Полный текст (303 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
وحدائقُ تشبيكَ وشىُ برودها ... حتى تشبهها شَبائبَ عَبْقَرِ
يجري النسيمُ خلالها وكأنما ... غُمِسَتْ فُضُولُ رِدائه بالعنبر
ومساكن حسنة بأهلها معمورة، وأسواق بجميع ما يحتاج اليه مغمورة، ويتوصل إليها من جسر عظيم على نهر سَيْحَان، ويمر بخلالها وجوانبها هذا النهر كالثعبان، وعليه نواعير تسقي ما هناك من البساتين والغيطان، وهي بمدينة حَمَاة أشبه البلدان، والنهر المذكور هو بسين مهملة مفتوحة ثم ياء تحتية بالسكون ثم حاء مهملة وآخره نون، نهرٌ عظيم يعدُّ من الأنهار الكبار، وهو يقارب في كبره نهر جَيْحَان المار، وهما كما قال النوويّ شيخ الإسلام وقطب الأنام على الإطلاق غير سيحون وجيحون اللذين هما من الجنة بالاتفاق، فنزلنا داخل باب المدينة في مسجد صغير، وبجانبه بئر ماء عذب معين نمير، فاسترحنا فيه ساعة حتى تكاملت الجماعة، ثم دخلت جامعها الكبير وقت المغرب فصليتها فيه والعشاء معاً، واجتمع بي الإمام والمؤذن فسلّما عليّ والتمس كل منا من صاحبه الدُّعاء، ثم سرنا هجمة الدَّيْجُور إلى محل الوطاق بشط النهر المذكور، وهو مكان بديع قد عَذُب ماؤه، وراق روضه ورق هواؤه، وتفسحت مساحاته ومارجت أرجاؤه، وقد أهدى اليه الربيع نوافحه، وأسدى لواقحه، وأسدل ملاحفه، وأسبل مطارفه، وألان معاطفه، وأفاض معارفه، وأصفى ملبسه، ووشى سندسه، وحدّق أحداقه، وأرخى أوراقه:
стр. 72
وتبسّمَ ثغرُ النور عن شَنبِ القَطْرِ ... وَدَبّ عِذارُ الطلّ في صفحةِ النهرِ
فزينة الأرض مشهورة، وحلّة الروض منشورة، والبسيطة قد مدت بساطاً مفوفاً، وأهدت من ذخائرها ألطافاً وتحفاً:
فالنّور عقد والغصون سوالفٌ ... والجَزْعُ زَنَدٌ والسَرى سوار
رَقَصَ القضيبُ بها وقد شرب الثرى ... وشدا الحمامُ وصفق التيار
فأقمنا هنالك تلك الليلة، وهي ليلة الأحد تاسع شوال، ثم يوم الأحد بالتمام والكمال،
ثم نحو الثلثين من ليلة تسفر عن يوم الاثنين، ونحن ما بين ربيع ورتيع، وزهر ونهر، وموج ومرج، وحدائق وماء دافق، ورياض ونهر فياض، ونسيم وتسنيم، وجنة ونعيم، وروح وريحان، وعرفٍ من الجنان، ودولاب يحن حنين المستهام، المدنف من شدّة الغرام، ويطارح بشجوه سجع الحمام، كما قيل:
للهِ دولابٌ يَفيضُ بسَلسلٍ ... في رَوضةٍٍٍ قد أينعتْ أفنانَا
قد طارَحَتْه به الحمائمُ شَجوها ... فيُجيبها ويُرجِّعُ الألحانا
فكأنه دَنِفٌ يَدورُ بمَعهدٍ ... ضاقت مَجاري طَرْفه عن دَمْعِهِ
стр. 73
يبكي ويسألُ فيه عَمَّنْ بانا ... . فتفتَّحتْ أضلاعُه أجفانا
وذلك النهر يجول في حلّة فضية تذهبها الشمس بكرة وأصيلا، ويجلوا صداها صيقل القمر ليلاً، ونهر عطفه خيلاً، ويسحب في تبختره بين الرياض ذيلاً، فتناديه تلك الأشجار على رسلك فـ (إنكَ لَن تَخرِقَ الأرضَ وَلَن تَبلُغَ الجِبَالَ طُولاَ) وتلقّانا في ذلك المقام جماعة من الأصحاب ما بين عرب وأروام قاصدين بلاد الشَّام، فتلاقينا بالتحية والسلام، وجمعنا بين السلام والوداع، وذيّلنا الافتراق من ذلك الاجتماع، وأنشدتهم والقلب بالفراق منكوي، والجسم على نيران الفؤاد محتوي، لفخر الرؤساء الشريف الرَّضيّ الموسويّ:
والدمعُ تنحدرُ من الآماق ... وتفورُ من جوانبِ الأحداقِ
أيها الرائحُ المجد تحمَّل ... حاجةً للمتيمِ المشتاقِ
وأقرِ عني السلامَ أهلَ المصلى ... وبلاغُ السلام بعضُ التلاقِ
وإذا ما مررت بالخيفِ فاشهدْ ... أنّ قلبي إليه بالأشواقِ
стр. 74
وإذا ما سئلت عني فقُلْ ... وما أظنّه اليوم باقِ
ضاع قلبي فأنشده لي بين جمعٍ ... وَهَى عند بعض تلك الحِداقِ
وابكِ عني فطالما كنت ... من قبل أُعير الدموع للعشّاق
ثم ترحلوا عنا، وأشأموا وأتهمنا، والشوق بالجوانح مكتنف، والدمع من الآماق منذرف، والقلب ذاهب معهم لم يستقر ولم يقف، فضارعت مرامه، وأنشدت أمامه:
لله أي هوىً برامهْ ... حيث القلوبُ المستهامَهْ
لم يبقَ قلبٌ في الحمى ... إلاّ وقد أعطى زِمامَهْ
بالله يا حادي القلوب ... إذا رجعتَ مع السلامَهْ
فاخدَعْ فؤادي علّه ... يرعى لمنزلِهِ ذِمامَهْ
فلما مضى من ليلة الاثنين عاشر شوال، مقدار أقصى ما يوصى به المريض من
стр. 75
المال، حكمنا على معزول السرى بالاستعمال، ومتواني السير بالاستعجال، ولم نزل نجهد في سلوك مهامة تجمع بين النفس والجزع، وتتصيد عنقاء البسالة في شرك الفزع، ونصعد أنف كل تنوفة وثنية، ونعقد لجهاد كل ماذق ومارق أفضل نية ما بين غابات أشجار تضيق الأنفاس، أحسن أنواعها البُطْم والبَلُّوط وشيء قليل من الآس، فقيّلنا بحدرة من جملة الهيش، بها بعض ماء حار وحشيش، وبتنا ليلة الثلاثاء بمكان من جملة جبال الوَرْسَخ، بين غابات محتبكة وجبال شُمَّخ، لا مغيث بها لمظلوم ولا مستصرخ، فبت ونيران الفؤاد لا تتبوخ، وغليله لا يروي ولا ينفخ، والصدر لا يتفسح من كربه بل يتفسخ، والضلوع تقصف من بعض ذلك وترضخ، والدموع تنضح صحن الخد وتنضخ، وأنا متمثل بقول القائل:
أحبائي ما لي بحياتي نفعُ ... مذ عزّ لشملنا بشت جمعُ
في الليل إذا أرّقني ذكركم ... أبكي أسفاً جهد المقل الدمعُ
وبقول الآخر:
стр. 76
الشوقُ إليكم شديدُ البَرْحِِِ ... والوجدُ يجلُّ شرحُه عن شرحِ
صبراً فعسى سماؤه أن تصحى ... لا بدّ لكل ليلةٍٍ من صبحِ
ثم رحلنا من ذلك المكان عندما شاب مفرق الليل، وولى من الصباح مشمر الذيل، وبرز الفجر من خبائه، وبسط على العالم رداء ضيائه، فما سرنا إلاّ قليلاً حتى تلقتنا عقبة الكولك، وهي عقبة عسرة المذهب وعرة المسلك، ضيقة المدارج متشعبة المناهج، متعددة الهبوط والصعود، متزايدة التهائم والنجود، كأن نجودها صعود إلى السماء، وأغوارها نزول إلى قرار الماء، فدخلنا بها في أمرٍ عظيم، وطريق غير مستقيم، وعذاب يوم عقيم، بينا نحن في عقاب عقاب إذا نحن في مهاد وهاد، وبينما نحن في رأس جبل إذا نحن في بطن واد. نهبط فنظن أن قد بلغنا من الأرض أدناها، ونرقى فنتوهم أن قد تناولنا من السماء سهاها، ونسلك سبلاً تحار فيها القطا، ولا تهتدي إليها الخطى، ويكثر من طارقها وأن ألفها الخطأ، فهي كما وصفها أو نظيرها مولانا المقر الكريم، مولانا السيد بدر الدِّين عبد الرحيم بقوله:
стр. 77
كم عقاب في عقابٍ ... دونها مَرَّ السّحابِ
ليس للطير رُقْيا ... فوقها حتى العُقَابِ
حال من يرقى إليها ... كرقيٍّ في اضطرابِ
كادَ أن يكن من يرقى ... إليها لمسَ الشهابِ
حارت الأفكارُ فيها ... بين هاتيك الشعابِ
وانثنى العقلُ ضليلاً ... بأسى تلك الهضابِ
وربا الكربُ ازدياداً ... مُذْ بدتْ تلك الروابي
ودموعُ العين تجري ... بجفانٍ كالجوابِ
يسدر المرء فلا يقوى ... على ردّ الجوابِ
وإذا يهوي انحدارا ... صار في أقصى الترابِ
كم سقيطٍ صار منها ... في أفانين العذابِ
من يقمْ منها صحيحاً ... كان في أفْقِ التحابي
стр. 78
فعُدُول المرءِ عنها ... أبداً عينُ الصوابِ
ورأينا بهذه العقبة أشجار صنوبر كالسواري، يُتَّخذ منها أعظم ما يكون من الصواري، والبعض منها ساقط منعجر كأعجاز نخل منقعر كما ضرب به النبي الصادق مثل هلاك المنافق. وفي وداتها ماء يجري من الثلج، يتكسر ويفج من كل فج، وبها مكان بين جبلين منتصبين كالجدارين لا يدرك الطرف أعلاهما ولو احتد، ولا يرقى مبلغ الطير أدناهما ولو اجتهد وجدّ، يجري بينهما ماء كثير عذب زلال ثجاج نمير وبه نسيم يداوي السقيم، ونبت أريج من كل زوج بهيج، فيا له من منظر ما أبهاه وأحسنه وأفرجه وأزهاه، يرتقى منه إلى سفح أحدهما في عقبة كؤود، ذات صخرات سود، ومسالك لا تتسلق فيها القرود، ولا يمر بها الفئران إلاّ وهي في صورة الحيران في غاية الخوف والرجفان. أصعب الطرق والمذاهب، وأحزن السبل على ماش وراكب، فلم نزل نخبط في سهل هذا الجبل ووعره، ونخلط سيراً ترابه بصخرة، ونشقّ أعطافه شقاً، وندق جنادله بالحوافر دقاً، مكتنفين الفزع ملتحفين الجزع، إلى أن جزمتنا عوامله بالحذف، ومنعتنا علاته من الصرف، وأسفر لنا وجهه العبوس، ومحياه الذي في مشاهدته البؤس، عن مكان واسع، به بعض ماء نابع وربيع مريع رائع، وهناك للوزير بير باشا خان وعمارة وجامع، لكنها الآن خراب مأوى للبوم والحشرات والذئاب، فاسترحنا به ساعة دون أن نحلّ عن الدواب، ثم سرنا إلى منزل به ربيع، وماء عيون جريها ليس بالسريع، فقيلنا به ثم سرنا في ربوات ووهدات وأنهار، حتى انهار جميع بناء ذلك النهار، فحين حان الغروب، وآن
стр. 79
لقرص الشمس الوجوب، واتصفت صلاة المغرب بالوجوب، نزلنا بشط نهر في غاية الاتساع، شديد الجري والدفاع، أكثر في الارتفاع من مائة ذراع، ويحاذيه مرج أفيح ومسرح ومشرح، وربيع يجول
فيه الطرف ويمرح، وهو بالقرب من آق كبرى ومعناه الجسر الأبيض بالعربيّة، وهو آخر ما كانت تحكمه الجراكسة وأول البلاد القرمَانيّة، فبتنا بشط ذلك النهر ليلة الأربعاء ثاني عشر الشهر، وهناك هواء شديد، وبرد ما عليه من مزيد، حتى خُيِّل لنا أن الشتاء عاد بأنوائه والبرد رجع بأدوائه، فاشتكت منه الأسنان ورجف الجنان، وقعدنا تحت الرعدة ننتظر الفرج بعد الشدة، ثم رحلنا منه:
والبدر يَجنحُ للغروب كأنه ... قد سلَّ فوقَ الماء سَيْفَاً مُذْهبَا
ثم برق من الفجر نوره، ولاحت من الصباح تباشيره، فسرنا في مخاضات وطلعات ونزلات (إلى أن ترافع النهار وتعالى، وتتابع حرّه وتوالى)، وقيّلنا ذلك النهار بمكان بشط بعض تلك الأنهار. ثم سرنا فجزنا على بساتين بها فواكه وزيتون، وشذى يفوح من أشجار زَيْزَفُون، ونزلنا بمكان به مياه ومرج، وبالقرب منه جبال من ثلج، فحصل فيه برد شديد وريح بارد، ومطر يقوى ويضعف لكنه متوال متوارد، فقطعنا تلك الليلة بين همل وهطل، وعطاء من السحب لا يكدره مطل، ورقصت القلوب لتصفيق الرياح، وفقدت النفوس الروح والخواطر الارتياح، وطال الليل مع أنه قصير الذيل، كما قال أبو المعالي الحظيريّ:
أقول والليل في امتدادْ ... وأدمعُ الغيثِ في انسفاحْ
стр. 80
أظنّ ليلي بغير شكٍ ... قد بات يبكي على الصباحْ
هذا والشمس في آخر برج السرطان، والصيف قد ألقى على الأرض الجِرَان، وحكم في الوجود بقوة السُّلطان، فكان كما قال مولانا المقر الكريم الشيخي الإمامي البدري السيد عبد الرحيم:
جَادَتْ لنا الأنواء مغدِقَةً ... والصيفُ أقبلَ مسرع الجري
فكأنمّا شمسُ الضّحى خرّفتْ ... فتشبّه السرطانُ بالجدي
ومما قلته:
نوءُ الشتاءِ وبردهُ وافى وقد ... حكمَ المصيفُ بقوةِ السُّلطان
فلعلّ هذا الدهرَ أمسى ذاهلاً ... فأتى بنوء الجدي في السرطانِ
فلمّا طلع الفجر ولاح، وضربت بشائر الصباح، عزمنا على التبكير بالسير والتَغْليس، وذلك ثالث عشر شوال يوم الخميس، فوصلنا مدينة أرْكلي والشمس مستوفية اللألاءِ مرتقية درجة العلاء، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء. وهي مدينة
стр. 81
صغيرة، وبها بساتين وأشجار كثيرة، وفيها جامع لطيف بالدفوف الثقيلة مفروش، وبه منبر لعله من الخشب لكنه مستور بالجص المنقوش، وبه تختات مرتفعة زيادة فيه كالسدة، لكنها أكثر من نصفه تسع من المصلين عدة، وأقمنا به من ذلك الوقت إلى العصر، ثم سرنا إلى الخيام بعد أن دعا لنا جماعة ممن حضر الصلاة والإمام، وخارجه منارة عالية ذات طول مديد، وهي مفردة في المدينة تُرى من خارجها من نحو نصف بريد، والبرد فيها موجود، والقطر غير مدفوع ولا مردود، ولا يدرك بها من الزرع شيء كالقمح وما شابهه، ولا غير القراصيا من جنس الفاكهة، وهي شقراء وبعضها شقة بيضاء وشقّة حمراء، فنزلنا خارج المدينة بمرج أفيح، فيه للطرف مسرح وللخواطر مسنح، زكي المرابع (زهي المراتع)، يجري إلى جانبه نهر نهاية في العذوبة والخصر، فارتاحت الأنفس من الحَصْر والألسن من الخضر، ونسيت بحلاوة اليوم ما مرّ بالأمس، وباشرت الملاذ بالحواس الخمس، فأقمنا بقية ذلك النهار ثم ليلة الجمعة رابع عشر الشهر إلى وقت الاستغفار، وانقطع منّا فيها لمواصلة السير جماعة، منهم الشيخي البرهاني ابن جماعة، ثم سرنا من ذلك المكان وقد:
كحّلَ الفجرُ لنا جفنَ الدّجى ... وغدَا في وجنةِ الصبحِ لثاما
تحسبُ البدرَ مُحَيَّا ثَمِلٍ ... قد سقتهُ راحةُ الصبحِ مُداما
قونية
ولم نزل نسير ونسري، وننزل منازل لا نعلم اسمها ولا ندري، حتى سرينا
стр. 82
