Полный текст (1 453 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
بل كانت بينه وبين أهل دمشق حروب آلت إلى ظفره. وقد استعد واحتشد ونزلها في ثلاثين ألف رجل، وتحصن بها أبو الفضائل ولؤلؤ.
ووقع القتال بين منجوتكين والحمدانية على أفامية فانهزم الحمدانية ٣٨٢ وقتل وأسر جماعة منهم، ونزل منجوتكين على حلب ووقع الحرب في جميع جوانب المدينة ودخل إلى أعمال الروم بسبب اعتقال البرجي لرسوله، ونزل على حصن عم ضيعة البرجي في بلد أرتاح فقاتله وفتحه وسبى وقتل وسار إلى إنطاكية
فرشقه الإنطاكيون بالنشاب وعاد منجوتكين إلى منازلة حلب وراجع القتال. وعصى المسلمون في اللاذقية فسار البرجي إليهم وسباه وحملهم إلى الروم، وعاد منجوتكين من دمشق ونزل على أفامية فسلمها إليه وفاء خادم سيف الدولة ٣٨٣ ورحل إلى شيزر وقاتلها وتسلمها من سوسن غلام سعد الدولة وعاد إلى منازلة حلب.
وكان أبو الفضائل كتب إلى بسيل ملك الروم يستنجده وهو يقاتل البلغار، فأرسل بسيل إلى نائبه بإنطاكية ميخائيل البرجي يأمره بإنجاد أبي الفضائل؛ فسار في خمسين ألفا حتى نزل على الجسر الحديد بالعاصي، فلما سمع منجوتكين الخبر سار إلى الروم ليلقاهم قبل اجتماعهم بأبي الفضائل، وعبر إليهم العاصي وأوقع بالروم فهزمهم وولوا الأدبار إلى إنطاكية وكثر القتل فيهم، وجمع من رؤوس قتلاهم نحو عشرة آلاف رأس وحملت إلى مصر. قال الإنطاكي: قتل من الروم في هذه الوقعة التي دعيت بوقعة المخاضة ٣٨٤ زهاء خمسة آلاف ويمم منجوتكين إلى إنطاكية ونهب رساتيقها وأحرقها، وكان وقت إدراك الغلة فأنفذ لؤلؤاً وأحرق ما يقارب حلب منها إضرارا بالعسكر المصري. وعاد منجوتكين إلى حلب فحصرها وأقام عليها ثلاثة عشر شهرا. فقلت الأقوات فيها وعاد صاحب حلب إلى مراسلة ملك الروم والاعتضاد به، فلما قلت الأقوات إلى العزيز على نفسه أن يمد عسكره بالميرة من غلات مصر، فحمل مائة ألف تلّيس في
стр. 212
البحر إلى طرابلس ومنها على الظهور إلى أفامية. فكان يوقع للغلمان بجراياتهم وقضيم دوابهم إلى أفامية على خمسة وعشرين فرسخا فيمضون ويقبضونها ويعودون بها. وبنى وأصحابه الحمامات والخانات والأسواق.
وعاد منجوتكين إلى منازلة حلب ومحاصرتها وفتح حصن إعزاز وملك سائر أعمال حلب وولى عليها وبنى حصنا مقابل حلب، وأنجد ملك الروم صاحب حلب
وكان قد استنجده وأرسل إليه ملكوثا السرياني، فقطع المسافة من بلاد البلغار إلى حلب وهي ثلاثمائة فرسخ في بضعة أيام. ولما أقبل الروم أحرق منجوتكين الخزائن والأسواق والأبنية التي كان استحدثها ورحل في الحال منهزما ووافى بسيل فنزل على باب حلب، وخرج إليه أبو الفضائل ولؤلؤ ولقياه، ثم عاد ورحل في اليوم الثالث إلى دمشق وفتح حمص ونهب، ونزل على طرابلس فمنعت جانبها منه، فأقام نيفا وأربعين يوما فلما أيس منها عاد إلى الروم، وعاد منجوتكين غازيا إلى إنطاكية، ثم سار إلى حلب ورحل عنها إلى أنطرطوس، وقاتل الحصن أياما وسار عامل الروم إلى أنطرطوس ليدفع عنها، وأرسلت مصر أسطولا مؤلفا من أربعة وعشرين مركبا مشحونا بالرجال فكسر الأسطول بريح عاتية، وخرج رجال المراكب إلى البر، فانهزم منجوتكين وجميع عسكره وخرج المقيمون في أنطرطوس وأخذوا ما سلم من المراكب وأسروا من رجالهم خلقا.
الخوارج على الفاطميين واستنجاد أمراء المسلمين
بالروم:
ظن بعد انصراف ملك الروم عن الشام ورجوع الحمدانيين إلى حلب أن الدولة الفاطمية يطمئن بالها، وما كان يجول في الفكر أن ينقلب عليها أحد قوادها الذي كانت اصطفته ليدفع عن القطر ما يتهدده من الشر وأعني به منجوتكين. فقد عصى على خليفته وأراد أن يستنجد الروم فلم يلتفتوا إليه، فندب الخليفة العساكر من مصر لقتاله وقدموا أبا تميم بن جعفر عليها، وأمدوه من الأموال ما أسرفوا فيه، وسار أبو تميم من مصر، ورحل منجوتكين من الرملة بعد أن ملكها. والتقى الجيشان بعسقلان وتواقعا فأجلت الوقعة عن هزيمة منجوتكين وأصحابه، فأسر وحمل إلى
стр. 213
مصر، وسار أبو تميم فنزل طبرية وأنفذ أخاه عليا إلى دمشق، فامتنع
أهلها عليه ومنعوه الدخول، وكاتب أخاه بعصيانهم، واستأذنه في قتالهم، فكتب أبو تميم إلى متقدميهم من الأشراف والشيوخ، وحذرهم عواقب فعل سفهائهم، فخافوا وخرجوا إلى علي مذعنين بالطاعة ومنكرين لما فعله أهل الجهالة، فلم يعبأ بقولهم وزحف إلى البلد فملكه، وأحرق وقتل وعاد إلى معسكره.
ووافى أبو تميم في غد فأنكر على أخيه ما فعله، وتلقاه وجوه الناس فشكوا إليه ما أظلهم، فأحسن لقاءهم وأمنهم، فسكنوا وعادوا إلى معايشهم. وركب أبو تميم إلى المسجد الجامع في يوم الجمعة بزي أهل الوقار، واجتاز في البلد بسكينة، وبين يديه القراء وقوم يفرقون الدراهم على أهل المسكنة، وصلى الجمعة وعاد إلى القصر الذي نزله بظاهر دمشق، وقد استمال قلوب العامة بما فعله، ثم نظر في الظلامات وأطلق من الحبوس جماعة من أهل الجنايات فازدادوا له حبا، واستقرت قدمه واستقام أمره، وعدل من بعد إلى النظر في أحوال الساحل فهذبها، وولى أخاه طرابلس وصرف عنها جيش بن الصمصامة.
ذكر كل هذا مسكويه، وزاد أن أبا تميم كان مع سياسته مستهترا باللذات، فلم يشعر إلا بهجوم المشارقة والعامة على قصره فخرج من دمشق هاربا، ونهبوا خزائنه وأوقعوا بمن كان معه من كتامة، وعادت الفتنة واستولى الأحداث على دمشق، وثار أهلها مع ما كان فيها من الأولياء المشارقة على ابن فلاح فخرج عن البلد هاربا إلى مصر، وتغلب الأحداث ورأسهم رجل منهم يعرف بالدهيقين، فسارت جيوش الحاكم إلى دمشق مع محمد بن الصمصامة للقاء الدمشقيين والدهيقين، فسار الدهيقين إلى مصر وطلب الأمان. وقال ابن ميسر في حوادث سنة ٣٨٧: إنه كانت وقعة بين منجوتكين وبين ابن فلاح في الرملة قتل فيها نحو مئة ألف كذا من أصحاب منجوتكين وانهزم ابن الجراح.
وفي سنة ٣٨٨ وقعت النار في أفامية واحترق ما كان فيها من القوت فسار أبو
الفضائل بن سعد الدولة صاحب حلب في عسكر الحلبيين،
стр. 214
وقاتلها مدة ثم رجع عنها لما سار إليها دوفس إنطاكية، وحاصرها هذا أشد حصار، فاستنجد الملايطي المقيم بها بجيش بن الصمصامة بدمشق، فسار إليه في عساكر ضخمة، وانتشبت الحرب بينهم، واستظهر عليه الدوقس، وقتل منهم مقتلة عظيمة وأخذت البادية سواد عسكر المغاربة، وبلغت الهزيمة إلى بعلبك، وقتل الدوقس فعادت الهزيمة على الروم فقتل منهم زهاء ستة آلاف وأسر أبناء الدوقس وجماعة من رؤساء عسكره، وحملوا إلى مصر وأقاموا بها عشر سنين ثم فودي بهم.
وسار جيش بن الصمصامة إلى شيزر فخف ملك الروم بنفسه ففتحها وشحنها بالأرمن، وسار عنها إلى حصن أبي قبيس فأخذه بالأمان وسار إلى حصن مصيات. فملكه أيضاً وأخربه وسار إلى رفنية فأحرقها وسبى أهلها وتوجه يحرق ويسبي إلى أن بلغ حمص فنزلها وتحصن منها نفر في كنيسة مار قسطنطين تحرماً بهاً. فلما علم الرؤوس من أهل عسكره أحرقوها، وكانت كنيسة معجزة وحمل نحاسها ورصاصها، وسار الملك إلى قرب بعلبك واستصرخ جيش من دمشق إلى مصر بكتبه ووصف كثرة الجموع التي للروم فجردت إليه العساكر وكوتب كل والٍ بالشام بالمسير معه، فساروا حتى اجتمع بدمشق من العساكر كما قال الأنطاكي ما لم يجتمع فيها للإسلام مثله، ورجع ملك الروم عن طريق الساحل وأحرق عرقة وهدم حصنها ثم نزل على طرابلس ٣٨٩ وحاربها براً وبحراً، ثم رحل إلى إنطاكية، وافتتح حصن أبي قبيس بالأمان.
وامتدت ولاية منجوتكين في إمرة الجيوش الشامية إلى ما بعد سنة ٣٨٦ وكان ظالماً جباراً ساءت سيرته في ولايته دمشق وحمص وكثر ظلمه. وولي إمرة دمشق بشارة الإخشيدي من قبل برجوان الخادم الحاكمي ٣٨٨ وكان ولي طبرية قبل أن يلي دمشق مدة سنين. وكان أهل صور قد عصوا ٣٨٧ وأمَّروا عليهم
رجلاً ملاحاً يعرف بعلاقة. ضرب السكة باسمه وكتب عليها عز بعد فاقة الأمير علاقة فأرسل عليه الفاطميون أسطولاً فاستجار علاقة بملك الروم فأنفذ إليه عدة مراكب مشحونة بالرجال والمقاتلة، والتقت هذه المراكب بمراكب المسلمين فاقتتلوا فظفر المسلمون
стр. 215
وملكوا مركباً من مراكبهم، وقتلوا من فيه وانهزمت بقية المراكب. وهكذا استنجد بالروم في هذه الحقبة أميران على بني جنسهما ودينهما ليستمتعا بالملك وهما أبو الفضائل في حلب وعلاّقة بصور.
وكان المفرج بن دغفل قد نزل على الرملة وعاث فساداً في أرضها، وانضاف إلى حادثته وحادثة علاّقة نزول الدوقس صاحب الروم في عسكر كثيف على حصن أفامية، فاصطنع برجوان جيش بن الصمصامة وقدمه، وجهز معه عسكراً وسيره إلى دمشق، وبسط يده في الأموال ونفذ أمره في الأعمال، وسار جيش بن الصمصامة ونزل على الرملة وعليها وحيد الهلالي والياً فتلقاه طائعاً وصادف أبا تميم بها فقبض عليه قبضاً جميلاً، وندب الحسين بن ناصر الدولة بن حمدان في عسكر إلى صور بعد أن كان أنفذ إليها مراكب في البحر مشحونة بالرجال فأحاطت العساكر بها براً وبحراً وضعف أهل صور عن القتال وأخذ علاقة فحمل إلى مصر فسلخ وصلب بها وأقام ابن حمدان والياً عليها.
