← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 37060

المطالع البدرية في المنازل الرومية

بدر الدين الغزي

Полный текст (303 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبه أكتفي الحمد لله الذي بنعمته تتم الصَّالحات، وتدر البركات، وبمنّته تُغْفَر الزلات وتُقَال العثرات، وبرحمته تقرّ العيون السخِنَات، بلمّ الشَّمل بعد الشتات، وبرأفته يحصل للقلوب القلقة الثبات، بوصل الحبل بعد البتات، أحمده على توافر نعمائه التي مدّها علينا ظلاً ظليلاً، وتواتر آلائه التي أولاها ووالاها مقاماًَ ورحيلا، وأشكره شكراً يكون بمزيد النعم كفيلا، ولمديد الكرم الوافر الوافي منيلا، وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، شهادةَ معترف بوجوب وجوده، مغترف من بحار كرمه وجوده، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، أشرف رسله وسيد عبيده وناصر دينه القيم وصاحب لواء تحميده، صلّى الله وسلّم عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه وأشياعه وجنوده، ما عزمت همة امرءٍ على إقامة، أو همت عزيمته بسفر، وما تجلّى صبح بلوغ المآرب عن سُرى ليل المطالب وسَفَر، أما بعد. فهذا تعليق، أبرزه عون من الله تعالى وتوفيق، قصدتُ به ضبط موارد الرحلة الرُّوميّة، وذكر معاهد الوجهة الشَّماليّة، والتنويه بأسماء بعض من جمعتنا به الرحلة من الأئمة الشيوخ، ذوي التحقيق والرسوخ، من أصحابٍ وخلاّن وأصدقاء وإخوان، ما بين أقران نبلاء، وأعيان كملاء، وتلامذة فضلاء، زادهم الله عِلْمَاً وعملاً، ومن أركان دولة ملك البسيطة، وقطب الدائرة التي هي بالعالم محيطة، ظل الله في الأرض، النافذ الأمر في الطول منها والعرض، ملك البرين والبحرين والعراقين، وحامي الحرمين الشريفين، سليمان الزمان وإسكندر العصر والأوان السُّلطان سليمان خان بن عثمان، لا زالت شمس ملكه مشرقة الأنوار، والدنيا لابسة من شعار سُلطانه حُلل الفخار، ولا زالوا هم مقيمين في دولته ميزان العدل بالقسط، متعاضدين متفقين في نصرة الحق وإعلاء كلمته على أحسن نظام وأنسب

стр. 2

شمط، مطرزاً حلته بذكر بعض ما فتح الله تعالى به من منثور ومنظوم، ومهمات لطيفة من غوامض العلوم، وقد وسمته بالمطالع البدريّة في المنازل الرُّوميّة، والله تعالى أسأل أن يجعله لوجهه الكريم خالصاً، وأن يظلنا بظله العميم حيث يكون الظل قالصاً بمنه ويمنه، وفضله وطَوْله، فأقول مستعيناً بالله سبحانه، ومؤملاً فضله وغفرانه، ومتوكلاً في كل أحوالي عليه، ومفوضاً جميع أموري إليه: إنني استخرت الله تعالى - وما خاب من استخاره - واستشرت كما أُمرت من هو أهل للاستشارة، في السفر إلى البلاد الرُّوميّة قاصداً محل تخت المُلْك مدينة قُسْطَنْطِينيّة لأمرٍ اقتضى ذلك، وألجأ إلى سلوك هذه المسالك في مدينة دِمَشْق الشَّام، بعد فراق روحها سيدي الوالد شيخ الإسلام، حين نضب المَعين، وفقد المُعين، وخان الأمين، وَمَان من لم نعهده، يمين وقلّ الناصر، وعزّ المواصر، وخذل المؤازر، وصدّت الإخوان، وندت الخلاّن، وافتضح من ذلك الخطب اليسير، من مدعي الصُّحبة والأخوَّة خلق كثير بحيث: لم يبقَ صافٍ ولا مصافٍ ... ولا مَعينٌ ولا مُعين وفي المساوي بدا التساوي ... فلا أمينٌ ولا يمين

стр. 3

فضاقت الأرض والنفس والمعيشة، وناوشَتْ كلاب المزابل أُسْدَ بِيشَة، فتعينتُ الرِّحْلَة عن المملكة فضلاً عن البلد، وحسنت مفارقة النفس فضلاً عن الأهل والولد. ولا يقيمُ على ضَيْمٍ يسامُ بهِِ ... إلاّ الأذَلاَّن عَيْرُ الحيِّ والوَتِدُ إنّ الهَوانَ حمارُ الدار يألفهُ ... والحرّ ينكرهُ والفيل والأسدُ هذا على الخسفِ مربوطٌ برُمَّتِهِ ... وذا يُشجُّ فلا يَرْثى له أَحدُ فاستعذتُ بالله من العجز والكسل، ورفضتُ التعلل بعسى ولعل، ولبستُ جلباب العزم، وامتطيتُ مطية الحَزْم، وأدخلتُ على معتل التواني حرف الجَزْم، وجزمتُ على ترك الدَّعَة والسكون أيَّ جزم، وأخذتُ في إعداد الأهبّة وارتياد الصحبة، إلى أن كمل الاستعداد، وحصلت الراحلة والرفقة والزاد، وخرجت من مدينة دِمَشْق المحروسة، ومن المنازل والديار المأنوسة، عصرَ يوم الاثنين المكرّم، ثامن عشر شهر رمضان المعظم، سنة ستٍ وثلاثين وتسعمائة، وصحبني من الخدم والرفاق والأصحاب فئة صحبةَ قاضي القضاة ولي الدِّين ابن الفُرْفُور، (وقد حصل عنده

стр. 4

بصحبتي في الظّاهر غاية السرور، والله يعلم خافية الأعين وما تُخفي الصدور)، فوصلت معه إلى الأَسْعَديّة والناصرية، وهما بسفح جبل قَاسِيُون من الصَّالحيّة، ثم أرسلت معه إلى قرية دُمَّر جماعة من الرفاق مع الأحمال، وعَنَّ لي الرجوع إلى الديار لقضاء مآرب وأشغال، وأنشد لسان الحال فقال: أقول لصحبي حين ساروا، ترفّقوا ... لعلي أرى مَنْ بالجناب الممنعِ وألثم أرضاً ينبتُ العزّ تربُها ... وأسقي ثراها من سحائبِ أدمعي وينظر طرفي أين أترك مهجتي ... فقد أقسمتُ أن لا تسيرَ غداً معي وما أنا إن خلّفتها متأسفٌ ... عليها وقد حلّت بأكرمَ موضعِ ولكن أخاف العمرُ في البين ينقضي ... على ما أرى والشملُ غيرَ مجمّعِ وأرجو إلهي أن يمنّ بجمعِنا ... قريباً بخير فهو أكرمُ من دُعي فوصلتُ إلى الدّار آخر ذلك النهار، والشمس كحبيب يودّع حبيبه، وقد عراه

стр. 5

من ألم الوداع اصفرار كما قيل: ورُبَّ نهارٍ للفراقِ أصيلُهُ ... ووجهي كلا لونَيْهما مُتَنَاسِبُ ثم فطرت في المنزل عل عادتي المألوفة، وفطر عندي من الأصحاب جماعة لطيفة، ثم احتفت بي الوالدة والأولاد، وتشاكينا حرارة الأكباد ولهيب الفؤاد، وأنشدت بلسان الحال قول من قال: غداً أودّعُ قوماً أوْدَعُوا كبدي ... ناراً، وعهدي بهمْ برداً على الكبدِ أُبْدي التجلُّدَ أحياناً فيبهرني ... ريقٌ يجفُّ وخدٌّ بالدُّموعِ ندي لم أنسَ يوماً تنازَعنا حديث نَوىً ... وقَوْلَها وهي تبكي: آه يا سندي كُنَّا إلى القرب أخلدنا فنغَّصَهُ ... هذا الرحيلُ الذي ما مرَّ في خَلدِي ثم خرجت إلى مدرسة الكامليَّة، وتمشيت ومعي ولدي أحمد - أنشأه الله

