← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 37060

المطالع البدرية في المنازل الرومية

بدر الدين الغزي

Полный текст (303 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

إذا نظرت للربا والنهر ... فارد عن الربيع أو عن جعفر محاسن تلهي العيون والفكر ... ربيع روضات وشحرور صفر أمام كل منزل بستان ... وبين كل قرية ميدان أما رأيت الوُرْقَ في الأوراق ... جاذبة القلوب بالأطواق ومما قاله ابن حجة الحَمَويّ فيها: مرج حَمَاةٍ بنواعيره ... زاد على المقياس في روضته فاغتاظ نمور دِمَشْق لذا ... فقلت لا أفكر في غيضته وله فيها: بوادي دِمَشْق الشّام من أيمن الشط ... وحقك تطوي شُقّة الهم بالبَسْطِ بلاد إذا ما ذقت كوثر نيلها ... أهيم (كأني قد ثملت باسفنطِ)

стр. 37

ومن يجتهد في أن في الأرض بقعة ... تشابهها قل أنت مجتهد مخطي وصوب حدْيثيَّ ماءها وهوائها ... فإنّ أحاديث الصحيحين ما تخطي إلى أن يقول: ومذ مدَّ ذاك النهر ساقا مدملَجاً ... وراح بنقش النبت يمشي على بسطِ لوينا خلاخيل النواعير فالتوت ... وأبدت لنا دوراً على ساقه السبطِ وظرف من قال يهجوها وأهلها: عمَّ الفسادُ حمى حَمَاة فمردها ... ورجالَها ونساؤهن جميعا شبه النواعير التي يهوونها ... من مسَّه العاصي يدور سريعا (رجع إلى سياق الرحلة) ثم رحلنا من ذلك البستان حين مضى من الليل الثلثان، فلم نزل نسري ونُدْلِج ولا نعول على غير المسير ولا نعرج، إلى أن أسفر وجه الصباح المبتلج، فوافينا في الطريق عُرْبان مُدْلج، وهم نزول على بعض تلك الجبال، ومعهم خيل وجمال، فلاقونا عند الإشراق، وباعونا من لبن النياق، ورأى بعضنا امرأة منهم تقطع من زرع، فقال: لا يحل لك هذا في الشرع، فقالت

стр. 38

يعيش (رأس مُدْلج) لا عدانا بره وخيره، يحلل لنا هذا وغيره، فلا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم، ثم سرنا فلما تكامل من النهار شبابه، واستنار وجهه وصفى إهابه، أفضى بنا إلى خان شَيْخون المسير، وهو مكان موحش معطش، يُسقى فيه من بئر على بعير، فلمّا انهار ذلك النهار، ومال الظل وامتد، وحمى الحرّ واشتد، واحتدم حموه واحتد، أخذنا في أهبة الترحال، وشددنا الأحمال على البغال، ولم نزل نسير في تلك الفيافي وهجيرها يلفح، وزفيرها لا يكف عنّا ولا يصفح، إلى أن حان وقت المغيربان، واختفت الشمس عن العيان، فوصلنا إلى مَعَرَّة النُّعْمَان، وذلك في ليلة يسفر صباحها عن يوم الثلاثاء سادس عشرين رمضان، فنزلنا بها بمكان مخوف كثير السُّراق والذؤبان، وبتنا بها وقلوبنا تخفق فَرَقاً وتطير وَجَلاً، وإن رأينا غير شيء ظنناه رجلاً. وقد كانت المَعَرَّة مدينة كبيرة وانتشأ بها من العلماء جماعة كثيرة، وناهيك بأبي العلاء رأس النبلاء وعين الفضلاء، وزَيْن الأدباء، وفخر الشعراء، والشيخ العَلاَّمة الفهامة زين الدِّين بن الورديّ، أفقه الشعراء، وأشعر الفقهاء، وأنبه الظرفاء، وأظرف النبهاء، وكفاه برهاناً على كماله وحجة نظمه الحاوي المسمى بالبهجة، وغيرهم من الأفاضل والأعيان الأماثل، وأما الآن فقد تعوضت من ذوي العلم بذوي الظلم، ومن أهل الفضل بأهل الجهل، ومن الأماثل بالأراذل، ومن الفقهاء بالسفهاء، ومن الحداق بالسرّاق ومن أهل الأداب بالذئاب في الثياب، وعامة أهلها الآن لصوص إلاّ ما أخرجه من التعميم الخصوص، فأقمنا بها سواد الليل ثم رَحّلْنا البغال والخيل ورحلنا منها عند ظهور نجم الصبح الثاقب. وحدور ضده المراقب،

стр. 39

وذهاب الفجر الكاذب، وإياب ضده المعاقب، ذي الألقاب الغرّ والمناقب، فوصلنا وقت الضحى الأعلى إلى منزل سراقب، وهو منزل رحيب، ذو مرعى خصيب، قد أخذ من الحسن والإحسان أوفر نصيب، غير أنه كثير الطُّرار والطراق، جم اللصوص والسُّراق، فلما حان وقت الظهر وآن، رحلنا قاصدين قرية زيتان، فوصلناها ونزلنا بها: والشّمسُ تَجنَحُ للغروبِ مريضَةً ... والليلُ نحو مغيبها يتطلَّع بمكان نضر المنظر حسن المخبر يدور به النهر الواصل من جهة حَلَب، وهو في العذوبة والخفة غاية ما يُطلب، فصادفت الخواطر فيه مرتعاً والبهائم مرعى ومربعاً، وبتنا به تلك الليلة وهي ليلة الأربعاء ثم نسخ الهجوع الهجود، وانتهى المقام مع انتهاء قيام نبي الله داود، فأزمعنا على السرى وعزمنا على رفض الكرى، فسلكوا بنا طريقاً عسراً عسراً، ودرباً بعيداً محجراً، وسبيلاً وعراً مضجراً، متعدد التهائم والنجود، متزايد الهبوط والصعود، حتى تعبت الرجال والخيل، وولى الليل مشمر الذيل، وبرق من الفجر نوره، ولاحت من الصباح تباشيره، وتتابعت راياته في الأفق الشرقي حتى: كأن سوادَ الليل والصبحُ طالعٌ ... بقايا مجالِ الكُحْلِ في الأعينِ الزُّرقِ

стр. 40

حلب ثم تجلى وجهه الأشقر، وتبلج ضاحكاً وأسفر، ثم تطلعت عين الشمس ومدت حبالها الشديدة المَرْس، الحاكية في لونها لون الوَرْس، ثم ارتفعت وعلت، وفارت قدرها وغلت، وتزايد حرّها، واتقد جمرها، فتراءى لنا حينئذٍ وجه حَلَب من بعيد، وفارقنا القاضي من مقام الشيخ سعيد، (فيا له من فراق سعيد، ورأي سديد، وأمر حميد، ثم قصدنا باب المقام الحميد) ودخلنا مدينة حَلَب بسلام، وذلك يوم الأربعاء سابع عشرين شهر الصيام، ونزلنا في زاوية الشيخي الإمامي الكبيري العارف بالله تعالى، الشيخ حسين البيري رحمه الله تعالى ورضي عنه وأرضاه، فتلقانا ولده صديقنا وصاحبنا، ذو الدِّين الثخين، والورع المتين، والعقل الرصين، الشيخ العالم الفاضل أحمد أبو العباس شهاب الدِّين، ولم يصدق بالقدوم والحضور من عظم ما حصل عنده من السرور، ولم يعرفنا إلاّ من قريب، فقابلنا حينئذٍ بالترحيب وتلقانا بالتقبيل والتعنيق، وبكينا فرحاً بجمع الشمل بعد التفريق، ثم أفرد لنا ثلاثة أمكنة فضية متسعة مستحسنة، منها مكان مشرف أنيق، مشرف بشبابيك على الطريق، فجزاه الله عنا الجزاء الحسن، وأمدَّه بوافر الجود وكامل المنن (بمنه وكرمه) آمين. وقد كان هو اجتمع بي في دِمَشْق مدة مديدة، وقرأ عليَّ فيها كتباً عديدة، وأعطيته نسخة بتأليفي المُسمّى بالدُّر النضيد في أدب المفيد والمستفيد، وكَتَبَ بخطه تأليفي المُسمّى بالبرهان الناهض في نية استباحة الوطيء للحائض، وقرأ

