Полный текст (1 453 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
وكان منصوراً لم يشهد حرباً إلا وكان الظفر له، ثم أمره مولاه ملكشاه سنة ٤٧٧ أن يذهب مع فخر الدولة بن جهير لضبط الموصل، وبينما كان مسلم بن قريش محصوراً في آمد، راسله أُرُتق وأخذ
منه مالاً وافراً وفتح له طريقاً سار منه، فأنهى ابن جهير ذلك إلى ملكشاه فخاف أُرُتق وذهب إلى دمشق والتحق بصاحبها تاج الدولة تتش، وعاونه على الاستيلاء على حلب، وساعده في كثير من المواقف، فأقطعه فلسطين، أخذها من أصحاب أتسز أرتق الخوارزمي ٥٨٤. فلما توفي صارت القدس وعملها لولديه ايلغازي وسقمان ابني أُرتق، حتى خرج عسكر خليفة مصر فاستولوا على القدس بالأمان في سنة ٤٨٩ بعد أن بقيت في حكم الأرتقية ثلاث عشرة سنة وأياماُ. وسار سقمان وأخوه إيلغازي من القدس فاجتاز سقمان بدمشق وكان صاحبها متغيباً عنها فقاتله أهلها ومن فيها من الأجناد.
وفي سنة ٤٩٠ برز الملك رضوان صاحب حلب وياغي سيان صاحب إنطاكية إلى ناحية شيزر وعزما على معاودة دمشق لفتحها، فوقع الخلف بين مقدمي العسكر فرجع ملك حلب، وورد عليه كتاب المستعلي بالله الفاطمي يريده على الدخول في طاعته، وإقامة الدعوة لدولته، وكذلك كتاب الأفضل يتضمن مثل ذلك، فأجابهما إلى ما التمساه وأمر أن يدعى للمستعلي على المنبر وللأفضل بعده، ثم يدعى له بعدهما، ودامت الخطبة على ذلك أربع جمع. وكان الملك رضوان قد بنى الأمر في ذلك على الاجتماع مع العسكر المصري والنزول على دمشق لأخذها من أخيه الملك دقاق. فأنكر سقمان بن أرتق وياغي سيان على الملك الدخول في الأمر، واستبدعاه من فعله، وأشارا عليه بإبطاله واطراح العمل به، فقبل ما أشير عليه وأعاد الخطب إلى ما كانت عليه أي للعباسيين. وجرى الاتفاق على أن يخطب في دمشق لرضوان قبل أخيه دقاق، وذلك بعد أن يخطب للخليفة ثم للسلطان، وفي هذه السنة خرج العسكر من مصر ونزل على صور بعصيان واليه المعروف بالكتيلة، ولم يزل منازلها إلى أن فتحها بالسيف قهراً وقتل فيها خلق كثير، ونهب منها المال الجزيل، وأخذ الوالي فقتل.
стр. 247
-
الحروب الصليبية
من سنة ٤٩٠ - ٥٠٠
الحملة الصليبية الأولى:
لم يخل الجو لملوك التركمان السلاجقة وأتباعهم في الشام زمناً طويلاً بعد مقتل مسلم بن قريش العربي، فكانت المدة بين مقتله وورود الأخبار بخروج عسكر الصليبيين إلى الأرض المقدسة ثلاث عشرة سنة كما مضى مثل هذا العدد من السنين بين استيلاء أول تركي واستيلاء أول إفرنجي. وكان القطر خلال ذلك في هرج ومرج، يتطاحن أمراؤه يمزق بعضهم بعضاً. تتعاوره أيدي ملكشاه وأخيه تتش بن آلب أرسلان ثم أولاده رضوان ودقاق والمماليك آق سنقر وبزان وطغتكين وأولاد أرتق ايلغازي وسقمان، والسلاجقة هنا يميلون إلى الخلافة العباسية، وإذا رأى بعضهم القوة لأصحاب الخلافة المصرية يغمضون الطرف عنهم، والفاطميون لا يملكون غير بعض الساحل، وأصبح القطر للتركمان، ويصعب على عرب الجزيرة إنجاده لبعد المسافات، وبغداد مهد العرب مشتغلة بنفسها.
ربما كان في استيلاء التركمان على الشام خير لم تعرف حكمته إلا بعد حين، وهو قيام دولة فتية لها جيش جرار اشتهر بالشجاعة حتى قيل: إن آلب أرسلان لما جاء المرة الأولى إلى شمالي الشام كان في أربعمائة ألف مقاتل، ومثل هذا الجيش لا تستطيع العراق والشام والجزيرة أن تجنده لدفع جيوش الفرنج الجرارة، هذا على فرض أن قواها موحدة، وروحها
стр. 248
في الدفاع واحد، فالشام إذاً اعتز بالتركمان. ثم إن السلجوقيين كانت بأيديهم الدروب أو المنافذ إلى آسيا الصغرى أو طريق الإفرنج من أوروبا إلى الشام على طريق البر، فتولي دولة التركمان القيادة العامة جمع بالطبيعة حولهم العرب من سكان هذه الديار وما إليها. إن حكم
التركمان الشديد عجل على ما يظهر في خروج الصليبيين إلى الشام. وإليك البيان:
أثخن بنو سلجوق أصحاب آسيا الصغرى في جيش صاحب قسطنطينية بإيعاز السلطان ملكشاه، وضايق الأمير برسق الروم، حتى قرر على القسطنطينية في كل سنة حمل ثلاثمائة ألف دينار للسلطان، وثلاثين ألف دينار له، جزية يؤديها، فخاف ملك القسطنطينية كثيراً على مملكته من هجوم المسلمين، فكتب يستنهض ملوك أوروبا أن يأتوا لمساعدته، ورضي بطريرك القسطنطينية بأن يقدم خضوعه لبابا رومية، إذا كانت ممالك أوروبا تجهز جيشاً لتخليص المملكة اليونانية مما يتهددها من هجوم التركمان والمسلمين، فكاتب ملوك أوروبا بذلك.
قال صالح بن يحيى في سبب استيلاء الصليبيين على ديار المسلمين: إنه لما قويت دولة بني سلجوق ضعفت حال الخلافة ببغداد، فلما مات ملكشاه السلجوقي سنة خمس وثمانين وأربعمائة وقع الخلف بين ولديه محمد وبركيارق، ودام الحرب بينهما نحو اثنتي عشرة سنة فاضطربت ممالك الشرق لذلك، ووافق هذا خلافة الآمر بأحكام الله بمصر وكان صغيراً، ولما كبر كان مستهتراً بالمملكة فخلا للصليبيين الجو.
وفي التاريخ العام أن حجاج النصارى كانوا يرمون إلى أخذ القبر المقدس من أيدي المسلمين، وإن كان هؤلاء يتركونهم وشأنهم يقومون بعبادتهم بسلام، ولكن كان يتراءى للنصارى أن سيدهم المسيح يرضى عن عملهم إذا أنقذوا قبره من غير المؤمنين بدينه. وروى بعض المؤرخين أن الفاطميين هم الذين فاوضوا الصليبيين وأرادوهم على غزو الشام لينجوا من السلجوقيين الذين كانت قويت دولتهم. وهذا مما يستبعد، وإن كان العقل لا يستبعد شيئاً في السياسة، ولكن ظهر أن الفاطميين حاولوا غير مرة رد الصليبيين عن السواحل وعن فلسطين.
стр. 249
واتفق أن بعض زوار الأوروبيين في الأرض المقدسة شاهدوا شيئاً من العنف في
بيت المقدس لم يكن لهم عهد به في أدوار الحكومات العربية القوية، وانقلبت سماحة العرب بجفاء من خلفوهم من التركمان، فعاد الزوار إلى ممالكهم يقصون ما لقوا من الشدة في الشام ويعظمون الأمر، وكان التعصب الديني يومئذ على أشد حالاته في الغرب، ومعظم حكوماته تدين بدين البابا وتخضع لسلطانه القاهر، ولم يكن ظهر إذ ذاك المذهب الإنجيلي، وكان مذهب الروم الأرثوذكس آخذاً بالضعف ليس له روابط الكنيسة البابوية ولا سلطتها على الأرواح والأشباح، فأوعز البابا إلى أمم النصرانية في الغرب ليهبوا كلهم إلى إنقاذ القبر المقدس من أيدي المسلمين. وقد ذكر أهل الأخبار من الأوروبيين في تعليل الحروب الصليبية، أن المسيحيين والمسلمين كانوا حتى القرن الحادي عشر للميلاد على صلات سلمية إلا قليلاً، يحمل العرب إلى مصر والقسطنطينية حاصلات مختلفة من بلاد الهند والشرق الأقصى، فتستبضعها من المدن الإيطالية باري وبيزة وجنوة وأمالفي والبندقية فيبيعونها في أوروبا. وكان العرب يسمحون للزوار أن يأتوا زرافات إلى فلسطين، فيشخص إليها جماهير عظيمة من عامة نصارى الغرب يسجدون أمام القبر المقدس. وتضاعفت الحماسة الدينية في ذاك الزمن وتداعى الحكم العربي القائم على التسامح في قارة آسيا، وقام مقامه المحاربون من الترك المعروفين بتعصبهم وبسالتهم. فاستولى السلجوقيون على أرمينية والشام ونيقية ودانت لهم في سنة ٤٦٩هـ - ١٠٧٦م القدس فاختلت العلائق الاقتصادية بين آسيا وأوروبا، وخافت المدن التجارية في البحر المتوسط أن يغلق الأتراك أمامها أسواق الشرق.
نعم نشأت الحملة الصليبية الأولى من الحماسة الدينية بصنع البابوية التي كانت إذ ذاك الحاكمة المتحكمة في كل شيء. ولقد تأثر البابا أوربانوس الثاني بشكاوي الزوار القادمين من فلسطين. وقلق للارتقاء المخوف الذي بلغه المسلمون في الأندلس، ولا سيما عقبى وقعة الزلاقة سنة ٤٨٠هـ - ١٠٨٧م وقد أثبت العرب
فيها كفاءتهم الحربية، كما أثبتوا من قبل ومن بعد كفاءتهم المدنية، واغتنم فرصة اجتماع المجمع الديني العظيم الذي التأم في مدينة
стр. 250
كلرمون وحضره ألوف من الفرسان، ليحرض المؤمنين من النصارى على حمل الصليب لفتح القبر المقدس. فوعد جمهور كبير من جميع طبقات الشعوب أن يرحلوا إلى فلسطين. واتخذوا شعار الحملة الصليبية صليباً من القماش الأحمر يجعل على الكتف الأيمن. وكثر المشتركون بهذه الحملة في إيطاليا وإنكلترا ولا سيما في فرنسا. ومنحهم البابا غفراناً عن جميع خطاياهم، وشجب كل من يمس أموالهم مدة سفرهم. ولم ينتظر العامة ريثما تجمع الجيوش المتحدة التي أبطأ تنظيمها، بل سافروا بدون سلاح، غير آخذين بالحزم في التأهب للرحلة. وكان هذا شأن عصابات البائسين الذين جمعهم بطرس الراهب وغوتيه المعدم سانزافور ومن لم يهلك من هذه العصابات في الطريق أهلكه الترك.
وفي أواخر سنة ٤٩٠هـ - ١٠٩٦م اجتمع في القسطنطينية أربعة جيوش متحالفة من اللورين والألمان بقيادة بودوين دي هينو، وفرنسيين من الشمال بقيادة القومس فرماندوا ودوق نورمنديا، وبرفنسيون بقيادة قومس طولوز، ونورميون من إيطاليا بزعامة بوهيموند دي ترانت وتنكري ولم يكن مع هذه الأمم ملك من ملوكهم، ولم يتفق رأي الغزاة على نصب ملك يرتضونه ويرجعون إليه. وكان الأمير الكسيس كومنين ملك الروم يرجو استخدام الجيوش الصليبية لفتح آسيا الصغرى، واسترجاعها من أيدي المسلمين، فصانعوه ولكن ما لبث البيزنطيون واللاتين أن تباغضوا واحتقر بعضهم بعضاً. وبعد سنتين ونصف مضت في المصائب الهائلة والجدال العنيف، استولى الصليبيون في طريقهم على نيقية لحساب الإمبراطور، وكسروا جيش سليمان في دوريليوم أسكيشهر واستولوا على الرُّها ١٠٩٧ وعلى إنطاكية ١٠٩٨ وبلغوا القدس واستولوا عليها ٤٩٢هـ ١٠٩٩م. وربما هلك في هذه
الحملة نصف مليون من
стр. 251
الرجال حتى تهيأ للصليبيين أن ينشئوا أربع إمارات: إمارة القدس وإمارة إنطاكية وإمارة الرها وإمارة طرابلس، قسمت أقطاعاً على الفرسان الغربيين. أما المدن الكبرى في الساحل الشامي فقسمت مستعمرات أوروبية أنشأت فيها مارسيليا والمدن الإيطالية أحياء برمتها.