стр. 6

تعالى - في جامع بني أمية، فصار لا يفارقني لحظة، ويعيرني في كل ساعة لحظه، وقلت: لم أنسَ يوم الفراق المرِّ حين دنا ... والقلبُ باكٍ وطرف العين منبهتُ ونور عيني المفدى أحمد ولدي ... يمشي قليلاً أمامي ثم يلتفتُ ثم أُسْرِجَتْ في الكامليّة على عادتها الشموع والمصابيح، وصليت فيها مع جماعة من الأصحاب صلاة التراويح، ثم بِتُّ تلك الليلة في قلق وألم، واستيقظت أواخر الليل فإذا والدتي عند رأسي لم تنم: أتغلبني عيناي ليلة بيننا ... ووالدتي من شدّة الوجد لم تنمْ أمن قسوةٍ هذا أم الكربُ غامرٌ ... لقلبي مما حلّ فيه من الألمْ أي والله إنّ القلب لشديد الاحتراق، موثق من الكرب بأشد الوثاق، مثخن بجراحات الفراق: خليلي لا والله ما القلبُ سالمٌ ... وإن ظهرتْ مِنيّ مخايلُ صاحي وإلاّ فَما بالي ولم أشْهَدِ الوغا ... أبيتُ كأني مُثْخَنٌ بجراحِ فتهيأت حينئذ للصلاة بعد الطهور، وتناولت مما حضر من السحور، وتمليت بوجه

стр. 7

الوالدة والأولاد بقية تلك الليلة، في تلك السويعات اليسيرة القليلة إلى أن أذّن داعي الفلاح، ولمع الفجر بضيائه ولاح وسطع وجه المحجة وبان فتصدع الشمل حينئذٍ وبان: قالوا الرحيلَ وما تملّت باللقا ... عيني ولا امتلأت بغير مدامعي فتيّقَنَتْ روحي بأن مقالهم ... أن يصدق الحادي أشدَّ مصارع فيا لله ما ألفه الصباح من عوائد الفراق وما أثره في الأكباد من الانفلاق، وقلت: أقولُ للصبحِ حين أجْرَى ... عوائداً منه بالفراقِ لا أشكر السعي منكَ حتى ... تكون لي رائدَ التلاقِ ولما بلغ مولانا المقر الكريم، شيخ المسلمين السيد عبد الرحيم هذان البيتان، أنشدني لنفسه في هذا الشأن قوله:

стр. 8

إن يكن للصباح فضلٌ على الليل ... بتنويره دجى الأحلاكِ فله في تفرقِ الشملِ فعلٌ ... لم تسَعْه دوائرُ الأفلاكِ ثم نهضت إلى صلاة الصبح، مؤملاً من الله تعالى الصلاح والنُّجْح، ثم لمّا ابتسم وجه الصباح وسفر، شددت عليّ باكياً أهبّة السفر: عَجَبَاً لِقَلْبي يومَ راعتني النَّوَى ... ودنا التفرق كيفَ لَمْ يَتَفَطَّرِ ثم طافت بي الأحباب للوداع، وتعين العزم على الإزماع، فودّعت الوالدة والأولاد وسائر الأهل، وتجرّعت من ذلك ما ليس بالعذب ولا بالسهل، فما منهم إلاّ من لزمني وانتحب، فما أحقَّ المتلازمين منّا بقول بعض العرب: بَاتا بأنْعَمِ ليلةٍ حتى بَدا ... صُبْحٌ تلوّح كالأغرِّ الأشقَرِ فتلازَما عندَ الفرَاقِ صبَابةً ... أخْذَ الغَريمِ بِفَضْلِ ثوب المُعْسِرِ

стр. 9

والأولاد إذ ذاك ثلاثة، كل منهم في أول سنّ الحداثة، أكبرهم لم يبلغ السبع ولا عرف الضُّرَ والنّفع، وهم يبكون ويتعللون بالمُحال، وينشدون بلسان الحال: أيا أبتا لا تَرُمْ عندنا ... فإنا بخيرٍ إذا لم تَرِم نخافُ إذا أضْمَرتَكَ البلا ... دُ نُجْفَى ويُقْطَع عنا الرَّحِم واندفعت في سرِّي منشداً والدموع تستوقف القُطَار، وتستوكف الأمطار وتبلّ تلك الأقطار، والقلب في وَلَهٍ وعدم إشعار، عمّا عليه من إنشاد أشعار، فقلت: ودّعتُ قلبي يومَ ودعتُهم ... وقلتُ للنوم انصرف راشدا وقلتُ للأفراح عنّي ارحلي ... حتى تريني لهمُ شاهدا

стр. 10

وكان لذلك الوداع موقف مشهود، ينثر فيه من الدمع لؤلؤ منضود، وينظم عقوداً في نواحي الخدود، وقلت: موقفٌ للوداع ينثر فيه ... درر نظمت من الآماقِ كوّنت مثلَ وجدنا في اجتماع ... وبدت مثل شملنا في افتراقِ وقد أُسْرِجَتْ الفوانيس والخيول، وأُلجِمتْ الأفواه بما أجرت العيون من السيول، وطاشت الألباب وذَهَلَت العقول من توادع الأحباب، وصبرنا على ما هو أمرُّ من الحَيْن من معالجة شِدّة البَيْن: مَنْ لم يكن أخذ الهوى بفؤاده ... فلقد أخذت من الهوى بنصيبِ فرأيت أنّ أشدَّ كلِ بليةٍ ... قُضيت على أحدٍ فراقُ حبيب - ولقد نَظرتُ إلى الفراق فلم أجد ... للموت لو فقد الفراق سبيلا ثم ركبت الجواد بعد أن استودعت الله تعالى جميع الأهل والوالدة والأولاد ولقد أصابني بفراقهم ما أنّه:

стр. 11

لو كانَ بالفلك الدوّار لم يَدُرِ ... أو كانَ بالماء لم يُشْرَب من الكدرِ أو كانَ بالعيس ما بي يوم فرقتهم ... أعيتْ على السابق الحادي فلم يَسِرِ الخروج من دمشق وصحبت معي من الكتب النافعة في الأسفار بعض أجزاء وأسفار، وخرجت من المدينة وقت الإسفار، وصحبني جماعة من الأصحاب للوداع، وأسرعنا في السير قبل أن يتكاثروا غاية الإسراع، هذا والدموع لا ينحبس وَبْلُها إلاّ وأخلفه طَلُّها، وكلما أفرغ ذَنوبُها امتلأ سَجْلُها، والجوانح لا يهمد وقْدُ ضرامها، إلاّ وأخلفه حرّ أوامها، ولا يخمد تأجج نيرانها إلاّ وأردفه توهج دخانها والشوق بالأحشاء عابث وبجوانب الضلوع عابث، والقلب من اضطراب أهوائه خافق، وغراب البين ببعد الأحبة ناعق، وسرنا سير مُشمَعِلّ نطوي البيد كطي السجل، فوصلنا بعد تعالي الصباح وارتفاع الشمس قيد ثلاثة رماح إلى المنزل المقرر، وهو قرية ابن فُرْفُور دُمَّر، وهي قرية كبيرة كثيرة الخيرات وافرة الغلات طيبة النبات، فنزلنا بها بمرج لطيف، بديع التدبيج والتفويف، ذي عَرْفٍ أعطر، وربيع أزهر، من عُشْب أخضر، وأقحوان أصفر، وشقيق أحمر، وغير ذلك مما هو عجيب التلوين غريب التكوين، وقد حفّ به من غالب جوانبه نهر بَرَدَى وهو أكبر أنهار الشَّام وأكثرها مددا بل هو أصل