ليلة الأحد سادس عشر الشهر سروة فوصلنا مدينة قُونِيَة ضحوة، والشمس قد اكتسبت بعد ضعفها قوة، وانجلت في حللها المذهبة أجمل جلوة، وارتقت من أوجها ذروة، وارتفعت عن مشرقها قدر غلوة، ومن متن برجها صهوة، وكست الأرض والجبال من رونق ضيائها أحسن كسوة، ومدينة قُونِيَة مدينة غرّاء وأرض خضراء، ذات تربة زكية، ونفحة ذكية، ورياض أنيقة،
وأشجار نضرة وريقة، ومحيا صبيح، وترتيب مليح، أسواقها مرضية، وخاناتها فضيّة، ومساجدها وضيّة، وعيشتها رضية، وزمانها ربيع، وجنابها رفيع، ونسيمها وان، وجنانها دان، وقاطنها بحبها عان، وليس لها في مزية الحسن بين البلاد القرمَانيّة ثان، وبها مساجد متعددة، وعمارات متجددة، وجامع عتيق، ذو معهد أنيق، وبناء وثيق، ومقام رجل مشهور بالولاية يقال له ملا خنكار، يقام عنده وقت كل جمعة يضرب فيه بالدف والمزمار، ويحيط بها سور عظيم، ذو بناء قديم، به شخوص وأشباح، وجسوم تكاد تنطق لولا فقدها الأرواح، وعلى بعض أبوابها صورة إنسان، متصلة أقدامه ببعض حجارة البنيان، فهذا هو المنكر الذي لا نرضاه ولا حول ولا قوة إلاّ بالله، وهي الآن سرة بلاد قرمان، وقد كانت تخت الملك في قديم الزمان، وقد انتشأ بها جماعة من الصُّوفيّة، ومن أئمة الفقهاء الشَّافِعيّة والحنفيّة، ومنهم شيخ الإسلام فخر القضاة والحكام (القاضي علاء الدِّين وولده العَلاَّمة محبّ الدِّين وشيخ الصُّوفيّة الإمام صدر الدِّين أعاد الله تعالى من بركاتهم علينا وعلى المسلمين)، فنزلنا خارجها بمرج من تلك المروج، به ربيع تمور به الريح وتموج، وبعض غدران مياه
стр. 83
يخصب بها روض الحياة، وتسحب ذيل صفائها على صفاء ذلك المحل وحصاة، كما قيل:
وضاحيةٍ وردْتُ بها غديراً ... يقدَّر من صفاءِ الماءِ أرضا
كأن الوحشَ حين تغبُّ فيه ... يقبّلُ بعضَها للشّوقِ بعضا
فأقمنا به بقية يوم الأحد، ثم ليلة الاثنين بالكمال، ثم عزمنا وجه الصبح المسفر عن سابع عشر شوال، على الترحل والانتقال، والتحول والارتحال، فلم نزل نجوب في فياف ومهامة، ونجول بين أنهار ومنازه، ورياض قد تولاها الولي، ووسمها الوسمي، وجمشتها نسمات الرياح، وأظلتها رايات الصباح، وغازلت كواكب الفجر عيون نرجسها الوقاح، وباكرت الصبا تقبيل ثنايا نورها:
من قبلِ أن ترشُفَ شمسُ الضحى ... ريقَ الفؤادِ من ثغورِ الأقاحِ
إلى أن نزلنا بمرج متسع الساحة، كبير المساحة، مرتع النواظر، ومتنفس الخواطر، تسفر كل ناحية منه عن خد روض أزهر، وعذار نبت أخضر، وتبسم عن ثغر حَباب في نهر كالحُباب، وترفل من الربيع في ملابس سندسيات، وتهدي نوافح مسكيات، وتزهى من بهجتها بأحسن منظر، وتتيه بجلباب أينع من برد الشباب وأنضر، فقيّلنا به ذلك النهار، ونقعنا الغُلَّة من الماء البارد، ونفعنا العلة من النسيم المعطار، ولم نزل نسير بين تلك الأزهار والأنهار، في العشايا والأبكار، حتى
стр. 84
وصلنا ضحوة الأربعاء تاسع عشر الشهر للمدينة البيضاء، وهي التي تسمى عندهم بآق شَهْر، وهي مدينة لطيفة، حسنة ظريفة، من أنزه المدن القرمانيّة وهي آخرها، وألطف البلاد العثمانيّة وأخيرها، مبيضة كسقيط الثلج، مصطفة كبيوت الشطرنج، ذات مياه خصرة، وبساتين خضرة عظيمة المنازه، كثيرة الغلات والفواكه، يجلب منها الفاكهة إلى ما يحاذيها من البلاد الرُّوميّة حتى إلى المدينة العظمى القُسْطَنْطِينيّة، ويخترق أرجائها نهر سلسال، كدمع المهجور إذا سال:
يُظَنُّ به ذوبُ اللُّجينِ فإن بَدَتْ ... له الشمسُ أجرت فوقَهُ ذوبَ عَسْجَدِ
وبها أسواق معمورة، بالخيرات الموفورة مغمورة، ومساجد عظيمة، وحمّامات
قديمة، وعمارة بظاهرها بها مسجد للجمعة معظم، منسوبة لحسين باشا الوزير الأعظم، وتكيّة ينزلها المسافرون، ويحلّها المتفقهون القاطنون، وليس لها سور ولا حصار معمور، وهي من أرخا هذه البلاد لسعة رزقها ونزرة خلقها وكثرة مغلها وقلّة أهلها وكثافة غيطانها وخفة قطانها، وبها على دون مرحلة بركة كبيرة بها، بعض مراكب صغيرة، يُصَاد بها منها السمك الكبار والصغار، ويُجْلب إلى ما حولها من الأقطار، فنزلنا بها بمصلى العيد، وهو منزل بديع غير بعيد، قد راق فيه الماء، ورقّ
стр. 85
به الهواء، وسفر له الدهر عن محياه، وتبسّم له الزهر وحيّاه، وأحدقت به البساتين أحداق الهالة بالقمر، والأكمام بالزهر، وامتدت له بطحته الخضراء امتداد البصر، وبالقرب من هذه المحلة والمنزلة، مقام خجا ناصر الدِّين المشهور عندهم بالولاية والوله، وله عندهم حكايات مضحكة تدل على التغفل والبله، نظير ما يحكى عن مصحفة جُحَا، وكلاهما من المغفلين الصلحاء، فأقمنا بها إلى وسط النهار، ووقت الزوال والإظهار، ثم أخذنا نجوب ونجول في وهاد وتلول، ووعر وسهول، وفياف وقفار، وربيع وأزهار، ولم نزل نسري ونسير ليلاً ونهاراً، ونجدب بالنجب الفيافي أصالاً وأسحاراً، وتغيب عنّا الشموس والأقمار فنتخذ من المشاعل والفوانيس شموساً وأقماراً، إلى أن وصلنا إلى مدينة قَرَا حِصَار يوم الجمعة حادي عشر الشهر وقت الإبكار، وقد نشر علم الشمس الأصفر، وتخلق الكون بردعها المُعَصْفَر، وأشرق وجهها الأشقر في الآفاق وأسفر، وهي مدينة مستظرفة بين جبال مستلطفة، وعلى جبل صغير عال في وسطها قلعة منيعة، بديعة رفيعة، أمينة حصينة، علية مكينة، سمية متينة، سوداء الحجارة وبها تسمّت
المدينة، وعلى هذه المدينة بساتين كثيرة ومياه غزيرة، وبظاهرها مرج أريج، ذو نبت بهيج، فسيح الرحاب، رحب الجناب، كثيرة الكلأ والعشب، زائد الري
والخصب، يسافر
стр. 86
النظر فيه، ويرتاح بمرائيه، وبها أسواق جميلة، ومساجد جليلة، وعمارة حسنة متسعة، بها مسجد معظم تقام فيه الجمعة، فجمعنا بها فية الجمعة مع العصر، وجمعنا بين الإتمام والقصر، وأول ما شاهدنا في تلك البقعة طرائق الرُّوم يوم الجمعة، وهو أن يصعد المؤذنون المنارة يعلمون بالصلاة ويصلون ويسلمون على سيدنا رسول الله، ثم لا يصعد بعد ذلك إلاّ واحد للأذان، ثم يشرع المقرئون على السدّة واحد بعد واحد في قراءة القرآن، وبعد الفراغ من القراءة والختام ينشد منشداً أبياتاً بالتركي أو العربي بأواز وأنغام، فكان ما حفظته مما أنشده يومئذ قوله:
لي حبيبٌ عربيّ ... مَدَنَيّ قُرَشَي
وجهه في نظري ... كلّ صباحٍ وعشي
