← Фикх общий

Фикх общий · id 37059

المرأة العربية في جاهليتها وإسلامها

عبد الله العفيفي

Полный текст (543 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

الكافي فقال: لا يجوز للمرأة أن تلبي جهرة لأن صوتها عورة، بل لقد تجاوز صاحب الفتح كل ذلك إلى الفتوى بفساد صلاة المرأة لو جهرت بالقراءة. كل ذلك مما تأوله فقهاء القرن الخامس وما يليه - باسم الدين - درءا للفتنة الناشئة وحسما للداء الوبيل، وما عسى أن يفعل هؤلاء وقد طغى الفساد على مشاعر الفاضلة فلا يعرف من المرأة إلا أنها ذريعة إلى مأرب فاسد وسبيل إلى مطمح وخيم. ولقد أغرق الناس في حجاب المرأة حتى عيب عليهم أن يذكروا اسمها، وبعد أن كان معاوية يتحدث عن نفسه في مجلس خلافته فيبدأ حديثه بقوله أنا ابن هند وبعد أن جاء شاعر بني أمية يمدح فحل أجمعتهم عبد الملك بن مروان بقوله: أنت ابن عائشة التي ... فضلت أروم نسائها بعد كل هذا وأشباهه أصبح اسم المرأة عورة ذكره وتُتَلمسَ وجوه الكناية عنه، حتى لقد أراد أبو الطيب أحمد بن الحسين المتنبي أن يرثي خَولة بنت حمدان أخت سيف الدولة فسماها فَعْلَة، وهذا قوله: كأن فَعْلَةَ لم تملأ مواكبها ... ديار بكر ولم تَخْلَع ولم تهب هذا والمتنبي شاعر نشأ بين الأعراب وسار في مساقهم ورغم ذلك لم يشأ أن يصرح باسم مرثِيَّته وذكر عنها تلك الكناية الغريبة. فانظر إلى هذا النوع من الحجاب كيف ألجأ الشاعر العظيم إلى تلك الكناية الفاسدة وأخرجه ذلك المخرج المعيب؟ ولقد أراد ذلك الشاعر أن يصف ذلك الحجاب في رثائه والدة سيف الدولة فدعاه دفناً! وذلك بقوله: صلاة الله خالقنا حنوط ... على الوجه المكفن بالجمال على المدفون قبل الموت صوناً ... وبعد الموت في شرف الخلال

стр. 492

وأصبح أولئك الشعراء يعدون الإغراق في الحجاب فضلا ومحمدة حتى البنات الصغيرات وانظر إلى الشريف الرضي كيف أراد أن يرثي صغيرة من هؤلاء فقال: يا أرض ما الدَّرء في شخص عصفت به ... بين الأقارب والعود والخول أردت أن تحجب البيداء طلعته ... ألم يكن قبل محجوبا عن المقل؟ إذاً فقد كتب على المرأة الشريفة في هذا العهد أن توأَد في الحجاب وتظل فيه حتى تموت. ومن بعد القرن الخامس غابت المرأة العراقية في الخفاء حتى عن التاريخ، فأصبح لا يهتم بها ولا يذكرها بخير ولا شر محنة المرأة في فتنة القرامطة فرقة الإباحة القرامطة فريق من غلاة الباطنية، ولهؤلاء الباطنية حديث طويل يجب أن نجمله إجمالا ثم نأخذ فيما قصدنا له. لقد ظهر مذهب الباطنية في القرن الثالث، والدعاة إليه قوم من أهل فارس أرادوا أن يوهنوا العرب في دينهم كما أوهنوهم في قوميتهم، ولهؤلاء القوم في دعوتهم حذق ورفق فلم يهاجموا الإسلام طعنا وتجريحا كما كان يفعل دعاة الأديان حين يدعون المسلمين إلى أديانهم، بل ظهروا للناس مسلمين لا يعدلون عن الإسلام إلى سواه، ثم تأولوا كل حقيقة من حقائقه وكل شعيرة من شعائره، فتأولوا الملائكة والعرش واللوح المحفوظ والبعث والجنة والنار إلى معان بعيدة لا ظواهر لها، حتى ذات الخالق تأولوها إلى قوى الطبيعة، وتأولوا كذلك الصلاة والصيام

стр. 493

والحج إلى ما ليس من شأنها، وذهبوا يتصلون بنفوس العامة اتصالا بارعاً دقيقاً، فهم يأتون السنة من غير الناحية التي يأتون منها المعتزلى، ويخاطبون المتصوف من غير هاتين الناحيتين، ويبيحون للغواة صنوف اللذات. وجعلوا من حق المرء أن يتزوج أخته وابنته كما يفعل المجوس، وفي ذلك يقول أحد دعاتهم: وما العجب من شيء كالعجب من رجل يدعى العقل ثم تكون له أخت أو بنت حسناء وليست له زوجة في حسنها فيحرمها على نفس وينكحها من أجنبي، ولو عقل الجاهل لعلم أنه أحق بأخته وبنته من الأجنبي ويرى هؤلاء أن الأنبياء قوم أظهرتهم مواهبهم ونفاذ عقولهم وقوة تأثيرهم في نفوس الناس. والقرامطة فريق من غلاة الباطينة، وهم يدينون بالقتل والتدمير وإخافة السبيل أكثر مما يدينون برأي أو ينزعون عن عقيدة، وكثيراً ما كانوا يغيرون على الحجيج في طريقه إلى مكة أو في طوافه أو عند إفاضته فيقتلون الرجال ويذبحون الأطفال ويستحيون من راق في أعينهم من النساء. وزعيم هؤلاء أحمد بن قرمط، وكان من صائبه حران، ثم قدم الكوفة فاجتذب غليه عامتها وأحل لهم الموبقات وخاض بهم الخبائث وقطع بهم السبيل واجتمع إليه خلق كثير. وخلف من بعده خلف كانوا أشد منه فتكا وأنكى طريقة. وقد حدثوا عن الحسين بن زكرويه القرمطي أنه ربما أغار على المدينة فقتل رجالها ونساءها وأطفالها وما شيتها وخرج وليس بها عين تطرف. وكانوا يبيحون للمرأة أن تتزوج بالكثير من الرجال. ومما حدث الطبري عن أبي الحسن المتطبب ببغداد قال: جاءتني امرأة بعد غلبة المكتفي بالله على صاحب الشامة - من زعماء القرامطة - فقالت لي: إني

стр. 494

أريد أن تعالج شيئاً في كتفي، قلت وما هو؟ قالت جرح، قلت جرح، قلت أنا كحال وهاهنا امرأة تعالج النساء وتعالج الجراحات فانتظري مجيئها، فقعدت ورأيتها مكروبة كئيبة باكية فسألتها عن حالها وقلت ما سبب جراحتك؟ قالت: قصتي تطول. قلت: حدثيني بها وأصدقيني، وقد خلا من كان عندي، فقالت كان لي ابن غاب عني وطالت غيبته وخلف على أخوات له فضقت واحتجت واشتقت إليه، وكان شخص إلى ناحية الرقة فخرجت إلى الموصل وإلى الرقة، كل ذلك أطلبه وأسال عنه فلم أدل عليه فخرجت عن الرقة في طلبه فوقعت في عسكر القرمطي، فجعلت أطوف وأطلبه، فبينا أنا كذلك إذ رأيته فتعلقت به، فقلت ابني فقالت أمي؟ فقلت نعم قال ما فعل أخواتي قلت بخير، وسطوت ما نالنا بعده من الضيق، فمضى بي إلى منزلة وجلس بين يدي وجعل يسائلني عن أخبارنا فخبرته، ثم قال دعيني من هذا وأخبرني ما دينك؟ فقلت يا بني أما تعرفنني؟ فقال وكيف لا أعرفك فقلت: ولم تسألني عن ديني وأنت تعرفنني وتعرف ديني؟ فقال: كل ما كنا فيه باطل، والدين ما نحن فيه الآن، فأعظمت ذلك وأعجبت منه، فلما رآني كذلك خرج وتركني، ثم وجه إلى بخبز ولحم وما يصلحني وقال اطبخيه، فتركته ولم أمسه، ثم عاد فطبخه وأصلح أمر منزلة فدق الباب داق فخرج إليه، فإذا رجل يسأله ويقول له: هذه القادمة عليه تحسن أن تصلح من أمر المساء شيئاً؟ فسألني فقلت نعم، قال امضي معي، فمضيت فأدخلني داراً وإذا امرأة تطلق فقعدت بين يديها وجعلت أكلها فلا تكلمني، فقال لي الرجل الذي جاء بي إليها: ما عليك من كلامها، أصلحي أمر هذه ودعي كلامها، فأقمت حتى ولدت غلاماً وأصلحت من شأنها، وجعلت ألمها وأتلطف بها وأقول لها يا هذه لا تحتشميني فقد وجب حقي عليك، أخبرني خبرك وقصتك ومن والد هذا الصبي؟ فقالت تسأليني عن أبيه لتطالبيه بشيء يهبه لك؟ فقلت لا، ولكن أحب أن أعلم

