Полный текст (1 453 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.
стр. 1366
الزكاة كل سنة ويرسلونها إلى أمامهم أغا خان في الهند أما، سائر الإسماعيلية فليسوا مرتبطين به. وقد ذكر بعض أعيانهم أن الإسماعيلية اليوم يقولون: إن كل زمن لا يخلو عن رجل من السلالة الطاهرة يسمونه إماماً واعتباره اعتبار علمي ديني خالٍ من كل غرض سياسي.
النصيرية أو العلوية:
قال القدماء: هم أتباع نصير غلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وهم يدعون ألوهية علي ﵁ مغالاةً فيه ويزعمون أن مسكنه السحاب وإذا مر بهم السحاب قالوا: السلام عليك يا أبا الحسن ويقولون: إن الرعد صوته والبرق ضحكه، وهم من أجل ذلك يعظمون السحاب، ويقولون: إن سلمان الفارسي
رسوله، وإن كشف الحجاب عما يقوله من أي كتاب بغير إذن ضلال، ويحبون ابن ملجم قاتل علي ويقولون: إنه خلص اللاهوت من الناسوت ويخطئون من يلعنه. وإن لهم خطاباً بينهم من خاطبوه به لا يعود يرجع عنهم ولا يذيعه ولو ضرب عنقه. وهم يخفون مقالتهم من أذاعها فقد أخطأ عندهم. ولهم اعتقاد في تعظيم الخمر ويرون أنها من النور ولزمهم من ذلك أن عظموا شجرة العنب التي هي أصل الخمر حتى استعظموا قلعها. ويزعمون أن الصديق وأمير المؤمنين عمر وأمير المؤمنين عثمان تعدوا على علي ومنعوه حقه من الخلافة.
وقال المحدثون منهم أنفسهم على ما ذكره صاحب تاريخ العلويين: إن النصيرية رجع لهم اسمهم القديم بعد انتهاء الحرب العامة ١٩١٨م وسميت العلوية وكانت محرومته مدة ٤١٢ سنة أي من قتال الاتراك للعلويين وإن اسم العلويين الذي كان يطلق على طائفتهم دثر عدة قرون وسمى الموجودون باسم الجبل ويظن بعضهم أن اسم النصيرية هو نسبة للسيد أبي شعيب محمد بن نصير البصري النميري مع أن الأصح هو لأنه تغلب اسم
стр. 1367
الجبل إليهم وأصبحت كلمة النصيري أشنع كلمات التحقير.
وقال: إن قوله تعالى (اليوم أكملت لكم دينكم)، معناه كمال الدين وكمال الدين هو ولاية علي، وهذه هي الحكمة المقصودة من نزول القرآن بالتدريج.
ويقول العلويون: إنه لما أعلن كمال الإسلام كان لا يزال بعض العقائد مكتوما وخفيا، ولذلك بقي إلى هذا اليوم مكتوما بخصوصيته، وبتعبير أصح إن بقاء عقيدة العلويين مكتومة هو من كمال الإسلام وإعلانها مضر به لأن الرسول ﷺ بشر المؤمنين بولاية علي وبذلك كمل الإسلام، ولكنه بقي حريصا على كتمان البقية ولذلك كان كتمان البقية من كمال الإسلام أيضا. وهذا هو تعليل تكتم العلويين في عقيدتهم. وهم يقولون أيضا: إن بني هاشم كانوا يعرفون في زمن
النبي أحكاما ما كان يعرفها الأمويون، وإن أهل البيت تعلموا علوما لم يسمعها غيرهم. وهنا مبدأ أسرار العلويين. ومن جملة أسباب تكتم العلويين أن بيعة غدير خم لم تكن إلا إفشاء لبعض حقوق أهل البيت والأمر بأتباعها واحترامها.
وقال: إن السلطان سليما العثماني لما فتح الشام استدعى عشائر تركية من الأناضول إلى خراسان وقدرها تسعون ألف خيمة أي أكثر من نصف مليون تقريبا وأسكنهم في القلاع في جبال النصيرية والمواقع الغنية المرتفعة منه، ولم يمض أكثر من خمسين عاما حتى انقرض الأتراك في المنطقة الضيقة التي لم تكن حاصلاتها تكفي سكانها الأصليين، ولم يبق من الأتراك سوى خمسة عشر ألفا وهم اليوم في الباير والبوجاق وقليل منهم في الساحل، حافظوا على جنسيتهم ولسانهم، ومن نزل منهم أرجاء حماة وحمص تغلبت عليه العربية.
وليس بين العلويين اختلاف في المذهب بل تفرقوا عشائر وأفخاذا فمنهم الكلبية وهي من أكبر العشائر والنواصر والجهينية والقراحلة والجلقية والرشاونة والشلاهمة والرسالنة والجردية والخياطية والبساترة والعبدية والبراعنة والفقاروة والعمامرة والحدادية وبنو علي والبشالوة والياشوطية والعتارية والمتاورة والحلبية والخرزجية والسوارخة والنيلاتية والسرانبة والصوارمة والمهالبة والدراوسة والمحارزة والبشارغة والجواهرة والسواحلية والإنطاكيون
стр. 1368
والأطنويون. والنسبة في هذه الأسماء إما إلى أشخاص منهم معروفين عندهم أو إلى قرى ومدن معروفة في أراضيهم وغيرها.
وقال أيضاً: ليس للعلويين ديانة خاصة أو مذهب خاص كما يظن بعضهم، بل إن العلويين مسلمون شيعيون جعفريون، لا تفرق بينهم وبين سائر الجعفرية قيود دينية أو اجتهادات علمية، ويعتقدون أن الأئمة الاثني عشر هم معصومون من الخطايا، وإن أقوال الأئمة دلائل قطعية، ولا يمكن أن يخالف الإمام القرآن
والأحاديث ولا يحق لأحد أن يؤول القرآن، ولا أن يفرق بين محكمه ومتشابهه سوى أهل البيت، ولا تنفع عند العلوي القواعد الصرفية والنحوية أو الأصولية في استخراج الأحكام الشرعية، بل كل ذلك من جملة حقوق أهل البيت. وإن العلويين يمتازون على بقية الجعفرية أي الاثني عشرية بانتسابهم في الآداب الدينية إلى الطريقة الحنبلانية، وهذا الانتساب هو الذي أدى إلى افتراقهم عن بقية الاثني عشرية. ويرى المؤلف أن يتحد العلويين والشيعة المتأولة والإسماعيلية، وليس بين هؤلاء وبين العلويين سوى الافتراق الخاص في اعتبار الأئمة بعد جعفر الصادق.
وقد سألنا الأستاذ سليمان أحمد من علمائهم فأجاب معتذراً عن التوسع في وصف مذهبهم وختم بقوله: أمة توالت عليها النوائب السياسية والاجتماعية خمسة أجيال فأخملتها أي إخمال، وانزوى علماؤها وصلحاؤها وعاث الجهل في عشائر فساداً، ليس من السهل الكتابة عنها، وليس بالهين ضلال التاريخ، وقل من جرى في ميدانه فلم يعثر. لا فرق بينهم وبين الإمامية إلا ما أوجبته السياسة والبيئة وعادات العشائر التي توارثها سكان الشام، أكثر الناس اختلافاً، وأقلهم ائتلافاً، إذ شيخ مذهبهم الذي ينتمون إليه الخصيبي من رجال الإمامية تقرأ ما له وما عليه في كتب الرجال. إنما لهم طريقة كالنقشبندية والرفاعية وغيراهما من طرق الصوفية بالنسبة إلى أهل السنة. وهذا مصدر التقولات الباطلة عليهم، وما أُبرّئ جهلتهم من كل ما يقال، ولكن أشهد بالغرض والتغريض على غالب المؤرخين الذين كتبوا عنهم اه.
ويسكن النصيرية أو العلويون اليوم في جبال اللاذقية وطرابلس وحماة
стр. 1369
ومنهم فئة قليلة في دمشق وصالحيتها وفي قرى عين فيت وزعورا وغجر في الحولة، وعدد العلويين اليوم أكثر من مائتي ألف. وقد استعملوا العنف معهم في أكثر الأدوار السالفة فنفروا وقد كان الظاهر بيبرس في القرن السابع أمر أن تبنى لهم جوامع
في قراهم فبنوا في كل قرية جامعاً وما كانوا يدخلونها على عهد ابن بطوطة في القرن التاسع، بل كانت حظائر للغنم وإصطبلات للدواب، وأمر السلطان قلاوون أيضاً أن يبنى جامع في كل قرية من قرى النصيرية، وهكذا فعل عبد الحميد الثاني من العثمانيين فبنى لهم جوامع لم يلبثوا أن خربوها وأهانوها. وشأن العلويين شأن سائر الطوائف الإسلامية الصغرى كلما زادوا علماً وتربية رجعوا إلى الأصول الصحيحة. وفيهم كرم وشمم وشجاعة ومكارم أخلاق.
الدروز:
لما طمع الحاكم بأمر الله الفاطمي سادس خلفاء الفاطميين أو العبيديين بمصر في دعوى الربيوبية، أخذ يمهد لذلك المقدمات ولقب نفسه الحاكم بأمره وأمر الخطباء بأن يقرءوا بدل البسملة بسم الله الحاكم المحيي المميت وفي رواية أنهم كتبوا باسم الحاكم الله الرحمن الرحيم. فلما أنكروا عليهم كتبوا بسم الله الحاكم الرحمن الرحيم فجعلوا في الأول الله صفة للحاكم وجعلوا في الثاني العكس. وأنشأ يدعي علم المغيبات، وكان من دعاته رجلان عجميان من دعاة الباطنية يقال لأحدهما محمد بن إسماعيل الدرزي المعروف بنشتكين، وللآخر حمزة بن علي بن أحمد وهذا من أعظم دعاة الحاكم، كان يؤثره على جميع عشيرته، وكان صاحب الرسائل والمكاتبات عنده. وصنف الدرزي كتاباً كتب فيه أن روح آدم انتقلت إلى علي بن أبي طالب ومنه إلى أسلاف الحاكم متقمصة من واحد إلى آخر حتى انتهت إلى الحاكم بأمر الله. وقرئ هذا الكتاب في الجامع الأزهر بالقاهرة، فهجم الناس على مؤلفه ليقتلوه ففر منهم، وحدث شغب عظيم في القاهرة وقتلوا
стр. 1370
كثيرين من أصحابه. وكانت بلغت جريدة أسمائهم ستة عشر ألفاً. ولم يسمع الحاكم بأمر الله بعد أن وقع ما وقع إلا أن ينبعث إلى الدرزي في السر مالاً وأوعز إليه أن يخرج إلى الشام وينشر فيها الدعوة، فنزل وادي تيم الله بن ثعلبة غربي دمشق، وقرأ
الكتاب على أهله واستمال همك إلى الحاكم، وأعطاهم المال فكثر مشايعوه وأنصاره.
وكان الأمراء التنوخيون سكان لبنان على استعداد لقبول دعوة الدرزي فانقادوا إليه فسمي جماعته بالدروز. والدروز ينكرون هذه التسمية ويحبون أن يدعوا بالموحدين، وكان يسميهم أصحابهم بالأعراف. وغلب عليهم في حوران في العهد الأخير لقب آل معروف دعوا به تحبباً. وهذا كان من شعار لانقسام هذه الطائفة إلى أصلين من أمهات أصول العرب في هذا القطر وهما القيسية واليمنية. ولما نشأ الدروز يبثون دعوتهم بين المسلمين غزوا في عقر دارهم وفي وادي التيم نحو سنة ٤١٠ على الأرجح وغزوا في جبل السماق من أرجاء حلب لما هاجروا بمذهبهم أيضاً وخربوا ما عندهم من المساجد فقتل دعاتهم وأعيانهم سنة ٤٢٣ خطط الشام م١.
ووقع خلاف بين الداعية الأول محمد بن إسماعيل الدرزي والداعية الثاني حمزة بن علي بن أحمد، فكتب التقدم لهذا ومات الدرزي سنة ٤١١ فقام بالدعوة حمزة واصبح القوم يدرسون ويلقبونه بهادي المستجيبين وحجة القائم وغير ذلك. ولما هلك الحاكم كتب حمزة الرسالة المسماة بالسجل المعلق وعلقها على أبواب الجامع وفيها يقول: إن الحاكم اختفى امتحاناً لإيمان المؤمنين، وشرع حمزة يزرع في القلوب بذر الاعتقاد بألوهية الحاكم وتوحيده وعبادته، ويجتمع هو واتباعه في المعبد السري، حتى ثار عليهم المسلمون وطردوهم ففروا من مصر إلى الشام.
قال سليم البخاري: إن الدروز يخالفون في عقائدهم عقائد الفرق من أرباب الديانات يتظاهرون بالتبعية لمن يكونون تبعاً له، وأما في الباطن فإنهم ينكرون الأنبياء ﵈ وينسبونهم إلى الجهل وأنهم كانوا يشيرون إلى توحيد العدم وما عرفوا المولى، ويشنعون بالطعن على جميع أرباب الديانات من المسلمين
والنصارى واليهود، والديانة الحقة عندهم هي توحيد الحاكم،
стр. 1371
ويفترض عندهم صدق اللسان بدل الصوم وحفظ الأخوان بدل الصلاة.