وسار جيش بن الصمصامة لقصد مفرج بن دغفل فهرب من بين يديه وعاذ بالصفح فكف جيش عنه، وعاد سائراً إلى عساكر الروم النازل على حصن أفامية، فلما وصل إلى دمشق تلقاه أهلها في أشرافها ووجوه أحداثها مذعنين له بالانقياد، راغبين في استصحابهم للجهاد، فجزاهم خيراً فأقبل جيش على رؤساء الأحداث وبذل لهم الجميل، ونادى في البلد برفع المؤن، وإباحة دم كل مغربي يتعرض لفساد، فاجتمعت الرعية وشكروه، وسألوه دخول البلد والنزول بينهم فلم يفعل، ثم سار ونزل بحمص واجتمعت العساكر وتوجه إلى حصن أفامية، فوجد
أهلها وقد اشتد بهم الحصار، فنزل بإزاء عسكر الروم بينه وبينهم نهر العاصي. ثم التقى الفريقان من بعد، وكان المسلمون يومئذ في عشرة آلاف من الطوائف وألف فارس من بني كلاب، فحملت الروم على المسلمين فزحزحوهم عن مصافهم، وانهزمت الميمنة والميسرة، واستولى الروم على كراعهم وعطفت بنو كلاب على أكثر ذلك فنهبوه، وثبت بشارة الإخشيدي
стр. 216
في خمسمائة فارس، ورأى من في حصن أفامية من المسلمين ما أصاب إخوانهم فأيسوا من نفوسهم.
قالوا: وكان الدوقس عظيم الروم في هذه الوقعة بعد أن تراجع المسلمون على رأسه راية وبين يديه ولداه وعشرة خيالة، فقصده أحمد بن الضحاك الكردي على فرس جواد، فظنه عظيم الروم مستأمناً، فلما قاربه طعنه الكردي فقتله فانهزمت الروم وتراجع المسلمون فركبوا أقفيتهم قتلاً وأسراً وألجئوهم إلى مضيق في الجبل وأسروا ولد الدوقس، وحمل إلى مصر من رؤوسهم عشرون ألف رأس وألف أسير.
وعاد جيش إلى دمشق فاستقبله أهلها، فخلع على وجوه الأحداث وحملهم على الخيل والبغال، ووهب لهم الجواري والغلمان، وعسكر بظاهر البلد وأخلوا له قرية بيت لهيا ليكون مقامة بها، وتوفر على استعمال العدل وتخفيف الثقل، فاستخص رؤساء الأحداث واستحجب جماعة منهم، ثم أوقع بهم كلهم، ودخل البلد وثلم السور من كل جانب، واستغاث الناس به ولاذوا بعفوه، فكفّ عنهم واستدعى الأشراف استدعاء حسن ظنهم فيه، فلما حضروا أخرج رؤساء الأحداث وأمر بضرب رقابهم بين أيديهم، ثم صلب كل واحد في محلته. وجرد إلى المرج والغوطة قائداً وأمره بوضع السيف فيمن بها من الأحداث فقال: إنه قتل ألف رجل منهم، حتى إذا فرغ من ذلك كله قبض على الأشراف وحملهم إلى مصر واستأصل أموالهم ونعمهم، ووظف على البلد خمسمائة ألف دينار. وكان عدد من
قتلهم ثلاثة آلاف رجل، واحتال للقضاء على هؤلاء الأحداث بأن جعل يبسط الطعام كل يوم لهم ولمن يجيءُ معهم من أصحابهم، فكان يحضر كل إنسان منهم في جمع من أصحابه وأشياعه، وأمرهم إذا فرغوا من الطعام أن يحضروا إلى حجرة يغسلون أيديهم فيها، وأمر أصحابه إذا دخل رؤساء الأحداث الحجرة أن يغلقوا بابها عليهم ويضعوا السيف في أصحابهم، فلما كان الغد حضروا الطعام، وقام الرؤساء إلى الحجرة، فأغلقت الأبواب عليهم وقتل من أصحابهم نحو ثلاثة آلاف رجل.
стр. 217
تولى جيش نيابة دمشق غير مرة، وكان ظالماً سفاكاً للدماء ظلم الناس كثيراً. قالوا: وعم الناس في ولايته البلاء من القتل وأخذ المال حتى لم يبق بيت في دمشق ولا بظاهرها إلا امتلأ من جوره؛ خلا من كان ظالماً يعينه على ظلمه. وممن ولي دمشق للمصريين وساءت سيرته ختكين القائد ثم القائد طرملة بن بكار البربري، وكان عبداً أسود، فجار على أهلها كما جار ختكين وظلمهم وأخذ أموالهم، وفر إلى مصر وحمل بعض ما كان معه إلى الحاكم، فتمكنت حاله عنده وولاه دمشق فأقام والياً عليها إلى سنة ٣٩٤، ثم صرف عنها بخادم من خدم الحضرة.
стр. 218
تتمة دور الفاطميين من سنة ٣٩٤ - ٤٦٣
خوارج ومذاهب جديدة وفتن:
ظهر في أعمال حلب سنة ٣٩٥ رجل اسمه احمد بن الحسين ويعرف بالأصفر تزيّا بزي الفقراء وتبعه خلق من العرب وسكان القرى، وصحبه رجل من وجوه العرب يعرف بالجملي، ونازل شيزر وأسرى في جماعة من العرب وغيرهم ممن اجتمع إليه ولقي عسكر الروم وكبس والي أرتاح وسار نحو جسر الحديد يريد
إنطاكية، في مهروية على فرسخين من إنطاكية بطريق يقال له بيغاس في عسكر كان معه، فقتل الجملي وانهزم الأصفر إلى سروج، ونزل قرية كفر عزون وكانت حصينة، ففتحها العامل الرومي وأسر منها اثني عشر ألف أسير وأخذ غنائم كثيرة، وكان قد اجتمع عرب بني نمير وبني كلاب مع وثاب بن جعفر صاحب سروج في زهاء ستة آلاف فارس على الرومي فلقيهم وهزمهم، وتوسط لؤلؤ صاحب حلب أن يعتقل الأصفر بقلعة حلب فأخذ واعتقل، وبقي فيها معتقلاً إلى أن دخلت حلب في حكم الفاطميين ٤٠٦.
وأمر الحاكم ٤٠٤ باروح التركي الملقب علم الدولة على جيوشه ولقبه أمير الأمراء وولاه الشام وسيره إليها وحمل باروح معه زوجته وهي ابنة الوزير يعقوب بن يوسف بن كلس وحملا معهما أموالهما في قافلة مع التجار، فاعترضهم ظاهر غزة المفرج بن دغفل بن الجراح وأولاده فأوقع بهم وحاز جميع ما كان معهم وأخذ باروح أسيراً وقتله. وسار ابن الجراح
стр. 219
إلى الرملة ودخلها، وأباح للعرب نهبها وصادر الأموال وأقام الدعوة لأبي الفتوح الحسن بن جعفر الحسني أمير مكة يومئذ وأسماه أمير المؤمنين ولقبه الراشد لدين الله، وضرب له السكة واستحوذت العرب على جنوب الشام وملكوه من الفرما إلى طبرية وحاصروا حصون السواحل مدة طويلة ولم يمكنهم أخذ شيء منها.
واستدعى ابن الجراح أبا الفتوح الحسني من مكة فسار إلى الشام ووصل إلى الرملة ودخلها راكباً فرساً ونزل في دار الإمارة بها، وأنشأ كتاباً قرىء على الناس بأن لا يقبل له أحد الأرض، وأن هذا شيء ينفرد به الله ، وجلب معه أموالاً كثيرة من الحجاز فأكلها العرب وحجزوا عليه وأشرف على ضعف أمره. وقد كان الحاكم بذل فيه أموالاً جسيمة لحسان بن المفرج فأشار على أبي الفتوح بالرجوع إلى طاعة الخليفة العلوي وأوصلوه إلى مأمنه، فلما عاد إلى مكة
أقام الدعوة للحاكم على الرسم السالف بعد أن كان أقامها لنفسه، وكتب إلى الحاكم يعتذر فقبل عذره ووصله وأحسن إليه.
وحصل الشام في أيدي بني الجراح وأقاموا متغلبين عليه إلى المحرم سنة أربع وأربعمائة وعظمت مصادرتهم للناس مرة بعد أخرى وعسفهم إياهم، فهرب من النصارى خلق كثير توجهوا إلى الروم وقصد أكثرهم اللاذقية وإنطاكية وقطنوهما. استقل ابن الجراح سنتين وخمسة أشهر في الشام ولم يرسل الحاكم عليه عسكراً، ثم سير القائد علي بن فلاح في جيش كبير جمع فيه معظم رجال مملكته، وكوتبت الجيوش في دمشق والسواحل بلقائه، وسارت العساكر من الجهتين نحوه فاتفق في الحال أن مات المفرج بن دغفل بن الجراح واتصل بأولاده، قصد العساكر إليهم فذهبوا مع العرب إلى البرية وتخلوا عن الرملة وغيرها من الأقاليم التي غلبوا عليها.
ولى الحاكم عهده لأبي القاسم عبد الرحمن بن الياس وجعله الخليفة بعده ٤٠٤ ودعي له على المنابر ونقش اسمه على السكة، وحصل بدمشق وفسح لأهلها في شرب القهوة وسماع الأغاني فأحبوه ومقته الجند
стр. 220
لشحه، وأذاع بعض الدرزية دعوته في قوم من المسلمين في وادي التيم، فتجاهر الذين استجابوا لدعوته بمذهبهم، فغزاهم أمير الأكراد ابن الشليل فقتل منهم وسبى وأحرق وأهلك خلقاً. واستشعر ولي العهد بعد ما جرى في أمرهم إنكار الحاكم ما فعل بهم، وحذر أن يحنق عليه بسببهم، فأنفذ صاحباً له يعرف بابن الخرقاني إلى حسان بن المفرج بن الجراح ليقرر له معه أن يكون من جهته، فشغب عليه الجند وقتلوا الخرقاني بدمشق ونهبوا دار ولي العهد، فاستغاث بالدمشقيين والغوطيين، فأحاطوا بالقصر الذي ينزله بظاهر دمشق فانتشبت الحرب بينهم وبين الجند واندفع الدمشقيون عنه ونهب الجند القصر، وكان عند تواصل الأخبار إلى الحاكم بعصيان ولي العهد
ندب صاعد بن عيسى بن نسطورس للخروج إلى الشام، وأعطاه من العدد السلطانية والآلات الجليلة ما لم يعط لغيره، وتقدمت مكاتبة الحاكم إلى ولي العهد يأمره بالحضور إلى مصر فبادر بالرحيل وسار العسكر معه إلى الرملة ولما أيقن الحاكم امتثاله أمره زالت الشبهة عنه من نفسه، وكتب يرسم له بالرجوع إلى دمشق وقلد تقليداً ثانياً.
وثار بدمشق بعد مسير ولي العهد عنها رجل من أهلها يعرف بمحمد بن أبي طالب الجزار، واجتمع إليه جمع كثير من أحداثها ومن رعاع أهل حوران امتعاضاً لولي العهد، وحاربوا الجند، وطرح العسكر النار في المدينة فأحرقت منها قطعة كبيرة، ولما عرف محمد بن أبي طالب الجزار عودة ولي العهد سار للقائه واجتمعوا في لدّ وسار محمد بن أبي طالب إلى دمشق، وقد اجتمع إليه خلق كثير ودخل دمشق بغتة، وراجع الحرب واستظهر على الجند وأخرجهم من المدينة، وأرسل إليه ولي العهد في تسكين الفتنة فلم يطعه وقتل قاضي دمشق وتسلط هو والأحداث عليها، وقتل أيضاً جماعة من الناس ونهبهم، وتوقاه أهل السلامة وخافوا منه، وغلت الأسعار بقيام الفتنة فاجتمع على الناس الجوع والحريق والنهب والقتل. وكان محمد بن أبي طالب قد سدّ الباب الشرقي، فوجد الدمشقيون فرصة وفتحوه، وقبضوا عليه وقتلوه وصلبوه على باب الجابية، وقتلوا جمعاً ممن كان على رأيه، واستقام أمر دمشق وصلح حال ولي
стр. 221
العهد وأطلق يده في مصادرة جماعة من الدمشقيين والمتهمين بقيام الفتنة فتنكروا عليه وأبغضوه واجتمع أهل البلد والجند على كراهيته.
