم فنهى المسلمين عن مثله في قوله تبارك أسمه: (ولا تَبرَّجْنَ تَبُّرجَ الجَاهِليَّةِ الأولى) وفي تفسير هذه الآية الكريمة يقول النيسابوري: كانت المرأة تلبس درعاً من اللؤلؤ فتمشي به وسط الطريق بين
стр. 105
الرجال وفي كل ذلك ما ينبئنا أن طرح النقاب في تلك الحقب المتناكرة لم يكن مرجعه إلى بساطة البداوة وصفاء الملكات بل كان سبيله ما هم فيه من نعومة العيش وصفو الحياة.
على أننا لا زال نثَني القول ونكرره بأن حجاب المرأة العربية وسفورها لم يكونا في شيْ من خُلقها ولا شرفها فقد تسفر الفتاة ترفعاً وكبرياء تحتجب اجتنابا للريب
ودفعاً لسوآت الظنون. ومن ذلك ما كان يفعل الفواجر إذا مررن بديار الحرائر. فقد كن يرخين القناع حتى يسترن عامة وجوههن.
وفي مثل ذلك يقول الحارث بن كعب في وصيته يابَنَّيِ! قد أتت على ستون ومائة سنة ما صافحت يميني يمين غادر ولا قنعت نفسي بخَلَّةِ فاجر ولا صبوت بابنة عم ولا كنة، ولا طرحت عندي مومسة قناعتها.
وكما كان الحجاب في نظامه وسُنته كذلك كان مختلفاً في شكله وهيئته. فهنالك الخمار والقناع والبرقع والنصيف واللثام واللفام وأشباهها.
فأما الخمار والقناع فقريب بعضهما من بعض وكلاهما شُقَّة توضع على الرأس ثم تلاث على جزء من الوجه. ويظهر أن أصل كونهما على الرأس ثم تسدل المرأة شيئاً منها على جزء من الوجه إذا أحوجها ذلك. وشاهد ذلك قول البحتري يصف امرأة اضطرها فأرخت قناعها عَلى فمها.
عَجِلت إلى فضل القناع فآثرت ... عَذَباته بمواضع التقبيل
وأما البرقع فغطاءُ سائر الوجه أو بعضه وله عينان نجلاوان على عيني المرأة وثقوب أخرى يظهر منها شيء من وجهها. ويسمى ذا الثقوب الضيقة بالوصْواص.
стр. 106
ويغلب أن يكون ذلك للإماء. أما ذو الثقوب المنفسخة فهو المَنجول كأن عيونه عيون الحسان النجل وفي ذلك يقول الشاعر:
لهونا بمنجول البراقع حِقبه ... فما بال دهر لزَّنا بالوصاوص
وأما النصيف فثوب رقيق به المرأة فوق ثيابها ، وربما قُنعت ببعضه. وإنما سمى بالنصيف لأنه نصَف بين الناس وبينها! فهو يحجز أبصارهم عنها. وفيه يقول رسول الله ﷺ في وصف الحور العين: ولنصيف إحداهن عنها خير من الدنيا وما فيها ويقول النابغة في وصف المتجردة امرأة النعمان بن المنذر
سقط النصيف ولم ترد إسقاطه ... فتلقفته واتقتنا باليد
أما اللثام والنقاب فكلاهما قناع الوجه من طرف الأنف إلى ما دونه فإن نزل إلى الفم فهو اللفام.
