← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 37063

خطط الشام

محمد كرد علي

Полный текст (1 453 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

عن مواطن الشرف ليتزلفوا إلى من اعتقدوا أن في أيديهم إسعادهم. وكم من بيوت خربت بسبب هذا التمجد بالباطل والتقرب من أصحاب السلطان بفساد الأخلاق. وكانوا إلى عهد قريب يقدمون الرجال على النساء في إعطاء القهوة أو الخمر، يرفعون مقام الرجل فوق مقام المرأة، ولا يزال أثر ذلك ظاهراً في الطوائف الإسلامية. فلما اقتبسوا المدينة الحديثة أصبح الرجل عند المسيحيين لا شيء تقريباً في بيته، والحكم لامرأته تصرفه على هواها، خصوصاً إذا كانت تعلماً منه، أو كانت أسرتها أغنى من أسرته وجاءته ببائنة أو جهاز. وهذه الأخلاق ماثلة في بيروت وفي بعض الأقاليم المكتظة بالسكان. ويحترم الأولاد آباءهم كما كان ذلك في سائر أرجاء القطر، على صورة فيها التشدد الزائد، حتى إن الولد لا يكاد بجالس أباه ولا يقعد أمامه، ولا يؤاكله ولا يدخلن أمامه ولا يرفع صوته، ولو تزوج وولد، ولا سيما في البيوت التي احتفظت بتقاليدها. وكانت العادة أن لا يتفرق أهل البيت الواحد مهما كثر أفراده، يسكنون في دار واحدة، وإذا كانت الأسرة فقيرة ففي غرفة واحدة. وكثيراً ما يخصون الولد الأكبر في الأرض بشيء من العقار وحفظ كرامة إلى أسرة أخرى، شأن كثيرين من المحنطين، بل شأن من يعدون أنفسهم في الراقين أيضاً. كان البناني يتزوج في الثامنة عشرة أو العشرين من عمره ولا سيما في الطوائف الإسلامية، والمسيحيون قد يتأخرون إلى الثلاثين وبعضهم إلى الأربعين، وقد يخطف العروس عروسه في بعض الطبقات، إذا كانت من طبقة غير طبقته، وتظاهر أهلها بأنهم يأبون زواجه، أو لعداء بين أهل الخاطب والمخطوبة، أو لعدم الكفاءة في النسب أو المال، وكانوا يحبون كثرة النسل بخلاف ما نراهم اليوم بعد الهجرة، فإنهم أصبحوا على مثال الأمم التي تريد تقليل الذرية في البيت ما أمكن حتى لا يدخله الفقر. وكانوا يعدون كثيرة العيال من اليسر والبركة، ويقلقون لمن يتأخر حملها من نسائهم، ويشرعون

стр. 1402

بمداولتها أو وضع التعاويذ المصطلح عليها بينهم، وينذرون النذور إن رزقت ولداً، يقدمونها إلى قديسهم وأوليائهم. ولهم كغيرهم خرافات كثيرة منها تخزيف الأولاد في صغرهم بخيالات، ينشأ الولد عند بعض المسيحيين جباناً، والدروز منذ القدم في هذا الجيل على قلة عددهم يخاف جيرانهم باسمهم. وقد زاد هذا الجبن كثيراً من انتشار التعليم ومعروف قدرة الحياة، فأصبح يجبن من لم يكن يجبن، ونزعت الأخلاق الحربية إلا من الدروز، وأصبح القوم يؤثرون الراحة ويتطلبونها جيثما وجدوها، ويزهدون في سكنى جبالهم على كثرة غرامهم بها، وتمجيدهم لهوائها ومائها ومناظرها وهنائها. وربما كان أهل لبنان من أكثر الشاميين اقتداراً على الإعلان عن أرضهم، والإعجاب بجبلهم، والتبجح بثروتهم وأثاث بيوتهم، وتمجيد رؤسائهم وعلمائهم وأُدبائهم. وهذا مما ساعد على إعمار الجبل بما جلبه المهاجر اللبناني من المال إلى أرضه، وسمت الهمم بأهله أن يعمروه هذا العمران الواسع بالنسبة إلى البقاع الأخرى، ولذلك لكان كسائر جبال الشام انحطاطاً وفاقة. تسربت العادات الغربية إلى لبنان أكثر من غيره، فبعد أن كان اللبناني يأكل وأهله وضيوفه على سفرة في الأرض أو على خشبة مستديرة من صفحة واحدة، بأدوات منها الخوف ومنها ملاعق من الخشب من صنع أرضه، أصبح يجلس إلى خوان وأمامه صحاف وملاعق وشوكات وسكاكين ومائدته مغطاة بثوب أبيض، وعلى يده منديل الغمر أبيض، وألوان الطعام تأتيه إرسالاً. وأكثر هذا محسوس الأثر بين المسيحيين ولا سيما سكان الساحل. وقد بلغ ببعضهم حب التقليد أن أصبحوا لا يكتفون بخمر أرضهم، ويتغالى بعض أغنيائهم المترفين فيجلب خمور الغرب يسقيها ضيوفه على مائدته. وغدا لا يطيب له الزجل والمواليا والمعنّى والقراديات والغناء العربي والقصائد العربية، وكانت تنبسط أرواح أجداده إلى سماعها، بل يحاول أن يسمع النغمات الإفرنجية لأنها أجمل وهو تفرنج وتأورب ويحب أن يقطع صلاته مع آبائه.

стр. 1403

وهكذا يقال في الرقص والألعاب كلها فإنها أصبحت بين الطبقات المتعلمين إفرنجية محضة في بيروت وفنادق لبنان الكبرى. وقد ولع بعض النساء في بيوت الراقية على الطراز الحديث بالرقص والمخاصرة والمقامرة ولا سيما في بيروت، ولوعاً لا تكاد تجد له مثيلاً فيما بلغنا وعرفنا من أخبار الأقطار الغربية. فقد ترى البيروتية ولا سيما من المسيحيات ترقص المتقدمة في السن منهن تجلس إلى منضدة القمار تقضي الساعات الطويلة، وقد يكون بناتها الفتيات واقفات ينتظرنها ليذهبن إلى النوم وهي مستغرقة. وكثير عدد النساء اللاتي فقدن صحتهن وشرفهن لشدة ولوعهن بالقمار والرقص، وإذا رأيت أزياءهن، حسبتهن أوربيات وزيادة إفراطه في التقليد، وغرتهن الظواهر من مدنية الغرب فاجتزان بها، وكانت المرأة المسيحية في جنوبي لبنان في القرن الماضي تتجنب وتتجافى عن غشيان مجالس الرجال من غير محارمها. وفي أندية بيروت في الشتاء والفنادق الكبرى في جبل مدة الصيف نموذج من الحياة البيروتية التي أصبحت مزيجاً غربياً من الأخرق والعادات، يبدو فيها التكلف والتصنيع، ويفقد منها الروح العربي، وليس المسلمون فيها على المستوى جيرانهم في النهوض الاجتماعي حتى ترسم لهم الآن صورة بعينهم. وقد أخذت بعض البيوت التي أخذت المدنية الحديثة لا تتكلم في بيوتها أو مجالسها واجتماعاتها إلا بالفرنسية وقليل منها بالإنكليزية، أو يمزجون لغتهم الأصلية باللغة التي تعلموها بعضها في المدارس، وأصبحت معظم عادات السكان إفرنجية مقتبسة منقولة لا أصلية. وأنت إذا دخلت اليوم دار لبناني متعلم ممن كتب له السفر كثيراً، ورأيت العادات القديمة محفوظة يأخذك العجب، لأن اللبناني يحاول أن يقلد، ولطالما عولج في هذه السبيل حتى تنزع منه عاداته وتقاليده، ويلحق بالإفرنج في مناحية منازعه. ومن أبشع ضروب التقليد أنه أخذ بعد أن تعلم بعضهم في المدارس تعليماً ناقصاً أبتر يستعمل في سلامه وحديثة بعض ألفاظ إفرنجية، تساوي في ذلك البحري الجاهل والتاجر المتمول، فصارت أحاديثهم مزيجاً

стр. 1404

من العربية والإفرنجية كعاداتهم وأخلاقهم. وأثبت ابن هذا الصقع أنه ما استطاع أن يتخلى عن القديم برمته، ولا استعد لأن يقتبس الجميل من الجديد بجملته. واللبناني أكثر من غيره من سكان هذا القطر اقتصاداً وتؤدة، ومعرفة بأساليب الحياة، وبعَد هِمم، وشدة حذر. وهو نظيف لا كابن الجبال الأخرى، وفي مسكنه وزراعته وصناعته شيء من النظام. وقد تبيت في بيت الفقير منهم في إحدى المزارع الحقيرة، ولا تستنكف من مؤاكلته، ولا تأنف من النوم في فراشه، والجلوس على مقاعده، والاتكاء إلى وسادته. فالزعامة الزمنية من قبلُ عند غير المسيحيين، والرياسة الدينية عند المسيحيين، كانتا بين اللبنانيين على أتمهما لسهولة تسلط الزعيم أو الرئيس الروحي على رعاياه، لضيق الرقعة التي يمتد عليها نفوذه. وقد استفاد ابن الجبل من هذه الزعامة ترتيباً ونظاماً على الجملة، وولد فيه حب التضامن والصدق بما يلقنه إياه الشيخ أو الكاعن، ورُبط الناس بقيود يصعب التفلت منها بعض الصعوبة وهذا أقرب إلى النفع من الفوضى تضرب أطنابها بين سكان الجبال الأخرى، وجهالة ممتدة الرواق على الكبار والصغار لا تدري متى ينقشع ظلامها. وقد اضطر السكان أن يقلد بعضهم بعضاً في باب الأخذ بأسباب الترقي والتعليم. وكان للموازنة التقدم ثم لمن يليهم من الروم والكاثوليك، ثم يأتي الدروز فالسنة فالشيعة. فقدت عادات ليست بقليلة من الجبل ومما فقد أو كاد لباس الفلاحين وهي العمائم والسراويل والعباءات، ولا سيما من القرى التي هي مصطاف البروتين والطرابلسيين والمصريين، ولباس جمهور عظيم منهم الآ، هو اللباس الغربي، والقبعة الإفرنجية شائعة الاستعمال في النساء والرجال، ولا سيما عند من تعلموا التعليم الغربي في مدارس التبشير في بيروت وما إليها من القرى والمدن. والقبعة اليوم تهزم الطربوش والعمامة والكوفية والعقال أمامها، كما تنهزم المدنية الشرقية أمام المدنية الغربية طوعاً أو كراهاً، وربما كان لحالة لبنان السياسية مؤخراً دخل كبير في هذا التمثل السريع. والمغلوب أبداً مولع بشعار الغالب. وكل ما قام به اللبناني من اقتباس التمدن فبل هذا العهد كان مقدمة إلى هذه النتيجة. ولولا أن الهجرة نخرت عظام اللبنانيين،

стр. 1405

وتغلغل حبها في شغاف قلوبهم، لكان الخطر كبيراً من هذه السرعة في اقتباس عادات ليست عاداتهم، وأخلاف قلما تلائم أخلاقهم، في أرض هي مفتاح باب البحار. وكأنا بلبنان إذا ظل غرام أهله بالرحيل عنه على هذه الصورة طلب الغنى، يوشك أن يفرغ من سكانه، يتعلمون لا ليكون فلاحين وصناعاً بل تجاراً ومستخدمين. وقد أولعوا بتقليد الأمم العظيمة الغنية في عامة مناحيهم وهم لا ثروة ثابتة لهم، وفي ذلك ما يخشى عليهم من عواقبه، ومن أظهر شؤمه على مجتمعهم ما نسمع به اليوم بعد الآخر من كثرة الاختلاس والاحتيال في دواوين حكومتهم وبيوت تجارتهم بحيث كادت ترتفع ثقة الغرب منهم، ذلك لأن الصعلوك فيهم يحاول أن يعيش عيش أرباب الطبقة الوسطى، هؤلاء لا يقنعهم إلا أن يدانوا الطبقات العليا، وتقليد أوربا أوقعهم في شر أمورهم، وفاتهم أن الأمة لا تفلح إلا باقتباس الجديد، والاحتفاظ بالقديم المفيد، وأن كل شعب يحاول أن يرتجل عاداته، ويصطنع أخلاقه، يندغم في غيره، ويذوب في بوتفة من يريدهم ولا يريدهم. - العادات في الأرجاء الأخرى: تتخالف العادات في القرى وتتقارب، بحسب قربها وبعدها عن الحواضر على الأغلب، وبحسب أصول سكانها، فإذا كانوا من أصول عربية تجلت فيهم عادات البلدية كأهل حوران مثلاً فانهم على قربهم من دمشق قد رسخت فيهم العادات البدوية، كأهل الحواضر والوادي من سكان أقصى الجنوب. ذلك لأن العرب تسربوا إلى الشام أولاً من الجنوب قبل الإسلام بقرون، وما زالت موجات الهجرة تأتيها من تلك الأصقاع. وبينا تجد أهل غوطة دمشق كأهل الحضرة في مناحيهم كما يقول الرحالة ابن بطوطة، ترى أهل مرج دمشق، وما هم من الغوطة ببعيد، كأهل حوران، في عاداتهم ولباسهم وطراز معيشتهم. تتمثل فيهم عيش البداوة، وهم فلاحون مقيمون على الحرث والكرث وماشيتهم قليلة. وعادات المسيحيين في حوران وجبل الدروز ومادبا والكرك كعادات المسلمين السنة والدروز، والتعديل القليل على عادات المسيحيين لأنهم أسرع إلى التعليم من الأكثرية وإن كانت