ثم يصلون السُّنَّة ثم يصعد الخطيب ويفعل أفعالا كثيرة بعضها مخالفة للسنّة من ذلك عدم الاتكاء على سيف ونحوه ثم تركه السلام، ثم الخطبة بأوازٍ عال وأنغام، ثم الدق على درج المنبر بالرجل حالة الهبوط والصعود، ثم الالتفات يميناً وشمالاً في القيام والقعود، وكان نزولنا خارجها بذلك المرج، بعد أن أحطنا علماً بالدخل منها والخرج. واجتمعنا هناك برجل جاء بعدنا في البحر من أهل الشَّام، فاستخبرناه عن الأهل والأصحاب فأخبرنا بأنهم طيبون وبلغنا منهم السلام، فزاد تحريك وجد لم يكن بالساكن، وأكد مؤكد شوق لتلك الأحباب والأماكن، ففاضت الدموع من الأجفان، واشتعل القلب بالنيران، وتمثلت قول بعضهم في
стр. 87
هذا الشأن:
يا ساريَ الليلِ هل من رامةٍ خبرُ ... فإنني لسواه لستُ أنتظرُ
بالله ربِكَ أخبرني فها كبدي ... تكادُ من ذكرهم بالوجدِ تنفطرُ
أحبابُ قلبي وأخواني وأهلُ مني ... روحي إذا طَربْتُ والسمع والبصرُ
أعندكم أنني من بعدِ فُرْقَتِكم ... لا استلذّ بما يهوى له النظرُ
ترى أراكم على بانات كاظمةٍ ... والعذلُ قد غاب والأحبابُ قد حضروا
ويجمعُ الله شملاً طالما لعبتْ ... به الليالي ولم يسعفْ به القدرُ
ثم رحلنا من ذلك المكان بين الصلاتين والدموع تسقي تلك الأباطح، والأنفاس تتصعد من لهب الجوانح، فما سرنا إلاّ يسيراً من ذلك المكان حتى مررنا بحمام حامي المياه بغير إسخان، ولم نزل في حث السير والسرى، وعصيان الراحة وودع الكرى، وجول مهامة وبراري، وجوب فياف وصحاري:
ألوي الضّلوعَ من الولوعٍ بخطرةٍ ... من شَيْمِ بَرقٍ أو شميمِ عَرارِ
وأُنيخُ حَيْثُ دُمُوعُ عَيني مَنْهَلٌ ... يَروي وحَيثُ حشايَ موقدُ نارِ
стр. 88
فلم نزل في حط وترحال، ووَخْد وإرْقَال، إلى أن وصلنا إلى محلة ابن أوكي وقت الضحى العال، من يوم الأحد ثالث عشرين شوال، وهو مرج كبير ذو عشب كثير، قد بسط الغيث به بساطاً أخضر، بحيث لا يكاد شيء من سواد أرضه يُرى، وبجانبه قلعة لطيفة منقورة في جبل عالية الموضع سامية المكان مرتفعة المحل، وهو معد لرعي الخيول السُّلطانية وتربيتها وإصلاح شأنها وتنميتها، وبأسفله اصطبلات برسم تلك الخيل تُصان بها وتأوي إليها في الليل، ثم رحلنا وقت الظهيرة من تلك المحلَّة المذكورة، ولم نزل نسير وقد جَدَّ المسير، وحمى الهجير، وكاد أن يبلغ الغبار الكثير الفلك الأثير، فلما تضمخ جيب الأصيل بالعبير، وسقطت الشمس من الغرب على خبير، بعد أن عراها من خوف هول ذلك الحال اصفرار، وأعقبت من شفقها في الأفاق لون الاحمرار، وصلنا حينئذ إلى محلة أرمني بازار، وهي قصبة حسنة العمارة، بها مسجد لطيف ومنارة، فنزلنا بظاهرها منزلاً تشتهيه الأنفس وتلتذه الأعين، وتسبح من حسنه الأفواه والألسن، فسيح الأرجاء، واسع الأنحاء، صحيح الهواء، به أعين زائدة الخصر والعذوبة، فوق الغاية المطلوبة والحالة المرغوبة، وبتنا في مقعد هناك معظم عال، مركب
على عين تجري بماء عذب زلال، فلما ابتسم ثغر الأفق بعد الوجوم، وفاض نهر المجرة على حصباء النجوم، نبهنا أيدي المطي عن سنة السكون، وحركنا منها ما كان مبنياً على السكون، ورحلنا من ذلك
стр. 89
المكان المركب على العين صبيحة رابع عشرين الشهر، وهو يوم الاثنين في وهاد وتلال، وحجارة ورمال، وغياض وأشجار، ومياه كالأنهار، ودَرْبَنْدَات هنالك وعرة المسالك بعيدة المدارك، كثيرة الهبوط والصعود، والتهائم والنجود، والغبار يكحل بإثمدة الأبصار، فيكاد أن يفقدها حاسة الإبصار، ويدخل في الخياشيم، فيحول بينها وبين روح النسيم، ويكسو الأجساد ثياباً لم تعن فيها يد خياط، ولم يلج فيها سم الخياط، حتى يدع البياض سواداً، ويدر على الملونات من قتامة رماداً، فلم نزل نحثّ مطايا السير والسرى، ونُريق من كاسات العيون طلا الكرى، ونحن كما قال بديع الزمان، وعلامَّة هَمَدَان:
كأنا على أرجوحةٍ في مَسيرنا ... لِغَورٍ بنا تَهْوي ونَجدٍ بنا تَعْلو
كأن السُّرى ساقٍِ كأن الكرى طِلاً ... كأنّا لها شَربٌ كأنَّ المُنى نَقْلُ
كأنا جياعٌ والمطيُّ لنا فَمٌ ... كأنَّ الفلا زادٌ كأن السُّرى أكْلُ
كأنَّ ينابيعَ الثرى ثديُ مرضِعٍ ... وفي حِجْرها منِّي ومن ناقتي طِفْلُ
حتى وصلنا إلى مدينة ينكي شَهْر، يوم الثلاثاء خامس عشرين الشهر، وهي بلدة نضيرة لطيفة صغيرة، جميلة المنظر، جليلة المخبر، ذات أسواق موفورة، ومساجد معمورة، وخارجها نهر كبير، ذو ماءٍ كثير، عذب زلال نمير، خضناه وقطعناه، وركبناه وما رهبناه، واستصحبناه وما استصعبناه، وهو يلتوي تحتنا
стр. 90
التواء الصِلال، وينسل في تلك الأراضي أي انسلال، ويدور بجوانبها دور الهلال، ويتراءى بين الشقائق كأنه العذار في الخد الوسيم، ويلبس درعاً محكمة الزرد من نسج النسيم، كما قيل:
حاكَت الرِّيحُ على الماء زَرَدْ ... أيُ دِرْعٌ لقتالٍ لوْ جَمَدْ
فنزلنا بها بعمارة عتيقة، محكمة وثيقة، حسنة أنيقة، وكنّا قد سبقنا القوم في ذلك اليوم، ثم سرنا (إلى أن نزلنا) بمرج فسيح الأرجاء، واسع الفضاء، ذو مرعى غزير، وربيع كثير، ونهر كبير:
وقد غَشِىَ النّبتُ بَطحاءهُ ... كبَدوِ العِذارِ بخدٍّ أسِيْلِ
وقد ولَّتِ الشّمسُ مُجْتَثَّةً ... إلى الغربِ تَرْنو بطَرفٍ كَحيلِ
كأنّ سَناها على نَهْرِهِ ... بَقايا نَجيعٍ بسَيفٍ صقيل
وبتنا هناك مجاورين لذلك النهر، ليلة الأربعاء سادس عشرين الشهر، ثم رحلنا
стр. 91
منه عندما نصل خضاب الليل، وشمّر زنجيه للهرب من رومي الصباح الذيل، ولمع صارم الفجر من الشرق كلمعان البرق، وسرنا في دروب محجرة، ودَرْبَنْدَات مضجرة، وشعراء بالخوف مشعرة، وأرض خالية من الأنيس مقفرة، ومسالك عسرة وعرة، إلى عقبة ينخفض عنها طرف العقاب، ويعسكر دونها جيش السحاب، بها أشجار لا تعد ولا تحصى، ولا يدرك الأدنى منها والأقصى، فلم نزل نجوب كل مسلك وطريق، تارة في السعة وتارة في الضيق، إلى أن وصلنا وقت الضحى الأنيق، عند تعالي وجه الشمس الشريق، من يوم الأربعاء إلى مدينة أزْنِيْق، وهي مدينة عظيمة المنظر حسنة المخبر، ممتعة بالروض الناعم والنسيم الأعطر، من أحسن البلاد الرُّوميّة أزقة وأسواقاً، وأكثرها فوائد وأرزاقاً، وأوضحها بياضاً وإشراقاً، وأبدعها اتصالاً بالبساتين والتصاقاً، وأملحها مرسى، وأمنحها أنسا، وأينعها روضاً، وأترعها حوضاً، معتدلة الهواء، سامية البناء، واسعة الفناء، ساكنة المساكن، مكينة الأماكن، لائحة المباهج، واضحة المناهج، صافية الزلال، ضافية الظلال، معشبة الشعاب، عامرة الجناب، مرنة الرباب، هامرة السحاب، سابغة المدارع، سائغة المشارع، سافرة المطالع، وافرة الصنائع،