стр. 41

عليَّ غالب الأوّل، وتمم الثاني قراءة وأكمل، وكتبتُ له إجازة حسنة جاء فيها ما قلته بديهاً: فهو الشِّهابُ شبيه البدرِ في شرفٍ ... وفي علاءٍ وتكميلٍ وتنويرِ والبحر فضلاً وإفضالاً فيا عَجَبَاً ... للبحر كيف انتهى حقاً إلى البيري ولم يزل أهل تلك الديار والأقطار يطيرون الينا كل مطار، بين سار بالليل وسارب بالنهار (لحصول مآرب وبلوغ أوطار)، فمنهم أحد المتقين وعباد الله الصَّالحين الإمام الفاضل الفَهَّامة الشيخ جمال الدِّين يوسف بن محمد بن عثمان الشهير بابن العوامة، الخطيب والإمام بجامع الطواشي بباب المقام، قرأ عليَّ مواضع متعددة من المنهاج قراءة سلك فيها أعدل طريق، وأقوم منهاج، محققاً لمعانيها مدققاً لمبانيها، وسمع من نظمي قصيدتي الآتية القافيّة القافية غرة القصائد التي رثيت بها شيخ الإسلام الوالد، ووسمتها بنفث الصدر المصدور وبث القلب المحرور، وأولها: قلب يذوب وأدمعٌ تتدفقُ ... والجسم بينهما غريقٌ محرق وسمع أوائل شرحي المنظوم على ألفية ابن مالك، وأخذ عني أشياء كثيرة غير ذلك.

стр. 42

ومنهم الشيخ الإمام والحبر الهُمام شيخ المسلمين أبو عبد الله محمد شمس الدين الخناجريّ الشَّافِعيّ، شيخ الفواضل والفضائل، وإمام الأكابر والأفاضل، وبدر الإنارة المشرق لسُرى القوافل، وشمس الحقائق التي مع ظهورها النجوم أوافل، له المناقب الثواقب، والفوائد الفرائد، والمناهج المباهج، وله بالعلم عناية تكشف العماية، ونباهة تكسب النزاهة، ودراية تعضد الرواية، ومباحثة تشوق، ومنافثة تروق، مع طلاقة وجه، وتمام بشر، وكمال خلق، وحسن سمت، وخير هَدْيٍ، وأعظم وقار، وكثرة صمت: مُلَحٌ كالرياض غازلت الشم ... سُ رُبَاها وافترَّ عنها الربيعُ فهي للعين مَنْظَرٌ مونق الحُس ... ن وللنّفس سُؤْدُدٌ مجموعُ وقد كان اجتمع بي وبالوالد شيخ الإسلام في مِصْر ثم في الشَّام، ووقع بيني وبينه مفاوضة ومذاكرة، ومباحثة ومحاورة، مع إذعانه لما أذكر، وقبوله لما أقول، وهو يدعو لي ويشكر، وعلى الله تعالى القبول، والله المسؤول أن يوفقنا وإياه والمسلمين لما يحب من القول والعمل، وأن يعصمنا وإياهم من الخطأ والخطل والزيغ والزلل. ومنهم الشيخ العالم العامل والإمام الأوحد الكامل أعز الأصحاب والأحباب، أبو هُرَيْرَة عبد الرَّحمن بن حسن الكُرديّ الشهير بابن القَصَّاب، إمام قد سما

стр. 43

بجلالة قدره، ونبذ الدنيا وراء ظهره، ووضع الله له البركة في علمه وعمله وعمره، يظل يقطع ليله مستعبراً، ويهش للجهل مبتذراً، عالماً أنه سيحمد عند صباحه السرى، مع رواية ودراية وسلوك وهداية ومراتب عليّة في الزهد والولاية، قد جبل الله القلوب على محبته والنفوس على مودته: وإذا أحبَّ اللهُ يَوماً عَبْدَهُ ... ألقى عليه محَبَّةً للناسِ فما رمقه طرف إلاّ وأحب أن يفديه بسواده، ولا نال أحد دعوته إلاّ ورأى بركتها في نفسه وماله وأولاده، نفعنا الله تعالى به وبالصِّالحين من عباده. حَضَرَ للسلام عليّ، ثم أضافني إلى منزله وقدّم ما حضر من شهي مأكله، ثم دعا لي ببلوغ ما أرجوه، وصرف كل سوء ومكروه، وحصل له وارد بشّرني فيه بعموم الخير من سائر الوجوه، وذكر لي أنه كتب على سؤال وخالفه في ما كتب ابن بلال، وأن الشيخ أحمد الهنديّ قال: أصابا من وجه وأخطآ من آخر، ولم يفصل مجمل المقال. والسؤال مضمونه: ما الرزق الذي يحصل به للحيوان الرفق؟ فكتب ابن بلال: هو ما يؤكل حراماً أو حلالاً، وكتب هو: هو ما ينتفع به استقلالاً، فافهمته بلطف مقصد الهنديّ، ثم سألني عن التحقيق في ذلك، فذكرت له ما عندي فاستحسن ما قلته وقبّل يدي، ثم بكى وقال: هكذا، هكذا، وإلاّ فَلا، لا يا سيدي، ثم حصل لنا أنس حصل منه بكاء وأنين، وتعانق وتلازم وحنين، والله تعالى يعاملنا وإياه والمسلمين بخفي لطفه آمين. ومنهم الشيخ المُحَقّق والإمام المدقق حسنة الليالي والأيام، وقرّة عين المسلمين

стр. 44

والإسلام، الشهاب أبو العباس أحمد الهندي الحنفي عامله الله وإيانا ببره الوفي ولطفه الخفي آمين، شيخٌ له في تحقيق العلوم قدم عال وأشتات معال وخاطر يجول في أوسع مجال، فيبرز نفائس لآلٍ، وعرائس جمال، ويأتي بسحر حلال وبحر زلال: فضائل مثل الحصا كثيرةٌ ... وخاطرٌ يغرف من بحرِ كان عندنا بالشَّام مدّة، وأقام يدرس بالجامع الأموي في كتب عدة، وهو محبّ معتقد، غير ثان ولا منتقد، لطيف الذات والطباع، بخلاف من يأتي من تلك البقاع، سلَّم عليّ وتردد إليّ وسمع مني وأخذ عني، وذكرت بحضوره قول ابن عبّاس وتبعه الشعبيّ بجواز صلاة الجنازة بغير طهارة، فاستفاده وتلقّاه بالقبول، ثم أيده بقول أبي حنيفة ﵀ بجواز التيمم لها مع وجود الماء وأنها عنده لا تبطل بالقهقهة، وعلّل ذلك بأنها عنده صلاة من وجه ودعاء من وجه، وبحثت معه في غير ذلك أيضاً. ومنهم الصَّالح النيّر الدّين الخيّر القدوة العَلاَّمة، الشيخ زين الدِّين عمر ابن أسامة، حضر إليّ وسلم ودعا والتمس الخاطر والدعاء، وحصل بيننا وبينه صحبة ومودة، وأخوة ومحبة. ومنهم الشيخ الفاضل العالم المواظب على وظائف الخير والملازم، المثابر على

