Полный текст (543 стр.). Показаны 526–543 · переход к 531.
стр. 526
يفضح الوردَ ما حوى منه خدٌّ ... وكذا الثغر فاضح للآلى
ما ترى في دخوله بعد إذن ... أو تراه لعارض في انفصال
ومن شعرها:
سلام يُفَتح زهر الكما ... م وينطق بالشدو ورق الغصون
على نازح قد ثوى في الحشا ... وإن كان تحرم منه الجفون
فلا تحسبوا العبد ينساكم ... فذلك والله ما لا يكون
ومما نسب إليها:
أغار عليك من عيني رقيبي ... ومنك ومن زمانك والمكان
ولو أني خبأتك في عيوني ... إلى يوم القيامة ما كفاني
وعلى سنن ما أسلفت لك سارت المرأة الأندلسية بعد القرن السادس جامحة النفس مخلوعة العذار، ووهنت منه قوة الدين وخفر الحياء، وهدمت ركن البيت ومزقت آصرة الأسرة، وهي الغارس والأمة الغَرس، والباني والأمة البناء، فإذا صرفها اللهو واللعب عما وكلها الله به من حياطة خَلقه ورعاية حقه فما هي إلا نهلة بعد نهلة حتى ينتقض البناء، ويستحكم البلاء وترتفع صيحة القضاء، وتعصف عاصفة الفناء (وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميراً) وكذلك حقت كلمة الله على أهل الأندلس حين ائتمنهم الله على أرضه فلم يرعوا أمانته، واسترعاهم دينه فلم يوفوه رعايته، وأحلهم دار النعمة فأبطرتهم، وسوغ لهم صبابة الأمل فأسكرتهم، وكان ما أصابهم عبر العبر ومُثلةَ المُثلات، فقد ظهر عليهم العدو المستبيح فمرّق رجالهم واستعبد نساءهم وصرع بين أعينهم أطفالهم:
فلو تراهم حيارى لا دليل لهم ... عليهم من ثياب الذل ألوان
ولو رأيت نساهم عند بيعهم ... لهالك الأمر واستهوتك أحزان
стр. 527
يا ربُ أُمّ وطفل حيل بينهما ... كما تفرّق أرواح وأبدان
وطفلةٍ مثل حسن الشمس إذ طلعت ... كأنما هي ياقوت ومَرجان
يقودها العِلجُ للمكروه مكرهة ... والعين باكية والقلب حرّان
لمثل هذا يذوب القلب من كمد ... إن كان في القلب إسلام وإيمان
أثارة من أدب النساء في الأندلس
كتبت ولاّة بنت المستكفي إلى ابن زيدون:
ألا هل لنا من بعد هذا التفرق ... سبيل فيشكو كل صب بما لقي
تمر الليالي لا أرى البين ينقضي ... ولا الصبر ممن رق التشوق معتقي
سقى الله أَرضاً قد غدت لك منزلا ... بكل سكوب هاطل الودق مغدق
للشاعرة الغسانية البجانية وهي من شواعر المائة الرابعة:
عهدتهم والعيش في ظل وصلهم ... أنيق وروض الوصل أخضر فينان
ليالي سعد، لا يخاف على الهوى ... عتاب ولا يُخشى على الوصل هجران
سألت امرأة من شريفات غرناطة حفصة الركونية تذكاراً تكتبه بخطها فكتبت إليها:
يا ربة الحسن بل يا ربة الكرم ... غضي جفونك عما خطه قلمي
تصفحيه بلحظ الودّ منعمة ... لا تحفلي برديء الخط والكلم
كتبت حسانة التميمية إلى الحكم بن الناصر:
أنت الإمام الذي إنقاذ الأنام له ... وملكته مقاليدَ النهي الأممُ
لا شيء أخشى إذا ما كنت لي كنفا ... آوى إليه ولا يعرونيَ العدم
لا زلت بالعزة القعساء مرتديا ... حتى تذل إليك العُرب والعجم
стр. 528
فلما وقف الحكم على شعرها استحسنه ووظف لها عطاء كريماً وكتب إلى عامله على البيره - من أعمال الأندلس - فجهزها بجهاز حسن.