стр. 1406

الأقليات في الغالب تفنى في الأكثريات. بيد أن الحال كانت على ذلك قبل الانتباه الأخير في الأقلية. مثال ذلك أن النساء المسيحيات في نابلس وحماة يحتجبن كالمسلمات مراعاة لعادات الأكثرية. ولباس أهل بلاد غزة والخليل ونابلس كلباس أهل حوران، كوفية وعقال وعباءة وقفطان. وكذلك أهل بر حماة وحمص والمعرة وما إليها مما هو في سمت الشمال من الأصقاع. وسكات قرى حلب القريبة، كسكان قرى دمشق يلبسون العمائم. وهذه لا تلبس أن تزول بالطربوش، لأن المتعلمين من أبناء القرى يؤثرون لباس الطربوش على العمامة أو الكوفية. دع أهل المدن فقد قلت العمائم فيها. ولذلك يصح أن يقال: إن القبعة تهزم الطربوش من الساحل، والطربوش يهزم العمامة في الوسط، والعمامة تهزم الكوفية والعقال من سائر أطراف القطر النائية. وهكذا لا ترى وحدة في اللباس في أي ناحية من أنحاء الشام اجتزت بها. وقد يظن الغربي الذي اعتادت عيونه رؤية التوحيد في الملابس، إذا مر بإحدى الحواضر عندنا، أنه في قاعة تمثيل هزلي، تعرض فيها صور من البشر غربية في حركاتها وألبستها. جاء في دواني القطوف أن عادات الحورانيين في أعراسهم وولاداتهم ومآتمهم شبيهة بعوائد سورية القديمة ممتزجة ببعض عادات العرب، مثل دفع الخاطب لوالد عروسه تقدها في القديم عشرة آلاف غرش فخفض إلى ستة آلاف ثم إلى ألفي غرش فقط لعهدنا هذا عند المسيحيين. وعندهم الألطاف النقوط ورشق العروس عند مرورها في البلد بالعنصل بصل الفار. وفي المآتم يحملون الطعام إلى بيت الميت. ومدة النوح سبعة أيام كاملة. ومن العار عندهم بكاء الرجال إلى غير ذلك. وأهم ملابس الرجال القمصان الطويلة البيضاء المرسلة الأردان، والغنباز من نسيج الديما القطنية أو الحريرية، وسلطة قنطيشة واسعة الكمين قصيرة، من الجوخ الأزرق، مطرزة بالحرير الأحمر الناتىء، والفقراء يتخذونها من الخام الأزرق بلا طراز. وعلى رؤوسهم الكوفية والعقال. وفي أرجلهم المداس والجزمة الحذاء أما ملابس النساء فقميص أزرق ملون التطريز، وأسع الأردان والأكمام،. وفوقه سلطة أكبر مما يلبسه الرجال إما من الخام أو الجوخ. وعلى رؤوسهن

стр. 1407

شنبر أسود حريري. فالمتزوجات يتلفعن به ويربطنه من الوراء. والعزبات يعصبن رؤوسهن فوق المنديل. ويلبسن البوابيج والجزمات القصيرة، ويتخذان زناراً من الفضة حياصة قيمته أكثر من ألف غرش، وله ذوائب مسترسلة، وفي معاصمهن أساور فضية ضخمة، وفي أرجلهن خلاخيل فضية، وفي آذانهن تراكي ذهب حلق مستدير، وعلى رؤوسهن عصابة من قماش مرصوفة بنقود ذهبية تعرف بالشبكة، وفي أصابعهن خواتم فضية. ويستعملون جميعهم نساءً ورجالاً الوشم إلى غير ذلك مما يختلف باختلاف حالتهم اه. وعادات السكان في القرى تتشابه وكذلك ألبستهم، وكلما بعدوا عما يقال له التمدن تمازجوا وتضامنوا، فما يزال المسلمون في بعض القرى وادي بردى إذا كان عند جارهم المسيحي فرح أو ترح يأتي المسلمون يخدمون ضيوفه، ويقدمون له الهدايا ليبيضوا وجهه أمام الواردين عليه وبالعكس. وهذا من أجمل العادات في التضامن بين أهل البلد الواحد. وعادات المسلمين في الساحل والداخل متشاكلة، وكلها مقتبس من عادات أهل دمشق. فدير الزور وحلب وحماة وحمص والمعرة وإنطاكية واللاذقية وطرابلس وبعلبك وبيروت وصيدا وصور وصفد والنبطية والصلت ونابلس وعكا وحيفا ويافا والقدس والخليل وغزة، وبالجملة فكل بلد فيه كتلة إسلامية أو مسيحية من السكان لا تجد عاداته إلا دمشقية، وأهله يقتبسون من دمشق إلى اليوم ما يروقهم من عاداتها، ومدينة دمشق محبوبة تهفو إليها نفوس الشاميين عامة، وأهلها محبوبون للرقة التي فطروا عليها، ولأنهم يعطفون كثيراً على الغريب، وربما أغرقوا في عطفهم وآثروه على ابن حيهم، وكل من دخلها ولا سيما من سكان القطر متى خرج منها اكتأب ودعا لها بالعمار ولو خسر فيها جزءاً من ماله قال القزويني: وأهل دمشق أحسن الناس خلقاً وزياً وأميلهم إلى اللهو واللعب ولهم في كل يوم سبت الاشتغال باللهو واللعب، ووصف المساخر والصراع والغناء والألعاب بما لا يخرج الآن عما كان منذ نحو ألف سنة. والغالب أن السبتية من عادات اليهود سكان البلاد الأصليين كما

стр. 1408

أن إضراب بعض المشايخ عن القراءة أيام الثلاثاء، من عادات الصابئة لأن يوم البطالة عند الصابئة يوم الثلاثاء. ومع هذا فقد مدح الدمشقيون منذ القديم كثيراً وهجوا كثيراً. ولعل المادح والقادح لا يخلوان من مبالغة. ومن يتزوج من أهل هذا القطر بامرأة دمشقية يحسب نفسه سعيداً، فالدمشقيات يتغربن كثيراً، وما برحت دمشق تضم إليها الغرباء من أهل الكور الأخرى وتتمثلهم وتعيضها عمن يدخل إليها من الرجال بعض نسائها، يدخل فيها عادات العاصمة الأموية، ويمزجن أهل الوطن الواحد من طريق الأسر والبيوت. والبدو والحضر من جميع النحل يؤثرون البنين على البنات، وكلهم يلدون كثيراً، ويعيش الأطفال في المدن أكثر من القرى، للعناية بصحتهم ووجود الأطباء والقوابل. ولولا أن البدوي يولد له كل سنة لانقرض نسله لكثرة الغزو والذبح في الدهر السالف. وجميع نساء القرى من المسلمات في الشام سافرات يعمان مع الرجال في الحقول والمراعي على صيانة لا تبذل فيها، ما خلا بعض القرى القريبة من الحواضر فإن عادة الحجاب سرت إليهن، فيلبسن ملاءات من حبر أسود أو أزرق على الأغلب. وفي بعض المدن ملاءات ملونة بأصفر وأحمر معاً أو بأبيض فقط. ولكن نساء دمشق خاصةً اخترن زياً من الملاءات ومناديل الوجه، اقتبسنها عن نساء الآستانة أيام كان الحجاب شائعاً في نساء الترك. فلما كشف الحجاب في تركيا في العهد الأخير وأصبح زيهن كزي الغربيات، قبعات على الرؤوس وأثواب قصيرة خفيفة. وزال الحجاب أو كاد عند نساء مصر بالطبيعة لتغلب المدينة عليهن، بقي نساء حواضر الشام كبيروت ودمشق وحلب وطرابلس حائرات يطمح بعضهن إلى تقليد التركيات والمصريات. ولكن شدة المسيطرين من الرجال، اضطرتهن إلى الوقوف الآن عند حد حجابهن القديم، فيظهرن في الشوارع في حبرات سوداء مسدولة إلى أعقابهن ومناديل سود مسبلة على وجوههن، وقد تكون في المتبرجات شفافة جميلة لا تكاد تحجب الوجوه بل تزينها وتدعو الناظرين إلى إرسال الطرف إليهن. ومنذ هاجر الجركس من القافقاس بعد الحرب الروسية التركية سنة ١٢٩٤ إلى الشام وأسكنتهم الدولة العثمانية في بعض قرى منبج وحمص

стр. 1409

وسليمة ودمشق وعمان وجرش والقنيطرة، أدخلوا إلى الشام بعض عاداتهم في تربية المواشي والفلاحة والصناعات الزراعية. ويغلب على الجراكسة الإمساك والتضامن لأنهم في حاجة إليه لدفع عادية البوادي عنهم، ويغلب التدين على شيوخهم والشجاعة على شبابهم. وإذا أراد الشاب منهم أن يخطب فتاة خطفها من بيت أبيها مهما كانت منزلتها ومنزلته. ونساؤهم يظللن سافرات ما دمن أبكاراً وعانسات، حتى إذا تزوجن عمدن إلى الحجاب وابتعدن عن مجالس الرجال. والفتيات يختلطن بالفتيان ويغنين ويرقصن معاً ويتسامرون ويتحدثون من دون نكير. ويقل فيهم تعدد الزوجات، والمرأة الجركسية مثال المرأة الصالحة في تربية أولادها وإدارة شؤون بيتها. وقد أخذ الصهيونيون في فلسطين يدخلون عاداتهم منذ كثر سوادهم فيها، ولكن من الصعب أن يقتبسها السكان الأصليون لأنهم ينظرون إليهم نظر أعداء، وإن كان في عاداتهم الجميل جداً كحب النظام والترتيب والنظافة والاقتصاد، وتجويد الأعمال الزراعية على اختلاف ضروبها. وكذلك الحال في المهاجرين من الأرمن الذين تسربوا من الشمال وامتدوا إلى الجنوب قليلاً وإلى الغرب، فإن من عاداتهم ما هو المعقول، وهو تضامنهم إلى ما لا حد له، واقتصادهم ومهارتهم في التجارة والصناعة، بيد أنهم لا يمتزجون بالشاميين ويريدون كالصهيونيين أن يعاملوا أهل القطر ليربحوا منهم فقط، لا لتكون بينهم المنافع مشتركة كما هو الحال بين أبناء هذا الوطن الواحد على اختلاف نحلهم، وعلى كثرة ما يوقد الواقدون من الرؤساء المتعصبين من جذوة التعصب، يوشكون أن يقاطعوا غير أبناء جنسهم، ولكن السواد الأعظم إذا عاملهم بالمثل وعمدوا إلى مقاطعتهم لا يبقى أمامهم سوى الرحيل. وأهل دمشق وحلب بل وأكثر المدن الداخلية من أشد الشاميين محافظة على عاداتهم وأخلاقهم، ولهم غرام إلى اليوم بالتقليب بألفاظ التشريف، واستعمال الألقاب الضخمة، راجت رواجاً كثيراً على آخر عهد الترك العثمانيين، لأن رتبهم وألقابهم مما كانوا أسرفوا في منحه للرفيع والوضيع فصار أهل الطبقتين الوسطى والدنيا لا يتخاطبون إلا بلقب باشا أو بك أو أفندي ودولتك عطوفتك سعادتك سماحتك فضيلتك

стр. 1410

سيادتك. أما ألقاب سيدنا ومولانا فتكاد تؤلف جزءاً مهماً من أحاديثهم ابتليت الأمة بهذه الألقاب كما ابتليت بالتلقيب بالدين في القرن الخامس إلى القرون الأخيرة. وقد وصف ابن جبير مآتم أهل دمشق وجنائزهم في الدولة الصلاحية فقال: ونقباء الجنائز يرفعون أصواتهم بالنداء لكل واصل للعزاء من محتشمي البلدة وأعيانها ويحلونهم بخططهم الهائلة التي قد وضعوها لكل واحد منهم بالإضافة إلى الدين فتسمع ما شئت من صدر الدين أو شمسه

стр. 1411

أو بدره أو نجمه أو زينة أو بهائه أو جماله أو مجده أو فخره أو شرفه أو معينه أو محييه أو زكيه أو نجيبه إلى ما لا غاية له من هذه الألفاظ الموضوعة، وتتبعها ولا سيما في الفقهاء بما شئت أيضاً من سيد العلماء وجمال الأئمة وحجة الإسلام وفخر الشريعة وشرف الملة ومفتي الفريقين إلى ما لا نهاية له من هذه الألفاظ المحالية، فيصعد كل واحد منهم إلى الشريعة ساحباً أذياله من الكبر ثانياً عطفه وقذاله قال: ومخاطبة هذه الجهات قاطبة بعضهم لبعض بالتمويل والتسويد وبامتثال الخدمة وتعظيم الحضرة، وإذا لقي أحد منهم آخر مسلماً يقول: جاء المملوك أو الخادم برسم الخدمة كناية عن السلام، فيتعاطون المحال تعاطياً، والجد عندهم عنقاء مغرب. وصفه سلامهم إيماء للركوع أو السجود فترى الأعناق تتلاعب بين رفع وخفض وبسط وقبض وربما طالت بهم الحالة في ذلك، فواحد ينحط وآخر يقوم وعمائمهم تهوي بينهم هوياً. وهذه الحالة من الانعطاف الركوعي في السلام كنا عهدنا لقينات النساء. وعند استعراض رقيق الإماء، فيا عجباً لهؤلاء الرجال، كيف تحلوا بسمات ربات الحجال، لقد ابتذلوا أنفسهم فيما تأنف النفوس الأبية منه، واستعملوا تكفير الذمي المنهي في الشرع عنه، لهم في هذا الشأن طرائق عجيبة في الباطل، فيا للعجب منهم إذا تعاملوا بهذه المعاملة، وانتهوا إلى هذه الغاية في الألفاظ بينهم فبماذا يخاطبون سلاطينهم ويعاملونهم لقد تساوت الأذناب عندهم والرؤوس، ولم يميز لديهم الرئيس والمرؤوس اه. بمثل هذا اللسان الغريب وصفنا ابن جبير. ولما أفرط القوم في عاداتهم في الجنائز والمآتم والأفراح والمجتمعات والقيام والقعود وتبادل السلام وتقديم القهوة والشاي وغيرهما، ودخلت في طور من الهزل عجيب، زهد فيها المتعلمون على المناحي الغربية، وأنشئوا ينبذونها نبذ النواة. وخفت أيضاً