تقسيم الأقاليم بين القبائل ودولة بني مرداس:
كان لؤلؤ غلام ابن حمدان وولده منصور بن لؤلؤ قد استوليا على حلب بعد موت أبي الفضائل بن سعد الدولة، وضيق منصور بن لؤلؤ على ابني أبي الفضائل
فقصدا الحاكم في مصر، وهرب أبو الهيجاء بن سعد الدولة من حلب أيضاً في زي النساء والتجأ إلى بسيل ملك الروم ومات لؤلؤ في المحرم سنة ٣٩٩ وآلت الإمارة لولده الصغير منصور بن لؤلؤ، وكرهه كثير من الحلبيين ورغبوا في أبي الهيجاء، وكذلك أمراء بني كلاب المدبرون بلد حلب، وسار أبو الهيجاء إلى ميافارقين فأنفذ معه حموه ابن مروان صاحباً له في دون المائتي فارس وسار إلى الجزيرة، ولقيه جماعة أمراء بني كلاب وضمنوا له أن يعاضدوه، وخافه منصور بن لؤلؤ فاستصلح بني كلاب وشرط لهم أن يعطيهم الإقطاعات الكثيرة ويجعلهم مساهمين له في الضياع والأعمال ظاهر حلب، واستنجد بالمغاربة جيش الفاطميين، فأسرع إليه علي بن عبد الواحد بن حيدرة قاضي طرابلس في عسكر منيع، فاتفقت موافاته حلب مع نزول أبي الهيجاء، فانهزم هذا وذهب إلى القسطنطينية، ومات فيها عند صاحب الروم، وعاد ابن حيدرة إلى طرابلس، وأقام منصور بن لؤلؤ يخطب لصاحب مصر ولقبه الحاكم مرتضى الدولة، ثم فسد ما بينه وبين الحاكم وعاد الكلابيون يلتمسون من منصور بن لؤلؤ ما شرط لهم، فحضر منهم زهاء سبعمائة رجل فيهم جميع أمراء بني كلاب وذوي الرئاسة والشجاعة جميعاً وأمر ببذل السيف فيهم، وحبس منهم جماعة، وكان في جملة المحبوسين صالح بن مرداس فتوصل في الحبس إلى أن صعد من السور وألقى نفسه من أعلى القلعة إلى تلها، فسار إلى أهله وجمع ألفي فارس وأسر ابن لؤلؤ وقيده بقيده الذي كان في رجله ولبته الحديد.
وكان لابن لؤلؤ أخ فنجا وحفظ المدينة، وبذل ابن لؤلؤ لصالح
стр. 222
ابن مرداس مائتي ألف دينار فأطلقه على شرط أن يطلق كل أسير عند ابن لؤلؤ من بني كلاب. وبنو كلاب بطن من عامر بن صعصعة ملكوا حلب ونواحيها، وأول من ملك منهم صالح بن مرداس هذا، وكان لهم في أيام سيف الدولة بن حمدان شأن،
وغزاهم غير مرة بعد أن اصطنعهم واصطفاهم من بين قبائل العرب.
انقرضت دولة بني حمدان سنة ٤٠٦ وآخرهم في حلب المنصور، وقد دامت حكومتهم في حلب وحماة وحمص والمعرة وإنطاكية زهاء سبعين سنة عزيزة مستقلة في أولها، ذليلة خاضعة لسلطان غيرها في آخرها. وفي شوال ٤١١ سلم محمد بن خليد النهراني إلى الروم حصن الخوابي في جبل نهران ومدينة مرقبة على ساحل البحر وكانت خراباً فأحسن إليه بسيل الملك. وتسلم نواب الفاطميين الشام حتى موت الحاكم بأمر الله ٤١١هـ - ١٠٢١م وعندها اجتمع حسان أمير بني طيىء، وصالح بن مرداس أمير بني كلاب، وسنان بن عليان أمير بني كلب، فتحالفوا واتفقوا على أن يكون من حلب إلى عانة لصالح بن مرداس، ومن الرملة إلى مصر لحسان، ودمشق لسنان، فقصد صالح حلب وبها رجل يقال له ابن ثعبان يتولى أمرها للمصريين، فسلم أهل البلد لصالح لإحسانه إليهم ولسوء سيرة المصريين معهم، وسلمت القلعة إليه سنة ٤١٤ وملك من بعلبك إلى عانة وأقام بحلب ست سنين.
افتتح حسان بن المفرج بن الجراح أمير الطائيين مدينة الرملة ٤١٥ وأتى عليها حريقاً ونهباً وأسراً. وحاصر سنان بن عليان مدينة دمشق ٤١٦ وجرت بينه وبين أهلها حرب شديدة وخرب داريا وأعمالها. وبقيت حال الشام على هذا إلى سنة ٤١٩ وقد مات سنان بن عليان أمير الكلبيين، ودخل ابن أخيه رافع بن أبي الليل بن عليان إلى الظاهر الفاطمي فاصطنعه وعقد له الإمارة على الكلبيين وسير معه عسكراً، وانضافت إليه العساكر المقيمة في الشام، واجتذب إليه جماعة من العرب، وقصدوا بأجمعهم حرب حسان بن المفرج بن الجراح وورد إليه صالح بن مرداس وبنو كلاب لمعاونته، واتفقا على لقائهم وتصافوا للحرب في طبرية في
стр. 223
موضع يعرف بالأقحوانة ٤٢٠ وقتل صالح ومع علم حسان والعرب بقتله
انهزموا بأسرهم إلى الجبال وقتل منهم جماعة، ولما عرف أصحاب صالح المقيمون في بعلبك وحمص وصيدا ورفنية وحصن ابن عكار قتله تخلوا عن جميعها واستعادها أصحاب السلطان. واستولى نصر وثمال ابنا صالح على حلب وأعمالها وعلى الرحبة وبالس ومنبج.
وكان بإنطاكية عامل للروم فجمع جيشاً وسار قاصداً حلب بغير أمر ملكه، فتلطف معه ابنا صالح بعد أن كبست العرب معسكره وقتلت منه جماعة، ثم سار ملك الروم بنفسه ٤٢١ إلى غزو حلب واتصل بحسان ابن الجراح ما عزم عليه ملك الروم من غزو الشام، فأنفذ إليه جماعة من أهله برسالة يقوي بها عزمه على ما همّ به ويبذل له الخدمة في غزاته والمسير بين يدي جيوشه بعشيرته وأصحابه، وأنفذ أيضاً نصر وثمال ابنا صالح بن مرداس مع آل جراح ابن عمهما مقلد بن كامل بن مرداس يبذلان مثل ذلك عن نفوسهما وعشيرتهما وأصحابهما، وأن يعطي جميعهم رهائنهم على مناصحتهم إياه، وصحة وفائهم بما بذلوه، ووفد جميعهم إلى الملك فنزل هذا بجيشه على تبّل من بلد أعزاز فطاردهم العرب وانهزم أكثر المقاتلة وثبت بعضهم وقتل من الفريقين جماعة، وأسرت العرب من الروم المنهزمين عدداً كبيراً وعاد الباقون إلى معسكرهم، ثم اضطر الملك إلى العودة إلى دياره، وكان معه جماعة كثيرة من الأرمن فوضعوا أيديهم في النهب وزادت الفتنة، ثم كتب نصر بن صالح إلى ملك الروم يستعطفه ويعتذر إليه ويلتمس منه أن يجريه على ما كان أبوه عليه وغيره، ممن ملك حلب مع من تقدمه من أسلافه الملكين الماضيين بسيل وقسطنطين.
قال ابن الأثير: لما خرج ملك الروم بنفسه من القسطنطينية إلى الشام هذه المرة كان في ثلاثمائة ألف مقاتل، فلما بلغ قريب حلب نزل على يوم منها، ولحقه عطش شديد فهلك كثير من جيشه عطشاً، فعاد وجماعته أدراجهم. وقيل في
عوده: إن جمعاُ من العرب ليس بالكثير عبر على عسكره وظن الروم أنها كبسة فانهزموا لا يلوون على شيء. وذكر ابن
стр. 224
المهذب المعري أن خروج أرمانوس ملك الروم إلى حلب في سنة إحدى وعشرين وأربعمائة، وكانوا ستمائة ألف، ومعه ملك البلغار وملك الروس والألمان والخزر والأرمن والبلجيك والفرنج وغنم المسلمون منهم ما لا يحصى وأسرت جماعة من أولاد ملوكهم. وفي قول ابن المهذب نظر. لأن هذا الجيش العظيم وهذه الأمم التي عدها يستحيل أن تسير مع ملك الروم إلا إذا كان دعاهم باسم حماية النصرانية في الأرض المقدسة، ويستحيل أن تقترب منها أو أن تفتحها وفي الشام أمامها دول وإمارات.
وملك الروم ٤٢٢ قلعة أفامية، وسبب ملكها أن الظاهر الفاطمي سير إلى الشام الدزبري وزيره فملكه، وقصد حسان بن المفرج الطائي، فألح في طلبه فهرب منه ودخل بلد الروم، ولبس خلعة ملكهم وخرج من عنده وعلى رأسه علم فيه صليب، ومعه عسكر كثير، فسار إلى أفامية فكبسها وغنم ما فيها وسبى أهلها وأسرهم.
وفي سنة ٤٢٣ اجتمع في جبل السماق جماعة من الدرزية وجاهروا بمذهبهم وأخربوا المساجد، وتحصن دعاتهم وكثير من عوامهم في مغاور شاهقة منيعة، وقصدهم وانضوى إليهم خلق كثير من أهل نحلتهم، وتوفر عددهم واستضاموا المسلمين المجاورين لهم من أهل بلدان حلب، ووعدوا أنفسهم وأطمعوا عوامهم بقوة أيديهم وكثرة استيلائهم على الأعمال القريبة والبعيدة. فرأى قطبان إنطاكية مبادرتهم قبل تفاقم أمرهم وتخطيهم إلى الفساد والعيث، ورسم لمن يجاورهم من طراخنته قصدهم برجاله وأصحابهم، فتلطفوا في أن قبضوا على دعائهم وأماثلهم وقتلوهم، وحاصروا باقيهم في تلك المغاور، فنصبوا عليها القتال اثنين وعشرين يوماً إلى أن التمسوا الأمان وخرجوا منها هاربين، وتتبع الروم المسلمين في أعمالهم وأخذوهم واضمحلوا ودثروا. وهذه ثاني وقعة للدروز في الشام والوقعة
الأولى في وادي التيم بعد قيام دعوتهم على عهد الحاكم بأمر الله الفاطمي.
стр. 225
وكان الحاكم هذا في جملة تحكماته الباردة على سكان مملكته أن أمر بهدم الكنائس، فهدم كنيسة في دمشق وكنيسة القيامة بالقدس وغيرها من الكنائس العظمى، ونقض بعض الكنائس بيده، وأمر بأن تعمر مساجد للمسلمين، وأمر بالنداء: من أراد الإسلام فلسلم. ومن أراد الانتقال إلى الروم كان آمناً إلى أن يخرج، ومن أراد المقام على أن يلتزم ما شرط عليه فليقم. وبعد أن مضى الحاكم لسبيله اشترط ملك الروم على الظاهر ٤٢٤ في الهدنة التي عقدها معه أن يعمر الملك كنيسة القيامة ببيت المقدس ويجددها من ماله ويصير بطريركاً على بيت المقدس، وأن تعمر النصارى جميع الكنائس الخراب التي في مملكة الظاهر.
بقي شبل الدولة مالكاً لحلب إلى سنة ٤٢٩، فأرسل إليه أنوشتكين الدزبري العساكر المصرية، فلقيهم عند حماة فقتل في المعركة، وملك الدزبري حلب، وصفت له الشام بأجمعها، وأباد المفسدين ومهد الأمور، حتى أمنت السبل، وعظم أمره وكثر ماله، وأرسل يستدعي الجند الأتراك، فبلغ المصريين أنه عازم على العصيان فتقدموا إلى أهل الشام بالخروج عن طاعته ففعلوا، فقصد حماة فعصى عليه أهلها، فكاتب محمد ابن منقذ الكفرطابي فحضر إليه في نحو ألفي رجل فاحتمى به وسار إلى حلب ٤٣٣ وتوفي بعد شهر واحد. وكان أنوشتكين نائب الشام للمستنصر، شجاعاً مقداماً، عظيم الهيبة، حسن السياسة، طرد الأعراب من الشام، وأباد المفسدين ومهد أحوال القطر وفسد بموته الشام وزال النظام، وخرجت العرب في الأقاليم، فخرج أبو علوان ثمال بن صالح بن مرداس الملقب بمعز الدولة بالرحبة وجاء حلب فملكهاً تسليماً من أهلها، وسار ٤٤٠ ناصر الدولة بن حمدان أمير دمشق وشجاع الدولة جعفر بن كلشيد والي حمص بجماعة من الجند وقبائل العربان من الكلابيين وغيرهم إلى حلب، لقتال متوليها ثمال بن
صالح بن مرداس، فخرج أهل حلب فهزمهم واختنق بالنهر منهم جماعة فرجع بغير طائل، ثم قلد قطز الصقلبي دمشق وقبض على ابن حمدان وصادره واعتقله بصور ثم بالرملة، وقبض على
стр. 226
راشد بن سنان أمير بني كلاب وحمله إلى صور فاعتقله بها، وخرج أمير الأمراء رفق الخادم على عسكر تبلغ عدته نحو ثلاثين ألفاً بلغت النفقة عليه أربعمائة ألف دينار يريد الشام ومحاربة بني مرداس، فحاربه الحلبيون فانهزم المصريون وأُسر رفق ومات في حلب. قال ابن ميسر: وتقدم المستنصر إلى جميع ولاة الشام بالانقياد لرفق، فوافى بالرملة رسول ملك القسطنطينية واصلاً بالصلح بين المستنصر وبني مرداس فقتل رفق، وجرت بالرملة ودمشق أمور آلت إلى حرب بين العسكر مدة أيام بباب توماء من دمشق.