ويقرءون القرآن ويؤولونه ويذهبون إلى قدم العالم تبعاً لبعض الفلاسفة ويقولون بالتناسخ معبرين عنه بالتقمص، فالسجد يسمى قميصاً عندهم، وأن الميت حين موته تنتقل روحه إلى من يولد وقتئذ، فالأرواح الإنسانية لا تنتقل عندهم إلا إلى قوالب إنسانية. ويقولون: الهوية الإلهية تنتقل من قالب وتحل في قالب آخر في كل عصر، فتتجلى في كل زمن بصورة وتجلت أخيراً في الحاكم، وأن حمزة أيضاً ظهر في كل عصر قالب، ففي زمان كان فيثاغورس الحكيم، وفي زمان كان شعيباً، وفي زمان كان سليمان بن داود، وفي زمان كان المسيح الحق، فهو نبي الكريم عندهم، وحمزة العصر المحمدي وهو سلمان الفارسي، ويزعمون أن القرآن قد أوحى حقيقة إلى سلمان الفارسي وأنه كلامه وأن محمداً أخذه وتلقاه عنه حتى زعموا بأن خطاب لقمان الذي خاطب به ولده في معرض الوصية بقوله: (يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر) هو خطاب سلمان لمحمد والتعبير بالنبوة إنما هو من خطاب المعلم للمتعلم.
وإذا أراد أحد من جهالهم أن يدخل في سلك الموحدين ينبغي له أن يستجلب رضاهم بتقديم وسائل العطف مدة حتى تتحقق توبته، فإذا قبلوه أدخلوه على الإمام فيوصيه بحفظ السر وعدم إشهاره، ويأمره بتحرير العهد الواجب تحريره، إذ لا يكون موحداً خالصاً بدون تحرير العهد على نفسه، فإذا حرروه وسلمه إلى الإمام صار واحداً منهم. وصورة العهد وهو المعروف لأول انتشار الدروزية بميثاق ولي الزمان: توكلت على مولانا الحاكم الأحد الفرد المنزه عن الأزواج والعدد، أقر فلان بن فلان إقراراً أوجبه على نفسه وأشهد به على روحه في صحة من عقله وبدنه وجواز أمره طائعاً غير مكره ولا مجبر، أنه قد تبراً من جميع
المذاهب والمقالات والأديان والاعتقادات كلها على أصناف اختلافاتها وأنه لا يعرف شيئاً غير طاعة مولانا الحاكم جل ذكره والطاعة هي العبادة وأنه لا يشرك في عبادته أحداً مضى أو حضر أو ينتظر وأنه قد سلم روحه وجسمه وماله وولده وجميع ما يملكه لمولانا الحاكم جل ذكره ورضي بجميع أحكامه له وعليه، غير معترض ولا منكر
стр. 1372
لشيء من أفعاله ساءه ذلك أم سره، ومتى رجع عن دين مولانا الحاكم جل ذكره الذي كتبه على نفسه وأشهد به على روحه أو أشار به إلى غيره أو خالف شيئاً من أوامره، كلن بريئتاً من البارئ المعبود وحرم الإفادة من جميع الحدود واستحق العقوبة من البارئ العلي جل ذكره، ومن أقر أن ليس له في السماء إله معبود ولا في الأرض إمام موجود إلا مولانا الحاكم جل ذكره كان من الموحدين الفائزين. وكتب في شهر كذا وسنة كذا وكذا من سني عبد مولانا جل ذكره ومملوكه حمزة بن علي بن أحمد هادي المستجيبين المنتقم من المشركين والمرشدين بسيف مولانا جل ذكره وشدة سلطانه وحده.
وليس لأحد من الناس أن يدخل في مذهب الدروز لأن ذلك لا يتأتى إلا إبان الدعوة الأولى، وقد سد هذا الباب بعد ذلك. ويحرص الدروز كل الحرص على كتمان عقائدهم ولذلك يعبرون عن مرامهم في كتبهم ورسائلهم بطريق الرمز والكناية فلا يفهم ما يراد منها إلا الطبقة العالية من أرباب الدين عندهم أو مشايخ العقل. ويذكرون مباحث من علم الكلام، وبعض مقالات غلاة المتصوفة، وتأويلات الرافضة والملاحدة، وخصوصاً الإسماعيلية من غلاة الشيعة. ولهم قضاة مهم يحكمون في المعاملات المدنية الجارية بينهم على مقتضى الشريعة، غير أنهم يخالفونها في بعض المعاملات بحكم العادة الموروثة وقد اصطلحوا على التوصية بما يشاءون لما يشاءون. ولا يجوز عندهم الجمع بين امرأتين فإن لم يطلق التي عنده لا يمكنه التزوج بغيرها. وتطلق المرأة بأدنى سبب، ولا يجوز
عندهم رد المطلقة ولو كان بعد زوج آخر.
ويقسم الدروز من حيث الدين إلى ثلاثة أقسام: العقال أو الأجاويد والشراح والجهال. ويرخص للشراح بالاطلاع على ما كتبه الشيخ الفاضل بشرح أحد أوليائهم الأمير عبد الله التنوخي الملقب بالسيد دفين قرية عبيه وهو الذي بنى المساجد وجدد الجوامع، وكان على ما قيل يريد أن يرجع بالدروز إلى مذهب أهل السنة والجماعة توفي سنة ٨٧٤.
ولا يباح للجهال من الديانة غير معرفة المسائل الأولية من الدين. ومن العقال طبقة أتقياء يقال لهم المتنزهون وهم مثابرون على العبادة والورع، ومنهم من لم يتزوج، ومنهم من لك يأكل لحماً طوال حياته، ومنهم من هو
стр. 1373
صائم كل يوم، ولا يذوقون شيئاً من بيت أحد من غير العقال. والعقال جميعهم يعتقدون أن أموال الحكام والأمراء حرام فلا يأكلون شيئاً من طعامهم ولا من طعام خَدَمهم ولا من طعام حُمل على دابة مشتراة من مال حاكم، وقد يعتاشون من عمل لهم خاص يتعاطونه بأنفسهم من زراعة وصناعة. وينزهون ألسنتهم عن ألفاظ الفحش والبذاءة ويتجنبون الإسراف.
واسمع بعد هذا رأي الأمير شكيب أسلان من مقالة في جريدة الشورى ١٥ جمادى الثانية سنة ١٣٤٤ في الدروز قال: الدروز فرقة من الفرق الإسلامية أصلهم من الشيعة الإسماعيلية الفاطمية، والشيعة الإسماعيلية الفاطمية أصلها من الشيعة السبعية القائلين بالأئمة السبعة، وهؤلاء هم من جملة المسلمين كما لا يخفى. وإذا قيل: إن الدروز هم من الفرق الباطنية التي لا يحكم لها بالإسلام فالجواب أن الدروز يقولون: إنهم مسلمون ويقيمون جميع شعائر المسلمين ويتواصون بمرافقة الإسلام والمسلمين في السراء والضراء، ويقولون: إن من خرج عن ذلك منهم فليس بمسلم. ولهذا أصبح من الصعب على المسلم الذي فهم الإسلام كما فهمه
السلف الصالح والذي سمع حديث فلا شققت عن قلبه أن يخرج الدروز من الإسلام.
وفي الشرع المحمدي قاعدة: نحن لنا الظاهر والله يتولى السرائر. وقد قال الله تعالى: (ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً تبتغون عرض الحياة الدنيا) وهؤلاء لا يلقون السلام فقط بل يلقون السلام ويقولون: أنهم مسلمون، ويحفظون القرآن، ويلقن ملقنهم الميت إذا جاء منكر ونكير وسألك ما دينك ومن نبيك وما كتابك ومن إخوانكم وما قبلتك فقل لهمت الإسلام ديني ومحمد نبيي والقرآن كتابي والكعبة قبلتي والمسلمون اخوتي وليس من شعائر الإسلام شيء لا يقيمه أو لا يوجب إقامته الدروز.
وإذا قيل: إنه مع كل هذه المظاهر تحتوي عقيدتهم الباطنية التي تعرفها طبقة العقال على ما يصادم أركان عقيدة السنة والجماعة ولا يتفق معها في شيء فالجواب قد وجد في الإسلام أئمة كبار يترضى عنهم عند ذكرهم ولهم قباب تزار وتعلق فيها القناديل وكانوا يقولون بوحدة الوجود! فهل وحدة الوجود مما يطابق السنة؟ كلا فهل أخرج المسلمون هؤلاء الأئمة من
стр. 1374
الإسلام؟ وأما تجسد الإله فليس من عقيدة الدروز كما يتهمهم بعضهم والتجسد شيء والترائي شيء آخر. وأما تأويل آي القرآن الكريم بحسب زعمهم فكم من فرقة في الإسلام انفردت بتأويلٍ للآيات الكريمة. . . . . اه.
وبعد فإن للدروز روابط مهمة بينهم منها أنهم مهما كانت بينهم طوائل وحزازات يتخلون عنها ويصبحون جسماً واحداً يوم يريدون مقاومة عدّوٍ لهم. وهم من التسامح على جانب حتى مع من يخالفهم. ومعظم عاداتهم إسلامية وأسماؤهم إسلامية وفيهم من الإسلام شيء كثير من جوهره. وقد رأينا لعهدنا أبناء هذا المذهب كلما تعلموا قربوا من الأصول الإسلامية وفيهم اليوم فئة صالحة مستنيرة
تريد الجهر بالرجوع إلى مذهب أهل السنة.
ومن أراد زيادة تفاصيل في مذهب الدروز فعليه بالرجوع إلى كتبهم ورسائلهم وهي محفوظة في دور الكتب العامة هنا وفي الغرب. وينزل الدروز اليوم في شوف لبنان وجبل حوران ووادي التيم وبعض قرى الغوطة بدمشق والجبل الأعلى في حلب وبعض قرى عكا ولا يقل عددهم عن مائة وأربعين ألفاً.
البابية:
مؤسس هذا المذهب رجل من فارس اسمه المبرزا علي محمد الشيرازي ولد سمة ١٢٣٥هـ وتوفي والده وهو حدث فكفله خاله وعلمه مبادئ الفارسية والعربية وحسن الخط واشتغل لأول أمره بالتجارة، وفي سن العشرين أخذ يكثر من الرياضة والعبادة فخاف خاله على صحته فأرسله إلى العراق وقضى أشهراً في كربلاء والنجف اجتمع خلالها إلى علماء الشيعة وخرج من العراق بأفكار تخالق ما عرفه الناس من الإسلام، وأخذ يبث دعوته فمال إليه جماعة وحج في تلك الأيام. وكان يقول: ادخلوا البيوت من أبوابها أنا مدينة العلم وعلي بابها يشير إلى أنه واسطة السعادة الأبدية، ثم دعا نفشه الباب ومعنى الباب عند الشيعة المهدي المنتظر وتخلى عن اسمه. وبعد مدة أرسل إلى بوشهر ومنها أرسل دعاته إلى شيراز وأصفهان يبثون دعوته. فعقد والي شيراز لهم مجالس المناظرة مع الفقهاء فأفتى هؤلاء بكفر
стр. 1375
البابية ووجوب قتلهم. لكن الوالي اكتفى بقطع العصب الكعبري من كعابهم وسجنهم. وجيء بالباب من بوشهر ١٩رمضان سمة ١٢٦١ وأنزل في دار أبيه ريثما يهدأ روعة، ثم استقدمه الوالي سراً وبعد المفاوضة تظاهر الوالي بأنه اقتنع بصحة دعوة الباب وجعل هذا في قصره، ثم عقد له مجلساً لمناظرته فأفتوا بكفره فلم يسع الوالي إلا أن أشار بضربه على رجليه فلما استغاث أو عزوا إليه أن يصعد المنبر ويعلن توبته ففعل. وظهر الوباء في شيراز واختلت أحوال
فارس فبعث والي أصفهان يستدعي الباب إليه، فلما رأى والي شيراز ذلك نفى جميع أصحاب الباب من ولايته، ولما حمل الباب إلى والي أصفهان أوعز هذا بأن يحسن القوم استقباله فاستقبلوه، ثم عقد له مجلس المناظرة فأفتى العلماء بقتله، فاعتذر الوالي عن تنفيذ فتواهم، وخبأه في قصره مطلقاً له حرية التأليف والكتابة وبقي في داره حتى قتل الوالي وخلفه في الحكم ابن أخيه، فطالع هذا رجال عاصمة الملك بالأمر، فأمروا بنفيه إلى أذربجان فحبس في قلعة جهريق ثم قلعة ماكو.
وبث الباب دعلته وساعده المحيط واختلال الأمن في كثير من الولايات، فاشتد دعائه في بث دعونه فلقيت قبولاً من بعض الناس، وفي مقدمة أتباعه الملا حسين بشرويه الملقب بباب الأبواب في خراسان، والثاني الملا محمد علي البارفروشي بمازندران والثالثة امرأة من قزوين اسمها زرين تاج من عائلة عريقة في العلم وزوجة أحد المجتهدين وهي جميلة الصورة جميلة الأدب، تحفظ القرآن وتعرف تفسيره وأسراره، فاقتنعن بصحة دعوة الباب، ولم تلبث أن دعت إليه سراً وجهراً وإن لم تجتمع به، فمال الناس إلى مواعظها وفتنتهم بفصاحتها وجمالها وجميل شعرها، وقد حسرت نقابها ولقبت بقرة العين، ثم خرجت إلى خراسان فالتقت في رشت بالبارفروشي أحد الدعاة ومعه جند من البابية فبعثا منادياً ينادي عجلوا أيها الناس فقد ظاهر الإمام المنتظر فنصبوا منبراً ووقفت قرة العين سافرة وحثت الناس على الاعتقاد بالباب فآمن بعضهم وأنكر الآخر، ثم انتقلت على هودج إلى مازندران والناس يتبعونها، وأخذت تطوف القرى تبشر بدعوة الباب فقبضت عليها الحكومة وخنقتها وأحرقتها.