وكان الحكم قد كتب إلى والي البيره بتحرير أملاكها وردها إليها - ولا نعلم كيف نزعت منها - واتفق أن عوجل الحكم بالموت لم يقض الوالي لها بشيء فلما طال مطاله لها ذهبت إلى ابنه الخليفة عبد الرحمن فلما مثلت بين يديه انتسبت إليه، فعرفها وعرف أباها ثم أنشدت:
إلى ذي الندى والمجد سارت ركائبي ... على شحط تصلي بنار الهواجر
ليجبر صدعي إنه خير جابر ... ويمنعني من ذي الظلامة جابر
فإني وأبنائي كفه ... كذي الريش أضحى في مخالب كاسر
جدير لمثلى أن يقال مَرُوعة ... لموت أبي العاصي الذي كان ناصري
سقاه الحيا، لو كان حيا لما اعتدى ... علىَّ زمان باطش قادر
أيمحو الذي خطته يمناه جابر ... لقد سام بالإملاك إحدى الكبائر
ثم بسطت أمرها وأرته أبيه فقبله وقال: لقد تعدى لبيد طوره حتى رام نقض رأى الحكم، وحسبنا أن نسلك سبيله بعده، ونحفظ بعد موته عهده، انصرافي يا حسانة فقد عزلته لك ووقع بمثل توقيع والده، وأجازها بجائزة كريمة فشكرت له صنيعه بقصيدة جاء فيها:
ابن الهشامين خير الناس مأثرة ... وخير منتجع يوما لرُوّاد
إن هز يوم الوغى أَثناء صعدته ... روَّى أنابيبها من صرف فرصاد
قل للإمام أيا خير الورى نسباً ... مقابلا بين آباء وأجداد
جوَّدت طبعي ولم ترض الظلامة لي ... نهاك فضل ثناء رائح غاد
فإن أقمتُ ففي نعماك عاطفة ... وإن رحلت فقد زودتني زادي
стр. 529
لأمّ العَلاء بنت يوسف الحِجَارِيَّة - من شواعر المائة الخامسة:
كل ما يصدر منكم حسنُ ... وبعليا كمْ تحلّى الزمن
تعطِف العين على منظركم ... وبذكراكم تَلَذّ الأذن
من يعيش دونكُم في عمره ... فهو في نيل الأماني يغبن
وخطبها رجل أشيب فكتبت إليه تقول:
الشيب لا يُخدَع فيه الصبي ... بحيلة فاسمع إلى نصحي
فلا تكن أجهل مَن في الورى ... يبيت في الجهل كما يضحي
وقالت تعتذر:
افهم مطارح أقوالي وما حكمت ... به الشواهد واعذرني ولا تلم
ولا تكلني إلى عذر أبينه ... شر المعاذير ما يحتاج للكلم
وكل ما خلته من زلة فبما ... أصبحت في ثقة من ذلك الكرم
لأم السعد بنت عصام الحِمْيرية القرطبية:
آخ الرجال من الأبا ... عِدِ والأقاربَ لا تقارب
إنّ الأقارب كالعقا ... رب أو أشدّ من العقارب
للسيدة أمَة العزيز:
لحاظكم تجرحنا في الحشا ... ولحظنا يجرحكم في الخدود
جرح بجرح فاجعلوا ذا بذا ... فما الذي أوجب جرح الصدود
حكى الوزير أبو المغيرة بن حزم قال:
نادمت يوماً المنصور بن أبي عامر في مُنيه السرور بالزاهرة ذات الحسن النضير وهي جامعة بين روضة وغدير، فلما تضمخ النهار بزعفران العشي. ورفرف غراب
стр. 530
الغروب الدجوجي، وأسبل الليل جنحه، وتقلد السماك رمحه، وهم النسر بالطيران، وعام في الأفق زورق الزّبرقان، أوقدنا مصابيح الراح، واشتملنا مُلاء الارتياح، وللدجن فوقنا مُلاء مضروب، فغنتنا عند ذلك جارية تسمى أُنس القلوب، وقالت:
قدم الليل عند ستر النهار ... وبدا البدر مثل نصف السواري
فكأن النهار صفحة خدّ ... وكأن الظلام خط عِذَار