стр. 12

الأنهار ومَصْرِفها وأوسعها وأسرعها وأشرفها، يسقي ما لا يُحصى من القُرى، ويسدّ عند كل قرية ثم يعود كما كان نهراً. فهو من المِنَنِ الغزيرة، ومن الأعاجيب الشهيرة، كما قيل: نهرٌ يسيل كما يذوب نُضارُ ... وتدور في أيدي الس ُّقاة عُقارُ فإذا استقام فصارم دامي الظُّبا ... وإذا انحنا جنبٌ به فسِوار مغرورقُ التيار ملتطم كما ... خفقت بظهر مهب ريح نار أحْمَرَّ وأخضرَّ النبات بشطِهِ ... فكأنَّ ذا خدُّ وذاك عِذار وكما قيل: نهرٌ يَهيمُ بحُسنهِ مَن لم يَهمْ ... ويُجيدُ فيهِ الشِّعرَ من لم يَشْعُرِ ما اصفرَّ وجهُ الشّمس عند غُروبها ... إلاّ لفُرقةِ حُسنِ ذَاك المَنظرِ ومن أحسن ما قيل في وصف نهر عند الأصيل قول عبد الله بن شارة الإشبيليّ:

стр. 13

النهرُ قد رقّتْ غِلالةُ صبغه ... وعليه من ذهب الأصيل طرازُ تترَقرَقُ الأمواجُ فيه كأنها ... عُكَنُ الخصُور تهزُّها الأعجازُ فأقمنا بذلك المنزل نهارَ الثلاثاء تاسعَ عشرَ شهر رمضان بالتمام، فيا له من يوم ما كان أطولَه، وأخلَقَه بقول أبي تمام: يومَ الفراقِ لقد خُلِقْتَ طويلا ... لم تُبْقِ لي صبراً ولا مَعْقُولا وما أحسن ما قال بعده: لَوْ حَارَ مُرْتَادُ المَنيَّةِ لم يجِدْ ... إلاّ الفراقَ على النفُوسِ سبيلا قالوا: الرحيلُ، فما شككْتُ بأنه ... نَفْسٌ عن الدنيا تُريدُ رَحيلا وفي معناه قول المتنبيّ رحمه الله تعالى: أحْيَا وأيسَرُ ما قاسَيْتُ ما قَتَلا ... والبينُ جارَ على ضُعْفي وَمَا عَدَلا

стр. 14

والوجدُ يَقْوَى كما يَقْوَى النّوى أبداً ... والصّبرُ يَنْحَلُ في جسمي كما نَحَلا لولا مُفارَقَةُ الأحْبَابِ ما وَجَدَتْ ... لها المَنَايَا إلى أرْوَاحِنَا سُبُلا فلم أزل أتقلّى بجمر ذلك النهار، وأجاري ذلك النهر من دموعي بأنهار، أكنُّ من الوجد ما غاية الثكلى تكنه، وأبدي من الحنين ما لا تطيق الجوانح تُجِنُّه: فلله كم من لوعة كنت كاتماً ... لها خيفة العُذّال نَمَّ بها دمعي إذا كان من عيني على ما تُكنّه ... ضلوعي من الأسرار عين فما صنعي وقد بَرَّح الخفا بما أخفيه من البُرَحاء، ونزحت أرشية جفوني مياه عيوني بيد البكاء: أهذا ولما تمض للبين ليلةٌ ... فكيف إذا مرّت عليه شهورُ فما انقضى ذلك النهار، وحلّ من الصوم الإفطار، إلاّ وقد أشرفت النفس على الزُّهوق والقلب على الانفطار، ثم أقمنا من ليلة الأربعاء أطول الليال إلى مقدار حد الوصية من المال، فما كان أقصر ليلةَ الثلاثاءِ وأطولَ ليلة بعدها، فيا لها من ليلة ما

стр. 15

أخفها يتلوها ليلة ما أشدها كما قيل: إنّ الليالي للأنامِ مَنَاهلُ ... تُطوى وتُنْشرُ بينها الأعْمَارُ فقِصارُهنّ مع الهُمُومِ طويلةٌ ... وطِوالهنّ مع السرورِ قصارُ فلما طلع القمر وسطع نوره وانتشر، ومد بساطه الأزهر على ذلك الزهر، وصقل نور ضيائه صداد ذلك النهر، عزمنا على الترحال، وشددنا الأحمال على البغال، وودعنا من الأصحاب من بقي وأنشدناهم إن نعش نلتقي، وسرنا وقلبي يتوقف عن اللحاق، ويتخلف عن الرفاق، ويتخوف من فرق الفراق بعد فرح التلاق: ولولا الترجي للمحبين لم تكن ... قلوبُهُم يوم النّوى تعمر الصَّدرا واستمر بنا السير من ذلك الوقت إلى وقت الغداء وجزنا في خلاله بوادي بَرَدَى وهو وادٍ أفيح كثير الأشجار، بعيد القرار عظيم المقدار، عديم المماثل والنظير، ذو مرأى حسن ومنظر نضير، يحف كل قطر منه بستان، ويدور بجنباته نهر بَرَدَى كالثعبان، قد بسطت يد السماء به بُسُطاً سُنْدُسيّة، وطرحت عليه مطارح بالزهر موشية، وقد جر عليه النسيم بعد ذلك ذيوله، وأجال بميدانه خيوله، واستنطق أطياره، وشقق أزراره، وأفشى أسراره، وأذاع رنده وعَرَاره، وفضض نُوّاره، وذهّب

стр. 16

أزهاره، ونثر درهمه وديناره، وحيا ورده وبُهاره، وصافح آسه وجُلّناره، وأطاب تنآه وأخباره، وأمالت بنشأتها قدوده، وأخجلت بقبلتها خدوده، وحشّدت جنوده، وحشرت بيضه وسوده، ونشرت ألويته وبنوده، وملأت تهائمه ونجوده، ونظمت جواهره وعقوده، وأعطت مواثيقه وعهوده: محلُّ كأنّ الشمسَ تخجل كلما ... نَضَتْ ثوبِها عن معطفيه مغيبا تنم رياح الخلد منه لأهله ... ويطفح تسنيم ويرشح طيبا ثم جزنا بأعين التُّوت وهي في أمر مريج، وشهيق وعجيج، وزفير ونشيج، ولغط وضجيج، واضطراب والتواء، واعوجاج واستواء، وشكوى مما صنعته يد النّوى، وما أثارته وأثرته شدة الهوى، (ولم نزل) نجدّ في السير ولا نرفق، حتى نزلنا تعالي النهار من يوم الأربعاء عشرين شهر رمضان بمنزلة خَان الفُنْدُق على عين ماء بارد

стр. 17

عذب غدق يغدق، فأقمنا به ريثما نستريح، ونزيح علل الرفاق والدّواب ونريح، ثم ترحلنا منه عندما حان وقت الزوال وامتد الظل ومال، وكان ذلك اليوم أطول من ظل القناة، وأحرّ من دمع المقلاة، وسرنا والقَيْظُ يشتد حَرُّه، والهجير يتلظَّى جمره، إلى أن وافينا وادي الزَّبَدَانيّ، وقد أعرس بالورد وتزين بالعَرَار والرند، واطردت جداوله أي طرد، وفاح نسيمه المنعش للروح بالطيب والبرد، فتلقانا أهله بحُزم الورد النصيبي، وَوَفُر منه ذلك اليوم حظي ونصيبي، وقلت: جُزْنا بقومٍ كرامٍ ... وافوا بوردٍ نصيبي فاجزلوا منه حَظّي ... ومنه وفّوا نصيبي فيا له من وادٍ ما أحلاه وأملحه، وأفسحه وأفيحه وأفوحه، كأن رياضه سماء زُيّنت بالزواهر، أو قباب زمرد رصعت من الدر والياقوت بأنفس الجواهر، أو عذارى تتجلّى في حلل سندسيّة باسطة أكفها للتسليم، أو مهدية أقداحاً ختامها مسك ومزاجها من صفاء التسنيم، فتركنا عشه ودرجنا، وما عجنا على غير المسير ولا عرجنا، فوصلنا قرية صرغايا أصيل ذلك اليوم، فنزلنا في أحسن المنازل بخلاف بقية القوم في أرض خضرة، بين مياه خصرة وأزهار عطرة، وأشجار نضرة، وجورات تميس بقدود الحور، وتتستر بالأوراق تسترها بالشعور، وحمائم تترنم على أعواد الغصون، وتبدي فنون الأشواق والشجون، كما قيل: تشدوا بعيدان الأراك حمائمُ ... شدوَ القيان عزفنَ بالأعوادِ