стр. 1376
ثم قام تاملا حسين بشرويه وقد كثر أنصار الباب وألف منهم جيشاً صغيراً قاتل جيش الشاه في مازندران وجعل الملا علي البارفروشي مقدماً وسماه حضرت
أعلى وحجبه عن الناس، وأصيب بشرويه في إحدى المعارك وأوصى جماعته بأن يطيعوا حضرت أعلى وتغلبت الحكومة على قلعتهم وقبضوا على ملا محمد وحاكموهم فقتلوهم على بكرة أبيهم. وبلغ عدد من قتل في هذه الوقائع ألفين وخمسمائة من البابية وخمسمائة من الجند وغيرهم. وحدث مثل ذلك بقيام أحد الدعاة الملا محمد علي الزنجاني في زنجان ولكنه لم يوفق. وكذلك وقع في مدينة تبريز فقاتلت حكومة فارس دعاتهم حتى أبادتهم. أما الباب فكان مسجوناً في سجن جهريق. ولما اندلع لسان الثورة في مازندران وزنجان وتبريز وقتلت الأنفس، ارتأى رئيس حكومة فارس قتله فقتله بمشورة الشاه في ٢٨ شعبان سنة ١٢٦٦هـ. ووضعت حكومة فارس في أشياعهم السيف في جميع مملكتها خصوصاً بعد أن ثبت أن الذي حاول اغتيال ناصر الدين شاه سنة ١٢٦٨ هو من شيعة البابية.
وكان من جملة العلماء الذين فتنوا بدعوة الباب رجل اسمه بهاء الله ميرزا حسين علي فلما وقعت هذه الحوادث قبض عليه وسجن ثم حوكم، وكان سفير روسيا يدافع عنه من تهمة الاتفاق مع الخارجين على الشاه، ثم أفرج عنه ونفي إلى العراق فأرسل مخفوراً بالجند الفارسي مع بعض فرسان من سفارة روسيا في طهران لئلا يغتالوا في الطريق فأقام في العراق ١٢ سنة ثم حمل إلى الآستانة ومنها إلى أدرنة فأقام فيها نحو خمس سنين ثم صدر الأمر بنفيه إلى قبرس وظل البهاء في عكا حتى وافاه أجله سنة ١٣٠٩ فدفن فيها، وخلفه ابنه عباس أفندي وكان كأبيه على غاية من حسن السنت والأخلاق وعظم النفس وبسط اليد وجمال الأدب وحسن العشرة حتى استمال بأخلاقه من يعتقد بالبابية ومن لا يعتقد. ولما توفي سنة ١٩٢٢ تفرق أمر الجماعة وانقلبوا فرقاً كما كان عباس أفندي في حياته مع صبح أزل متخاصمين متشاكسين. وسرت دعوتهم إلى عدد قليل من أبناء
الشام وإلى بعض أهل أوربا وأميركا. ويبالغون في عدد من دانوا بهذا المذهب
стр. 1377
في الغرب. وهم في الشام وفي أميركا وأوربا بضعة آلاف على الأغلب.
يقولون: إن من تعاليم الباب تحريم الكتب المنزلة قبله ونسخ القرآن وأحكامه. وإنه قضى بهدم المزارات حتى الكعبة وقبر الرسول وفرض بناء ١٩ مزاراً باسمه ومن دخلها آمنلً، وأبطل الحج وقسم السنة إلى ١٩ شهراً وجعل الشهر الواحد ١٩ يوماً فأيام السنة عنده ٣٦١ وأضاف إليها خمسة أيام سماها المسروقة ورمز عنها بحرف هـ وجعل أول يوم من شهر فروردين ماه الفارسي الموافق للحادي والعشرين من شهر مارس الإفرنجي الغربي الذي هو يوم الاعتدال الربيعي وهو عيد النوروز عند الفرس عيداً للفطر وخصه بنسفه وسماه عيد رضوان. وجعل الصوم ١٩ يوماً من شروق الشمس إلى غروبها وخصص الأيام الخمسة المذكورة للهو والطرب قبل دخول شهر الصيام. والمطهران عنده خمسة النار والهواء والماء والتراب وكتاب الله أي الباب مع تلاوة آية التطهير ٦٦ مرة على كل شيء نجس. وجعل الدم وروث البهائم وغيرها طاهراً. وللباب وخليفته بهاء الله عدة رسائل وكتب منها ما كتباه بالفارسية ومنها بالعربية، من أهلها من قلم الباب كتابه البيان وفيه شريعته وتعاليمه. ومن أهم كتب بهاء الله كتاب أقدس نهج فيه منهج القرآن في ترتيب الآيات والسور ودون قيه شريعته وأحكامها باللغة العربية. وقد أدخل البهاء عدة إصلاحات على مذهب الباب اقتضته الحال ذلك. وبعضهم يطلق على أهل هذا المذهب اسم البابية نسبة للمؤسس الأول وبعضهم يلقبهم بالبهائية نسبة لبهاء الله الذي زاد في المذهب ونقص منه، وهم يسمون أنفسهم أهل البيان.
قال كليمان هوار: إن الباب أنشأ ديناً جديداً بتعاليمه وعقائده وأنشأ مجتمعاً جديداً تحت ستار الإصلاح في الإسلام. فالله واحد وعلي محمد مرآته التي ينعكس فيها النور الإلهي ويتأتى لكل إنسان أن يشاهدها. وقال الباب في كتابه البيان: عليكم أن
تجعلوا من أنفسكم ومن أعمالكم مرائي بحيث لا ترون فيها إ لا الشمس التي تحبونها وقد برأ الله العالم على سبع صفات سميت حروف الحقيقة وهي القدر والقضاء والإرادة والمشيئة والإذن والأجل
стр. 1378
والكتاب. ويدير شؤون الطائفة ١٩ رجلاً وكل بابي يدفع لهم في السنة خمسة في المائة من قيمة رأس المال، وتلغى جميع العقوبات ما عدا الغرامة التي توضع على زوجين لا يريدان أن يتعاشرا بالمعروف. والتجارة والعقود مشروعة، ويسمح بدفع فائدة عن بضائع بيعت بالنسيئة. والزوج إجباري بعد الحادية عشرة والطلاق ممقوت، ويمهل الزوجات المتخاصمان سنة لتأليف ذات بينهما، وعلى الأرامل من الرجال والنساء أن يتروجوا، وعدة الرجال منهم تسعون يوماً والنساء خمسة وتسعون يوماً وإذا لم يفعلا يغرمان غرامة.
ولا يضرب الولد قبل أن يبلغ الخامسة وبعد ذلك لا يضرب أكثر من خمس ضربات. ويسمح لمن يدينون بهذا المذهب أن يستعملوا الحلي والجواهر خلافاً لما أمر به الشارع الإسلامي. ويسمح لهم بالوضوء ولكن لا على لأنه قرض، ويجب أن يكون في كل حي حمام، ولا يتحجب النساء ويؤذن بالتحدث إليهن من دون إكراه وأن يكون الكلام معهن جهراً لا سراً. ويحج أتباع الباب إلى البيت الذي ولد فيه حيث يقام له مسجد، أو إلى المكان الذي سجن هو فيه أو خاصة حوارييه، ولا يسمح لمن يدينون بمذهبهم بالارتحال والسياحة إلا لمن اضطر إلى ذلك، ولا يسمح بركوب البحار منهم إلى المكان الذي سجن إلا لمن اضطر إلى ذلك، ولا يسمح بركوب البحار منهم إلا للحجاج والتجار، ولا تقام صلاة جماعة إلا على الأموات وخطبة المسجد واجبة، ويدفن الموتى في زجاج أو في حجارة منحوتة مصقولة، ويجعل في يد الميت اليمنى خاتم يكتب على فصه لئلا يفزع الموتى في قبورهم. وليس من حق أحد أن يستعمل الشدة مع إنسان ولا أن يسيء إلى أخيه،
ويجيبون على كل من يكلمهم أو يكاتبهم ويفرض عليهم أن يؤدوا الرسالة التي ائتمنوا عليها إلى صاحبها من دون عبث بها. ويحظر عليهم تعاطي المخدرات والمكسرات، ويجب أن يدعو كل واحد منهم في كل شهر تسعة عشر إنساناً، وأن يجتمع معهم ولو على شرب الماء القراح، ويحظر عليهم الكدية، ومن الضلال إعطاء الشحاذين. وتقسم مواريثهم على الصورى التالية بعد صرف نفقات الدفن والجنازة: للولد ٩ من ستين وللزوج ٨ من ستين وللوالد ٧ من ستين وللأم ٦ من ستين وللأخ ٥ من ستين وللأخت ٤ من ستين وللأستاذ ٣ من ستين، ولا يرث أحد من ذوي القربي بعد ذلك اه.
وحظر على البابية لما نزلوا عكا الدعاية إلى مذهبهم في الشام. ولما أعلنت
стр. 1379
الحرية سنة ١٩٠٨ انتقلوا إلى عكا وزاد أشياعهم قليلاً وهم هنا قلائل ربما لم يتجاوزوا المائتين وهم على غاية من حسن الأخلاق وجميل المعاملة قلما شكا منهم إنسان أو اشتكوا هم من إنسان، ولا تجد بينهم من لا يحترف حرفة ويعمل ويكد. ولا سيما رئيسهم الأخير عباس أفندي فقد كان محافظاً على صلواته مع الجماعة لم يخرج في سمته عن روح الشرع الإسلامي. فإما أن يكون صادقاً في إسلامه أو أنه عاش في تقية متقنة كما يعيش كثير من أرباب النحل الضعيفة بين المخالفين لهم من السواد الأعظم، ولا سيما الشيعة بين ظهراني أهل السنة.
وكان عباس على علم وأدب إذا تكلم يمزح الفلسفة بالمنقولات فيتعذر على كل إنسان فهم كلامه، وله خطب ومواعظ انطلق بها لسانه في سياحة له في أوربا وأمريكا دانت خمس سنين، ويؤخذ من مجموع أقواله أن البهائية أو البابية ترمي إلى تطبيق الشرائع على العقل وحل المشاكل القائمة بين أهل الأديان السماوية الثلاثة اليهودية والنصرانية والإسلام. وقال مرة: إن الباب صاحب المذهب كان يريد التوفيق بين السنة والشيعة. بل كان يرمي إلى وحدة العالم الإنساني ونشر
السلام العام والتأليف بين قلوب البشر بقوة الدين وتحكيم العقل والعلم، ونبذ التعصب الديني والجنسي والوطني والسياسي، ونشر العلم وإنشاء محكمة عامة كبرى تفصل الخلافات التي تحدث بين الشعوب والدول، وإلى تربية بني البشر على الفضائل الإنسانية وإلى إقامة القواعد الاقتصادية وتأليف لغة عامة تفهمها جميع الأمم.
ويقال على الجملة: إن التشيع كان منشأ البابية والإسماعيلية والنصيرية والدرزية. وكما كانت فارس مثابة كثير من أسباب المدينة الإسلامية كانت أيضاً منشأ معظم ما تفرع من الإسلام من النحل والطرق الغربية. ولو تسامح أهل هذه المذاهب في نشر حقائقها، لما تقول عليهم المتقولون، ولا رماهم المخالفون بما قد يكونون منه أبرياء. وبقي أن يقال: إن في الشام مذهب اليزيدية عبدة الشيطان، وممن ينتحلون هذه النحلة قريتان في ضواحي حلب، ولما كانت جمهرة أهل مذهبهم في جبل سنجار من عمل الموصل لم تخصهم بمبحث اختص لأنهم لا يسترعون الانتباه ويتمثلون على الأغلب في سواد الأمة والله أعلم.
стр. 1380
الأخلاق والعادات
عادات الدمشقيين:
كان سمر الشاميين قبل نصف قرن تقريباً في بيوتهم، نكتفي كل طبقة باجتماعها مع أهل طبقتها، فنتج عن ذلك أن في المدينة الواحدة من مدن الشام المبيرة تبايناً وسمرهم ولهجاتهم، وبالطبع بتصوراتهم وعقليتهم إلى أن ولي الشام مدحت باشا الوالي العثماني الشهير ووضع أسس الإصلاح العلمي والاجتماعي والإداري، وبدأت النهضة الأدبية عقب ذلك فتعارف الأولاد بالمدرسة أولاً، وتقومت ألسنتهم، واعتادوا التلفظ بالفصيح الصحيح، وفتحت الأندية والمقاهي ودور التمثيل، ثم قاعات الصور المتحركة، وتعارف الناس وقلت الفوارق، وقضى على الأرستقراطية إلا قليلاً، وحلت محلها الديمقراطية، فنشأ عن ذلك اعتياد الشباب الراقي المتعلم ارتياد المحال العامة والاحتكاك بمن مضى وقت تعليمهم، فمرنوا أيضاً على التخاطب بالفصيح الصحيح ما أمكن، وعم ذلك جميع الطبقات حتى غير المسلمة وما نزال نوى ذلك في تقدم مستمر. تنقسم حفلات الدمشقيين إلى مدنية ودينية. أما الدينية فتنحصر فيما يلي: عيد الفطر والنحر، والرجوع من الحج، والإياب من زيارة مسجد الرسول عليه الصلاة السلام، وسنة الختان، وبعض نذور لله يقوم بها من أبل من مرض شديد، وآب من سفر خطر أو بعيد، وعادات القوم في تلك
стр. 1381
الأعياد إخراج الصدقات والزكوات والتوسيع على الفقراء، وتكثر الزيارات ويتصافح القوم عما بينهم من سيئات، ويصلون أرحامهم ويوسعون على عيالهم. وعادتهم في ذلك أن يبدأ الأصغر سناً بزيارة الأكبر، ويقدم الأكبر سناً ويحترم في كل شيء. ومنشأ ذلك على ما أعلم الأمية فإن غلبة الأمية على قوم تضطرهم إلى احترام من كان أكثر تجربة منهم، ومن مرت عليه السنون، وحلب الدهر أشطره وكثرت تجاربه، كان جديراً بالاحترام. أما اليوم
فحقيق بالاحترام من يقدم الخدم النافعة لأمته، وليس للسن دخل في ذلك. وخير الناس كما قيل أنفعهم للناس.