وكأن الكؤوس جامد ماء ... وكأن المدام ذائب نار
نظري قد جنى عليّ ذنوباً ... كيف مما جنته عيني اعتذاري
يا لقومي تعجبوا من غزال ... جائر في محبتي وهو جاري
ليت لو كان لي إليه سبيل ... فأُقضّي من الهوى أوطاري
كتب أبو عامر بن نيق إلى هندية جارية أبي محمد بن عبد الله بن مسلمة الشاطي يدعوها بهذين البيتين:
يا هند هل لك في زيارة فتية ... نبذوا المحارم غير شرب السلسل
سمعوا البلابل قد شدت فتذكروا ... نغمات عودك في الثقيل الأول
فكتبت في ظهر رقعته:
يا سيداً حاز العلا عن سادة ... شم الأنوف من الطراز الأول
حسبي من الإسراع نحوك أنني ... كنت الجواب مع الرسول المقبل
كان عباد المعتضد كلفاً بجاريته العَبّادية فسهر ليلة وهي نائمة فقال:
تنام ومدنفها يسهر ... وتصبر عنه ولا يصبر
فانتبهت له وأجابته:
لئن دام هذا وهذا له ... سيهلك وجداً ولا يشعر
стр. 531
لحفصة الركونية تذم عبيدها:
يا رب إني من عبيدي على ... جمر الغضا ما فيهم من نجيب
إما جهول أبلهٌ متعبٌ ... أو فطن من كيده لا يجيب
لزينب المُرية:
يا أيها الراكب الغادي لِطِيتَّه ... عرج أنبيك عن بعض الذي أجد
ما عالج الناس من وجد تضمنهم ... إلا ووجدي به فوق الذي وجدوا
حسبي رضاه وأني في مسرته ... وودّه آخرَ الأيام أجتهد
دعا أمير المؤمنين الناصر بحَجَّامه ليفصده، واتخذت لذلك الأهبة في البهو الكبير من قصر الزهراء، فحين تقدم الحجام من سيده أطل عليه زرزور من حديقة القصر فتغنى بهذين البيتين:
أيها الفاصد رفقاً ... بأمير المؤمنينا
إنما تفصد عرقاً ... فيه محيا العالمينا
فنظر الناصر إلى الطائر وأصغى إليه وقد ملكه العجب والإعجاب وسألا عمن أوحى إليه ذلك الوحي البديع فقيل إنها السيدة الجليلة مرجانة زوج أمير المؤمنين وأم ولي عهده فضوعف سروره وإعجابه.
أما بعد فتلك طائفة من الأدب النسوي بالأندلس؛ وهو على ما به من ظرف ورقة لم يبلغ مبلغ نظيره في العراق، لأن هذا كان يغذيه طبع المرأة العربية في البادية، والجارية الفارسية في الحضر، ولكليهما منحى يستخف النفوس والأرواح، فالمرأة البدوية كانت كأفضل النساء صفاءٍ في الطبع، ونقاءً في النفس، وسموّاً في الخاطر وجلالا في الغرض، وروعة في الأسلوب، وكانت الجارية الفارسية على
стр. 532
ما علمت مثار الفتنة والسحر في الغناء والشعر، وكان للناس في العراق منم هذين الموردين معين غدِق، وروض خصيب، وهما من وسائل الرقة التي امتزجت بالأدب العربي في العراق.
أما المرأة الأندلسية فمع مجاذبتها للرجل كثيراً من أطراف العلم والأدب لم تأت منه بما يعلو عن مألوف الكلام إلا قليلا، لأن للأدب النسوي جمالا خاصا تنقله المرأة عن المرأة لا عن الرجل، ولو أن المرأة العربية المتحضرة في العراق عنيت برواية الأدب النسوي في البادية وأخذت كفايتها منه وعمدت إلى ما أخذت فصقلته على غرار الحضارة وغذته بماء النعيم لأتت بأطيب الثمرات وأنداها على
القلوب والأكباد.