وبذا رأينا أنه دعا إلى الحملات الصليبية تعصب أوروبا الديني، وحب الغارة والتجارة، والأسباب التي دعت إليها واهية لا محالة. قال أحد كتاب روسيا: كان في الإمكان اجتناب وقوع الحروب الصليبية، وساعد على حدوثها الجهل والأوهام الدينية والسياسية ومصلحة البابوية. وكم من أحزان وآلام وجرائم جديدة كان يمكن أن تتوفر على الإنسانية لو لم يوقف شارل مارتل العرب سنة ١١٠ للهجرة فإن المدنية الزاهرة التي كان يحملها أولئك الذين دعاهم الصليبيون في حال سخطهم وبغضهم بأبناء إسماعيل عبدة الأصنام والكفار والوثنيين، كانت هذه المدنية تؤثر في أوروبا الغربية وتعمل عملها في المدنية الفرنجية والرومانية.
-
الصليبيون في شمالي الشام:
هذا ما كان من جهة الغرب وسر الحملة الصليبية الأولى على هذا الجزء الصغير من الشرق، ولو كانت كلمة القابضين إذ ذاك على زمام الأمر في آسيا الصغرى وأرض الشام متحدة، وحكوماتهم قوية منظمة، لتعذر كل التعذر على الصليبيين أن يزحفوا على إنطاكية، ثم يسير جيشهم حتى يأخذ الساحل ويبلغ البيت المقدس على كثرة عدده، فقد قيل: إن الحملة الأولى كانت مليون محارب ومحاربة، لأن بعض الصليبيين كانوا يصحبون معهم أزواجهم وأولادهم. وفي رواية ميشو أن الحملة الأولى كانت ستمائة ألف محارب على حين كان جيش الإسكندر الذي فتح به آسيا ثلاثين ألفاً فقط. ومع هذا فإن الشام كان في ذاك العهد بحالة من تجزؤ الحكم
بحيث لا تستطيع أن تجهز نصف جيش الفرنج، وهي تحتاج إلى حاميات عظيمة في الثغور والحصون والمدن الكثيرة. وكان المسلمون إذ ذاك كنصارى الأوروبيين مشتتة أهواؤهم غير منظمة قواهم. ومع
стр. 252
هذا فقد روى مؤرخونا أن الأخبار لما وصلت سنة ٤٩٠هـ إلى الشام بظهور عسكر الفرنج من بحر القسطنطينية في عالم لا يحصى عدده كثرة، شرع الملك داود بن سليمان بن قتلمش، وكان أقرب إليهم داراً في الجمع والاحتشاد، واستدعى التركمان فوافاه منهم مع عسكر أخيه العدد الكثير وعادوا إليه، واستظهروا عليه، وكسروا عسكره فقتلوا منهم وأسروا، ونهبوا وسبوا، وانهزم التركمان واشترى ملك الروم من السبي خلقاً كثيراً وحملهم إلى القسطنطينية.
ولما اتصلت هذه الأنباء بأمراء الشام، قر رأي أصحاب إنطاكية وحلب ودمشق وغيرهم من صغار الأمراء على الاستصراخ والاستنجاد، وتحصين إنطاكية وإخراج النصارى منها، ولم تلبث عساكر الفرنج أن نزلت على حصن بغراس وأعادوا الكرة على أعمال إنطاكية فعصى من كان في الحصون والمعاقل المجاورة لها، وقتلوا من كان فيها وهرب من هرب منها، وفعل أهل حصن ارتاح مثل ذلك واستدعوا المدد من الفرنج. وكان نهض من عسكر الفرنج فريق يناهز الثلاثين ألفاً فعاثوا في الأطراف ووصلوا إلى حصن البارة وفتكوا بأهله، وكان عسكر دمشق وصل إلى ناحية شيزر لإنجاد ياغي سيان، فقتل الفرنج منهم جماعة، وعاد الفرنج إلى الروج بين حلب والمعرة، وتوجهوا إلى إنطاكية وجعلوا بينهم وبينها خندقاً لكثرة الغارات عليهم من عسكرها.
وكان الفرنج عند ظهورهم عاهدوا ملك الروم ووعدوه بأن يسلموا إليه أول بلد يفتحونه، ففتحوا نيقية فلم يسلموها إليه على الشروط المقررة، وافتتحوا في طريقهم بعض الثغور والدروب وفتحوا الرها وما إليها وجاءوا إنطاكية
فحاصروها تسعة أشهر حتى واطأهم قوم من الزرادين ومنهم أرمن على تسليم إنطاكية إليهم، وذلك لإساءة صدرت من صاحبها ياغي سيان إلى الأرمن فصادرهم وأرهقهم، ووجدوا الفرصة في برج من أبراج البلد مما يلي الجبل فباعوه من الفرنج وأطلعوهم إلى البلد منه. فانهزم ياغي سيان بعد أن ظهر من شجاعته وجودة رأيه وحزمه واحتياطه ما لم يشاهد من غيره، وخرج في خلق عظيم فلم يسلم منهم شخص، ولما حصل بالقرب
стр. 253
من أرمناز قرب معرة مصرين سقط عن فرسه فمات. وقد قتل في إنطاكية وأسر وسبى من الرجال والنسوان والأطفال خلق كثير.
ولما سقطت إنطاكية عادت عساكر الشام فتجمعت، وحاصر المسلمون إنطاكية حتى عدم القوت منها، وأكل الفرنج الميتة، فزحفوا وهم على غاية من الضعف إلى عساكر الإسلام، وهم في الغاية من القوة والكثرة، فكسروا المسلمين وفرقوا جموعهم. والسبب في هذه الهزيمة أن كربوغا صاحب الموصل كان في عسكره على حصار إنطاكية مع أمراء دمشق وحلب حمص وغيرهم، فأساء السيرة فيمن اجتمع معه من الملوك والأمراء وتكبر عليهم، فخبثت نياتهم على كربوغا فهزمهم عدوهم وهو في ضعف وهم في قوة. قال صاحب التاريخ العام: وكان الجيش الإسلامي الذي دافع عن إنطاكية وأنجد صاحبها مؤلفاً من مائتي ألف محارب، ولو استطاع هذا الجيش أن يصل كله إلى إنطاكية لقضى على الصليبيين جملة، ولم تلبث الحرب أن نشبت بين الصليبيين فاختلف البرفنسيون والنورميون، حتى إن الفرسان هددوا المتحاربين من الفرنج أن يخربوا المدينة التي كانوا يتنازعون ملكها. وظلت الحرب على إنطاكية أربعة أشهر ففتحت بعد مذبحة هائلة قتل فيها من الفريقين أُلوف.
ولما انهزم المسلمون أمام الفرنج على إنطاكية، سار هؤلاء بجملتهم إلى المعرة
وضموا إليهم الأرمن الذين كانوا في طاعتهم وبعض النصارى الشاميين، فاستولوا عليها ووضعوا السيف في أهلها، وقتلوا منها ما يزيد على مائة ألف إنسان في أكثر الروايات، وسبوا مثلهم وأقاموا بالمعرة أربعين يوماً، ثم زحفوا عنها بعد أن قتلوا أهلها وقطعوا أشجارها. قال ميشو: إن الفرنج قتلوا جميع من كان في المعرة من المسلمين الذين اعتصموا بالجوامع واختبئوا في السراديب، فأصبحت خاوية على عروشها، وفقد الفاتحون كل زاد وساءت حالهم، ثم وقع الخلاف بينهم وصاروا في رواية يأكلون جثث الموتى، وهدموا أسوارها وأبراجها، وأحرقوا المساجد وكسروا المنابر وهدموا الدور، ثم ساروا إلى عرقة وحصروها أربعة أشهر ونقبوا سورها عدة نقوب، فلم يقدروا عليها، ثم ساروا إلى حمص فصالحهم
стр. 254
أهلها وراسلهم صاحب شيزر على الصلح وعصت طرابلس عليهم لما بدا من شمم صاحبها ابن عمار واستنجاده بالملوك، فصالحه صاحب إنطاكية وهاداه على أن يكون للفرنج ظاهر طرابلس ولا يقطع الميرة والمسافرين عنها، وبهذا تيسر للفرنج أن يحفظوا خط رجعتهم في طريقهم براً إلى القدس. وخرجوا على طريق النواقير إلى عكا فلم يقدروا عليها.
فتح الصليبيين القدس والساحل:
وبعد فتح الفرنج المعرة وغدرهم بأهلها ومن احتمى فيها، وقطعهم على أهل البلد القطائع التي لم يفوا بشيء مما قرروه فيها، ومطالبتهم للناس بما لا طاقة لهم به، رحلوا إلى بيت المقدس على طريق الساحل فأجفل الناس، وكانت حلب على قيد غلوة من خطر استيلاء الفرنج، ولكنهم أعلنوا يوم وصولهم أنهم لا يقصدون إلا الاستيلاء على ما كان للروم من المدن، ليصرفوا فكر حكام الشام عن نجدة أهل إنطاكية، ولكن أمراء الأقاليم لم يصغوا لهذه الدعوة، ونزل الفرنج بعد أن اجتازوا معظم الثغور على الرملة فملكوها، وانتقلوا إلى بيت المقدس فضيقوا عليه، فجاءهم
الأفضل في العسكر الدثر من مصر للإيقاع بهم وإنجاد البلد، فشدوا في قتاله ولازموا حربه، فانهزم الناس وملك الفرنج البلد ولبث الفرنج يقتلون في المسلمين بالقدس أُسبوعاً، وقتل من المسلمين في المسجد الأقصى ما يزيد على سبعين ألف نفس، منهم جماعة كثيرة من أئمة المسلمين وعلمائهم وعبادهم وزهادهم ممن جاور في ذلك الموضع الشريف، وغنموا ما لا يقع عليه الإحصاء. وجمع الفرنج اليهود في الكنيسة وأحرقوها عليهم، وهدموا المساجد وقبر الخليل، وأحرقوا المصاحف.
قال ميشو: وقد ارتكب الصليبيون في فتح القدس أنواع التعصب الأعمى الذي لم يسبق له نظير، حتى شكا من ذلك المنصفون من مؤرخيهم، فكانوا يُكرِهون العرب على إلقاء أنفسهم من أعالي البيوت والبروج ويجعلونهم طعاماً للنار، ويخرجونهم من الأقبية وأعماق الأرض ويجرونهم في الساحات، ويقتلونهم فوق جثث الآدميين. ودام الذبح في المسلمين أسبوعاً حتى قتلوا منهم كما اتفق على لك مؤرخو الشرق والغرب سبعين
стр. 255
ألف نسمة، واليهود كالعرب لم ينجوا من الذبح أيضاً، فوضع الصليبيون النار في المذبح الذي لجأ إليه أبناء إسرائيل وأهلكوهم كلهم بالنار.
ذكر ابن خلكان أن الأفضل كات تسلم القدس من سقمان بن أُرتق وولى فيه من قبله فلم يكن لمن فيه طاقة بالفرنج فتسلموه منهم، ولو كان في يد الأرتقية لكان أصلح للمسلمين. وكان الأفضل راسل الأمير سقمان وإيلغازي ابني أُرتق ليسلماه بيت المقدس بدون حرب فلم يجيباه، فقاتل البلد ونصب عليها المجانيق وهدم منها جانباً فلم يجد بداً من الإذعان له فسلماه إليه، وكان الأمير أتسز بن أُوق الخوارزمي انتزع القدس من يد المصريين سنة نيف وستين وأربعمائة قبل ملكه دمشق، ثم لما كسر بمصر سنة ٤٦٩ قام على أصحابه فئة فأخرجوهم ثم أعاد
الدعوة العباسية، ولم يزل القدس بيده إلى أن قتله تاج الدولة تتش بن أرسلان سنة ٤٧٢ ثم انتزعه تاج الدولة سنة ٤٧٤ ثم سلمه إلى الأمير ظهير الدين أُرتق أواخر سنة ٤٧٨ فعمره وأسكن به ولده، ولم يزالوا به إلى سنة ٤٩١ حتى تسلمه المصريون. وجاء الأفضل وقد فات الأمر فانضاف إليه عساكر الساحل، ونزل بظاهر عسقلان منتظراً وصول الأسطول في البحر، فنهض عسكر الفرنج إليه وهجموا عليه في خلق عظيم، فانهزم العسكر المصري إلى ناحية عسقلان ودخل الفرنج إليها، وتمكنت سيوفهم من المسلمين، فأتى القتل على الرجالة والمطوعة وأهل البلد، وكانوا زهاء عشرة آلاف نفس ونُهب العسكر الإسلامي، وتوجه الأفضل في خواصه إلى مصر، وضايقوا عسقلان فقتل من أهلها وغيرهم سوى أجنادها ألفان وخمسمائة نفس.
ولما توغل الصليبيون في الشام، وكانوا في كل بلد يدخلونه يقتلون أهله، ويخربون عمرانه، ويحرقون كتبه ومتاعه وآثاره، هام الناس على وجوههم في البراري ومنهم من قصد إلى داخلية الشام، ومنهم من فرَّ إلى مصر على حالة رثة. وفي سنة ٤٨٥ ملك الفرنج ما حول بيت المقدس مثل صور وعكا والرملة ويافا، أما بقية الساحل كطرابلس وبيروت واللاذقية فبقيت تقاوم إلى حدود سنة ٥٠٠ معتصمة وراء أسوارها محصورة في بقعة ضيقة من أرباضها، معتمدة على معاونة الفاطميين لها من البحر.