ويتقدم عيد الفطر شهر رمضان، وللدمشقيين فيه عادات: منها إتمام فريضة الصيام، والانقطاع عن بعض عادات ضارة، ويقضون نهاره في سماع المواعظ في المساجد، وليلة في زيارات بعضهم بعضاً، وارتياد محال اللهو المباح، وتكثر حركة الأخذ والعطاء والبيع والشراء، وهو من المواسم المذكورة.
أما حفلات الحج في هذا العصر، فتتم حين رجوع أحدهم من بعد أداء فريضة الحج بأن يقدم إلى خواص ذوي قرباه وجيرانه وأصدقائه وأحبابه هدية، وتختلف هذه الهدية بحسب مقدرته المالية، ويبتدئ المهنئون بزيارته في داره، ويقدم له خواص أصدقائه وأقربائه قبل وصوله إلى وطنه هدايا تكون غالباً من اللباس الفاخر، ويكون مثل ذلك بعد رجوع أحدهم من زيارة مسجد الرسول. وتختم هذه الزيارات غالباً بإقامة حفلة يدعونها مولداً وهي عبارة عن اجتماع يضم أصدقاء المحتفى به وذوي قرباه وزملاءه وجيرانه في داره، ويدعون المنشدين ويفتتحون بتلاوة بعض آيات من القرآن الكريم وينشدون بعض قصائد في مديح الرسول يتلون المولد النبوي فيه وتعداد بعض مآثره ونسبة وبعض إرهاصات تقدمت بعثته، وحين مولده، يقصدون من ذلك التبرك.
ومثل ذلك حفلة الختان ومن المتعارف فيها أن يهدي إلى صاحب الحفلة أهلة وأصدقاؤه شيئاً كثيراً من السمن والأرز والغنم والقهوة، بل من جميع ما يلزم لتلك الحفلة، ويكون ذلك ديناً عليه وفاؤه، حين إقامة حفلة مثلها
стр. 1382
عند المهدين. وتختم هذه الحفلة مثل أخواتها أيضاً بتلاوة المولد.
ولم يبرح بعض من لا يعتد بعقولهم ينذرون بعض نذور غربية وهي ما يسمونه بالنوبة يقيمون لها حفلة هي عبارة عن دعوة بعض الفقراء المشعوذين، ممن
يضربون على الطار والطبل، ويلعبون بالشيش، وبعض قطع من السلاح الأبيض ويطفئون بأفواههم النيران فيجتمع عليهم الأطفال وبعض صغار الأحلام فقط. وهي عادة أصبحت على وشك الزوال.
ومن الحفلات الدينية أيضاً حفلات تكايا أو زوايا المولوية، وأرباب هذه الطريقة لهم حين إقامة هذه الحفلات لباس خاص وهو ثوب أبيض فضفاض، ويلبسون على رؤوسهم ما يسمونه كلاهاً وهو من اللباد مستطيل الشكل، ويمتاز رئيس تلك الطريقة بوضعه عمامة خضراء فوقها ويدورون على أنفسهم على نغمات موسيقية مطربة جداً من حيث الفن الموسيقي. وهي من حيث نظامها أتقن حفلات الشرق الدينية على الإطلاق، وهي بالحفلات المدنية أليق منها بالدينية.
إذا حضرت أحدهم الوفاة تعلن وفاته إن كان من الأشراف والعلماء وأرباب الظهور في مآذن المدينة، ثم يحضر غسل المتوفى أصدقاؤه وذوو قرباه. وغسل الميت عند المسلمين يقوم مقام التقرير الطبي في هذه الأيام، يثبت بها أن الميت مات ميتة طبيعية فيطلع الغاسل على عامة جسمه، فإذا كان فيه أثر ضرب أو رض أو خنق ظهر ذلك لحاضري غسله، وهم غالباً من محبيه، فيشيع ذلك ويتصل بالحكام، وبعد غسله يشيعون جنازته إلى أحد المساجد ويصلون عليه، ويذهبون به إلى المقبرة ويمشي المؤذنون أما جنازته يذكرون الله وذلك إشهاراً لموته وإعلاناً له. وبعد رجوعهم من المقبرة يذهبون إلى منزل عميد الأسرة يعزونه ويحضرون على ثلاث ليال بعد العشاء أحد المساجد القريبة من دار المتوفى، يسمعون ما تيسر من القرآن الكريم، ويسمون ذلك صباحية، ويحضر تلك الحفلة أقرباء الراحل وجيرانه وزملاؤه ويصرفون على الفقراء والمعوزين الدراهم والطعام بحسب ثروة المتوفى. وهذه العادة كادت تبطل لمعرفة القوم بقيمة الوقت فأخذوا يكتفون بالتعزية في
стр. 1383
بيت آل الفقيد. وعادة عيادة المريض معدودة
عندهم من الواجبات يواسونه ويسلونه ويكررون الاختلاف إليه.
من عاداتهم المدنية أنه متى بلغ الشاب العشرين إلى الثلاثين أن يتولى عميد أسرته إرسال عميدة العائلة مع من ترضاه من أخت وعمة وخالة ونسيبة وبعض خواص الجيران إلى بيوت المدينة يبحثن وينقبن على زوجة لذلك الشاب، وتكون قاعدتهم في خطبيهم غالباً الكفاءة من جهة الثروة والسن والآداب. ولا يزلن يوالين بحثهن عاماً كاملاً على العقل ومتى قر قرارهن على إحدى البنات يكررن التردد إلى دارها مرات عديدة ليرينها بجميع مظاهرها، يرينها في زينتها وفي وقت الغسيل ووقت الطبخ وتنظيف المنزل. وعادة الدور التي يكون بها بنات في سن الزواج وهي عادة من الخامسة عشرة إلى الخامسة والعشرين أن يناط بالبنات تقديم القهوة والشراب للخاطبات فيتأمل الخاطبات مشيتها ونقل أقدامها وأدبها في تقديم القهوة في الإياب والذهاب ويخاطبنها فيرين غنة كلامها وفصاحتها، ومتى أصبح الأمر تقريباً واقعاً يذهبن إلى الحمام معاً ويرين جسمها عارية وشعرها ويشممن آذانها وفمها وتحت إبطها ورائحة عرقها وثيابها، وينقلن ذلك إلى الخاطب وعميد الأسرة مع وصف شكلها وجمال وجهها وطولها وغير ذلك. هذا مما له مساس بالنساء من طرف الخاطب.
أما وظيفة النساء من جهة الخاطب فيزرن الحي القاطن فيه سراً ويرسلن من يتقن به من أقربائهن وجيرانهن فيدخلن غالب بيوت ذلك الحي باحثات عن أخلاق الخاطب وثروته وتجارته أو وظيفته، وعن عدد آل بيته ومركز تلك الأسرة في الهيأة الاجتماعية. ويجري التقصي عن آداب بيت الخاطب وأصوله ويذهبن بالمخطوبة سراً إلى مقر الخاطب أو طريق ذهابه وإيابه فتراه فإذا راق الخاطب في أعينهن بعد تلك الاستخبارات يرفعن الأمر إلى عميد أسرة المخطوبة. وهنا تنتهي مهمة النساء، ثم يتألف شبه وفد من عميد أسرة الخاطب، والبعض من
معارف عميد بيت المخطوبة، إلى دار ذلك العميد، ويطلبون منه الموافقة على زواج تلك البنت من ذلك الشاب، بعبارات تختلف بحسب مركز تلك الأسر في المجتمع. ويكون الأمر مقضياً على الأغلب
стр. 1384
بعد تلك التمهيدات، ويقررون المهر ويقرءون فاتحة القرآن الكريم للتبرك دليلاً على رضى الطرفين. وبعد ثلاثة أيام يقدم الخاطب خاتم الخطبة. وبعد أسبوع غالباً يحتفل بحفلة العقد يقوم بها الخاطب، ويدعوا برقاع مطبوعة على غاية الإتقان أهله ومعارفه، معيناً وقت الدعوة ويومها، يرسل إلى عميد أسرة المخطوبة بعدد من تلك الرقاع ينفقون عليه من قبل، فيدعو من أراد من أسرته وأصدقائه. فيجتمع المدعوون في المحل المعين ويجري على الأغلب افتتاح تلك الحفلة بقراءة المولد، وتدار المرطبات وقراطيس الحلوى على المدعوين، بعد عقد قران الزوجين الشرعي، وينفض المدعوون، وتنتهي حفلة العقد بعد دفع المهر المقرر، وبعد شهرين أو ثلاثة غالباً يذهب وفد نسائي من قبل العروس بعد أن يكون أهل العروس أتموا لوازم عروسهم يحملن هدية تختلف بحسب مكانتهن، يسمينها تعيينة فيعين موعد حفلة العرس وعدد المدعوات من أهل العروس وتكون تلك الحفلة ليلاً في الغالب، ويرسلون بطاقات الدعوة، وليلة الحفلة يرسل وفد من النساء في مركبات على عدد المدعوات من النساء إلى دار العروس، يأتين بها من دارها مع المدعوات إلى دار العروس، وتكون هذه غاية الرواء والبهاء والزينة، ويدعى عادة إلى تلك الحفلة المغنيات والمطربات ويقضين تلك الليلة بعد دخول العروس بعرسه غرفة خلوتهما بالغناء والرقص وسماع الموسيقى وآلات الطرب، ويمسين على ذلك إلى الصباح، وتعود السيدات المدعوات إلى دورهن ويبقى في بيت العروس بعض الخواص من أهلها، مثل أمها وعمتها وخالتها ومربيتها سبعة أيام.
هذه هي الحفلة النسائية أما الحفلة الخاصة بالعروس الرجل فيتقدم أحد وجوه
أسرته أو أصدقائه غالباُ يعد داره لتلك الحفلة ويسمونها تلبيسة ويدعون إليها جميع أقارب العروس وأصدقائه وأرباب مهنته وجيرانه، في جوقة موسيقية تدير هذه الحفلة نحو ساعتين تطرب الحضور بأنغامها، ومتى حان للعروس لبس ثيابه يهزج الشاب عادة عند إلباسه كل قطعة من ثيابه بأهازيج وطنية عامية بحسب كل عصر ومصر. يذهب به الحضور عقبى ذلك إلى دار حفلة العروس بالأهازيج، ويدخلونه الدار مع عميد الأسرة
стр. 1385
فيدخله ويضع يده بيد عرسه ويدخل بهما إلى غرفتهما ويذهب بسلام.
هذه حفلات الزواج وعوائد القوم قديماً، واليوم قد زيد عليها معاينة صحة الزوجين، وينظرون إلى الكفاءة العلمية قبل كل شيء مما يبشر الأسرة المقبلة بأعلى درجات السعادة الزوجية، وهذا الشكل في تأسيس الأسرة يعض عليه المحافظون بالنواجذ، ويؤيدونه بكل ما أُوتوا من قوة، ويرونه أضمن لحفظ السعادة البيتية من جميع أشكال النظم المتبعة في العالم.
ومن عاداتهم الخروج أواخر فصل الشتاء وأوائل الربيع إلى المتنزهات العامة يوميا في الأسبوع لاستنشاق الهواء النقي، على اختلاف عادهم ومذاهبهم، نساء ورجالاً، وتكون أماكن جلوس النساء خاصة بهن غالباً، ولا يتيسر للرجال أن يخالطوهن بحكم العادة، والشاذ قليل. ومن العادات القديمة التي نشأت من الأمية أيضاً سماع الفصاص في المقاهي وقد تلاشت الآن هذه العادة، وكان يجتمع في المقهى عدد يختلف بحسب المحل والقصاص، يتصدر القصاص الحكواتي في صدر المكان ويقرأ لهم غالباً القصص التي يرغبون فيها مثل رواية عنترة والزير وأبي زيد وهي روايات حماسية، تمثل الشجاعة والكرم والأنفة والحمية والوفاء والصدق والمروءة والجرأة وحفظ الذمام ورعاية الذمار والجار، إلى آخر ما هنالك من مكارم الأخلاق ينسبونها إلى أبطال الرواية، ويجعلون نهاية النصر لهم
والدوائر على مناوئيهم، ويصفون الخصوم بالجبن والبخل والرياء والغدر والخيانة والنكث بالعهد إلى آخر ما هنالك من مفاسد الأخلاق، مما يربي نفوس السامعين على حب الفضائل ويحبب إليهم العمل بها، ويبغض إليهم النقائص ويحملهم على البعد عنها، وغالب من يجتمعون لسماع تلك الأقاصيص من طبقة العوام، وهم متصفون ببعض تلك الفضائل.
ومن ملاهيهم خيال الظل والعوام يدعونه قره كوز، وكان في أول القرن الحاضر من أشد العوامل تأثيراً في تهذيب الأخلاق وتقويمها، بما يلقيه أستاذ هذا الفن المشهور بدمشق علي بي حبيب على ألسن تلك الخيالات من المواعظ الأخلاقية، بعبارات ملؤها انتقاد، تفعل في قلب أشد الناس بلادة، وكان يصور في كلامه العادات السيئة المتفشية في عصره، ويظهرها
стр. 1386
في قالب ينفر الناس منها، ويصور ظلم الحكام وأصحاب النفوذ وأغلاطهم في صور نقد لطيف، وكان يحترمه علية القوم ويعد أستاذاً كبيراً في الموسيقى تخرج به كل من ينتمي لهذا الفن بدمشق.