стр. 45

تلاوة القرآن إمام جامع الأطروش، الشيخ عز الدِّين محمد بن الشيخ عبد الرَّحمن بن شعبان، وقع بيننا وبينه مذاكرة ومفاوضة ومحاورة، فاعترف بالفضل التام وأنشدني عند القيام: كانت محادثةُ الركبان تخبرني ... عن علمكم وسناكم أطيبَ الخبرِ حتى التقينا فلا والله ما سمعتْ ... أذني بأعظمَ مما قد رأى بصري ومنهم الشيخ الفاضل العالم العامل ذو السكينة والوقار، أبو زكريا يحيى ابن حسن بن قحقار، إمام الحنفية بالجامع الكبير، المشهور بابن الخازندار، سلّم علينا بالجامع وتودد، وأسرع وأشرع إلى تقبيل يدي وما تردد، فأجللت عن ذلك مقامه، وضاعفت حسن تلقيه وإكرامه. ومنهم الشاب النبيل العالم الأصيل الفاضل الجليل، البدري حسين بن الشيخ زين الدين عمر بن قاضي القضاة جلال الدِّين النَّصِيبيّ الشَّافِعيّ، له حسب صميم، وسلف في العلم قديم، ومنهج على السُّنَّة قويم، وبيت له بالعلم والدِّين تعظيم وتفخيم، فلله ما هنالك من خيم ومنادٍ لا يقبل الرخيم، حسن الصورة، جيد السيرة، عف السريرة، ذو رغبة في الخير وأهله، وسلوك على قويم محجته وسبله،

стр. 46

سلّم عليَّ مراراً وتردد، ولا شكك في اعتقاده ولا تردد، وتقرّب وتحبّب وتودّد، وسأل مسائل على وجه الاستفادة في أنواع العلوم، وسأل في القراة بعد القدوم، ثم أضافنا إلى مدرستهم الشرفية، وقدّم سِمَاطاً هائلاً بأنواع المبرات آهلاً وبأصناف الطيبات حافلاً. ومنهم صاحبنا الشيخ العالم الفاضل والأوحد البارع الكامل ذو القريحة الوقادة، والفطنة النقادة، والطبيعة المنقادة، الفائق في حسن الخبر والمخبر، شمس الدِّين محمد بن خليل بن الحاج علي بن أحمد بن محمد بن قَنْبَر، اجتمع بي في دِمَشْق الشّام المحروس، وحضر عندي بعض مجالس الدروس، ولم تزل مكاتباته تفد إليّ وترد كل وقتٍ عليّ، وكاتبته بمكاتبة لطيفة فيها نكت ظريفة حكيتها في تذكرتي، وسمع بحَلَب قصيدتي القافيّة على التمام، وقد اهتم بقضاء أشغال لنا غاية الاهتمام، فجزاه الله عنّا جزاء الحسنى. ومنهم الشيخ الصَّالح المعتقد، زين الدِّين عمر بن الشيخ الصَّالح يحيى ابن الشيخ الصَّالح العارف بالله تعالى سيدي محمد الكواكبيّ البيريّ الرحبيّ، حضر هو وأهله وأهل حارته وسلّم، وعزم علينا لزاوية جده بالجلّوم وصمم، فذهبنا إليها يوم الجمعة تاسع عشرين رمضان المعظم، واستمرينا عندهم وهم لا يمكنونا من التحول

стр. 47

عنهم والانتقال إلى عشية يوم الأحد ثاني شهر شوال، فجزاهم الله عنّا كل خير ووقاهم كل بؤس وشر وضير. ومنهم الشيخ العَلاَّمة والقدوة الفهامة المقتفي سنن الهدى وآثاره، خطيب الجامع الكبير، الشيخ شمس الدِّين محمد الحنفيّ الشهير بابن الحمارة، سلّم علينا وتودد بعد صلاة الجمعة بالجامع، وهو بصفة المتودد المتواضع المتخاضع. ومنهم الشيخ الفاضل العالم الكامل البارع في فنون العلوم وأنواع الآداب، الشيخ عبد الوهاب بن الشيخ إبراهيم بن العُرْضيّ المفتي بحَلَب، حضر لديّ، وسلم عليّ، وسألني عن الخوف والرجاء، فأجبته بما فتح به، وسألني عن حديث: لو وُزِنَ خوفُ المؤمن ورجاؤُه لاعْتَدلا. فقلت له: عدّه الزركشيّ في كتابه في الأحاديث المشتهرة مما لا أصل له، مع أنّ له أصلاً، فإنه أخرجه عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن ثابت البُنانيّ بلفظ: كانا سواء. كما أفاده شيخنا شيخ الإسلام الجلال السُّيُوطيّ في كتابه الدُّرر المنتثرة، ثم أنشدته أبيات أبي نواس في الرجاء: تَكثَّرْ ما استطعْتَ مِنَ الخطايا ... فإنّكَ بَالغٌ رَبّاً غَفورا سَتُبْصرُ إن وردْتَ عليه عَفْواً ... وتَلْقى سيِّداً مَلكاً كبيرا

стр. 48

تَعضُّ نَدامةً كفَّيْك ممَّا ... تَركتَ مخافةَ النّارِ السُّرورا وخبره هذه الطرف بقوله في الخوف: سُبحانَ ذي الملكوتِ أيّةُ ليلةٍ ... مخضَتْ صَبيحُتها بيومِ الموقِفِ لو أنّ عَيناً في المنام تخيّلتْ ... ما في القيامة كائناً لم تَطْرَفِ فكتب ذلك من إملائي، ثم دعا والتمس دعائي، والله تعالى يوفقنا وإياه لما يحبه في الدارين ويرضاه. ومنهم الشيخ العالم المنور، موفق الدِّين أحمد بن شيخ الشيوخ أبي ذر، وهو رفيقنا من حَلَب في السفر. ومنهم العالم النبيل والفاضل الأصيل الجميل الطّاهر الحسن السريرة، السيد الشريف الحسيب النسيب، شمس الدِّين محمد بن النويرة، اجتمع بي وأثنى واستفاد منا وأخذ عنّا. (ومنهم الشيخ العالم محيي الدِّين بن دغيم من أعيان حَلَب.

стр. 49

ومنهم السيد الشريف الحسيب النسيب، برهان الدِّين إبراهيم بن أحمد بن إبراهيم المعروف بابن البرهان، الإمام بمحلّة حمام الذهب). ومنهم الشّاب الفاضل إمام المدرسة الشرفيّة، عزّ الدِّين بن علوّ الدِّين الحاضريّ، من أعيان الحنفيّة. ومنهم الشيخ العَلاَّمة والقدوة الفَهَّامة (قاضي القضاة ذو العقل الوافر والحصا) الأصيل النبيل الرئيس النفيس الذي لم يزل في ثوب السيادة يرفل القاضي ابن جُنْغُل، حضر لديّ وسلّم عليّ وتودد وتردد، وقدّم لنا هدية من الحلاوة القرعية. ومنهم الشَّاب الزاهد والخاشع العابد والأوحد الناسك والأمجد السالك فخر الكبار وخير الأخيار، سيدي أحمد بن الأمير محمد بن إدريس الدفتردار، ذو أبهة وبهاء وحبوة مملوءة مكارم خالية من ازدها، وخلقة سمت في مطالع الحسن إلى أنهى كمال وأكمل انتهاء، تتحلى بجمانها الخرائد ويحسد حسنها النيرات الفراقد، وتنبه من سنة الغفلة، ولا أقول لأجل السجعة ألف راقد، أضافنا يوم العيد إلى محله السعيد وتأنق في سماط أحضره، وقدمه وما أخرّه، وليكن هذا خاتمة سردهم وواسطة عقدهم، وثمَّ جماعة آخرون تركنا ذكرهم خوف الإطالة وحذر السآمة والملالة. وأخبرنا أصحابنا الشموس الثلاثة، ابن الخناجريّ، وابن قَنْبَر، والسيد ابن