стр. 495

خبرك فقالت: إني امرأة هاشمية - ورفعت رأسها فرأيت أحسن الناس وجهاً - وإن هؤلاء القوم أتونا فذبحوا أبي وأمي وأخواتي وأهلي جميعاً، ثم أخذني رئيسهم فأقمت عنده خمسة أيام، ثم أخرجني فدفعني إلى أصحابه فقال طهروها، فأرادوا قتلي فبكيت، وكان بين يديه رجل من قواده فقال هبها لي، فقال خذها فأخذني، وكان بحضرته ثلاثة أنفس قيام من أصحابه فسلوا سيوفهم وقالوا لا نسلمها إليك أما أن تدفعها إلينا وإلا قتلنها، وأرادوا قتلي وضجوا، فدعاهم رئيسهم القرمطي وسألهم عن خبرهم فخبروه فقال تكون لكم أربعتكم، فأخذوني، فأنا مقيم معهم أربعتهم، والله ما أدري ممن هو هذا الولد منهم. قالت: فجاء بعد المساء رجل فقالت لي هنيه فهنأته بالمولود فأعطاني سبيكة فضة آخر وآخر أهنئ كل واحد منهم فيعطيني سبيكة فضة، فلما كان في السحر جاء جماعة مع رجل وبين يديه شمع وعليه ثياب خز تفوح منه رائحة المسك فقالت لي هنيه فقمت إليه فقلت بيض الله وجهل والحمد لله الذي رزقك هذا الابن ودعوت له فأعطاني سبيكة فيها ألف درهم، وبات الرجل في بيت وبت مع المرآة في بيت، فلما أصبحت قلة للمرأة يا هذه قد وجب عليك حقي، فالهي ألهي في، خلصيني. قالت مما أخلصك؟ فخبرتها خبر ابني وقلت لها إني جئت راغبة إليه، وأنه قال لي كيت وكيت، وليس في يدي منه شيء، ولي بنات ضعاف خلفتهن بأسوأ حال، فخلصيني من هاهنا لأصل إلى بناتي، فقالت: عليك بالرجل الذي جاء آخر القوم فسليه ذلك فإنه يخلصك، فأقمت يومي إلى أن أمسيت، فلما انصرف تقدمت إليه، وقبلت يده وقلت يا سيدي قد وجب حقي عليك، وقد أغناني الله على يديك بما أعطيتني، ولي بنات ضعاف فقراء، فإن أذنت لي أن أمضي فأجيئك ببناتي حتى يخدمنك ويكنّ بين يديك فقال وتفعلين؟ قلت: نعم فدعا قوماً من غلمانه، فقال امضوا

стр. 496

معها حتى تبلغوا بها موضع كذا وكذا ثم اتركوها وارجعوا، فحملوني على دابة ومضوا بي، قالت فبينما نسير وإذا أنا بابني يركض وقد كنا سرنا عشرة فراسخ فيما خبرني القوم الذين معي، فلحقني وقال: يا فاعلة زعمت أنك تمضين وتجيئين ببناتك؟ وسل سيفه فمنعه القوم فلحقني طرف السيف فوقع في كتفي، وسل القوم سيوفهم فأرادوه فتنحى عني وساروا بي حتى بلغوا الموضع الذي سماه لهم صاحبهم فتركوني وقَدمت. فالقرامطة إذاً يجذبون قلوب الفتيات بما يزينون لهم من ضروب الملذات ومقاومة المآثم، وكانت سطوتهم مصبوبة على البيت الحرام ومن يلوذون به لأنه مثابة المسلمين ومعقد ألفتهم ومناط وحدتهم ومجتمع كلمتهم. وقد أحرقوا أستار الكعبة وكسروا الحجر الأسود وملئوا زمزم بأجساد القتلى وذبحوا من الحجاج من لا يحصيهم إلا الله، كل ذلك لينتقموا من الإسلام بالخسف والعسف ما لم يمكن الباطنيون من قمة بالرفق والحيلة. وقد أقامت الفرقة المنيحة المبيحة أمد القرن الرابع ثم تآزر عليهم المسلمون فأبادوهم جميعاً.

стр. 497

الحياة الفكرية للمرأة في العراق تنقلت المرأة العربية العراقية في دورين متباينين: أما الأول فمداه مائتا عام، وربما أربى على ذلك قليلا. وفي ذلك العهد لم تقصر عن اللحاق بالرجل في بعض نواحي العلم والفن وأن لم يؤثر لها فيهما شيء كثير، فقد أسلفت لك شيئاً مما ذاع من دور الخلافة من شعر النساء وغناء النساء، وما أثر عن نساء العلويين من دراسة علوم الدين، وكذلك ظهر من النساء من تعلمن الطب ودرسن الفلسفة، ومن هؤلاء من جذبن الملحدين أسباب الزيغ والإلحاد وجهرن بذلك كله، وقد تحدث الطبري عن نساء أقررن بالزندقة بين يدي المهدي حين سلط سيفه عن الزنادقة. ومما أقر بها هنالك فاطمة بنت يعقوب ابن الفضل وخديجة امرأته وهما من بيت المهدي ولحمته. وظهر كذلك من درسن كتبها وأقررن بها بين يدي المأمون، ولعل هذا الدور الأول من العهد العباسي أول عهد للناس ظهرت فيه المرأة قاضية تحكم بين الناس باسم الخليفة أمير المؤمنين، وكان ذلك في عهد الخليفة المقتدر وكان مرجع الأمر حينذاك إلى امرأتين: السيدة والدة المقتدر وأم موسى القهرمانه، وكان لهما الرأي الأعلى في ما دق وجل من أر الخلافة وشئون الحكم، فقد عرض للسيدة أم المقتدر أن تروض النساء على القضاء فاختارت قهرمانة لها تدعى مثل وأمرتها أن تجلس بالرصافة للمظالم وتنظر في كتب الناس يوماً في كل أسبوع قال الصابي: فلما رأى الناس ذلك أنكروه واستبشعوه وكثر عيبهم له والطعن فيه، وجلست أول يوم فلم يكن لها فيه طائل ثم جلست في اليوم الثاني وأحضرت القاضي أبو الحسن فحسن أمرها وأصلح عليها

стр. 498

وخرجت التوقيعات على سداد فانتفع بذلك المظلومون وسكن النساء إلى ما كانوا قد نفروا منه من صدارتها للقضاء ونظرها في المظالم. لم يكن إذاً ذلك العهد من حياة المرأة عهد جهالة فاشية ولا تفكير مضطرب ولكنه كان عهد اضطراب في الخلق والتياث في السير وانحراف عن قصد السبيل وخروج عن سنة المرأة وواجبها الذي ناطه الله بها ووكلها به ومن خلق الرجل أن يندفع في لهوه ما شاء أن يندفع، فإذا تأثرت المرأة به - وحق لها أن تتأثر - لها عنها حتى يفيق، فإن أفاق وكان هناك سبيل غلى ردها عن غايتها دفعها بكلتا يديه وحملها وحدها عاقبة ما آل إليه أمره وأمرها من شر ووبال، ثم لا يزال يسلب منها كل يوم حقا ويحملها كل آن مغرماً حتى تصبح هملا من الإهمال، أما إذا طال الأمد على اندفاعها وطال إغضاء الرجل عنها حتى يسترخي عنانها وتستحيل طبيعتها ويصلب على تلك الحال فإن من أعسر الأمور أن يغلبها الرجل على أمرها ويردها عن غايتها. ومهما بدا من الرجل والمرأة من ضروب الرفق والود والمحانة والملاينة فإن بينهما صراعاً قد لا يحاسنه ولا يأبهان به. وغايته انتزاع كليهما ما شاء من حق صاحبه، ولقد ينزل أحدهما لصاحبه عن بعض حقه أو كله تجملا وتفضلا. فإذا أراد أن يسترده يوماً لا يجد السبيل إليه، ثم ينتهي هذا التجمل والتفضل إلى استرخاء واستخذاء وتسليم واستسلام، وقل من الفريقين من يرضى ببعض الغلبة على غريمة، بل لا يزال يقلم منه كل يوم ظفراً ويطوقه طوقاً حتى يجعل حياته لغواً ووجوده عدماً ويعد ذلك بعض حقه الذي لا يدفع عنه أو ينازع فيه. ونعود إلى المرأة العراقية في الدولة العباسية فنقول: إنها تنكبت الطريق وجاوزت النهج ولكن الرجل لم يمهلها حتى يكون خروجها طبعاً مألوفاً ودستوراً نافذاً وشريعة موضوعة بل عاجلها دون الغاية وردها قبل القرار، ولا يكفي قرن

стр. 499

وبعض قرن ليكون للمرأة من محدثات الحقوق ما لا سبيل إلى تغييره والعبث به فلم يجد عناء في سبلها كل ما انتزعته من حق غير مشروع، ثم لم يقف عند هذا الحد من الغالب، بل ذادها عن قها الذي سوغه الله لها فحرم تعليمها، وحرم على نفسه العناية بأمرها، وأبعدها عن منال العيون والألسنة، ول يعد يذكرها إلا بالسوء ولا ينالها إلا بالشر، وتلك حال المندفع إذا رد، والمتغلب إذا قهر. وكان من أثر ذلك كله انحطاط نفيرها وشيوع أميتها، فلم نعد نسمع في العراق بالكاتبة ولا الشاعرة ولا المتأدبة ولا المتفقهة إلا ما يشبه الشجرة الناجمة في الصحراء المقفرة، وأصبح نسك المتنسكات خرقاً وشعوذة، وأصبحت الأسوة بهن جهلا وحماقة وشاع ذلك الضرب من النسك حتى رفعت القباب في كل إقليم وفي كل مدينة وفي كل قرية وكل دسكرة على أمثال هؤلاء، وكان شيوع ذلك من الفتن التي أصابت الإيمان المتين في صدور المؤمنين. المرأة البدوية أقام أهل بادية العراق على ما كانوا عليه من طبع وخلق وعادة وأدب، فلم يغير نظام الدولة شيئا من نظام الجماعة ولا أسلوب الحياة، ومن أجل ذلك بقيت المرأة الأعرابية على صفاء فطرتها وسناء رأيها وقوة نفسها ونصاعة أدبها، وكان علماء الأدب ورواة الشعر يذهبون غلى البادية فيستمعون مأثور الكلام من الرجال والنساء ثم يعودون فيطرفون به الخلفاء ويناقلون به العلماء ويتحدثون به في مجالس العلم وفي حلقات الدروس؛ وربما جد الخلاف بين أئمة النحو فلا يطمئن لهم رأي حتى يأتوا بأعرابي من البادية مباءة للصحيح من اللغة والفصيح من الأسلوب أمداً طويلا. وإذا