وهي مخصوصة بعمل الصيني الرُّوميّ وبه تعرف، وهو ألطف من معمول الصِّيْن وأظرف، وبها فاكهة كثيرة حسنة، وقد رأينا بها قراصيا ملوّنة ما بين بيضاء وشقراء
стр. 92
وسوداء وحمراء، وبخارجها بحرة كبيرة، وبها أسماك كثيرة، وقد جُسْت خلال هذه المدينة، وجُزت في أماكنها المكينة، ورأيت العجب من محاسنها الجمّة المستبينة، فدخلت بها جنة حفت من طرقها بالمكاره، وعقيلة عقلت قلب الطائع والكاره، ثم نزلنا بظاهرها على نحو نصف ميل، بمرج أريج وظل ظليل، قد نسجت به يد السحب بسطاً عجيبة التلوين، غريبة التكوين، نقوشها تفوق الحبر، ويكاد يضاهي الزّهر ما فيها من الزهر، فيا له من بلد ومنزل عزيز، بديع التفويف والتطريف والتطريز:
كلّ المنازلِ والبلاد عزيزةٌ ... عندي ولا كمنازلي وبلادي
فأقمنا هناك إلى وقت الظهيرة، حين قبض النهار ظله وبسط حروره (وهجر برده وواصل هجيره)، ثم قطعنا مرحلة قصيرة بين أشجار كثيرة ومياه غزيرة، وبتنا بساحة وادٍ حللنا به، بين ظُفْر التوحش ونابه، لا تعرف جنوبنا من المضاجع قراراً، ولا تطعم عيوننا النوم إلاّ غراراً، إلى أن قضي الليل نحبه، وغوَّر الصبحُ شهبه، ففوقنا سهام العزم، وأطرنا عن زنده شرار الحزم، وسرنا في دروب ضيقة المناهج، ودَرْبَنْدَات وعرة المدارج، ومفاوز ومهالك ومسالك يضل فيها السالك:
ومهامةٍ كالبحر لا أثرٌ ... للمقتفي فيها ولا سَنَنُ
لو سار فيها النَّجْمُ ضلَّ بها ... حيران لا شامٌ ولا يَمَن
стр. 93
تضيق من رؤيتها الصدور، وتنفر من وحشتها النفوس غاية النفور، كثيرة الأشجار، وغالبها لا ثمار له ولا أزْهَار، وهناك مكان يُعْرف باغش تنكز ومعناه بحر الشجر، لا يصدق وصفه عقل ويكفي شاهد البصر، وقلت:
عَهْدِنا البحرَ من مَاءٍ ... ولم نعهدْهُ من شجرِ
وليس العَقْلُ يقبل ذا ... ك ويكفي شاهدُ البصرِ
شهدْنا فيه أمواجاً ... من البلُّوطِ والشّمرِ
ومن أثْلٍ ومن ضالٍ ... ومن أرْزٍ بلا ثمرِ
وأجودُها إذا اعتبرتْ ... بلا نفعٍ ولا ضررِ
به سُفن ركبناها ... لنقضي نهمةَ السَّفرِ
من الخيلِ السوابحِ فيه ... بالآصال والبٍكَرِ
تسير بها مجاديفُ ... القوائم سرعةَ البصرِ
سنابكُها لها شررٌ ... كقدح الزندِ بالحجرِ
إذا أدجَت بعثيرها ... أعاضَتْ عن سنا القمرِ
стр. 94
فلم نزل نغوص في عبابه، ونرقى على ثبجه رقى حبابه، ونخلط بدك الحوافر جنادله بترابه، هذا وحكم الحرّ لم ينسخ، وإهابه لم يسلخ، والريح تهب سموماً، وتهدي إلى القلوب سموماً، والغبار متراكم متراكب، تكاد أن لا تبين معه الشمس فكيف الكواكب، مع أن الشمس ليس لها في ذلك المحل مواكب، ولا محامل ولا مراكب، ولا تبلغ من تلك الأشجار إلاّ رؤوس المناكب، ولا تنسج عليها إلاّ كنسيج العناكب، فما قطعناه إلاّ بعد جهد جهيد، وتعب شديد، وعناء ما عليه من مزيد، ثم لم نزل نقطع مسالك ضيّقة ومتسعة، ومناهج منخفضة ومرتفعة، نصعد على التهائم ونغور في النجود، ونسلك كل مسلك لم يكن بالمعمور ولا بالمعهود، ولا كان مسلكاً إلاّ للذئاب واللصوص والأسود، إلى أن وصلنا ضحوة يوم الجمعة المشهود، إلى بلدة أزنكميد ويقال لها أزنكمود، ثم نزلنا خارجها بنحو نصف ميل لكي نستريح ونقيل، ونخفف عنّا ذلك العبء الثقيل، بمكان خضر الأرجاء والنواحي، بهج المرابع والضواحي، وفيه ماء جارٍ، وأشجار جوز كبار، فقوي فيه الحرّ واشتد، واحتدم واحتدّ، واعتدى واعتدّ، وتمادى وامتدّ، وتنفست في ذلك
المكان الجحيم، وصار الماء أبرد منه ماء الحمام كأنما سيق من الحميم.
فبينما الناس في التهاف والتهاب، واضطرام واضطراب، وغرق من العرق، وحَرَق من الحُرق، وقد تستروا بظل فروع الأشجار والورق، واتخذوا أغصانها من سهام الشمس درق، وإذا بالحمزاويّ قد عزم على الرحيل والمسير، فضج من ذلك الصغير والكبير، واستنجد بي بعضهم في التواني قليلاً والتأخير، لتنكسر سورة ذلك السعير، وكنت قد رأيت رسول الله ﷺ في المنام قبل ذلك الوقت بيسير، فقلت
стр. 95
لهم: لا خوف إن شاء الله تعالى ولا حذر، ولا ضرّ ولا ضرار ولا ضرر، فإنّ النبي ﷺ مصاحبٌ لنا في السفر، فلمّا سرنا هبّت الرياح، فتنفست من تلك الكرب الأرواح، وعاودها الروح والارتياح، وكان هبوبها من طلائع الرحمة، ومقدمات كشف الغمة، ثم أبرقت السماء فسلت مذهب نصولها، ورعدت فضربت مبشر طبولها، وجعل السحاب يعبىء كتائبه، والرباب يرتّب مواكبه، ثم ترادف البرق والرعد، وأنجز بالإغاثة بالغيث الوعد، ثم صوّب صوب الغمام سهامه، ثم لبس الجو لحرب المحل لأمَه، فلم يبق قطر إلاّ وقد نفذت فيه تلك السهام، ولا أفق إلاّ وقد علاه من خيوط الوَدْق مثل القتام، ثم تتابع رشق القطر، واتصل الهمل والهمر، وسالت الأودية كالأنهار، وجرت السيول تحت أرجلنا متواترة التيّار، وانشقت السماء بصاعقة، لم تزل القلوب منها وجلة خافقة، وسقطت في البحر كالشهاب في سرعة مروق النشاب، ثم لم تلبث السماء أن أقلعت، والأرض أن شربت ماءها وبلعت، والسحب أن تكشفت وتقشعت، وعاد الفصل إلى طبعه، ورجع الوقت إلى وضعه، وكان النهار قد عزم على الرحيل، ورفل في برد الأصيل:
وبدا لنا تُرسٌ من الذَّهب الذي ... لم يُنْتَزَعْ من مَعْدن يتعَمُّلِ
مرآة تبر لم تُشَنْ بِصياغة ... كلا ولا جُليتْ بكفِّ الصَّيْقَلِ
стр. 96
تسمُو إلى كَبِدِ السماءِ كأنما ... تبغي هُناكَ دفاعَ خطبٍ مُعْضلِ
حتى إذا بَلَغتْ إلى حيث انتهتْ ... وقَفتْ كوقْفة سائلٍ عن مَنْزِلِ
ثم انثنتْ تبغي الحدورَ كأنها ... طيرٌ أَشَفَّ مَخَافةً من أجْدلِ