وجهز ثمال إلى معرة النعمان والياً أساء التدبير فانحرف عنه القوم وآل أمره إلى الهرب، فبادر جعفر أمير حمص وتجهز إلى المعرة بنفسه ولقيه مقلد بن كامل بن مرداس فأوقع به وقتله وشهر رأسه بحلب. وحصر ثمال امرأة الدزبري وأصحابه بالقلعة أحد عشر شهراً وملكها سنة ٤٣٤. وكان ثمال جمع للمصريين خمسة آلاف فارس وراجل فقاتلهم ثلاثة أيام، فلما رأى المصريون صبر ثمال وكانوا ظنوا أن أحداً لا يقوم بين أيديهم، رحلوا عن المدينة. والسبب في قتال ثمال أنه كان قرر على نفسه أن يحمل كل سنة عشرين ألف دينار عما في يده ويد عشيرته إلى صاحب مصر، فتأخر الحمل سنتين. ثم أرسل الهدايا إلى المصريين وأصلح أمره معهم، ونزل لهم عن حلب فانفذوا إليها الحسن بن علي ابن ملهم فتسلمها من ثمال سنة ٤٤٩ بعد حروب طويلة.
وفي سنة ٤٤٦ نقض الروم الهدنة مع الخليفة الفاطمي وكانوا تعهدوا بأن يطلقوا له أربعمائة ألف أردب من الغلال بسبب الغلاء في مصر، ولم يوفوا بالعهد، فجهز المستنصر عسكراً قدّم عليه ابن ملهم لقصد اللاذقية، فخرج في عساكر
جمة وحاصرها وأتبعهم بعسكر ثان وعسكر ثالث، ونودي في الشام بالغزو إلى الروم، وحاصر ابن ملهم قسطون بالقرب من أفامية، وضيق على أهله، وجال في أعمال إنطاكية ونهبها وسبى منها.
وفي سنة ٤٤٧ سير المستنصر فقبض على جميع ما في كنيسة القيامة بالقدس، لأن صاحب الروم أذن لرسول طغرلبك السلجوقي أن يصلي في
стр. 227
جامع القسطنطينية، فخطب للقائم العباسي، فغضب الخليفة الفاطمي. قال ابن ميسر: وكان هذا من الأسباب الموجبة لفساد ما بين المصريين والروم. وفي هذه السنة تجمع كثير من التركمان بحلب وغيرها، فأفسدوا في أعمال الشام.
حدثت فتنة بين بعض السودان وأحداث حلب، فسمع ابن ملهم أن بعض الأحداث من سكانها قد كاتب محمود بن شبل الدولة ليسلموا إليه البلد، فقبض على جماعة منهم فاجتمع أهلها، وراسلوا محموداً وهو منهم على مسيرة يوم يستدعونه، وحصروا ابن ملهم، فسيرت مصر ناصر الدولة بن حمدان أمير دمشق لقتال من بها لأجل قطع خطبة المستنصر، فلما قارب البلدة خرج محمود عن حلب إلى البرية، واختفى الأحداث جميعهم، ولم يمكن ناصر الدولة أصحابه من دخول حلب ونهبها، وسار في طلب محمود فالتقيا بالفُنَيْدق، فانهزم أصحاب ابن حمدان وثبت هو فخرج وحمل إلى محمود أسيراً، فأخذه وسار إلى حلب فملكها وملك القلعة في سنة ٤٥٢ فجهز المصريون ثمال بن صالح إلى ابن أخيه، فحصره في حلب، فاستنجد محمود خاله منيع بن شبيب النميري صاحب حران، فجاء إليه، فلما بلغ ثمالاً مجيؤه سار عن حلب إلى البرية ٤٥٣ وعاد منيع إلى حران، فعاد ثمال إلى حلب وخرج إليه محمود ابن أخيه، فاقتتلوا وقاتل محمود قتالاً شديداً، ثم انهزم محمود، فمضى إلى أخواله بني نمير بحران. وتسلم ثمال حلب وخرج إلى الروم فغزاهم. وذكر ابن ميسر: أن البازوري وزير مصر سير أموال الدولة جميعها
لفتح بغداد، وكان ذلك سبباً لخروج الغز إلى الشام وملكهم إياه. وقال في حوادث سنة ٤٥١ إن حادثة قتل البساسيري وقطع خطبة المستنصر من بغداد وإعادتها للقائم، كانت آخر سعادة الدولة المصرية، فإن الشام خرجت من أيديهم بعدها بقليل ولم يبق لهم سوى ملك مصر.
ولما توفي ثمال ٤٥٤ أوصى بحلب لابن أخيه عطية بن صالح فملكها، ونزل به قوم من التركمان فقوي بهم، فأشار أصحابه بقتلهم فأمر أهل البلد بذلك، فقتلوا منهم جماعة ونجا الباقون، فقصدوا محموداً بحَرّان،
стр. 228
واجتمعوا معه على حصار حلب فحصرها وملكها. وفي سنة ٤٥٥ نُدب بدر الجمالي لولاية دمشق على حربها وندب معه على الخراج أبو الحسين الزيدي، ولم يلبث بدر أن انصرف عن ولاية دمشق هرباً من أهلها، فولى المستنصر عليها حصن الدولة حيدرة، ثم ولاه الشام بأسره ٤٥٨.
وفي سنة ٤٥٩ بعث المستنصر إلى محمود بن الروقلية المتغلب على حلب يطالبه بحمل المال وغزو الروم وصرف ابن خاقان ومن معه من الغز فلم يجبه وقال: إنه لا مال له وأنه هادن الروم وأعطى ولده رهينة على مال اقترضه منهم فندب المستنصر بدرا الجمالي إلى محاربته فدخل ابن عمار صاحب طرابلس بينهما وأصلح الحال. وفي سنة ٤٦٠ كانت حرب دمشق بين أمير الجيوش وبين عسكريته.
وفي سنة ٤٦١ وقع الخلف بدمشق بين العسكرية وبين أهلها وطرحت النار في جانب منها فاحترقت، واتصل الحريق بالمسجد الجامع من غربيه ولم يبق منه إلا حيطانه الأربعة. واستولى في هذه السنة على دمشق معلى ابن حيدرة الكتامي من غير أن يؤمر له بذلك عند خلو دمشق من متول بعدما هرب أمير الجيوش بدر الأرمني، فأساء السيرة في أهلها وصادرهم وبسط العقوبة عليهم، إلى أن خربت
أعمال البلد وجلا كثير من أهلها، ووقعت بينه وبين حامية البلد وحشة خاف منهم على نفسه فهرب إلى بانياس فصور فطرابلس فأخذ واعتقل ومات من الضرب.
وفي سنة ٤٦٣ استولى القفي على دمشق وطرد نواب أمير الجيوش واستولى على صور ابن أبي عقيل، وعلى طرابلس قاضيها ابن عمار، وعلى الرملة والساحل ابن حمدان، ولم يبق غير عكا وصور، ونزل هذه السنة أمير الجيوش في العسكر المصري على صور محاصراً لابن أبي عقيل القاضي الغالب عليه، فاستنجد هذا الأمير ترلو مقدم الأتراك بالشام، فأنجده بستة آلاف فارس، فرحل عنها أمير الجيوش ثم عاودها وحاصرها من البر والبحر سنة بدون طائل. وفتح الروم منبج وأحرقوها وبقيت معهم سبع سنين.
стр. 229
آخرة الفاطميين:
كان على حلب عند هلاك الحاكم عزيز الدولة فاتك الوحيدي، وقد استفحل أمره وعظم شأنه وحدث نفسه بالعصيان، فلاطفته ست الملك عمة الظاهر لإعزاز دين الله وكفيلته، وهي التي قامت بتدبير مملكة الفاطميين بعد مهلك الحاكم، وساست الناس أحسن سياسة أربع سنين، أعادت الملك فيها إلى غضارته وعمرت الخزائن بالأموال واصطنعت الرجال - فلاطفته وبعثت إليه بالخلع والخيل بمراكب الذهب وغيرها، ولم تزل تعمل عليه حتى أفسدت غلاماً له يقال له بدر فقتله وحفظ الخزائن ووهبت له جميع ما خلفه وقلدته حلب. ولو لم يقبض الله لملك الفاطميين مثل هذه السيدة بعد الأحوال التي تمت على عهد الحاكم لكان الانقراض إلى دولتهم قريباً جداً. ثم جاء ابنه الظاهر لإعزاز دين الله وكان حسن السيرة فرفع أيدي المتغلبين على الملك، المتوثبين على سلطان الفواطم، واستقام له الأمر مدة. أما أيام الخليفة المستنصر بالله خامس خلفائهم الذي بقي في الخلافة ستين سنة وأربعة أشهر فقد كانت على هذا المنوال من التسرع في نصب العمال وصرفهم والشام
تشكو وتئن. والبؤس أكثر من السعادة، والمتغلبة منذ الثلث الأول من القرن الرابع كل يوم في شأن، تارة يقوم فيها مثل سيف الدولة الذي كان يُلبس على علاته، وتارة يقوم ابنه ومملوكه يستنجدان بالروم على المسلمين. ويرضيان بإعطاء الجزية لهم، ويدلانهم على عورات الجيران، بعد أن كان مؤسس دولتهم سيف الدولة يقاتلهم، ويظهر لهم من الشمم حتى يوم هزيمته ما يبيض وجه العرب والمسلمين.
كان الفاطميون زمن المعز والعزيز على جانب من القوة، فتح المعز مصر فدخلها من الغرب في مائة وقيل في مائة وأربعين ألف مقاتل، واستكثر من العساكر من كتامة وروم وصقالبة وبربر ومغاربة، حتى قيل لم يطأ الأرض بعد جيوش الإسكندر بن فيلبس الرومي الكبير أكثر من جيوش المعز الفاطمي، وربما فاقت بعددها الجيوش التي جمعها أبو الجيش
стр. 230
خمارويه بن أحمد بن طولون صاحب مصر والشام في القرن الثالث.
فبمثل هذه الجيوش استقام أمر الفاطميين لأول عهدهم في مصر والشام، فحكموا إلى الفرات ومكة والمدينة والقدس والخليل وصارت مصر والمغرب مملكة واحدة، والخلفاء من بني العباس يحكمون من الفرات إلى بغداد وأعمالها إلى سائر المشرق، ويخطب لكل خليفة منهما في الجهات التي تحت حكمه باسمه فقط، ولما ضعف أمرهم أصبح يحكم دمشق حمال التراب، ويحكم صورا الملاح، وثلاثة من البدو يتقاسمون ملك الشام، والعباسيون في الشرق والفاطميون في الجنوب لا يبدون ولا يعبدون، وعندهم القواد والأجناد، وللأحداث أي فتيان العامة في حلب ودمشق القول الفصل، يرفعون ويضعون، ويتحكمون ويعبثون بالناس وأموالهم، ويا بؤس بلاد يكون القول الفصل فيها لفوضى العامة.
كان حكام الشام يأتونها من الحجاز والعراق، فأصبحوا يكتسحونها في هذه
الأعصار من مصر والشمال، وكان العمال والقواد عربا من بني أمية وبني هاشم ومن والاهم، فصاروا مزيجا من العجم والتركمان، وكلهم سواء في ارتكاب المظالم والمغارم، متى قوي سلطان الجار يهاجم جاره، فتطل دماء الأبرياء على غير طائل. ولم تستقر المملكة على حالة معينة بضع سنين فكانت العوامل الجنسية والمذهبية تتنازعها وأهلها، وبعد أن كانت الشام في القرن الأول وثلث القرن الثاني مصدر الحياة العربية، ومنبعث القوة الحربية، أمست في القرون التالية ألعوبة أهواء الدخلاء، وطعمة الطامعين من أهل البوادي ومن جرت عليهم أحكام الرقيق من العبيد والبرابرة، وبعد أن كان للعصبيات فيها شأن في القرنين الأولين أصبحت في القرون الثلاثة التالية ضعيفة ضئيلة، لا يتعدى تأثيرها المصالح الخاصة، ولا يفكر القائمون بها في غير السلب والاعتداء.