стр. 1412

ألفاظ التكريم عن عهد الترك وهي آخذة بالزوال، وبقدر ما يكثر سواد المتعلمين يقل سواد المداهنين والمرائين، على ما يقل المخرفون والمعتقدون. فقد كان بعض الناس يعتقدون بالفال والمندل والكيمياء والأحلام والكشف، فقل اليوم من يلتفتون إلى هذه المسائل، وخفت وطأتها حتى من القرى البعيدة. والمنورون من الناس قسمان: قسم وقف عند حدود الشرع واكتفى بأوامره ونواهيه، وآخر نزع ربفة الدين ولكن في سره دون الجهر من القول. وبعض العادات لا تقوى على نزعها إلا الأيام الطويلة والنشوء السريع، وهذا متعذر الآن لتعذر نشر التعليم الإجباري في الشعب، فقد كان النساء إلى عهد قريب في الأحياء البعيدة عن مدينة حلب في الجنائز مسخمات وجوههن مخمشات لها لابسات ثياب الحداد، باكيات مولولات منتحبات، وهذا من عادات الجاهلية التي منعها الإسلام. وأول المسؤولين عن إقرار مثل هذه العادات المشايخ والوعاظ وأرباب الصحف. وقل أن رأينا من المشايخ والوعاظ من يتعرض لإنكار مثل هذه البدع والعادات الضارة. أما الصحف فعلى كثرة ما نشرت من الأنوار في طبقات مخصوصة من الناس فقد بقيت في ناحية من النواحي مقصرة كل التقصير، وهو البحث في العادات المضرة والأخلاق الساقطة. وإنا ليحزننا أن كان في الصحافيين أناس لا يزيدون المجتمع إلا فساداً فوق فساده، لأنهم يلقنون العامة الكذب والخديعة والملق، ويدعون أن قراءهم لا يرضون منهم إلا بهذه الطرق. ولكننا على يقين من أنهم هم يبيعون من قرائهم ما يتفق مع مصلحة جيوبهم وأكياسهم. كان التدجيل إلى عهد قريب من خصائص بعض مشايخ الطرق فذهبت الآن ريحهم أو كادت وخلفهم هذا الضرب من الناس. يمكن إرجاع أهم صفات الناس في هذا القطر إلى مادتين أصليتين الوفاء والكرم ولا تزال هاتان الصفتان ماثلتين في معظم الشاميين على كثرة ما اعتور مجتمعهم من تبديل وتعديل. وتجد هاتين المزيتين على أتمهما في كثير من أهل الطبقات الوسطى والدنيا، يقومون عليهما غالباً من دون أن يتوقعوا عنهما أجراً سماوي أو مظهراً دنيوياً. أما الطبقة العليا فمن النادر أن يكون فيها الوفاء والكرم، وإن وفت فلأمر ما تفي، أو تكارمت فلغرض

стр. 1413

ترتجيه. وكلما ضعف الوازع الديني في القوم، وهاجمتهم عادات الغربيين، انحلوا م عهدة الوفاء والكرم، ولذلك ترى الأوفياء والكرماء بعيدين إلا قليلاً عن المناطق التي اختلطت بالغريب على سواحل البحر، وأخذت من معارفه، وتخلقت بأخلاقه، واعتادت عاداته. ومنذ شاع الكذب والحسد في الشاميين، ضعفت مادة حياتهم من التجارة والصناعة، وكادت ثقة الغرب ترتفع منهم، وإذا كتب لهم أن شاعوا في الجملة اليوم فبفضل الأسس القديمة التي قام عليها مجتمعهم وجامعتهم، وبفضل نشاطهم في مهاجرهم حيث رأوا أنفسهم أمام جاليات كثيرة من الأمم اضطرتهم الحال معها أن يظهروا بمظهر الأمانة ليعتاشوا ويرتاشوا. أما التحاسد والمشاغبة فلم تنقطع شأفتهما فيهم حتى في ديار الغربة، وربما زادهم على ما كانوا ألفوه منها ما روأوه في مهاجرهم عند الأمم الأخرى فاقتبسوه وأضافوه إلى رؤوس أموالهم. وربما بلغت الجالية الشامية نحو ألف ألف نسمة أي نحو سبع سكان القطر، فما أمرهم باليسير إذا حتى لا يشار إليهم بجملة، لأنهم على الأقل يمثلون صورة من أهل القطر في الخارج، والأجانب لا يعرفون إلا أنها صحيحة مطابقة للأصل، أو أنهم من أمثل طبقات الشعب. ولو تفرقوا في الأرجاء التي ينزلونها، كما تفرقت قلوبهم في موطنهم الأصلي، لكان لزماً أن يؤثر ذلك في أخلاقهم وعاداتهم، ولكنك تراهم في مهاجرهم يجتمعون أهل كل إقليم بإقليمه على الأكثر، وقد لا تختلط لفائفهم بسكان الديار التي ينزلونها إلا كما يختلط الشامي بالمصري إذا نزل مصر، يختلط به ليبرح منه ويحتفظ بشاميته وتقاليده بعد جيلين وثلاثة وأحياناً بعد أربعة وخمسة. عادات القبائل وأخلاقها: ثُمن أو سبع أهل القطر الشامي اليوم أي نحو خمسمائة ألف نسمة بادية أو قبائل رحالة، ويقال لهم في الاصطلاح: العرب أو العربان، تصطاف في مكان وتشتو في آخر، وقلّ من يألف منهم سكنى الدور، وبيوتهم من الخيام والمضارب تنسج من شعر المعزى، يعتمدونها بعمد ويشدونها بأطناب،

стр. 1414

ويضربونها حيث نزلوا لرعية ماشيتهم، يحملون معهم أثاثهم وخرثيهم ودوابهم ومؤونتهم، وهم شاوية يقومون على تربية الشياه والعنز ويربي بعضهم الأباعر، والشاوية من الأسماء التي تطلق على عشائر دير الزور على الفرات خاصة لأنهم جماعة شياه. ومعاش البدو من مواشيهم وما تدر عليهم من السمون والألبان والأجبان والزبد وما يبيعون من نتاج قطعانهم، أو من غزو بعضهم بعضاً إن كانوا أشراراً على الفطرة لم تدمث أخلاقهم قليلاً بالاحتكاك بالمتحضرين، وإذ كان سكان البادية على هذه الحالة من التنقل وأكثرهم يوغل في الشياء إلى وسط ديار العرب انتجاعاً للكلأ والماء، أصبح من المتعذر أن تنشأ لهم حالة ثابتة يتأتى معها وصف كل قبيل منهم في عاداته وأخلاقه. وعرب الشام من أصول شتى وقد تتغير أسماء قبائلهم مهما عظمت قي كل قرن أو قرنين، فقد تغيرت أسماء القبائل التي كانت معروفة بدخول الإسلام الشام، في القرن الثالث أو الرابع، وما عرف من أسمائها في القرن الثامن أو التاسع تبدل في القرن الحادي عشر، وهكذا تتبدل أسماء العائلة تبعاً للمتأمر عليها، وقد تسمى القبيلة كلها باسم أميرها أو شيخها. والعشائر كلها تنقسم إلى أفخاذ وبطون، والإمارة أو المشيخة ترجع على الأغلب لمن كان له أصل قديم من بيته، أو من كان أذكى قومه جناناً، وأبسطهم بالكرم يداً، وأشجعهم يوم النزال قلباً، واصلبهم في الحوادث عوداً، ثم تنتقل بالوراثة. وغزو القبائل بعضها بعضاً يحول دون بقاء الثروة الناطقة والصامته فيهم، فقد تكون القبيلة اليوم في الغابة من طيب العيش، ناعمة البال بحلالها أي ماشيتها، فتغزى من الغد في عقر دارها، فلا تلبث أن تصبح أعرى من مغزل لا بد لها ولا لبد. دع ما يصيبها من نقص في الأنفس، فقد كان من النادر أن تجد رجلاً بلغ أقص سن الشيخوخة لأنه يعتبط في الغزوات، ويقتل في سن الفتوة غالباً. والحكومات الشامية اليوم تحظر على القبائل الغزو، وهم يخافون سطوتها لمكان السيارات ورشاشاتها في الأرض، والطيارات وقذائفها في الجو، وتحاول كل حكومة أن تعطي البادية أرضاً تزرعها لتأوي

стр. 1415

إلى البيوت الثابتة، وتتخلى عن عيش البداوة وما تستلزمه من شقاوة وشقاء. ومن عشائر الشام ما عرف أنها كانت رحالة فأصبحت مزارعة مقيمة، ولذ لها عيشها الثاني فاغتنت يوم تحضرت، مثل الدنادشة أو بني دندش فهم قبيلة يمانية جلت إلى حوران منذ نحو ثلاثمائة سنة، ثم انتقلت إلى أرجاء تل كلخ من عمل حصن الأكراد، ولهم اليوم قرى عامرة وبيوت وقصور في قرى الفتايا والحوز ومدان وحير البصل والموح ومشتى حمودة ومشتى حمزة وبرج الدنادشة وغيرها، وظلت أخلاقهم إلى عهد قريب أخلاق العشائر يحبون الغزو والسطو وحمون الذمار والجار، وهم على حصة موفورة من الكرم والوفاء وصحة العهد. واتفق مثل هذا التحول لكثير من عشائر الحديديين والموالي وبني خالد، فإنهم لما امتلك السلطان عبد الحميد الثاني أرضاً واسعة في الشمال الشرقي من الشام في أرجاء حماة وحمص، حمى العشائر ومنع الغزو بينها، فتحضر من هذه العشائر عدد كبير انصرفوا إلى اعتمال الأرض والعناية بالزرع والضرع. وهكذا كانت الحال في القديم والحديث، تدخل البادية في الحضارة، وقل أن خرج أفراد من الحضارة إلى البداوة، لأن الترقي سنة الطبيعة، والبداوة أصل ثم يذوب أهلها على الزمن في الحضر. تبعد منازل البدو عن سواحل البحر المتوسط غالباً، ولا تزال تمتد في الداخل حتى ينتهي العامر من ديار الشام في الجنوب والشرق، وهناط البداوة بأجلى مظاهرها. والأولى أن يقال مثلاً في عشائر الفضل والهوادجة والبحاترة النازلين على ضفاف بحيرة الحلوة، وبني صخر الضاربين في البلقاء، وبني حسن في علجون، والحسينية والفواعرة والعكيدات في أرجاء حمص، وبني خالد عرب حماة، والحديديين والموالي واللهيب والغيار عرب حلب، والسًّبعَة والفدعان من عنترة النازلين من بحيرة الجبول إلى سليمة وعشائر البشاتورة والبواتية الغزاوية والمساعيد ونقار والصقور عرب بًيْسان ونابلس وجنين وطول كرم، وعشائر شرقي الأردن التي تشتو في وادي العربة أو الأغوار، أو الحماد أي الصحراء العربية شرقاً، وتصطاف في ارض معينة الحدود معروفة - فالأولى أن يطلق على هذه القبائل اسم نصف حضرية

стр. 1416

لأن منها من يزرع الأرض، ومن أفلح في الفلاحة، وأيقن على الأيام أن العيش الثابت خير من المتقلقل، وأن من يدفع للدولة أجرة حمايته، أهنأ بالاَ ممن يتكل في حمايته على نفسه وسيفه وعصبيته. وهكذا يقال في عرب الغياث والعمور في اللجا والصفا، وعرب العدوان والأيديات والعباد والمشالخة والحمايدة والشوابكة والدعجة والعجمارمة والنمر والكايد في أطراف عَمّان والصلت ومادبا، والخرشان والجبور في الموقر والعليا والنقير، وبني حميدة والسليط والحجايا والحباشنة والصرايرة والطراونه وكثرربة والمعايطة والمجالي والمدنات في أرجاء الكرك، والحويطات والدمانية وأبي تايه والمطالقة والنعيمات والديابات وبني عطية في جهات معان، وعرب الشرور وبني عطا والهلالات والعبيدية والعلايا في وادي موسى وجبال الشراة، والحميدات وعبدين والبحارات والكلالدة والوهبيات والمنازعين في الطفيلة، فإن كثيراً منهم يزرعون الأرض، ويقومون على تعهد الماشية، وقد يبعدون في الانتجاع ثم يعودون أدراجهم. وعلى مثل هذه الحال عشيرة العمور في أرجاء تدمر وعشائر بو شعبان في السخنة والجبور في البو كمال والعكيدات في الميادين ودير الزور وغيرهم من العشائر النازلة على شط الفرات الغربي، فإنها كلها نصف متحضرة وبقليل من العناية تدخل في المدينة وتترك عاداتها وشقائها، ويسوغ لنا أن نستنتج أن البادية حتى أكثرها إيغالاً في البداوة يمكن تحضيرها إذا أكرهت على التحضر خلافاً لما يذهب إليه بعض أهل الغرب. وفي الشام قبائل من البدو مثل عرب الروالة من عنزة وهم لا يقلون عن عشرين ألف نسمة، ينتقلون أبداً كالنور أو الغجر كل مدة في ناحية، ولا ينزلون المدن إلا لابتياع حاجاتهم وبيع جمالهم وأصوافهم وألبانهم. والنور جيل منحط من الناس يرتحلون كالبدو ويعملون الأعمال الخسيسة، ولذلك يحتقرهم جميع أصناف العالم من أهل المدن والقرى والبدو، وهم قلما تخلو منهم بلد ومنهم عدد كبير في أوربا. ولا تختلف عادات العشائر لأنها كلها في حالة أولية فطرية هدتهم إليها الحاجة إلى الحياة، فعشائر ولد علي والسرحان والمعجل والسردية والنعيم