ومن العادات الشائعة تعاطي القهوة والشاي في المقاهي العامة شتاء، وأنواع المرطبات صيفاً، والتدخين بالتبغ والنارجيلة على الدوام، وتكون صورة اجتماعية حسب طبقاتهم، ويرتادون أماكن سمرهم هذا، بعد العشاء حين الانتهاء من مزاولة الأشغال وطلب الراحة. وأحاديثهم غالباً تدور على السياسة وفي موضوعات علمية واجتماعية يمتدحون فلاناً لمكرمة أتاها، ويذمون فلاناً لنقيصة بدرت منه. ارتقت أحاديثهم في هذا القرن إلى الخوض في هذه الشؤون العامة، ولم تكن في القرن الماضي تتعدى أحاديث البطون والفروج إلا قليلاً. ومنهم من يقضي سمره ببعض الألعاب الشائعة كالشطرنج والبليار والدومنية والدانا والنرد وألعاب الورق على اختلاف أشكالها وأسمائها.
وقد فشت مؤخراً عادة ارتياد بعض الشباب أماكن الشراب، وموقعها غالباً بين
الرياض والغياض، وعلى ضفاف الأنهار، وتكون أغلب تلك الاجتماعات متجانسة، فتراهم جماعات متشاكلين حوا مناضد الشراب، يجتمع كل أليف إلى أليفه، وتجد جالساً إلى كل منضدة غالباً رجل من أرباب الصوت الحسن ينشد أصحابه الأناشيد الحسان. ومنهم من يختلف إلى زمرة من الموسيقيين الفنانين، يصحبون آلاتهم كالعود والكمنجة والقانون والدائرة والناي. ومنهم من يقتصر على بعض تلك الآلات. وتجري غالب الاجتماعات في أماكن خاصة. وأما المحال العامة للشراب فنحوي من كل شيء أحسنه كالمنشدين والمغنين والآلاتية، وتسمى تلك الأماكن الجنائن، تضم غالباً الماء والخضرة والشكل الحسن، وتبتدئ وقت الغروب وتنتهي عند منتصف الليل.
وهذا مجمل عادات دمشق ولا تختلف عنها عادات سكان القطر في الشمال والجنوب والغرب اختلافاً يذكر ما خلا بعض عادات دينية عند الطوائف غير المسلمة، وفيما عدا ذلك فهم متشابهون في أخلاقهم الاجتماعية، ويمتاز سكان هذا الديار من غيرهم في المحافظة على ما ورثوه من بعض أخلاق
стр. 1387
الفاتحين العرب منذ نيف وثلاثة عشر قرناً وهي الرزانة والوقار والصبر على المصائب، ويلتزمون هذه الرزانة وهذا الوقار في أعمالهم ومجالسهم بل وفي بيوتهم وبين ذويهم ومجالس سمرهم وشرابهم وأنسهم، ويكرهون من يتصف بالطيش والرعونة والشكوى الصريحة ويتجنبون مجالسته، ولكل عادة من هذه العادات شذوذ وهي قليلة.
عادات الحلبيين:
للحلبيين المسلمين عادات يستعملونها في أفراحهم وأتراحهم نذكر منها شيئاً يحفظه التاريخ إلى ما بعد أن يحتاجه تطور الزمن فيبقى ذكره من مستغرب الأخبار وروائع الآثار فنقول:
مما يستعملونه في قضية الولادة أن الطفل متى تمخضت به أمه وولدته تلمسه القابلة فإن كان غلاماً صلت على محمد وإن كان جارية ترضت عن فاطنة الزهراء ثم يقدم إلى أحد أقاربه فيؤذن في أُذنه الأذان الشرعي يسمى من قبل وليه ويطبخ لأمه حلوى بالشونيز والجوز لتكثير لبنها وتقصير بالشرب على ماء الحمام المنقوع فيه أصول البنفسج مدة أسبوع ويرسل أحد أصدقاء الأسرة مائدة كبيرة تشتمل على مقدار عظيم من الزلابية معها أباليج السكر، ويولم أهل المولود في اليوم السابع وليمة حافلة بين أطعمتها حلوى قوامها الدبس والشمرة تعرف باسم المغلي وقد يحضر في ليلة تلك الوليمة قيان للنساء ومطربون للرجال، وكل صديق لأبوي المولود يقدم هدية بعضها مأكول وبعضها مما يتجلى به ومنها مسكوكات ذهبية قديمة تعلق في قلنسوة الطفل واسم ذلك تهناية وبعد مضي أربعين يوماً على الولادة تؤخذ النفساء إلى الحمام مع أترابها من النساء ويكبس بدنها بالشدود وهو المردقوش والخزامى المغربية. وإذا شعرت أم الطفل بمغص في بطنه تمضغ له لب عجو الدراقن وعصر لفظتها في فمه فيسكن مغصه وتدهن مراقه بالزيت وتذر عليه مسحوق ورق المرسين، ومتى بدأت أسنانه بالخروج تسلق له شيئاً من
стр. 1388
الحنطة تدوفه بالسكر ولب الجوز واللوز والفستق وتطعمه منه وتفرق باقيه على الأهل والجيران.
متى بلغ الطفل الخامسة من عمره يرسل إلى المكتب أو إلى الشيخة أو المعلمة إذا كان جارية ومتى ختم تعلم القرآن العظيم تعمل له حفلة نسمى نشيدة يحضر فيها إلى منزل الغلام جماعة الشداة والمطربين ودراويش الطريقة المولودية وبعد أن تقام نوبة سماح يطاف بالغلام ورفقانه بعض الشوارع البلدة وهم ينشدون أزجالاً في المدائح النبوية ماشياً وراء الغلام حامل المبخرة ورجل آخر ينثر الشعير على رؤوس الناس دفعاً لإصابة عيون العُيُن ثم يعود هذا الموكب إلأى منزل الغلام
وتبسط له الموائد فيأكل وينصرف ويملأ جيب كل ولد فستقاً وزبيباً مضافاً إليهما شيء من النقود. وقد يختن الولد في هذا اليوم إذا لم يكن ختن من قبل. واعتاد كثير من الناس ختن أولادهم في اليوم السابع من ولادتهم كما اعتادوا ثقب شحمة أذن الأنثى فيه. وقد يفرد لختان الغلام حفلة يدعى إليها الأحباب والأصحاب ويولم لهم ثم يزين الغلام بالحلي والحلل ويركب على برذون مزين ويركب وراءه رديف يقال له العريف، ويطاف به في الشوارع يتقدمه أحد مشايخ الطرق راكباً على برذون مجلل بسجادة الإرشاد مكللا رأسه بطيلسان أحمر في يده عقافة يشير بها إلى جماعته وهم سائرون أمامه يحملون أعلام طريقتهم ويضربون طبولهم، وبعد أن ينتهوا من طوافهم يعودون إلى منزل الغلام وتتلى قصة المولد النبوي ختامها يختن الولد. وقد يرافق هذا الموكب طائفة من الدارعين ولابسي الجواشن والخوذ في أيديهم السيوف والتراس يقفون في فسحات الطرق ويلعبون بعضهم مع بعض بسيوفهم وقد سار وراء جموعهم رجل يقود جملاً على ظهره منصة مهندمة يقوم رجل يرتدي كسوة نساء عرب البادية يقال له عبلة قد أمسك بيديه صنوجاً يرقص بها حتى يصل إلى دار المختون وهذا الموكب يسمى عراضة.
للغلام في أول يوم يصومه من رمضان طبق يملأ بأنواع الحلوى يفطر عليه. وإذا بلغ الغلام مبلغ الرجال وتاق للزواج تأخذ أمه وذوات قرابته يلتمسن له زوجة تنطبق أوصافها على أذواقهن. والأغنياء يغالبون بالمهر
стр. 1389
وربما بلغت جملة المهر ذهب عثماني وزيادة، والمهر عند الفقراء لأحد لأقله والمعجل منه ثلثاه والمؤجل الثلث الباقي. والزوجة الغنية تضيف إلى المهر من مال أبيها قدره وربما زادت وتصرف الجميع على شراء أثاث المنزل. وعقد الزواج يكون في بيت الزوجة باحتفال فائق يحضره المطربون ويطاف على الحاضرين بكؤوس المرطبات وأنواع الحلوى المجففة. وبعد أن يتم العقد بأيام ينقل الجهاز الذي أعدته الزوجة
إلى بيت الزوج بموكب حافل يتقدمه جماعة الحمالين ولاعبو السيوف والعصي، وشدادة الأزجال، ويسبق ليلة القران ليالٍ يسمونها التعاليل يحضر فيها المطربون والموسيقيون وتحرق الألعاب النارية وقبل ليلة القران بليلتين يدعو أهل الزوجة أقاربهن ويفرق عليهن الحناء ونقوشها فينلن منها على أيديهن ما تناله منها العروس على يديها ورجليها ومعصميها وتعرف تلك الليلة بلبلة النقش، ثم في صبيحة اليوم الذي يكون القران في مسائه تقام وليمة العرس وتكون الدعوى إليها جفلى يجلس على سماطها من أحب. وفي هذا اليوم يأخذ أهل الزوج الزوجة من بيت أهلها فيركبن العربات المزدانة ويأتين بها إلى بيت زوجها وكن قبل ظهور العربات يأتين بها إلى بيت زوجها ماشيات على أقدامهن يزغردن ولا يمرون بها على باب حمام زعماً بأن جنه يخطفها. وأصل هذا ما كان يفعله الانكشارية من اختطاف العرائس اللواتي يمررن على حمامهن فكانوا لا يطلقون سراح العروس إلا بعد أن يأخذوا شيئاً من حيلها أو نقوداً من زوجها.
في مساء هذا اليوم يأخذ الزوج زينته في منزل أحد أصدقائه ويحضر إلى منزله بموكبه حافل من المطربين والموسيقيين وهو يسير الهوينى بين شابين يشبهانه يقال لهما سخاديج وأحدهما سخدوج. قد حملت أمامه مصابيح ضخمة على عتلات في مقدمتهم شداة يترنمون بمواليات كلما أتم أحدهم مواليه يهتف الجميع بقولهم: الله يساور جوز جوز جيز تحريف الله يصور الزوج زوج جهاز. وقدم تقدم صف الزوج صفوف المطربين وأصحاب الأزجال الحماسية وحملة المشاعل ومحرقو الألعاب النارية والمدرعون واللاعبون بالسيوف ألعاب الفروسية إلى أن يصل هذا الموكب منزل الزوج فيدخله وتتلقاه عرسه ويضع يدها في يده أقرب إنسان إليه ويدخلان الغرفة المعدة لهما
стр. 1390
ويفتح على رأسيهما طيلسان وردّي اللون. وفي صبيحة تلك الليلة يدخل الزوج الحمام ومعه الجم والغفير من الخلان
والإخوان، وبعد خروجه منه يعمل له أصدقاؤه الولائم على عدة أيام وهي المسماة بالصبيحات. وفي اليوم الخامس عشر يولم الزوج لأهل زوجته وليمة شيقة تسمى عزيمة الخامس عشر.
ومما يستغرب من عادات بعض الأهلين من قطان أطراف حلب أنهم يفرشون ليلة القران في غرفة العروسين قطيفةً يجعلون رؤوس ما التوى من ريشها إلى جهة صدر الغرفة، فإذا وجد الزوج الوردة زراً غير باسم الثغر حول القطيفة أي جعل رؤوس ما التوى من ريشها إلى جهة عتبة البيت وإلا أبقاها يعلنان القضية وتعلو الضوضاء وتشتد الضجة ويفتضح الحال.
ومما يستعمله الحلبيون المسلمون في أتراحهم من العادات هو أن بعض سكان أطراف البلدة يُحضر حين وفاة رجالهم الأعزاء عليهم - نائحات بدويات ينثرن على رؤوسهن الحناء ويشدن في أوساطهن المآزر ويخدشن خدودهن ويسودن وجوههم بسخام القدر، وحين خروج النعش من الدار يضربن جبهة بابها بإناء خزفي زاعمة أن هذا العمل يمنع من أن يلحق بالميت غيره من أهله، ونعش الميت يسيرون به وهم يجهزون بكلمة التوحيد، وقد يكون في مقدمته من يؤذن أذان الجوق وينشد المدائح النبوية، وقد يمشي أمام النعش جماعة الدراويش المولوية. وإذا كان الميت من مشايخ الطريق يتقدم جماعته ويجملون نعشه ويتجاذبونه ويتمسكون به كأنه يحاول الطيران وهم يمنعونه عنه وينادونه باسمه ويضرعون أليه بأن يعدل عن الطيران، وحملة أعلام الطريقة يفعلون بأعلامهم فعل حملة النعش به فيركضون بها إيهاماً بأنها تجرهم وتحاول أن تطير بهم إلى غير ذلك من الحركات التي ينكرها الشرع. إذا وصل النعش إلى القبر حطوه إلى الأرض وأخرجوا الميت منه ولحدود، ومن الناس من يودع في نقرة من جدار القبر قنينة فيها شيء من زيت الزيتون قصد تعتيقه لينتفع به بعد من يكون مصاباً
بالريح فيطلي منه بدنه فيبرأ.