إن تسامح العباسيين بإدخال أهل غير عصبيتهم فيهم أدى إلى انتشار كلمتهم وتمزيق جامعتهم، وما كل القواد والعمال كإبراهيم بن المهدي وجعفر بن يحيى وطاهر بن الحسين وعبد الله بن طاهر، ولا كل المتوثبين على الملك في عقلهم وسياستهم كأحمد بن طولون وسيف الدولة بن حمدان.
стр. 231
دثرت تلك الطبقة الممتازة المختارة، وخلف من بعدها خلف من القواد والرجال ليسوا في الأكثر على شيء من حسن السياسة والإدارة. إذا كان لهم جيش عظيم رهبهم الناس، وإلا فالحكم للصعاليك والسلبة، وهم أول الطامعين في السلطان، العاملين على نقض بنيان الأوطان، والناس بين مظلوم وظالم، ومتخوف ومخيف. والمنافسة بين الأمراء على أشد حالاتها، والشام مقسم الأجزاء بين كثيرين في سياسته الداخلية والخارجية، مصر من الجنوب تشده، وبغداد من الشرق تريد أن تسترده، والطامعون فيه من الترك والتركمان والروم والقرامطة والعبيد والخدم والمماليك يسطون عليه فيدمرون عمرانه، ويهلكون أهله وسكانه، والناس في الواقع لا
يعرفون لهم سيدا معينا لتفرق قلوبهم، وتباين منازعهم. وصاحب حمص غير صاحب حلب، وصاحب دمشق غير صاحب صور أو الرملة، مملكة هذا حالها تموت بحكم الطبيعة، ولا تستريح من الغوائل نحال. والجسم يعيش بروح واحد وتعدد الأرواح يستلزم تعدد الأجسام.
بعد أن قتل القرامطة الباطنية أهل مدن برمتها من هذا القطر استنجد أهل أعظم مدينة فيه بهم، فوافوا يجوسون خلال ديارهم لينقذوها من دولة الفاطميين المسلمين، وبعد أن ثبت أن الروم هم أعداء الشام بلا مراء، أصبح أمراؤه يستغيثون بهم على أبناء ملتهم ليصفو لهم ملكهم الذي يريدون أن يعيشوا فيه قيد الأسر لعدوهم الخارجي، ويستكثروا من القصور والجواري والمماليك والحاشية والغاشية ليكون كل صاحب مقاطعة في أبهته كخليفة الوقت وزيادة. يسلبون نعمة الرعية لينعموا بما سلبوا، كمن يحاول نقض أساس بيته، يجمل خارجه بإطار جميل، أو يذهب شرفته، وجدرانه. وبينما كان العزيز الفاطمي يبث دعاته لنشر التشيع في الأقطار التي انضوت إلى علمه، ويقتل هو وآله علماء المالكية لتشددهم في التسنن، كان جمهور المسلمين غاضبين في مصر والشام لأنه وسد الأمر بمصر لرجل من الأقباط اسمه نسطورس، وقلد أموال الشام لإسرائيلي اسمه منشا يجمعان الأموال، يوليان أبناء نحلتهما الأعمال، ويعدلان عن الكتاب والمتصرفين من المسلمين، فعمد بعضهم في القاهرة إلى مبخرة
стр. 232
من حديد وألبسها ثياب النساء وزينها بإزار وشعرية، وجعل في يدها قصة على جريدة، وكتب فيها رقعة ليراها العزيز عند مروره وهي: بالذي أعز جميع النصارى بنسطورس وأعز جميع اليهود بمنشا وأذل جميع المسلمين بك إلا ما رحمتهم وأزحت عنهم هذه المظالم فتوسطت ست الملك ابنة العزيز لنسطورس بالعفو. فحمل إلى الخزانة ثلاثمائة ألف دينار، وأعاده إلى ما كان ناظرا فيه وشرط عليه استخدام المسلمين في
دواوينه وأعماله. أما منشا فقتل إذ لم يستشفع فيه أحد. تناقض في التسامح غريب في بابه، وأصول في الإدارة لم يلاحظ فيها نزع العلة التي يشتكي منها، بل كان ينظر فيها لمنفعة الخزانة، أما الرعايا فأمرهم لله، وحسابهم على سواه.
ولقد جاء في الفاطميين وزراء عقلاء مثل الوزير ابن كلس المتوفى سنة ٣٨٠ الذي نصح للعزيز في مرض موته بقوله: سالم يا أمير المؤمنين الروم ما سالموك، واقنع من الحمدانية بالدعوة والسكة، ولا تبق على المفرج بن دغفل بن الجراح متى عرضت لك فيه فرصة وكان ذلك غاية الغاية في سياسة الملك لأن الروم أُمة قوية عزيزة لا تخنع لجيرانها خلفاء مصر ولا لخلفاء بغداد، وهي تراهم مختلفة كلمتهم جد الاختلاف متعبين في داخليتهم، مشتغلين بالمنتقضين على سلطانهم، فقد أجاب العزيز الروم سنة ٣٧٧ إلى الصلح واشترط شروطاً شديدة التزموا فيها كلها. منها أنهم يحلفون أنه لا يبقى في مملكتهم أسير إلا أطلقوه. وأن يخطب للعزيز في جامع قسطنطينية كل جمعة، وهادنهم سبع سنين. أما الدولة الحمدانية فإنه على ما يظهر لم يعجل انقراضها إلا اعتصامها في آخر أمرها بالروم، ونفضها يديها من طاعة العباسيين وطاعة الفاطميين معا، فاستهان بها عدوها وصديقها، ودب الفساد ودخلت الدسائس وكان في ذلك زوالها، وأما المفرج بن دغفل أمير بني طيىء وسائر العرب بأرض فلسطين، فإنه كان عدوا لدودا للفاطميين، قريبا من دار ملكهم يهددهم كل يوم، وربما استطاع أن يستنجد بملوك الشرق على نقض عرى الملك الفاطمي. فهو بدوي والأعراب أي البادية ما دخلوا بلدا إلا أسرع إليه
стр. 233
الخراب، وقيام الملك يحتاج إلى حسن تدبير وتقدير أكثر من البطش والجبرية، ولذلك لم تتم لأمراء بني طيىء في الجنوب، ولا لبني مرداس الكلابيين في الشمال دولة تعاقبت عليها بطون كثيرة في الشام وكيف في الشام وكيف كان حال هذا الدول فإن قاعدة الحكيم ابن خلدون في أن للدول
أعمارا طبيعية كالأشخاص لا تنتقض في الدول التي يحكمها الأفراد حكما استبداديا، وسعادة الدولة لا تدوم كالأفراد أكثر من أربعة بطون: الأول يفتح ويجمع، والثاني ينظم ويرتب، والثالث ينعم ويتمتع، والرابع يفرق ويخرب، تعالى الله.
стр. 234
دور السلجوقيين
من سنة ٤٦٣ - ٤٩٠
أصل السلجوقيين والتركمان والفتح السلجوقي:
كانت الشام في معظم دور الفاطميين ككرة الصوالجة تتقاذفها القوات المختلفة. وقد قام الفاطميون بعقب انقراض الدولة الإخشيدية في مصر، وورثوا تراثهم في قسم من هذه الديار، ثم انقرضت دولة الحمدانيين في الشمال، وكانت في آخر أمرها تفزع إلى دولة الروم البيزنطية لتحميها بأس خلفاء المصريين من بني عبيد. وقامت دولة بني مرداس ودولة بني الجراح ودولة بني سنان أي دول بني كلاب والطائيين وبني كلب إلى غيرهم من الدول الجديرات بأن يطلق على القائمين بها خوارج على الفاطميين، وكلهم أمراء عرب البادية أخضعوا المدن لسلطانهم مدة، وكان قيامهم دليلا على ضعف الدولة وسوء سياسة عمالها.
انقضى عهد الفاطميين أو كاد وكانت معظم أيامهم فتوحا وفتوقا، ولم يخفق علمهم على الشام كله مدة طويلة، بل كان إذا خضع الساحل خاصم الداخل، وإذا أطاع الجنوب نشز الشمال. وهكذا كان الشقاء في أيامهم أكثر من السعادة، والأهواء مشتتة، والآراء ممزقة، ولئن كان أول خافائهم ممن ملك الشام المعز ثم العزيز يحبان العدل والإنصاف، ولهما من الحزم قسط وافر، إلا أن الولاة الذين تولوا الشام على عهدهما أيضا كانوا في الأكثر ظلمة يسفكون الدماء ويستحلون أموال الرعية. فخرب القطر
стр. 235
في أيامهما وضعف أهله وغلت الأسعار ولا سيما على عهد العزيز، وكانا يبادران حالا إلى إبدال العمال مخافة أن ينزعوا إلى العصيان. أما عهد الحاكم فكان الخلل المطلق، لخلل في عقله وخرق في سياسته، وكانت الشام بعده تختلف باختلاف العامل الذي ترسله مصر.
وبينا القطر متقلقل في سياسته أقبلت من الشرق قوة عظيمة لا قبل له بدفعها. قوة
الدولة السلجوقية التركمانية الجديدة جاءت لتقضي على الدولة الفاطمية العربية التي نزل بها الهرم أو كاد. والسلجوقيون نسبة لسلجوق من صغار أمراء الترك في أرجاء بخارى، يقسمون إلى ثلاثة فروع، فرع العجم وهذا الذي استولى على العراق والجزيرة، ثم على الشام والحجاز واليمن، وفرع الروم أي آسيا الصغرى، وفرع كرمان. والتركمان قبائل كانت لأول أمرها تنزل بين بحيرة آرال وبحر الخزر، وهم من أول الأتراك الذين دانوا بالإسلام وخدموا بني العباس، هاجروا إلى فارس والعراق وآسيا الصغرى. وهم أصل الترك العثمانيين سكان الأناضول، وأعظم الشعوب التركية. والفرق طفيف بين لسانهم ولسان اويغور أي الجغتاي. وتنقسم الألسنة التركية إلى خمسة أقسام وهي الجغتاي أو اويغور والنوغاي أي التتري والقرغيز والياقوت واللسان العثماني. فإذا أطلق اسم الترك فالمقصود منه الجنس الجامع لهذه الشعوب الخمسة، وإذا قيل التركمان أريد به أعظم شعب في الترك، وكلا الإطلاقين جائز. والتركمان على جانب عظيم من الشجاعة والفروسية، أظهروا من الجلادة منذ وطئوا هذا القطر ما خلدوا به أعظم المفاخر، وأسسوا في الشام حكومات منها المحمود، ومنها دون ذلك.
لما سار السلطان آلب أرسلان ثاني ملوك السلجوقيين بجيوشه إلى الشام، كانت مملكته تمتد إلى الصين شرقاً، ومن أقصى ديار الإسلام شمالاً، إلى أقصى اليمن جنوباً، وجاء إلى حلب وأقام الحصار عليها وعظم القتال بين عساكره وحامية حلب لصاحبها محمود بن نصر بن صالح بن مرداس، ثم استسلم هذا وخلع عليه السلطان آلب أرسلان، وأعاده إلى بلده فبعث إليه مالاً جزيلاً. وفي تلك السنة ٤٦٣ قطع خطبة المستنصر العلوي
стр. 236
وخطب للقائم العباسي، وبدأ ظل الدولة الفاطمية يتقلص، وكان الحامل لآلب أرسلان على فتح الشام أن ناصر الدولة بن حمدان الحاكم المتحكم في الدولة المصرية أرسل يسأله أن يسير له عسكراً من
قبله ليقيم الدعوة العباسية وتكون مصر له، فتجهز آلب أرسلان من خراسان في عساكر جمة، وكان جيشه فيما قيل لا يقل عن أربعمائة ألف.
وخلف آلب أرسلان في الشام طائفة من عسكره فجمع أتسز بن اوق من أمراء السلجوقيين الأتراك الغز، وسار إلى فلسطين ففتح الرملة، وسار منها إلى بيت المقدس وحصره، وفيه عسكر المصريين ففتحه، وملك ما يجاوره ما عدا عسقلان، وقصد دمشق فحصرها وتابع نهب أعمالها حتى خربها وقطع الميرة عنها، فضاق الأمر بسكانها فصبروا ولم يمكنوه من ملك البلد فعاد عنه، وأدام قصد أعماله وتخريبها كل سنة حتى قلّت الأقوات عندهم، فكان يأخذ الغلات عند إدراكها فيقوى بها هو وعسكره ويضعف أهل دمشق وجندها.