стр. 256
وكان الفرنج أول ما ملكوا من هذه الأرجاء الرُّها وما حولها من الحصون الفراتية قبل ملكهم إنطاكية والمعرة. وظلت بيروت في أيدي المسلمين إلى سنة ٥٠٣ حتى فتحها بغدوين بعد أن حاصرها حصاراً شديداً وقتل من أهلها عالماً كثيراً. ودام ملوك الفاطميين ينجدون الساحل والداخل بجنودهم، ولولاهم لتيسر للفرنج اكتساح هذه الأرجاء بمجرد سير جيوشهم الجرارة، وحالت أسوار المدن بينهم وبين ما كانوا يؤملون، وصحت نيات القائمين
بالأمر فيها، ولا سيما في المدن الداخلية، على الدفاع، فكانت هجمات العدو يُبددها في الغالب دفاع السكان على ضعف قواهم وتشتت أهوائهم، وموقف المدافع أسهل من موقف المهاجم.
ومن أهم الأحداث بعد دخول الفرنج إنطاكية خروج صاحبها بيمند سنة ٤٩٣ إلى حصن أفامية، فوصل الخبر إلى الدانشمند التركماني صاحب ملاطية وسيواس وعسكر قلج أرسلان بن سليمان بن قتلمش صاحب قونية وأقصرا، فقتل من عسكر الفرنج عدداً عظيماً، وحصل بيمند في قبضة الأسر مع نفر من أصحابه، ونفذت الرسل إلى نوابه في إنطاكية يلتمسون تسليمها. قال صاحب الكامل: لم يفلت أحد من الفرنج في هذه الوقعة وكانوا ثلاثمائة ألف غير ثلاثة آلاف هربوا ليلاً وأفلتوا مجروحين. ووصل كدفري صاحب بيت المقدس إلى عكا، وأغار عليهم فأصابه سهم فقتله، وكان قد عمر يافا وسلمها إلى طنكري، فلما قتل كدفري سار أخوه بغدوين القمص صاحب الرُّها إلى بيت المقدس في خمسمائة فارس وراجل، فجمع صاحبا دمشق وحمص الجموع ولقياه بالقرب من بيروت، فسارع نحوه صاحب حمص في عسكره فظفر به وقتل بعض أصحابه. وفيها افتتح الفرنج حيفا على ساحل البحر وأرسوف بالأمان وأخرجوا أهلها منها، وفتحوا قيسارية وقتلوا أهلها ونهبوا ما فيها وأعانهم الجنويون عليها. وكان الجنويون والبيزيون يبعثون كل سنة بمراكب إلى ثغور الشام.
وأرسل عبد الله بن صليحة المتغلب على ثغر جبلة إلى صاحب دمشق، يلتمس منه إنفاذ من يراه من ثقاته ليسلم إليه جبلة، فانتدب ولده تاج الملوك فتسلمها، وأساء هو وأصحابه إلى أهلها وظلموهم، فشكوا حالهم
стр. 257
إلى ابن عمار صاحب طرابلس فأنهض إليهم عدة وافرة من عسكره، فدخلت الثغر واجتمعت مع أهله على التركمان فقهروهم وأخرجوهم منه وملكوه، وحملوا تاج الملوك إلى طرابلس
فدمشق معززاً. وفي رواية أن الفرنج استولوا على جبلة هذه السنة. وفيها خرج من مصر عسكر كثيف مع سعد الدولة المعروف بالقوامسي ووصل إلى عسقلان لجهاد الفرنج ورحل عنها، فنهض من الفرنج ألف فارس وعشرة آلاف راجل والتقى الفريقان فكسرت ميمنة المسلمين واستشهد سعد الدولة وعاد المسلمون على الفرنج وتذامروا عليهم وتحاضوا على قتالهم، وبذلوا النفوس في الكرة عليهم فهزموهم إلى يافا وقتلوا منهم وأسروا. وفيها نزل صنجيل على طرابلس، وكان جاءه أربعون مركباً مشحونة بالرجال والمال، فعطب بالرياح أكثرها، فكتب صاحبها إلى دمشق يستصرخ، فسار عسكرها مع صاحب حمص إلى أنطرطوس والتقوا بالفرنج، فانهزم صاحب حمص وعاد الفرنج إلى قتال طرابلس وعاد ابن عمار إلى الاستصراخ بصاحبي حمص ودمشق، فدفعوا الفرنج عنه بعد أن قتل من أهل طرابلس سبعة آلاف رجل، ونازل صنجيل طرابلس وحصرها وأتاه أهل الجبل فأعانوه على حصارها، وكذلك أهل السواد وأكثرهم نصارى، ثم هادنهم على مال حملة أهل طرابلس إلى صنجيل، فسار إلى أنطرطوس ففتحها وقتل من بها من المسلمين، ثم رحل إلى حصن الطوبان وهو يقارب رفنية، ومقدمه يقال له ابن العريض فقاتلهم فنصر عليه أهل الحصن وأسر ابن العريض منه فارساً من أكابر فرسانه، فبذل صنجيل في فدائه عشرة آلاف دينار وألف أسير فلم يجبه ابن العريض إلى ذلك. ثم سار صنجيل وحاصر حصن الأكراد فجمع تاج الدولة صاحب حمص العسكر ليسير إليه فوثب به باطني واغتاله، ولما بلغ صنجيل ذلك رحل عن حصن الأكراد إلى حمص ونازلها وملك أعمالها. وفي هذه السنة أطلق الدانشمند صاحب سيواس بيمند الفرنجي صاحب إنطاكية من الأسر وأخذ منه مائة ألف دينار، ولما خلص من الأسر عاد إلى إنطاكية فقويت نفوس أهلها به،
стр. 258
ولم يستقر حتى أرسل إلى أهل العواصم وقنسرين وما جاورها يطالبهم بالأتاوة، فورد
على المسلمين من ذلك ما طمس المعالم التي بناها الدانشمند.
تخاذل أمراء المسلمين وبلاد طغتكين وابن عمار:
جهز ملك مصر في سنة ٤٩٦ عسكراً بقيادة ابنه شرف المعالي، وسير الأسطول في البحر فاجتمع بالعسكر الذي خرج سنة ٤٩٥ وعليه سعد الدولة القوامسي بيازور على ساحل الرملة، والتقيا مع عسكر الفرنج فهزموهم، وحاصروا شرف المعالي قصراً كان الأفشين قد بناه قريباً من الرملة وملكه قهراً، وقتل من كان به من الفرنج فحضر في البحر عدة مراكب نجدة لهم وحاصروا عسقلان، فرحل شرف المعالي من الرملة إلى عسقلان، فارتحل الفرنج عنها، وكتب الأفضل إلى شمس الملوك دُقاق صاحب دمشق يستنجده على الفرنج فاعتذر عن ذلك.
وفي سنة ٤٩٧ وصلت مراكب الفرنج في البحر إلى ظاهر اللاذقية مشحونة بالتجار والأجناد والحجاج وغير ذلك، فاستنجد بهم صنجيل المنازل لطرابلس في مضايقتها والمعونة على ملكها، فاجتمعوا معها على منازلتها، فقاتلوها أياماً ورحلوا عنها، ونزلوا على ثغر جبيل، فقاتلوه وضايقوه وملكوه بالأمان ثم غدروا بأهله وصادروهم، واستنفذوا أموالهم بالعقوبات وأنواع العذاب. وفيها التقى عسكر الأميرين سقمان بن أرتق صاحب آمد وجكرمش صاحب الموصل بعسكر بيمند وطنكري في عسكريهما من ناحية إنطاكية فانتصر المسلمون.
ونزل بغدوين صاحب بيت المقدس على ثغر عكا - وواليها من قبل المصريين زهر الدولة الجيوشي - ومعه الجنويون والمراكب في البحر والبر، وهم الذين كانوا ملكوا ثغر جبيل في نيف وتسعين مركباً فحصروه من جهاته، ولازموه بالقتال إلى أن عجز واليه ورجاله عن حربهم، وضعف أهله عن المقاتلة وملكوه بالسيف قهراً. ونزل الفرنج على حصن بَسَرفوت ورموه بالمناجيق ففتحوه بالأمان وأطلقوا من كان فيه، وكان من أمنع حصون جبل بني عليم من حيز حلب. وظهر
ابن عمار صاحب طرابلس
стр. 259
في عسكره وأهل البلد وقصد الحصن الذي بناه صنجيل عليهم، وهجم على غرة ممن فيه، فقتل من به ونهب ما فيه وأحرق وأخرب، وأخذ منه السلاح والمال والديباج والفضة، هذا وملوك الإسلام إذ ذاك مشتغلون بقتال بعضهم بعضاً وقد تفرقت الآراء وتمزقت الأموال. وقصد الفرنج حران فاتفق صاحب الموصل وصاحب حصن كيفا وماردين ومعهم العرب والتركمان واجتمعوا بالفرنج على الخابور على نهر البليخ فهزم الفرنج وأسر ملكهم القومص.
وفي سنة ٤٩٨ خرج صاحب حلب عازماً على قصد طرابلس لمعاونة صاحبها ابن عمار على الفرنج النازلين عليه، وكان الأرمن في حصن أرتاح قد سلموا إليه الحصن لما شملهم من جور الفرنج ونزل عليها فوقع المصافُّ بين المسلمين والفرنج عند شيزر، فثبت راجل المسلمين وانهزمت الخيل، ووقع القتل في الرجالة ولم يسلم منهم إلا القليل ووصل الفلُّ إلى حلب، وحين عرف ذلك من كان في أرتاح من المسلمين هربوا بأسرهم منها فملكها الفرنج، ثم قصدوا حلب فأجفل أهلها منهم واضطربت أحوال من بالشام.
وفي هذه السنة خرج من مصر عسكر كثيف يزيد على عشرة آلاف فارس وراجل مع شرف المعالي ولد الأفضل، وكوتب صاحب دمشق بالاستدعاء للمعونة فنزل هذا على بُصرى ثم قصد ظاهر عسقلان، فتجمع الفرنج وقصدوا عسقلان فالتقى الفريقان بين يافا وعسقلان، واستظهر الفرنج على المسلمين وقتلوا والي عسقلان، وانهزم عسكر مصر إلى عسقلان، وعسكر دمشق إلى بصرى، وكان صاحبها أيتكين الحلبي راسل بغدوين ملك الفرنج للاستنجاد به، وتوجه أيتكين وأرتاش بن تاج الدولة نحو بغدوين، وأقاما عنده مدة يحرضانه وقومه على المسير إلى دمشق، ويبعثانه على الإفساد في أعمالها فلم يجبهما، فلما يئسا توجها
إلى ناحية الرحبة.
وتوجه صاحب دمشق إلى بعلبك، وقرر أمورها وكف الأذى عن واليها كمشتكين الخادم التاجي، وتوجه إلى حمص وقصد رفنية ونزل عليها، ووفد عليه خلق كثير من جبل بهراء في عمل حمص، فهاجموا رفنية على حين غفلة من أهلها، وغرة من مستحفظيها، وقتلوا من بها
стр. 260
وبأعمالها وأحرق ما أمكن إحراقه من الحصن المحدث عليها من الفرنج وغيره، وملكت أبراج رفنية وهدم الحصن وقدم من كان فيه.
وفي سنة ٤٩٩ سار الفرنج إلى أفامية وحاصروها وملكوا البلد والقلعة وقتلوا القاضي المتغلب عليها، وكان هذا كتب إلى صاحب حلب لإنقاذ البلاد من المستبد بها خلف بن ملاعب الكلابي الذي كان دأبه إخافة السبل، فقتله والتجأ ابنه مصبح إلى طنكري صاحب إنطاكية وحرضه على العود إلى أفامية وأطمعه في أخذها لقلة القوت بها، فنهض إليها ونزل عليها وضايقها إلى أن تسلمها بالأمان. والغالب أن الإسماعيلية هم الذين ملكوا حصن أفامية باسم الملك رضوان صاحب حلب، وكان بنى لهم بحلب دار دعوة وهو أول من عملها. وكان بأفامية رجل من دعاتهم، يقال له أبو الفتح السرميني فقرر ذلك لمنه أهلها، فنقبوا السور وهجموا على ابن ملاعب وقتلوه ونادوا بشعار الملك رضوان. وبقي الحصن في أيديهم حتى أخذه الفرنج منهم في سنة ٥٠٠.