ولا أعلم كيف غفل متأدبو الأندلس ومؤلفوهم عن استقصاء شعر نسائهم والعناية بتقييده، فهم يسمنوا ولادة بنت المستكفي: عُلية الأندلس، ويدعون حمدة بنت زياد خنساء المغرب، وهم مع ذلك لا يذكرون لكليهما إلا القليل المحدود من الشعر الذي أثارته مناسبة أو قيدته حادثة، وقد لا يكون هذا من أفضل ما قالت الشاعرة، بل قد يكون فوق ذلك غَثّاً تافهاً لا شأن له، في حين أنهم دعوا ابن هانئ المغربي متنبئ الغرب وابن خفاجة الأندلسي صَنوبري الأندلس ذكروا لهما ما جل ودق من شعرهما حتى لم يُعد شيء منه خافياً عن أحد، والعجب أن هذا القليل المحدود الذي نقل عن نساء الأندلس كان يتناوله مؤلفو القوم بعضهم عن بعض، فليس هناك تبسط في النقل ولا استفاضة في البحث عن شعر النساء، فهل لم تأت خنساء العرب بأكثر من بضعة عشر بيتاً من الشعر أكثرها مداعبات ومطارحات، وهل لم تأت علية الأندلس بأكثر من عشرين بيتاً بعضها منسوب لغيرها! أقول ولعل لأن أكثر الكتب التي
стр. 533
وصلتنا عن حياة الأندلس ألف بعد سقوط ذلك البلد العظيم، وألف في بلاد خفي فيها أدب المرأة عن منال الأقلام، فلم يحفل كتابها بها، ولعلنا حين نجد في البحث عن ذخائر الكتب المودعة قصر الاسكوريا في مدريد نجد منها كثيراً مما كتبه الأندلسيون عن أنفسهم وصوروا فيه حقيقة شأنهم ومثال حضارتهم، فذلك أشفى للنفس وأروى للحقيقة. وعسى أن نصل قريباً بعون الله وتوفيقه إلى تلك الغاية المنشودة فنكون قد سددنا ثغرة من الأدب العربي لا تزال حتى اليوم عميقة الأثر بعيدة القرار. والله ولي التوفيق.
стр. 534
المرأة المغربية
وحسبنا في هذا الجزء من الكتاب أن نتكلم عن المرأة في المغرب الأقصى. أما المغرب الأدنى فحديث المرأة فيه طويل مستفيض لا يتسع له هذا الجزء، وموعدنا به الجزء الرابع مع المرأة المصرية، لأنّ بين نساء هذا القطر من بلاد المغرب وبين نساء مصر البدويات صلة الجوار وعقدة النسب وألفة الطباع والعادات.
وإذا تحدثنا عن المغرب الأقصى فإنما نتحدّث عن قطر كان فيما سلف من الدهر لا تجف دماؤه المتفجرة ولا تخمد نيرانه المضطرمة، له في كل آونة عرش يقوم ومصرعي ترصد، قد اختلف فيه كل ما فيه اختلافاً بينا، ففيه البربر والعرب، وفيه الخوارج والرافضة، وفيه الواتر والموتور، وفيه الدخيل والأصيل، ذلك شانه وتلك حاله منذ بسط الإسلام ظله عليه.
وكان شأن المرأة في عامّة البلاد كشأنها في كل الشعوب المستبسلة المتبدّية، لها قوّة عاملة وصفة مستقلة وحياة ظاهرة، وما كان يَضير الرجل هنالك أن ينتسب إلى أمّه ومن الذين ظهروا في هذه البلاد ممن انتسبوا إلى أمّهاتهم: ابن غانية القائد المتغلب المتملك وابن عائشة العالم الشاعر، وبنو سوط القادة الأبطال، وما كان عجيباً أن تسود المرأة وتحكم، وقديماً تكلم ابن خلدون عن امرأة تسمى شمس كان لها عشرة أبناء استفحل أمرهم وتفاقم سلطانهم وألقوا إليها أزمّة الأمر وروضوا لها حكم البلاد فلم يكن هنالك دفع أو استنكار.
وكانت تأنف ويؤنف لها وتغار ويغار عليها إلى أن تؤثر ورود الموت على الذل والهوان. ومما رواه ابن خلدون أن جيش بني مرين قصد إلى السلطان أبي زيان ابن عثمان وأخذ ينتقص أطراف بلاده ولم يقو جيشه عليه، قال ابن خلدون: فبينا
стр. 535
السلطان وأخوه أبو حمو جالسان في بعض خاصتهما دخلت دعد قهرمانة القصر وقالت: يقول لكم حظايا قصركم وبنات زيَّان حُرمكم: ما لنا وللبقاء وقد أحيط بكم وأسف عدوّكم لا لتهامكم، ولم يبقى إلا فواق ناقة لمصارعكم، فأريحونا معرة
السبي وقرَّبُونا إلى مصارعنا وأريحوا أنفسكم فينا فالحياة في الذل عذاب والوجود بعدكم عدم، فالتفت أبو حمو إلى أخيه السلطان فقال قد صدقناك الخبر فما تنتظر بهن؟ فقال يا موسى أرجئني ثلاثاً لعل الله يجعل بعد عسر يسراً. فقال إلى تخرج مع قومنا إلى عدونا فتستميت ويقضي الله ما شاء! فغضب أبو حمو وأنكر عليه تأخير ذلك، وقال إنما نحن والله نتربص المعرة بهن وبأنفسنا. وقام عنه مغضباً وأجهش السلطان بالبكاء فبينما القوم في مجلسهم هذا دخل حَرَسي فقال: إن السلطان يوسف بن يعقوب - ملك بني مرين - قتل الساعة. وبمقتله انفض جيشه وذهب عن أبي زيان وعن قومه ما كانوا فيه من خوف وإشفاق. ولولا ذلك لذبحوا نسائهم ويناتهم وحظاياهم بقياً على العرض وأنفة من العار.