стр. 1417

في حوران والقنيطرة والزوية، والزريقات في طرابلس والتياهة والعزازمة والترابين والجبارات والحناجرة والكعابنة والصرايعة والجهالين وفقرة وثباني وهارين وفرحات وزويديين وضواحك وسلامات وصقرير والرسيلات وأبي صونية والغوالبة في أقصى فلسطين أي في أرجاء بئر السبع وغزة والخليل والمجدل، وعشائر القدس ورام الله وبيت لحم وأريحا ويافا والرملة كالسويطرة وعرب النبي روبين والجماسين وأبي كشكو المالمة والعوجا والديوك والنويعمة والخطباء والفهيرات والعرينات والنصيرات والتعامرة والعبيدية والسواحرة وعرب حيفا وعكا وزمارين والناصرة وطبرية وصفد وهم الغابة والعواضين والشقارات والزبيدات والتواتحة والكمابية والضيبة وبني عزة والنغناغية والرمل التركمان وجسر الزرقاء وقسارية والفقرة ونفيعات والدمايرة والسواعيد والسمينة والغوارنة والسويطات والحجيرات والطوقية والمريسات وصبيح الحجيرات والمزاريب والسبارجة والجواميس والغزالين والتلاوية والمواسي والسرجونة والسدور والسمايرة والخرامية والسماكية والمنارة وكراد الخيط والملاحة والشمالنة والبويزية والزنغرية وزبيد وقديرية وطوبا وحسينية وعلمانية ووقاس والصويلات والنميرات، وعشرات من القبائل كلها متشابهة في عاداتها وأحوالها الطبيعية وجلها لا تسد مطامعه إلا الغارات واستباحة حمى المعمور، عرفوا بذلك منذ عرف تاريخهم. وكان الرومان خاصة يقيمون المخافر من اجتياحهم القرى ويقيمون لهم منهم زعماء يصدونهم عن الاعتداء بعضهم على بعض، أو يحولون دون اعتدائهم على المقيمين من سكان المزارع والدساكر. وفي تاريخ فلسطين أن العزة والسيطرة كانت في جميع بلاد الساحل والسهل البدو وأهل الدير، فبلاد السبع وغزة كانت منقسمة بين الغزارمة والحناجرة والترابين والجبارات، فالعزارمة يمانيون ومشايخهم أجداد ابن سعيد، وأمراء الترابين عائلة أبي ست، وأمراء التياها الهزءيل، وأنساب هذه القبائل غير صريحة فإنها مزيج من عشائر مختلفة وقبائل متنوعة وفيهم القيسي واليماني، وبلاد الخليل أكثرها قيسية ومقاطعة القدس يمانية وقيسية اه. وكما عرف البدوي بأنه يجير الملتجئ إليه، كذلك إذا آنس ضعفاً

стр. 1418

من أحد أبناء السبيل في البرية سرق منه ماله وثيابه أو هيمانيه ودابته، وندر أن يقتله فشأنه شأن معظم البشر عبد القوة لا يحاذر غيرها. ولطالما كان الجنود الشاميون أيام كانوا يفرون على عهد الترك من اليمن تطيل البادية عليهم أيدي الاعتداء تارة ويكسونهم ويطعمونهم تارةً أخرى، وهكذا كان الفار يعرى ويكتسي مراراً حتى يصل إلى المعمور من دياره. وماذا يعمل البدوي وماشيته ترعى أمامه، وكيف يصرف ليله ونهاره، وكيف تطيب له الحياة في الصيف والشتاء، وهو معرض لأشد الحرارة وأشد لا جرم أن البدوي، وهو بذكائه وفراسته معروف موصوف أكثر من الفلاحين أهل القرى، يعرف من الأخبار التي تهمه من أنباء العالم ما ينبغي له الإحاطة به، ويتناقله بسرعة البرق، حتى إن ما يحدث في الحجاز أو العراق، يصل خبره إلى ابن بادية الشام وما وراءه من العرب، قبل أن تصل السيارة والبريد، فينتقل الخبر في الأفواه من فم إلى فم، ويسمون الأخبار العلوم وأول ما يسأل البدوي في البادية أو المعمورة عن العلوم. وإذا لم يمن عند البدوي ما يتسلى به من القصص والأخبار التي تمون في العادة نمطتً واحداً يأخذ شاعر القبيلة ربابة يضرب عليها، ويفكههم من نظمه أو من محفوظه بأشعار. وفي الغالب أن يكون ما ينشدهم إياه بلهجتهم التي يألفونها. ويحتوي على الأكثر الحماسيات وأخبار الغزاة والغزوات وأيام الشجعان وحوادث الكرماء والضيفان. والرقص معروف عندهم وهو الدبكة أو السحجة يرقص في الغالب الفتيان والفتيات، دون الرجال والنساء المتزوجات. ومهور النساء غالية في بعض العشائر، وتكون من الجمال والشياه غالباً لا من النقود لقلة تداول النقد بينهم فهم يتقايضون الحاصلات، كما يتقايضون البنات بالحيوانات. والبدوي يخصب إن جادت المراعي من خيرات السماء، وإلا فقد أترب وأجدب، ونفقت دوابه فأعوزته اللقيمات. ويجلس الرجال في العراء في خيمة مضروبة تكون في الغالب خيمة الشيخ أو الغني، يتعاطون قهوة البن وهم يجيدون طبخها لفراغهم وتوفرهم على معالجتها. وقد يستغني البدوي عن الأكل أو يقلل منه كثيراً، ولكنه لا

стр. 1419

يستغني بحال عن تعاطي في كل ساعة فهي نقله وحلواؤه وشرابه المتنعش، وقد يصرف أحدهم ثمن بّن في السنة أكثر مما يصرف على طعامه ولباسه. وأحب الهدايا إلى قلب البدوي أن تحمل إليه مقداراً من البن. وطعامهم من أسهل الأشياء، مقصور على بعض الألبان والبّر والجريش والأقط والعصيدة، ولباسهم ساذج للغاية وكسوتهم متشابهة: قفطان من القطن، وعباءة خفيفة، وزنار عادي، وكوفية وعقال، ولا يلبسون في الأعم من حالاتهم قمصاناً وصُدَراً وسراويل، وأكثرهم حفاة، ويصطنع كسكان وادي موسى نعالاً من جلود الأباعر ينيطونها بحبال يدخلون فيها أباهِم أرجلهم تعلق بها. قّل أن تجد في البادية من يقرأ ويكتب، فقد تبلغ العشيرة ألف نسمة ولا تظفر فيها بمن يكتب جملة. ومن العشائر من تستأجر خطيباً من أهل الحضر يكون معها في مشتاها ومصيفها، ويعظم بما يعلم من أمور الدين. وأكثر البادية لا يتطهرون ولا يصلون ولا يصومون ولا يعرفون من الإسلام إلا أن الله واحد وأن محمداً رسوله. ولولا هاتان الكلمتان لقلنا إنهم كعرب الجاهلية حذو القذّة بالقذة وقد تصلي بعض القبائل كالرولة، ولما كان الماء يعوزهم في منتجعاتهم وتنقلاتهم فهم يتيممون صعيداً طيباً، والله يعلم هل يحسن أكثرهم قراءة فاتحة الكتاب، أو يعرفون سوره الصغار. وما كانت هذه العشيرة تصلي من قبل لولا أن لابسها بعض دعاة الشيعة وعلموا كل فريق منهم إقامة الصلوات، ولنقوهم بعض معتقدات التشيع من حيث لا يدرون. وقد تديّن اليوم أي دان بالمذهب الوهابي قسم من الروالة لما لحقوا بنجد، والمذهب الوهابي مذهب محمد بن عبد الوهاب وهو مذهب أحمد بن حنبل بأصوله وفروعه. وإذا كان من الأمور العادية في البادية أن تكون القبائل في خصام دائم، وهي أشبه بحكومات صغرى تتقاتل وتستعين بالغريب على خصمها، مست الحاجة إلى قضاة يفصلون بينها في المنازعات، وقضاتهم منهم يتقاضون عندهم بأجر معلوم، وأحكامهم سريعة نافذة، ومن أحكامهم ما هو مطابق للشرع

стр. 1420

الإسلامي، ومنها ما هو من بنات أفكار القاضي، أو يأخذه من العرف والعادة. والاختلافات تفض بين المتخاصمين على أيدي الرؤساء صلحاً على الأكثر وقّل أن يراجع البدوي الحكومة في مسألة لأن من أصولها البحث والتحقيق، وهو يحب قضاء عاجلاً، وأن يحكم له أو عليه في جلسة واحدة، وينفي القاتل في بعض القبائل سبع سنين فإذا صالح أهل القتيل ودفع الدية يعود إلى عشيرته، وتختلف دية القتيل بين ٣٣ ألف غرش إلى ١٥ ألفاً، ولا يحق عند بعضهم لأحد بعد سبع سنين أن يثأر للقتيل، والأخذ بالثأر كثير عندهم، ولا مدة عند معظمهم للمطالبة بالثأر. ومن المأثور عنهم أن البدوي أخذ ثأره بعد أربعين ستة وقال: إنني تعجلت أخذه. وجزاء السارق تغريمه المال المسروق من ضعفين إلى أربعة أضعاف، وينجو السارق بالفرار، ويدفع الضارب للمضروب إذا عطل منه عضواً نصف الدية. والزاني يرجم عندهم حتى يموت ولكنهم تساهلوا في هذا الحكم، والفحش عندهم على نسبة ما هو عند الحضر ويكثر في بعض العشائر ويقل بحسب اختلاطها بأهل المدن وبعدها عنها، والخمور لا أثر لها في البادية لأن العرب قلما يشبعون الخبز والإدام فمالهم إذاً والمدام، ولشطف العيش عندهم يعدون في الأعياد اليوم الذي ينزل على شيخهم ضيف يجب أن ينحر له شاة في تلك الوجبة مدعوون كلهم بالطبيعة، وعندما يأكلون اللحم فترى قطعانه تسافر من فوق الرؤوس حتى يطعم من المنسف البعيد منهم عنه، وتسمع عندها تعريق اللحم عن العظم أشبه بأصوات حيوانات وقعت على عظام. ويكثر تعدد الزوجات بينهم خصوصاً عند من يملك بعض نعجات أو بضعة أباعر فتراه طول النهار وجزءاً من الليل، تحت خيمته يتقهوى أي يشرب القهوة مستلقياً على قفاه، يقص أقاصيصه وينعم ببطالته، على حين ترعى امرأته وبناته الغنم والجمال، ويتحطبن الحطب أو يجمعن العشب، وتحمل المرأة الماء على رأسها من مكان بعيد، أو تستقيه في قرب تحملها على حمار إن كان صاحبها من أهل اليسار، وتستخرج المرأة الزبد والسمن وتعمل الجبن وتخبز الخبز وتهيئ الطعام. ويعيش أولادهم كالسائمة في البرية بدون عناية ويهلك معظمهم قبل الخامسة من العمر، ولهذا تكون أجسام من يفلتون

стр. 1421

منهم من الموت قوية تبعاً لقاعدة بقاء الأنسب. وهم لا طبيب عندهم ولا جراح ولا قابلة إلا ما تعلموه من أجدادهم من الوصفات، وثقفوه بطول الزمن في مداواة الجروح، ويداوون أكثر الأمراض المستعصية بالكي أو بأدهان وحشائش لهم يعرفونها. وأمراضهم قليلة بالنسبة لخشونة عيشهم وجشوبة طعامهم وقلة تطهرهم، وذلك لمكان الهواء النقي والشمس المطهرة من أجسامهم ولندرة ما يطعمون من الأطعمة المركبة من حامض وحلو وحار وبارد، ولقلة الهموم التي تساورهم وما تساور في العادة إلا سكان المدن والقرى ممن يفقهون واجبات الحياة، ويكدحون في طلب المعاش ولا يزالون مأخوذين بحب التقليد. والبدوي حاد النظر يرى الأشباح من مسافة بعيدة جداً، وقد يرى والقمر ليلة هلاله ما لا يبصره الحضري، ومن رآه في تمييز المرئيات عن بعد باعد، يكاد يصدق ما ذكرته العرب عن نظر زرقاء اليمامة. وكما كانت أبصارهم حادة كانت أسنانهم وأضراسهم سليمة براقة للطف أخلاطهم وتخليطهم. قال أديب وهبة: إن سكنى البدوي في بيت الشعر في البوادي المحفوفة بالأخطار والمشاق، وبعده عن الحامية وانتباذه الأسوار، قد ولد فيه عدة مزايا يمتاز بها على الحضري، منها الشجاعة والعصبية والكرم والوفاء والأنفة والنجدة فتوغل البدو في البادية، وتولعهم بالغزو والغارات قد جعلهم في قتال أو استعداد دائم للقتال، فأصبحت الشجاعة فيهم طبيعة، وتعذر قيام الفرد مهما كان شجاعاً بمقابلة العدد من العدو قد اضطرهم للالتجاء إلى العصبية، وهي التضامن المطلق بين أفراد القبيلة، حتى تطلب العشيرة بأجمعها بحق أحد أفرادها، وأقرب أسبابها لديهم الأخوة والأبوة والعمومة، ومنها تتألف الأسرة، ومن الأسر تتألف الفصيلة وتتدرج بهذه الصورة إلى القبيلة. والذي عليه عشائر الشرق العربي أنها تطلب وتطالب بحقوق أفرادها إلى الجد الخامس من جدود الطالب والمطلوب، أي لكل فرد يتصل مع إيهاما بالجد الأول أو الثاني أو الثالث إلى الخامس الحق بطلب حق قريبه، وعليه أن يخضع للحق المطلوب منه، ولهم بذلك قوانين وقواعد موروثة. ثم إن ابتعاد البدو عن المدن وتفردهم في الأرض المقفرة يضطرهم إلى إكرام