стр. 500

كانت المرأة الأعرابية قد فقدت في أخريات هذا العهد بيانها لعذب وأسلوبها البديع فلما أصاب الأعراب من التمزيق والشتات وما شملهم من الدعة والسكون، فلا مجامع تعقد ولا أسواق تقام ولا حروب تشب ولا غارات تثار، وقد كان لهم من هذه وتلك مجالات فساح يأتون فيها بالقصائد المفاضة، والأمثال المرسلة، والحكم الجامعة والخطب الطوال مأثور من أدب النساء قالت عليه بنت المهدي - وهو ما يتغنى به -: مالي أرى الأبصار بي جافيه ... لم تلتفت مني إلى ناحية لا ينظر الناس إلى المبتلى ... وإنما الناس مع العافية صحبي سلوا ربكم العافية ... فقد دهتني بعدكم داهيه صارَمَني من بعدكم سيدي ... فالعين من هجرانه باكيه خرج المهدي يتنزه بعيسى باذ، وقدم هنالك النُّصيب ومعه ابنته حجناء، فدخل على المهدي وهي معه، فأنشدته قولها فيه: رُبَّ عيش ولذة ونعيم ... وبهاء بِمُشْرِقِ الميدان بسط الله فيه أبهى بساط ... من بهار وزاهر الحوذان ثم من ناضر من العشب الأخ ... ضر تزهي شقائق النعمان مدّه الله بالتحاسين حتى ... قصرت دون طوله العينان حفلت حافتان حيث تناهي ... بخيام في العين كالظلمان زينوا وسطها بطارمة مث ... ل الثريا يحفها النسران

стр. 501

ثم حشْوُ الخيام كأمثال ال ... مها في صرائم الكثبان يتجارين في غناء شجى ... أسعداني يا نخلتي حلوان فبقصر السلام من س ... لم الله وابقي، خليفة الرحمن ولديه الغزلان بل هن أبهى ... عنده من شوارد الغزلان ياله منظراً ويوم سرور ... شهدت لذيته كل حَصَان فأمر لها المهدي بعشرة آلاف درهم. حدث الأصمعي قال: سمعت امرأة من العرب تخاصم زوجها وهي تقول: والله إن شربك لا شتفاف، وإن ضجعتك لا نعجاف، وإن شملتك لالتفاف وإنك لتشبع ليلة تضاف، وتنام ليلة تخاف، فقال لها: والله إنك لكرواء الساقين، قعواء الفخذين، مقاء، الرفغين مفاضة الكشحين، ضيفك جائع، وشرك شائع. لما قتل الفضل بن سهل دخل المأمون على أمه فوجدها تبكي فقال لها: أنا ابنك مكانه، فقالت إن أبناً ترك لي ابناً مثلك لجدير أن يبكي عليه. لما أرسل الأمين على بن عيسى إلى خراسان لقتال المأمون حضر إلى باب زبيدة ليودعها، فقالت له: يا علي إن أمير المؤمنين وإن كان ولدي وإليه انتهت شفقتي فإني على عبد الله - المأمون - منعطفه مشفقة لما يحدث عليه من مكروه وأذى. وإنما ولدي ملك نافس أخاه في سلطانه. فأعرف لعبد الله حق ولادته أخوته، ولا تجبه بالكلام فانك لست نظيراً له، ولا تقتسره اقتسار العبيد

стр. 502

ولا توهنه بقيد أو غل، ولا تمنع عنه جارية أو خادماً، ولا تعنف عليه في السير، ولا تساوه في المسير، ولا تركب قبله، وخذ بركابه إذا ركب، وإذا شتمك فاحتمل منه. قال الأصمعي: دفعت في بعض تطوافي إلى امرأة من ولد ابن هرمة فسألتها القرى، فقالت: إني والله مرملة مسنتة ما عندي شيء فقلت: أما عندك جزور؟ فقالت والله ولا شاة، ولا دجاجة، ولا بيضة، فقلت أما ابن هرمة أبوك؟ فقالت: بلى والله، إني لمن صميمهم، قلت: قاتل الله أباك ما كان أكذبه حيث يقول: لا أُمْتِعُ العوذ بالفصال ولا ... أبتاع إلا قرية الأجل إني إذا ما البخيل آمنها ... باتت ضموراً مني على وَجَل ووليت فنادت: أربع أيها الراكب، فعله والله ذلك أقله عندنا، فقلت: إلا تكوني أوسعتنا جواباً. حديث غربان النوى حدث ابن السراج قال: أخبرني بعض الإخوان أن بعض البصريين أخبره قال: كنا لمة نجتمع ولا يفارق بعضنا بعضاً، فضجرنا من المقام في المنازل. فقال بعضنا: لو عزمتم فخرجنا إلى بعض البساتين فخرجنا إلى بستان قريب منا، فبينا نحن فيه إذ سمعت ضجة راعتنا، فقلت للبستاني: ما هذا؟ فقال هؤلاء نسوة لهن قصة، فقلت له أنا دون أصحابي: وما هي؟ قال العيان أكبر من الخبر، فقم حتى أريك وحدك، فقلت لصحابي أقسمت ألا يبرح أحد منكم حتى أعود، فنهضت وحدي

стр. 503

فصعدت إلى موضع أشرف عليهن وأراهن ولا يريني، فرأيت نسوة أربعا كأحسن ما يكون من النساء وأشكلهن، ومعهن خدم لهن وأشياء قد أصلحت من طعام وشراب وآلة، فلما اطمأن المجلس بهن جاء خادم لهن ومعه خمسة أجزاء من القرآن فدفع إلى كل واحدة منهم جزءا ووضع الجزء الخامس بينهن فقرأن أحسن قراءة، ثم أخذن الجزء الخامس فقرأت كل واحدة منهن ربع الجزء ثم أخرجن صورة معهن في ثوب ديبقي فبسطنها بينهن فبكين عليها ودعون لها ثم أخذن في النوح فقالت الأولى: خلس الزمان أعز مختلَس ... ويد الزمان كثيرة الخلس للهِ هالكه فجعت بها ... ما كان أبعدها من الدنس أتت البشارة والنعي بها ... يا قرب مأتمها من العُرْس ثم قالت الثانية: ذهب الزمان بأنس نفسي عَنوةً ... وبقيت فرداً ليس لي من مؤنس أودى بملك ولو تُفَادَي نفسها ... لفديتها مِمَّن أُعِزُّ بأنفس ظلت تكلمني كلاماً مطمعاً ... لم أسترب فيه بشيء مؤيسِ حتى إذا فتر اللسان وأصبحت ... للموت قد ذبلت ذبول النرجس وتسهلت منها محاسن وجهها ... وعلا الأنين تَحثُّه بتنفُّس جعل الرجاء مطامعي يأساً كما ... قطع الرجاَء صحيفَةُ الملتمس ثم قالت الثالثة: جرت على عهدها الليالي ... وأُحِدثَت بعدها أمورُ فاعتضت باليأس منك صبراً ... فاعتدل اليأس والسرور فلست أرجو ولست أخشى ... ما أحدثَتْ بعدك الدهور فلُيبلغ الدهر في مساتي ... فما عسى جهده يضير

стр. 504

ثم قالت الرابعة: خدنٌ نفيس من الدنيا فجعت به ... أفضى إليه الردى في حومة القدر ويْح المنايا أما تنفك أسهمها ... معلقات بصدر القوس والوتر يبلي الجديدان والأيام ... والدهر يُبْلِى وتَبلى جدّة الحجر ثم قمن فقلن بصوت واحد: كنا من المساعده ... نحيا بنفس واحدة فمات نصف نفسي ... حين ثوى في الرمس فما بقائي بعدَهُ ... وشطر نفسي عنده فهل سمعتم قبلي ... فيمن مضى بمثلي عاش بنصف ... في بدن صحيح ثم تنَّحين وقلن لبعض الخدم كم عندك؟ قال أربعة، قلن ائت بهن، فلم ألبث إلا قليلا حتى طلع بقفص فيه أربعة غربان مكتفان فوضع القفص بين أيديهن فدعون بعيدان فأخذت كل واحدة منهن عوداً فغنت: لعمري قد صاح الغراب بينهم ... فأوجع قلبي بالحديث الذي يبدي فقلت له أفصحت بعدها ... بريش فهل للقلب ويحك من ردّ ثم أخذن واحداً من الغربان فنتفن ريشه حتى تركنه كأن لم يكن عليه ريش قط، ثم ضربنه بقضبان معهن لا أدري ما هي حتى قتلنه، ثم غنت: أشاقك والليل مُلْقى الجران ... غراب ينوح على غصن بان أحَص الجناح شديد الصياح ... يبكي بعينين ما تهملان وفي نَعبَات الغراب اغتراب ... وفي البان بينٌ بعيد التداني ثم أخذ الثاني فشددن في رجليه خيطين وباعدن بينهما وجعلن يقلن له:

стр. 505

أتبكي بلا دمع وتفرق بين لآلاف! فمن أحق بالقتل منك؟ ثم فعلن به ما فعلن بصاحبه، ثم غنت الثالثة. ألا يا غراب البين لونك شاحب ... وأنت بِلَوعات الفراق جدير فبيّن لنا ما قلت إذ أنت واقع ... وبين لنا ما قلت حين تطير فإن يك حقّاً ما تقول فأصبحت ... همومك شتى والجناح كسير ولا زلت مكسوراً عديماً لناصر ... كما ليس لي من ظاِلِميَّ نصير ثم قالت له: أما الدعوة فقد استجيبت، ثم كسرت جناحيه، وأمرت فَفُعِل به ذلك، ثم غنت الرابعة: عشيةَ ما لي حيلة غير أنني ... بلقط الحصى والخط في الدار مولع أخط وأمحو كل ما قد خططته ... بدمعيَ والغربانُ في الدار وقع ثم قالت لأخواتها: أي قتلة أقتله، فقلن لها علقيه برجليه وشدي في رأسه شيئاً ثقيلاً حتى يموت، ففعلت به ذلك، ثم وضعن عيدانهن ودعون بالغذاء فأكلن، ودعون بالشراب فشربن، وجعلن كلما شربن قدحاً شربن للصورة مثله وأخذن عيدانهن فغنين، فغنت الأولى: ابكي فراقكُم عينِي فأرَّقها ... إن المحب على الأحباب بكاءُ ما زال يعدو عليهم ريب دهرهم ... حتى تفانوا وريب الدهر عدّاء ثم غنت الثانية: أما والذي أبكى وأضحك والذي ... أمات وأحيا والذي أمرُهُ الأمر لقد تركتني أحسد الوحش أن أرى ... أليفين منها لا يَروعهما الذعر ثم غنت الثالثة: سأبكي على ما فات منك صبابة ... وأندب أيام الأماني الذواهب