ومن أعجب ما يؤثر من غضبة الشعب للمرأة وأنفته لها وثورته من أجلها، أن السلطان عبد الحق بن أبي سعيد المريني لما لم يجد غناءً في وزرائه استعان برجلين من اليهود، فكانت رياستهما محنة على الأمة وبلاء على العباد، فلم يدعا وسيلة من الخسف والأذى في الأرواح والأموال إلا اتخذاها في غير حرج ولا هوادة، وصبرت الأمة لهذه النازلة وراضت نفوسها على احتمال تلك الكارثة، وكان احتمالها بالغاً وصبرها جميلاً، كان ذلك حتى ذاع في البلاد أن أحد اليهوديين قبض على امرأة شريفة وأمر بضربها بين يديه! وهنا اشتعلت النار الخابية واستطارت النفوس الوادعة وتمشت رجالات فاس بعضهم إلى بعض، فاجتمعوا عند خطيب القرويين الفقيه أبي فارس عبد العزيز بن موسى، وهنالك ائتمروا فيما بينهم، على الفتك باليهود وثل
стр. 536
عرش المستعين بهم وولوا من بينهم أحد أشرفهم وبايعوه على الثبات معه حتى الموت وأحاطوا باليهود فأفنوهم واقتسموا أموالهم واستعان عبد الحق بجنده فتنكروا له وخالفوا عليه، وقتل اليهودي الضارب طعناً بالرمح بين يديه، وسيق هو إلى فاس وطيف به مشهراً
في أحيائها وأزقتها وتكاثرت عليه الجموع تريد أن تفترسه، ثم قدم إلى مصرعه فقتل وانتهى بموته عهد وانقرض بنهايته ملك وسلطان.
الأسرة المتنبئة
لم يكن أهل المغرب الأقصى سراعاً إلى الإسلام حين دعوا إليه فلم يسلموا إلا بعد لأي خيفة من السيف، ثم ارتد جمهورهم عن الدين الحنيف، ثم أثابوا أخيراً إليه، وفي عهد تلك الفتنة المضطربة نهض رجل في أحد أعمال فاس طريفاً أبا صبيح فادعى النبوة، واقتبس دينه من مآرب الناس وشهواتهم فاتبعه جمهور من الغوغاء، وكان ذلك في عهد هشام بن عبد الملك بن مروان، ثم أعقبه ابنه فزاد على ما قال أبوه سخفاً من القول دعاه قرآنا وجعل من سوره: سورة الديك وسورة الحُمُر وأمثال تلك الأضاحيات. وعلى ذلك السَّنن تتابع سلالة ذلك الرجل، فليس منهم إلا من زعم أنه نبي يوحى إليه حتى انتهى أمرهم إلى أبي غفير محمد بن معاذ بن اليسع بن طريف فازداد خطره واستفحل أمره، وأباح للرجل أن يتزوج بمن وصلت إليه يده من النساء بالغاً ما بلغ، وأخذ يبث شياطينه في البلاد، يقتلون رجالها ويسبون نساءها، وشأنه في ذلك شأن القرامطة، وهؤلاء وأولئك كانوا يتبعون سيرة آل فرعون في بني إسرائيل من قتل الرجال واستحياء النساء. وفي انسياق الغوغاء في مساق أبي غفير يقول بعض شعراء فاس:
стр. 537
قفي قبل التفرق واخُبرينا ... وقولي واخبري خبراً يقينا
وهذي أمة هلكوا وضلوا ... وغادروا لا سقُوا مما سقينا
يقولون النبي أبو غفير ... فأخزى الله أم الكاذبينا
ألم تسمع ولم تر لؤم بيت ... على آثار خيلهم ربينا
ستعلم أهل تامسنا إذا ما ... أتول يوم القيامة مُقطَعينا
هنالك يونس وبني أبيه ... يقودون البرابر حائرينا
واتخذ أبو غفير من الزوجات أربعاً وأربعين، واشتدت نكايته بالبربر حتى غلب على قطر كبير من البلاد وتملكه وأقام في هذا الملك تسعة وعشرين عاما. ومن بعده جاء ابنه أبو الأنصار فتأثر سنة أبيه وازداد من إراقة الدماء، واستباحة النساء، وعظمت هيبته واشتد سلطانه، ودانت له قبائل المغرب. وكذلك كان ابنه من بعده أبو منصور عيسى فملك البلاد وجاءه ملوكها يسجدون عنوة له.