في الليالي الثلاث الأولى من الوفاة يجتمع في المسجد الحي بين العشائين
стр. 1391
نفر من الرجال والأطفال يكررون كلمة التوحيد وفي أيديهم سبحة كبيرة ينتظم في سلكها خمسمائة حبة كل حبة منها في حجم الجوزة. فإذا دارت دوراً سكتوا وتلا إمام المسجد شيئاً من القرآن. ثم تدور دوراً آخر في ختامه ينتهي الذكر ويفرق على الحاضرين الحلوى المعروفة بالغريبة. في صباح اليوم الثالث من الوفاة يجتمع الجم الغفير على القبر وتمد البسط على أطرافه وتوضع عليه قمام ماء الورد وتنثر فوقه الزهور ويفرق على الحاضرين أجزاء الربعات وبعد الانتهاء من قراءتها يصطف الناس حلقة ويذكرون الله تعالى ويفرق على الفقراء شيء من النقود ويعزى الناس أهل الميت وهم في المقبرة. وهذا اليوم يسمى الثالث وفيه وفي كل من اليوم السابع واليوم الأربعين واليوم المتمم للسنة من الوفاة يدعى جماعة من القراء إلى بيت الميت يتلون القرآن العظيم في نهارهم، وفي المساء تبسط الموائد ويفتح باب الدار للفقراء فيأكلون ويزودون.
ومما اعتاده الحلبيون في أول يوم من المحرم أن يكون فطورهم من طعام حلو، وأن يخرج جماعة من العجزة يتصدق عليهم الناس بشيء من البرغل لهم فاز من صلى سموا يلازمه زجل ينشدونه على الأبواب وهو فاز من صلى على تاج العلى طه النبي المصطفى جد الحسين وبعض الناس يسمونهم الحسينية. وهذه العادة موروثة عن الطوائف العلوية التي كانت تقطن حلب. وفي يوم عاشور يوسع الناس على عيالهم بالمطاعم ويطبخون طعام الحبوب الذي يشير إليه ابن منير الطرابلسي الشاعر بقوله:
وسهرت في طبخ الحبو ... ب من العشاء إلى السحر
وفي يوم عاشور كانت الحكومة قبل خراب مشهد الحسين تولم فيه وليمة حافلة
يحضرها الوالي ومن دونه وينشد أحد المطربين قصيدة ابن معتوق في رثاء الحسين التي مطلعها هل المحرم فاستهل مكبرا. وتعطل الحومة أيضاً في آخر أربعاء من صفر وفي اليوم الثاني عشر من شهر ربيع الأول وتحتفل بتلاوة قصة المولد النبوي في الجامع الكبير، ويستمر الناس على تلاوة هذه القصة ليلاً ونهاراً إلى آخر هذا الشهر، ويولمون من أجلها الولائم العظيمة.
وتعطل أيضاً في اليوم السابع والعشرين من رجب وتحتفل بقراءة قصة المعراج
стр. 1392
في المشهد المذكور. ويجتمع الناس ليلة النصف من شعبان في المساجد بين العشائين ويقرءون سورة يس ثلاث مرات ويلقنهم الإمام دعاة ليلة النصف المذكور في كتاب نزهة المجالس وغيرها من الكتب، وتهجر المعاصي في شهر رمضان ويكثر ترداد الناس على الجوامع والمساجد ويقبلون على تلاوة القرآن ومنهم من يقصد المقاهي ليلاً لتفرج على المشعوذين والمتصارعين.
ويخرج قرب السحر طبال يوقظ الناس للسحور ويعقبه شداة المدائح النبوية في منارات الجوامع. وبعد صلاة العيد يخرج الناس إلى المقابر لزيارة موتاهم، وكان يخرج قبل العيد بيومين رجل سخره معه مدرع بالودع والخزر والأجراس يستجدي الناس بالرقص ويضحكهم بحركات حماره يقال له جحش العيد. وكان يخرج في أيام العيد ولدان قد صبغوا أجسامهم بالسواد وعلى رؤوسهم الطراطير يستدرون إحسان الناس بالرقص والقفز ويقال لهم بيضه بيضه، وبعد انتهاء العيد رواد الحجاز أهبتهم ويسافرون لأداء فريضة الحج ويحتفل أحبابهم بوداعهم. وفي عيد النحر يقبل الناس على الضحايا.
وفي تاسع آذار الرومي الشرقي يخرجون صباحاً إلى ضاحية البلدة لاستنشاق نسيم الصبا التي تهب في ذلك الوقت كما يزعمه بعض المنجمين. ويكثر خروج الناس في أوائل أيام الربيع إلى جبل الجوشن وما قرب منه فإذا نور الشجر وأوراق
يترددون على البساتين. وفي شهر نيسان يحتكرون مؤوناتهم من السمن والجبن والفحم. وكان النساء في يومي أربعاء الزوبعة وخميس البيض ويكونان قبل يوم الأحد وهو أول يوم من عيد الفصح يخرجن إلى البساتين ويمضين فيها سحابة يومين ويفعلن مثل ذلك في يوم الاثنين الذي يلي عيد الفصح، ويزعمن أن من لم يخرج إلى النزهة في هذه الأيام لا يأمن الصداع ووجع الرأس، إلى غير ذلك من العادات التي بعضها مستحسن وبعضها مستهجن مما هو مذكور في كتاب نهر الذهب مسهباً مفصلاً.
وأما ما يستعمله النصارى الحلبيون من العادات في أفراحهم وأتراحهم فمنها أن مريد الزواج منهم يبدأ بتصفح وجوه النسوة في مجامع الناس وحين خروجهن من الصلاة فمتى أعجبته أنثى سعى بإعلامهما أنه يرغب أن تكون له زوجة وهذه هي الخطبة الأولى. ثم يسعى بالخطبة الثانية وهي أن يرسل
стр. 1393
أحد أوليائه مع كاهن طائفته إلى ولي مخطوبته فيعلماه أن موليهما يرغب أن تكون موليته زوجة له فإذا أجاب طلبهما وضع الكاهن يد أحدهما بيد الآخر علامة على الرضى المتبادل، وبعض الكهنة يسأل المخطوبة بقوله هل رضيت أن يكون فلان زوجاً لك فتطأطئ رأسها بالإيجاب وحينئذ يقدم له قطعة من الحلي مرسلة من زوجها وبعد ذلك يشرع الخاطب بزيارة مخطوبته، وطالما نهى الكهنة عن كثرة هذه الزيارة فذهب نهيهم سدى. وبعد مرة يرسل الكاهن إلى أهل المخطوبة ليتفق معهم على ميعاد عقد الخطبة وليقدم هدية الخاطب إلى مخطوبته. وهذا العمل يسمى المشورة وقد ينكث أهل المخطوبة ويفسخ عقد الخطبة فيقيم الكاهن الحجة على أهل المخطوبة ويغرمهم ما أنفقه الخاطب في مدة الخطبة. أما إذا لم يفسخ عقد الخطبة فإن رقاع الدعوة ترسل بتوقيع الوليين إلى المدعوين لحضور الإكليل، يقبل المدعوون إلى بيت الخاطب في اليوم المعين ثم يتوجهون إلى بيت المخطوبة
فيضعون عليها خمارها وأزهارها وتكون جميع ثيابها بيضاء ويأتون بها في وقت العتمة إلى بيت خاطبها وهي تسير الهوينى بين امرأتين على شاكلتها وأمامها المصابيح وجماعة الموسيقي، حتى إذا اقتربت من بيت خاطبها خف لاستقبالها فخاصرها ودخل بها إلى منزله وانتظم عقد المدعوين، ثم يقف العروسان بين يدي مطران الطائفة ومن معه من الكهنة وهم متحلون بملابسهم الكنائسية ويشرع المطران يترنم بآيات من الإنجيل مخصصة بعقد الزواج ويجري بين العروسين الإيجاب والقبول ويلقي عليهما النصائح ويأمرهما بالتحابب والطاعة أحدهما الآخر للآخر ويستغرق ذلك ساعة من الزمن. وفي الختام يرفيهما هو والحاضرون ثم تعزف آلات الطرب وتدور أقداح الراح فيرقصون ويمرحون إلى الهزيع الأول من الليل، فيقدم للحاضرين سفرة الدخلة وهي قطع من لحم الدجاج الهندي والهضم المحمضة المعروفة بالمخلالات والخبز الحواري وغير ذلك وبعد أن يتم الحاضرون أكلهم يعودون إلى السماع والطرب. ثم في منتصف الليل يقوم بعض الأدباء ويهنئ العروسين بقصيدة، وفي الصباح يقدم للحاضرين الفطور من معمولات اللوز الهندي الشكولاته مع بعض الحلاوي واللحوم المقددة ثم يتحلق الحاضرون حلقاً العروسين بالرقص العربي والكردي ثم ينصرفون.
стр. 1394
وفي هذه الصبيحة يهدي أحد أبوي الزوج إلى الزوجة قطعة من الحلي تسمى الصبيحة وفي اليوم الرابع يحضر المدعون إلى منزل الزوج لتهنئة العروسين، ثم في اليوم الثامن يزور العروسان أصحابهما فيحيون لهما ليلة طرب، ثم في اليوم الثاني عشر يولم الزوج إلى كهنة الطائفة وبعد شهر يطوف العروسان منازل الألى كانوا مدعوين ليلة القران ويردان إليهم الزيارة.
المهر يدفع من الزوجة إلى الزوج عكس ما هو معروف عند المسلمين ولا حد لأكثره إذا كانت الزوجة غنية والرغبة منها في الزوج فوق رغبته بها وهو يسمى
دوطه وبعض الكتبة يترجمون هذه اللفظة بكلمة بائنة وإذا كانت رغبة الزوجين في الزواج متساوية فليس هناك دوطة إنما كل واحد من الزوجين يهدي الآخر قطعة من الحلي قيمتها تناسب ثروته.
بعد انتهاء هذه الحفلات يصرف بعض المتفرنجين شهراً من حياته بالتغيب عن منزله يسمونه شهر العسل يمضيه الزوجان في موضع نزه جميل يطلقان فيه حريتهما، كأن العروسين يمضيان هذا الشهر في وداع الحياة المطلقة المؤذنة بفراقها لحلول ذلك الضيف الثقيل بل القيد الأبدي الذي لا يحل وثاقه إلا بالموت: عادة أخذها الغربيون عن الأمم الوثنية القديمة كأنها رمز إلى سرعة انقضاء راحة الإنسان بالزواج وطول عنائه بعده، وذلك لأن الزوجين لا يلبث فرحهما بعد الاقتران سوى أيام قلائل حتى يدخلا في العريض الطويل من تكاليف الحياة وأوصابها التي لا تنفد إلا بنفاد العمر. فما أشبه الحياة وما فيها من الراحة والتعب بإناء مفعم من الصبر قد بسط على وجهه قليل من العسل، وكأن الإنسان لا يضطر إلى استعمال ما في هذا الإناء اضطراراً حقيقياً إلا بعد أن يتزوج فكأن مقدار ما يناله حينئذ من الراحة وما يعقبها من التعب كمقدار ما في ذلك الإناء من الصبر والعسل فلا يعلق من العسل غير قليل حتى ينفد ويظهر تحته الصبر، فيجرعه مكرهاً ضرورة عدم إمكان الحياة إلا به وهذا مصداق قول الناس في الزواج فرح شهر وتر دهر.
وما يستعمله النصارى في أتراحهم أنه متى احتضر انه متى احتضر المريض يحضر إليه كاهنه ويستأديه واجباته الدينية، وبعد أن يقضي نحبه يتربصون بدفنه مدة أربع وعشرين ساعة يضعونه في خلالها في صندوق من الصفيح، وفي هذه البرهة
стр. 1395
يرسلون رقاع الدعوة لحضور الاحتفال بالجنازة، ثم في الوقت المعين يضعون الصندوق في نعش مزدان بالأيقونات وأكاليل الزهر فيحمل إلى البيعة
ليصلى عليه، ثم يحمل إلى المقبرة وأمامه صفوف الكهنة يترنمون بآيات من الإنجيل ووراءهم عظماء الطائفة وتلامذة المكاتب وحملة الصلبان والشموع، وقد اكتنف النعش أربعة من كبار الطائفة يمسكونه من أربع أطرافه بسفائف من الحرير الأسود، وحينما يصلون به إلى اللحد يضعه الحمالون عن كواهلهم ويتقدم أحد الأدباء فيرثيه نظماً أو نثراً ثم يوارونه في لحده، ويصطف أهل المتوفى للتعزية ويمر عليهم المشيعون لجنازته لتعزيتهم وفي مقدمتهم المطران ولفيف الكهنة. ولبعض الأسر الغنية ديماس تحت الأرض مختص بدفن موتاهم يقال له خشخاشة يودعون فيه النعش دون أن يهيلوا التراب عليه، وقد يكون هذا الديماس بناية تشبه البيت مبنية على وجه الأرض.
في اليوم الثالث من الوفاة يحتفل للمتوفى بصلاة في البيعة يسمونها جنازاً يسرجون فيها من المصابيح قدر ما يقع عليه الاتفاق من النقود بين أهل الميت وبين كهنة طائفته، وهذه الصلاة تعاد في اليوم التاسع وفي يوم الأربعين وفي نصف السنة وتمام السنة. وحداد الولد على أبوية ثلاث سنين والأخ على أخيه والزوجين أحدهما على الآخر والأبوين على ابنيهما سنتان.
ومما يستعمله اليهود الحلبيون من العادات في أفراحهم وأتراحهم أن يختنوا بعد يومين من ولادته، وإذا كان من سبط إسرائيل وكان بكر أبويه وجب على أبيه أن يفتديه من كاهن من سبط هارون يضع الطفل في حجره ويقول لأبيه: هذا المولود حق سبط الكهنة فيستوهبه أبوه منه بمقدار معلوم من الفضة. ومتى بلغ عمر الطفل سنة يأخذه أبواه كل سنة إلى وليمة قدوس أي زفاف يطعمانه من طعام السيعودته فإذا بلغ الثانية عشرة يؤمر بصيام ذلك اليوم، وإذا بلغ الثالثة عشرة يلبسونه كنفوت وهو صدرة تربط أطرافها الأربعة بفتائل من الغزل ويشد على رأسه وعضده الأيسر تيفلين وهو سير من الجلد يشتمل على الكلمات العشر
والإصحاح الأول
стр. 1396
من سفر الوصايا، وحينئذ يعتبر رجلاً متمماً صلاة الجماعة التي لا تتم إلا بعشرة رجال ويرث سهمين من تركة أبيه.