стр. 506

أحين من كنت أرجو دنوّه ... رمتني عيون الناس من كل جانب؟ فأصبحت مرحوماً وكنت مُحسّداً ... فصبراً على مكروه مُر العواقب ثم غنت الرابعة: سأُفني بك الأيام حتى يسرني ... بك الدهر أو تفنى حياتي مع الدهر عزاء وصبراً أسعَدني على الهوى ... وأحمد ما جربت عاقبة الصبر ثم أخذت الصورة فعانقتها وبكت وبكين ثم شكون إليها ما كن فيه، ثم أمرن بالصورة فطريت، ففرِقْت أن يتفرقن قبل أن أكلمهن، فرفعت رأسي إليهن، فقلت لقد ظلمتن الغربان، فقلن لو قضيت حق السلام وجعلته سبباً للكلام لأخبرناك بقصة الغربان، قال فقلت إنما أخبرتكن بالحق، قلن وما الحق في هذا؟ وكيف ظلمناهن؟ قلت إن الشاعر يقول: نعب الغراب برؤية الأحباب ... فلذاك صرت أحِب كل غراب قالت إحداهن صحفت وأحلت المعنى إِنما قال: بفرقة الأحباب فلذاك صرت عدو كل غراب. فقلت لهن: فبالذي خصكن بهذا المجلس وبحق صاحبة الصورة لَمَا خَّبرتُنَّني بخبركن! قلن لولا أنك أقسمت علينا بحق من يجب علينا حقه ما أخبرناك! كنا صواحب مجتمعات على الألفة، لا تشرب منا واحدة البارد دون صاحبتها فاخترمت صاحبة الصورة من بيننا، فنحن نصنع في كل موضع نجتمع فيه مثل الذي رأيت، وأقسمنا أن نقتل في كل يوم نجتمع فيه ما وجدنا من الغربان لعلة كانت؛ قلت وما تلك العلة؟ قلن فرق بينها وبين أنس كان لها ففارقت الحياة فكانت تذمهن عندنا وتأمر بقتلهن، فأقل ما لها عندنا أن نمتثل ما أمرت به، ولو كان فيك شيء من السواد لفعلنا بك فعلنا بالغربان، ثم نهض فمضين ورجعت إلى أصحابي فأخبرتهم بما رأيت، ثم طلبتهن بعد ذلك فما وقعت لهن على خبر ولا رأيت لهن أثراً.

стр. 507

حديث ناسكة حدّث التوزي عن عتبة الغلام قال: خرجت من البصرة والأبلة فإذا أنا بخباء أعراب قد زرعوا، وإذا أنا بخسمة، وفي الخيمة جارية مجنونة عليها جبة صوف لا تباع ولا تشترى، فدنوت فسلمت فلم ترد على السلام، ثم وليت فسمعتها تقول: زهد الزاهدون والعابدون ... إذ لمولاهم أجاعوا البطونا أَسهروا الأعين القريحة فيه ... فمضى ليلهم وهم ساهرونا حيرتهم محبة الله حتى ... علم الناس أن فيهم جنونا هم ألبا ذوو عقول ولكن ... قد شجاهم جميع ما يعرفونا قال فدنوت إليها فقلت الزرع؟ فقالت: لنا إن سلم، فتركتها وأتيت بعض الأخبية فأرخت السماء كأفواه القرب، فقلت لآتينها فأنظر قصتها في هذا المطر، فإذا أنا بالزرع قد غرق وإذا هي قائمة نحوه وهي تقول: والذي أسكن قلبي من طرف سحر بصفي محبة اشتياقك إن قلبي ليوقن منك بالرضا، ثم التفت إليّ فقالت يا هذا! إنه زرعه فأنبته، وأقامه فسنبله وركبه، وأرسل عليه غيثاً فسقاه، وطلع عليه فحفظه، فلما دنا حصاده أهلكه، ثم رفعت رأسها نحو السماء فقالت العباد عبادك وأرزاقهم عليك، فاصنع ما شئت، فقلت لها كيف صبرك، فقالت: اسكت يا عتبة: إن إلهي لغني حميد ... لي كل يوم منه رزق جديد الحمد لله الذي لم يزل ... يفعل بي أكثر مما أريد بين القبور حدّث التوزي عن مصعب قال: قرأت على لوحين فوق قبرين: أمغطى على بصري في الحب أم كنت أكمل الناس حسنا

стр. 508

وحديث ألذه هو مما ... ينعت الناعتون يوزن وزنا ورأيت امرأة عند القبرين وهي تقول: بأبي! لم تمتعك الدنيا من لذتها، ولم تساعدك الأقدار على ما تهوى، فأوفرتني كذا، فصرت مطية للأحزان، فليت شعري كيف وجدت مقيلك، وماذا قلت وقيل لك، ثم قالت: استودعتك من وهبك لي ثم سلبني أسرّ ما كنت بك. فقلت لها يا أمه! ارضي بقضاء الله وسلمي لأمره. فقالت: هاه! نعم فجزاك الله خيراً، لا حرمني الله أجرك ولا فتنني بفراقك. فقلت لها من هذا؛ فقالت: ابني وهذه ابنة عمه، كان مسمى بها زفت إليه ثم أخذها وجع أتى على نفسها فقضت، فانصدع قلب ابني فلحقت روحه روحها، فدفنتهما في ساعة واحدة، فقلت فمن كتب هذا على القبرين، قالت أنا، قلت وكيف؟ قالت: كان كثير ما يتمثل بهذين البيتين فحفظتهما لكثرة تلاوته لهما، فقلت ممن أنت، فقالت فزارية، قلت ومن قائلهما: كريم بن كريم، سخي ابن سخي؛ شجاع ابن بطل، قلت من؟ قالت: مالك بن أسماء بن خارجة يقولها في امرأته حبيبة بنت أبي جندب الأنصاري، ثم قالت وهو الذي يقول: يا منزل الغيث بعدما قنطوا ... ويا ولي النعماء والمنن يكون ما شئت أن يكون وما ... قدرت ألا يكون لم يكن يا جارة الحي كنت لي سكناً ... إذ ليس بعض الجيران بالسكن أذكر من جارتي ومجلسها ... طرائفاً من حديثها الحسن ومن حديث يزيدني مقة ... ما لحديث المرموق من ثمن

стр. 509

قال فكتبها، ثم قامت مولية فقالت: شغلتني عما إليه قصدت لتسكن ما بي من الأحزان. حديث أرملة حدّث الأصمعي قال: سمعت رجلا من تميم يقول: أظللت إبلا فخرجت في طلبهنّ، فمررت بجارية أعشى نورها بصري، فقالت ما حجتك؟ قلت: إبل لي أضللتها، فهل عندك شيء من علمها؟ قالت: أفلا أدلك على من عنده علمهن؟ قلت بلى! قالت الذي أعطاكهن هو الذي أخذهنّ، فاطلبهن من طريق التيقن لا من طريق الاختيار، ثم تبسمت وتنفست الصعداء، ثم بكت وأطالت البكاء، وأنشأت تقول: إني وإن عرضت أشياء تضحكني ... لموجع القلب مطويّ على الحزن إذا جاء الليل أحيا لي تذكُّرَه ... والصبح يبعث أشجانا على شجن وكيف ترقد عين صار مؤنسها ... بين التراب وبين القبر والكفن أبلى الثرى وتراب الأرض جدّته ... كأن صورته الحسناء لم تكن أبكي عليه حنيناً حين أذكره ... حنين والهة حنت إلى وطن ابكي على من حنت ظهري مصيبته ... وطير النوم عن عيني وأرقني والله لا أنس حبي الدهر ما سجعت ... حمامة أو بكى طير على فَنن فقلت عن ما رأيت جمالها، وحسن وجهها، وفصاحتها وشدة جزعها: هل لك من بعل لا تذم خلائقه وتؤمن بوائقه؟ فأطرقت مليا، ثم أنشأت تقول: كنا كغصنين في أصل غذاؤهما ... ماء الجداول في روضات جنات فاجتث خيرهما من جنب صاحبه ... دهرٌ يكر بفرحات وترحات

стр. 510

وكان عاهدني إن خانني زمن ... ألا يضاجع أنثى بعد مثواتي وكنت عاهدته أيضا فعالجه ... ريب المنون قريبا مذ سُنيات فاصرف عنانك عمن ليس يردعه ... عن الوفاء خلاب في التحيات حديث فتاة حدث التوزي عن بعض الكتاب قال: دخلت البصرة أنا وصديق لي فرأيت فتلة قد خرجت من بعض الدور كأنها فلقة قمر. فقلت لصاحبي: لو ملت بنا إليها فاستسقيناها ماء! ففعل، فقلنا لها، جعلنا الله فداءك! اسقينا ماء، فقالت؛ نعم وكرامة، فدخلت وأخرجت كوز وهي تقول: ألا حيَّ شخَصيْ قاصدَين أراهما ... أقاما فما إن يعرفا مبتغاهما هما استسقيا ماء على غير ظمأة ... ليستمتعا باللحظ ممن سقاهما عظة امرأة حدث محمد بن سلام الجحمي يقول: سمعت رجلا من بني سليم يقول. هويت امرأة من الحي، فكنت أتبعها إذا خرجت إلى المسجد فعرفت ذلك مني، فقالت لي ذات ليلة: ألك حاجة؟ قلت نعم! قالت وما هي؟ قلت مودّتك، قالت دع ذلك ليوم التغابن قال فأبكني والله فما عدت إليها بعد ذلك. ومن حديث أخرى: أن رجلا رأى أعرابية بمكان خال، والليل منسدل الستر فقال: أما من سبيل إليك؟ فقالت: انظر هل يرانا من أحد! قال ما يرانا إلا الكواكب! قالت: وأين مكوكبها؟ فبهت الرجل وانصرف ذاهلا ما يتكلم.