стр. 18

مال النسيم بقضيبه فتمايلت ... مهتزة الأعطافِ والأجيادِ هذي تودعُ تلك توديعَ التي ... قد أيقنت منها بوشك بِِعادِِ واستعبرت بفراقها عين الندى ... فابتلّ مئزرُ غصنِها المَيّادِ فبتنا في ذلك المنزل المعظم القدر ليلة الخميس حادي عشر، وهي في أرجح مَيْلَيّ الإمام الشَّافِعيّ ﵁ ليلةُ القدر، وقلت من أبيات: وقرية صرغايا المعظمةُ القدرِ ... نزلنا بها في مرجها ليلةَ القدر ثم رحلنا منها وقد بزغ القمر بين النجوم كالملك لابس التاج، مرتدياً بين عساكره بأبيض الديباج، وقد عوَّض نوره وأغنى في الحالين عن السراج، فسلكنا مسالك سهلة ثم أدركنا مدارك مستصعبة وأعقبنا رقي عقبة، وما أدريك ما العقبة، هي عقبة الرُّمَّانة التي منها القلوب ملانة، ذات مدارجَ وَعِرة، ومناهِجَ عَسِرَة، ومهاد ومشارف، ومثان ومعاطف، تخلع القلب وتقطع النِيَاط، وتذكر بالحشر والحساب والصراط، فزاد حَزْنُها على الفؤاد أحزانه، ورادف بثه وأشجانه، ثم قطعناها عند الصباح، وسرنا في مهامة فيحٍ وفيافٍ فساح، ولم نزل في إتهامٍ وإنجاد، وصعود ربوة وهبوط واد، حتى انتهينا إلى واد كبير، ذي منظر نضير، وعشب كثير، وعينان تجريان على صخر بماء زلال خصر نمير، كما قيل:

стр. 19

ووادٍ حَكَى الخَنْسَاَء لا في شجونها ... ولكن له عَيْنَانِ تجري على صَخْرِ بعلبك قد بسط الربيع به بسطاً سُنْدُسيّة، ومطارف عَبْقَريّة ترتاح لرؤيتها الأرواح، وترتع النفوس منها في مراتع الارتياح، ثم فارقناه وهو يصفر، ويتبلج وجهه ويسفر، ونحن نحضر في السير ولا نخسر، حتى وصلنا إلى مدينة بَعْلَبَك، وعوض اليقين منها بالشَّك، فنزلنا بها ضحوة النهار على رأس العين، في مكان أفيح مقابلة فلاة مد العين، بها مروج وروضات هي مرتع النواظر ومتنفس الخواطر، قد أخذت أذوات الجنان، وأسفرت عن رَفْرَفٍ خُضْرٍ وعبقري حسان، وأتت من الحسن والإحسان، بما يقصر عن وصفه لسان القلم وقلم اللسان، كما قيل: إني دخلتُ لبَعْلَبَك فشاقني ... عين بها الظلُّ الظليلُ مخيمُ فلأجل ذا من أهلها أنا مكرم ... ولأجل عَيْنٍ ألفُ عَيْن تكرمُ ورأس العين هو مكان كالبركة، ينبع منه ماء ثَجّاج، عذب نمير خصر ليس بمِلْح ولا أُجاج، ويدخل إلى المدينة فيجوب في أكنافها حتى تحس بالري من أظفارها وأطرافها، وبجانب ذلك المكان صفة متسعة، وبالقرب منه مسجد كانت تقام فيه الجمعة. وتلقانا بهذا المنزل المذكور جماعة من أعْيَان أهل المدينة، وقد رفعت عنهم بواسطة شهر الصَّوم المؤنة، منهم الشيخ الإمام العالم العلامي البهايّ العصيّ

стр. 20

وولداه وغيرهم من الأكابر والقُضَاة، وكلّ من القوم يَعْتَذر بكرم شهر الصُّوم، فقلت وعن الحق ما حلت: شَهْرُ الصِّيام كريمٌ ... لكنكم بخلاءُ هب أننا في صيام ... أليس يأتي العشاءُ؟ وقلت: شَهْرُ الصِّيام كريم ... والبخل فيكم سجيّة هبنا نصوم نهاراً ... أليس تأتي العشيّة؟ وقلت: شَهْرُ الصِّيام كريم ... والفطر رخصة سَفْرِ وإن نَصْم فمغيب ... للشمس ميقات فطرٍ وقلت: شَهْرُ الصِّيام كريم ... والفطر للسَّفرِ رُخصة

стр. 21

واللّيل لا صوم فيه ... فالله بالفطر خَصّه ثم ركبنا حين تعوضت الشمس بفيها من ظلها، ودخلنا المدينة على حين غفلة من أهلها، لنخبر وَبْلها من طَلها، وعَلّها من نهلها، وحَزْنها من سهلها، وخَرْجها من دَخْلها، وكُثْرها من قُلَّها، وجِدَّها من هَزْلها، وسَفْسافها من جَزْلها، فوجدناها مدينة قديمة بها بقايا عمارات عظيمة، وآثار مآثر مقيمة، وأزقّة فسيحة وأسواق مليحة، وأكثر أهلها من أكثر أهل الجنة، لولا ما يُنْسب إلى بعضهم من بغضهم السُّنَّة، ودخلنا إلى جامعها الكبير الرحيب، فتلقانا خادمه بالتأهيل والترحيب، وفرش لنا سجادة وعكفنا فيه وقتاً طويلاً على الاعتكاف والعبادة، ثم تكلمنا مع القيّم فوجدناه لطيف الذات، كامل الأذوات، فسألناه عمّا يقال عن أهل بَعْلَبَك وعن رأس العين فقال: نعم هو حق ليس بالمَيْن، فإنها كانت عينين فأصابتهما وصمة العين، فحضر مغربيّ ملعون الوالدين، فسرق منهما عيناً في قنينة، وذهب بها إلى رأس جبل قرب المدينة، فانكسرت منه وجرت عيناً هناك، ثم حضر مغربيّ آخر، وأهل المدينة بين متأسف وباك، فقال: يا أهل بَعْلَبَك كأنكم بالعين الأخرى وقد اغتالتها يد البين، وأصبحت مدينتكم برأس بلا عينين، ويمكنني أن أقول على هذه العين الباقية عزيمة، فلا تزال بدياركم باقية مقيمة، فجمعوا له مالاً لبُدَا، وازدلفوا إليه حتى كادوا يكونون عليه لِبَدا، فرقى تلك العين ووضع عليها حجراً رَصْدا، فلم تبدْ بعد أبداً وزادت على طول المدا مددا، ورأينا قلعتها الحصينة، وهي ذات أبنية متينة، وأعمدة كثيرة طويلة، وأحجار كبيرة ثقيلة يظن من