وقد وقف مسلمو المغرب حيال تلك الطائفة المبيحة موقف مسلمي المشرق من القرامطة، فحاربهم الأدارسة والأموية والشيعة واجتاز جند المنصور بن أبي عامر البحر إلى بلاد المغرب فلم يغنوا شيئاً، ثم نهض لقتالهم بالكين بن زيرى في قبائل صنهاجة فقهر أبا منصور وقتله وأفنى جيشه، وأجاز المنصور بن أبي عامر للمرة الثانية جنده فأثخنوا فيهم قتلا وسبياً. ولم ينته أمر هؤلاء المفسدين إلا في أخريات المائة الخامسة، وبذلك يكون مدى أمرهم قرابة أربعة قرون. وهذا فيما نعلم أطول مدى أقامته أسرة متغلبة مبيحة.
стр. 538
الحالة الاجتماعية للمرأة المغربية
يأتلف أهل المغرب الأقصى من شعوب ثلاثة: البربر والعرب واليهود، وأكثر ما يتولى اليهود من العمل أشتات المهن من تجارة وصناعة وليس لهم فيما وراء ذلك شأن عظيم، غير أن أهل المغرب يذكرونهم كلما ناب خطب أو شبت فتنة أو أغير عليهم من حيث لا يعلمون.
ويقوم العرب والبربر على نظام القبائل والبطون، وكان للمرأة العربية منذ الفتح الإسلامي نصيب أختها في بلاد العرب من القيام على الأسرة والاتصال بالحياة العامة على نحو ما أسلفناه في الجزأين الأولين من هذا الكتاب، ثم أخذت المدينة الأندلسية تسري على قدر في جنبات هذا الإقليم، وأخذ ملوك الدولة الإسلامية المتتابعة يَنْهجون المدن وينشئون القصور وينقلون إليها الكثير الموفور من مباهج
الحضارة! ومناعمها واجتلبوا الجواري من الأندلس والعراق، وحجزت طبقات السَّراة والأشراف نساءها في دور الحُرم وأقاموا على خدمتهن وحجابتهن الخصيان من أرقاء الصقالبة، وقد كان هؤلاء سبباً في القضاء على دولة يوسف بن يعقوب بن عبد الحق حين استفحل أمرهم في قصره، فقد كان السلطان يخلطهم بأهله ولا يحجبهم عن حرمه وعياله، ثم رابته ريبة في بعضهم فاعتقل جملة منهم كان فيهم عنبر الكبير أستاذهم وحجب سائرهم فراعهم ذلك وأفزعهم. فبيتوا له الشر ودبروا له السوء حتى استأذن عليه واحد منهم يدعى سعادة وهو مضطجع في فراشه فلما أنس الغِرّة منه وثب عليه وطعنه طعنات أردته قتيلا.
ودرج أوساط أهل المدن على تلك السنة من إرخاء الحجاب حتى أصبح من مسنون عاداتهم ألا تخرج المرأة من دارها إذا أعوزها الخروج إلا في جنح الليل
стр. 539
وإذا خرجت قنعت سائر وجهها فلا يظهر منه شيء، ولكن الحال أخذت تتبدل رويداً في هذا الجيل، وبدأ نسوة هذا العصر يتحسرن عن هذا الضرب من الحجاب فهن يخرجن الآن في وضع النهار، ويتركن ما كثف من الحجاب إلى ما شفّ منه، ويأخذن مأخذ المشرق الأدنى من الثورة ما كان عليه أمهاتهن من عزلة واحتجار على أن ذلك لم يجاوز أهل المدن، أما نسوة البادية فقد بقي لهن أكثر ما كان لأمهاتهن من فطرة وطبع وأخلاق.