стр. 511

المرأة الأندلسية ابتعد العرب بانتقالهم إلى الأندلس عن أكثر ظواهر الحياة العربية الأولى، فهم من مهبطهم الجديد في خميلة نشر الله عليها من سمات الحسن وآيات الجمال ما يستقيد العين والنفس والقلب والخيال، حتى خيل لشاعرها أن يقول: يا آل أندلس لله درّكم ... ماء وظل وأنهار وأشجار ما جنة الخلد إلا في دياركم ... ولو تخيرت هذا كنت أختار لا تثقوا بعد ذا تدخلوا سقرا ... فليس تُدخل بعد الجنة النار وهم فوق ما نعموا به من زهو الطبيعة وجلوة الأرض، نعموا كذلك بالكثير الموفور من رفاهة العيش وإغداق النعيم، لَمِا آل إليهم من كنوز القُوط ولما حوته أرضهم وديارهم من أفانين الثراء وأسباب النعماء. وقد أصبحوا بهبوطهم تلك البلاد في نجوة من بلادهم لا يصلهم بها إلا الوفود المتردّدة بين الشرق والغرب على بعد ونأي المزار، وأمّا جيرانهم الأدنَوْن وخلطاؤهم الأقربون فهم أهل البلاد الصميمون الذين تمتعوا بأوفى نصيب من بُلهْنية العيش ولذات الحياة وما يقتضيه كل ذلك من سرف وترف ولهو ونعيم. وعلى الرغم من ذلك سار الأمويون في الأندلس دهراً طويلاً على مسار أسلافهم في الشرق من الاحتجاز بأنفسهم عن الأمم المغلوبة لعصبيتهم ووقاية لأنسابهم وحماية لأخلاقهم أن يوهنها الضعف والانحلال. وفوق ذلك لبث الأمويون يطفئون الفتن ويخمدون الثورات ويدفعون العدوّ المتوثب على الثغور أمداً طويلا فلم يرخوا أعنة اللهو إلى حدّ بعيد كما كان العباسيون يفعلون، حتى إن أمير المؤمنين عبد الرحمن الناصر وهو الذي رفع

стр. 512

الأندلس إلى الذروة العليا من عزة الجانب ونضارة الحضارة وطيب العيش ونعيم الحياة لم يصف له من دهره - كما قال - إلا أربع عشرة ليلة، وقد أقام في الملك خمسين عاماً. وبحقٍّ لقد استحظى كثير من ملوك بني أمية كثيراً من الجواري الروميات والصقالبيات وبذلوا لهن أفضل ما يتمنين من رغيد العيش وبعيد الآمال، ولكنهن لم يفسدن العنصر العربي لأنهنّ لم يكنّ بالكثرة التي تمكنهن من غلبة الرجال على أمرهم وإفساد ما بينهم وبين نسائهم، ولم يكن من خلابة الفارسيات ولباقتهنّ واحتوائهن على ألباب الرجال في قليل ولا كثير، ذلك إلى أنهن لم يكنّ يعتمدن - كما كان الفارسيات يعتمدن - على فريق من الرجال يشدّون أزرهنّ، ويُنْهجون طريقهنّ، ويستثمرون نفوذهن في بيوت الخلفاء والوزراء. لم يكن أولئك الجواري إذاً سوى وسائل لهو وأدوات زينة، لأنهنّ لم يملكن من أسباب اقتياد الرجال إلا الجمال وحده، وللمتعة بالجمال حدّ ينتهي إليه، ومهما بلغت فإن غايتها إلى ابتذال وملال. ولم يكن ذلك العهد الأموي بالأندلس عهد لذات مجترَحَة ولا حرمات مباحة ولم يظهر من الناس من دأُبه قذف المحصنات، وإشاعة الفاحشة بين الناس كما كان يفعل ذلك شعراء الفرس وأدباؤهم في بغداد لتوهين الأعراض وإباحة الحرمات. وكان للدين سلطان مبين على الأعلياء والدَهماء، ومما زاد الروح الديني استطارة واستفاضة تلك الشوكة العظيمة التي كان المسلمون يقابلون بها عدوان الجلالقة وغيرهم من المترصدين للعرب والإسلام. من أجل ذلك لم يكن طريق المرأة الأندلسية وعراً ولا ضيقاً حرجا، بل كان واضحاً قصداً وصراطاً قويما، لا لغو فيه ولا تأثيم، فلم يكن بدعا أن تسير

стр. 513

لغايتها من إسعاد الأسرة، وإصلاح البيت. وتزكية النشء وأن يسير الرجل لغايته من ولاية الأمر ورياضة العمل وحياطة البلاد، ثم يلتقيان في معاهد العلم ومجامع الأدب. ولقد كان النساء يخرجن إلى المسجد الجامع في قرطبة وإلى سواه من معاهد العلم فيجلسن في حلقات للدروس منتقبات محتشمات. وقد ظهر من النساء عدد لا كفاء له في فنون من العم والأدب. وكان لهن في تلك الحياة العاملة شأن نابه وشأو بعيد، ومنهن الشواعر، والكاتبات، والمحدّثات، والمتفقهات، والمعلمات والمتطببات. وكان نساء الخلفاء في غنى عن الأطباء بالطبيبات، وعن المعلمين بالمعلمات. عصر عظمة المرأة الأندلسية امتدّ عصر المرأة الأندلسية حتى جاوز القرن الرابع إلى بعض ما يليه، وفي خلال ذلك الأمد الطويل كانت مضرب المثل في جلال الخلق وقوة النفس ووفرة العلم والبعد عن هَنات الاجتماع؛ وعلى الرغم من مسايرتها للرجل في طلب العلم والبلوغ في تحصيله لا تجد فيها زهواً ولا غروراً، ولا اندفاعاً فيم ليس من حقها من شئون الحياة، وما أثر عنها في طَوَال ذلك العهد أنها عاقرت النبيذ أو تبذلت في مجالس الرجال كما أثر ذلك عن المرأة العراقية في زهو الدولة العباسية. ذلك لأن الروح العربي والعصبية العربية كانا غالبين على كل مظاهر الحياة في ذلك العهد، حتى لقد احتفظت بطون العرب وعشائرها في تلك البلاد بوحدتها وجامعتها كأنها لم تزل في تهامة ونجد من أرجاء الصحراء، فكانت قيس تقيم في موطن وتميم في آخر وتجيبُ في ثالث، وبين الرجل وعشيرته عقدة جامعة ورباط وثيق.

стр. 514

القرن الخامس بدأت الأندلس في خلال المائة الخامسة تميد بأعباء الفتن السياسية، فقد سقطت الدولة الأموية ونهضت في أثرها دويلات المتغلبين من ملوك الطوائف وكان من شأن ذلك التمزيق لذي فرق أوصال الملك وشتت شمل الأمة أن يخمد جذوة العلم ويوهن قوة الأدب، لولا أن الرعيل الأول من أولئك المتغلبين كانوا من أئمة العلم وفرسان الأدب وأعيان البيان، فأعانوا العلماء والأدباء والشعراء بكل ما في طوقهم من معونة وما في خزائنهم من مال! وتنافسوا في استيزار الكتاب والشعراء واستزارة الأدباء والعلماء حتى أثمرت المواهب الناضرة وانحسرت العقول النيرة عن أفضل نتاج من العلم والأدب. وفي هذا العصر وما يليه تَسَامَى خيال أهل الأندلس إلى أبعد ما يتسامى إليه خيال الشاعر الساحر، وجاءوا بالمقطعات النادرة والموشحات المبتكرة، وبزُّوا أهل العراق في وصف ما امتازت به بلادهم ممن مظاهر الطبيعة المشرقة، ومسارح الحياة المتألقة، فلا تجد أوصف منهم للرياض والغياض والبحار والأنهار والمناره والملاعب والطير والهديل والسَّخَر والأصيل. وبدأت المرأة الأندلسية في هذا العصر تنكشف وتأخذ فيما أخذ الناس في من لهو ونعيم، وجاذبت الرجل فنون المرَح وقالت ما لم يكن يقوله غيره من تغزل وتخالع وتفرُّق وتواصل، ومناقصة ومماجنة، ومناقلة ومداعبة، ولكن الأخلاق بقيت في جملتها مستمسكة في هذا الجيل من النساء. وأو من سنت للنساء سنة الانكشاف والاستخفاف وَلاّدة بنت المستكفي سليلة بيت المُلك الأموي في الأندلس. وكان أبوها المستكفي بقية ملوك أمية، ولم يمهله الزمن حتى غُلب على أمره

стр. 515

وقتل، ومن بعدَهَ حَسَرت ولاّدة حجابها واتخذت قصرها مهبطاً ومنتدى خصيباً يأوي إليه كل مبدع منقطع النظير من الكتاب والشعراء، ومن هؤلاء الوزراء والعلماء والقضاة والولاة، فيتجاذبون الأدب ويتساجلون الشعر ويتناولون النقد ويتناقلون الحديث، وما كانت ولاَّدة بمقصرة عن السابقين الُمجَلّين من هؤلاء، بل إنها لتُعَد من مبتكرات الشعر الأندلسي الحديث. وكم من الشعراء من يحسن أن يقول قول ولادة: ودَّعَ الصبر محب ودعك ... ذائعٌ من سره ما استودعك يقرع السنَّ على أن لم يكن ... زاد في تلك الخطى إذ شيعك يا أخا البدر سنا وسنا ... حفظه الله زماناً أطلعك إن يطل بعدك ليلى فلكم ... بت أشكو قِصَر الليل معك بل كم منهم من يحسن أن يقول قولها للوزير الكاتب الشاعر ابن زيدون: ترقَّب إذا جَنّ الظلام زيارتي ... فإني رأيت الليل أكْتَمَ للسر وبي منك ما لو كان بالشمس لم تلُحْ ... وبالبدر لم يطلع، وبالنجم لم يسر وعلى رغم ما أقدمت عليه وَلاّدة من هتك حجابها وتسنية أبوابها. يقول المؤرخون إنها لم تْنزع إلى ريبة أو تنزلق إلى مأثمة، وأقامت حياتها لم تتزوج، وعُمَّرَت طويلاً، وتوفيت في العام الرابع والثمانين من المائة الخامسة. ولولادة صواحب نشأن على أدبها وانكشفن على سُنَتها وأخذن في الدعابة مثل مأخذها، ومن هؤلاء مهجة القرطبية وكانت أشد اندفاعا في مجانة الشعر من أستاذتها، وقد حاولنا أن نرى لها شعراً بريئاً لنثبته فلم نجد، على أن شعر ولادة لم يكن في متناول النساء لأن فيه فحولة وجزالة، وهو بشعر الرجال أشبه، ولكن أستاذة شواعر الأندلس التي أوردتهن من الشعر العذب الرقيق منهلا ندى النفحات