стр. 1422

الضيف والقاصد وحماية الضعيف والملتجئ، حتى إذا وقع أحد أفراد قبيلتهم بمثل هذا الأمر الذي يكثر حدوثه لديهم يتقاضى ما أسلفه. وقد قويت هذه المزية فيهم حتى ضرب بكرمهم المثل، وفاقوا به سائر الأمم. وإن مطاوي التاريخ العربي مستفيضة بأقاصيص كرماء العرب وكرمهم العجيب. والبدوي يعتقد أنه لا ذكر له ولا إرث أفضل من سمعة الكرم والجود. وإن هذه المزية لا تزال عند بدو الشرق العربي على ما كانت عليه في زمن أجدادهم الجاهليين فلا يحل ضيف بيت أحدهم غنياً كان أو معدماً، إلا ويسرع لتهيئة كل ما يرضيه ويسره، وإن الكثيرين منهم يضطرون إلى تحمل أعباء الدين الثقيلة لإرضاء قاصدهم. وإذا استأمنهم مستأمن على أمانة فدوا لحفظها أموالهم وأولادهم وأنفسهم، وكذلك إذا التجأ إليهم خائف، أو استجار بهم مظلوم، أو نزل عليهم موتور مطرود. رأي في الأخلاق الشامية: تمثل الأمم في العادة طبقتان من أبنائها الوسطى والعليا. والطبقة الدنيا وهي طبقة العامة مستتبعة لا متبوعة، لأن ما هي فيه من تأخر أسباب الحياة، لا يترك لها مجالا للتفكير في شئ، غير ما يقع تحت حسها مباشرة، تشتد حاجتها الطبيعية إليه. وقد تقلد الطبقة السفلى الطبقة الوسطى تقليدا خفيفا لا يكاد يشعر به، وتقليد الطبقة الوسطى الطبقة العليا أشد ظهورا من تقليد الدنيا للوسطى. وتتجلى في الطبقة العليا مظاهر السعة في العيش، والبسطة في العلم أو الحضارة، وهي أبدا حريصة على مكانتها، تحاذر سقوط شأنها من أنظار الطبقتين التاليين، وتعد السؤود كل السؤود، ما هي فيه من جاه ومال ومجد وعلم. يعد من الطبقة العليا العلماء والعظماء والقواد وأرباب الأموال، ممن يسيرون الجماعات إلى حياتها أو موتها، وينفثون في روعها ما يرقع مستواها العقلي، ويطهرون نفوسها من الآثام والآلام، وبأيديهم ربدة ثروة الأمة وجهودها، وإليهم منتهى ما بلغته قرائح أبنائها يمثلون التسلسل في الفكر، وتتجسم فيهم الإرادة الثابتة والعزيمة الصحيحة، وهم صورة البيوت الخالدة

стр. 1423

ومنعكس التأثيرات الطريفة والتالدة، ومثال الشعب ورقيه ووجهه الوضاح الجميل، وفي قبضتهم مفاتيح المفاخر ومغاليق المآثر وهم المذكورون وهم المشهورون، ومصير غيرهم إلى الخمول والعفاء. من أجل هذا كان على تلك الطبقة أن تتحلى بحلي الفضيلة والشرف وأن تكون عفيفة الطعمة حسنة الأحدوثة، بعيدة عن الموبقات والبذخ والسرف، بأيدي العاثرين والبائسين، وتلقن أبناء أمتها علماً ينتج الثروة ويحفظ المجد، ويولي الكرامة. وإذا جُنت بالظهور من دون استعداد له وحاولت الاحتفاظ بمكانتها دون أن تتذرع بأسباب البقاء، وبتجديد مواد حياتها الحين بعد الآخر، فإن عزها لا يلبث أن يزول، وسعادتها توشك أن تضمحل، ومن العبث أن تعيش هذه الطبقة بشهرة أجدادها من الحكام وأهل الشرف وأرباب المظاهر، وأن تعتقد أن جماع المفاخر وقف على أحسابها وأنسابها، وتطلب من كل إنسان أن يرفع مقامها لأن من أجدادها من كان على شيء من الفهم أو الظهور، أو أنه كان يسفك الدماء ويستحيل أكل أموال الناس حتى أثرى وخلف عقاراً وقرى وصامتاً وناطقاً. ورب صعلوك في نظر المتمجدين كبير في عيون الخلق. والكبير من كبرت أخلاقه، ونفع الناس وانتفع بهم. وإذا جئنا نحاسب مثلاً بعض من انتسبوا إلى الدين، وهم أشرف الفئات في العرف نراهم أقرب الناس إلى امتهانه بأعمالهم، يأتون ما لا ينطبق على جلال منزلهم. فقد فشت المطامع فيهم واستحلوا الأموال مهما كان لونها وطعمها ورائحتها، وأتوا للاحتفاظ بمظاهرهم القديمة من الأعمال ما بدت به مقاتلهم، فقضوا بفساد ذممهم على أوضاع الأمة، وركبوا مراكب الهوى واستمرأوا لأنفسهم أكل ما اعتقدوه حلالاً طيباً فأضاعت الأمة مشخصاتها ومقوماتها، وأصبحت مزيجاً غريباً لا تعرف كيف تكيفه. وليس في المجتمع من يناقشهم الحساب، وكيف يناقشون وهم المرجع وهم الهادون. وكان المشار إليهم بالبنان من أهل هذه الطبقة في الدهر الغابر، يدلون بشممهم على الخلفاء والسلاطين، ويسيطرون بإخلاصهم على القضاء والحاكمين، ومن هانت عليه عزة نفسه يوشك أن يستهين بكل محمدة. ولقد أدركنا أحد كبار الشيوخ

стр. 1424

العلم، لما شاهد هذا التسفل في طبقة العلماء يشير على طلاب العلم الديني أن يتقن كل واحد منهم صناعة حتى لا يسفّ لأحد يستجدي نواله، ولا يمسي عالة على أبواب الحكومات وأرباب السلطات، أن احتاج إلى صناعته احترف بها. وإلا كان لمناصب الدين والدنيا مخطوباً لا خاطباً. ولي سويد بن عبد العزيز قضاء بعلبك سنة ١٦٧هـ وكان محتاجاً، فلقيه داود ابن أبي شيبان الدمشقي فقال له: يا أبا محمد وليت القضاء بعلم العلم والحديث. قال: نشدتك الله أتحت جبتك شعار؟ فقال داود: نعم. فرفع سويد جبته وقال: لكن جبتي ليس تحتها شعار. وقال: أنشدك الله هل هذا الطيلسان لك؟ قال داود: نعم. قال سويد: فوالله ما هذا الطيلسان الذي ترى علي لي، وإنه لعارية، أفلا ألي القضاء بعد هذا، فوالله لو ولوني بيت المال فإنه شر من القضاء لوليته اه هذا قول عالم في زمن كان صاحب السلطان يطلب الأكفياء إلى القضاء فيفرون منه فرار السليم من الأجرب. ومنهم من ضرب لأنه لم يقبل أن يلي القضاء، وكان محتماً عليه قبوله لانتهاء الرياسة في العلم والعمل إليه. كان هذا في ذاك العصر الذهبي فما بالك بالعصر الأخير، والجهال يتطلبون مناصب الدين إلا في الندر، ويقدمون لتوليتها الرشي والهدايا وقل فيهم النزيه الذي يستحق أن يطلق عليه اسم العالم، أفلا تسقط بجدك هيبة هذه الطبقة من النفوس بعد هذا؟ وبينا تجد بعض القائمين على الدين من أهل السواد الأعظم لا يهتمون لغير إملاء جيوبهم وبطونهم، تشاهد بعض رجال الدين من أبناء الطوائف الصغيرة يجمعون شمل من التفوا حولهم، يقودونهم إلى محجة سعادتهم، ويؤسسون لهم دور التعليم والقربات، وينشلونهم من السقوط الذي صاروا إليه بحكم الأيام. فلا بدع إن جاء مجموع الطوائف المسيحية على قتله في الشام، أرقى من مجموع الطوائف الإسلامية على وفرة عدده وسعة ثروته. وكان من أثر الرياسة الدينية المنتفية من الإسلام أن استخدمها أهل النصرانية في المصالح المهمة، فكان لهم فيها عموم النفع. وكانت هذه الرياسة على ما فيها ناجعة في تهذيب الشعب عندهم، فأخرجوه من تيه الفوضى إلى باحة النظام. وهذا هو سر الترتيب الذي تراه ماثلاً في المجتمع النصراني وهو على

стр. 1425

حصة ضئيلة في المجتمع الإسلامي ولا يؤاخذ الإسلام بانحطاط أهله وما المؤاخذ إلا من أخذوا على أنفسهم عهداً بأن يطبقوا مفاصله فأهملوا واجبهم، ولو كان الدين عاملاً من عوامل سقوط أمة ما كانت اليابان وهي تدين بالبوذية في مقدمة أمم الأرض علماً وعمراناً. ولا مشاحة في أن من طبقة الدينيين فئة صالحة، ولكنها كانت في كل عصر تلقي الحبل على الغارب لغلبة اليأس عليها، وهناك فئة أشد تأثيراً وظهوراً وهي التي طالما قدمت وأخرت وباعت من هذه الأمة المسكينة ما شاءت وشاءت منافعها ودارت في كل دور مع مطامعها كيف دارت. إلا أن الدهر عاقب هذه الطبقة بما احتقبته من الكبائر، فضربها ضربة آذنت بانقراضها لأنها لم تجار الزمن في نشوانه، كأن تكون مثال الفضائل تربأ بأنفسها عن الغيبة والنميمة وتتشرب أفئدتها حب الصدق والصدع بالحق وتتحامى مزالق التغرير والتضليل وتحضر وكدها في واجبها من إرشاد العامة من طريق العلم الصحيح، في زمن أشتد فيه النزاع بين القديم والحديث، أو بين الدين والإلحاد، وتجلى الانتقال في كل مظاهر الحياة. وما زالت هذه الفئة تحاول أن تسترد بالثرثرة والتبجح مجداً زائلاً، وهي في حالة المحتضر ولا تبدئ ولا تعيد. وما تحدثت أن تخرج من جهالتها، وتتطور بطور العصر، وتأخذ بحظ من العلم الديني والمدني، وتتحلى بشيء كثير من مكارم الأخلاق. كان أحد أفراد هذه الطبقة أبلى في الدعوة الدينية بلاء حسناً، ورزق قلماً ماضياً، وعزماً مؤاتياً، واستعد للنزول والنزال في ميدان دعوته، يحمل أكثر أدواتها. وما عتم أن ترك ما هيأته الفطرة له وأكسبته إياه التجربة وطول المدة وحاول بلوغ مظهر جديد اعتقد أنه جماع المظاهر، وهو لم يتمرس بآدابه، ولا يعرف مداخله ومخارجه، وغلبه حب الشهرة فادعى ما لم يخلق له ولا تخلق به ونسي الغرض الذي يضطلع به، وراح يستغل موضع الضعف من فطرته ولا يعمل فيما يرجى فيه كماله، ترك سيرته الأولى وهام بمظهرة الثاني، زهد فيما يحسن وحاول التلبس فيما لا يحسن. وغريب من إنسان لم يقنع بمنزلة طيبة وضعته فيها بيئته وتربيته، ويجاهد جهاداً آخر في ساحة الوغى ولا سلاح معه يستخدمه، ولا آلة من أدوات الحرب يتقنها، الذكاء