حالتها الفكرية
لم تكن المرأة المغربية بنجوة عما كان عليه الرجل من علم محدود، فقد جاذبته أسباب ذلك العلم وظهرت في بعض نواحيه، ويتحدث أهل المغرب عن كثير من النساء تناولن الشعر والنثر وإن لم يكن فيما تناولنه شيء يستحق التدوين.
وأكثرنا عرف به الممتازات من نساء المغرب الأقصى حفظ القرآن الكريم بقراءاته جميعاً ورواية الحديث ودروس الفقه والأصول وما إلى هذه من علوم
الدين ويذكر أهل ذلك الإقليم ثمانين امرأة من نساء المغرب جمعن إلى النفاذ في ذلك كله حفظ مدونة الإمام مالك بن أنس ﵁ وهي أكبر المطوّلات الجامعة في الحديث والفقه.
وفي إقليم شنقيط حيث البداوة التي لا تشوبها كلفة العيش ولا رفاهة الحياة يسير النساء في مساق الرجال من دروس علوم الدين وقراءات القرآن الكريم. وهنالك تعقد المحافل لامتحان الحفاظ الذين حفظوا الكتاب الكريم بمختلف قراءاته فيجلس أشياخ القراء صفا ممدوداً ويجلس الحافظ أمامهم وظهرُهُ إليهم ويتلو ما يطلبون تلاوته منه مرويا بما يقترحون عليه من الروايات. ولا بأس أن يكون في هذا المحفل طائفة من النساء.
стр. 540
واليوم يقف التعليم الفرنسي في بلاد المغرب الأقصى قبالة التعليم الديني، ولكل من التعليمين خصوم وأشياع. وقد بث الفرنسيون مدارسهم في عامة مدن المغرب الأقصى فأقبل عليها المحدثون إقبالا عظيما وصارعت اللغتان الفرنسية والأسبانية اللغة العربية في المدن الساحلية حتى إنك تطوف بأرجاء طنجة فلا تكاد تسمع كلمة عربية خالصة من رجل أو امرأة:
واليوم تجد في تلك البلاد طائفة ظاهرة من النسوة اللاتي تخرجن في العلوم الدينية وأخرى من اللواتي تخرجن في المدارس الفرنسية.
ومن الطائفة الأولى:
السيدة الشريفة فاطمة الزهراء ابنة السيد محمد بن أحمد الإدريسي.
تحفظ القرآن بقراءاته، وتحفظ كثير من كتب الفقه والحديث، ولها فوق ذلك صلة بالعلوم العصرية، ولم تبارح دار أبيها قط، وتخرجت على أبيها وجدّها.
السيدة عائشة الشنقيطية:
تخرجت في شنقيط، وانتقلت إلى مراكش، ولها بها منزلة طيبة ومقام محمود وقد
برعت في العلوم الدينية والعربية وحفظت سبعمائة حديث وأخرجت بعض الكتب والرسائل.
ومن الطائفة الثانية:
السيدة زينب الغرنيطية:
من سلالة أندلسية، تخرجت في المدرسة الفرنسية بفاس، وعنيت بدراسة
стр. 541
الأدب العربي، وتكتب إلى جريدة الشهاب بالجزائر مقالات طيبة في الأخلاق، والاجتماع.
السيدة خديجة المرينية:
من أهل الرباط، تخرجت في مدرستها الحكومية وأقبلت على دراسة الأدب العربي حتى تسامت فيه، ولها كتاب في التدبير المنزلي ولعل لها غيره من المؤلفات.
ولا نحاول هنا أن نستقصي الطبقة الظاهرة من متعلمات المغرب، فحسبنا أن ندل عليها بهؤلاء. على أننا نقول: إن الفصل الحاسم بين العلوم الدينية والمدنية وفصم الأواصر بينهما ليس من شأنه أن يخرج المرأة الصالحة للحياة. فكل ما رُكب في المرأة من عاصفة متوثبة ووجدان متأثر وحس دقيق إنما ينزع إلى الدين ويسعى إليه ويستنير به، الدين وحده عصمة المرأة ومنار وجدانها، ومثار الحنان والرحمة والبر في نفسها، ومعقد الشرف والأمانة من خلقها. فإذا فصمت ما بينها وبينه من عروة وسددت ما بينهما من طريق، فقد سلبت منها الجُنَّةَ الواقية وأوردتها المورد الوبيء، وقد عرف ذلك الإفرنج فطبعوا البنت منذ حداثتها الأولى على غرار الدين وجعلوه مستقى خلقها ومصدر قوتها ومشكاة حياتها سواء في ذلك أغنياؤهم وفقراؤهم وأشرفهم ودهماؤهم. وأي حصانة للمرأة أقوى من أن تراقب الله وتستمع قوله وتتلو آيته، وتمثل في الصلاة بين يديه، وتمتلئ مشاعرها بذكر جلاله وعزته، وناره وجنته، وما يظفر البررة الأخبارية من قربه ومحبته.