وإذا بلغ الثامنة عشرة وجب عليه الزواج فيباشر الخطبة ومتى انتقى مخطوبة يكتب بينهما قنيان أي عهد يسمونه شيطاراً يعينان فيه مقدار المهر المدفوع من الطرفين ويذكران ما اتفقا عليه من الشروط، ثم في اليوم المعين تنعقد جمعية يسمونها كتبة فيها يكون تسلم الزوج الأمتعة والنقود التي تعهدت الزوجة بتقديمها إليه، وبعد ثلاثة أيام تكون حفلة الزفاف المعروفة باسم قدوس فيحضر المدعون وتعزف آلات الطرب وتدار كؤوس ابنة العنب من وقت العصر إلى وقت الغروب ثم يقوم رؤساء الدين ويجرون العقد بين العروسين ويقرأ أحدهم قداشين يقف الزوجان مدة قراءة الأول متقابلين ومدة قراءة الثاني متحاذيين، ويفتح على رأسيهما ملاءة من الصوف يسمونها طليطة أي طيلسان. وفي هذه الساعة يقدم الزوج إلى زوجته قطعة من الفضة فتأخذها منه ويشهد بذلك رجلان ليس لهما قرابة لأحد الطرفين، وحين تسلم الزوجة القطعة المذكورة من الزوج يخاطبها بقوله هاري آت ميقديشت لي بي طباعت زكيدات موشي وإسرائيل أي أنت مقدسة لي بهذه القطعة مثل دين موسى وإسرائيل. ثم يتقدم الحاخام الكبير وبيده كأس من الخمر فيبارك عليه بدعاء طويل باللغة العبرانية ويشرب منه جرعة ثم يدار على الحاضرين فيشرب من شفافته كل واحد منهم جرعة ثم يعاد إلى الحاخام فيرميه إلى الأرض فينكسر، وبعد ذلك يدخل الزوجان البيت المعد لخلوتهما فإذا التقى آدم مع حواء في تلك الليلة وجب عليه أن يمسك عنها مدة خمسة عشر يوماً، وأن ينطبل أي ينغمس في حوض خصوصي، وعلى الزوج أن يدعو في ثاني يوم من زواجه عشرة من رؤساء الدين ويولم لهم، وعلى رئيسهم قبل الأكل أن يبارك على المائدة سبع مرات كما بارك على كأس الخمر يوم الزفاف.
ومما يستعملونه في أتراحهم أن المريض متى احتضر جلس عند رجليه رجلان يذكرانه بقولهما شيماع إسرائيل أدوناي ايلو هينو أدوناي احاد أي اسمع يا إسرائيل الديان إلهنا الديان واحد. فإذا قضى نحبه وضعوه على
стр. 1397
اللوحوت أي المغتسل وغسلوه بالماء الفاتر وأدرجوه في ثوب من الكتان يعيبونه بالتقريض والحروق كيلا يطمع به نباشو القبور، ثم يضعون جثة الميت في الأورت أي النعش ويحضر أحد أقربائه ويقرأ عليه قداساً أي يصلي عليه صلاة الميت، ثم يحمل النعش بين ثلاثة أشخاص وعلى كل من مرت به الجنازة أن يمشي معها أربعة أذرع أو أكثر ويطلب من الميت السماح، إلى مدفنه ويوارونه في ترابه ويقوم أحد الحاضرين ويبارك عليه بقوله: باروخ ديان ها ايميت أي عيوننا ما رأت وأيدينا ما سفكت هذا الدم. فإذا وصلوا إلى بيت الميت قام أحد الحاضرين إلى كل وارث له وخرق ثوبه من زيقه وهو يقول: باروخ ديان ها ايميت ثم تحضر مائدة عليها أطعمة متنوعة يرسلها أحد الحاضرين فيأكل منها ورثة الميت على شرط أن يضع الطعام بأيديهم أحد الحاضرين ويبارك لهم بقوله: باروخ ميناحيم ابيليم أي تبارك الذي يسلي الحزين. وعلى ورثة الميت أن يلزموا منازلهم سبعة أيام لا يعلون فيها علاً مطلقاً ويسمونها التآبيل أي الحداد. وفي اليوم السابع يصنع طعام الفقراء وهكذا في اليوم الثلاثين تسعة أشهر ومرور السنة اه.
عادات لبنان وأخلاقه:
كانت عادات لبنان إلى أواخر القرن الماضي، قبل أن يبدأ أهله بالهجرة إلى أميركا، كعادات معظم جبال الشام، تغلب عليها السذاجة والفطرة السليمة، وفي مضاء ووفاء وإباء. يقل الكرم ويكثر الحرص في أهل القسم الشمالي منه وهم الموازنة والروم، وكان العكس في حال أهل القسم الجنوبي وهم الدروز والسنة والشيعة والنصارى الذين كانوا من أصول عربية، فإن أخلاقهم ظلت عربية بحتة، ولهم في باب الكرم وحفظ العهد فصول. وقد يكون الشماليون ألين عريكة وأقرب إلى السكون في الأحايين. والجنوبيون
стр. 1398
أشد بأساً وأقوى شكيمة. ودخل تبدل كبير في العادات بانتشار المدارس الأجنبية في الجبل منذ نيف وستين سنة، واستبدلت العادات الإفرنجية ببعض العادات الوطنية إلا قليلاً. وحمل الذين عادوا من المهاجر بعض عادات من نزلوا عليهم، فأصبحت عادات الجبلين مزيجاً من الغربية والشرقية. ويكثر التقليد في سكان الشمال أكثر منه في سكان الجنوب. وهناك فروق ليست بقليلة بين سكان الجرود الشمالية والجنوبية.
كانوا اللبنانيون من أول من نفخ في ديارهم بوق الهجرة إلى أمريكا، ولبوا دعواتها سراعاً قبل غيرهم من الشاميين، لأن حاصلات أرضهم قليلة لا تكفي لعوائلهم. وكانوا من قبل مولعين بمواطنهم، لا يحبون أن ينتقلوا ولو في أرجاء هذا القطر، وكان من يسافر من إحدى قرى الجبل إلى دمشق يضرب به المثل في بعد الهمة وكثرة الشجاعة. وكثير ما كانوا يتغنون بقولهم:
جوزك يا مليحة ... راح عالشام وحده
وكان أقصى ما يبلغه تصورهم من البعد إنطاكية شمالي الشام دنقلة في السودان، ويقال إلى اليوم أوصلك إلى دنقلة. وكان إذا نشط أحدهم للسفر إلى مصر أو الآستانة، بعد كمن وصل إلى المريخ، يقصدونه من القاصية ليسمعوا ما يقص عليهم من عجائب رحلته. فلما بدءوا بالهجرة وكثر عديدهم، واستسهلوا ركوب
المخاطر في بلاد المهجر، ونجحوا وارتاشوا، تبدلت عقليتهم بعض الشيء، وهم كأكثر من يهاجرون في طلب الرزق يعتمدون على أنفسهم ومضائهم وتضامنهم، لا علم يحميهم ولا دولة يهمها أمرهم. حملوا في جنوبهم عزماً وحزماً، وحملوا أيضاً روح التحزب والفرقة الذي امتازوا به لما نشأهم عليه رؤساؤهم. وكان المتعلمون منهم في هذه السبيل أشد مراساً من العوام. ولما كان العائدون من طبقة الفلاحين والعاملين إلى قرارهم من ديار المهجر، أكثر من الراجعين من أصحاب المعامل والمزارع والتجارات، وبعبارة ثانية أن عدد الفلاحين الأميين كان أوفر من عدد الآيبين من المتعلمين والمغتنين أصبح تسرب العادات الغربية لا يكاد يشعر به بين العامة على كثرتهم، وهو ظاهر محسوس بين الخاصة على قلتهم.
وقصارى ما يقال في هذا الباب أن أهل لبنان أخذوا مدينة الغرب من
стр. 1399
مدارسه هنا وبالاختلاط بأهله وراء البحار بلا قيد ولا شرط، على حين كان غيرهم ولا يزالون يأخذونها ببعض الحذر والحيطة. ولبنان منذ عهد متطاول كانت علائقه بالغرب أكثر من غيره من أهل هذه الديار. والروح اللاتيني ترفرف عليه. يحمله إلى ربوعه الرهبان الموارنة من رومية وغيرهم من دعاة النصرانية والاستعمار. ولو مكنت طبيعة الجبل من إنشاء مدن كبرى فيه، لظهرت هذه الفروق على جليتها في أهله، كما تتجلى مثلاً في أهل المدن الداخلية.
لم يبرح الدروز يعدون في المحافظين على عادتهم القديمة وأخلاقهم العربية من إباء ووفاء وحسن عشرة وكرم وحسن وفادة، يعظمون رؤساءهم ولو كانوا في سن صغير جداً. والدروز، ما خلا الطبقة المتمدنة منهم التي تلبس السراويل والمعاطف والسترات والأقمصة الإفرنجية على الأساليب الغريبة، ما زال جمهورهم يلبس لباساً واحداً في جميع البلاد التي ينزلونها: عمائم بيضاء وقفاطين من الأقمشة الغليظة القطنية وأعبئة قصيرة مخططة وأحذية بلدية ساذجة. كأن
لباسهم لم يتبدل منذ حلو هذه الأرض، ونساؤهم محجبات قليلاً يسبلن على رؤوسهن شاشاً أبيض فإذا رأين غريباً أظهرن إحدى عينيهن فقط أي أن حجابهن الحجاب الشرعي.
كان أهل لبنان قبل حادثة سنة ١٨٦٠ يقسمون إلى خاصة وعامة، فالخاصة هم الأمراء والمقدمون والمشايخ. والمشايخ على ثلاث طبقات، مشايخ الإقطاع، والمشايخ الذين يدلون إلى مشايخ الإقطاع بنسب، وكانوا يعرفون بمشايخ الطبق، ثم مشايخ الطبقة الثالثة. وتختلف مصطلحات هذه الطبقات باختلاف العصور، وكلامنا هذا يتناول الأخيرة منها التي ثبتت إلى ظهور الجبل بمظهر الاستقلال الداخلي بعد حادثة الستين. ولهم عادات راسخة في خطابهم وكتابهم ومجالسهم وأفراحهم وأتراحهم، أمست عندهم بمثابة القواعد العامة، وتختلف عن مجموع ما هو من نوعها في سائر الأقطار، والسر في ذلك أن لبنان مدين بظهوره بمظهر المنعزل المستقل منذ عهد المماليك والعثمانيين لأمراء كانوا يتلون جباية الجبل على سبيل الإقطاع مقابل مال يؤدونه، وهم ينصرفون إلى توظيف طبقات الناس، وتصنيف أهلها على
стр. 1400
ما يرون. ومما أثبت هذه الأصول بين الأشراف لبنان أن الأرستقراطية فيهم كانت ثابتة لا تتحول عنهم لفقر أو غيره. ويغلب على الظن أنهم جمعوا في عاداتهم بين العادات العربية، وشيء من العادات الغربية اكتسبوها في مخالطتهم الصليبيين.
وفي الحق أن لبنان القديم وليد أمرائه من المعينين والتنوخيين والشهابيين واللمعيين والأرسلانيين وآل علم الدين. وقد أقر هذه العادات المشايخ الجنبلاطية والعمادية والنكدية والتلاحقة والملكية وبنو العيد، وفي المسيحيين آل الخازن والحداح والضاهر وحبيش وغيرهم. وأخذت تحتفظ كل طبقة بأصولها وعاداتها، لا يباح لأهل طبقة أن يتزوجوا من أهل طبقة أخرى، ولا أن يختلطوا بهم الاختلاط
اللازم. وكان الجلال الوقار يغلبان على أهل كل طبقة. ويعدون من أسباب السقوط أن يسف ابن أسرة من أسر الأمراء أو المقدمين أو المشايخ فيصهر إلى غير أهل طبقته، ولذلك غلب ضعف الأجسام على بعض هذه الطبقات، وتأصلت فيها بالوراثة الأمراص العضالة لخروجهم عن الطبيعة في الزواج.
وكانت لهم عادات نشأهم عليها حكامهم في الإسلام والجلوس والخطاب. وهم يغالبون في الحرص على كرامتهم، ويعد أكبر أعيانهم من الشرف أن يكتب إليه الحاكم ويلقيه الأخ العزيز ويوقع له بالمحب المخلص. ويكتب الأمير إلى الطبقة الثانية من الشعب وهي طبقة المشايخ عزيزنا أو أعز المحبين أو حضرة عزيزنا أو جناب بدل حضرة. وإذا كان طبق الورق صغيراً أو كبيراً، أو كان توقيع الحاكم في أسفل الكتابة أو في أعلاه فإن لكل ذلك معاني عندهم. والغالب أن القوم كانوا لقلة أشغالهم يتسلون بمثل هذه التفاهات، ويضعون لها قواعد من عند أنفسهم، ويتنافسون في رضا الحاكم والوصول إلى مجلسه وتقبيل يده وثوبه، تأصل هذا الداء فيهم إلى العصر الأخير، فكان من كتب له هذا الشرف تنافل خبره أهل بيته خلفاً عن سلف وعدوه في مفاخرهم. وقد كثر فيهم حب الظهور حتى أن المرء ليبيع وداره ويبذل مال ينال عملاً صغيراً في الحكومة أو ليكتسي الحرير هو وعياله ويتعاظم على أهل قريته. ومنه من ابتعدوا
стр. 1401
عن مواطن الشرف ليتزلفوا إلى من اعتقدوا أن في أيديهم إسعادهم. وكم من بيوت خربت بسبب هذا التمجد بالباطل والتقرب من أصحاب السلطان بفساد الأخلاق.