стр. 50

النويرة، والبدر بن النَّصِيبيّ، وغيرهم، أن المشهور بحَلَب بابن بِلاَل رجل جاهل لا يعرف شيئاً، وإنما روج أمره أمراؤه مماليك الحمزاويّ وأولاده، وإسكانه له في بيته خشية أن ينزل فيه رومي، وأنه سعى له في بعض وظائف ابن المستوفي فحصل له بذلك غنية وشهرة بعد فقر وخمول، وذكروا عنه تُرَّهات تدل على جهل كبير لم أرَ ذكرها هنا، ورأيت من خالفهم في ذلك كله، وقال إنّه من حَمَلة العلم وأهله، والله أعلم بحقيقة أمره وبموافقة علانيته لسره، والذي يظهر هو الثّاني لكنّه رجل لا مداراة عنده لأنّه تركماني. ذكر إرجاع ابن الفُرْفُور وما حدث بعد ذلك من الأمور ولمّا كان يوم الاثنين ثالث شوال المبارك حضر أولقان من جهة بكاربكي بالشَّام أمير الأمراء الكرام عيسى باشا، البالغ من مراتب الكمالات ما شاء، وصحبتهما مكاتبات من الأمير المذكور تخبر بحضور مرسوم بعود القاضي ابن الفُرْفُور محتفظاً به للتفتيش عليه وتحرير ما نسب من المظالم إليه، وأن المتولي لذلك القاضي ابن إسرافيل المنصوب لقضاء الشّام مكانه وعدوه عيسى باشا المشار إليه

стр. 51

لتكمل في حقّه الإهانة، فنعوّذ بالله من زوال النعم ومفاجأة النقم، فطلع من الشّام أعز طلوع ورجع إليها والعياذ بالله أذلّ رجوع، فلمّا وصله ذلك الخبر حار وجبن وخار ولاذ واستجار، وذلّ بعد تجبّر وما أذلّ من هو جبّار، وانكسر بعد فخره وتكبّره وما أسرع كسر الفخّار، وقد دخلت عليه بعد بلوغي هذا الخبر، فوجدته في غاية الذلّة والاتضاع والاختضاع، ووجهه ممتقع غاية الامتقاع، ومنتقع نهاية الانتقاع، وهو وجماعته كما قال الله تعالى (إذ القُلُوبُ لَدَى الحَنَاجِرِ كاظِمِينَ ما للظَّالِمِين مِنْ حَمِيم ولا شَفيعٍ يُطَاع)، فتوجع واشتكى وتأوه وبكى، ثم أظهر الجَلَد وأضمر البلوى، وقال الحمد لله ما لأحدٍ علينا تَبِعة ولا شكوى، ولا ظلامة ولا دعوى، وسوف يعلم أهل الشّام مقدار أيّامنا وحُسْن أقضيتنا وأحكامنا. فطيّبتُ قلبه، وسكّنت لبّه، وقلت له: لا تخشَ من الرجوع؛ فإنّ مقامك عند النّاس مرفوع، وهذا إن شاء الله آخر القطوع، ثم عانقني معانقة المثكل المفجوع، وسقينا نبات الخدود بمياه الدموع، ثم أنجد وأتهمت، وأيمن وأشأمت، فعاد هو من الغد إلى الشّام، وانتقض من حبله الإبرام، وتهتّك حجابه، وانفضت عنه أحزابه، وشائنة أحبابه وأصحابه، وتقطعت أسبابه، وأُبيعت أمتعته وأسبابه، وبيوته، وعماراته، وبساتينه، وجنيناته، وأراضيه وقراه، وأعيد لأربابه كل ما كان اغتصبه أو اشتراه، وتعدّى ذلك إلى سائر جهاته وجهات زوجاته وبناته، وخرج عليه من كان داخلاً فيه وراكناً إليه، وشدّد عليه في الحساب من كان يعدّه من الأحباب، فأتاه الخوف من جانب الأمن، ومن حيث أَمِلَ الربح جاءه الغُبْن:

стр. 52

رُبَّ من ترجو به دفعَ الأذى ... عنك يأتيك الأذى من قِبَلهِ ربما يرجُو الفتى نفعَ فتى ... خوفُه أولى به من أملهِ ولم يزل في محبسه بقلعة دِمَشْق، يُرْشق بسهام المصائب أي رشق، إلى أن مات به في السنة الثالثة في جمادى الآخر، فنسأل الله العفو والعافية الغامرة، في الدين والدنيا والآخرة، آمين. واستخرنا الله تعالى سبحانه وقوى العزم على السفر صحبة جانم الحمزاويّ مع الخزانة، وقد كنت اجتمعت به مرتين بحَلَب والشَّام، وحصل منه غاية التعظيم والإكرام، ثم حصل بيني وبينه محبة زائدة، وصار له فيّ اعتقاد تام حتى كان لا يخاطبني إلاّ بمولانا شيخ الإسلام، وخرجت من حَلَب قبل الزوال من يوم الثلاثاء رابع شهر شوال، وكانت مدّة إقامتنا بها ستة أيّام نصفها مع الفطر ونصفها مع الصيام. وحَلَب مدينة عظيمة كبيرة قديمة، صحيحة الهواء، خفيفة الماء، واسعة الفناء، حسنة البناء، عظيمة المآثر والمعاهد، كثيرة الجوامع والمساجد، وكانت من الفتوحات العثمانيّة وإلى آخر دولة بني أميّة مُضافة إلى قِنَّسْرين، ولذلك قلّ ذكرها في كتب المؤرخين. ثم تدرجت في العمارة وقِنَّسْرين في الخراب والاندراس إلى أن

стр. 53

صارت قِنَّسْرين مضافة إلى حَلَب في أيام بني العباس، وافتتحت في سنة ست عشرة من الهجرة، وقيل سبع عشرة وقيل خمس عشرة، وبينها وبين قِنَّسْرين اثنا عشر ميلاً تزيد أو تنقص قليلاً، وهي من الإقليم الرابع أعدل الأقاليم إقليماً، ولذلك أهلها أنضر الناس وجوهاً، وأصحهم جسوماً، وقبلتها موافقة لقبلة دِمَشْق الشَّام، ولها من الكور والضياع العظام ما يجمع سائر الغلات النفيسة كالفستق وحبة الخضراء والزيتون والتين، وكانت من أكثر البلاد أشجاراً وأحسنها بساتين، فأفناها كثرة وقوع الخلاف بين الملوك والسَّلاطين. وقلعتها حصينة مانعة شامخة عالية واسعة، يعجز عن مثلها الرائد، وتمتنع على الطالب والقاصد، تكاد تناطح نجوم الجوزاء وتتجاوز كرة الهواء وتناجي أبراجها بروج السماء، ويحيط بها خندق عظيم مملوء على الدوام، وبها بباب المقام بها مقام إبراهيم ﵊، وبها كتابات قديمة رومانية من ذلك ما على الرخامة البيضاء التي هي الآن بالمدرسة الحلاوية، وهي شفافة إذا جعل تحتها نور ظهر من أعلاها أو جعل في أعلاها بان من أدناها، وعليها كتابة سريانية عُرِّبَت، فإذا هي: عُمِلَ هذا للملك قلطيانوس والنسر الطائر في رابع عشر درجة من برج العقرب، فيكون مقدار ذلك إلى تعريبه ثلاثة الآف سنة، وهذا اللوح أحضره السُّلطان الملك العادل نور الدِّين الشهيد من فَامِيَة، وكان يحشي فيه القطايف للفقهاء، وطوله يزيد على ثلاثة أذرع، وعرضه على ذراعين، وقد بذل الفرنج فيه مالاً جزيلاً فلم يجابوا إليه. ومن محاسنها جبل

стр. 54

الجَوْشَن، وهو من أنزه الجبال نباتاً ذا حسن معتدل الأرواح طيب الأنفاس، وبه كما يقال معدن النحاس، ومحاسن حَلَب كثيرة وخيراتها غزيرة، ومما قاله فيها صاحبها الملك الناصر ذو المناقب الغر والمآثر: سقى حَلَبَ الشهباَء في كل أزمةٍ ... سحابة غيثٍ نوؤها ليس يقلع فتلك دياري لا العقيقُ ولا الغضا ... وتلك ربوعي لا زَرُودَ ولَعْلَع وقال نفيس الدِّين الآمديّ: سقى حَلَبَِاً ومن فيها سحابٌ ... كدمعي حين يهمي بانسجام فإنّ بها وإن شطّت مغاني ... أحبّاء على قلبي كرامُ وقال الشيخ زين الدِّين بن الورديّ: عليك بصهوةِ الشّهباء تلقى ... بجوشنها محاربةَ الزمانِ فللغرفات في الفردوس طيبٌ ... يضوعُ شذاه من باب الجنانِ وللصَّنَوْبريّ:

стр. 55

فاخري يا حَلَبُ المُدْ ... نَ يزِدْ جاهُكِ جَاهَا فإذا ما كانت المدنُ ... رِخاخاً كنتِ شاها فلما أن عزمنا على الرحيل منها في اليوم المذكور، لم يتخلف أحد من الأصحاب عن الحضور، ثم أخذوا في أصناف الوداع وهم بين مثن وداع وباك ومتأسف على عدم ملازمة الاجتماع، وأنا أودعهم والجوانح ملتهبة، والدموع منسربة، والشوق بالقلوب لاعب، وغراب البين بفرقة الإخوان ناعب، ثم أخذت في أسباب الترحال وأنشدت بلسان الحال والقال: ليت شعري أنلتقي بعد هذا ... أم وداعاً يكون هذا اللقاء فاذكروني وزودوني دعاء ... خير زاد تزودوني الدُّعاء ثم لما قدموا الجواد، قرأ في قفاي ابن الشيخ حسين (إنَّ الذِي فَرَضَ عَلَيكَ القُرآنَ لرادُّكَ إلى مَعَاد)، ثم أنشد البيتين المجربين في عود من قيلا في قفاه إلى محل وطنه سالماً واجتماعه بقائلهما بعون الله كما نصّ عليه في الإحياء حجة الإسلام الغزالي أمدنا الله تعالى بمدده المترادف المتوالي، وهما: يا من يريد الرحيل عنّا ... أسعدك الله في ارتحالك

стр. 56

كان لك الله خَيْرَ واقٍ ... أمْنَّك الله في المسالك والله تعالى يقدر ذلك، أنّه سبحانه القادر المالك، ثم ذهبنا إلى حارتنا الأخرى وهي حارة الجلّوم إلى زاوية الشيخ محمد الكواكبي بلغنا الله تعالى ببركته ما نحب ونروم، وكان لنا عند حفيده الشيخ عمر جزيئات، فوجدناه قد تقاضاها على أتم الحالات، وتلقانا هو وأعيان أهل المحلَّة مودعين، وباكين من ألم الفراق متوجعين، ثم خرجوا معنا مشاةً من باب أنْطَاكِيَة إلى قاطع النهر، ثم جاوزوا العمران وانتهوا إلى البرّ، فحلفنا عليهم في العود فعادوا بعد الدُّعاء وقراءة الفاتحة، فجزاهم الله تعالى خيراً على أفعالهم الجميلة ونياتهم الصَّالحة، فلما عطف المودعون بالعود لقطرهم والرجوع، وتبرأ التابع من المتبوع، وطفيت نيران الوداع بمياه الدموع، ترادفت على القلب أشجانه، وتزايدت كروبه وأحزانه، ثم وقفت هناك وقفة المسلم، وودعت البلاد الشَّاميّة وداع المتأمّل المتألم، وأنشدت: خليليَّ هذا موقفٌ من مُتَيَّمِ ... فَعُوجَا قليلاً وانظراهُ يسلمِ ثم سرت وقلبي في تلك التلاع وتلك الأجارع، وقد فارقت الصبر عند مفارقة تلك المنازع، وودعت الجلد عند وداعي تلك المجامع والجوامع، وقد خامرني الفَرِق واستولى على جفني الأرق، وأولعت بما يولع به المشفق، وأنفقت دمعي وكل

стр. 57

امرءٍ بما عنده ينفق، ورحم الله زهيراً المهلبيّ، فعن حالي عبر بقوله: إلى كَمْ جفوني بالدموع قريحةٌ ... وحتامَ قلب بالتفرقِ خافقُ ففي كلِ يومٍ لي حنين مجددٌ ... وفي كل أرضٍ لي حبيبٌ مفارقُ ومن خُلقي أني ألوف وأنه ... يطول التفاتي للذين أفارقُ وأقسِمُ ما فارقت في الأرض موضِعاً ... ويذكرُ إلاّ والدموعُ سوابقُ ولم أزل أسير ممتعاً من شميم عَرَار نجد، ومحملاً أنفاس الصبا حقائب الوجد، وقد أخذ مني البين أخذته، وفلذ من فؤادي فلذته، واستولت على قلبي كروب جمّة وخطوب مُدْلَهِمّة، منها فراق الوالدة والأولاد والأهل، وسلوكي من ذلك طريقاً ليس بالهين ولا بالسهل، ثم انفرادي صحبة من لا أثق به على نفسي بعد اجتماعي بأهل مودتي وأنسي، وتبدلي من أمن الإقامة بخوف السفر، وبخشونة عيش أهل البدو من رفاهية عيش أهل الحضر، وتغربي في بلاد لم أعرفها، وائتلافي مع وجوه لم آلفها، فصرت في حالة دونها مفارقة الحياة لولا ما أرتجيه من تدارك لطف الله، فما أشبه تلك الحال بما تخيله الأمير حُسَام الدِّين الحَاجِريّ الإرْبِليّ، حيث قال: لمَّا نظرَ العذّالُ حالي بُهِتُوا ... في الحالِ وقالوا لوم هذا عَنَتْ

стр. 58

لا تحسبُ إلاّ أننا نعذِله ... من يسمع من يعقلُ من يلتفتْ وأتمثل في الإنشاد بقول العماد: بالله عرفت ما بحالي صنعوا ... خلوه بنار شوقهم ينصدعُ ما لم أر شملي بهم يجتمعُ ... ما أحسبني بعيشتي أنتفعُ وأتوجع مما ألقاه متخلقاً بقول زين الدِّين الكاتب ابن عبيد الله: لم تجد همي ولا ولهي ... أم مفقودٍ لها وَلَهُ ما بقاء الروحُ في جسدي ... غيرُ تعذيب لها وَلَهُ ثم ألتمس بقول القائل متمثلاً: وعَسَى إلهي أن يمنَّ بنظمنا ... عِقْدَاً كما كنّا عليهِ وأفْضَلا فلَرُبّما نُثِرَ الجُمَانُ تَعَمّداً ... ليكونَ أحسنَ في النّظامِ وأجمَلا

стр. 59

وأنسخ الوحشة بالإيناس بما جرى على لساني إذ ذاك من قول بعض الناس: أبشر بخيرٍ عاجلٍ ... تنسى به ما قد مضى فلرب أمرٍِ مسخِطٍ ... لك في عواقبِهِ الرضى إن شاء الله تعالى، واستمر بنا السير متصل الأعمال، غير مخفق المساعي والآمال، إلى بلوغ الشمس من غاية الرفعة المآرب، غير منهبطة في المشارق ولا منحدرة في المغارب، فوصلنا حينئذٍ إلى المنزل المبارك بظاهر قرية الأَثارِب، ثم بتنا بها ليلة الأربعاء خامس شهر شوال نقاسي كرب تلك الأحوال، ونعاني خطوب هاتيك الأهوال، ونعالج شدّة الأشواق، ونتوجع من ألم الفراق، ونطارح ذوات الأطواق، وننشد قول أبي فراس الحارث بن سعيد بن حمدان في نحو هذا الشأن: أقول وقد ناحتْ بقربي حمامةٌ ... أيا جارتا هل بات حالُك حالي معاذ الهوى ما ذقت طارقة الهوى ... ولا خطرت منك الهموم ببالي أتحمل محزونَ الفؤادِ قوائمٌ ... على غصنٍ نائي المسافة عالي أيا جارتا ما أنصفَ الدهرُ بيننا ... تعالي أقاسِمُك الهمومَ تعالي