وإن من أوهن الرأي أن نحاول إصلاح البنت بقطع ما بينها وبين أمهاتها السالفات من سُنن وعادات، وندخلها في غمار فئات من النساء ليس لها ما لهنّ من طبع وتكوين، فإنك بذلك تخرج المرأة الحائرة الثائرة المتمردة التي تزدري الماضي ويزدريها المستقبل، فهي هابطة بين القريتين، لا شرقية ولا غربية، وليس
стр. 542
لها سمة ولا شخصية. تحاول أن تحاكي المرأة الأوربية فيأبى عليها بعد ما بين الفطرتين فتقنع من المحاكاة بظواهر ملهية، كل ما فيها من الأثر أنها تغرها من نفسها وتحرفها عن دينها وتفتنها عن الطريق القويم. وليس من الخير في شيء أن تحمل المرأة الشرقية على نسيان ماضيها، ولكن الخير كل الخير في إصلاح ذلك الماضي وتهذيبه وإحكام الاعتصام به.
تلك كلمة لا نخص هذا الإقليم من العالم الإسلامي، ولكننا نعم بها المسلمين في أقطار الأرض، فهم الآن على سَنن واحد من الحيرة في تعليم البنت وفصم ما بينها وبين الدين من صلة وأسباب، ولو أنهم اختطوا لها النهج الواضح من تاريخ المرأة العظيمة في الإسلام أيام كانت مناط الرحمة والودّ للأسرة ومغرس النبل والسموّ للولد ومعقد الحمية والعصبية للعشيرة مع تزويدها بما تقتضيه حاجة العمران من مبادئ العلوم والفنون التي تدعم كيان المنزل وتقيم نظام الحياة لو أنهم نهجو لها هذا الطريق لأوجدوا منها المرأة التي تؤلف الأسرة السعيدة والأمة المجيدة والوطن العظيم.
لقد خلقت المرأة لتكون قوة من قوى الوحي والإلهام في نفس الرجل، فهي كالروح السارية تحرك الأحياء تملأ ولا ترى، وكالعقل المنير يضيء الشعاب ولا يَحَس وكالكهرباء الدافعة تملأ الوجود ولا تدرك، هي خَلق قوام حياته الجود بالنفس والفناء في سعادة الجماعة، واحتمال الآلام المضنية والأهوال المُروعة في راحة الزوج والولد، وهي كعود الثقاب ينشر الضوء في كل شيء ثم يحترق. تلك هي
المرأة التي جعل الله السعادة بين شفتيها، وجعل الجنة تحت قدميها، وفرض لها من الطاعة في رقاب الأبناء أضعاف ما فرض للآباء. هي سر عظمة ومبعث قوتها ومشرق صفوها وسعادتها. فإذا تنكبت تلك المحجة وانحرفت عن هذا السبيل فثارت على البيت والولد وانكشفت في المجامع والأندية، وانغمرت في الملاعب والملاهي، وراحت
стр. 543
تعلن عن نفسها بشقاشق القول وفضول اللسان، فهنالك الويل والوبال، وهنالك الفناء والدمار.! ولا تقل إن مثل ذلك كائن في بلاد المدينة الحديثة. ففي تلك البلاد خير وشر، ومن شأن الجسم القوي أن تقاوم قوّته ما قد يُلم به من ضعف وفساد، فهنالك الخير يطوي الشر ويحمله، وهنالك نار الجدّ تنفي زيف اللهو وتحيله. على أنّ كثيراً من كتاب تلك البلاد ينظرون إلى ما أصاب المرأة من شطط واندفاع فيقولون إن هذا انتحار للأمة سريع الأجل! فما بالك بمن يأخذ بذَنَب الشر ويترك ناصية الخير، فالحياة عنده لهو ولغو وضجة وإعلان.
ألا فليعلم القوم أن المرأة قطب الحياة، فإذا استقام استقامت، وإذا تمايل اندكت، وما قوامه إلا الدين، فهو الأساس الثابت والبناء المتين.