فوصلنا حينئذٍ إلى خان وسيع، في مرج وربيع، وعشب مخصب مريع، وعيون جارية، وبالقرب منه أطلال بالية، وعروش خالية، وآثار أسوار عالية، وقصور مستهدمة، تدلّ على أنها كانت مدينة معظمة، فنزلنا هناك ولم يحصل بحمد الله من ذلك المطر كبير ضرر، ولا عظيم أثر، بل خفف حر القلوب، وأزال تلك الكروب، ولبَّد المسالك والفجاج، من التراب الثائر والعجاج، فبتنا بذلك المحل بعد أن تفقدنا الأحمال، وأصلحنا الأحوال وذلك ليلة السبت تاسع عشرين شوال، فلمّا تَفَرَّى عن وجنة الأفق عذار الغيهب، وتتوج كسرى المشرق بالتاج المذهب، عزمنا على الترحال وشددنا على الدواب الأحمال، ثم سرنا فوصلنا إلى بلدة كثكثيبزه وقت الزوال، وقد بلغت الشمس من مرتقاها درجة الكمال، واستقامت مقيمة ميزان الاعتدال، وهي بلدة عامرة ذات خيرات غامرة ونعم ظاهرة (وأمم متكاثرة)، وبها أسواق متّسعة، وعمارة تقام فيها الجمعة، عظيمة الآثار مزدهاة، عديمة الأنظار والأشباه، منسوبة لمصطفى باشا الوزير ﵀، وبظاهرها مرج أفيح، للناظر فيه مسرح، وللخاطر مسنح ومشرح:
ولقد نزلتُ به وكفُ ربيعِهِ ... في نسجِ حُلَةِ نوره يتأنقُ
стр. 97
وشذا خيوطِ المزنِ يرسلها الحيا ... إبَراً وأكمامُ النباتِ تفتقُ
فأقمنا بذلك البلد بقية اليوم ثم ليلة الأحد، فلمّا أسفر نهاره، وحمدت آثاره وتكلم عصفوره وترنّم هزاره، وفاخر شيحه بعرفه عراره، حييناه بصلاة الصبح، وأملنا من الله الصلاح والنجح، وفارقناه غير مذمم، ويممنا إن شاء الله تعالى خير ميمم، وما زلنا ذلك النهار نساير السبيل حيث سار، ونأخذ تارة اليمين وتارة اليسار، بين
جنات معروشات وغير معروشات، وأراضٍ موشات بالربيع منقوشات، وبطاح وأدواح، ومروج فساح، وانبساط وانشراح، وبسيط له اتساع وانفساح، ومياه لها على درر الحصباء انسحاب وانسياح، وروضات يعترى ويعترض إليها اهتزاز وارتياح، ووجنات جنات ريقها نداً وثغورها أقاح:
وأرضٌ من الحصباءِ بيضاء قد جرت ... جداولُ ماءٍ فوقَها تتفجرُ
كما سَبَحت تبغي النجاةَ أرَاقِمٌ ... على روضةٍ فيها الأقَاحُ منورُ
إلى أن تداعى بنيان النهار في الانهيار، فوافتنا الرحمة من سائر الأقطار، بوافر الغيث ومديد الأمطار، فاستبشرنا وحُقَّ لنا الاستبشار ودخلنا حينئذ مدينة أُسْكُودَار، وداعي الفلاح يدعو إلى الصلاة الوسطى، فازداد القلب بذلك سروراً
стр. 98
وبسطاً، وأجبناه بصلاتها من غير توان ولا إبطاء، وأُسْكُودَار بلدة لطيفة حسنة ظريفة فسيحة الأرجاء، صحيحة الهواء، ضوؤها صقيل، ومجتلاها جميل، ونسيمها أرج النشر عليل، يمتد أمامها بسيط أنضر، وبساط أخضر، قد أجرى الله فيه مذانب الماء تسقيه وتحتف بها بساتين ملتفّة الأشجار يانعة الثمار، والبحر الأعظم القُسْطَنْطِينيّ ينساب بين يديها، وينعطف عليها، ويحنو إليها، ويعنو خاضعاً لديها، وبها مساجد وضيّة وعمارات فضيّة وأسواق حسنة وخانات مستحسنة، ومنها يُركب في المُعدّية إلى المدينة العظمى القُسْطَنْطِينيّة، فعدى الحمزاويّ بالخزانة ومن معه من القوم بعد العصر من ذلك اليوم، واستخرت الله تعالى في الإقامة بها بقية اليوم، وهو يوم الأحد ثم من تلك الليلة إلى الغد، فنزلت بمن معي بعمارة هناك على الساحل، وأرحنا الأبدان والرواحل، فتلقّانا خادمها بالتأهيل والترحيب، وأنزلنا في مكان بها متسع رحيب، فلمّا أسفر وجه الصباح وحَيْعَل داعي الفلاح واستنار وجه المحجة بعدما كان بسواد الليل منتقباً، وابتهجت الأنفس بقدوم فجر كان مرتقباً، وتخلق الكون بردع الشمس، وحُمد ظهورها في ذلك اليوم كما حُمد
بالأمس، ورد علينا مشرف شريف، وكتاب عال منيف، من مولانا وسيدنا المقر الكريم الإمام العَلاَّمة شيخ المسلمين السيد عبد الرحيم، مضمونة الاعتذار عن عدم تلقيه بحمى شديدة بنافض تعتريه، وأنه هيّأ لنا منزلاً، ولكن ننزل في عمارة
стр. 99
السُّلطان محمد أولاً، حتى يجتمع بالوزير مولانا إياس باشا، ثم يستأذنه في النزول بذلك المكان أو حيث ما شاء، وصدَّر الرسالة بقوله الحمد لله وهو على جمعهم إذ يشاء قدير:
وقدْ يَجْمَعُ اللهُ الشّتيتينِ بَعدَمَا ... يَظُنَّانِ كلَّ الظَّنّ أن لا تَلاقِِيَا
مرحباً بالحبيب ابن الحبيب السيد ابن السيد الحبر الأريب، ذي المجد والمفاخر المأثورة، والجد والمناقب المشهورة، إمام المؤمنين وشيخ المسلمين:
قدِمتَ خيرَ مَقْدَمٍ تحمدُهُ ... ويُمْنِ طالعٍ كذا تشهدُهُ
يا خير من خُلف عن خير خَلف ... ما زلتَ تحيى ما حيا سحب درف
قرّت ببقياك عيون البَشَرِ ... كما لها درّت عيونُ البِشْرِ
زينك الإله ذو الجلالِ ... بحليةِ الجمال والكمالِ
ليس يُرى لمجدك انصرامُ ... ما كرت الشهورُ والأعوامُ
ففعلنا كما أشار، وصعدنا المُعدّية عصر ذلك النهار، وهو يوم الاثنين مستهل شهر ذي القعدة، تفاؤلاً بأن الحظ قد أبرز سعده، والسعد قد أنجز وعده، وأنّ الوقت لنا إن شاء الله تعالى في إقبال، ونجاح سعي وبلوغ آمال، فلما ارتقينا من ذروتها أعلاها،
стр. 100
قلنا لأصحابنا (اركبوا فِيهَا بسمِ اللهِ مَجْراها ومُرْسَاها)، ثم أُرخي شراعها، ورُفعت مرساها، وسارت بنا في ذلك البحر العُبَاب، تحسبها جامدة وهي تمر مرّ السحاب، وتمثلت بما قال بعض أهل الآداب:
تأمل حالَنا والجوّ طلقٌ ... محياهُ وقد طفَل المساءُ
وقد جَالَت بنا عذراءُ حبلى ... يجاذِبُ مِرْطَها ريحٌ رخاءُ
ببحرِ كالسّجَنْجَل في صفاءٍ ... تُعاينُ وجهَهَا فيه السماءُ
القسطنطينية
ولم نزل نسير ونحن جلوس، وهي تتبختر بنا تبختر العروس، وتجول بنا خلال ذلك البحر وتجوس، تارة بإبطاءٍ وطوراً بإسراع، وحيناً بمجاديف وآونة بأشراع، وذلك البحر قد راق نعتاً، ورق وصفاً، والأمواج به تعطف صفاً وتنقصف قصفاً، وتأتي خاضعة إلى البرّ فتقبل منه كفا وتتيه آونة فتنعطف عنه عطفا وتثنى عن الإلمام به عطفاً، وتستحي تارة فتبدي له تملقاً ولطفاً، إلى أن أرسينا بمرسى قُسْطَنْطِينيّة العُظْمى، ذات المحل الأسمى والحمى الأحمى، فتلقانا الأمين سِنَان جلبي أمين الصقالة، وعظّمنا وأجلّنا غاية العظمة والجلالة، وأحلّنا منزلته وحلاله، وكان مولانا السيد أسبغ الله ظلاله، وختم بالصَّالحات أعماله، قد أرسل
стр. 101
إليه بسببنا رسالة، وأزاح عنه بمعرفتنا الجهالة، فحييناه بالتحية والسلام، ودخلنا المدينة بسلام، وذلك حين نشر الأصيل رداءه المذهب، وتقوّضت خيام الضياء ومدت سرادقات الغيهب:
والشّمسُ تَنفضُ زعفراناً في الرّبا ... وتمدّ فوقَ الماء سيفاً مُذْهَبَا