стр. 1426

وحده ينفع إلى حد معين، وأدوات النجاح في طريقة تحتاج إلى علم وفطرة. والعلم بالتعليم والتريض، والفطرة هبة لا تباع ولا تشترى. أنت يا هذا إذا حفظت قواعد علم من العلوم، يتعذر عليك إن تدعي الكيمياء والطبيعة أو السياسة والاجتماع، علوم مختلفة طويلة الذيل لا ينفع معها التخليط. القواعد المجملة التي تحفظ من كتاب في موضوع تحتاج في إتقانها إلى صرف طائفة طويلة من عمرك فلا تعطيك القريحة قياد كل أمر ولا تسير في سبيلك كل دعوى. ولذلك ترى من هذه شأنه صاعداً متدلياً، ينفي اليوم ما أثبت أمس ويحارب حيناً من سالمه زمناً يصانع أرباب القوة طوراً ثم يقلب لهم ظهر المجن تارة، إذا لم يستمرئ ما أطعموه ولم يستقبل من أمره ما استدبر في وضع الخطط التي خطها لهم، والناس كلهم في نظره صغار عقول وأرباب فضول وهو لا يرى غير نفسه استجمعت ضروب المحامد، ولذلك لا يضن عليها بما يمجدها، ويضع الألقاب الضخمة لها وينوه أبداً بما انطوى عليه من شرف وعلم وعمل، ومن رضي عنه من الناس ينيله من عطفه ما لو وزن أيضاً في ميزان القسط لشالت كفته. والعاقل من أنصف نفسه قبل أن ينصف الناس منه، ومن ظلم نفسه كان حرياً بأن يظلم غيره، ولهذا أمثال غير قليلة فيمن يلقبونهم بالبارزين والخواص أي النابهين. نموذج آخر. بينا تجد الأول يجرع دعوته كما يجرع الصاب والعلقم ويستعلي ويستطيل ويحاول أن يثبت أنه مصدر كل خير، لو استمع الناس له لتمت سعادتهم الدنيوية والأخروية، ترى أخاه قد أتخذ في الحياة غير طريقته وخالفه في سيره وسيرته، فقد لقن في صباه مجملات يحكم فيها بالجزيئات على الكليات حكماً مسمطاً ويتلطف ويتطرف ليجد السبيل إلى قلوب العامة والسوقة لأنهم كثير سوادهم يستميلهم بالدعابة والفكاهة، وماذا يهمه من الخاصة وهم قليل عديدهم، وما يناله من غضبهم ورضاهم ما دام الجمهور عنه راضياً. وأحسن ما يراه للوصول إلى قلوب العامة أن يرضي كل صاحب سلطان، لأن في رضي القوي تنطوي المظاهر والدنيا وهو عبدها وغايته من الحياة السجود على أبواب سدنتها، لا يبالي أن يصعق

стр. 1427

كل من لم يمالئوه، ويتوهم أن النقاد لا يفرقون بين الزيف والبهرج، ولا بين الهازل الماجن والمجد المجاهد، والعلم الحقيقي يولي صاحبه عزوفاً، وإذا قرن بالتهذيب لا يحاول صاحبه درجة إذا تخطاها أدركه العثار. عرفت عالمين دينيين أريدا على أن تفتح لهما أبواب الرزق، وتغدق عليهما المظاهر على أن يسفا إسفافاً خفيفاً يكون في السكوت عن رجل كان لهما صاحباً قديماً فحاز مظهراً كبيراً من مظاهر الدنيا حسده عليه عبيد المطامع والشهوات، وكان جوابهما كل مرة أن من لا يعمل للمصلحة العامة لا يستحق صداقتنا ليأت ما استطاع من الخير ونحن بالطبع له الأخلاء الأوفياء لا نريد منه جزاء. وهكذا قاطعاه وهو الحاكم المتحكم في الدولة، وهكذا عزفت نفسهما عن أن يرقصا للقرد في دولته ويزينا للظالم ظلمه وهو في أوج عزته. زهدا في الجاه العريض لزهد صاحبه في الفضائل وشدة هيامه بدرهمه وديناره. رجلان يأكلان اللقمة بالتسفل والرياء وآخران جاهرا بأنها تؤكل بدون هذا. وهذا مثال من أخلاق بعض المعاصرين، وعبرة للأعقاب في الغابرين. ظهر التعطيل في الإسلام منذ قرون، بما قام به المبتدعة من أهل الطرق وسخفاء الدجالين والقصاصين، فانحطت العقول وضعف مستوى العلم والتهذيب في الناس فمن تصدى يا ترى لمحاربة هذه الضلالات التي لم ينزل بها سلطان؟ قشت أخلاق سيئة تخالف هدي الدين فتغافل الموكل إليهم هداية الخلق عن انتشار سمومها كأنهم يقرونها، وتركوا رعيتهم هملاً كالسائمة. وكانت دروس العلم مباحة مورودة إلى أوائل هذا القرن، وبتساهلهم كاد العلم الإسلامي ينقرض. وجاء كثير من مرتزقة الوعاظ والخطباء والأئمة والقضاة جهلاء يفتون بغير علم، ويخطبون بالمبتذل الساقط، ويلهون الجمهور بالقشور، ويبيعونه من سلعهم الكاسدة ما لو ائتمر العوام بأوامرهم لرجعوا ألف سنة إلى الوراء. وإذا اجتمع هؤلاء الدينيون إلى أكثر زعماء الأديان الأخرى، ظهر الفرق بين التقصير والعناية وتجلت المباينة بين من ساروا مع الزمن، ومن عاندوا الحقائق وحاربوا العقل وجمدوا في الفكر، ومالوا إلى الكسل عن عمل. وفوق هذا تراهم يجمعون أموالهم بخرق حرمة كل

стр. 1428

قانون وشريعة، وهم متخاذلون متفاشلون لا يكاد واحد منهم يزكي أخاه، ولا تجد خمسة منهم اتفقوا على مقصد واحد من مقاصد الخير. والعاقل يرجح الأمية على هذا العلم الذي لم ينتج خيراً لأهله ولا لغيرهم، والأميون لا تصدر منهم هذه الجرأة على العبث بناموس الكمال. ومن تفلتوا من حدود الشرائع على فربهم منه، كانوا أشد انتقاضاً عليها من الجاهلين والغافلين. وتتصرف على هذه الطبقة، طبقة تلتحم بالخاصة أو العليا أيضاً، من جماعة المتعلمين على الأصول المدنية الحديثة، فقد دب في بعض هذه الطبقة سوس الفساد ولما تزل في بدء تأسيسها، وظهر لأرباب البصائر أن الدروس الطبيعية والرياضية والاجتماعية والفلسفية والحقوقية تنير العقل، ولكنها لا تحسن الأخلاق، إذا كانت منحطة من أصلها. وربما كان العلم في بعض هذه الطبقة أداء شر تستخدمه حبائل لصيد ما يسد المطامع. والأخلاق مغروسة في الدم والأسرة، والعلم صناعة يتعلمه الذكي الدائب. وقد تلونت صبغة هذه الفئة في هذه الأرض الطيبة، بألوان أهوية الأقاليم وجوائها، بل بألوان المدارس التي تخرجت بأساتيذها، فمن تعلم منها في مدارس التبشير التي بها أهل أوروبة وأميركا على آسية وإفريقية، جاءت إلا قليلاً منحلة من ربقة حب الوطن وعهدة حب الجماعة، واستحكمت في كثير من أفرادها الأنانية والأثرة استحكاماً هون عليها كسرة قيود الحكمة والخروج على الأدب الصحيح. وقد اشتهر بعض هذه الطائفة بمعاداة الدينيين والأعيان، والإزراء بسائر الطبقات وأكل الحسد والحقد قلوبها، فهي لا تتحاب بينها ولا تحب غيرها، ولا تعرف من محيطها أكثر مما يعرف الدخلاء. شمخت بأنوفها، واحتقرت كل من لم يجر على مثالها، ولا تثقف تثقيفها. ومنهم من دفعه ما لقفه من تربية وحصله من تعليم ناقص، إلى خدمة الغريب، والفناء في محبته والدهشة بكل ما يأتي على يده وقبول كل ما حمله من خلق وثقافة والتغني بتاريخه ومجده والتغزل بجمال بلده والإعجاب بأوضاعه، أخذ كل ما أعطاه شاكراً مغتبطاً، فخرج بذلك عن قوميته، وكثير منهم هجر بلده، إلى مكان ينبت بزعمه العز ويدر أخلاف الرزق.

стр. 1429

ومنهم من تعلموا في مدارس الدولة المنقطعة وتخلقوا بغير أخلاقهم، وانحلوا زمناً من قوميتهم فلا يفكرون ولا يتكلمون إلا بالتركية، ولا يكتبون إن كانوا ممن يحسبون الكتابة إلا بالتركية. فلما تبدلت الحالة السياسية بعد الحرب العامة دفعتهم الضرورة إلى ادعاء العربية وكانوا من قبل يعقونها وهم من أبنائها، زاعمين أنهم تبدلت أخلاقهم بمجرد الانتقال من دور إلى دور. وليست الأخلاق بدلت تنزعها، ولا طلاء تزيله وتستبدل غيره به. ولما كان معظم من تعلموا هذه العلوم في العهد السابق من أهل الطبقات النازلة في أصولهم، كان الموروث ولهم والمائل فيهم من الأخلاق مثلاً من أخلاق أهل جرثومتهم، ولذلك هان عليهم ويهون في كل دور أن ينزلوا عن مشخصاتهم لأول طارئ. وهذه الفئة مضرة بأخلاقها أكثر من الجهال لأنها تعلمت تعليماً ممسوخاً ظنته كل شيء. ومذ فارقت المدارس التي تفاخر بأنها تحمل شهاداتها، وكثيراً ما نال شهاداتها المتوسط الغبي، ظنت أنها قبضت على قياد العلوم وودعت الكتب فصارت ترجح القهقري في معارفها الأولية وتجلت أخلاقها في كل ما عانته من الأعمال، فكانت إذا وسد إليها أمر تلتهم الأخضر واليابس، وإذا بدا لها طمع تهزأ بالفضائل إذا لم تجلب لها السعادة التي تتصورها. رأى المجتمع من سقوط الأخلاق في بعض أهل هذه الطبقة ما تندى الجباة من تسجيله: رأى منهم من يقول ولا يخجل أنه إذا قيل لهم: إن الحالة الحاضرة ستتبدل بعد عشرين سنة يفكر مذ الآن في أمر راتبه الذي قبضه من سلك ما كان يحلم أن يحشر في جمله أهله، ويقول أبداً: اعذروني إذا خدمت أغراض كل صاحب قوة كما يشتهي، وإذا كنت آله في كل ما يحب. هو غني الجيب فقير النفس. جاهل يحشر نفسه في العلماء، والطبيعة تضعه حيث تريد. ومنهم من جعل رأس ماله في مصانعه ولاة الأمر مهما كانوا والتقرب إليهم بكل حيلة، لينال مظهراً يظهر به، لاعتقاده واعتقاد كثيرين أن الشرف كل الشرف في التقرب من الحكام، وأن كل مجد جاء من غير طريقهم لا وزن له إذا نصبت الموازين، وهؤلاء المتصدرون أسوأ مثال لمن حولهم.

стр. 1430

يحبون إليهم الاتكال وضعة النفوس، وكأنهم يقولون: إن سبيلهم لا غيرها في سبيل الفلاح والتمجد، وأن الفضائل لا شأن لها أمام المغانم. وأن العلم لا ينفع بغير تدليس، والطريق المسلوك عندهم طريق المداجاة والمحاباة، وإتقان المؤامرات والسعايات. ومنهم أناس ظنوا وبالسوء ما ظنوا، أن السعادة مناط القحة، والسعادة هي المال، والمال محلل أخذه من كل وجه، فتراهم يرتكبون كل شأئن من العمل ليجمعوا مالاً ويعددوه ويستمتعوا بمتع الحياة، فهم حراص على كل ما يوصلهم إلى غايتهم، سلاط في التسور على مقامات أهل الفضل، يصمونهم بكل كبيرة وينبزونهم بالخفة والرعونة. جوزوا لأنفسهم السرقة، لأنهم لا مأرب لهم في غير الإثراء، وجمع المال جماع المزايا في نظرهم. احتقروا الشرائع عليهم بتبديل مذهبهم والتقرب إلى أهل كل دين وطريقة بدينهم وطريقتهم. ولو أنصفوا لعدوا لصوصاً عارفين باللصوصية، واللص يسرق خفية من طريق واحدة قد يكون فيها مكرهاً ليطعم نفسه وعياله، وهذا يسرق جهرة من كل طريق ويزيد على لؤم طباعة تبجحاً بالمبادئ والشرف والأمانة، ومن الغريب أن يرى حتى من الأذكياء من يجلونه أو يغالطون أنفسهم في انحطاط أخلاقه وهم يعرفونها، ورحم الله شاعر مصر إسماعيل صبري حيث قال: غاض ماء الحياة من كل وجه ... فغدا كالح الجوانب قفرا وتفشى العقوق في الناس حتى ... كاد رد السلام يحسب برا أوجه مثلما نثرت على الأج ... داث ورداً إن هن أبدين بشرا وشفاه يقلن أهلاً ولوأد ... ين في الحشا لما قلن خيرا ومنهم أناس ورثوا عن آبائهم استحلال آكل السحت والعبث بحقوق العباد. فلما تلقفوا القشور اللازمة لهم في المدارس التي سموها بالعليا ومرنوا على النفاق والباطل ومردوا على آداب الأديان وخرجوا عن أوضاع المجتمعات، جاءوا سراقاً يسكنون القصور، وعاشوا طول حياتهم في ذل النفوس، يجمعون بين المنازع المختلفة في وقت واحد علماً بأن إحدها لابد أن تكتب له الغلبة، فإذا نجح كان لهم حظ من نجاح أهله، وإذا أثمر الآخر لم تفهم خيراته، جعلوا