والآن وقد بلغنا من حجاب المرأة، فإن حقا علينا أن نُلم قليلا بثيابها وزينتها وما احتواه بيتها فتقول:
ثيابها
لبست المرأة العربية ضروباً من الثياب مختلفاً فنونها وألوانها مما أخرجته مناسج اليمن وعُمان والبحرين والشام والعراق، وما اجتلته من بلاد فارس وسواحل الهند ومنها مارق نسجة، ودق خيطة، وذلك ما تسميه بالمهلهل المسلسَل والهفّاف. وما كثف حوْكه وضوعفت حواشيه؛ وذلك ما تدعوه بالصفيق، والشبيع، والحصيف. ومنها ما لم يخالط لونه لون آخر. ولهن في ذلك الأبيض والأسود، والأحمر، والأصفر، والأخضر، والمُدَمىَّ - وهو ذو الحمرة القانية - والمشْرق - وهو ما كان وسطاً بين الحمرة والبياض - والمفرق - وهو
стр. 107
ما أشرب بالزعفران - وما اجتمع فيه لونان فما فوقهما ومن ذلك المُشْرَب - وهو الذي يتماوج بين لونين - والمخَطط والمسَهم. بيض - والنّمِيق، أو المنمق - وهو المنقوش - والمُوشى وهو ما اجتمع عليه الزُّخْرُف - والمُعَين - وهو ما أشبهت نقوشه عيون النرجس - والمُصَلب - وهو ما تقاطعت خطوطه كتقاطع الصلبان - والمُذْهب - وهو ما حُبك نسجه بخيوط من الذهب - وفيه يقول سلمى بن ربيعة:
والبيض يرفلن ... كالدمى في الريط والمُذهب المصون
وأما مادتها فالحرير. ومنه الدَّيباج، والدَّمِقْس. والسندس. والاستبرق والخزر وهو وبر دابة كالأرنب تدعى بذلك الاسم ويشبه الحرير في ملاسته ونعومته - ووَبر الأرنب؛ وليس كل أرنب ينخذ وبرها، وإنما هو نوع خاص يجتلب من شمال العراق. والقطن، والصوف، والكتان، وأشباها.
وأما نوعها فجمة العدد، مختلفة الهيئات. وأشملها وأعمها ما أنا سائقه إليك ومنه الشعار والدثار.
أما شعارها على ما يلي جسدها - فالصدار والمُجُول - وهما قميصان قصيران متقاربان لا أكمام لهما ودونهما السراويل
وأما دثارها - وهو ما يلي الشعار - فالدرع - وهو جلباب شامل بدثارها - والنطاق؛ ويلبس دون الدرع - وهو ثوب تشدّة المرأة وسطها وترخي نصفه الأعلى على نصفه الأسفل - وإذا نحن قربناه إلى متناول العصر الحاضر قلنا أنه ملكوف مضاعف. ومن فوق هذا البتَ - وهو ثوب
стр. 108
أخضر مهلهل يحيط بجسم المرأة ويُقَنّع جزء منه رأسها ووجها - فإن لم يكن ظاهر الثوبين رقيقاً شفافاً ليظهر ما يليه. وقد تطلق الحلة على الثوب المبطن. وقد ترتدى فوق ذلك بصنف من الأردية ازدياناً واختيالا أو تصَوُّنا واحتشاما.
ومن هذه الأردية العطاف، أو المِعطف - وهو رداء تلقيه على عطفيها وترسله على جسمها - والرَّيطَة - وهي مَلاءة ذات لفْق واحد أي شقة واحدة -. والْخبَرَة - وهي بُرْدٌ موَشَّى من بُرُود اليمن - وليس هناك وصف أدق لها من قول صبي لحسان بن ثابت لسعه الزَّنبار ولم يكن قد عرف اسمه فقال لأبيه: يا أبت لسعني طائر كأنه مكتلف في بُردى حبَرَة يمانية. وهي أغلى وأبهج ما أرتداه النساء في ذلك العهد. وقد شبه النبي ﷺ الحواميم في القرآن بالحبرات تنويها بها وإشادة بفضلها.
ومن أرديتهن المِرْط - وهي مُلاءة ذات شقتين - وليس بين أرديتهن ما هو أعم استعمالاته منه. ومنها الَّلفاع - وهو رداء تلتفع به - وهو بالشال أشبه.
ولهن غير ذلك الوِشاح - وهو شُقَّة مُرَصَّعة بالجواهر تشدها المرأة بين عاتقيها وخصرها - والسرَق. واحدتُهُ سَرَقة - وهي شقاق من الحرير يلتفعن بها -
والمِطْرَف - وهو رداء مربع من الخزَّ موشى بالأعلم -.
والعَمَرُ - وهو منديل الرأس - ولا يلبسه إلا الحرائر.