ولما ملك السلطان ملكشاه بن آلب أرسلان ٤٦٥ سير أخاه تاج الدولة تتش إلى الشام، وقرر معه فتح ديار مصر والمغرب واستخلاصهما من العلويين، وأمر مملوكيه بزان صاحب الرّهما وآق سنقر صاحب حلب أن يطيعاه على هذا الغرض. وكان ملكشاه الملقب بالسلطان العادل وأبوه آلب أرسلان من قبل المثل السائر في آل سلجوق بعدلهما، ولم يكن للخليفة العباسي معهما سلطان في الحقيقة، على نحو ما كان العباسيون في الدهر السالف مع سلاطين بني بويه الأعاجم. عرفت الشام ذلك وكان مما يفتح القلوب لحكم السلجوقيين أنهم من أهل السنة يخطبون بأسم بني العباس. وجميع هذه المزايا كانت مفقودة في الدولة العلوية المصرية.
فتح دمشق:
وفي سنة ٤٦٧ حاصر السلاجقة ثغر عكا وقتلوا واليها وساروا عنها إلى طبرية، وسار أتسز إلى دمشق فحصرها وأميرها المعلى بن حيدرة من قبل الخليفة المستنصر ولم يقدر عليها فانصرف عنها، وكان المعلى أساء
стр. 237
السيرة مع الجند
والرعية وظلمهم، فكثر الدعاء عليه وثار به العسكر، وأعانهم العامة فهرب منها، فخرجت دمشق وأعمالها وجلا عنها أهلها، وهان عليهم مفارقة أملاكهم وسلوهم عن أوطانهم، بما عانوه من ظلمه، وخلت الأماكن من قاطنيها، والغوطة من فلاحيها. ولما رحل المعلى عن دمشق اجتمعت المصامدة الفاطميون وولوا عليهم انتصار بن يحيى المصمودي وغلت بها الأسعار حتى أكل الناس بعضهم بعضاً، ووقع الخلاف بين المصامدة وأحداث البلد، وعرف أتسز ذلك فعاد إلى دمشق فحصرها، فعدمت الأقوات وبيعت غرارة القمح إذا وجدت بأكثر من عشرين ديناراً، فسلموها إليه بالأمان وخطب بها للخليفة العباسي، وكان آخر ما خطب فيها للعلويين المصريين. وتغلب على أكثر الشام ومنع الأذان بحي على خير العمل، ففرح أهلها فرحاً عظيماً، وظلم أهلها وأساء السيرة فيهم.
قال ابن عساكر: إن أتسز التركماني لما دخل دمشق وكان حاصرها دفعات، أنزل جنوده دور الدمشقيين، واعتقل من وجوههم جماعة، وشمسهم بمرج راهط حتى افتدوا نفوسهم بمال أدوه له، ورحل جماعة منهم عن البلد إلى طرابلس إلى أن أريحوا منه بعد. وقال ابن الأكفاني: نزل أتسز محاصراً لدمشق ثم انصرف عنها، ثم عاد إلى منازلتها، ثم رحل عنها، ثم رجع إليها فحاصرها، ثم إنه فتح البلد صلحاً، ودخلها هو وعسكره سنة ٤٦٨ وسكن دار الإمارة وخطب بها للمقتدي العباسي، وكتب إليه يذكر له تسليمها إليه، وغلو الأسعار بها، وموت أهلها، وأن غرارة القمح بيعت بمائتي دينار مما لم يعهد مثله. وأن أتسز نظر في أمور دمشق بما يعود بصلاح أعمالها، وأطلق لفلاحي المرج والغوطة الغلات للزراعات فصلحت الأحوال ورخصت الأسعار.
ولما فتح أتسز دمشق وأقام الخطبة العباسية طمعت نفسه في ملك مصر، فسار ٤٦٩ من دمشق فيمن استطاع من الأحداث والجند ورجع خائباً بعد أن قتل من
جنده جملة كثيرة جداً، ثم أقام بدمشق وجاءه التركمان من الروم ولم يستخدم غيرهم، وعصى عليه الشام وأعيدت خطبة صاحب
стр. 238
مصر في جميع الشام، قام بذلك المصامدة والسودان. وكان أتسز وأصحابه تركوا أموالهم بالقدس، فوثب القاضي والشهود ومن بالقدس على أموالهم ونسائهم فنهبوها واستعبدوا الأحرار، فخرج من دمشق فيمن انضوى إليه، ودخل القدس فقتل ثلاثة آلاف إنسان، واحتمى قوم بالصخرة والجامع فقرر عليهم الأموال لأنه لم يقتلهم وأخذ مالا كثيرا، وسار إلى الرملة فلم ير فيها من أهلها أحدا، فجاء إلى غزة وقتل كل من فيها فلم يدع بها عينا تطرف، وجاء إلى العريش فأقام فيه وبعث سرية فنهبت الريف وعادت، ثم مضى إلى يافا فحصرها وهدم سورها، ثم عاد إلى دمشق ولم يبق من أهلها عشر العشر من الجوع والفاقة، بل لم يبق من أهلها سوى ثلاثة آلاف إنسان بعد خمسمائة ألف أفناهم الوباء والغلاء والجلاء. وكان بها مائتان وأربعون خبازا فصار بها خبازان والأسواق خالية، والدار التي كانت تساوي ثلاثة آلاف دينار ينادي عليها بعشرة دنانير فلا يشتريها أحد، والدكان الذي كان يساوي ألف دينار ما يشترى بدينار، وأكلت الكلاب والسنانير والفيران، وكان الناس يقفون في الأزقة الضيقة فيأخذون المجتازين فيذبحونهم ويشوونهم.
وعاد الفاطميون يحاولون فتح دمشق وعليهم ناصر الدولة الجيوشي فحاصروها مدة ٤٧١ وترحلوا، ثم حاصروها مرة ثانية واستولوا على أعمالها وأعمال فلسطين، فاضطر صاحبها أتسز إلى الاستنصار بتاج الدولة، فلما عرف ناصر الدولة الخبر رحل عن دمشق وقصد الساحل. وكان ثغرا صور وطرابلس في أيدي قاضييهما قد تغلبا عليهما، ولا طاعة عندهما لأمير الجيوش الفاطمي، ويصانعان الأتراك بالهدايا والألطاف. ووصل تاج الدولة إلى عذراء في عسكره لإنجاد دمشق فخرج أتسز إليه وخدمه ثم قبض عليه وقتله وملك تاج الدولة
دمشق، واستقام له الأمر وأحسن السيرة في أهلها بالضد من فعل أتسز وملك أعمال فلسطين، ثم قصد حلب وملك حصن بزاعة ٤٧٠ وقتل جميع من فيه، وملك البيرة وأحرق ربض عزاز وغيرها من الحصون مع ما غلب عليه من القلاع المجاورة.
стр. 239
أول جمهورية عربية ومقتل آخر أمير عربي:
وفي سنة ٤٧٢ انقضت دولة بني مرداس بحلب، وكان قصدها تتش ابن آلب أرسلان فحاصرها أربعة أشهر ونصفا، ثم رحل عنها فنازلها مسلم ابن قريش صاحب الموصل، وتعهد لملكشاه السلجوقي أن يحمل إليه كل سنة ثلاثمائة ألف دينار فكتب له تقليدا، وعادت رياستها شورى في مشيختها وطاعتهم لمسلم بن قريش. ومعنى أن حلب أصبحت رياستها شورى في مشيختها أن الحلبيين لما نفضوا أيديهم من حام يحمي بلدهم ألفوا جمهورية من شيوخهم أدارت شؤونهم زمنا، وجعلوا ملكهم صاحب الموصل. وذكر المؤرخون أن الحلبيين أحسنوا في هذه الحكومة ولم يختلفوا ونفذت قواعد العدل واستقر الأمر في نصابه. وسبب ميل الحلبيين إلى مسلم بن قريش أن تتش بن آلب أرسلان حصر مدينتهم المرة بعد المرة واشتد عليها الحصار، فكان ابن قريش يواصلهم بالغلات وغيرها، ولما دخلها حصر القلعة واستنزل منها سابقا ووثابا ابني محمود بن مرداس، وأنفذ إلى السلطان يخبره بملك البلد، وأنفذ مع الرسول شهادة فيها خطوط المعدلين بحلب بضمانها، وسأل أن يقرر عليه الضمان، فأجابه السلطان إلى ما طلب. وفي سنة ٤٧٣ ملك جلال الملك ابن عمار قاضي طرابلس وصاحبها حصن جبلة. وكان ابن عمار غلب على تلك الأصقاع سنين وعجز والي الفاطميين بدر الجمالي عن مقاومته.
وفي سنة ٤٧٥ جمع تاج الدولة تتش جمعا كثيرا وسار عن بغداد وقصد بلاد
الروم إنطاكية وما جاورها، فلما سمع شرف الدولة صاحب حلب الخبر خافه فجمع أيضا العرب من عقيل والأكراد وغيرهم، فاجتمع معه خلق كثير، فراسل الخليفة بمصر يطلب منه إرسال نجدة إليه ليحصر دمشق فوعده بذلك. فلما سمع تاج الدولة الخبر عاد إلى دمشق وحصرها وقاتله أهلها. وفي بعض الأيام خرج إليه عسكر دمشق وقاتلوه، وحملوا على عسكره حملة صادقة فانكشفوا وتضعضعوا، وانهزمت العرب وثبت شرف الدولة وأشرف على الأسر وتراجع إليه أصحابه. فلما رأى ذلك
стр. 240
ورأى أن مصر لم يصل إليه منها عسكر وأتاه من بلاده الخبر أن أهل حران عصوا عليه، رحل عن دمشق إلى بلاده وأظهر أنه يريد بلاد فلسطين. رحل أولا إلى مرج الصفر فارتاع أهل دمشق وتاج الدولة واضطربوا، ثم سار من مرج الصفر مشرقا في البرية، وجد في مسيره فهلك من المواشي الكثير مع عسكره وانقطع خلق.
وكان مسلم بن قريش الذي أحبه أهل حلب وأطاعوه من جملة عمال آلب أرسلان، وكان سليمان بن قتلمش السلجوقي صاحب قونية وأقصرا وملاطية ومن عمال السلجوقيين وأنسبائهم أشار إليه ملك السلجوقيين الأكبر السلطان ملكشاه أن يستولي على إنطاكية ٤٧٧ ففعل، ولما استقر فيها بعث إليه مسلم بن قريش يطلب منه المال الذي كان يحمله صاحب إنطاكية الرومي إليه فأبى وقال: أنا لا أدفع الجزية لأني مسلم، فنهب مسلم بن قريش إنطاكية، ونهب سليمان بن قتلمش حلب، ثم جمع مسلم ابن قريش الجموع من العرب والتركمان ومعه أمير التركمان جبق في أصحابه وسار إلى إنطاكية ليحصرها، فسار إليه سليمان بن قتلمش فالتقيا على نهر سبعين في موضع يقال له قُرزاحل واقتتلا، فمال تركمان جبق إلى سليمان فانهزمت العرب وتبعهم مسلم بن قريش منهزما، فقتل بعد أن صبر وقتل بين يديه أربعمائة غلام من أحداث حلب، وسار سليمان إلى حلب فحصرها ٤٧٨ ولم يبلغ
منها غرضا.
وفي هذه الوقعة التي قتل فيها سليمان بن قتلمش التركي مسلم بن قريش العربي انتقل ملك الشام من أيدي العرب إلى الترك ولم يحكم في الشام بعده إلا أمراء وملوك من التركمان والأتراك والشراكسة والأكراد. وكان الأتراك يأتون الشام منذ أوائل القرن الثالث عمالا للعباسيين، فلم تكن مقاتلهم بادية للعيان لأنهم كانوا يحكمون باسم الدولة التي يعملون لها، وكان أكثرهم على جانب من حسن الأدب والإدارة نشأوا نشأة عربية، وها قد جاء دور يعمل الأتراك فيه أحراراً لحساب أنفسهم، بعد أن ختم الحكم العربي بمقتل مسلم بن قريش العقيلي.
وعاد سليمان بن قتلمش في السنة التالية وقصد حلب فبلغه أن تاج الدولة
стр. 241
تتش قد تأهب لقصده فرحل عنها، والتقى عسكره وعسكر تاج الدولة في موضع يعرف بعين سيلم على ثلاثة أميال من حلب، فكسر جيش تاج الدولة عسكر سليمان وقتل هذا في الهزيمة وملك تاج الدولة عسكره وسواده ونزل على حلب فتسلمها. ثم وصل ملكشاه وانهزم أخوه تاج الدولة من حلب وملكها ملكشاه مع إنطاكية. أي إن سليمان بن قتلمش أحد عمال السلطان ملكشاه السلجوقي، قتل بأمر مولاه مسلم بن قريش ليأخذ بلاده، فقام تتش أخو ملكشاه فقتل سليمان، ثم قام تتش يريد الاستئثار بالملك دون أخيه، وقد فاته أن ملكشاه تهتز الدنيا من جيوشه، وأخوه في الشام لا يخرج عن كونه واليا من ولاته، والغالب أن تاج الدولة عرف هذا من نفسه فلم يسعه إلا أن يخدم أخاه.