стр. 516

صفي النسمات هي حَمْدة - أو حمدونة - بنت زياد وأصلها من وادي آش أحد أعمال الأندلس وهي أسبق من ولادة عهداً وأبعد منها مدى، وفي شعرها أنوثة وسهولة نادرة وخيال بعيد. ومن شعرها، وكانت قد خرجت إلى النهر مع صبية، فلما نضت عنها ثيابها وعامت، قالت: أباح الدمع أسراري بوادي ... له في الحسن آثار بَوَاد فمن نهر يطوف بكل روض ... ومن روض يرف بكل واد ومن بين الظباء مهاة أنس ... سبت لي وقد ملكت فؤادي لها لحظ ترقده لأمر ... وذلك الأمر يمنعني رقادي إذا سدلت ذوائبها عليها ... رأيت البدر في أفق السواد كان الصبح مات له شقيق ... فمن حزن تسربل بالسواد فهذا هو الشعر النسوي الذي تسيغه نفوس النساء ويتأثرن ويقتفين سبيله، ومن أفضل ما يسمو إليه الخيال قولها تصف الرملة من أراضي وادي آش: وقانا لفحة الرمضاء واد ... سقاه مضاعف الغيث العميم حللنا دوحه فحنا علينا ... حنوّ المرضعات على الفطيم وأرشفنا على ظمأ زلالا ... ألذ من المدامة للنديم يصد الشمس أنى واجهتنا ... فيحميها ويأذن للنسيم يروع حصاة حالية العذارى ... فتلمس جانب العقد النظيم فهذا الأسلوب من الشعر لا تحد أرق ولا أدق ولا أنعم في الآذن ولا أندى على الأكباد منه.

стр. 517

ومن أبلغ ما وصلت إليه صناعة الشعر قولها: ولما أبى الواشون إلا فراقنا ... وليس لهم عندي وعندك من ثار وشنوا على أسماعنا كل غارة ... وقل حُماتي عند ذاك وأنصاري غزوتهمُ من مقلتيك وأدمعي ... ومن نفَسي بالسيف والسيل والنار ولحمدة أخت تدعى زينب وكانت شاعرة كأختها. ومن أستاذات هذا العصر في الشعر مريم بنت يعقوب الأنصاري، وكانت تغدو على بيوت أشبيليه فتعلم نساءها الشعر والأدب، ولها بينهن منزلة محمودة لسمو أدبها وفرط حشمتها! وكان عظماء البلد يجلونها ويدنونها لعراقة أثرها ونبالة خلقها وحسن بديهتها. وقد أرسل إليها المهدي صاحب أشبيلية دنانير في قرطاس كتب فيه: مالي بشكر الذي أوليتِ من قِبَل ... لو أنني حزت نطق اللسن في الخِلل يا فذة الظرف في هذا الزمان ويا ... وحيدة العصر في الإخلاص والعمل أشبهت مريما في ورع ... وفقت خنساء في الأشعار والمثل فأجابته الشاعرة: من ذا يجاريك في قول وفي عمل ... وقد بدرت إلى فضلٍ ولم تُسل ما لي بشكر الذي نظَّمت في عنقي ... من اللآلي وما أوليت من قبل لله أخلاقك الغر التي سقيت ... ماء الفرات فرقت رقة الغزل من كان والده العضب المهند لم ... يلد من النسل غير البيض والأسل وكان نساء غرناطة أعرف بالشعر ومعانيه وصوغه وصقله من غيرهن. وقد ذكر صاحب نفح الطيب أنهنّ كن يُدْعين العربيات لسيرهن على سَنن العرب في صفاء الشعر وفصاحة المعاني، فبدل أن يقال هذه غرناطية كان يقال هي عربية.

стр. 518

ومن شواعرها الصادحات نزهون الغرناطية، وكانت من أعذب النساء وأروحهن نفساً وأرفقهن بالشعر وأضربهن للأمثال، ولها في مجالس الوزراء والأمراء آثَرُ منزلة وأعز مكان، وكانت فوق ما عرفت به من رقة الطبع وسماحة الذوق من أحسن الناس بديهة وأحضرهم جوابا. ومما حدثوا عنها أنها كانت ذات على أبي بكر المخزومي الأعمى فدخل عليهما أبو بكر الكندي فقال يخاطب المخزومي: لو كنت تبصر مَنْ تجالسه! وأُفحم. فلم يستطيع أن يتمم البيت الذي بدأه فقال نزهون: لغدوت أخرس من خلاله البدر يطلع من أزِرَّته ... والغصن يمرح في غلائله ومن شعرها الذي أرخت لنفسها العذار فيه: لله در الليالي ما أحيسنَها ... وما أحيسن منها ليلة الأحد لو كنت حاضرنا فيه وقد غفلت ... عين الرقيب فلم تنظر إلى أحد أبصرت شمس الضحى في ساعدي قمر ... بل ريم خازمة في ساعدي أسد ومن نوادرها أن ابن قزمان الشاعر جاء ليناظرها - وكان يلبس غِفارة صفراء على زي الفقهاء - فلما رأته إنك اليوم كبقرة بني إسرائيل صفراء فاقع لونها، ولكن لا تسر الناظرين، فضحك الحضور، وثار ابن قزمان واندفع يسب، وتدافع القوم عليه حتى طرحوه في بركة أمام البستان الذي احتفل المجلس به. وفي هذا العصر ذاع الشعر النسوي القصصي، فكان مما يألفه النساء أن يبسطن حديثهن شعراً، وقد يكون ذلك في حفل حاشد أو بين يدي ملك أو في رسالة إلى أب أو صديق، ومن أمثلة ذلك رسالة بثينة بنت المعتمد إلى أبيها. وحديث ذلك أن المعتمد بن عباد بعد أن دفع به القضاء من قصره الأغن

стр. 519

في أشبيليه إلى سجن ابن تاشفين في أغمات - من أعمال فاس - سُبيت ابنته بثينة فيمن سبى من الجواري وبيعت من أحد تجار أشبيلية على أنها جارية، فوهبها التاجر ابنه، فلما رأت الجِد من الأمر كشفت القناع عن نسبها الملكي، وقالت لولد التاجر: لا أحل لك إلا بعقد يجيزه أبي، وأشارت عليهم بتوجيه كتاب من قبلها إلى أبيها وانتظار جوابه فكان الذي كتبته هذه الأبيات: اسمع كلامي واستمع لمقالتي ... فهي السلوك بدت من الأجياد لا تنكروا أني سبيت وأنني ... بنت لملِك من بني عباد مَلِك عظيم قد تولى عصره ... وكذا الزمان يؤُول للإفساد لما أراد الله فرقة شملنا ... وأذاقنا طعم الأسى من زاد قام النفاق على أبي في ملكه ... فدنا الفراق ولم يكن بمراد فخرجت هاربة فحازنيَ امرؤ ... لم يأت في إعجاله بسداد إذ باعني بيع العبيد فضمني ... من صانني إلا من الأنكاد وأرادني لنكاح نجل طاهر ... حسن الخلائق من بني الأنجاد ومضى إليك يسوم رأيك في الرضا ... ولأنت تنظر في طريق رشاد فعساك يا أبتي تعرّفني به ... إن كان ممن يُرتجي لودادي وعسى رميكية الملوك بفضلها ... تدعو لنا باليمن والإسعاد فلما بلغته مقالة ابنته وهو ثاو في غياهب سجنه، مطوّق في قيوده وأغلاله أدركه شيء من حسن العزاء لنجاتها، وأشهد على نفسه بعقد زواجها، وكتب إليها يهنئها ويتسلى بحسن عاقبة الزمان فيها، وكتب آخر رسالته: بُنيتي كوني به بَرَّةً ... فقد قضى الدهر بإسعافه وشبيه بهذا الأسلوب من الشعر النسوي الأندلسي شكوى الشاعرة الشَلبيَّة

стр. 520

إلى السلطان يعقوب المنصور غرناطة من عماله على بلدها، فقد كتبت هذه الشكوى وألقتها على مُصَلَّى المنصور يوم الجمعة، فلما قضى صلاته فضها وقرأها فإذا فيها: قد آن تبكي العيون الآبية ... ولقد أرى أن الحجارة باكية يا قاصد المصر يُرجى به ... إن قدّر الرحمن - رفع - كراهيه ناد الأمير إذا وقفت ببابه ... يا راعيا إن الرعية فانيه أرسلتها هملا ولا مرعى لها ... وتركتها نهب السباع العاديه شِلْبٌ كلا شِلبٍ وكانت جنة ... فأعادها الطاغون ناراً حاميه حافوا وما خافوا عقوبة ربهم ... والله لا تخفى عليه خافية فأنصف المرأة بعدله ووصلها بجزيل ماله: وحديث الأدب النسويَّ في هذا العصر حديث شيَق أليف، وإذا قلت لك أن هناك أستاذات من النساء كن يدارسن بنات الأسر الشريفة الأدب ويروينهن الشعر فلا تظن هؤلاء على قدر محدود فيما أخذن فيه من دروس وتحصيل، ولكنهن كن مع أعلام هذا العصر وأفذاذ رجاله على سواء واحد من العلم والأدب والفهم والتخرج. ومن أمثلة هؤلاء الشاعرة العروضية إحدى فتيات بَلَسنة فقد تلقت النحو واللغة على الإمام أبي المطرف وعبد الرحمن بن غلبون، ثم فاقته فيهما وبرزت علماء عصرها في العروض، وكانت تحفظ الكامل للمبرد والأمالي للقالي وتشرحهما شرحا مبينا، وقد قرأهما عليها العالم يوسف بن نجاح وأخذ عنها علم العروض. ولقد يمتد بنا الطريق إذا استوفينا جانب الأدب من حياة المرأة الأندلسية وهو أنضر جوانبها وأبهج حلاها في هذا العصر، فبحسبنا أن ندل عليه ونكتفي بهذا الطرف اليسير من حديثه.