ومعلوم أنّ هذه المدينة دار الطمأنينة وقاعدة الرُّوم وأم المدائن ومقر الملك، ومركز دوران الفلك، ومحطّ الرحال، ومآل الترحال، ومعدن الفخار، وموطن الرؤساء والكبار، ومنبع الإقبال، ومربع الآمال، ومنتهى المقاصد والمطالب، ومشتهى القاصد والطالب، ومظهر شموس السعادة، ومقر جيوش السيادة، آيات محاسنها لم تزل بألسن السمّار متلوة، وعرائس بدائعها لم تبرح على أعين النظّار مجلوّة، من أجلّ ما فُتٍحَ من البلاد، وأعظم ما استخلصته يد الصلاح من الفساد، كم خطبها عظيم من ملوك الزمان، وأمهرها مواضي المشرفيّة وعوالي المران، وهي أشدّ ما يكون إباءً وأقوى ما يمكن منعه واستعصاء إلى أن قصدها من ادخر
له ذلك الفتح في خبر طويل الشرح، وهو المرحوم السعيد الشهيد السُّلطان محمد خان بن مراد خان، ووالد السُّلطان بايزيد بوأهم الله غرف الجنان، بمزيد العفو والغفران، وذلك في سنة سبع وخمسين وثمانمائة، فذلّت له صعابها، وخضعت لسطوته رقابها، ولان جماحها وتسنى انفتاحها وأعلن فيها بالتهليل والتكبير، وصُرح فيها بالصلاة على البشير النذير، وقامت بها قامات المنائر، وارتفعت فيها درجات المنابر، وأخرست
стр. 102
النواقيس، ونطق بالتأذين على رغم إبليس، وخُطَّت بها المساجد والمدارس، وعمرت بأوقات الخيرات بعدما كانت دوارس، ونصب الدِّين المحمدي خيامه، ورفع الشرع الأحمدي على قللها أعلامه، وبُدلت من الإنجيل بالقرآن، وعُوضت من الرهبان بعلماء الايمان، فأصبحت شموس الدِّين بآفاقها مشرقة، وسحب اليقين بجنباتها مغدقة. وبها من الأئمة الأعلام، وعلماء الإسلام، من العرب والعجم والأرْوَام، ما يتجمّل به الزمان، ويفتخر به العصر والأوان. ومن الجنود الوافرة والأمم المتكاثرة ما يُعزّ به الدِّين ويذلّ به الطغاة المعتدين والبغاة المفسدين، وسنذكر فيما بعد إن شاء الله تعالى بعضَ من اجتمع بنا من أعيانها وأهليها وقطّانها. وبها من المساجد والجوامع، التي هي لأنواع الخيرات جوامع، ما تقرّ به أعين الموحدين، وتزداد به عبادة المتعبدين، ومن العمارات العظيمة ذات الصدقات الجسيمة والمبرات العميمة ما هو جار أجره إلى يوم الدِّين، ويشهد لفاعله أنه من المحسنين المهتدين. ومن أجلّها المساجد الإحدى عشرة الفائقة المتقاربة المتلاصقة، البديعة الحسنة الرائقة، المنسوبة إلى السُّلطان محمد المشار اليه، أسبغ الله تعالى ملابس رحمته ورضوانه عليه، وهي المدارس الثمانية اللاتي مدرسوها أعظم مدرسي الرُّوم، ولكل منهم أجزل أجر وأجل معلوم، والتاسعة العمارة التي يطعم بها الفقهاء والمتفقهون، ويحلها وينزل بها المقيمون والقاطنون، والمسافرون والظاعنون، وتجري عليهم الأطعمة صباحاً
ومساءً، ويعم خيرها من لا يحصى رجالاً ونساءً، والعاشرة الجامع المعظم السامي الرفعة، المتسع الرقعة، التي تقال فيه الخطبة، وتقام فيه الجمعة، ويجرى في هذه الأماكن من الخيرات ما لا يمكن حده، ولا يحصر عده، والحادية عشرة المارستان وهو مدرسة على كيفية
стр. 103
العمارة. وبها امام مراتب وبجوانبها الحجرات المتعلقة بالمرضى، وهو من أعجب الأشياء لا يُرَى أحسن منه بناء، ولا أبدع إنشاءً، ولا أكمل انتهاء في الحسن وانتماء، ولا أكثر خيراً، ولا أحسن شرباً وميراً، وفيه من قناطير الأشربة والأكْحَال الرفيعة المطيبة، والأدوية الحسنة المعجبة، وسائر المعاجين المعمولة على القواعد الطبية والقوانين إلى ما يضاف إلى ذلك من لحوم الطيور والأغنام على اختلافها وتباين أصنافها، مع ما يحتاج إليه كل واحد ممن يوافيه ويحلّ فيه من غطاء ووطاء، ومشموم ومدرور وشبه ذلك على ما هو معد على أكمله هنالك، وقد رتب على ذلك كله من الأطباء الماهرين والشهود المبرزين والنظّار العارفين والخدّام المتصرفين كل ماهر في معالجته، موثوق بعدالته، مسلّم إليه في معرفته، غير مقصر في تصرفه وخدمته، ويحصل منه كل يوم من التفرقة على الصادرين والواردين ما لا يدخل تحت ضبط حيسوب، ولا يحيط به دفتر ولا مكتوب، وفي مبانيه الرائقة، وصناعاته الفائقة، وطرره الرهيبة ونقوشه العجيبة المنتخبة التي ترفل في ملابس الإعجاب، وتسحر العقول والألباب، ما يفتن النفوس، ويكشف البدور والشموس، ويعجز عن وصفها خطات الأقلام في ساحة الطروس.
وأمّا مسجدها الأعظم أيا صوفيا الذي كان كنيستها العظمى فهو من أعظم معاهدها وأجلّ مشاهدها، يحار النظر فيه، وينحسر دون تصور قوادمه وخوافيه، ذو أبنية غريبة جميلة، وأعمدة عجيبة جليلة، وقبّة عظيمة محيرة للعقل في التربيع والتسديس والتثمين والتدوير والتقويس، فكم من بناء داخل بناء وقوس داخل آخر،
وكم من إحكام وضع، وتحديق صنع، كاثر بذلك بها إرم ذات العماد
стр. 104
وفاخر، فلا يحيط به نظر ولا تفكر، ولا يحكيه عقل ولا تصور:
تجاوزَ حدّ الوهم واللّحظَ والمنَى ... وأعْشَى الحجى لألاؤه المُتَضَاوِي
فتنعكس الأفكار وهي حواسرٌ ... وتنقلبُ الأبصارُ وهي خواسي
وقد كان بها صور أجسام عجيبة الأشكال والأجرام، وقد طمس أكثرها وبقي أثرها، وبها مسجد آخر كان كنيسة أخرى يقال له أيا صوفيا الصغرى ذو أبنية غريبة وأشكال عجيبة، ولكن ليس كالذي سبق ولا يقاربه ولا يناظره في جلالته ولا يناسبه، فما كل صهباء خمرة، ولا كل حمراء جمرة، ولا كل سوداء تمرة:
وما كل دارٍ آنست دارَةَ الحما ... ولا كل بيضاء الترائب زينبُ
وبها من المباني الهائلة، والأسواق الحافلة، والمرابع الرائعة، والمصانع الناصعة، والقصور الشاهقة، والمساكن الرائقة، والمسالك المتسعة، والربوع المبدعة، والمرامي العالية والمراقي السامية، ما تحار فيه الأوهام، وتكلّ دون وصفه الأقلام:
هي القصورُ البيضُ لا ما حدّثوا ... هي القصورُ البيضُ لا ما حدّثوا
стр. 105
تختطف الأبصارُ من لألائها ... تختطف الأبصارُ من لألائها
وبها من المفترجات الظريفة، والمنتزهات اللطيفة، والرياض النضرة، والمروج الخضرة، والأزهار الزاهرة، والأشجار الباهرة، ما هو نزهة النفوس، ومسرة العبوس، وبهجة الخواطر، وقرّة النواظر، ومن محاسنها أيضاً أنّ بكل بيت منها روضاً وبئراً يفيض منها الماء فيضاً:
فالجوّ رقراق الشعاع مفوفٌ ... والماءُ فياض الآتي معسجدُ
والروضُ في حلى الربيعِ كأنما ... نَطَف الغمائِمَ لؤلؤٌ وزبرجدُ
وبها من الآثار القديمة، والأعمدة العظيمة، والمعالم الجسيمة، والمراسم المقيمة، ما
يذهل الألباب، ويستولي عليها منه العَجَب العُجَاب.