стр. 22

رآها أنها صخور محررة لولا ما تحتها من الحجارة المختصرة، وقد كانت من غرر القلاع المشتهرة بالارتفاع والامتناع، وهي الآن خراب مأوى للبوم والغُرَاب، ورأينا الحجر المعروف بحجر الحبلى، وهو حجر مربع مستطيل، عرضه كالصفّة العريضة وطوله كالحائط الطويل، وهو خارج المدينة على نحو ثلث ميل، وهو أحد حجارة بناء القلعة العجيبة، وله عندهم حكاية من جنس ما تقدم عن العين غريبة، وسَلَّمْنا على ولي الله تعالى الشيخ محمد المنير العطّار، وهو من عِبَاد الله الصُّلحاء الأخيار، كثير الأوراد والأذكار، ملازم للعبادة آناء الليل وأطراف النهار، وقد كان ممن يتردد إلى سيدي شيخ الإسلام الوالد، وكان يسميه بالصَّالح الزاهد، وزرنا سيدي القطب العارف بالله تعالى الشيخ عبد الله اليُونِينيّ من أسفل الجبل، ثم عدنا إلى المخيم وقرص الشمس قد أفلت من يد السماء، وأفل وارتحل ذلك النهار، وحلّ للصائم الإفطار، ثم لمّا كفيت مؤنة العشاء، ومضى نحو عشرين درجة بعد العشاء، وآن للسامر أن يهجع، أزمع القاضي على الرحيل وأجمع، وكان ذلك برأي منه منكوس، وحظ له متعوس، فضلَّ عن سواء السبيل، وعن الطريق السهل القريب إلى طريق صعب طويل، فضيّع وقت الراحة في التعب في غير طائل، وصرف ساعة تجلّي الحقّ في السعي في الباطل، ولم نزل نصل السير بالسُّرى، ونكحل الأعين بإثمد الثرى، ونعزل عن مَحَالّ العيون والي الكرى، حتى وصلنا إلى قرية الراس، وقد تعبت البهائم والناس، فنزلنا بها ضحوة نهار الجمعة ثاني عشرين الشهر، وقد حمى النهار واشتدّ الحرّ، في مكان محجر وعر، موحش وغِر، معطش محر، فيه مياه سخنة، متغيرة اخبة، يسيرة قليلة، ضعيفة عليلة، فأقمنا هناك إلى وقت شدة القيلولة، ثم ارتحل عنها من تلك الساعة قاصداً قرية الزَّراعَة فلم نحل بها:

стр. 23

حتى رأيتُ اليومَ ولّى عمرهُ ... والليل مُقْتَبِل الشبيبةِ داني والشمسُ تنفُضُ زَعفراناً في الرُّبى ... وتفت مِسْكتها على الحيطانِ فنزلنا حينئذ بها في مرج فسيح الرحاب، وسيع الجناب، مربع الأجْنَاب، به للدواب مراتع ومرافق ومرابع، يسافر النظر في أرجائه، ولا يقف على مدى انتهائه، وبه ماء عذب جار، لكنه من حرارة الشمس حار. ثم رحلنا منها عندما بزغ القمر، ونبغ نوره وظهر، وبلغ أقصى الآفاق وانتشر، واستمر بنا الخبب والركض، في بسيط من الأرض، فسيح الطول والعرض: سَرَيتُ به أُحْييهِ لا حَيّةُ السُّرَى ... تَِمُوتُ، ولا مَيْتُ الصّباحِ يُعادُ يُقَلِّبُ منّي العَزمُ إنسانَ مُقلَةٍ ... له الأُفق جَفنٌ والظّلامُ سهادُ حمص ولم نزل نعاني السرى، ونعاصي الكرى، إلى أن بلغ الليل غايته، ورفع الفجر رايته، ونكصت النجوم على أعقابها، وسفرت الجَوْنَة عن نقابها، وتجلى وجه النهار مستبشراً، ووفدت تباشير الصباح زُمَراً، ثمّ برزت الشّمس في مروط

стр. 24

الوَرْس، ثم صقلت مرآتها وانجلت، ورفعت رايتها وعلت، فوافينا مدينة حِمْص ذلك الوقت من يوم السبت، فنزلنا بمرج أخضر حسن النبت يجري به مياه لابدة بعاصم حَمَاة، ممدة مع طاعتها لعاصي حَمَاة، وتَحُفُّه بساتين حسنة مزدهاة، وتلقّانا بها جماعة من وجوه الناس، منهم الشيخ الصَّالح الفاضل عبد القادر ابن الدَّعاس، ثم دخلنا المدينة بنية الزيارة، فوجدنا غالب دورها سوداء الحجارة، لكنها واسعة الأفنية، متينة الأبنية، قديمة العمائر، عظيمة المآثر، ودخلنا إلى جامعها الكبير، وزرنا بظاهرها سيدي خالد ابن الوليد الصحابي الجليل الشهير، وهذه البلدة أصح بلاد الشَّام هواءً، وأعدلها تربة وماءً، وليس بها حيّة ولا عقرب، بل يُقال إن الحِمْصيّ بأي بلد كان لا تدنو منه عقرب ولا تقرب، وكذلك الثوب المغسول بمائها إلى أن يُغْسَل بغيره، قيل وهو مجرَّب، قال القزوينيّ: ومن عجائبها الصورة التي على باب المسجد، نصفها الأعلى على صورة إنسان، ونصفها الأسفل صورة عقرب بذنب وزُبان، تطبع تلك الصورة بالطين الحرّ وتُلقى في ماء، فإذا شرب منه الملدوغ برئ من الضرّ، وبظاهرها على نحو ميل بركتها المعظمة التي تصاد منها السمك الكبار، وتجلب إلى دِمَشْق وغيرها من الأقطار، وعند أهل حِمْص تغفّل شديد، وحماقة ما عليها من مزيد، فممَّا يحكى عنهم من الحكايات المشهورة، أن بخارج المدينة ناعورة فرآها مرّة رجل حَمَويّ، فقال: ما غرّبك بهذه الفلاة، أترى أهل حِمْص سرقوك من حَمَاة؟ فاختشوا أن يأخذها أهل حَمَاة ليلاً، فأعدوا لحراستها رَجْلاً وخيلاً، ومعهم أنواع السلاح، يدورون حولها كل ليلة إلى

стр. 25

الصباح، وحكى بعض ظرفاء المؤرخين في وقائع الحمقى والمغفلين: أن رَجلاً رأى بحِمْص يهودياً عطاراً في دكان يؤذن بها على باب الجامع في أوقات الأذان، يقول: أهل حِمْص يشهدون أن لا إله إلا الله، أهل حِمْص يشهدون أن محمداً رسول الله، ورأى الإمام يصلّي ورِجْله خارجة من المحراب، فسأل من رجل عن دار القاضي ليشتكي له ذلك المصاب، فطأطأ برأسه وكشف عن فلسه، فدخل إلى القاضي يشتكي ما دهاه، فوجدَ عنده صبياً قد علاه، فخرج وهو يستغيث، فقال له: ارجع يا خبيث، ما بالك؟ وما حالك؟ فحكى له القصة، فقال: أنا أزيح عنك الغُصَّة، أمّا اليهوديّ فهو يؤدي للمسجد أجرة الدكان، ويؤذن دون المسلمين متبرعاً بالأذان، وأمّا الإمام فلعل أصاب رِجْله بعض نجاسة الكلاب، فما رأى أن يدخلها معه في المحراب، وأما الذي سألته عن الدار فقد أجابك بما به أشار، وذلك أن بابي مقنطر معلا، وعليه قنديل مدلى، وأما الصبي الذي كان فوق ظهره، فهو تحت نظره وحَجْره، وفي تربيته وحِجْره، وأحبّ أن يَعْلَم إن كان بلغ مبالغ الرجال يسلمه ما له تحت يده من المال. ومن أغرب الحكايات واقعة عبد السلام الحِمْصيّ الملقب بدِيك الجِنِّ الشاعر، وهي واقعة غريبة لم يُسْمَع بمثلها في الدهور الغوائر، وذلك أنه كان يحب جارية له وغلاماً، وقد افتتن بهما عشقاً وهُياماً، فمن شدّة ما حصل له من قوة المحبة لهما والوله، خشي أن يفجعه فيهما الدهر ويمتع بهما غيره، فقتلهما وجداً عليهما وغِيْرَة، ثم صنع من رماديهما بُرْنيتين للمشروب وكان ينادمهما منادمة المحب المحبوب، وإذا اشتاق إلى الجارية قبّل البرنية المجبولة من رمادها المرصد، وملأ منها قدحه وبكى وأنشد:

стр. 26

يا طلعةً طَلَعَ الحِمامُ عَلَيْها ... وجَنى لها ثَمَرَ الرَّدى بِيَدَيْها رَوَّيْتُ من دَمْها الترابَ وطَالما ... رَوَّى الهوى شَفَتَيَّ من شَفَتَيْها وأجلتُ سَيْفي في مَجال خناقها ... ومَدامِعي تجري على خَدَّيْها فوَحَقِّ نَعْلَيْها وما وطىء الثَّرى ... شيءٌ أعَزُّ عَلَيَّ من نَعْلَيْها ما كان قَتْلِيها لأنِّيَ لم أكُنْ ... أبكي إذا سَقَط الغُبَارُ عليها لكن بَخِلْتُ على سواي بحُسْنها ... وأنِفْتُ من نَظَر العيونِ إليها وإذا اشتاق إلى الغلام، قبّل البُرْنية المعمولة من رماده، وملأ قدحه منها، واندفع يقول في إنشاده: أشفقتُ أن يَرِدَ الزَّمانُ بغَدْرِهِ ... أو أُبْتَلى بعد الوِصَالِ بهَجْرهِ قَمَرٌ أنا استخرجْتُهُ من دَجْنِهِ ... لبليَّتي وأثرته من خدْرهِ فَقَتَلْتُه ولَهُ عليَّ كرامةٌ ... فليَ الحَشا وله الفؤادُ بأسْرهِ

стр. 27

عَهْدِي به مَيْتاً كأحسنِ نائمٍ ... والطرف يَسْفَحُ أدمعي في نَحْرهِِ غُصَصٌ تكادُ تَفٍيضُ منها نَفْسُهُ ... ويكاد يخرج قَلْبَهُ مِنْ صَدْرهِ لو كانَ يَدْرِي الميتُ ماذا بَعْدَهُ ... بالحَيِّ منهُ بَكى لهُ في قَبرهِ فأي رقاعة أعظم من هذه الرقاعة، وأي خلاعة تشبه هذه الخلاعة، والجنون فنون، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وكان دِيكُ الجنِّ هذا ماجناً خليعاً ظريفاً مطبوعاً مغفلاً رقيعاً، عاكفاً على القَصْف واللهو، رافلاً في ثياب المجون والزهو، متلافاً لما يحصله (من المال)، وشعره في غاية الجودة والكمال، ولُقِّب بديك الجنّ لأنه كان يصبغ لحيته وشاربه وحاجبه بألوان مختلفة، ومات سنة خمسٍ أو ستٍ وثلاثين ومائتين. وقد رأيت أنا بجامع حِمْص منبراً معظماً قديماً حسناً مطعماً، وكأنه تخلخل وتضعضع، وتقلقل وتقنع، فسمرت بعرضه دفة بيضاء ثقيلة خشنة عريضة طويلة غير مجلوة ولا مصقولة، وهذا من قبيل ما سردناه، ومن جنس ما أوردناه، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله. (رجع) فلما أن دعى مؤذن حِمْص من المسلمين لصلاة الظهر وأذّن، أجبناه

стр. 28

بصلاتها مجموعة مع العصر، ثم رحلنا قاصدين الرَّسْتَن، وسرنا بعزمِ غيرِ مرتاب، وبسير يطوي البيد كطي السجل للكتاب، والحرّ قد قويت عزيمته واشتدت شكيمته. والغبار الكثيف ألبس عطفي ... عسلياً ودينِيَ التوحيدُ وكسى عارضيَّ ثوب مشيب ... ورداءُ الشباب غضُّ جديدُ فوصلناها عندما سئِمت الشمس من الحَرور، وركنت إلى الاكتنان والوكور، وكاد قرصها في العين الحَمِئة يغور، فنزلنا بمرج أريج، ذي نبت بهيج، ومنظر فريج، يحتوشه العاصي من جانبيه، ويتوصل من جسر على عشر قناطر إليه، وهذا الجسر واسع الفناء، محكم البناء، قد أحكم بالبلاط الأسود تبليطه، وله جوانب عالية من حافيته تحوطه، والرَّسْتَن لها ذكر في الملاحم والفتن، وهي قرية على تل قاطع الجسر من جهة حِمْص، ثم هي الآن مأوى لكل سارقٍ ولص. (رجع) فلما تنبه القمر بعدما رقد، واستنار من مشرقه واتقد، وأسنَّ حسامه المجلو وأحدّ، وآن تجلى الواحد الأحد، من ليلة يسفر صباحها عن يوم الأحد، لم يبق منّا بذلك المحل أحد، وسرنا نقطع مسافة البيداء، ونطوي شُقّتها طي الرداء، فبينا أنا أسير أمام القوم، وقد غلب عليهم النعاس، وحكم عليهم النوم، وإذا باثنين من السرّاق يظنّ أنهما من الرفاق، فوقف المملوك الماشي أمامي وحار، وخاف منهما وجبن وخار، فزبرته وزجرته ونهرته، ثم تقدمت إليهما وسلّمت عليهما لأسبر كنههما وأخبر من هما، وأنا محترز منهما قابضة يدي على الحُسَام، فألقيا إليّ

стр. 29

السلام وعدلا عن الطريق بعد أن ردا عليّ السلام، فتبعتهما فذهبا وأسرعا في المشي وهربا، ثم وقفا يتوامران ويتشازران ويتشاوران، فسقت وراءهما فسقط أحدهما في بعض تلك الوهاد سقطة عظيمة هلك منها أو كاد، وحار الآخر وخاص، ثم ولى مدبراً وله خصاص، ولم نزل نسير مستعدين ونسري مجدين في تلك الفدافد والفيافي ونحن كما قال الرُّصافي: ومُجِّدين في السُّرى قد تَعَاطوْا ... خمرات الكَرَى بغيرِ كؤُوسِ جَنَحُوا وانحنوا على العِيْسِ حتَّى ... خِلتُهُمْ يعتبون أَيْدي العيسِ نَبَذُوا الغُمْضَ وهو حُلْوٌ إلى أنْ ... وَجَدوهُ سُلافةً في الرءُوسِ حماة فما طلع من الغد وجه النهار، ولا بدا فيه حاجب الأسفار، إلاّ وقد أشرفنا على مدينة حَمَاة، جعلها الله تعالى في حفظه وحِمَاه، تتلع إلينا أجياد قصورها وغرفاتها، وتبسم عن ثغور أسوارها، وفلج شرفاتها كالعذارى شدت مناطقها، وتوّجت بالإكليل مفارقها، فحمدنا عند الصباح السرى، ونفَّرنا عن وكر العيون طير الكرى، ثم دخلنا المدينة حين أشرق وجه الشمس مسفراً ضاحكاً مستبشراً من يوم الأحد رابع عشر في شهر رمضان، ونزلنا خارجها على نحو نصف ميل ببستان، ذي زهور وفينان، وأغصان تتمايل تمايل النشوان، ومذانب تسل

стр. 30

السيوف، وترى لنفسها على الأنهار المشفوف، وتخترق من مكللات الثمار الصفوف، وتدور على سوف الغصون كالخلاخل، وتلتوي بها التواء اللسان المجادل، ودولاب يحن الحنين الجوار، ويضرم في القلب المشوق حرّ الأوار، ويَهيج لوعة الصب المغترب النازح الدار، كما قيل في نعته: ودولابٌ إذا أنَّ ... يزيد القلب أشجانا سقى الغصن وغناه ... فما يبرح نشوانا فما مضى من حين النزول إلاّ القليل، حتى عزم القاضي وصمم على الرحيل، فأرسلت اليه كلاماً خشنا، وقلت: هذا الذي تفعله ليس حسناً، فإن رحلت أقمت أنا بالبلد، ثم لا يتبعك من غير جماعتك أحد، فأخر بسبب ذلك الرحيل والمسير إلى ثُلث الليل الأخير، ثم ركبت ودخلت المدينة قاصداً جامعها الكبير، ثم قصدت زاوية القطب الرباني سيدي الشيخ عبد القادر الكيلانيّ، أعاد الله علينا من بركاته وأمدنا بمدده، وفيها الآن جماعة باقية من ذريته وولده، فتلقانا منهم الشيخان الفاضلان والشابان الكاملان الشيخ بركات والشيخ عبد القادر ولدا الشيخ العابد العالم العارف بالله تعالى الشيخ قاسم وأخوا شيخ الزاوية الآن صاحبنا الشيخ الكامل العالم العامل ذي الإخلاص والصفاء والصدق والوفاء الشيخ أبو محمد وفا، فابتهجا بنا وأنزلانا بأعلى الزاوية في الرواق، وكان الشيخ وفا قد خرج حينئذٍ