ولما نزل ملكشاه بحلب دخل ابن منقذ صاحب شيزر في طاعته، وسلم إليه اللاذقية وكفرطاب وأفامية، فأقره السلطان على سيزر وسلم حلب إلى قسم الدولة آق سنقر جد البيت الأتابكي أصحاب الموصل والشام، ووالد عماد الدين زنكي، وجد نور الدين محمود بن زنكي. ولما استقر آق سنقر في حلب وأعمالها بسط
العدل في أهلها، وحمى السابلة وتتبع المفسدين وأبادهم. وكان ملكشاه في سنة ٤٧٩ مَلَك حران وقلعة جعبر على الفرات، ثم ملك منبج وحلب، أما دمشق فكانت بيد تاج الدولة تتش منذ سنة ٤٧١ أقطعه إياها أخوه السلطان ملكشاه مع ما يفتحه من بلاد الخليفة العلوي. وكانت جيوش الفاطميين تغزو بعض المدن الساحلية وتستردها من التركمان أحياناً، وسلطة الفاطميين تتقلص اللهم إلا من فلسطين، فإنهم بعد أتسز الخوارزمي أخذوا يستردونها وخرج ٤٧٨ أمير الجيوش بدر الجمالي بجيوش مصر فحصر دمشق وبها تاج الدولة تتش وضيق عليه فلم يظفر بشيء فارتحل عائدا إلى مصر.
-
تنازع السلجوقيين والفاطميين وانقسام السلجوقيين:
لم ينقطع أمل الفاطميين من ملك الشام بعد أن قطعت خطبتهم من أهم
стр. 242
مدنها مرات ثم عادت إليها، وبعثوا سنة ٤٨٢ جيشاً قصد الساحل وفتح ثغر صور، وكان تغلب عليها ابن أبي عقيل وامتنع عليهم ومات فوليها أولاده ودخلوا تحت راية تاج الدولة تتش، فلما حصرهم عسكر المصريين سلموها إليهم، ثم فتح الجيش الفاطمي صيدا وعكا وجبيل.
ونزل تاج الدولة ٤٨٣ على حمص ومعه آق سنقر وبزان وفيها خلف بن ملاعب الكناني، فضايقوها إلى أن ملكوها بالأمان. وخرج ابن ملاعب وسافر إلى مصر، ثم عاد وأعمل الحيلة حتى ملك حصن أفامية، واستخلصه منه قسيم الدولة آق سنقر في السنة التالية. وقيل: إن القتال كان على بعلبك وإن من حاربوا خلف ابن ملاعب قالوا له: أنت خطبت للمستنصر العلوي، فلما أخافوه طلب الأمان.
وفي سنة ٤٨٤ فتح تاج الدولة عرقة وقلعة أفامية، ثم سار إلى طرابلس فحصرها وبها صاحبها ابن عمار ابن أخي القاضي أبي طالب بن عمار قاضي طرابلس
والمتغلب عليها، وكان معه آق سنقر وبزان ونصب عليها المجانيق. فاحتج عليهم ابن عمار بأن معه منشور السلطان ملكشاه بإقراره على طرابلس فلم يقبل منه تتش ذلك وتوقف آق سنقر عن قتاله فقال له تتش: أنت تبع لي فكيف تخالفني؟ فقال: أنا تبع لك إلا في عصيان السلطان. فغضب تتش ورجع إلى دمشق. وذكر ابن الأثير: أن ابن عمار لما رأى جيشاً لا يدفع إلا بحيلة أرسل إلى الأمراء الذين مع تاج الدولة وأطمعهم ليصلحوا حاله، فلم ير فيهم مطمعاً، وكان مع آق سنقر وزير له اسمه زر بن كمر فراسله ابن عمار فرأى عنده ليناً، فأتحفه وأعطاه فسعى مع صاحبه آق سنقر في إصلاح حاله ليدفع عنه، وحمل له ثلاثين ألف دينار وتحفاً بمثلها، وعرض عليه المناشير التي بيده من السلطان.
وفي سنة ٤٨٦ خرج من مصر عسكر كثير إلى صور لما عصى واليها منير الدولة، وكان أهل صور أنكروا عصيانه فحين اشتد القتال نادوا بشعار المستنصر بالله العلوي، فهجم العسكر المصري على البلد وأخذها، وفرض على أهلها ستين ألف دينار، وفي هذه السنة تحرك تتش من دمشق لطلب السلطنة بعد موت أخيه ملكشاه الذي توفي في السنة الماضية، واتفق
стр. 243
معه آق سنقر صاحب حلب، وباغي سيان صاحب إنطاكية، وبزان صاحب الرُّها، وسار معه آق سنقر فافتتح نصيبين والموصل وديار بكر، وسار إلى أذْرَبيجان، وكان بركيارق بن ملكشاه قد استولى على جانب كثير منها، فلما رأى آق سنقر ذلك تخلف عن معاونة تتش وقال: نحن إنما أطعنا تتش لعدم قيام أحد من ألاد السلطان ملكشاه، أما إذا كان بركيارق بن السلطان قد تملك فلا نكون مع غيره. وخلى آق سنقر تتش ولحق ببركيارق فضعف تتش لذلك، وعاد من أذْرَبيجان إلى الشام وأخذ في جمع العساكر وكثرت جموعه ٤٨٧ وجمع آق سنقر العسكر بحلب، وأمده الأمير بركيارق بالأمير كربغا صاحب الموصل، فاجتمع كربغا مع آق سنقر، والتقوا مع تتش عند نهر سبعين
على ستة فراسخ من حلب واقتتلوا، فخامر بعض عسكر آق سنقر مع تتش وانهزم الباقون، وثبت آق سنقر فأخذ أسيراً وأحضر إلى تتش فقال تتش لآق سنقر: لو ظفرت بي ما كنت صنعت، قال: كنت أقتلك، قال تتش: فأنا أحكم عليك بما تحكم عليّ به. فقتل آق سنقر وسائر أصحابه صبراً، وسار تتش إلى حلب فملكها.
ورحل تاج الدولة عن حلب بعد أن ملكها وحصونها إلى الفرات، واستولى على حران وسروج والرُّها وكاتب ولده فخر الملوك رضوان بدمشق يأمره بالمسير إليه في من بقي من الأجناد في الشام، فسار إلى حلب ومنها إلى العراق فالري، واستصحب معه جماعة من أُمراء العرب وأتراك حلب القسيمية، نسبة لقسيم الدولة آق سنقر، فجرت وقعة بين السلطان بركيارق بن ملكشاه وبين عمه تاج الدولة تتش على عانة من عمل الجزيرة، فانفلَّ عسكر هذا وتفرق ونهب سواده، وأسر أكثر جنده وقتل منه خلق كثير. واغتال بعض أصحاب آق سنقر تاج الدولة تتش فقضى عليه. ولما بلغ الخبر فخر الملوك رضوان في دمشق ما تم على أبيه تاج الدولة أغذّ السير إلى حلب ففتحت له أبوابها، ووصل إليه أخوه شمس الملوك دُقاق من ديار بكر، وراسله الأمير ساوتكين الخادم المستناب في قلعة حلب والبلد، وقرر له ملك دمشق سراً، فخرج في الحال من حلب، وجلس على سرير أبيه في دمشق، واستقام له الأمر واستمرت على السداد
стр. 244
الأحوال. وفي سنة ٤٩٠ قدم على الأفضل بمصر رسل فخر الملوك رضوان بن تتش صاحب إنطاكية، يبذل له الطاعة في إقامة خطبة المستعلي بالشام، فأجيب بالشكر والثناء وخطب للمستعلي.
تطال تتش إلى ملك أخيه ملكشاه فصده عنه ابنه بركيارق وقتله. وقتل تتش آق سنقر لأنه لم يوافقه على رغائبه من نزع الملك السلجوقي من ابن ملكشاه، وحنق تتش على آق سنقر منذ قال له يوم طرابلس وهو يريده على قتال صاحبها: نحن نطيعك إلا في عصيان السلطان. فقتل آق سنقر وجوزي تتش بأن قام من صنائع
قتيله من يأخذ بثأره فقتله أيضاً واستراح آل ملكشاه من تصدي تتش للملك وهو الذي لم يقنع بملك الشام، وكان فيه الملك الأعظم بعد مقتل آق سنقر. وتصرفت الأقدار بأن تتسلم زمام الأمر في هذا القطر ذرية تاج الدولة تتش، ريثما ينتقل منها الحكم إلى مملوك آخر اسمه طغتكين، وهو يسلمه إلى حفيد آق سنقر نور الدين محمود بن زنكي.
-
الدولة الأتابكية وطغتكين وبنو أرتق:
كان آق سنقر زبُزان صاحبا حلب وإنطاكية من مماليك السلطان ملكشاه، وكان من أمرهما في الغناء والوفاء ما كان في الشام حتى مضيا لسبيلهما. ثم قام مملوك آخر طالت مدته أكثر منهما وكان له في الدولة بالشام اليد الطولي والكعب المعلى، ونعني به أبا منصور ظهير الدين أتابك طغتكين، من مماليك تاج الدولة تتش بن آلب أرسلان ملك الشام، ومعنى أتابك مربي أولاد الملك أو قائد الجيوش. قال ابن القلانسي: حظي هذا الأمير وهو في حداثة سنه عند السلطان تاج الدولة فقدمه على أبناء جنسه من خواصه وبطانته، وسكن إلى شهامته وصرامته، وسداد طريقته، فجعله مقدم عسكره، واستنابه في تدبير أمر دمشق، وحفظها أيام غيبته، فأحسن السير فيها، وأنصف الرعية من أهلها، وبسط المعدلة في كافة من بها، فكثر الدعاء له والثناء عليه، فعلت منزلته وامتثلت أوامره، ولم يلبث أن شاع ذكره بنجابته، وأشفقت
стр. 245
النفوس من هيبته، فولاه ميافارقين وديار بكر وهي أول ولايته؛ وسلم إليه ولده شمس الملوك دقاق واعتمد عليه في تربيته وكفالته، فساس أمرها بالهيبة والتدبير، وأصلح فاسدها وقوّم منآدها.
قال: وتنقلت به الأحوال إلى أن توجه مع تاج الدولة إلى الري وشهد الوقعة التي استشهد فيها تاج الدولة، وحصل في قبضة الاعتقال مع من أُسر من المقدمين،
وأقام مدة إلى أن أفرج عنه ٤٨٨ فتلقاه شمس الدولة دُقاق بدمشق وعسكره وأرباب دولته، وبولغ في إكرامه واحترامه، ورد إليه النظر في قيادة الجند، واعتمد عليه في تدبير المملكة، وسياسة البيضة، واقتضت الحال فيما بينه وبين الملك وأمراء الدولة العمل على الأمير ساوتكين والإيقاع به، وتمم عليه الأمر وقتل، وعقدت الوصلة بينه وبين ظهير الدين أتابك وبين الخاتون صفوة الملك والدة شمس الملوك دقاق ودخل بها، واستقامت له الحال بدمشق وأحسن السيرة فيها، وأجمل في تدبير أهليها، وسكنت نفس شمس الملوك إليه اه.
فانظر إلى غرائب التوفيق في الأرض كيف ينشأ مملوك، ربما كانت يد النخاس مرت على رأسه، يكفل ابن السلطان ويربيه ويتزوج بأمه ويتصرف في ملكه ويدبر أمره، ثم يصبح بتجاربه وعقله ملكاً ترغب الملوك في التقرب منه، ويخاف العدى بأسه وسطوته، ويظهر في مظهر من طيب الأخلاق لا يضاهيه من تسلسل فيهم الحكم والملك، وتنقلوا في السلطان كابراً عن كابر، لكن هي التربية إذا حسنت أتى صاحبها بالعجائب، والنفوس إذا صفت جبل الخلق على حبها، والإرادات متى سلمت استمات الناس دونها، وبهذا كان الناس ولا يزالون يحكم كبارهم صغارهم، ويصبح المملوك ملكاً مطاعاً والمسود الخامل سيداً نابهاً، وكم من عصامي أفلح، ومن عظامي أخفق.