وهنالك المِيدع - وهو ثوب تضعه عند معاناة عملها فتصون به غوالي ثيابها من الابتذال - وهو شبيه بما ندعوه بالمريلة قال الضَّبُّي:
أقَدَّمه قُدّام نفسي وأتقي ... به الموت إن الصوف للخز ميدَع
стр. 109
هل تَخِمشن إبلي علىّ وجهها ... أم تعصبنَّ رؤوسها بسلاب
ولهن في هذه المواطن المِسح - وجمعه مسموح - وفيه وفي السُّلُب - جمع سلاب - يقول لبيد:
يَخْمُشْنَ حُرّ أوجه صحاح ... في السُّلُب السود وفي الأمساح
وأما ما تحتذيه فالْخُفُّ - وهو ما طال من الأحذية - والقَفش، أو الكَوْث وهو القصير المكشوف منها. والجورب - وهو شعار القدمين - والقفاز ويتخذ للقدمين واليدين معا، وهو أدق نسجا، وأنضر لونا من الجورب، ولذلك شبهوا به الحناء في اليدين والقدمين فقالوا: تقفزت الفتاة إذا خضبت بالحناء.
حليها
بلاد العرب محفوظة الجنبات بمغاوص اللؤلؤ والمرجان. وهي فوق ذلك مستورَدة للذهب والفضة والزُّمُرُّد والزَّبَرجد والعقيق والياقوت وأشباهها مما يهبط به التجار من مختلف الأقطار ليبيعوه بلؤلؤ العرب ومرجانهم. فليس بعد ذلك أن يتخذ النساء تلك الجواهر معقد زينتهن، ومُجْتَلَب الأبصار إليهن، فلم يتجاف عنها، إلا واحدة من اثنتين: امرأة عنيت بفرط جمالها، وبديع محاسنها، فهي تتركها ثقة بذلك الجمال، واستهانة بأمر الحلي، وتلك التي يدعونها العاطِل، وأخرى امرأة نكبها الدهر، واستلبت منها عزيزاً عليها، فهي تطرحها كراهية للزينة، وإيذاناً بالحِدَاد، وهي التي يسمونها الَمرهاء فأما مَن سواهن فهن جميعاً حاليات.
تقلد الصبية العربية صنوفاً من الحِلي منذ بدء عهدها وأول نشأتها. وذلك حيث يقول الله جل ذكره حاكياً قول جهلة المشركين الذين إذا بُشَّر أَحدُهم بالأْنْثَى ظَلّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وهو كَظيمٌ: أَوَ مَنْ يُنَشَّأُ في الْحِلْيَةِ وهو في الخِصامِ غَيرُ مُبِينٍ فجعلوا التنشئة في الحلية شعار الإناث، وموطن الكناية عنهن.
стр. 110
أما ما عقدت الخناصر عليه من صنوف حليهن، وضروب زينتهن، فذلك الذي أورده عليك:
فهنالك التاج أو الإكليل، وهو عصابة مرصعة بالجواهر تحوط جبين المرأة.
والقُرط، ما علق في أسفل الأذن فأما ما علق في أعلاها فالشّنْف.
والْحبُّ، وهو القرط من حبة واحدة. يسمى الخيط الذي يصل بين القرطين بالعُقاب.
والخِرصْ، الحلقة من الذهب أو الفضة في أذن الصبي والصبية والمرأة. هذا، ويغلب على القرط أن تعلق به جوهرة أو لؤلؤة. وقد ضربوا المثل بقُرطي مارية ابنة ظالم بن وهب الكندي زوج الحارث الأكبر الغساني ملك الشام، وفيهما درّتان كبيضتي الحمام لم ير الراءون أعجب ولا أوضأ منهما، وقد توارثهما نساء الملوك من بعدها حتى كان مآلهما إلى فاطمة بنت عبد الملك، وكانت زوجها لعمر بن عبد العزيز قبل أن يلي الخلافة. فلما وليها قال لها: إن أحببت المقام عندي فضعي القرطين في بيت مال المسلمين. فصدعت بأمره. فلم يزالا في موطنهما من بيت المال حتى انتقض الملك الأموي فذهب خبرهما.
ومن أمثالهم: أنفس من قرطي مارية. يضربونه في كل غال وعزيز عليهم. قولهم: آتيك بما شئت ولو بقرطي مارية. قال قائلهم:
يأيها الملك الذي ... مَلَلك الأنام علانية
المال آخِذه سوا ... يَ وكنتُ عنه ناحية
إني أؤديه إلي ... ك ولو بقُرْطَي مارية
وهنالك القِلادة. وهي ما يجعل بالعنق. ويسمى موطنها بالُمقَلّد. وأنفُسها
следующие страницы →