стр. 60

تعالي تَريْ روحاً لديَّ ضعيفةً ... تَردَّدُ في جسمٍ يُعَذَّبُ بالي أيضحك مأسورٌ وتبكي طليقةٌ ... ويسكتُ محزونٌ ويندُب سالي لقد كنتُ أولى منك بالدمع مقلةً ... ولكنَّ دمعي في الحوادث غالي فلما طرب طائر السحر، وأذهب نسيمه ما بقلب الساهر من الوَحْر، وطرزت طرة الظلام يد الإصباح، وأرسل الفجر في رداء الليل خيط الصباح، ترحّلنا من ذلك المنزل بعد صلاة الصبح، وسألنا من الله تعالى المعونة والنجح، ثم جزنا وقت الإشراق على الرصيف، وهو عجيب الوضع والترصيف، طول نصف ميل أو ينقص عنه بقليل، ثم سرنا بوادي العَمْق ونزلنا بوسطه وسايرنا النهر الجاري هناك وحللنا بشطه، وذلك وقت الضحى الأعلى من النهار، وما أشبه ذلك المنزل بقول أبي القاسم بن العطَّار: نزلنا بشاطئ النهرِ بينَ حدائقٍ ... بها حَدَقُ الأزْهار يستوقفُ الحَدَقْ

стр. 61

وقد نَسَجتْ كفُّ النَّسيم مُفَاضةً ... عليه وما غَيْرُ الحُبَابِ لها حَلَقْ فنزلنا هناك كيما نستريح ونقيل، ونزيح علل الرفاق والدواب ونزيل، ثم أخذنا في التحميل والترحيل، وسرنا نحثّ في المسير والرحيل، فوصلنا منزلة يغره وقد تضمخت صفحات الربى بخلوق الأصيل، وأرْزَمَت المطايا على الدعة أرْزَام الفَصيل، بعد أن قطعنا جسرها الطويل، وهو جسر محكم البناء متّسع الفناء لكنه تهدم من طول الزمان، وعليه مكتوب عمارة مولانا السُّلطان الملك الأشرف قايتباي، تغمده الله بالرحمة والغفران، فبتنا بها تلك الليلة، وهي ليلة الخميس، فلما تبسّم وجه الشرق بعد التعبيس، وآذن روح الصبح بالتنفيس، رحَّلنا الخيل والبغال عوضاً عن حمر النعم والعيس، ثم سرنا ذلك النهار وهو سادس شوال جامعين بين الاعتكار والتَغْليس، في عقاب من عقبات، وحدر من مهاوي حدرات، وغياض وأشجار، وفياف وقفار، ومهامةٍ ينقطع فيها الرفيق عن الرفيق، ومسالك غاية في السعة وأخرى نهاية في الضيق، وكان ابتداءً السير في ذلك النهار: في بسيطٍ من الفيافي إذا ما ... سابقَ الطرفُ فيه عادَ حسيرا وانتهينا إلى عقاب وجدنا ... في ذراها من العقاب كثيرا وسلكنا ما بين حَزْنٍ وسَهْل ... وقطعنا دماثياً ووعورا

стр. 62

وصَعَدنا إلى السماء ارتفاعاً ... وهبطنا إلى القرار حُدورا وقضينا مناسكَ الهمّ فيه ... ونفرنا من الكروب نفورا فأول عقبة تلقّيناها عقبة بَغْرَاص ذات الجموح والشماص، فما حصل منها النجاة والخلاص، حتى زالت الشمس ولات حين مناص، وهي مشتملة على أشجار خضرة، ومفاوز مقفرة، ومسالك مزلة وعرة، ودورات ولفتات وعطفات وفتلات، وفي آخرها خان ومقيل وأشجار عظيمة تحتها ظل ظليل ونسيم يشفي العليل، (ومياه كثيرة) خصرة تروي الغليل، وهناك مسجد قديم البنيان، يجري الماء فيه في مثل الشاذروان، ويتحدر في ذلك المكان على حصباء كالدر والمرجان، وقد قيل: وتحدّثَ الماءُ الزلالُ مع الحصا ... فجرى النسيمُ عليه يسمع ما جرى وكأن فوقَ الماء وشياً ظاهراً ... وكأن تحت الماء دُرّاً مُضْمَرا فيا له من نعيم في عقاب ورحمة بعد عذاب، وراحة في بؤس، وبشر في عبوس،

стр. 63

فترامينا على ذلك الماء الزلال، وارتمينا بين تلك الظلال، فاسترحنا ساعة في ظل تلك الشجرات، ونقعنا الغُلَّة من ذلك العذب الفرات، وخفف عنا ذلك النسيم من شدة السموم بعض ما نجدْ، حتى كان ذلك المكان بقول المَنازي قد قصد: وَقَانَا وقدةَ الرَّمْضَاء ظِلُّ ... سَقَاهُ مضاعَفُ الظّلِ العميمِ نزلنا دَوْحَهُ فحنَا عَلَيْنَا ... حُنُوَّ المرضِعاتِ على الفَطيمِ يُراعي الشَّمْسَ أنَّى قابلتنا ... فيَحْجُبها ويأذَنُ للنَّسيمِ وسقانا على ظمأ زُلالاً ... ألذَّ من المُدَامِ مع النديمِ تروعُ حَصَاهُ حاليةَ العذارى ... فتلْمُسُ جانبَ العقدِ النظيمِ

стр. 64

وتعارفنا في ذلك المكان بالقاضي كمال الدِّين التادفي قاضي حَلَب، ثم مَكَّة كان فوجدنا عنده لطافة وحشمة وظرافة، ثم صار بيننا وبينه أكد صحبة وأشد مودة ومحبة، ثم استقبلنا من ذلك المحل والمركز العقبة المعروفة بعقبة المركز، وهي عقبة طويلة مديدة صعبة وعرة شديدة، تقطع الأسباب، وتخلع الألباب، وتذكر بالصراط والميزان والحساب، كأنما الخطابيّ عناها بقوله: سلكت عقاباً في طريقي كأنها ... صَيَاصِي دُيُوك أو أكُفَ عُقَابِ وما ذاك إلاّ أنّ ذنبي أحَاط بي ... فكان عِقابي في سلوك عِقابِ ورأينا في طيّها مَعدن الدَّهْنَج، وجبالاً من آس عرف طيبها يتأرج، وغياض ماؤها سلسبيل وطلها سَجْسَج، ورياض سقفها مفوف وبساطها مدبج، وقفار نيران حرها يتوهج، وسمومها يلفح الوجوه ويلفج، وسبل وعرة المدرج عسرة المنهج، يضيق الصدر من حَزُونها ويحرج، فلم نزل نرقى ربوات يخيل لراقيها أنه لامس النجوم، ونهبط وهدات يظن من هوى فيها أنه لابس التخوم، ونسلك مسالك كالصراط إلاّ أنه غير المستقيم، يضل العقل فيها ويتحير ويهيم، ويقاسي القلب من هولها العذاب الأليم، وقد اشتدّت حمارَّة القَيْظ، والنفوس من جواز تلك العقبة الكؤود تكاد تميز

стр. 65

من الغيظ. فلم نزل ذلك اليوم في شغل شاغل حتى جمعنا بين طرفي البكر والأصائل، وولى ذلك النهار الطائل وعطفه في الثوب القصير رافل، وأخذت الشمس في الاصفرار من ذلك المنظر المهول، وعزمت على الفرار وصممت على الأفول، فنزلنا حينئذٍ بمرج متسع قاطع قلعة المركز، قد ألبسه الربيع ثياباً سُنْدسيّة طرَّفها بأنواع الزهر وطرز، وسحب عليه النسيم أذياله، فاكتست من عرفه شذا، وجرت في خلاله عيون كالأنهار سالمة من الكدر والقذا، ودارت كاسات رحيقها فانتشى الغصن مستنبذاً، وروى العشب واغتذا، وجاوره البحر المالح فلم يحصل له بمجاورته أذى، فبتنا بتلك البقعة المتسعة ليلة سابع شوال وهي ليلة الجمعة، ورحلنا منها عندما اكتهل الليل وشاب، وأقبل النهار يخطر في برود الشباب، وغردت الحمائم على أعوادها، وأعربت بعجمتها عما أكنته من الشجو في فؤادها، فأثارت تباريح أشجان لم تبرح، وأفاضت مياه أجفان لم تنزح، وترنمت متمثلاً في تلك البقاع بقول عَدِيّ ابن زَيْد المعروف بابن الرِّقَاع العامِليّ: ومما شجاني أننَّي كنتُ نائماً ... أعلَّل من بَرْدِ الكرى بالتنسمِ إلى أن دَعتْ ورقاء في غصنِ أيكةٍ ... تُرددُ مبكاها بحُسْنِ الترنمِ ولما تلاقينا وجدتُ بنانها ... مخضبةً تحكى عُصَارةَ عَنْدَمِ فقلت خضبتِ الكفَّ بعدي هكذا ... ولم تحفظي عهدَ المشوقِ المتيمِ فقالت وأذكتْ في الحَشَا لاعج الهوى ... مقالة مَنْ بالودِ لم يتبرَمِ