فلما دخلناها في الوقت المذكور، وركنا إلى الاكتنان والوكور، نزلنا أولاً كما أشار مولانا السيد في عمارة المرحوم السُّلطان محمد، شمله الله تعالى برحمته وتغمد، فشاهدنا منها أعظم مشهد وأكرم معبد ومعهد، وخيرات تدلّ على رحمة منشئها وتشهد، وحضر خادم المكان فتفقد مصالحنا وتعهد، وأخلى لنا مكاناً متسعاً فضياً وأفرد، وفرش لنا فرشاً موطاً موطد، وبتنا هناك بأنعم ليلة وأسعد، على مهاد وطى ووطاء ممهد، غير أنّ لواعج الأشواق لا تهمد، ونيران الفراق لا تنطفئ ولا تخمد، بل تتزايد ضراماً وتتوقد، وتتأطد وتتأكد، وكلما جمعنا شمل النوم تبدد، أو
стр. 106
عقلنا نادَّهُ تفلت وتشرد، والقلب كلما آلمه القلق رفع عقيرته وأنشد:
هل إلى أن تَنَامَ عيني سَبيلُ ... إنَّ عهدي بالنومِ عهدٌ طويلُ
وقد توارد على القلب تقلقان، أنتجهما تحرقان، وأوجبهما تشوقان، أحدهما إلى الأهل والأولاد والأوطان، والثاني إلى مشاهدة مالك الروح والجنان والفؤاد السيد الكريم عبد الرحيم، والثاني أغلب وللأرق أجلب وللب أسلب، إذ لا يقاس الشاهد بالغائب، ولا يلتحق أفراد الجمع بقوة الواحد، ولا الداني الدار بالبعيد المزار:
وأبْرَحُ ما يكون الشوقُ يوماً ... إذا دَنَتِ الخيامُ من الخيامِ
وقد طال ذلك الليل مع قصره وعَسْعَس، وسألته عن صبحه فقال لو كان حياً لتنفس، كما قال المنشد وهو ابن مُنْقِذ رحمه الله تعالى:
ولرُبَّ ليل تاهَ فيه نجمُهُ ... قضيتهُ سهَراً فطَالَ وعَسْعَسَا
وسَألتهُ عن صُبحهِ فأجابني ... لوْ كانَ في قَيدِ الحياةِ تَنفَّسا
стр. 107
فلما تنفس الصباح بعد ما أيسناه، وتحققنا أنّه في قيد الحياة، وأظهر نوره في الآفاق وسناه، وانجاب طيلسان الليل، وشمر للفرار من النهار الذيل، وستر كافور الفجر مسك الغياهب، وظهرت الشمس المنيرة على الأنجم الثواقب، قصدت منزل
مولانا المشار إليه، للسلام عليه والمثول بين يديه، فوجدته قد جدّ به ذلك المرض، وأثر في جسمه بعد ذلك الجوهر العرض، وأثقله حمل عبئه وبهض، فلما رآني اجتهد في القيام ونهض، فتلاقينا بالتقبيل والعناق، وتهادينا تحف الأشواق، وتشاكينا روعة الفراق، وحنَّ كل منّا حنين المغرم المشتاق، وحمدنا الله تعالى على ما منّ به من التلاق، وتسابقت شهب الدموع من الآماق، وتراكضت جارية في جوانب الأحْدَاق، وتراكمت من العيون سُحبها، وقضى من النحيب نحبها، وأنشدت لبعضهم:
ولما وقفنا للسلام تبادرت ... دموعي إلى أن كدتُ بالدمع أغرقُ
فقلتُ لعيني هل مع الوصلِ عبرة ... فقالت ألسْنَا بعدَه نتفرقُ
ولبعضهم:
ووقفتُ بين تأملٍ وتململٍ ... يبدو السرورُ على فؤادي الجازعِ
حيرانَ لا أدري لقربٍ رائق ... أذري المدامعَ أم لبعدٍ رائعِ
стр. 108
ثم جدّد البكاء بالانتحاب الزائد، لفراق شيخ الإسلام الوالد، فحرك لواعج أحزان لم تفتر ولم تهمد، وأضرم نيران أشجان لم تنطف ولم تخمد، فأخذ كل منّا من ذلك حظه وبلغ منه نصيبه، واسترجعنا وحوقلنا من تلك المصيبة، وتوجعنا وتألمنا من رشق سهامها المصيبة، ثم أخذنا نجول في ميادين مذاكرة، ونخوض في بحار محاورة، ونستخرج كمائن محادثة، ونستفتح خزائن منافثه، ونجتلي أبكار أفكار، ونجتذب أهداب آداب، ونقيد شوارد فوائد وأوابد فرائد، فمضى لنا من ذلك يوم:
أشفُّ من الليالي في صفاءٍ ... وأحلى من معاطاةِ الكؤوسِ
فلما استوت شمس ذلك اليوم، ومالت الرؤوس وقت القَيْلُولَة للنوم، خرجنا من عنده للسلام على صاحبنا وصديقنا وحبيبنا الشيخ الأوحد والإمام الأمجد ملا حاجي جلبي عبد الرحيم بن علي بن المؤيد، هو صدر من صدور أئمة الدِّين،
وكبير من كبراء الأولياء المهتدين، وقدوة في أفراد العلماء الزاهدين، حامل لواء المعارف، ومحرز التالد منها والطارف، محافظٌ على الكتاب والسُّنَّة، قائمٌ بأداء الفرض والسُّنَّة، حاملٌ لأعباء صلاح الأمة، باسطٌ للضعفاء وذوي الحاجات جناح الرأفة والرحمة، ذو أوْرَاد وأذكار يعمّر بها مَجَالسه، وأحوال وأسرار يغمر بها مُجالسه، وجدّ في العبادة، وجهد في الزهادة، ومواظبة صيام، وملازمة قيام:
стр. 109
يقضى بنفع الناس سائرَ يومِهِ ... ويجفوه في جنحِ الظلامِ مضاجِعُ
فينفكّ عنه يومُهُ وهو ذاكرٌ ... وينفكّ عنه ليلُهُ وهو راكعُ
فبادرته بالسلام عليه والذهاب إليه لعلمي بأنه ضعيف البُنْية، قديم السن عسر المشية، فقابلني بالرحب والترحيب، وعانقني معانقة الحبيب الحبيب، وترحّم على شيخ الإسلام وبالغ في الثناء وابتهل في الدُّعاء، ولم يدع شيئاً من أنواع الإكرام وأصناف الاحترام وأجناس التلطف في الكلام، فلم أرَ أحسن من لقائه، ولا أزين من ولائه، ولا أجلى من محادثته، ولا أحلى من منافثته، فلم أدر أأرد أم أرود، وافد على مجالس جود أو مجال سجود، وقد كان هو اجتمع بشيخ الإسلام في بلاد الشَّام حين قدمها قافلاً من الحِجَاز، وفاز بمشاهدته كل مفاز، فأكرمه وواخاه وخالله ووالاه، وشهد كل منهما في الآخر أنه ولي الله، فلبثنا عنده وقتاً نجوب في أرجاء المؤانسة ونجول، ثم ودعناه ومضينا إلى محل النزول، وأرسل هو خلف شخص من أكابر الرُّوْم، ليعلم صاحبنا الوزير بالقدوم، فأعاد الجواب بأنّه فرح بذلك وسُرَّ به، وابتهج غاية الابتهاج بسببه، وأن ميعاد الاجتماع به يوم الجمعة بكرة أو يوم الخميس عشية لتنقضي ضيافة السُّلطان بسبب مهم ختان أولاده للأمراء والينكجرية، وهذا المشار إليه هو الهمام المرتضى والحسام المنتضى، حسنة الأيام وغيث الأنام، غمام الندا الهاطل، وحِمَام العدا العاجل، ناظم شمل الفريق، وفاتح باب الأزمة والضيق، جامع أشتات المعالي ومحرز شرط الكمال،
فلم يصلح إلاّ له المقر الكريم العالي الأميري الكبير الوزير المشير العالم العادل الفاضل الكامل الممهدي
стр. 110
المشيدي الذخري العضدي، زعيم جيوش الموحدين، عاضد الغزاة والمجاهدين، آصف الدهر وفريد العصر ووجيد المصر وفخر القطر، وسم العداة وآفة الجُزر، ومالك بيض الطروس وسمر السطور بالبيض والسمر، عين الوزراء العظام، ورأس الأمراء الفخام، وأشدهم بأساً وأقواهم جأشاً، مولانا الوزير المعظم والمشير المفخم إياس باشا:
ذو عزمةٍ كالتماعِ البرقِ واقدةٌ ... تجىءُ من نُصْره بالعارضِ الهطْلِ
لولا السعوُد التي نيطت بهمتِهِ ... لكنتُ أنسبها بُعْداً إلى زحلِ
أدام الله سعده، وحرس بعين العناية مجده، ما دارت الأفلاك وسبحت الأملاك، وهو ممن له محبة واعتقاد تام، في سيدي الوالد شيخ الإسلام، وقد حضر إلى عند الوالد حين كان بكلربكي بالشَّام متخشعاً متواضعاً طالباً للبركة والدُّعاء، راغباً في اللحظ والإمداد، ملتمساً للصحبة والوداد، ولم تزل الصحبة بيننا وبينه من ذلك الزمان، والمكاتبات تتردد بيننا وبينه في كل حين وأوان، فوفينا له بما وَعَدَ به وشَرَطَه،
следующие страницы →