стр. 31

إلى تلقّينا بالوطاق، فما مضى ساعة من حين التلاق حتى حضر فتلاقينا بالتقبيل والعناق، وحَنَّ كل منا حنين المغرم المشتاق، وأنَّ أنين الموجع الأحشاء من ألم الفراق، فيا له من صديق وأخ للروح شقيق: نسيب إخاءٍ وهو غير مناسب ... قريب صفاء وهو غير قريب ثم دخلنا إلى خلوة هناك مطلة على العاصي، وقبالتها ناعورة ينصب منها الماء إلى الأداني من الزاوية والأقاصي، وهو مكان بهج مستظرف مستنزه فرج، ثم أحضر الشيخ وفا المنشور المكتتب له بالمشيخة بعد أخيه، ورضا أخويه المذكورين بما رقم وزبر فيه، فكتبت عليه تقريظاً وأجزته بما يجوز لي وعني روايته أيضاً، وقدَّم رجل من جماعته فُتيا صورتها رجل عمَّر طبقة على مكان موقوف بغير إذن من مستحقي الوقف ولا ممّر لها إلاّ منه، ثم وقفها على نفسه ثم على ذريته، فهل يصح وقفها أم لا؟ وما الحكم في ذلك؟ فكتبت عليها: الحمد لله اللهم اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، لا يصح الوقف المذكور، بل ولا يجوز عمارة الطبقة، إذ لا مسوغاً شرعياً وهي ملك لأربابها، لكنها غير محرمة فتزال أو تبقى بأجرة مِثْل إن كان في ذلك مصلحة للوقف، ثم لا يحكم بأن وقفها صحيح إذا أُبقيت بأجرة لأنا حكمنا بإبطاله أولاً لا بوقفه، إذ الوقف لا يحتمل الوقف والله الموفق.

стр. 32

ولم نزل نسرح في روضٍ من ذلك الاجتماع، ونشرح ما وجدناه من البعد والانقطاع، ونجول في ميادين بحوث ونقول، في أنواع العلوم المعقول منها والمنقول، ونتجاذب أطراف أخبار، ونتذاكر مذاكرة ألطف من نسيم الأسحار، حتى هرم شباب ذلك النهار، وأخذ بنيانه في الانهيار، وأذنت الشمس بالغروب وانثنى قوس حاجبها وهو محجوب، وحلّ من الصيام الإفطار، وذرّ إثمد الليل في عيون الأقطار، فصلّينا بالزاوية صلاة المغرب، ثم قدّم لنا سماطاً عن كرم شيم مقدمه معرب، مشتمل على كل نوع مفتخر معجب، ثم ودّعنا هو وإخوته ومن حضر، وقرأوا الفاتحة ودعوا لنا بجمع الشمل بعد قضاء الوطر، وأرسلوا معنا إلى المخيم خمسة رجال بأسلحة من قسي ونبال، وفارقت من فارقت لا عن ملالة، وودعت من ودعت لا عن تعوض، وصدروا من الوداع ووردت، واجتمعوا في تلك البقاع وانفردت، (وأتهموا في بلادهم وأنجدت)، وسرت: ولوجدي من العَروض بسيطٌ ... ومديدٌ ووافرٌ وطويل لم أكن عارفاً بهذا إلى أنْ ... قَطَّع القلب بالفراق الخليل وتمثلت وقد جدَّ العزم بقول أبي المغيرة بن حزم:

стр. 33

واجدٌ بالخليل من بُرحَاء الش ... وقِ وجدانَ غيره بالحبيب إن قلبي لكم لكالكبد الحرّا ... وقلبي لغيركم كالقلوب ثم بتنا بذلك البستان المذكور، وتلك الناعورة بالقرب منّا تحن وتدور، وتنجد في طلب الماء وتغور، كما قيل: ناعورةٌ مذعورة ... ولهانة وحائرة الماء فوق كتفها ... وهي عليه دائرة بل من هذا القبيل: باتت تِحِنّ وما بها وَجْدي ... وأحنّ من طرب إلى نجدِ فدموعها تحيى الرياضَ بها ... ودموع عينيّ أحرقت خدي ولك أن تقول: باتت تحِنّ وما بها كَرَبي ... وأحنّ من شوق إلى حبي

стр. 34

فدموعها تحيى الرياضَ بها ... ودموع عيني أحرقت قلبي ولك أن تنشد: باتت تحِنّ وما بها شَجَني ... وأحنّ من شوق إلى وطني فدموعها تحيى الرياضَ بها ... ودموع عيني أحرقت بدني ومدينة حَمَاة هذه من أحسن بلاد الشَّام، وألطفها، وأملحها، وأظرفها، وأنزهها، وأترفها، وبها قلعة شامخة، عالية باذخة، حصينة مانعة، مكينة واسعة، مليحة الأبراج والأبواب، لكنها الآن خراب، وبالمدينة جوامع ومساجد ومآثر ومعاهد ذات بهاء ورونق، ومعظمها منقوش البناء بالحجر الأبلق، مستدير بها العاصي على غالبها من الشرق والشمال، وتتناوح فيها مهاب رياح الجنوب والشمال، وتحفّها بساتين من غالب الجهات، وروضات طيبة النبات ذات ظل ظليل وماء سلسبيل، تنساب بها الجداول انسياب الأراقم بكل سبيل، وتهدي حياة النفوس تحيات أنفاسها الصحيحة بنسيمها العليل، وتتجاذب نواعيرها وهي من ألم الأحزان باكية، ومن تزايد الوجد والأشجان شاكية، كيف وقد فارقت من الأغصان مآلِف، ومن الرياض معاهد ومقاصف، ومن الحمام الهواتف مقاعد للسمع ومواقف، ودارت طائعة في خدمة العاصي، وسقت بما يجري من عيونها الداني من الأرض والقاصي، فلا غرو أن هيجت بحنينها الأحزان، وذكّرت الغريب حنين أهله فأثارت عنده لواعج الأشجان.

стр. 35

وحَماة وشَيْزَر مخصوصتان بكثرة النواعير العظام دون غيرهما من بلاد الشام، وما أحسن ما قال الشيخ جمال الدين بن نباتة في طرديته: أحسِنْ بوجهِ الزمنِ الوسيم ... تعرف فيه نضرةَ النعيمِ وحبذا وادي حَماة الرحبُ ... حيث زهى العيش به والعشبُ أرض السناء والهناء والمرج ... والأمن واليمن ورايات الفرج ذات النواعير سقاه الرب ... وأمهات عَصْفه والأبُّ تعلمت نوحَ الحمام الهتف ... أيام كانت ذات فرع أهيف لا عَيْب إلاّ أن معناها الهنى ... ينسى أخا الغربة حبّ الوطن وكلها من الحنين قلب ... وكيف لا والماء فيها صب لله ذاك السفح والوادي الفرد ... والماء معسول الرضاب مطرد يصبو بها الرائي فكيف السامع ... ويحمد العاصي فكيف الطائع