стр. 66

بكيتُ دماً يوم النوى فمسحته ... بكفي فاحمّرتْ بناني من دمي وحَقِكَ ما هذا خضابٌ خضيبةٍ ... سوى أنت بالهنان والروم متهمِ ولكنني لما رأيتكَ راجلاً ... وقد كنتَ لي كفي وزندي ومعصمِ فلو قبل مبكاها بكيْتُ صبابةً ... لسعدي شفيتُ النفس قبل التندُّمِ ولكن بكت قبلي فهيج لي البكا ... بكاها فقلت الفضل للمتقدمِ ثم سرنا في بسيط من الأرض عريض مرآه لا يخترقه النسيم بمسراه، يكاد البصر يقف عند مداه مشتمل على ربيع مريع ذي زهو بديع، وأشجار من الآس عنبرية الأرواح والأنفاس، يجلب منظرها أنواع الإيناس، ثم نزلنا الضحى الأعلى كيما نستريح ونريح، ونزيل بعض العلل ونزيح، بمكان قرب قراقابي ومعناه الباب الأسود، وهو باب قديم مقنطر بالحجارة السود، مرصف منضد، لكنه من تطاول الزمان قد تهدم وتهدد، ثم سرنا منه فنزلنا (والشمس قد) عصفرت أبرادها ودنى في

стр. 67

العين الحمئة إيرادها بمكان يعرف بأستك، بهمزة مفتوحة على وزن مرتك، عند عين ماء نمير تجاه بسطه، وربيع قد فرش بُسطه، وأظهر سروره وبَسطه، وأخرج سوسانه ولسانه وقرطه، فبتنا به ليلة السبت ثامن شوال، ثم عزمنا على الترحال وشددنا الخيل وحملنا البغال: حين شابَ الدُّجى وخَافَ من الهَجْرِ ... فغطّى المشيبَ بالزعفران فلمّا سرنا قليلاً لحقني الأمير جانم ومعه جماعة فسلموا وقالوا: أردنا المثول لخدمتكم في هذه الساعة. فقلت: ما الخبر؟ فقالوا: سؤال حضر. فقلت: ما السؤال؟ فتقدم الأمير جانم وقال: هو عن قوله تعالى (إنّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ) فقلت: ما المقصود؟ فقال: الضمير في خَلَقَهُ وما بعده على من يعود؟ فقلت: على عيسى. فقال: قد وقع بين علماء القاهرة فيه إشكال فإنّه قال خَلَقَهُ من تُرابٍ فتم الخلق بهذا المقال، ثم قال له كن هذا تحصيل حاصل أي وهو محال، فقلت: كلا، بل المقصود بقوله خَلَقهُ من تراب صور هيكله الجسماني، وبقوله ثم قال له كن نفخ فيه الروح وأتم فيه البشرية والخلق الإنساني. فشكر وأثنى وذكر أنّ ذلك التحقيق لم يسمعه إلاّ منّا، ولم يزل يتودد ويتواضع ويتلطف ويتخاضع، فلما تعالى النهار وترافع، وتوالى حره وتتابع، وصلنا إلى مدينة المَصِّيْصَة بعد أنّ سلكنا مسالك وعرة عويصة، وهي مدينة بكثرة الأشجار والمياه مخصوصة يجري بفنائها نهر جَيْحَان وبها عليه جسر عظيم البنيان وعليها بابان يقفلان عليه إلى الآن وقد كانت من غُرَر البلدان، وانتشأ بها جماعة من الأعيان، لكنها الآن خربت،

стр. 68

وأكلت الدهور على محاسنها وشربت، وتركت ساحتها كدار ميّة بالعلياء فالسند، وغادرتها منفضة الفناء منقضة البناء كأن لم يكن بها سيد ولا سند، ولم يغن بها بالأمس أحد، لم يبق منها غير رسومها الواهنة الواهية وأطلالها العالية البالية وأزقّتها الخالية الخاوية: طلولٌ إذا دمعي شكا البينَ بينها ... شكا غير ذي نُطْقٍ إلى غيرِ ذي فَهْمِ (وقد تراجعت الآن في العمران والتحقت بصغار البلدان). وجَيْحَان بجيم بالفتح ثم ياء آخر الحروف بالسكون، ثم حاء مهملة وآخره نون، نهرٌ معروف بالعظم، زاخر الأمواج كالبحر الخضم، يقارب في كبره نهر الفرات، وماؤه لطيف عذب فرات، يلتوي التواء الأرْقَم، وينسحب انسحاب المخرم، وينعطف انعطاف السوار بالمعصم: فجَدْولهُ في سَرْحَةِ الماء مُنْصلٌ ... ولكنه في الجزع عطْفُ سوارِ وأمواجهُ أردافُ غيدٍ نواعِمٍٍ ... تَلَفَّعْنَ بالآصال رَيْطَ نُضَارِ

стр. 69

ولابن الأبّار: ونَهْرٍ كما ذابَتْ سَبَائكُ فضَّةٍ ... حكى بمِحَانيهِ انْعِطَافَ الأراقِمِ إذا الشَّفَقُ استوْلى عليهِ احْمِرارُهُ ... تَبَدَّى خَضيباً مثل دَامي الصَّوارمِ يمر ببلاد السيس بين تلك الجبال والشعوب، ثم يسير في حدود بلاد الرُّوم من الشمال إلى الجنوب في وداة وجبال وتلال حتى يمر بالمَصِّيْصَة من جهة الشَّمال، ويسير بجوانبها من مشارقها إلى مغاربها، فلما وافيناها وحللنا بها نزلنا بها في علوة، وذلك يوم السبت ضحوة، يصاحبنا الهواء الرطب ونسيمه، والأرج العنبري وتقسيمه، والنفس النجدي الذي هو في الصحّة شقيقه وقسيمه، في ظل شجرة بُطْم في غاية الكبر والعظم، كثيرة الأغصان، غزيرة الأفنان، يكاد يستظل بظلها أكثر من ألف إنسان. ذات طول عظيم وقوام قويم، يرجع عن بلوغ طرفها طرف العين كليلا، ولا يشفى من نظره لأعاليها عليلا، ولا يروى من ترائيهِ لأقاصيها غليلاً، وقد قسنا أصلها باليدين فكان أربعة باعات وشبرين، قد فاقت الأشجار طيباً ونضرة وعظماً، فيا لها من شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، فهي من أغرب ما عايناه وأعجب ما شاهدناه، وقد جرى في نعتها والقريحة جامدة، ونيرانها بعد ذكائها وتوقدّها خامدة، ما تمثله الجنان ونطق به اللسان ورقمه البنان، وهو قولي:

стр. 70

يا سرحةً سرحت في شطِ جَيْحَان ... وزاحمت في علاها برجَ كيوانِ فروعُكِ الشمُّ لا تُحْصَى قواعدها ... والأصل أربعُ باعاتٍ وشبرانِ لنا بظلكِ مغنىً لم يُشَبْ بعناً ... فنون أفيائه من فيء أفنانِ به نسيم يصفى الروحَ من كَدَرٍ ... وينعش القلبَ من تبريحِ أشجانِ يعمّنا في زمانِ القَيْظِ منك ندىً ... لو أنّ أقوامنا في العدّ ألفانِ هذا هو الجودَ لا ما قيل من قدمٍ ... عن حاتم وعدي وابن جدعانِ لا زلت مخضلة الأغصان يانعة ... يسقيك كل ملت القَطْرِ هتّانِ أدنة فقيلنا في ظلها إلى أن استوفى النهار حدّ الانتصاف، وانتصفنا بحماها من حموه غاية الانتصاف، ثم سرنا تارة في ظل وأخرى في حرور، وطوراً ننجد وآونة نغور، حتى كادت عين الشمس تغور، فوصلنا حينئذٍ مدينة أدَنَة، وهي مدينة صغيرة مستحسنة، قد استوعبت من الظرف أجناسه وأنواعه، واستوعبت من اللطف شيمة وطباعه، ذات رياض أنيقة وأشجار وريقة:

стр. 71

وحدائقُ تشبيكَ وشىُ برودها ... حتى تشبهها شَبائبَ عَبْقَرِ يجري النسيمُ خلالها وكأنما ... غُمِسَتْ فُضُولُ رِدائه بالعنبر ومساكن حسنة بأهلها معمورة، وأسواق بجميع ما يحتاج اليه مغمورة، ويتوصل إليها من جسر عظيم على نهر سَيْحَان، ويمر بخلالها وجوانبها هذا النهر كالثعبان، وعليه نواعير تسقي ما هناك من البساتين والغيطان، وهي بمدينة حَمَاة أشبه البلدان، والنهر المذكور هو بسين مهملة مفتوحة ثم ياء تحتية بالسكون ثم حاء مهملة وآخره نون، نهرٌ عظيم يعدُّ من الأنهار الكبار، وهو يقارب في كبره نهر جَيْحَان المار، وهما كما قال النوويّ شيخ الإسلام وقطب الأنام على الإطلاق غير سيحون وجيحون اللذين هما من الجنة بالاتفاق، فنزلنا داخل باب المدينة في مسجد صغير، وبجانبه بئر ماء عذب معين نمير، فاسترحنا فيه ساعة حتى تكاملت الجماعة، ثم دخلت جامعها الكبير وقت المغرب فصليتها فيه والعشاء معاً، واجتمع بي الإمام والمؤذن فسلّما عليّ والتمس كل منا من صاحبه الدُّعاء، ثم سرنا هجمة الدَّيْجُور إلى محل الوطاق بشط النهر المذكور، وهو مكان بديع قد عَذُب ماؤه، وراق روضه ورق هواؤه، وتفسحت مساحاته ومارجت أرجاؤه، وقد أهدى اليه الربيع نوافحه، وأسدى لواقحه، وأسدل ملاحفه، وأسبل مطارفه، وألان معاطفه، وأفاض معارفه، وأصفى ملبسه، ووشى سندسه، وحدّق أحداقه، وأرخى أوراقه:

стр. 72

وتبسّمَ ثغرُ النور عن شَنبِ القَطْرِ ... وَدَبّ عِذارُ الطلّ في صفحةِ النهرِ فزينة الأرض مشهورة، وحلّة الروض منشورة، والبسيطة قد مدت بساطاً مفوفاً، وأهدت من ذخائرها ألطافاً وتحفاً: فالنّور عقد والغصون سوالفٌ ... والجَزْعُ زَنَدٌ والسَرى سوار رَقَصَ القضيبُ بها وقد شرب الثرى ... وشدا الحمامُ وصفق التيار فأقمنا هنالك تلك الليلة، وهي ليلة الأحد تاسع شوال، ثم يوم الأحد بالتمام والكمال، ثم نحو الثلثين من ليلة تسفر عن يوم الاثنين، ونحن ما بين ربيع ورتيع، وزهر ونهر، وموج ومرج، وحدائق وماء دافق، ورياض ونهر فياض، ونسيم وتسنيم، وجنة ونعيم، وروح وريحان، وعرفٍ من الجنان، ودولاب يحن حنين المستهام، المدنف من شدّة الغرام، ويطارح بشجوه سجع الحمام، كما قيل: للهِ دولابٌ يَفيضُ بسَلسلٍ ... في رَوضةٍٍٍ قد أينعتْ أفنانَا قد طارَحَتْه به الحمائمُ شَجوها ... فيُجيبها ويُرجِّعُ الألحانا فكأنه دَنِفٌ يَدورُ بمَعهدٍ ... ضاقت مَجاري طَرْفه عن دَمْعِهِ

стр. 73

يبكي ويسألُ فيه عَمَّنْ بانا ... . فتفتَّحتْ أضلاعُه أجفانا وذلك النهر يجول في حلّة فضية تذهبها الشمس بكرة وأصيلا، ويجلوا صداها صيقل القمر ليلاً، ونهر عطفه خيلاً، ويسحب في تبختره بين الرياض ذيلاً، فتناديه تلك الأشجار على رسلك فـ (إنكَ لَن تَخرِقَ الأرضَ وَلَن تَبلُغَ الجِبَالَ طُولاَ) وتلقّانا في ذلك المقام جماعة من الأصحاب ما بين عرب وأروام قاصدين بلاد الشَّام، فتلاقينا بالتحية والسلام، وجمعنا بين السلام والوداع، وذيّلنا الافتراق من ذلك الاجتماع، وأنشدتهم والقلب بالفراق منكوي، والجسم على نيران الفؤاد محتوي، لفخر الرؤساء الشريف الرَّضيّ الموسويّ: والدمعُ تنحدرُ من الآماق ... وتفورُ من جوانبِ الأحداقِ أيها الرائحُ المجد تحمَّل ... حاجةً للمتيمِ المشتاقِ وأقرِ عني السلامَ أهلَ المصلى ... وبلاغُ السلام بعضُ التلاقِ وإذا ما مررت بالخيفِ فاشهدْ ... أنّ قلبي إليه بالأشواقِ

стр. 74

وإذا ما سئلت عني فقُلْ ... وما أظنّه اليوم باقِ ضاع قلبي فأنشده لي بين جمعٍ ... وَهَى عند بعض تلك الحِداقِ وابكِ عني فطالما كنت ... من قبل أُعير الدموع للعشّاق ثم ترحلوا عنا، وأشأموا وأتهمنا، والشوق بالجوانح مكتنف، والدمع من الآماق منذرف، والقلب ذاهب معهم لم يستقر ولم يقف، فضارعت مرامه، وأنشدت أمامه: لله أي هوىً برامهْ ... حيث القلوبُ المستهامَهْ لم يبقَ قلبٌ في الحمى ... إلاّ وقد أعطى زِمامَهْ بالله يا حادي القلوب ... إذا رجعتَ مع السلامَهْ فاخدَعْ فؤادي علّه ... يرعى لمنزلِهِ ذِمامَهْ فلما مضى من ليلة الاثنين عاشر شوال، مقدار أقصى ما يوصى به المريض من

стр. 75

المال، حكمنا على معزول السرى بالاستعمال، ومتواني السير بالاستعجال، ولم نزل نجهد في سلوك مهامة تجمع بين النفس والجزع، وتتصيد عنقاء البسالة في شرك الفزع، ونصعد أنف كل تنوفة وثنية، ونعقد لجهاد كل ماذق ومارق أفضل نية ما بين غابات أشجار تضيق الأنفاس، أحسن أنواعها البُطْم والبَلُّوط وشيء قليل من الآس، فقيّلنا بحدرة من جملة الهيش، بها بعض ماء حار وحشيش، وبتنا ليلة الثلاثاء بمكان من جملة جبال الوَرْسَخ، بين غابات محتبكة وجبال شُمَّخ، لا مغيث بها لمظلوم ولا مستصرخ، فبت ونيران الفؤاد لا تتبوخ، وغليله لا يروي ولا ينفخ، والصدر لا يتفسح من كربه بل يتفسخ، والضلوع تقصف من بعض ذلك وترضخ، والدموع تنضح صحن الخد وتنضخ، وأنا متمثل بقول القائل: أحبائي ما لي بحياتي نفعُ ... مذ عزّ لشملنا بشت جمعُ في الليل إذا أرّقني ذكركم ... أبكي أسفاً جهد المقل الدمعُ وبقول الآخر:
следующие страницы →