стр. 1431

بيوتهم للخمر والقمر أندية ومسارح، وفطموا نفوسهم إلا عن إشباعها المال الحرام. وهم بأصحاب الملاعب أشبه منهم بالمتعلمين أصحاب المراتب، وإذا دخل الغر حانتهم وفيها كل مفعول جائز هلن عليه انتهالك الحرمات، وإذا عاشرتهم تعلم في بؤرتهم من التزوير والتغرير ما يعاب به الحيوان فضلاً عن الإنسان. ومنهم من ورثوا التذبذب من بيوتهم وأخذوا الدس والوقيعة بالسند المتصل بآبائهم، وكان قصارهم أن يحزوا مناصب تمكنهم من المتاجرة بحقوق الناس ودمائهم، ليتأثلوا وينفقوا في السفه ما تألثوه، فهم لا يستنكفون عن التقرب من أصحاب الشأن بكل ما لديهم من الوسائط، ويبسمون لعامة أصناف الناس بل ويصانعونهم على الجملة يعرف كذب مصانعه، ومع هذا يمضون في طريقهم وهم لا يحبون أحداً ولا يحبهم أحد. ونزع عقيدة عرفوا بها أمس، لتقلد غيرها اليوم، أسهل عليهم من نزع أحذيتهم وقمصانهم. قضوا أعمارهم في نصب الحيل والمكايد، لا يلذهم من دنياهم غيرها، وأكبر أفراحهم يوم يغشون ويسري في الناس غشهم، كأن المدرسة التي تعلموا فيها لم تعلمهم غير ذلك. ولكن هي الفطرة إذا فسدت فكل خير يأتيها يكون عارضاً عليها، تنبذه ولا تسيغه. ومنهم أناس عرفوا منذ قبضوا على زمام أعمالهم بسلب نعمة الضعيف ومحاولة التقرب من القوي نبذتهم الطبيعة أولاً، ثم عمي الدهر عنهم فبلغوا مأربهم من المراتب، ولم تسعهم جلودهم يوم شاهدوا العز بعد الذل، فظهروا في مظاهر من الكبرياء والعظمة، ومن أين للسافل بأصله أن يكون في فرعه عالياً. حصروا هممهم في العبث بالمصالح العامة، يفكرون بغير إملاء جيوبهم، والدهان لسادتهم مهما كانوا، وتوفير المنافع لمن يحف من حول عروشهم، وإن كانوا من أحد الطبقات معرفة وأخلاقاً. وقد رأينا من هذه الطائفة من يغير سيرته في السنة الواحدة مرتين، ويدخل في آن واحد في عدة أحزاب وجمعيات سرية وجهرية، يقسم لكل واحد منها اليمين الغموس، معاهداً طائفة على الإخلاص لطائفتها وحزبها وطريقتها دون غيرها، وهو لا يتوقع من هذه المرونة المستغربة إلا أن يكون له شأن مع كل

стр. 1432

حزب إذا كتب له الظهور. ومن هذه الفئة أُناس لا يهنأُ لهم بال إلا إذا اغتنوا، فلما انتفخت صناديقهم بالوًرَث والوَرِق، ضيقوا حتى بنيهم وبناتهم لئلا يسرفوا في أموالهم، فاضطروهم إلى ارتكاب كل شنعاء، أما هم فعادوا يدعون الفاقة، فتراهم لا ينفقون إلا ما يحفظ عليهم مظهرهم، ويوصلون إلى مراميهم، كأن الدينار جعل للخزن فقط، والسعيد من يجمعه ولو لم يستمتع بع حياته. ويخلفه لمن هم عليه أشداء الأعداء، ويصرفونه في العهر والخمر والزمر والقمر. ولو أنصف هذا الظهور له أيضاً إن تاقت نفسه إلى الظهور. ومنهم طائفة تصلي وتصوم، وتلزم المساجد ودروس الوعظ، وتتظاهر بالدين، وتتقرب إلى حملة الشرع وأرباب الصلاح لا تُفلت السبح من أيديها، تتظاهر بأنها تذكر اسم الله في غدوها ورواحها، وهي في باطنها من أشد الخلائق عداوة للإنسانية، تقول بألسنتها ما ليس في قلوبهم، ولو كشفت عنها الغطاء لأيقنت أنها نمن الشفقة بحيث لو شاهدت صغاراً يتضورون جوعاً ما أطعمتهم فتات موائدها، ولو بَصُرت ببائسين يرتعدون دنقاً وعرياً ما كستهم بلاس بلاط ولا زودتهم حثالة مطابخها وأهرائها، وإذا وقع لها أن أكرهت على نجدة بائس نؤوف تبجحت بما أتت، وقامت تومئ بلسان الحال إلى أنه لولاها لنهار بناء الأمة وتداعت صروح مجدها، وتوهم أساليب غريبة مضحكة. ومنهم أناس إذا عرفتهم في العهد الماضي عرفتهم بعجمتهم التي لا غبار عليها، وهم ما كانوا يجوزون لأنفسهم التكلم بلغتهم الأصلية، فلما تبدلت السياسة تبدلوا لساعتهم، وصاروا لغير ما سبب معقول حرباً على من كانوا بالأمس يتمنون رضاهم، وأخذوا أنفسهم وأبنائهم بتعلم لغة من جاءوهم، وغيروا عاداتهم ولهجاتهم، وأنشئوا يستخدمون كل الطرق للاحتفاظ بكراسيهم، حتى إذا جلسوا عليها نسوا فضل المفضلين عليهم، وقد عاهدوا أنفسهم أن يخدموا كل صاحب قوة بالصورة التي تروقه مع

стр. 1433

ذكاء فيهم وتجربة أحرزوها فهان عليهم أن يبيعوها مقابل عرض قليل ومظهر ضئيل. التجسس فيهم فطرة والإزراء بالقومية والوطنية من مألوفاتهم ما أساءوا استعمال ما ائتمنوا عليه إلا ليغتنوا بطرق عرفوها، ويغنوا أبناءهم ولو كان في ذلك هلاك مئات من الناس. ومنهم أُناس كانوا في أخذ المال كالعلقة يمتصون الطاهر وغير الطاهر ثم يفيضون منه على القانع والمعتر، ويطعمون الطعام ويكسون الأيتام. ومنهم من جمعوا العشرات الألوف ومئات الألوف ولا تجود أنفسهم بدانق لتعليم أطفال الفقراء وإنجاد البائسين وإكساء العراة. وإذا تصفحت جرائد الجمعيات الخيرية التي قامت في العهد الأخير لتعليم اليتامى وإغاثة المحاويج، ولا تسقط فيها إلا نادراً على أسماء بعض أرباب السعة، بمعنى أن هذه الطبقة كانت أقل الناس في معاونتها. والطبقتان الوسطى والنازلة هما اللتان جمعتا الدرهم فوق الدرهم، اقتطعتاه من رزق عيالها، لتطعما به من هم أجوع منها، وتنشل من السقطة من هم أكثر سقوطاً من بينها. وفي هذه الديار عشرات من الأغنياء يدمجون في سلك الأعيان يعتزون بأموالهم، ويضنون بها كل الضنانة، اللهم إلا إذا كان في صرفها إرضاء شهواتهم، وتوفير أنواع رفاهيتهم. وإذا أشير إليهم أن يشاركوا في المصالح الوطنية لووا وجوههم، وهزءوا في باطنهم بهذه الأعمال التافهة، حتى إذا حلت بهم مصيبة أخذوا يستنجدون ولا ينجدون، ويطاقون ألسنتهم في رجال كانوا بالأمس يقدسونهم، وأنهّى للأمة أن تعرفهم أيام شقائهم، وهم لم يتعرفوا إليها أيام سعادتهم. وهذا وهم أنصار كل حكومة تسوغهم أكل حقوقها وحقوق الضعفاء، وتطلق أيديهم في ظلم الفلاحين والمغفلين، وتعاونهم في محاكمها على فض قضاياهم بما يتفق مع رغائبهم، وتوسد إليهم أمورها المنتجة لهم مالاً وجاهاً. في هؤلاء الأعيان رجل كان عنده من أدوات الزينة والتبرج ما يساوي المئات من الدنانير، وربما كان ثمن ربطات رقبته المعمولة من الحرير لا يقل عن ألف جنيه، لأن عددها كان ألفي ربطة معروضة في قاعة كبيرة وكنت إذا أردته على أن يبتاع جريدة ليقرأها شكا إليك ضيق ذات يده،

стр. 1434

وأظهر أن القراءة مما لا تسمح له به أوقاته الثمينة، وكان يدفن أمواله في الأرض حتى لا يظهر عليها الناس إذا وضعت في المصرف، فظهر ألوف بعد أن أصيب بنكبة اضطرته إلى نبشها. وبلغ الشح ببعضهم أنه كان يطعم خدامه وأولاده طعاماً غير ما يطعمه نفسه وزوجه، ويدعى مع كل من يجتمع إليه أنه فقير مملق، لا طاقة له على تحمل شيء، فلما اضطر إلى الكشف عن دفائنه كانت ألوفاً عدا ما يسلفه بالربا الممقوت أضعافاً مضاعفة وعدا مزارعه وحدائقه. ومن الغريب أن يتطوع مثل هذا الرجل الذي رد إلى أرذل العمر في الجاسوسية وهو يتظاهر بالتقوى. وأكثر هؤلاء الأشحة يظهرون في العامة بمظهر المتصدقين والمحسنين، وكأن تجود نفوسهم ببعض دريهمات لبعض المستكدين على رؤوس الأشهاد، ليقال عنهم إنهم أهل خير وصلاح. وهناك رجل يكذب على قومه طول حياته الطويلة، بنسبه وعلمه وتقواه، فلم يعدم ضعاف العقول من صدقوه في دعاويه، وعاش بمداهنة الناس وبلغ من ثقة القوم به أنه إذا حانت منية أحدهم، يلوب على من يأتمنه على أولاده بعده، فلا يجد غير هذا المزوّر يقيمه وصياً على عياله لما اشتهاه من أمانته بين السذج في كل دور، فلا يلبث مال الموصي أن يمزق بيد الوصي. وهكذا كان هذا الدعي بعد نصف قرن من المشار إليهم المجمع على تكريمهم، وقد عرف أيام تنولي القضاء بتبرئة المجرم وتجريم البريء. ومن العجب أنه لم يسأله أحد من أين جاء بثروته، والعادة على الأكثر أن لا يسأل الغني عن طرق غناه بل يتمسح به ويتبرك بأنفاسه، ولو كان لا ينزل منه عن قطمير لأحد. ظهر الكثير من العامة في حوادث وقعت بمظهر الغيراء على المصالح الوطنية، وأبانوا عن حمية وأريحية ما كان يرجى صدور مثلما من أرباب الطبقة العليا، ولا ممن اعتادوا أن يجعلوا من الأديان سلماً إلى درك شهواتهم، وقام من صفوف الأميين وأهل المتربة أُناس جعلوا هدفهم ما اعتقدوه حقاً نافعاً مخلصين في أقوالهم وأفعالهم، معتقدين الخير فيما بذلوا أنفسهم ونفائسهم في سبيله. وتجلى النبوغ في أفراد منهم بحكم قانون الرجعة، فأثبتوا في الشدائد بهذا الشرف المغيب أنهم ربما كانوا من سلالة عظماء أكارم. وهناك أُناس ظاهرهم مهذب براق أثروا

стр. 1435

امتهان النفس في أخس الأعمال مقابل عرض ينالونه أو إقبال يتخيلونه، فارتكبوا كل ما يورثهم عار الأبد، فكان ظاهرهم مجملاً، وباطنهم خبثاً وخديعة، يفادون بكل ما ليس لهم فيه مصلحة، ويداجون كل من يلقاهم بما يريد، ولعلك على حق إذا قلت إن صيغ الكلام تضيق عن وصف أفعالهم. فهم ممن حُبب إليهم من دنُياهم أذى القريب لا ينامون ملء جفونهم إلا يوم يوقعون بأصحاب الشرف والمروءات. وما لنا والإكثار من ضرب الأمثلة بفئة هي معقد الآمال في الإصلاح وهي لم تكد تحقق رجاء إلى الآن، وليست في أخلاقها مما يرغب المرء كثيراُ في تكثير سوادها، لأن منها من تجرد من معنى الحق والصدق. ولو حللت نفوس أكثرهم تحليلاً دقيقاً لرأيتهم أعرف الناس بالمدخل والمخرج وأعراهم من أكثر الفضائل الكسبية واللدنية. ضعف عطفهم على جنسهم وهان عليهم أن يبيعوا وجداناتهم لمن يضمن لهم مظاهرهم. فهم أبداً سلاح الغريب على القريب، وهم يده الباطشة وأظافره الخادشة. ولطالما نضب حلم أرباب الحلوم من تلاعب أُناس استناروا بقبس العلم الحديث، يتهارشون على أبواب جمعية مدنية وهم في الحقيقة لا يهمهم من دعوتها إلا أن يحموا بسلطانها سلطانهم، ويستروا في حمى كهفها معايبهم، ومن الغريب أنه لا يكاد يرقى في درجاتها إلا من عرفوا بالاسترسال في حظوظهم، وكانوا من الممقوتين في العرف والعادة، وهذا وقانون الجمعية شديد في التسامح مه أمثالهم، ولكن كل قانون ينصبغ بصبغة محيطه، وما دام المحيط على ما ترى فلا بدع إن بعد هذا أعظم قانون سماوي أو أرضي في حكم العدم. ولا يفوتنك أن الطبقة الوسطى في ديارنا هي التي تتمثل فيها الأمة حقيقة لا مجازاً ويكثر فيها الخير ويقّل فيها الشر، وهي التي تقوم بجلب المنافع ودرء المضار، وتعيش في خوف الديان، وتهتم لسعادة الأوطان، وهي في الغالب محدودة بعقول أبنائها، وكثير بما يتم على أيديها من الخيرات باجتماعها، وهي التي تفكر وتقدر وقد قام كثير من الأعمال النافعة بصنيعها ومن وضعها. فيهم الصبر وفيهم الأناة وفيهم الرحمة، وخسيسهم أقل من رفيعهم، هم قوة الظهر