стр. 521

ولقد حدّثتك حديث الخلق النسوي في هذا العصر وانه بقي في جملته مستمسكا مستقيما وإن كانت عوامل الضعف لبثت تغالبه من كل جانب وتحيط به من كل سبيل. ومهَّد انقسام الأندلس وقيام ملوك الطوائف للعدوّ المترصد سبيل الظفر بالمنقسمين، وبدأت النازلة الفادحة والخطب الجلل يهويان على البلاد في أخريات هذا القرن منذ استباح الأذفونش طليطلة من صاحبها ابن ذي عام ٤٧٨، ومن هنالك أخذ العدوّ المتغلب يجدّ في شططه وأخذ سلك البلاد ينتشر من وسَطَه كما قال الشاعر ابن العسال: حثوا رواحلكم يا أهل أندلس ... فما المقام بها إلا من الغلط السلك ينثر من أَطرافه وأرى ... سلك الجزيرة منثوراً من الوسط من جاور الشر لا يأمن عواقبه ... كيف المقام مع الحيَّات في سفط وكذلك بدأت دعائم الخلق تهتز وأنشأ صرح الحياة يمبد. بعد القرن الخامس ألا مسعد منجدٌ فِطَن ... يُبَكي بدمع معين هَتِن جزيرةُ أندلس قَدْ سَطَت ... عليها غوائل حقد الزمن ويندب أطلالها آسفاً ... ويرثي من الشعر ما قد وهن ويبكي اليتامى ويبكي الأيامى ... ويحكي الحمام ذوات الشجن ويشكو إلى الله شكوى شج ... ويدعوه في السر ثم العلن وكان رباطاً لأهل الهدى ... فعادت مناطاً لأهل الوثن وكان معاذاً لأهل التقى ... فصارت ملاذاً لمن لم يدِن وكانت شَجي في حلوق العدى ... فأضحت لهم ما لها محتجن

стр. 522

ذلك بعض ما رثيت به الأندلس في القرن السادس الهجري أي قبل أن يحل بها القضاء الأخير بقرنين كاملين، فقد أخذ العدوّ يوغل في قلب البلاد وأخذ أولئك المتملكون يلقون إليه بالمودّة، ويتقدّمون إليه بالجزى، ويستعين به بعضهم على بعض، ومن لم يستعن به استصرخ المغيرين من ملوك فاس، وترك أهل الأندلس تلك القوى المتدافعة تتناجز على البلاد وراحوا يلهون ويلعبون، ويشربون ويطربون ويسبحون في مضمار الخلاعة أرسانا، ويستبقون في ميدان البطالة فرسانا، واستشرفوا إلى الجواري والروميات والمهاجرات المغربيات يتَسرّونهن ويستولدونهن، وغادروا المرأة الأندلسية تندفع فيما هم مندفعون، وتشرب بالكأس التي يشربون بها، فالتاثت الأخلاق، واضطربت الأعراق، وفترت الحمية، وضاع الحِفَاظ. وبدءوا يتشبهون بالفرنجة فيما أمكنه أن يتشبهوا به، وماذا يملك الضعيف الذليل من التشبه بالقوى العزيز؟ ليس إلا المظاهر الجذابة من زي يبسطه عليه. أو كلمات من لغته يتقرّب بها إليه، أو إنحاء بالطعن على أهل ملته وعشيرته، أو لجاج في البراءة من آداب دينه وأمّته، فأما الدأب في العمل والإمعان في الثبات والتضحية في الواجب وفناء الواحد في عز الجماعة، والطاعة في غير ذل، والبذل في غير رياء، فذلك ما لا يملك الضعيف أن يتشبه بالقوى فيه. لأن النفس واهنة، والعقل مضطرب. والقلب رخو مريض. وكذلك فعل الأندلسيون فقد غلوا في التشبه بالفرنج في عامة مظاهرهم، فلبسوا برانسهم، واعتمروا قلانسهم، ومضغوا ألفاظهم، وتزوّجوا الدنيات من نسائهم. وأول من سن طريق الغلو في اقتفاء الهين القريب من مظاهر الفرنجة محمد ابن سعد بن مردنيش الجذامي أمير شرقي الأندلس في منتصف القرن السادس،

стр. 523

وذلك ما يقوله عنه الوزير لسان الدين بن الخطيب في كتابه الإحاطة في أخبار غرناطة وآثر ابن مردنيش زي النصارى من الملابس والسلاح واللُّجُم والسروج، وكلف بلسانهم، وألجأه الخروج عن الجماعة والانفراد بنفسه إلى الاحتماء بالنصارى ومصانعتهم، والاستغاثة بطواغيتهم، وصالح صاحب برشلونة لأول أمره على ضريبة وصالح ملك قشتالة على الأخرى، فكان يبذل لهم في السنة خمسين ألفاً من المثاقيل، وابنتي لجيشه من النصارى منازل معلومات!! وحانات للخمور! وأجحف برعيته لأرزاق ممن استعان به منهم، فعظمت في بلاده المغارم وثقلت؛ وأما رسوم الأعراس والملاهي فحالاتها عجيبة. حدّث بعض المؤرخين عن الثقة قال: كنت بحيان مع الوزير أبي جعفر الوقشي فوصل إليه رجل من أهل مرسية كان يعرفه، فأساله الوزير عن أحوال ابن مردنيش وعن سيرته، فقال الرجل أخبرك بما رأيت من جور عماله وظلمهم، وذلك أن أحد الرعية بشاطبة واسمه محمد بن عبد الرحمن كان له بنظر شاطبة ضُيَيعة يعيش بها، وكان لازمها أكثر من فائدتها، فأعطى لازمها حتى افتقر، وفر إلى مرسية، وكان أمر ابن مردنيش أن من فرّ من الرعية أمام العدوّ أخذ ماله للمخزن، قال الرجل فلما رحلت إلى مرسية فارّاً عن وطني خدمت الناس في البنيان، فاجتمع لي مثقالان سعديان فبينما أنا أمشي في السوق وإذا بقوم منأهل بلدي شاطبة، فسألتهم عن أولادي وزوجتي، فقالوا إنهم في عافية، ففرحت فرحاً عظيماً وسألتهم عن الضييعة، فقالوا إنها باقية عند أولادك، فقلت لهم عسى أن تبيتوا عندي الليلة، فاشتريت لحماً وشرابا وضربنا دفا، فلما كان عند الصباح إذا بنقر عنيف بالباب،

стр. 524

فقلت من أنت! قال أنا الطرقون الذي بيده قبالة اللهو، وهي متفقة بيدي، وأنتم ضربتم البارحة الدف فأعطنا حق العرس الذي عملت، فقلت والله ما كان لي عرس فأخذت وسجنت حتى لافتديت بمثقال من الذي خدمت به وجئت إلى الدار فقيل له إن فلاناً وصل من شاطبة الساعة فمشيت لأسأله عن الدار وعن قرابتي وعرفته بالأمر الذي طرأ على وبكيت طول ليلتي وبكى معي، فلما كان من الغد إذا بناقر بالباب، فخرجت فإذا أنا برجل فقال أنا صاحب المواريث أعلمنا أنكم بكيتم وأنه قد مات لكم ميت من قرابتكم غنى وأخذتم كل ما ترك، فقلت والله ما بكيت إلا نفسي، فكذبني وحملني إلى السجن فدفعت المثقال الثاني. ذلك بعض ما يحدث في عهد التياث واضطرا به وانحراف الأمر وانقلابه على أن ما أصاب البلاد من فتنة ناشئة وشر وبيل لم يثن مثله هؤلاء عن الاندفاع في اللهو إلى قرار الهاوية. وأصبح الاندماج في الفرنج بالمظاهر والعادات وبالملق والرياء سنة مسلوكة وطبعاً مألوفا عند أهل الأندلس، ومن العجب أن عالما ضليعاً كعزيز بن خطاب يُوَلي مُلك مُرسية لعلمه وفضله، فإذا جاءه الخطباء ليخطبوا له بالملك استمع أقوالهم حاسر الرأس كما كان يعمل ملوك الفرنج. وكان ابن هود ملك الأندلس يسير في أشتات بلاده حاسر الرأس، وعلى هذا السبيل كان بنو الأحمر ينهجون. وكان علماء الأندلس يرخون ذوائبهم، ولم يسمح لغيرهم أن يفعل ذلك سيراً على سنة الفرنج في رجال الأدب والفنون منهم. ولبس النساء المناطق الأسبانيولية! واعتمرن القبعات الأسبانيولية، وخرج الفتيات حواسر الرءوس كواشف الصدور على مثال الأسبان، وفي كثير من الصور

стр. 525

التي خلفها الأندلسيون منقورة في الجدران أو منقوشة في الزجاج أو مرقومة على الثياب أو محفوظة في الكتب والرقاع ما يدل على انسياق المرأة الأندلسية في مساق الأسبانية وانخلاعها عن تقاليد السلف الصالح من الأمهات الأندلسيات. ورغم ما تورطت فيه امرأة هذا العصر من تهور واندفاع لم تكن بنجوة من العلم والأدب، فقد نالت منهما أكثر مما نالت في عصورها السالفة، ولكن ويل للأمة من المرأة العالمة التي لا خلق لها ولا دين. وأستاذة الشواعر في العصر الأندلسي الأخير حفصة بنت الحاج الركونية، وهي إحدى شريفات غرناطة الظاهرات بوفر المال وفرط الجمال وما تزدان به المجالس من حسن المساجلة ولهو الحديث. ولذلك لم يكن بدعاً أ، يغدو في أثرها كثير من نساء هذا العصر، وكانت نشأتها في القرن السادس وعمرت إلى منتهاه. وكانت حفصة في شعرها متدفعة غير متجملة ولا محتشمة، لأنها إنما تحكي صورة هذا العصر وتنزع عن غايته، وكانت تذيع هذا الشعور فيرويه الناس عنها وهم بها معجبون. ومن شعرها ما كتبته إلى فتى اشتهرت به: أزورك أم تزور فإن قلبي ... إلى ما تشتهي أبداً يميل فثغري مَورد عذب زلال ... وفرع ذؤابتي ظل ظليل وقد أمّلت أن تظمأ وتضحي ... إذا وافى إليك بي المقيل فعجّل بالجواب فما جميل ... إباؤك عن بثينة يا جميل ومن شعرها وقد أرسلته إلى الأمير أبي سعيد في مجلسه أنسه: زائر قد أتى يجيد الغزال ... مطلع تحت جنحه للهلال بلحاظ من سحر بابل صيغت ... ورضاب يفوق بنت الدوالي