وفي سنة ٤٩٩ ملك صنجيل مدينة جبلة، ثم سار وأقام على طرابلس فحصرها وبنى بالقرب منها حصناً، وبنى تحته ربضاً وهو المعروف بحصن صنجيل، فخرج صاحب طرابلس فأحرق الربض وهلك صنجيل على أثر حرق بجسمه ودام الحرب بين أهل طرابلس والفرنج خمس سنين وظهر من صاحبها ابن عمار صبر عظيم، وقلَّت الأقوات بها وجلا الفقراء وافتقرت الأغنياء. قال ابن الأثير:
وكانت طرابلس من أعظم بلاد الإسلام تجملاً وثروة، فباع أهلها من الحلي والأواني الغريبة ما لا حد عليه حتى بيع كل مائة درهم نقرة بدينار.
حرب طغتكين للصليبيين:
خرج الفرنج إلى سواد طبرية ٤٩٩ وشرعوا في عمارة حصن علعال بين السواد والبثنية، أو بين الغور وجبل الشراة، وكان من الحصون الموصوفة بالمنعة، فلما عرف صاحب دمشق هذا العزم منهم نهض، فملك الحصن وقتلهم وأسرهم. قال ابن الأثير: وقد قال طغتكين للمقاتلة يومئذ:
стр. 261
من أحسن قتال الفرنج وطلب مني أمراً فعلته معه. ومن أتاني بحجر من حجارة الحصن أعطيته خمسة دنانير، فبذل الرجالة نفوسهم وصعدوا إلى الحصن وخربوه وحملوا حجارته إلى طغتكين فوفى لهم بما وعدهم، وأمر بإلقاء الحجارة في الوادي وأسروا من بالحصن فأمر بهم فقتلوا كلهم واستبقى الفرسان، ثم سار إلى حصن رفنية فحصره وملكه، وقتل به خمسمائة رجل من الفرنج.
وفي السنة التالية ٥٠٠ زاد عيث الفرنج في أعمال السواد وحوران وجبل عوف عجلون، فنهض صاحب دمشق بالعسكر وخيم في السواد. وهجم عز الملك والي صور على ربض حصن تبنين في جبل عامل من عمل الفرنج وقتل من كان فيه، فنهض بغدوين من طبرية، وسار صاحب دمشق إلى حصن بالقرب من طبرية فيه جماعة من فرسان الفرنج فقاتله وملكه وقتل من كان فيه. وأقطع صاحب دمشق الأمير الأصفهيد التركماني وادي موسى ومآب والشَّراة والجبال والبلقاء، وكان الفرنج قد نهضوا إلى هذه الأعمال وقتلوا من فيها وسبوا ونهبوا، فلما وصل إليها وجد أهلها على غاية الخوف من الفرنج، ونهض هؤلاء لما عرفوا خبره من ناحية البرية وكبسوه على غرة، فانهزم واستولى الفرنج على سواده.
وتتابعت المكاتبات من صاحبي دمشق وطرابلس إلى محمد بن ملكشاه السلجوقي
بعظيم ما ارتكبه الفرنج، وتملك الحصون والمعاقل، والفتك بالمسلمين ومضايقة ثغر طرابلس، والحض على تدارك الناس بالمعونة، فوقع خلاف بين الأمراء الذين انتدبهم صاحب حلب ودمشق وغيرهما في جهات الرحبة، والتقوا مع عسكر قلج أرسلان في أراضي الموصل، ونسوا الغرض الذي نُدبوا إليه. وقلج أرسلان التركماني هو الذي أعان ملك الروم في القسطنطينية على بيمند ملك الفرنج، فاستظهر الروم والتركمان على الفرنج وكسروهم كسرة شنيعة أتت على أكثرهم بالقتل والأسر وتفرق الباقي منهم عائدين إلى ديارهم.
стр. 262
حروب الصليبيين ودولة طغتكين
وبقايا السلجوقيين من سنة ٥٠٠ إلى ٥٢٢
هدنة طغتكين للصليبيين وشدته عليهم:
انسلخ القرن الخامس، وأهم ما دهم القطر فأوقع الاضطراب فيه، انهيال جيوش الصليبيين عليه، وتبلج القرن السادس والصليبيون في الشام، منذ عشر سنين، استصفوا الساحل وبعض الداخل، والحرب بين أمراء الشام وبين الفرنج على أشد حالاتها، وشعر أمراء المسلمين بالخطر المداهم لكن القوى لم توحد، وكيف يخضع صاحب آمد لصاحب دمشق أو صاحب حلب لصاحب الموصل؛ وكل منهم يدعي التفوق ويود لو ينال من جاره ليكون له الأمر كله، وكان طغتكين صاحب دمشق يحمل العبء الثقيل لأن مملكته تتاخم أرض فلسطين، وملوك الأطراف أبعد دياراً، وكان همه قتال الأعداء من الجنوب والغرب، وحفظ الموازنة مع صاحب حلب حتى لا يستخذي فتسقط دمشق بل الشام بأسره.
وأهم الأحداث في العقد الأول من هذا القرن إقامة صاحب القدس على تل المعشوقة في صور ٥٠١ بناء، ومصانعة واليها على سبعة آلاف دينار، واشتداد الأمر بابن عمار في طرابلس لحصار الفرنج ومضيه إلى بغداد مستنجداً، وقد استناب ابن عمه أبا المناقب، فنادى بشعار الأفضل صاحب مصر، فقبض عليه وحمل إلى حصن الخوابي. وطال مقام ابن عمار في مدينة السلام على غير طائل، وأنفذ الأفضل من مصر إلى طرابلس
стр. 263
في البحر الغلة والميرة ووالياً من قبله فتسلم البلد. وأسرى صاحب دمشق إلى طبرية وفرق عسكره فرقتين، نفذت إحداهما إلى فلسطين، وأغار بالثانية على طبرية، وأحاطت الخيل بصاحب طبرية وبأصحابه فقتل أكثرهم. ونهض صاحب القدس إلى صيدا براً وبحراً ونصب برج الخشب عليه، ووصل الأسطول المصري فظهر على مراكب الفرنج وعسكر البر
واتصل بهم نهوض العسكر الدمشقي لحماية صيدا فرحلوا عنها.
وتسلم الفرنج عرقة بالأمان ٥٠٢، وكان أنجدها صاحب دمشق فعاقته الثلوج والأمطار عن الوصول إليها، فرجع إلى حصن الأكمة مقاتلاً، ثم رحل عنه شبه المنهزم إلى حمص. ونزل الفرنج على طرابلس وشرعوا في قتالها ومضايقة أهلها زهاء أربعة أشهر، فشمل اليأس أهلها لتأخر وصول الأسطول المصري في البحر، فملكها الفرنج بالسيف ونهبوا ما فيها وأسروا رجالها وسبوا نساءها وأطفالها وحصل في أيديهم من أمتعتها وذخائرها ودفاتر دار علمها، وما كان منها في خزائن أربابها، ما لا يحد عدده ولا يحصر، ونزل بأهلها أشد البلاء، وتقرر بين الفرنج والجنويين على أن يكون للجنويين الثلث من البلد وما نهب منه، والثلثان لريمند بن صنجيل وأفردوا للملك بغدوين من الوسط ما رضي به. وذكر النويري أن السبب الذي دعا أهل طرابلس إلى التسليم، أنهم بينا كانوا ينتظرون وصول النجدة بحراً من مصر، جاءهم رسول منها على مركب يطلب منهم لاسم الخليفة الفاطمي جارية جميلة كانت في طرابلس وخشب مشمش يصلح لعمل عود وغيره من آلات الطرب.
وبعد فتح طرابلس سار الفرنج إلى جبلة، وسار جاولي إلى بالس، فهرب من بها من أصحاب الملك رضوان صاحب حلب، فحصرها خمسة أيام وملكها بعد أن نقب برجاً من أبراجها. وافتتح السرداني المتغلب على عرقة حصن بانياس، ونزل على ثغر جبيل وفيه ابن عمار فخرج منه بالأمان، ووصل الأسطول المصري بعد أخذ طرابلس فأقام بالساحل مدة وفرقت الغلة في جهاتها، وتمسك به أهل صور وصيدا وبيروت، وشكوا ضعفهم عن مقاومة الفرنج. وفيها كان المصاف بين جاولي وبين
стр. 264
طنكري صاحب إنطاكية، وسبب ذلك على ما رواه ابن الأثير أن الملك رضوان كتب إلى طنكري يعرفه ما عليه جاولي من الغدر والمكر والخداع
ويحذره منه ويعلمه أنه على قصد حلب، وأنه إن ملكها لا يبقى للفرنج معه بالشام مقام، وطلب منه النصرة والاتفاق على منعه، فأجابه طنكري إلى منعه، وبرز من إنطاكية، فأرسل إليه رضوان ستمائة فارس. ولما وقعت الحرب لم يبق غير هزيمة صاحب إنطاكية، ثم انهزم جاولي وبقية عسكره، وقتل من المسلمين خلق كثير، ونهب صاحب إنطاكية أموالهم وأثقالهم وعظم البلاء عليهم من الفرنج، وهرب القمص وجوسلين إلى تل باشر، والتجأ إليهما خلق كثير من المسلمين ففعلا معهم الجميل وداويا الجرحى وكسوا العراة وسيراهم إلى بلادهم.
وفيها كانت حرب شديدة بين طغتكين والفرنج على طبرية، واشتد القتال فانهزم المسلمون، ثم نادى طغتكين بالمحاربين وشجعهم، فعاودوا الحرب وكسروا الفرنج وأسروا ابن أخت ملك القدس، وحُمل إلى طغتكين فعرض طغتكين عليه الإسلام فامتنع، وبذل في فداء نفسه ثلاثين ألف دينار وإطلاق خمسمائة أسير، فلم يقنع طغتكين منه بغير الإسلام وقتله بيده. ثم اتفق طغتكين وبغدوين ملك الفرنج على وضع الحرب أربع سنين. ولما انهزم طغتكين على طرابلس ووصل إلى حمص بعسكره على أقبح حال أرسل إليه ملك القدس يقول له: لا تظنن أنني أنقض الهدنة للذي تم عليك من الهزيمة، فالملوك ينالهم أكثر مما نالك ثم تعود أمورهم إلى الانتظام والاستقامة، وكان طغتكين خائفاً أن يقصده بعد هذه الكسرة فينال من بلده كل ما أراد.
وهادن صاحب دمشق ملك بيت المقدس على أن يكون السواد وجبل عوف أثلاثاً، للتركمان الثلث وللفرنج والفلاحين الثلثان. وجاء ابن عمار إلى دمشق فأقطعه صاحبها الزبداني وأعمالها ٥٠٣ وكان لابن عمار البلاء الحسن بل الأحسن في دفع عادية الصليبيين عن بلده، لم يترك باباً من أبواب الخلاص ليصدهم عن طرابلس إلا طرقه، حتى دفعهم بعقله وحسن إدارته عن تملكها عشر سنين. وكان
في طريق رجعتهم كالحسكة
стр. 265
في الحلق، وفي معاملة ملوك الأطراف نموذج الدهاء السياسي، وهو على صغر جرم مملكته يطاول ويحاول وينازل ويصاول ويلين ويقسو.
ونهض الفرنج ٥٠٣ إلى رفنية وترددت بينهم وبين أمراء الشام مراسلات أفضت إلى تقرير الموادعة على أن يكون للفرنج ثلث مغل البقاع، ويسلم إليهم حصن المنيطرة وحصن عكار، وأن لا يتعرض لحصن مصياف والخوابي وحصن الأكراد وحصن الطوبان، وأن يحمل إليهم مال عنها وعن حصن الطوبان، وأقاموا على ذلك مدة ثم عادوا إلى الفساد، وخرج صاحب إنطاكية واستولى على طرطوس وقرر على شيزر عشرة آلاف دينار وتسلم حصن الأكراد وعاد إلى إنطاكية، ونزل بغدوين صاحب القدس وابن صنجيل صاحب طرابلس إلى بيروت، وسار إليهم جوسلين صاحب تل باشر لمعاونتهم واستنجادهم على الأمير مودود ابن التونتكين صاحب الموصل. وجاء الأسطول المصري مؤلفاً من ١٩ مركباً وفيه الرجال والميرة فدخلوا ثغر بيروت فقويت نفوس أهلها، فبعث بغدوين إلى الجنوية في ثغر السويدية فجاءوا في أربعين مركباً، وزحفوا براً وبحراً وفعلوا ما فعلوه في طرابلس من القتل والحرق والنهب وملكوا بيروت، ثم نزل بغدوين على صيدا فسلمها أهلها واستمهلوه مدة عينوها فأجابهم وأخذ منهم إتاوة. وراسل والي بعلبك كمشتكين الفرنج بالتماس المصافاة، وبعثهم على شن الغارات على الأطراف، فزحف صاحب
стр. 266
دمشق عليه فجنح المقاتلة إلى الدخول في الطاعة، واستولى على البلد وعوض واليها عن بعلبك بحصن صرخد.