وكانوا إلى عهد قريب يقدمون الرجال على النساء في إعطاء القهوة أو الخمر، يرفعون مقام الرجل فوق مقام المرأة، ولا يزال أثر ذلك ظاهراً في الطوائف الإسلامية. فلما اقتبسوا المدينة الحديثة أصبح الرجل عند المسيحيين لا شيء تقريباً في بيته، والحكم لامرأته تصرفه على هواها، خصوصاً إذا كانت تعلماً منه، أو
كانت أسرتها أغنى من أسرته وجاءته ببائنة أو جهاز. وهذه الأخلاق ماثلة في بيروت وفي بعض الأقاليم المكتظة بالسكان.
ويحترم الأولاد آباءهم كما كان ذلك في سائر أرجاء القطر، على صورة فيها التشدد الزائد، حتى إن الولد لا يكاد بجالس أباه ولا يقعد أمامه، ولا يؤاكله ولا يدخلن أمامه ولا يرفع صوته، ولو تزوج وولد، ولا سيما في البيوت التي احتفظت بتقاليدها. وكانت العادة أن لا يتفرق أهل البيت الواحد مهما كثر أفراده، يسكنون في دار واحدة، وإذا كانت الأسرة فقيرة ففي غرفة واحدة. وكثيراً ما يخصون الولد الأكبر في الأرض بشيء من العقار وحفظ كرامة إلى أسرة أخرى، شأن كثيرين من المحنطين، بل شأن من يعدون أنفسهم في الراقين أيضاً.
كان البناني يتزوج في الثامنة عشرة أو العشرين من عمره ولا سيما في الطوائف الإسلامية، والمسيحيون قد يتأخرون إلى الثلاثين وبعضهم إلى الأربعين، وقد يخطف العروس عروسه في بعض الطبقات، إذا كانت من طبقة غير طبقته، وتظاهر أهلها بأنهم يأبون زواجه، أو لعداء بين أهل الخاطب والمخطوبة، أو لعدم الكفاءة في النسب أو المال، وكانوا يحبون كثرة النسل بخلاف ما نراهم اليوم بعد الهجرة، فإنهم أصبحوا على مثال الأمم التي تريد تقليل الذرية في البيت ما أمكن حتى لا يدخله الفقر. وكانوا يعدون كثيرة العيال من اليسر والبركة، ويقلقون لمن يتأخر حملها من نسائهم، ويشرعون
стр. 1402
بمداولتها أو وضع التعاويذ المصطلح عليها بينهم، وينذرون النذور إن رزقت ولداً، يقدمونها إلى قديسهم وأوليائهم. ولهم كغيرهم خرافات كثيرة منها تخزيف الأولاد في صغرهم بخيالات، ينشأ الولد عند بعض المسيحيين جباناً، والدروز منذ القدم في هذا الجيل على قلة عددهم يخاف جيرانهم باسمهم. وقد زاد هذا الجبن كثيراً من انتشار التعليم ومعروف قدرة الحياة، فأصبح يجبن من لم يكن يجبن، ونزعت الأخلاق الحربية إلا من الدروز،
وأصبح القوم يؤثرون الراحة ويتطلبونها جيثما وجدوها، ويزهدون في سكنى جبالهم على كثرة غرامهم بها، وتمجيدهم لهوائها ومائها ومناظرها وهنائها. وربما كان أهل لبنان من أكثر الشاميين اقتداراً على الإعلان عن أرضهم، والإعجاب بجبلهم، والتبجح بثروتهم وأثاث بيوتهم، وتمجيد رؤسائهم وعلمائهم وأُدبائهم. وهذا مما ساعد على إعمار الجبل بما جلبه المهاجر اللبناني من المال إلى أرضه، وسمت الهمم بأهله أن يعمروه هذا العمران الواسع بالنسبة إلى البقاع الأخرى، ولذلك لكان كسائر جبال الشام انحطاطاً وفاقة.
تسربت العادات الغربية إلى لبنان أكثر من غيره، فبعد أن كان اللبناني يأكل وأهله وضيوفه على سفرة في الأرض أو على خشبة مستديرة من صفحة واحدة، بأدوات منها الخوف ومنها ملاعق من الخشب من صنع أرضه، أصبح يجلس إلى خوان وأمامه صحاف وملاعق وشوكات وسكاكين ومائدته مغطاة بثوب أبيض، وعلى يده منديل الغمر أبيض، وألوان الطعام تأتيه إرسالاً. وأكثر هذا محسوس الأثر بين المسيحيين ولا سيما سكان الساحل. وقد بلغ ببعضهم حب التقليد أن أصبحوا لا يكتفون بخمر أرضهم، ويتغالى بعض أغنيائهم المترفين فيجلب خمور الغرب يسقيها ضيوفه على مائدته. وغدا لا يطيب له الزجل والمواليا والمعنّى والقراديات والغناء العربي والقصائد العربية، وكانت تنبسط أرواح أجداده إلى سماعها، بل يحاول أن يسمع النغمات الإفرنجية لأنها أجمل وهو تفرنج وتأورب ويحب أن يقطع صلاته مع آبائه.
стр. 1403
وهكذا يقال في الرقص والألعاب كلها فإنها أصبحت بين الطبقات المتعلمين إفرنجية محضة في بيروت وفنادق لبنان الكبرى. وقد ولع بعض النساء في بيوت الراقية على الطراز الحديث بالرقص والمخاصرة والمقامرة ولا سيما في بيروت، ولوعاً لا تكاد تجد له مثيلاً فيما بلغنا وعرفنا من أخبار الأقطار الغربية. فقد ترى
البيروتية ولا سيما من المسيحيات ترقص المتقدمة في السن منهن تجلس إلى منضدة القمار تقضي الساعات الطويلة، وقد يكون بناتها الفتيات واقفات ينتظرنها ليذهبن إلى النوم وهي مستغرقة. وكثير عدد النساء اللاتي فقدن صحتهن وشرفهن لشدة ولوعهن بالقمار والرقص، وإذا رأيت أزياءهن، حسبتهن أوربيات وزيادة إفراطه في التقليد، وغرتهن الظواهر من مدنية الغرب فاجتزان بها، وكانت المرأة المسيحية في جنوبي لبنان في القرن الماضي تتجنب وتتجافى عن غشيان مجالس الرجال من غير محارمها.
وفي أندية بيروت في الشتاء والفنادق الكبرى في جبل مدة الصيف نموذج من الحياة البيروتية التي أصبحت مزيجاً غربياً من الأخرق والعادات، يبدو فيها التكلف والتصنيع، ويفقد منها الروح العربي، وليس المسلمون فيها على المستوى جيرانهم في النهوض الاجتماعي حتى ترسم لهم الآن صورة بعينهم. وقد أخذت بعض البيوت التي أخذت المدنية الحديثة لا تتكلم في بيوتها أو مجالسها واجتماعاتها إلا بالفرنسية وقليل منها بالإنكليزية، أو يمزجون لغتهم الأصلية باللغة التي تعلموها بعضها في المدارس، وأصبحت معظم عادات السكان إفرنجية مقتبسة منقولة لا أصلية.
وأنت إذا دخلت اليوم دار لبناني متعلم ممن كتب له السفر كثيراً، ورأيت العادات القديمة محفوظة يأخذك العجب، لأن اللبناني يحاول أن يقلد، ولطالما عولج في هذه السبيل حتى تنزع منه عاداته وتقاليده، ويلحق بالإفرنج في مناحية منازعه. ومن أبشع ضروب التقليد أنه أخذ بعد أن تعلم بعضهم في المدارس تعليماً ناقصاً أبتر يستعمل في سلامه وحديثة بعض ألفاظ إفرنجية، تساوي في ذلك البحري الجاهل والتاجر المتمول، فصارت أحاديثهم مزيجاً
стр. 1404
من العربية والإفرنجية كعاداتهم وأخلاقهم. وأثبت ابن هذا الصقع أنه ما استطاع أن يتخلى عن القديم برمته، ولا
استعد لأن يقتبس الجميل من الجديد بجملته.
واللبناني أكثر من غيره من سكان هذا القطر اقتصاداً وتؤدة، ومعرفة بأساليب الحياة، وبعَد هِمم، وشدة حذر. وهو نظيف لا كابن الجبال الأخرى، وفي مسكنه وزراعته وصناعته شيء من النظام. وقد تبيت في بيت الفقير منهم في إحدى المزارع الحقيرة، ولا تستنكف من مؤاكلته، ولا تأنف من النوم في فراشه، والجلوس على مقاعده، والاتكاء إلى وسادته. فالزعامة الزمنية من قبلُ عند غير المسيحيين، والرياسة الدينية عند المسيحيين، كانتا بين اللبنانيين على أتمهما لسهولة تسلط الزعيم أو الرئيس الروحي على رعاياه، لضيق الرقعة التي يمتد عليها نفوذه. وقد استفاد ابن الجبل من هذه الزعامة ترتيباً ونظاماً على الجملة، وولد فيه حب التضامن والصدق بما يلقنه إياه الشيخ أو الكاعن، ورُبط الناس بقيود يصعب التفلت منها بعض الصعوبة وهذا أقرب إلى النفع من الفوضى تضرب أطنابها بين سكان الجبال الأخرى، وجهالة ممتدة الرواق على الكبار والصغار لا تدري متى ينقشع ظلامها. وقد اضطر السكان أن يقلد بعضهم بعضاً في باب الأخذ بأسباب الترقي والتعليم. وكان للموازنة التقدم ثم لمن يليهم من الروم والكاثوليك، ثم يأتي الدروز فالسنة فالشيعة.
فقدت عادات ليست بقليلة من الجبل ومما فقد أو كاد لباس الفلاحين وهي العمائم والسراويل والعباءات، ولا سيما من القرى التي هي مصطاف البروتين والطرابلسيين والمصريين، ولباس جمهور عظيم منهم الآ، هو اللباس الغربي، والقبعة الإفرنجية شائعة الاستعمال في النساء والرجال، ولا سيما عند من تعلموا التعليم الغربي في مدارس التبشير في بيروت وما إليها من القرى والمدن. والقبعة اليوم تهزم الطربوش والعمامة والكوفية والعقال أمامها، كما تنهزم المدنية الشرقية أمام المدنية الغربية طوعاً أو كراهاً، وربما كان لحالة لبنان السياسية مؤخراً دخل
كبير في هذا التمثل السريع. والمغلوب أبداً مولع بشعار الغالب. وكل ما قام به اللبناني من اقتباس التمدن فبل هذا العهد كان مقدمة إلى هذه النتيجة. ولولا أن الهجرة نخرت عظام اللبنانيين،
стр. 1405
وتغلغل حبها في شغاف قلوبهم، لكان الخطر كبيراً من هذه السرعة في اقتباس عادات ليست عاداتهم، وأخلاف قلما تلائم أخلاقهم، في أرض هي مفتاح باب البحار. وكأنا بلبنان إذا ظل غرام أهله بالرحيل عنه على هذه الصورة طلب الغنى، يوشك أن يفرغ من سكانه، يتعلمون لا ليكون فلاحين وصناعاً بل تجاراً ومستخدمين. وقد أولعوا بتقليد الأمم العظيمة الغنية في عامة مناحيهم وهم لا ثروة ثابتة لهم، وفي ذلك ما يخشى عليهم من عواقبه، ومن أظهر شؤمه على مجتمعهم ما نسمع به اليوم بعد الآخر من كثرة الاختلاس والاحتيال في دواوين حكومتهم وبيوت تجارتهم بحيث كادت ترتفع ثقة الغرب منهم، ذلك لأن الصعلوك فيهم يحاول أن يعيش عيش أرباب الطبقة الوسطى، هؤلاء لا يقنعهم إلا أن يدانوا الطبقات العليا، وتقليد أوربا أوقعهم في شر أمورهم، وفاتهم أن الأمة لا تفلح إلا باقتباس الجديد، والاحتفاظ بالقديم المفيد، وأن كل شعب يحاول أن يرتجل عاداته، ويصطنع أخلاقه، يندغم في غيره، ويذوب في بوتفة من يريدهم ولا يريدهم.
-
العادات في الأرجاء الأخرى:
تتخالف العادات في القرى وتتقارب، بحسب قربها وبعدها عن الحواضر على الأغلب، وبحسب أصول سكانها، فإذا كانوا من أصول عربية تجلت فيهم عادات البلدية كأهل حوران مثلاً فانهم على قربهم من دمشق قد رسخت فيهم العادات البدوية، كأهل الحواضر والوادي من سكان أقصى الجنوب.
ذلك لأن العرب تسربوا إلى الشام أولاً من الجنوب قبل الإسلام بقرون، وما زالت
موجات الهجرة تأتيها من تلك الأصقاع. وبينا تجد أهل غوطة دمشق كأهل الحضرة في مناحيهم كما يقول الرحالة ابن بطوطة، ترى أهل مرج دمشق، وما هم من الغوطة ببعيد، كأهل حوران، في عاداتهم ولباسهم وطراز معيشتهم. تتمثل فيهم عيش البداوة، وهم فلاحون مقيمون على الحرث والكرث وماشيتهم قليلة. وعادات المسيحيين في حوران وجبل الدروز ومادبا والكرك كعادات المسلمين السنة والدروز، والتعديل القليل على عادات المسيحيين لأنهم أسرع إلى التعليم من الأكثرية وإن كانت
следующие страницы →