стр. 526

يفضح الوردَ ما حوى منه خدٌّ ... وكذا الثغر فاضح للآلى ما ترى في دخوله بعد إذن ... أو تراه لعارض في انفصال ومن شعرها: سلام يُفَتح زهر الكما ... م وينطق بالشدو ورق الغصون على نازح قد ثوى في الحشا ... وإن كان تحرم منه الجفون فلا تحسبوا العبد ينساكم ... فذلك والله ما لا يكون ومما نسب إليها: أغار عليك من عيني رقيبي ... ومنك ومن زمانك والمكان ولو أني خبأتك في عيوني ... إلى يوم القيامة ما كفاني وعلى سنن ما أسلفت لك سارت المرأة الأندلسية بعد القرن السادس جامحة النفس مخلوعة العذار، ووهنت منه قوة الدين وخفر الحياء، وهدمت ركن البيت ومزقت آصرة الأسرة، وهي الغارس والأمة الغَرس، والباني والأمة البناء، فإذا صرفها اللهو واللعب عما وكلها الله به من حياطة خَلقه ورعاية حقه فما هي إلا نهلة بعد نهلة حتى ينتقض البناء، ويستحكم البلاء وترتفع صيحة القضاء، وتعصف عاصفة الفناء (وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميراً) وكذلك حقت كلمة الله على أهل الأندلس حين ائتمنهم الله على أرضه فلم يرعوا أمانته، واسترعاهم دينه فلم يوفوه رعايته، وأحلهم دار النعمة فأبطرتهم، وسوغ لهم صبابة الأمل فأسكرتهم، وكان ما أصابهم عبر العبر ومُثلةَ المُثلات، فقد ظهر عليهم العدو المستبيح فمرّق رجالهم واستعبد نساءهم وصرع بين أعينهم أطفالهم: فلو تراهم حيارى لا دليل لهم ... عليهم من ثياب الذل ألوان ولو رأيت نساهم عند بيعهم ... لهالك الأمر واستهوتك أحزان

стр. 527

يا ربُ أُمّ وطفل حيل بينهما ... كما تفرّق أرواح وأبدان وطفلةٍ مثل حسن الشمس إذ طلعت ... كأنما هي ياقوت ومَرجان يقودها العِلجُ للمكروه مكرهة ... والعين باكية والقلب حرّان لمثل هذا يذوب القلب من كمد ... إن كان في القلب إسلام وإيمان أثارة من أدب النساء في الأندلس كتبت ولاّة بنت المستكفي إلى ابن زيدون: ألا هل لنا من بعد هذا التفرق ... سبيل فيشكو كل صب بما لقي تمر الليالي لا أرى البين ينقضي ... ولا الصبر ممن رق التشوق معتقي سقى الله أَرضاً قد غدت لك منزلا ... بكل سكوب هاطل الودق مغدق للشاعرة الغسانية البجانية وهي من شواعر المائة الرابعة: عهدتهم والعيش في ظل وصلهم ... أنيق وروض الوصل أخضر فينان ليالي سعد، لا يخاف على الهوى ... عتاب ولا يُخشى على الوصل هجران سألت امرأة من شريفات غرناطة حفصة الركونية تذكاراً تكتبه بخطها فكتبت إليها: يا ربة الحسن بل يا ربة الكرم ... غضي جفونك عما خطه قلمي تصفحيه بلحظ الودّ منعمة ... لا تحفلي برديء الخط والكلم كتبت حسانة التميمية إلى الحكم بن الناصر: أنت الإمام الذي إنقاذ الأنام له ... وملكته مقاليدَ النهي الأممُ لا شيء أخشى إذا ما كنت لي كنفا ... آوى إليه ولا يعرونيَ العدم لا زلت بالعزة القعساء مرتديا ... حتى تذل إليك العُرب والعجم

стр. 528

فلما وقف الحكم على شعرها استحسنه ووظف لها عطاء كريماً وكتب إلى عامله على البيره - من أعمال الأندلس - فجهزها بجهاز حسن. وكان الحكم قد كتب إلى والي البيره بتحرير أملاكها وردها إليها - ولا نعلم كيف نزعت منها - واتفق أن عوجل الحكم بالموت لم يقض الوالي لها بشيء فلما طال مطاله لها ذهبت إلى ابنه الخليفة عبد الرحمن فلما مثلت بين يديه انتسبت إليه، فعرفها وعرف أباها ثم أنشدت: إلى ذي الندى والمجد سارت ركائبي ... على شحط تصلي بنار الهواجر ليجبر صدعي إنه خير جابر ... ويمنعني من ذي الظلامة جابر فإني وأبنائي كفه ... كذي الريش أضحى في مخالب كاسر جدير لمثلى أن يقال مَرُوعة ... لموت أبي العاصي الذي كان ناصري سقاه الحيا، لو كان حيا لما اعتدى ... علىَّ زمان باطش قادر أيمحو الذي خطته يمناه جابر ... لقد سام بالإملاك إحدى الكبائر ثم بسطت أمرها وأرته أبيه فقبله وقال: لقد تعدى لبيد طوره حتى رام نقض رأى الحكم، وحسبنا أن نسلك سبيله بعده، ونحفظ بعد موته عهده، انصرافي يا حسانة فقد عزلته لك ووقع بمثل توقيع والده، وأجازها بجائزة كريمة فشكرت له صنيعه بقصيدة جاء فيها: ابن الهشامين خير الناس مأثرة ... وخير منتجع يوما لرُوّاد إن هز يوم الوغى أَثناء صعدته ... روَّى أنابيبها من صرف فرصاد قل للإمام أيا خير الورى نسباً ... مقابلا بين آباء وأجداد جوَّدت طبعي ولم ترض الظلامة لي ... نهاك فضل ثناء رائح غاد فإن أقمتُ ففي نعماك عاطفة ... وإن رحلت فقد زودتني زادي

стр. 529

لأمّ العَلاء بنت يوسف الحِجَارِيَّة - من شواعر المائة الخامسة: كل ما يصدر منكم حسنُ ... وبعليا كمْ تحلّى الزمن تعطِف العين على منظركم ... وبذكراكم تَلَذّ الأذن من يعيش دونكُم في عمره ... فهو في نيل الأماني يغبن وخطبها رجل أشيب فكتبت إليه تقول: الشيب لا يُخدَع فيه الصبي ... بحيلة فاسمع إلى نصحي فلا تكن أجهل مَن في الورى ... يبيت في الجهل كما يضحي وقالت تعتذر: افهم مطارح أقوالي وما حكمت ... به الشواهد واعذرني ولا تلم ولا تكلني إلى عذر أبينه ... شر المعاذير ما يحتاج للكلم وكل ما خلته من زلة فبما ... أصبحت في ثقة من ذلك الكرم لأم السعد بنت عصام الحِمْيرية القرطبية: آخ الرجال من الأبا ... عِدِ والأقاربَ لا تقارب إنّ الأقارب كالعقا ... رب أو أشدّ من العقارب للسيدة أمَة العزيز: لحاظكم تجرحنا في الحشا ... ولحظنا يجرحكم في الخدود جرح بجرح فاجعلوا ذا بذا ... فما الذي أوجب جرح الصدود حكى الوزير أبو المغيرة بن حزم قال: نادمت يوماً المنصور بن أبي عامر في مُنيه السرور بالزاهرة ذات الحسن النضير وهي جامعة بين روضة وغدير، فلما تضمخ النهار بزعفران العشي. ورفرف غراب

стр. 530

الغروب الدجوجي، وأسبل الليل جنحه، وتقلد السماك رمحه، وهم النسر بالطيران، وعام في الأفق زورق الزّبرقان، أوقدنا مصابيح الراح، واشتملنا مُلاء الارتياح، وللدجن فوقنا مُلاء مضروب، فغنتنا عند ذلك جارية تسمى أُنس القلوب، وقالت: قدم الليل عند ستر النهار ... وبدا البدر مثل نصف السواري فكأن النهار صفحة خدّ ... وكأن الظلام خط عِذَار وكأن الكؤوس جامد ماء ... وكأن المدام ذائب نار نظري قد جنى عليّ ذنوباً ... كيف مما جنته عيني اعتذاري يا لقومي تعجبوا من غزال ... جائر في محبتي وهو جاري ليت لو كان لي إليه سبيل ... فأُقضّي من الهوى أوطاري كتب أبو عامر بن نيق إلى هندية جارية أبي محمد بن عبد الله بن مسلمة الشاطي يدعوها بهذين البيتين: يا هند هل لك في زيارة فتية ... نبذوا المحارم غير شرب السلسل سمعوا البلابل قد شدت فتذكروا ... نغمات عودك في الثقيل الأول فكتبت في ظهر رقعته: يا سيداً حاز العلا عن سادة ... شم الأنوف من الطراز الأول حسبي من الإسراع نحوك أنني ... كنت الجواب مع الرسول المقبل كان عباد المعتضد كلفاً بجاريته العَبّادية فسهر ليلة وهي نائمة فقال: تنام ومدنفها يسهر ... وتصبر عنه ولا يصبر فانتبهت له وأجابته: لئن دام هذا وهذا له ... سيهلك وجداً ولا يشعر
следующие страницы →