стр. 36

إذا نظرت للربا والنهر ... فارد عن الربيع أو عن جعفر محاسن تلهي العيون والفكر ... ربيع روضات وشحرور صفر أمام كل منزل بستان ... وبين كل قرية ميدان أما رأيت الوُرْقَ في الأوراق ... جاذبة القلوب بالأطواق ومما قاله ابن حجة الحَمَويّ فيها: مرج حَمَاةٍ بنواعيره ... زاد على المقياس في روضته فاغتاظ نمور دِمَشْق لذا ... فقلت لا أفكر في غيضته وله فيها: بوادي دِمَشْق الشّام من أيمن الشط ... وحقك تطوي شُقّة الهم بالبَسْطِ بلاد إذا ما ذقت كوثر نيلها ... أهيم (كأني قد ثملت باسفنطِ)

стр. 37

ومن يجتهد في أن في الأرض بقعة ... تشابهها قل أنت مجتهد مخطي وصوب حدْيثيَّ ماءها وهوائها ... فإنّ أحاديث الصحيحين ما تخطي إلى أن يقول: ومذ مدَّ ذاك النهر ساقا مدملَجاً ... وراح بنقش النبت يمشي على بسطِ لوينا خلاخيل النواعير فالتوت ... وأبدت لنا دوراً على ساقه السبطِ وظرف من قال يهجوها وأهلها: عمَّ الفسادُ حمى حَمَاة فمردها ... ورجالَها ونساؤهن جميعا شبه النواعير التي يهوونها ... من مسَّه العاصي يدور سريعا (رجع إلى سياق الرحلة) ثم رحلنا من ذلك البستان حين مضى من الليل الثلثان، فلم نزل نسري ونُدْلِج ولا نعول على غير المسير ولا نعرج، إلى أن أسفر وجه الصباح المبتلج، فوافينا في الطريق عُرْبان مُدْلج، وهم نزول على بعض تلك الجبال، ومعهم خيل وجمال، فلاقونا عند الإشراق، وباعونا من لبن النياق، ورأى بعضنا امرأة منهم تقطع من زرع، فقال: لا يحل لك هذا في الشرع، فقالت

стр. 38

يعيش (رأس مُدْلج) لا عدانا بره وخيره، يحلل لنا هذا وغيره، فلا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم، ثم سرنا فلما تكامل من النهار شبابه، واستنار وجهه وصفى إهابه، أفضى بنا إلى خان شَيْخون المسير، وهو مكان موحش معطش، يُسقى فيه من بئر على بعير، فلمّا انهار ذلك النهار، ومال الظل وامتد، وحمى الحرّ واشتد، واحتدم حموه واحتد، أخذنا في أهبة الترحال، وشددنا الأحمال على البغال، ولم نزل نسير في تلك الفيافي وهجيرها يلفح، وزفيرها لا يكف عنّا ولا يصفح، إلى أن حان وقت المغيربان، واختفت الشمس عن العيان، فوصلنا إلى مَعَرَّة النُّعْمَان، وذلك في ليلة يسفر صباحها عن يوم الثلاثاء سادس عشرين رمضان، فنزلنا بها بمكان مخوف كثير السُّراق والذؤبان، وبتنا بها وقلوبنا تخفق فَرَقاً وتطير وَجَلاً، وإن رأينا غير شيء ظنناه رجلاً. وقد كانت المَعَرَّة مدينة كبيرة وانتشأ بها من العلماء جماعة كثيرة، وناهيك بأبي العلاء رأس النبلاء وعين الفضلاء، وزَيْن الأدباء، وفخر الشعراء، والشيخ العَلاَّمة الفهامة زين الدِّين بن الورديّ، أفقه الشعراء، وأشعر الفقهاء، وأنبه الظرفاء، وأظرف النبهاء، وكفاه برهاناً على كماله وحجة نظمه الحاوي المسمى بالبهجة، وغيرهم من الأفاضل والأعيان الأماثل، وأما الآن فقد تعوضت من ذوي العلم بذوي الظلم، ومن أهل الفضل بأهل الجهل، ومن الأماثل بالأراذل، ومن الفقهاء بالسفهاء، ومن الحداق بالسرّاق ومن أهل الأداب بالذئاب في الثياب، وعامة أهلها الآن لصوص إلاّ ما أخرجه من التعميم الخصوص، فأقمنا بها سواد الليل ثم رَحّلْنا البغال والخيل ورحلنا منها عند ظهور نجم الصبح الثاقب. وحدور ضده المراقب،

стр. 39

وذهاب الفجر الكاذب، وإياب ضده المعاقب، ذي الألقاب الغرّ والمناقب، فوصلنا وقت الضحى الأعلى إلى منزل سراقب، وهو منزل رحيب، ذو مرعى خصيب، قد أخذ من الحسن والإحسان أوفر نصيب، غير أنه كثير الطُّرار والطراق، جم اللصوص والسُّراق، فلما حان وقت الظهر وآن، رحلنا قاصدين قرية زيتان، فوصلناها ونزلنا بها: والشّمسُ تَجنَحُ للغروبِ مريضَةً ... والليلُ نحو مغيبها يتطلَّع بمكان نضر المنظر حسن المخبر يدور به النهر الواصل من جهة حَلَب، وهو في العذوبة والخفة غاية ما يُطلب، فصادفت الخواطر فيه مرتعاً والبهائم مرعى ومربعاً، وبتنا به تلك الليلة وهي ليلة الأربعاء ثم نسخ الهجوع الهجود، وانتهى المقام مع انتهاء قيام نبي الله داود، فأزمعنا على السرى وعزمنا على رفض الكرى، فسلكوا بنا طريقاً عسراً عسراً، ودرباً بعيداً محجراً، وسبيلاً وعراً مضجراً، متعدد التهائم والنجود، متزايد الهبوط والصعود، حتى تعبت الرجال والخيل، وولى الليل مشمر الذيل، وبرق من الفجر نوره، ولاحت من الصباح تباشيره، وتتابعت راياته في الأفق الشرقي حتى: كأن سوادَ الليل والصبحُ طالعٌ ... بقايا مجالِ الكُحْلِ في الأعينِ الزُّرقِ

стр. 40

حلب ثم تجلى وجهه الأشقر، وتبلج ضاحكاً وأسفر، ثم تطلعت عين الشمس ومدت حبالها الشديدة المَرْس، الحاكية في لونها لون الوَرْس، ثم ارتفعت وعلت، وفارت قدرها وغلت، وتزايد حرّها، واتقد جمرها، فتراءى لنا حينئذٍ وجه حَلَب من بعيد، وفارقنا القاضي من مقام الشيخ سعيد، (فيا له من فراق سعيد، ورأي سديد، وأمر حميد، ثم قصدنا باب المقام الحميد) ودخلنا مدينة حَلَب بسلام، وذلك يوم الأربعاء سابع عشرين شهر الصيام، ونزلنا في زاوية الشيخي الإمامي الكبيري العارف بالله تعالى، الشيخ حسين البيري رحمه الله تعالى ورضي عنه وأرضاه، فتلقانا ولده صديقنا وصاحبنا، ذو الدِّين الثخين، والورع المتين، والعقل الرصين، الشيخ العالم الفاضل أحمد أبو العباس شهاب الدِّين، ولم يصدق بالقدوم والحضور من عظم ما حصل عنده من السرور، ولم يعرفنا إلاّ من قريب، فقابلنا حينئذٍ بالترحيب وتلقانا بالتقبيل والتعنيق، وبكينا فرحاً بجمع الشمل بعد التفريق، ثم أفرد لنا ثلاثة أمكنة فضية متسعة مستحسنة، منها مكان مشرف أنيق، مشرف بشبابيك على الطريق، فجزاه الله عنا الجزاء الحسن، وأمدَّه بوافر الجود وكامل المنن (بمنه وكرمه) آمين. وقد كان هو اجتمع بي في دِمَشْق مدة مديدة، وقرأ عليَّ فيها كتباً عديدة، وأعطيته نسخة بتأليفي المُسمّى بالدُّر النضيد في أدب المفيد والمستفيد، وكَتَبَ بخطه تأليفي المُسمّى بالبرهان الناهض في نية استباحة الوطيء للحائض، وقرأ
следующие страницы →