اجتماع كلمة أمراء المسلمين وإنجاد بغداد الشام:
اجتمع صاحب أرمينية وميافارقين وصاحب الموصل وغيرهم على جهاد الفرنج، وقصدوا الرها وضايقوها فأشرف من بها على الهلاك لقلة القوات، فشرع
أصحاب إنطاكية وطرابلس والقدس بالذود عنها، ونهض صاحب دمشق في عسكره وخيم على سَلمية، وظهر الفرنج في رَفَنية فقاتلهم واليها شمس الخواص، ورحل الفرنج إلى قصد الرُّها فخف صاحب دمشق إلى الرقة وقلعة جعبر وقطع الفرات، وتلوَّم هناك إلى أن عرف خبر الفرنج وأنهم قد أحجموا عن العبور لتفرق سرايا العساكر الإسلامية وطلائعهم في عامة المسالك إلى الفرات. ولما أدرك المسلمون قرب الفرنج منهم اتفقت الآراء على الإفراج لهم ليتمكنوا من لقائهم في الفضاء من شرقي الفرات، ورحلوا عن الرُّها ونزلوا أرض حران مكراً وخديعة، ففطن الفرنج لهذا التدبير فأجفلوا ناكصين على الأعقاب إلى شاطئ الفرات، فنهض المسلمون في أثرهم وغنموا سواد الفرنج وأثقالهم، وأتوا على العدد الدثر من أتباعهم قتلاً وتغريقاً في الفرات. وفي هذه الأيام تأكدت أسباب الألفة بين صاحب دمشق وملوك الشمال.
لما تفرقت العساكر الإسلامية أغار بغدوين على الرها، وكانوا رتبوا فيها جماعة من الأرمن لحفظها، وبلغ ذلك صاحب حلب وما أصاب الفرنج من الهزيمة فاستعاد ما كان غلب الفرنج عليه وأغار على إنطاكية. ثم جاء الفرنج عقيب ذلك فأفسدوا في أعمال حلب وقتلوا واسروا خلقاً كثيراً. وعاد طنكري على الأثارب وملكها بعد طول حصارها كما ملك زردنا، واستقرت الموادعة بعد ذلك بين صاحب حلب وطنكري على أن يحمل إليه الأول من مال حلب كل سنة عشرين ألف دينار وأن يفك الأسرى.
ووصل بعض ملوك الفرنج في البحر في نيف وستين مركباً مشحونة بالرجال لقصد الحج والغزو في ديار الإسلام، فاجتمع مع صاحب بيت المقدس ونزلا على صيدا وضايقاها براً وبحراً، فلما عاين من بصيدا ذلك ضعفت نفوسهم وأشفقوا أن يصيبهم ما أصاب بيروت، وقد قتل الفرنج يوم أخذوها واليها وأعيانها، فخرج
إليهم قاضيها وجماعة من شيوخها وطلبوا الأمان، فأمنهم فاستحلفوه على ذلك، وخرجت الحامية وخلق من أهلها إلى دمشق، وقرر بغدوين على من أقام بها نيفاً وعشرين ألف دينار فأفقرهم واستغرق أموالهم.
وأغار بغدوين على عسقلان ٥٠٤، وكان صاحبها شمس الخلافة يراسله، فاستقرت الحال بينهما على مال يحمله إليه ويرحل عنه، وانتهى
стр. 267
الخبر إلى الأفضل بمصر فأنكر ذلك، وجهز عسكراً كثيفاً إلى عسقلان، فلما قرب منها أظهر شمس الخلافة على الأفضل فغالطه الأفضل، وخاف شمس الخلافة من أهل البلد فاستدعى جماعة من الأرمن فأثبتهم في عسقلان، ثم وثب به قوم من كتامة وقتلوه. وسار إلى بغداد رجل من أشراف الهاشميين في حلب وجماعة من الصوفية والتجار والفقهاء، وانزلوا الخطيب في جامع السلطان عن المنبر وكسروه، وصاحوا وبكوا لما لحق الإسلام من الفرنج، ومنعوا الناس من الصلاة، وعملوا في الجمعة التالية مثل ذلك في جامع الخليفة، فأوعز السلطان إلى الأمراء المقدمين بالتأهب للمسير إلى الجهاد.
ووصل رسول ملك الروم بمراسلات للبعث على قصد الفرنج والاجتماع على طردهم قبل إعضال خطبهم، ويقول إنه منعهم من العبور إلى أرض المسلمين وحاربهم، وإذا ضعفت عزائم قومه عن المقاومة، اضطر إلى مداراتهم وإطلاق عبورهم الديار الإسلامية، وبالغ في الحث على حربهم، ونقض بغدوين الهدنة المستقرة بينه وبين صاحب دمشق، فخرج هذا إلى اللجاة ونهض الفرنج في أثره إلى الصنَمين، ففرق صاحب دمشق العسكر من عدة جهات، وبث في المعابر والمسالك خيلاً يمنعهم من حمل الميرة إليهم حتى ألجأهم إلى المسالمة، على أن يكون لبغدوين النصف من ارتفاع جبل عوف والسواد والحيَّانية مضافاً إلى ما في يده من هذه الأعمال التي تليها في أيدي العرب من آل جراح.
لما قرر ملك بغداد إنهاض العسكر عقيب استغاثة الشاميين بالخليفة والسلطان تقدم من الأمراء لإنجادهم على قتال الصليبيين صاحب الموصل، فافتتح تل مراد وعدة حصون هناك بالسيف والأمان. ووصل إليه الأمير أحمديل الكردي في عسكر كثيف، والأمير قطب الدين سقمان من بلاد إرمينية وديار بكر وصاحب همذان فنزلوا على تل باشر ونقبوه فأنفذ جوسلين صاحب تل باشر إلى الأمير أحمديل يلاطفه ويهاديه ويبذل له الكون معه والميل إليه، وكان أكثر العسكر مع أحمديل وسأله الرحيل عن الحصن فأجابه إلى ذلك على كراهية من باقي الأمراء، وعادوا عن
стр. 268
تل باشر إلى حلب وعاثوا في أعمالها وفعلوا أقبح من فعل الفرنج، ووصل إليهم في حلب صاحب دمشق ومعه رجال حمص وحماة ورفنية وسائر المعاقل الشامية، فلم ير منهم عزيمة صادقة في جهاد ولا حماية بلاد، واستجرهم إلى المعرة فظهر له من سوء نية المتقدمين فيه ما أوحشه منهم، وجعل يحرضهم على قصد طرابلس فلم يفعلوا وتفرقوا أيدي سبا، فلما علم الفرنج برحيل العساكر نزلوا أفامية وفي رأسهم أصحاب القدس وطرابلس وإنطاكية، وقد صاروا بعد التباين والمنافرة والخلف يداً واحدة على المسلمين، وكانت خيل هؤلاء مثل الفرنج إلا أن راجلهم أكثر، وناوشوا الفرنج على غير طائل.
غارات المسلمين وغارات الصليبيين:
وملك فرنج إنطاكية حصن الأثارب وقتلوا منه ألفي رجل وأسروا الباقين، ثم ملكوا زردنا ففعلوا كذلك وقصدوا منبج وبالس فوجدوهما خاليتين فعادوا أدراجهم. ووقع الخوف في قلوب أهل الشام من الفرنج، فبذل لهم المسلمون أموالاً وصالحوهم، صالحهم صاحب حلب على اثنين وثلاثين ألف دينار، وأهل صور على سبعة آلاف دينار، وصاحب شيزر على أربعة آلاف دينار، وصاحب حماة على ألفي دينار. وذلك لأن الفرنج امتنعوا من مهادنة ملوك الشام إلا على قطيعة
يأخذونها إلى مدة يسيرة. ولو كان ملوك الشام إذ ذاك على شيء من الوحدة في الرأي، لما أقطعوا الفرنج القطائع، ولما هادنوهم، خصوصاً وقد خرق الفرنج مرات قانون المهادنات والموادعات، وبعض المنكرين يعذرونهم على عملهم الفظيع في تلك العصور لأنهم كانوا دون المسلمين في كل أمر من أمورهم العلمية والحربية والاجتماعية.
وفي هذا العقد ٥٠٥ جهز السلطان محمد عسكراً، فيه صاحب الموصل وغيره من أصحاب الأطراف إلى قتال الفرنج بالشام، فساروا ونزلوا على الرها فلم يملكوها، ووصلوا إلى حلب فخافهم صاحبها ولم يفتح لهم أبوابها، ثم ساروا إلى المعرة وتفرقوا. وفيها أنجد صاحب
стр. 269
دمشق أهل صور، وكان أغار عليهم بغدوين، وسار وخيم ببانياس وبث سراياه ورجاله في أعمال الفرنج، ونهض إلى حصن الحبيس في السواد، فملكه بالسيف وأغار على صيدا وأحرق عشرين مركباً من مراكب الفرنج، وبعد أن عمل الفرنج كباشاً كبيرة لتعلق على السور رماها أهل صور بالنفط والزيت مرات، وأقاموا على محاصرة صور أربعة أشهر ونصف، ثم قصدوا عكا وتفرقوا في أعمالهم.
نزل أهل صور ٥٠٦ عن بلدهم لصاحب دمشق لما أعيتهم الحيل في الدفاع فتسلمها، وأقام الدعوة والسكة على ما كانت عليه لصاحب مصر ولم يغير لهم رسماً، مع أن سائر الشام كانت طاعتها للعباسيين ودعوتها لهم، وذلك حباً بدوام الصلات مع صاحب مصر حتى لا ينقطع مدده عن الساحل. وضبط صاحب القدس القافلة الدمشقية بينا كانت سائرة إلى مصر، بدلالة أناس من العرب البدو، واشتمل الفرنج على ما فيها من الأمتعة والبضائع، وحصل لبغدوين منها خمسون ألف دينار وثلاثمائة أسير، ولم يبق بلد في الشام إلا أصيب بعض تجاره وأهله بأموالهم.
وتواترت غارات بغدوين على عمل البثنية، وجمع صاحب الموصل عسكره من الأتراك والأكراد وقطع الفرات إلى الشام، وكذلك صاحب سنجار وصاحب ديار بكر، وكان الصليبيون يكاتبون صاحب دمشق على أن يتركوا له حصن تبنين وجبل عامل ويعوضوا عن ذلك بحصن الحبيس حبيس جلدك الذي في السواد ونصف السواد من البلقاء ويتركوا التعرض لشيء من أعمال دمشق، ولا يعرض هو لشيء من أعمال الفرنج، فلم يجب إلى ذلك، ونهض في جيشه للقاء صاحب الموصل والاجتماع به على الجهاد، فاجتمعا بمرج سليمة واتفق رأيهما على قصد بغدوين، وسارا وقد استصحب صاحب دمشق جميع العسكر ومن كان بحمص وحماة ورفنية، ونزلا بقدس فعين الجر بالبقاع فوادي التيم ثم نزلا على بانياس، ونهضت فرقة من العسكر فقصدت ناحية تبنين، فلم يظفروا منها بمراد، ووصل إليها بغدوين، وقد كان لما يئس من إجابة صاحب دمشق إلى
стр. 270
الموادعة واصل الغارات والفساد، ثم نهض صاحب دمشق ونزل على الأقحوانة على بحيرة طبرية، فنشب الحرب بين المسلمين والفرنج غربي جسر الصنبرة مقابل عقبة أفيق، فانتصر المسلمون بعد ثلاث كرات وغرق من الفرنج خلق كثير في البحيرة، وقتل نحو ألفي رجل من أعيانهم وأبطالهم، وأقام المسلمون على الجبل وطلع الفرنج إليه وتحصنوا به وهو من غربي طبرية، واستنفر أمير دمشق العرب الطائيين والكلابيين والخفاجيين فوصلوا بخلق كثير بالمزادات والروايا والإبل لحمل الماء، وصعدت الطلائع إلى الجبل من شماله، وعلم المسلمون أن الظفر قد لاحت دلائله، والعدو قد ذل، وأغارت بعض سرايا المسلمين على أرجاء القدس ويافا ونهبت بيسان ولم يبق بين عكا والقدس ضيعة عامرة. ثم تفرق المسلمون وعادوا إلى كورهم.
وأرسل ملك القدس إلى والي صور ٥٠٧ يريده على المهادنة والموادعة لتحسم
أسباب الأذية عن الجانبين فأجابه إلى ذلك، وأمنت السابلة والتجار والسفار، واستقرت الحال بينهما على المهادنة فأمنت المسالك وصلحت الأحوال، بعد أن ذاق الفرنج بأس ملوك الشام والجزيرة على الأقحوانة. وكان صاحب القدس من أعظم ملوك الفرنج بالشام جيشاً ومكانة. وكان من جملة من حضر في هذه الوقعة عند طبرية الأمير مودود بن التون تكش صاحب الموصل. وفي سنة ٥٠٨ قُتل آلب أرسلان بن رضوان صاحب قلعة حلب، قتله غلمانه بقلعتها وأقاموا بعده أخاه سلطانشاه بن رضوان، وكان لما ملك حلب جرى على قاعدة أبيه في أمر الإسماعيلية، وكان بنى لهم بحلب دار دعوة، فطلبوا منه أن يعطيهم القلعة فأجابهم إلى ذلك، فقبح عليه القاضي ابن الخشاب فعله، فأخرجهم بعد أن قتل منهم ثلاثمائة نفس وأسر مائتين وطيف برؤوسهم في البلد.