стр. 1436

في جيش الأمة بل في طليعته المتيقظة. السخاء مغروس في أكثرهم والمروءة والوفاء غريزتان يورثهما الآباء لأبنائهم، وهم يبعدون عن أرباب السلطات دأبهم التوفر على صناعتهم وزراعتهم، وقلما تحدثهم أنفسهم أن يتخذوا بديلاً عن عمل عاناه آباؤهم وأجدادهم. الأخلاق التي تعبث بالفضائل هي التي رسخت في بعض العلية من أهله وشهد الله أن هذه الأمة لا تشكو قلة علمها بقدر ما تشكو ضعف أخلاقها، وإذا أخذت المطامع البشعة من قلوب دعاة الإصلاح وحماة الحوزة كيف يوجه اللوم على من كان دون طبقتهم؟ ومما يسوء أن كان أقرب الناس إلى إدراك معنى الفضائل أسرعهم إلى عقولها وانتهاك حرماتها. وإذا كانت في الطبقة الوسطى هناك لا تخلو منها إنسان فهي كالعوذة يتقي بها شر الحاسد، ويصان بها جمال المكرمات والمحامد، وقلما يخلو بشر من عيوب صغيرة ضررها على صاحبها وحده. أكثر ما تعاب به هذه الأمة عصيانها على الأنظمة والشرائع لا تُطبق منها إلا ما لا يمس بمصالحها الخاصة، فإذا كان في بعضها ما يخالف الشهوات والأغراض خرجت عليها وحاربتها والمهيمنين عليها. ولذلك صعبت هنا في كل قرن مهمة المصلحين في إصلاحهم لقلة الثبات وونى تاهمهم. فقد يسرع بعضهم في التصديق خصوصاً إذا أحسنت الدعاية بادئ بدء ولكنهم سرعان ما ينقضون العهد. ومن أضّر ما يضر هذا الشعب أنه قلما يخضع للزعيم خضوعاً حقيقياً تقرأُ معانيه في حركاته وسكناته ولو كان الزعيم في الغاية من حسن الأخلاق وإرادة الخير لها. وهذه أخلاق العرب بعينها أفرطوا في حب حريتهم فحاول الصعلوك فيهم أن يكون وجيهاً فسارع الانحلال إلى دولهم بالطبيعة وظهر التخبط في إحرازهم الرياسات منذ فجر الإسلام. وظلت هذه الأخلاق متسلسلة في دمائهم. وقد يريد الطامع في شيء أن تنقلب الدولة رأساً على عقب، وتنتقل ولو إلى عدوه، على أن يتولاها قريبه الذي لا يحبه وأن يهلك في الحمم والنيران المستعرة فريق عظيم من قومه إذا كان له من هذا الحريق ما يشوي به سمكته. وأنت إذا حللت روح الشاميين تراهم فرادى لا يقلون كثيراً عن

стр. 1437

غيرهم من الراقين، وإذا جئت تحللهم جماعات فهنالك التفسيخ في القوى والانحلال في الروابط. والشاميون إذا اجتمعوا تخالفوا عادة على الرياسة والتصدر، وتباينوا في الفكر والاجتهاد، لأن الذكاء غالب عليهم، وحب الذات مستحكم في شغاف قلوبهم، وكل واحد يريد أن ينفذ قوله ولو كان مغلطاً، وإذا لم يوافقه رفقاؤه على ما ارتأى عاداهم وربما آذاهم، كأن الاختلاف في الاجتهاد يستلزم العدواة والسخيمة. فلا تستغرب بعد هذا إن أصيبت أكثر أعمال الجماعات عندهم بالشلل والفشل ومنها ما يموت كالجنين في بطن أمه قبل أن يتمثل بشراً سوياً. وقد ينشئ غير المسلمين الجمعيات والمجامع ويحالفهم النجاح أكثر من غيرهم لأنهم على تربية متقاربة وعلى تكافل ودؤوب في الجملة. وما ندري لعل العامل في هذا النجح الضرورة التي دعا إليها تماسك الصغير أمام قوة الكبير، على حين ترى أن هذا الكبير لا يحسن على الأغلب إلا الإدلال بقوته الموهومة والإعجاب بماضيه يقف عند حده، ولا يعرف أن يبرهن على العظمة الغابرة بسداد أعماله الحاضرة. ومن عيوب السواد الأعظم أن الهزل يغلب عليهم، والجد قليل فيهم، يحبون المداعبة والهزل واللهو، ويسوء بعض اللئام أن يروا في قربهم من يجد. يهزءون بمن يعملون وهم لا يعملون ولا يعرفون كيف يعملون، فسبيلهم سبيل العاطل والمعطل. ومن عيوبهم أنهم لا يصدقون صاحبهم لأن سوء الظن غالب عليهم، وهذا ولو جاءهم مستنصحاً مسترشداً، لأنهم أميل إلى المصانعة لا إلى الصدع بالحق، وأقرب إلى أن يرضوا جليسهم ويسكتوا أمامه عن هفواته، وربما التمسوا له في حضرته المعاذير حتى إذا غاب عن عيونهم نحتوا أثلته وعابوه بما قد لا تلزمه تبعته. ومن أجل هذا تأصلت في القوم عادات وأخلاق كان يتأتى نزعها لو كتب لها من ينقدها وينكرها غير مدالس ولا موالس. فالنعومة الظاهرة التي تشاهد في بعض الشاميين يحتاجون معها إلى شيء من الخشونة والقسوة. كانوا في الأيام الماضية إذا أرادوا الحط من شخص سلبوه صفاته واتهموه بالمروق من الدين وربما أوصلوه بهذه التهمة الشنعاء إلى ضرب عنقه، وهذا من بعض الأسباب في قلة النوابغ في القرون المتأخرة. واليوم

стр. 1438

نشأ لهم زي جديد من أزياء التهمات يلبسونها من لا ترضيهم حاله، أضافوا إلى من يحاولون النيل منهم تهمة المروق من الوطنية كأن الوطنية ما هم فيه من الختل والتخاذل وطلب الظهور بقاصمة الظهور. ويا لشقاء الدين والوطن كم اتجر بهما متاجرون في الغابر والحاضر. ومن تدبر أحوال هذه الطائفة بأدنى نظر أدرك أن كل من يتبجحون بهذه الدعاوى هم أول من يدوس كل مقدس لبلوغ غرض حقير. والدواء الناجع في مداواة هذه الأخلاق هو أن يكون للصغار مدارس وطنية متقنة تلقنهم العلم الصحيح والأخلاق الصحيحة والقومية الصحيحة. أما الكبار الذين اشتهروا بسوء القالة فيقاطعون ويتجهم لهم العقلاء في كل أفق، لا يدنونهم من مجالسهم مهما بلغ من سلطانهم وجاههم ومالهم. فأن من السخف التلطف مع الأشرار في المحضر، والتهامس في قبيح سيرتهم في المغيب. يجب أن يناقشوا الحساب ولا يؤمن لهم على خطاب والمؤذي طبعاً يقتل شرعاً. سيقول فريق ممن يقرءون هذه الصفحات: أنها أغرقت في وصف أخلاق الطبقات وفضحت ما كان مكنوناً لا يعرفه إلا أرباب البصيرة، ونحن في زمن أحوج ما نكون إلى السكوت عن المعايب حتى لا يبدو عوارنا لغيرنا، كأن غيرنا لا يعرفنا أكثر مما نعرف أنفسنا. وكان الأولى في عرفهم أن نجامل ونجمجم، بيد أن السكوت عن العيوب عيب كبير، وكتمان العلة مدرجة إلى الهلكة، والتاريخ لا يكتب على الهوى ولا يملئ لإرضاء الناس. وما نخال منصفاً بصيراً إلا ويعترف وهو مثلنا جد آسف أن ما أصاب هذه الديار من المصائب منذ عهد طويل لم يكن إلا بسوء أخلاق من تولوا من أبنائها أمرها، وأنه من المستحيل بعد أن صرح الحق عن محضه أن تؤلف الشام كياناً يذكر وتقوم في ساحة الحضارة البشرية بعمل يشكر، ولو أوتيت علم الجرمانيين واللاتينيين، ورزقت غنى الإنكليز السكسونيين، ما دامت أخلاق أهل الحل والعقد فيها لا تعالج بالتقويم، ولا يحاول القضاء على مواطن الضعف من نفوسهم وعقولهم. والساكت عن الحق شيطان أخرس. فصلته لكن على عقلي فما ... مقياس عقلك كان لي معروفا

стр. 1439

حياة محمد كرد علي مؤلف خطط الشام ترجمته بنفسه أصل أسرتنا من السليمانية تنسب إلى الأكراد الأيوبية، جاء جدي إلى دمشق في التجارة وكان من أهل اليسار فراقته وسكن فيها. ثم ذهب في بعض السنين إلى الحجاز متجراً، واتفق له أن انتقد ذات يوم عملاً من أعمال محافظ الحج، وكان ظالماً جباراً، فشق ذلك عليه، وأمر بمصادرته في كل ما يملك، فاضطر أن يذهب إلى الآستانة مستعدياً. وما زال يعمل الوسائط حتى اجتمع بالسلطان، واقترح عليه هذا أن يصرف النظر عن دعواه على محافظ الحج، ويأخذ مقابل ماله قريتين في الشام إقطاعاً له ولأولاده من بعده، فأبى وقال للسلطان: ما جئت لآخذ صدقة بل جئت أطلب عدلاً وأنصافاً. وهكذا رجع إلى دمشق مجرداً من ثروته وهلك قهراً بعد قليل. وخلف والدي يتيماً فقيراً فاشتغل لأول أمره في صناعة الخياطة ثم بالتجارة، فأثرى مرات وخسر مرات، وابتاع في آخر أمره مزرعة صغيرة في الغوطة تمززتها أنا واخوتي منذ صغاراً وإلى الآن. ولدت في دمشق أواخر صفر سنة ١٢٩٣هـ ١٨٧٦م، من أم شركسية، ولما بلغت السادسة في العمر أخذت بتلقي القراءة والكتابة ومبادئ العلوم الإسلامية والحساب والطبيعيات في مدرسة كافل سيباي الأميرية، وتلت شهادتها من الدرجة الأولى. ثم دخلت المكتب الرشدي العسكري فدرست مبادئ التركية، وكانت دروس الفرنسية ناقصة فأتاني والدي بمعلم إلى الدار أخذت عنه نحو هذه اللغة وصرفها على الأصول مدة ثلاث سنين،

стр. 1440

وبرعت بالترجمة من الفرنسية إلى العربية وبالعكس. ولما أحرزت شهادة المدرسة الرشدية من درجة متوسطة، لأني لم أتمكن على ما يجب من الرياضيات لإصابتي بالحسر وضعف البصر - بحيث لم أكد أتبين عن بعد ما يرسم الأستاذ من أشكالها وخطوطها في اللوحة، ففاتني التبحر فيها مع الأسف - عينت مدة ست سنين موظفاً في قلم الأمور الأجنبية، فأخذت في خلالها أتقن آداب التركية. وشرعت أنشئ فيها كما أنشئ بالفرنسية، وقد اختلفت حولين كاملين إلى مدرسة اللعازاريين للاضطلاع بآداب اللغة الفرنسية، ودرست الطبيعيات ودروس الكيمياء بهذه اللغة لأزيد تمكناً منها. وقد اقتطعت مع ذلك جانباً من الوقت لدرس الآداب العربية والعلوم الإسلامية، وتلقيت اللغة الفارسية حتى حذقتها ثم أُنسيتها. وفي خلال تلك المدة اتصلت بالأساتذة الشيخ طاهر الجزائري والسيد محمد المبارك والشيخ سليم البخاري وأخذت عنهم وعن غيرهم من مشايخ الطبقة الطبعة الثانية كل ما وسعتني قراءته، من كتب اللغة والأدب والبيان والاجتماع والتاريخ والفقه والتفسير والفلسفة. وكان العامل الأكبر في توجيه إرادتي نحو الدعوة إلى الإصلاح الاجتماعي، والإقدام على التأليف والنشر، وإشرابي محبة الأجداد والتناغي بآثرهم، والحرص على تراث حضاراتهم، أُستاذي الأكبر الشيخ طاهر الجزائري، فما زلت ألزمه منذ اتصلت به إلى أن ذهب إلى ربه سنة ١٣٣٨هـ حميد الأثر، وكنت بدأت بنظم الشعر فنهاني عن تعاطيه أُستاذي المبارك، وأرادني على إتقان الإنشاد فقط، وما ينبغي له من الأدوات، لئلا يشغلني الشعر بلذته عن طلب العلم. فصعدت بأمره، كما كنت قبلت نصيحة والدي، وأنا يافع، بترك الإنشاد بصوت رخيم. لأن ذلك كان يعدّ في نظره شيئاً وضيعاً كما روى ذلك عن شيخه. وهكذا حرمني والدي الموسيقى، وحرمني شيخي الشعر. ولولا نصيحتهما لعنيت بهذين الفنين، وكانا لي سلوى وأي سلوى. ولكن أُستاذي المبارك خرجني بالغة والإنشاء. ووالدي، وكان عامياً يقرب من الأمية، أنفق عن سعة ليعلمني. فكان مدة سنين يدر الرواتب على أساتذتي، وقد ابتاع لي خزانة كتب كانت تعد في ذلك العهد شيئاً في بلدتي.
следующие страницы →