وأمر السلطان محمد بن ملكشاه ٥٠٨ الأمراء وأصحاب الأطراف بالمسير صحبة آق سنقر البرسقي لقتال الفرنج بالشام، وجرى بين البرسقي وإيلغازي بن أرتق صاحب ماردين قتال انتصر فيه إيلغازي وهرب البرسقي، ثم خاف إيلغازي من السلطان، فسار إلى صاحب دمشق فاتفق
стр. 271
معه وكاتبا الفرنج واعتضدا بهم. قال ابن الأثير: وكان طغتكين قد استوحش من السلطان لأنه نسب إليه قتل مودود، فاتفقا على الامتناع والالتجاء إلى الفرنج والاحتماء بهم فراسلا صاحب إنطاكية وحالفاه، فحضر عندهما على بحيرة قدس في حمص وجددوا العهود، وعاد إلى إنطاكية وعاد طغتكين إلى دمشق.
وأرسل السلطان محمد ملكشاه ٥٠٩ عسكراً ضخماً لقتال صاحب دمشق وصاحب ماردين فعبروا الفرات من الرقة وقصدوا حلب، فعصت عليهم، ثم فتحوا حماة عنوة ونهبوها ثلاثة أيام ثم سلموها إلى قيرخان ابن قراجة صاحب حمص، واجتمع بأفامية طغتكين وإيلغازي وملوك الفرنج صاحب إنطاكية وصاحب
طرابلس وغيرهم، وأقاموا بأفامية ينتظرون تفرق المسلمين، ثم تفرق وسار طغتكين إلى دمشق وإيلغازي إلى ماردين.
وفتح المسلمون كفرطاب وقتلوا من بها من الفرنج وساروا إلى المعرة ثم إلى حلب فكبسهم صاحب إنطاكية في الطريق فانهزموا، ووضع الفرنج السيف في المسلمين فهرب من سلم منهم. واستولى الفرنج على رفنية فاسترجعها منهم صاحب دمشق وقتل من بها منهم، وهادن الأفضل مدبر مملكة الآمر الفاطمي بغدوين صاحب القدس، وكان قد أخذ قافلة عظيمة من المسلمين بالسبخة فرأى الأفضل مهادنته لعجزه عنه. وجمع صاحب طرابلس ٥١٠ جموعه ونهض إلى البقاع لإخرابه، فخف إليه صاحب الموصل وصاحب دمشق في بعض عسكرهما، وسارا إلى البقاع، والفرنج غارّون في مخيمهم، فأطلق السيف فيهم قتلاً وأسراً ففقد منهم ما يزيد على ثلاثة آلاف وعاد صاحب الموصل إلى بلده بعد استحكام المودة بينه وبين صاحب دمشق، والموافقة على الاعتضاد في الجهاد، متى حدث أمر أو حزب خطب.
بقية الغارات:
وفي العقد الثاني من القرن السادس هادن ٥١١ المتولي أعمال حلب
стр. 272
الفرنج ووادعهم وسلم إليهم حصن القبة، وهجم الفرنج على ربض حماة وقتلوا من أهلها، وخاف أهل حلب من الفرنج فسلموا البلد إلى نجم الدين إيلغازي، فلما تسلمه لم يجد فيه مالاً ولا ذخيرة لأن الخادم لؤلؤاً الذي كان مستولياً على صاحبها سلطانشاه بن رضوان كان فرق كل ما فيها. وسار طغتكين ٥١٢ عن دمشق لقتال الفرنج، فنزل بين دير أيوب وكفر بصل فخفيت عنه وفاة بغدوين ملك القدس، حتى سمع الخبر بعد ثمانية عشر يوماً وبينهم نحو يومين، فأتته رسل ملك الفرنج بطلب المهادنة فاقترح عليه طغتكين ترك المناصفة التي بينهم من جبل
عوف والحيانية والصلت والغور فلم يجب إلى ذلك وأظهر القوة، فسار طغتكين إلى طبرية فنهبها وما حولها، وسار منها نحو عسقلان وسلم بنو أخي القاضي شرف الملك بن الصليعة حصن بلاطنس لروجار صاحب إنطاكية فأقطعهم في أعمال اللاذقية عوضاً منه وسكنوا تحت يده.
وبرز ٥١٣ صاحب إنطاكية فيمن حشده من طوائف الفرنج ورجالة الأرمن في ثلاثة آلاف فارس وتسعة آلاف راجل سوى الأتباع إلى سرمد وقيل دانيث البقل بين إنطاكية وحلب وقيل تل عفرين، فطار إليهم المسلمون بقيادة صاحبي حلب والموصل في عساكر التركمان والأكراد والعرب في عشرين ألفاً، فقتلوا الفرنج بحيث لم يفلت منهم غير من يخبر خبرهم، وقتل ملوكهم روجر وبقيت إنطاكية شاغرة من حماتها، ثم فتح المسلمون الأثارب وزودنا.
وعاد إيلغازي إلى حلب وقرر أمرها وأصلح حالها بعد أن أخربها الفرنج ونازلوها، وكان في جملة الأسرى نيف وسبعون فارساً من مقدميهم حملوا إلى حلب فبذلوا في نفوسهم ثلاثمائة ألف دينار فلم يقبل منهم. قال ابن الأثير في وقعة الفرنج في تل عفرين وكانوا يظنون أن أحداً لا يسلك إليهم لضيق الطريق فأخلدوا إلى المطاولة، وكانت عادة لهم إذا رأوا قوة من المسلمين.
وسار جوسلين صاحب تل باشر ليكبس بني ربيعة، فوقع بينهم قتال انتصر فيه أمير بني ربيعة، وأسر من الفرنج عدة كثيرة. وجمع صاحب
стр. 273
ماردين التركمان وغيرهم والتقى مع الفرنج عند دانيث البقل وجرى بينهم قتال شديد انتصر فيه صاحب ماردين وانهزم الفرنج. ووصل كندهري ملك الفرنج في المراكب، وملك أكثر المعاقل، ووقعت الهدنة بين صاحب حلب وبين الفرنج وتقررت المسالمة، وقيل: إن جوسلين أغار على العرب والتركمان النازلين بصفين قرب قرية جعبر على الفرات وغنم منهم وفي عوده خرب حصن بزاعة.
وأغار كندهري على أذرعات وأطراف دمشق وكان صاحبها بالبثنية فبعث بولده بوري مع الجيش وأقام هو موضعه ردءً له فالتقوا فظهر الفرنج على بوري، فعاد إلى أبيه ودخلا دمشق، ومضى طغتكين إلى حلب مستصرخاً بنجم الدين إيلغازي وكان أول ما ملكها فأقام عنده وشرع بجمع العساكر، واغتنمت الفرنج غيبته فقصدوا دمشق، ووصلوا إلى حوران فالتجأ أهله إلى اللجاة، فتأثرهم الفرنج إلى وعرة اللجاة فقتلوا وأسروا، ولما بلغ أهل إنطاكية هذا جمعوا وحشدوا وقصدوا حلب في خمسة آلاف فارس وثمانية آلاف راجل فخرج إيلغازي وعمل كميناً، فلما التقى الفريقان ظهر الكمين وضربوا البوقات والطبول فظنوه صاحب دمشق قادماً من ورائهم، وكان نجم الدين إيلغازي أشاع أن طغتكين واصل من دمشق وما كان إلا جريدة عنده فانهزم الفرنج وعمل فيهم السيف قتلاً وأسراً.
وفي سنة ٥١٤ نهض الأمير معن من البقاع بعشيرته ورهطه ونزل في جبل الشوف، وكان قفراً خالياً من السكان، وجعل له مودة مع آل تنوخ أمراء عرب جبل لبنان، وكان أميرهم إذ ذاك الأمير بحتر التنوخي فبنى له ولخاصته دوراً ليستعيض بها الأمير معن عن المضارب، وأخذ يقصد دياره أهل كل ديار استولت عليها الفرنج وبقي أميراً فيه نحو ثلاثين سنة وهو أصل الأمراء آل معن وإليه ينتسبون. وصار الجبل ينسب إليهم فيقال جبل بيت معن كما يقال جبل بني عوف وجبل بني هلال.
وكان بين نور الدين بلك بن أرتق ٥١٥ وبين جوسلين على
стр. 274
الرها حرب انتصر فيها بلك وقتل من الفرنج، وأسر جوسلين وأسر معه ابن خالته وأسر جماعة من فرسانه المشهورين عند سروج وبذل جوسلين في نفسه أموالاً كثيرة فلم يقبلها بلك وسجنه وأصحابه في قلعة خرتبرت، وفي سنة ٥١٥ عصى سليمان بن إيلغازي بن أرتق على أبيه بحلب، حسن له ذلك إنسان من حماة من بني قرناص، وكان
قدمه إيلغازي على أهل حلب، وبلغ إيلغازي ذلك فسار مجداً من ماردين وهجم حلب وقطع يدي ابن قرناص ورجليه وسمل عينيه، وهرب ابنه إلى طغتكين بدمشق واستناب ابن أخيه عبد الجبار، وخرج صاحب حلب ٥١٦ في عسكره وقطع الفرات وصادف الفرنج فأتلف ما ظفر به في أعمالهم. وتوفي إيلغازي بن أرتق وكان بحلب ابن أخيه سليمان بن عبد الجبار فبقي فيها إلى أن أخذها ابن عمه، فسلم سليمان قلعة الأثارب إلى الفرنج، فعظم ذلك على بلك بن بهرام وعلم عجزه عن حفظ بلاده فقوي طمعه في ملكها، فسار إليها ونازلها وضايقها ومنع الميرة عنها وأحرق زروعها، فسلم إليه ابن عمه البلد والقلعة بالأمان سنة ٥١٧.
ووصل الأسطول المصري إلى صور، وحمل والي صور سيف الدين مسعود إلى مصر، وكانت عاقبة خروجه منها خروجها بالأمان من أيدي المسلمين إلى الفرنج بعد سنتين. ونهض بغدوين ٥١٧ في عسكره إلى ناحية حلب، وصاحبها منازل حصن كركر، فالتقيا بالقرب من منظرة فكسره وأسره مع جماعة من وجوه عسكره، واعتقله في جب قلعة خرتبرت مع جوسلين ومقدمي الفرنج الذين كان أسرهم قبل عامين، واستنجد صاحبا دمشق وحلب بالخليفة الآمر في مصر فجهز أسطولا مؤلفاً من أربعين شينياً فيها عشرون أميراً وهدايا فسار العسكر إلى يافا وأقام عليها ستة أيام ورحل عنها، وقد تخاذل عنه ملوك الشرق ورجع إلى مصر، فوافاه الفرنج على يبنى، فانكسر العسكر المصري من غير مصاف. وملك الأمير بلك حصن البارة وأسر أسقفها. وهرب بغدوين وجوسلين وغيرهما من مقدمي الفرنج من أسر الأمير بلك في خرتبرت وملكوا القلعة فاستعادها الأمير من الفرنج الواثبين عليها. وهزم جيش الفرنج جيش
стр. 275
المسلمين، وفيهم جيش دمشق على قلعة عزاز، وتفرق المسلمون بعد قتل من قتل وأسر من أسر.
قلنا: إن الفرنج ملكوا مدينة صور ٥١٨ بالأمان بعد حصار طويل، وكانت للخلفاء
العلويين أصحاب مصر، وقد ثبت أهل صور نحو خمس وعشرين سنة على قتال الفرنج مع قلة المنجد لهم من مصر، يقول ابن تغري بردي: إن سبب سقوط صور خروج سيف الدين مسعود منها، وكان قد حمل إلى مصر وأقام الوالي الذي بها في البلد، وهذه زيادة في النكاية للمسلمين من صاحب مصر فإن سيف الدين المذكور كان قائماً بمصالح المسلمين، وفعل ما فعل مع الفرنج من قتالهم وحفظ سور المدينة هذه المدة الطويلة، فأخذوه منها غصباً ودخلوا البلد مع من لا قبل له بمحاربة الفرنج، فكان حال المصريين في أول الأمر أنهم تقاعدوا عن نصرة المسلمين والآن بأخذهم سيف الدين من صور صاروا نجدة للفرنج. وكانت صور آخر ما ملكه الفرنج من الساحل.
وفي سنة ٥١٨ ملك آق سنقر البرسقي حلب وقلعتها وسبب ذلك أن الفرنج لما ملكوا مدينة صور، طمعوا وقويت نفوسهم، وتيقنوا الاستيلاء على الشام كله، ثم وصل إليهم دبيس بن صدفة صاحب الحلة فأطمعهم طمعاً ثانياً لا سيما في حلب وقال لهم: إن أهلها شيعة وهم يميلون إلي لأجل المذهب، فمتى رأوني سلموا البلد إلي، وبذل لهم على مساعدته بذولاً كثيرة، وقال: إنني أكون ههنا نائباً عنكم ومطيعاً لكم، فساروا معه إليها وحصروها وقاتلوا قتالاً شديداً، ووطنوا نفوسهم على المقام الطويل.
وأخذ الفرنج في بناء بيوت لهم ظاهر حلب فعظم الأمر على أهلها، ولم ينجدهم صاحبها تمرتاش بن إيلغازي بن أرتق لإيثاره الدعة والرفاهة، فكاتب أهل حلب آق سنقر البرسقي صاحب الموصل فسار إليها، فأجفل الفرنج منهزمين، ثم صلحت أحوال حلب وعمرت أعمالها بعد أن حاصرت مدة ولقي أهلها شدة حتى أكلوا الميتة، ولم يكن عندهم أمير، وإنما تولوا حفظ الأمن بأنفسهم وأبلوا بلاءً حسناً حسنت به العاقبة. وأخذ البرسقي
стр. 276
٥١٩ كفرطاب من الفرنج وسار إلى
عزاز، فاجتمعت الفرنج لقتاله فاقتتلوا، فانهزم البرسقي وقتل من المسلمين خلق كثير وانهزموا راجعين أدراجهم. وقصد صاحب بيت المقدس حوران للعيث فيها فخرج إليه صاحب دمشق في التركمان وأحداث دمشق والغوطة والمرج وأحداث الباطنية فانهزم المسلمون وتتبع الفرنج المنهزمين حتى وصلوا إلى عقبة سحورا وقربوا من شرحوب مع بعد المدى. وقصدت الفرنج رفنية واستعادوها من المسلمين. واجتمع المسلمون والفرنج في مرج الصفر عند قرية شقحب من عمل دمشق واشتد القتال فانهزم صاحب دمشق والخيالة وتبعهم الفرنج، ونهب بعض الجند مخيم الفرنج وأثقالهم، ورجع الفرنج في أثر المنهزمين ورأوا رجالتهم قتلى وأموالهم منهوبة وظلوا منهزمين لا يلوي الأخ على أخيه، وكان هذا من الغريب أن طائفتين تنهزمان كل واحدة منهما من صاحبتها.
مزايا حكم طغتكين:
كان الفرنج منذ وطئوا تراب الشام أوائل العقد الأخير من القرن الخامس إلى أواخر العقد الثاني من القرن السادس يتساندون وقل أن يقع شغب بينهم، وربما تقاتلوا ثم اجتمعوا على سلام، وتواكلوا وتآنسوا لأن موقفهم يدعوهم إلى جمع الكلمة، ولئن ألفوا أربع إمارات متحدة فهي إمارة واحدة في الواقع، والنجدات تأتيهم بحراً على مراكب أهل بيزة وجنوة مرة ومرتين في السنة، لتعذر قطع البحار إلا في فصل الصيف. فرجال الحملة الصليبية الأولى هي التي كانت افتتحت ما افتتحت من الأصقاع ومادتها القليلة من الزوار والتجار من البحر. وملوك الشام يأتيهم المدد من مصر والعراق والجزيرة وديار بكر وديار مضر. ولو كتب للشمال أن يكون في عاصمته حلب رجل عاقل كما كتب لدمشق أن يكون فيها مثل طغتكين، لتيسر إنقاذ البلاد والإجهاز على أعدائها، ولما استطاع الفرنج أن يجبوا إتاوة من حلب وحماة وحمص ولنجت كما نجت دمشق من
إرضاء الفرنج بالمال على عهد طغتكين.
حكم طغتكين دمشق منذ سنة ٤٩٧، وحكمه كان في الحقيقة قبل عشر
стр. 277
سنين من تاريخ حكومته، حكمها بصورة شرعية بعد وفاة الملك دقاق ابن تتش بن آلب أرسلان وكان خطب أولاً لابن دقاق، وكان دقاق خلف طفلاً له سنة واحدة، فقطع طغتكين وخطب لبكتاش بن تتش عم هذا الطفل، ثم قطع خطبة بكتاش وأعاد خطبة الطفل، وهو آخر من خطب له بدمشق من بني سلجوق، واستوحش بكتاش من طغتكين خوّفته والدته منه وقالت: إنه زوج والدة دقاق وهي لا تتركه حتى يقتلك ويستقيم الملك لولدها، فخاف وحسن له من كان يحسد طغتكين مفارقة دمشق وقصد بعلبك وجمع الرجال والاستنجاد بالفرنج، وكان بكتاش في الثانية عشرة من عمره ومعه ايتكين الحلبي صاحب بصرى.
استمر طغتكين في ملك دمشق خمساً وعشرين سنة حتى مضى لسبيله سنة ٥٢٢ وكان على غاية العدل والبعد عن الظلم، أعاد إلى الرعية كثيراً من أملاكهم التي اغتصبها منهم ولاة الجور، وجرت عليها أحكام المقاسمة، وأرجعها إلى خراجها القديم، وأحيا الأراضي المعطله، وباع ما كان منها شاغراً للناس ليعمروه، وصرف ما حصل من ثمنها في الأجناد المرتبين للجهاد، فعمرت عدة ضياع وأجريت عيون، وحسنت بإيالة طغتكين دمشق وأعمالها، وعمرت الأقاليم بجميل سياسته وحسن تدبيره، وكثرة إحسانه، وانبسطت الرعية في عمارة الأملاك في باطن دمشق وظاهرها، ولذلك اشتد حزن الدمشقيين عليه، ولم تبق محلة ولا سوق إلا والمآتم قائمة فيه عليه. قال ابن عساكر: كان طغتكين شهماً مهيباً مؤثراً لعمارة ولايته، شديداً على أهل العيث والفساد. وقال آخر في وصفه: إنه لا يشبه غيره من ملوك الطوائف، وكان على شيء من التدين حتى إنه لما عاون أهل صور على دفع الصليبيين سنة ٥٠٥ ولم يفوا له بما كانوا بذلوه له من تسليم البلد
قال: إنما فعلت ما فعلت لله تعالى وللمسلمين لا لرغبة في مال ولا مملكة.
وكأن طغتكين كان مبشراً بظهور آل زنكي وآل أيوب في هذه الديار يردون حملة الغرب عن الشرق، ويكفونها معرّة التفرق، ويجمعون كلمتها على الحق والمطالبة به فتصبح مملكة برأسها، تأتمر الأقطار المجاورة
стр. 278
بأمرها، وتسير معها إلى الغاية التي هي تنشدها من رد عادية الصليبيين. وكان في حذقه بسياسته كما قيل يستخدم الفضائل والرذائل في الناس كما تستخدم الطبيعة فضول الأغذية فتجعلها في أشياء تنتفع بها. ولقد أوقف طغتكين سير الصليبيين عن التوغل في أحشاء المملكة، وقصر حكمهم على الساحل وعلى إنطاكية والقدس وطبرية، ولولا قيامه ذاك القيام المحمود لفتح الصليبيون دمشق وحلب، وكثيراً ما كانوا يغزون ربضهما وضاحيتهما، واكتفى المسلمون والفرنج بإضعاف قوى بعضهم بعضاً تارة، وعقد المهادنات طوراً، ولم تسفّ دمشق إلى دفع الغرامات للصليبيين على عهد طغتكين معتبرة نفسها الأم والعاصمة أكثر من غيرها من حواضر الشام، ولو أخذت دمشق لاستصفي الشام كله ولا نقطع ما بين مصر وهذا القطر من الاتصال، وصعب بعد ذلك إخراج الفرنج منه، فبقاء الرابطة مع مصر من البر ومن البحر إلى أن سقطت صور، حصر الفرنج في بقعة معينة لا تتعدى الطريق إلى بيت المقدس عن طريق الساحل.
ولو كان جميع أمراء الشام على مثل سيرة طغتكين، لخلفت وطأة الفرنج كثيراً في هذه الثلاثين سنة، وماذا يرجى من خير الأمراء إذا كان صاحب بعلبك يطلعهم على عورات المسلمين، وصاحب أفامية يقطع السابلة وابنه يحث الفرنج على قصد بلد أبيه، وصاحب حمص يشارك قطاع الطريق وكذلك ابنه خير خان، وبأمثال هذه الطبقة لا تخلص الرعية ويتعذر سوق القوم إلى طريق الخير، وهم لا يزالون مختلفين لأنهم يرون من عملهم أن يستبعدوا من صاروا إليهم وينعموا ولو
بإهلاكهم، لا أن يحافظوا على ملك ويدافعوا عن ذمار. ولذلك كان ظهير الدين بسياسته الحسنة مع ملوك الأطراف المرجع في الشام، أطلق الخليفة العباسي يده فيه منذ سنة ٥٠٩ حرباً وخراجاً، وجعل ارتفاعه على إيثاره واختياره، لما بان من حسن بلائه وجميل سيرته في رعيته. على حين بدلت حلب عدة ملوك خلال دوره، وكان بعضهم يتنازعون ويتفاشلون ويتقاتلون.
كانت أخبار المسلمين تصل إلى الفرنج بسرعة، والغالب أن هؤلاء برعوا في التقاط الأخبار أكثر من الذين نزلوا عليهم، فكان الفرنج عندما
стр. 279
يبلغهم حادث في المسلمين يغيرون خططهم الحربية، وبالطبع كانوا يستخدمون لذلك أناساً من أبناء نحلتهم من الأرمن وغيرهم، وربما كان للمسلمين أيضاً شأن في ذلك طمعاً في مال أو انتقاماً من سلطان، ولعل الصليبيين وفقوا إلى إمساك بعض ما كان ملوك الطوائف، يطيرونه من حمام الزاجل، ويحلون البطائق الصادرة عن بعض الأمراء والقواد، فتنكشف لهم أسرار خصومهم. فقد ذكر المؤرخون أن صاحب إنطاكية الصليبي أرسل إلى عز الدين مسعود صاحب حلب يخبره بقتل والده قسيم الدولة آق سنقر البرسقي صاحب الموصل بيد الباطنية قبل أن يصل إليه الخبر، وكان قد سمعه الفرنج قبل لشدة عنايتهم بمعرفة الأحوال الإسلامية.
مؤاخذة الفاطميين وتوقيف سير الفرنج:
ولقد آخذ المؤرخون الدولة الفاطمية على تهاونها في الغزو والجهاد حتى روى ابن تغري بردي، أن الآمر كان يتناهى في العظمة ويتقاعد عن الجهاد، حتى استولت الفرنج على غالب السواحل وحصونها في أيامه، ولئن كان وقع لأبيه المستعلي أيضاً فأخذ القدس في أيامه، فإنه اهتم لقتال الفرنج وأرسل بدراً الجمالي بالعساكر فوصلوا بعد فوات الوقت أما الآمر فإنه لم ينهض لقتال الفرنج البتة، وإن كان أرسل مع الأسطول عسكراً فهو كلا شيء. قال: ولم ينهض أحد من المصريين
لقتال الفرنج لما دخلوا الشام، فعلمت الفرنج ضعف من بمصر، وظهر عدم اكتراث أهل مصر بالفرنج من كل وجه. الأول من تقاعدهم عن المسير في هذه المدة الطويلة، والثاني لضعف العسكر الذي أرسلوه مع أسطول مصر، ولو كان لعسكر الأسطول قوة لدفع الفرنج عن البحر، والثالث عدم خروج الوزير الأفضل بالعساكر المصرية كما كان فعل والده بدر الجمالي في أوائل الأمر، هذا مع قوتهم من العساكر والأموال والأسلحة.
ويغلب على الظن أن الفاطميين دهشوا لغزو الفرنج الشام ولم يريدوا أن يثيروا حفائظهم لئلا يحصروا وكدهم بفتح دار ملكهم، وفتح مصر أسهل من الشام، لأنها سهول ليس فيها حصون طبيعية، وأفضل للبيت
стр. 280
العلوي أن تبقى له الديار المصرية ولو ذهب الشام بما فيه، ولذلك كان الفاطميون ينجدون الشام في الأحايين لأول عهد دخول الفرنج إليه إنجاداً ضعيفاً، وأكثر نجداتهم وحملاتهم لم تثمر الثمرة المطلوبة بل خففت جزءاً صغيراً من الشر مدة، وقوّى ذلك قلوب بعض أهل الأرجاء المحصورة، ونفّس خناقهم، وأوهمهم أن وراءهم قوة الفاطميين عند مسيس الحاجة يستصرخون بها فتنجدهم. والحقيقة أن الفاطميين على قوتهم من العدد والعدد لم يستطيعوا أن يذبوا حقيقة عن عسقلان، ولا عن صور وصيدا وبيروت وطرابلس دع الأصقاع الأخرى، وإذا عرفنا أن الدولة الفاطمية كانت في أواخر أيام ضعفها هان علينا أن لا نطلب منها أن تعمل عمل الشباب.
وقد أنجدت الدول المجاورة الشام نجدات مهمة على بعد المدى وقلة المواصلات. وأبلى جند التركمان والأكراد مع عرب الشام والموصل البلاء الحسن في هذه السبيل، ولكن كانت القوى الصليبية عظيمة جداً لا قبل لهم بدفعها، فكان موقف المسلمين على الأغلب موقف المدافع لا المهاجم، وكان لأمراء التركمان في هذا
الدور غيرة شديدة في الجهاد، ولم يكن داخلهم الفساد الذي يدخل على البيوت والدول، ولو كانت الآراء متجهة إلى مقصد واحد لاستطاع المسلمون أن يدفعوا الفرنج عن هذا القطر على كثرة جيوشهم الجرارة قبل أن يتأصلوا فيه، ويطلعوا على مبلغ قوات أُمرائه، ويتعلموا بحكم المجاورة ما كان ينقصهم من أصول الحرب، وبعض الصناعات وأعمال المدنية التي وجدوها في الشام يومئذ على حصة موفورة، فاقتبسوها ونقلوها بعد إلى أُممهم غنيمة نافعة من الشرق.
وقد حرص الفرنج أن يستولوا على قرى حلب والبقاع وحوران والسواد والبلقاء في الأكثر ليتقووا بغلاتها لأن معظم القرى في فلسطين كانت ساحات حرب لا تقوم بإطعام جيوشهم. وكان الفرسان في حصون الفرنج يملكون القرى ويحبون الأموال من أهلها الأصليين، ويسلبون قوافل المسلمين. وفي التاريخ العام: كانت الحرب في الشرق كما هي في الغرب تجارة رابحة، يقوم فرسان الفرنج ويغزون أرض المسلمين، وينهبون
стр. 281
القرى ويخطفون السكان ويأخذونهم أسرى ويضطرونهم إلى أن يفتدوا أنفسهم.
وعلى الجملة فإن أُمراء المسلمين في هذا الدور لم يتلكئوا في الحقيقة عن تخفيف بلاء المهاجمين عن الشام، وقاتلوا فانهزموا وهزموا، وطاولوا وراوغوا، وهادنوا وعاهدوا، وقاربوا وسادوا. ولكن الشام والجزيرة، ومعهما العراق ومصر على قلة، لا تستطيعان دفع جيش مؤلف من أكثر أُمم أوروبا، ومتى كانت قوة قطر صغير، توازي قوى برّ كبير، ومن أين لأمراء صغار لا تربطهم رابطة محكمة، أن يقفوا في وجوه ملوك من ورائهم قوة الباباوية، وناهيك بها من قوة في ذاك العصر.
انتهى الجزء الأول من خطط الشام
ويليه الجزء الثاني وأوله الدولة النورية.
стр. 282
الدولة النورية
من سنة ٥٢٢ إلى سنة ٥٦٩
فتنة الإسماعيلية ووقعة دمشق
لم يكف الشام تفرق كلمة أمرائه واستصفاء الفرنج لسواحله في الربع الأول من القرن السادس، حتى مُني بعدو داخلي يقاتل أهله في عُقر دارهم ويستنجد بالفرنج على إرهاقه، ونعني بهم الباطنية الذين كانوا يسمون القرامطة قديماً ويدعون في هذا الدور بالباطنية أو الإسماعيلية. فقد انتشر مذهبهم في كل بلد وكثر الدعاة إليه، وكانت دار الدعوة في حلب ودمشق، موطن التنفيذ والعمل. فإن أَبناءَ هذا المذهب ودوا لو يؤسسون دولة في العراق أو الشام، ولكنهم أخفقوا غير مرة، ولما شعروا بضعف أمراء الشام وتشتتهم، واشتغال قلوب معظمهم بقتال الصليبيين، أَيقنوا أن الفرصة قد سنحت فسار داعيتهم بهرام من العراق إلى الشام، ودعا بدمشق إلى مذهبه، فتبعه خلق كثير من العوام وسفهاء الجهال والفلاحين، وواثقه الوزير المزدقاني فأظهر دعوته علناً، بعد أن كان يختفي ويطوف المعالم والمجاهل ولا يعلم به أحد، فعظمت به وبشيعته المصيبة. وسكت عن هؤلاء الباطنية العلماء وحملة الشريعة خوفاً من بطشهم، ولما استفحل أمرهم في حلب ودمشق اضطر صاحب دمشق طغتكين أن يسلمهم قلعة بانياس دفعاً لشرهم، ليسلطهم على الفرنج ويقطع تسلطهم على المسلمين، فعدَّ الناس ذلك من غلطاته.
عظم أمر بهرام بالشام وملك عدة حصون بالجبال وقاتل أهل وادي التيم، وكان سكانه من النصيرية والدروز والمجوس وغيرهم، واسم أميرهم الضحاك بن جندل، ثم قتل بهرام وقام مقامه في قلعة بانياس رجل منهم اسمه إسماعيل، وأقام الوزير
стр. 283
المزدقاني عوض بهرام بدمشق رجلاً اسمه أبو الوفا، وعظم أبو الوفا حتى
صار الحكم له بدمشق، فكاتب الفرنج ليسلم إليهم دمشق، ويعوضوه بصور، وجعلوا موعدهم يوم الجمعة ليجعل أصحابه على باب الجامع، وعلم صاحب دمشق بالأمر فقتل الوزير المزدقاني وأمر الناس فثاروا بالإسماعيلية فقتل بدمشق ستة آلاف إسماعيلي ٥٢٣ وقال سبط ابن الجوزي: وكان عدة من قتل من الإسماعيلية عشرة آلاف على ما قيل ولم يتعرضوا لحُرمَهم ولا لأموالهم، ووصل الفرنج في الميعاد وحصروا دمشق فلم يظفروا بشيءٍ، واشتد الشتاء فرحلوا كالمنهزمين، وتبعهم صاحب دمشق بالعسكر فقتلوا عدة كثيرة منهم، وسَلّم إسماعيل الباطني قلعة بانياس إلى الفرنج وصار معهم.
قال ابن الأثير: ولما بلغ الفرنج قتل المزدقاني والإسماعيلية بدمشق عظم عليهم ذلك وتأسفوا على دمشق إذ لم يتم لهم ملكها، فاجتمعوا كلهم صاحب القدس وصاحب إنطاكية وصاحب طرابلس وغيرهم من الفرنج وقمامصتهم، ومن وصل إليهم من البحر للتجارة والزيارة في خلق عظيم نحو ألفي فارس، وأما الراجل فلا يحصى. وروى ابن القلانسي أنهم كانوا يزيدون على ستين ألفاً فارساً وراجلاً، وساروا إلى دمشق ليحصروها، ولما سمع تاج الملوك بذلك جمع العرب والتركمان فاجتمع معهم ثمانية آلاف فارس، ووصل الفرنج فنازلوا البلد وأرسلوا إلى أعمال دمشق لجمع الميرة والغارة على الكور، فلما سمع تاج الملوك أن جمعاً كثيراً قد سار إلى حوران لنهبه وإحضار الميرة، كما نهب صاحب القدس ٥٢١ وادي موسى وسبى أهله وشردهم، سير إليهم أميراً من أمرائه يعرف بشمس الخواص في جمع من المسلمين، فلقوا الفرنج فواقعوهم واقتتلوا وصبر بعضهم لبعض، فظفر بهم المسلمون وقتلوهم فلم يفلت منهم غير مقدمهم ومعه أربعون رجلاً، وأخذوا ما معهم وعادوا إلى دمشق لم يمسسهم قرح، فلما علم من عليها من الفرنج ذلك داخلهم الرعب فرحلوا عنها شبه منهزمين، فتبعهم المسلمون
يقتلون كل من تخلف منهم.
ولما استولى الفرنج على قلعة بانياس بنزول صاحبها الباطني عنها وانضمامه إليهم وسقطت بأيديهم أيضاً قلعة القدموس وكانت للباطنية. وبإحراز هاتين القلعتين قوي أمر الفرنج وإن عظمت خسائرهم المادية، وعاد الناس فأمنوا وخرجوا بعد فشل
стр. 284
الصليبيين في فتح دمشق وأيقنوا أن الفرنج لا يكاد يجتمع لهم بعد هذه الكائنة شمل لفناء أبطالهم واجتياح رجالهم وذهاب أثقالهم.
دخول آل زنكي الشام:
كانت مملكة حلب للبرسقي وبها ولده مسعود فلما قتل البرسقي استخلف مسعود الأمير قيماز بحلب وسار إلى الموصل ثم استخلف على حلب قتلغ أبه السلطاني فأساء السيرة ومد يده إلى أموال الناس لا سيما التركات، وتقرب إليه الأشرار فنفرت قلوب الناس منه. وكان سليمان بن عبد الجبار ابن أُرتق الذي كان صاحبها أولاً مقيماً بحلب، فاجتمع إليه أحداثها وملكوه المدينة وقتلغ في القلعة، وسمع الفرنج اختلافهم فجاءهم جوسلين صاحب إنطاكية فصافوه بمال، فرحل بعد أن خندق الحلبيون حول القلعة، فمنع الداخل والخارج إليها من ظاهر البلد، وأشرف الناس على الخطر العظيم، وأرسل عماد الدين زنكي صاحب الموصل عسكراً مع القائد قراقوش إلى حلب، ومعه توقيع السلطان محمود بالشام فأجاب أهل حلب إليه، وتقدم عسكر زنكي إلى سليمان وقتلغ بالمسير إلى زنكي فأجابا، فلما وصلا الموصل أصلح زنكي بين سليمان وقتلغ ولم يرد واحداً منهما إلى حلب، وسار زنكي إلى حلب وملك في طريقه منبج وبزاعه وتلقاه أهل حلب ودخل ورتب الأمور وملكها وقلعتها ٥٢٢. قال ابن الأثير: ولولا أن الله تعالى قد منّ على المسلمين بملك أتابك لبلاد الشام لملكها الفرنج لأنهم كانوا يحصرون بعض البلاد الشامية.
ثم عزم عماد الدين زنكي على الجهاد وأرسل صاحب دمشق يلتمس منه المعونة على حرب الفرنج، وبادر إلى تجريد وجوه عسكره، وكتب إلى ولده بهاء الدين سونج بحماة يأمره بالخروج في عسكره والاختلاط بالعسكر الدمشقي، فخرج من حماة إلى مخيم عماد الدين أتابك فأحسن لقاءه ثم غدر به وقبض عماد الدين على سونج وعلى جماعة المقدمين واعتقلهم في حلب، وزحف من يومه على حماة وهي خالية من حماتها فملكها، ورحل إلى حمص، وكان صاحبها قيرخان بن قراجه معه، وطلب منه تسليم حمص فراسل نوابه وولده فيها فلم يلتفتوا إلى مقاله،
стр. 285
فأقام عماد الدين عليها مدة طويلة يبالغ في محاربة أهلها فلم يتهيأ له ما أراد فرحل عنها إلى الموصل.
وطلب صاحب دمشق إلى صاحب الموصل أن يطلق ولده ومن اعتقلهم من الأمراء والمقدمين فطلب عنهم خمسين ألف دينار، فأجاب تاج الملوك إلى تحصيلها، ولم يطلق عماد الدين ابن تاج الملوك سونج ومن معه من الأمراء إلا في سنة ٥٢٥. ومات الخصي صاحب صرخد فاستولت سُرِّيّته على قلعتها، وأرسلت إلى دُبيس بن صدقة صاحب الحلة تستدعيه من العراق للتزوج به، وتسليم صرخد بما فيها من مال وغيره إليه، فسار دبيس إلى الشام فضلَّ به الأدلاء بنواحي دمشق فنزل بناس من كلب كانوا شرقي الغوطة فحملوه إلى صاحب دمشق تاج الملوك، ولما سمع عماد الدين زنكي بأسر دبيس أرسل إلى تاج الملوك يطلبه، ويبذل له إطلاق ولده سونج ومن معه من الأمراء فأجابه تاج الملوك إلى ذلك وأطلق عماد الدين سونج ورفاقه.
وفي سنة ٥٢٤ جمع عماد الدين عساكره وسار من الموصل إلى الشام، وقصد حصن الأثارب، وكان أهله على اتصال بالفرنج يقاسمون الحلبيين على جميع أعمال حلب الغربية، فالتقوا وعسكر عماد الدين واشتد القتال وانتصر المسلمون
وانهزم الفرنج ووقع كثير من فرسانهم في الأسر وكثر القتل فيهم، وأخذ المسلمون الأثارب عنوة وقتلوا وأسروا كل من فيها ثم خربها عماد الدين.
استنجاد بعض الصليبيين بالمسلمين واستقرار حال
دمشق:
بينا كانت دمشق مغتبطة بتاج الملوك بوري لشجاعته، وقد سد مسد أبيه في كفايته وكفاحه، ناداه الأجل سنة ٥٢٦ عقيب جرح كان به من الباطنيّة، ووصى بالملك بعده لولده شمس الملوك إسماعيل، ووصى ببعلبك وأعمالها لولده شمس الدولة محمد. ولما استقر إسماعيل بن بوري في ملك دمشق، واستقر أخوه في بعلبك استولى محمد على حصن الرأس وحصن اللبوة، فكاتب إسماعيل أخاه في إعادتهما فلم يقبل، فسار صاحب دمشق وفتح حصن اللبوة ثم فتح حصن الرأس وقرر أمرهما، ثم حصر أخاه في بعلبك فسأله الصلح فأجابه إليه، وأعاد عليه بعلبك وأعمالها واستقرت أمورهما.
следующие страницы →