قد يدرك الشرف الفتى ورداؤه خَلَق وجيب قميصه مرقوع
ومن المماليك حكموا في الشام فأصبحوا ملوكاً في هذا الدور أيضاً بنو أُرْتُق، نسبةً لجدهم أُرتق بن أكسك وقيل أكسب التركماني ومن مماليك ملكشاه بن آلب أرسلان. تغلب أُرتق على حلوان والجبل
стр. 246
وكان منصوراً لم يشهد حرباً إلا وكان الظفر له، ثم أمره مولاه ملكشاه سنة ٤٧٧ أن يذهب مع فخر الدولة بن جهير لضبط الموصل، وبينما كان مسلم بن قريش محصوراً في آمد، راسله أُرُتق وأخذ
منه مالاً وافراً وفتح له طريقاً سار منه، فأنهى ابن جهير ذلك إلى ملكشاه فخاف أُرُتق وذهب إلى دمشق والتحق بصاحبها تاج الدولة تتش، وعاونه على الاستيلاء على حلب، وساعده في كثير من المواقف، فأقطعه فلسطين، أخذها من أصحاب أتسز أرتق الخوارزمي ٥٨٤. فلما توفي صارت القدس وعملها لولديه ايلغازي وسقمان ابني أُرتق، حتى خرج عسكر خليفة مصر فاستولوا على القدس بالأمان في سنة ٤٨٩ بعد أن بقيت في حكم الأرتقية ثلاث عشرة سنة وأياماُ. وسار سقمان وأخوه إيلغازي من القدس فاجتاز سقمان بدمشق وكان صاحبها متغيباً عنها فقاتله أهلها ومن فيها من الأجناد.
وفي سنة ٤٩٠ برز الملك رضوان صاحب حلب وياغي سيان صاحب إنطاكية إلى ناحية شيزر وعزما على معاودة دمشق لفتحها، فوقع الخلف بين مقدمي العسكر فرجع ملك حلب، وورد عليه كتاب المستعلي بالله الفاطمي يريده على الدخول في طاعته، وإقامة الدعوة لدولته، وكذلك كتاب الأفضل يتضمن مثل ذلك، فأجابهما إلى ما التمساه وأمر أن يدعى للمستعلي على المنبر وللأفضل بعده، ثم يدعى له بعدهما، ودامت الخطبة على ذلك أربع جمع. وكان الملك رضوان قد بنى الأمر في ذلك على الاجتماع مع العسكر المصري والنزول على دمشق لأخذها من أخيه الملك دقاق. فأنكر سقمان بن أرتق وياغي سيان على الملك الدخول في الأمر، واستبدعاه من فعله، وأشارا عليه بإبطاله واطراح العمل به، فقبل ما أشير عليه وأعاد الخطب إلى ما كانت عليه أي للعباسيين. وجرى الاتفاق على أن يخطب في دمشق لرضوان قبل أخيه دقاق، وذلك بعد أن يخطب للخليفة ثم للسلطان، وفي هذه السنة خرج العسكر من مصر ونزل على صور بعصيان واليه المعروف بالكتيلة، ولم يزل منازلها إلى أن فتحها بالسيف قهراً وقتل فيها خلق كثير، ونهب منها المال الجزيل، وأخذ الوالي فقتل.
стр. 247
-
الحروب الصليبية
من سنة ٤٩٠ - ٥٠٠
الحملة الصليبية الأولى:
لم يخل الجو لملوك التركمان السلاجقة وأتباعهم في الشام زمناً طويلاً بعد مقتل مسلم بن قريش العربي، فكانت المدة بين مقتله وورود الأخبار بخروج عسكر الصليبيين إلى الأرض المقدسة ثلاث عشرة سنة كما مضى مثل هذا العدد من السنين بين استيلاء أول تركي واستيلاء أول إفرنجي. وكان القطر خلال ذلك في هرج ومرج، يتطاحن أمراؤه يمزق بعضهم بعضاً. تتعاوره أيدي ملكشاه وأخيه تتش بن آلب أرسلان ثم أولاده رضوان ودقاق والمماليك آق سنقر وبزان وطغتكين وأولاد أرتق ايلغازي وسقمان، والسلاجقة هنا يميلون إلى الخلافة العباسية، وإذا رأى بعضهم القوة لأصحاب الخلافة المصرية يغمضون الطرف عنهم، والفاطميون لا يملكون غير بعض الساحل، وأصبح القطر للتركمان، ويصعب على عرب الجزيرة إنجاده لبعد المسافات، وبغداد مهد العرب مشتغلة بنفسها.
ربما كان في استيلاء التركمان على الشام خير لم تعرف حكمته إلا بعد حين، وهو قيام دولة فتية لها جيش جرار اشتهر بالشجاعة حتى قيل: إن آلب أرسلان لما جاء المرة الأولى إلى شمالي الشام كان في أربعمائة ألف مقاتل، ومثل هذا الجيش لا تستطيع العراق والشام والجزيرة أن تجنده لدفع جيوش الفرنج الجرارة، هذا على فرض أن قواها موحدة، وروحها
стр. 248
في الدفاع واحد، فالشام إذاً اعتز بالتركمان. ثم إن السلجوقيين كانت بأيديهم الدروب أو المنافذ إلى آسيا الصغرى أو طريق الإفرنج من أوروبا إلى الشام على طريق البر، فتولي دولة التركمان القيادة العامة جمع بالطبيعة حولهم العرب من سكان هذه الديار وما إليها. إن حكم
التركمان الشديد عجل على ما يظهر في خروج الصليبيين إلى الشام. وإليك البيان:
أثخن بنو سلجوق أصحاب آسيا الصغرى في جيش صاحب قسطنطينية بإيعاز السلطان ملكشاه، وضايق الأمير برسق الروم، حتى قرر على القسطنطينية في كل سنة حمل ثلاثمائة ألف دينار للسلطان، وثلاثين ألف دينار له، جزية يؤديها، فخاف ملك القسطنطينية كثيراً على مملكته من هجوم المسلمين، فكتب يستنهض ملوك أوروبا أن يأتوا لمساعدته، ورضي بطريرك القسطنطينية بأن يقدم خضوعه لبابا رومية، إذا كانت ممالك أوروبا تجهز جيشاً لتخليص المملكة اليونانية مما يتهددها من هجوم التركمان والمسلمين، فكاتب ملوك أوروبا بذلك.
قال صالح بن يحيى في سبب استيلاء الصليبيين على ديار المسلمين: إنه لما قويت دولة بني سلجوق ضعفت حال الخلافة ببغداد، فلما مات ملكشاه السلجوقي سنة خمس وثمانين وأربعمائة وقع الخلف بين ولديه محمد وبركيارق، ودام الحرب بينهما نحو اثنتي عشرة سنة فاضطربت ممالك الشرق لذلك، ووافق هذا خلافة الآمر بأحكام الله بمصر وكان صغيراً، ولما كبر كان مستهتراً بالمملكة فخلا للصليبيين الجو.
وفي التاريخ العام أن حجاج النصارى كانوا يرمون إلى أخذ القبر المقدس من أيدي المسلمين، وإن كان هؤلاء يتركونهم وشأنهم يقومون بعبادتهم بسلام، ولكن كان يتراءى للنصارى أن سيدهم المسيح يرضى عن عملهم إذا أنقذوا قبره من غير المؤمنين بدينه. وروى بعض المؤرخين أن الفاطميين هم الذين فاوضوا الصليبيين وأرادوهم على غزو الشام لينجوا من السلجوقيين الذين كانت قويت دولتهم. وهذا مما يستبعد، وإن كان العقل لا يستبعد شيئاً في السياسة، ولكن ظهر أن الفاطميين حاولوا غير مرة رد الصليبيين عن السواحل وعن فلسطين.
стр. 249
واتفق أن بعض زوار الأوروبيين في الأرض المقدسة شاهدوا شيئاً من العنف في
بيت المقدس لم يكن لهم عهد به في أدوار الحكومات العربية القوية، وانقلبت سماحة العرب بجفاء من خلفوهم من التركمان، فعاد الزوار إلى ممالكهم يقصون ما لقوا من الشدة في الشام ويعظمون الأمر، وكان التعصب الديني يومئذ على أشد حالاته في الغرب، ومعظم حكوماته تدين بدين البابا وتخضع لسلطانه القاهر، ولم يكن ظهر إذ ذاك المذهب الإنجيلي، وكان مذهب الروم الأرثوذكس آخذاً بالضعف ليس له روابط الكنيسة البابوية ولا سلطتها على الأرواح والأشباح، فأوعز البابا إلى أمم النصرانية في الغرب ليهبوا كلهم إلى إنقاذ القبر المقدس من أيدي المسلمين. وقد ذكر أهل الأخبار من الأوروبيين في تعليل الحروب الصليبية، أن المسيحيين والمسلمين كانوا حتى القرن الحادي عشر للميلاد على صلات سلمية إلا قليلاً، يحمل العرب إلى مصر والقسطنطينية حاصلات مختلفة من بلاد الهند والشرق الأقصى، فتستبضعها من المدن الإيطالية باري وبيزة وجنوة وأمالفي والبندقية فيبيعونها في أوروبا. وكان العرب يسمحون للزوار أن يأتوا زرافات إلى فلسطين، فيشخص إليها جماهير عظيمة من عامة نصارى الغرب يسجدون أمام القبر المقدس. وتضاعفت الحماسة الدينية في ذاك الزمن وتداعى الحكم العربي القائم على التسامح في قارة آسيا، وقام مقامه المحاربون من الترك المعروفين بتعصبهم وبسالتهم. فاستولى السلجوقيون على أرمينية والشام ونيقية ودانت لهم في سنة ٤٦٩هـ - ١٠٧٦م القدس فاختلت العلائق الاقتصادية بين آسيا وأوروبا، وخافت المدن التجارية في البحر المتوسط أن يغلق الأتراك أمامها أسواق الشرق.
نعم نشأت الحملة الصليبية الأولى من الحماسة الدينية بصنع البابوية التي كانت إذ ذاك الحاكمة المتحكمة في كل شيء. ولقد تأثر البابا أوربانوس الثاني بشكاوي الزوار القادمين من فلسطين. وقلق للارتقاء المخوف الذي بلغه المسلمون في الأندلس، ولا سيما عقبى وقعة الزلاقة سنة ٤٨٠هـ - ١٠٨٧م وقد أثبت العرب
فيها كفاءتهم الحربية، كما أثبتوا من قبل ومن بعد كفاءتهم المدنية، واغتنم فرصة اجتماع المجمع الديني العظيم الذي التأم في مدينة
стр. 250
كلرمون وحضره ألوف من الفرسان، ليحرض المؤمنين من النصارى على حمل الصليب لفتح القبر المقدس. فوعد جمهور كبير من جميع طبقات الشعوب أن يرحلوا إلى فلسطين. واتخذوا شعار الحملة الصليبية صليباً من القماش الأحمر يجعل على الكتف الأيمن. وكثر المشتركون بهذه الحملة في إيطاليا وإنكلترا ولا سيما في فرنسا. ومنحهم البابا غفراناً عن جميع خطاياهم، وشجب كل من يمس أموالهم مدة سفرهم. ولم ينتظر العامة ريثما تجمع الجيوش المتحدة التي أبطأ تنظيمها، بل سافروا بدون سلاح، غير آخذين بالحزم في التأهب للرحلة. وكان هذا شأن عصابات البائسين الذين جمعهم بطرس الراهب وغوتيه المعدم سانزافور ومن لم يهلك من هذه العصابات في الطريق أهلكه الترك.
وفي أواخر سنة ٤٩٠هـ - ١٠٩٦م اجتمع في القسطنطينية أربعة جيوش متحالفة من اللورين والألمان بقيادة بودوين دي هينو، وفرنسيين من الشمال بقيادة القومس فرماندوا ودوق نورمنديا، وبرفنسيون بقيادة قومس طولوز، ونورميون من إيطاليا بزعامة بوهيموند دي ترانت وتنكري ولم يكن مع هذه الأمم ملك من ملوكهم، ولم يتفق رأي الغزاة على نصب ملك يرتضونه ويرجعون إليه. وكان الأمير الكسيس كومنين ملك الروم يرجو استخدام الجيوش الصليبية لفتح آسيا الصغرى، واسترجاعها من أيدي المسلمين، فصانعوه ولكن ما لبث البيزنطيون واللاتين أن تباغضوا واحتقر بعضهم بعضاً. وبعد سنتين ونصف مضت في المصائب الهائلة والجدال العنيف، استولى الصليبيون في طريقهم على نيقية لحساب الإمبراطور، وكسروا جيش سليمان في دوريليوم أسكيشهر واستولوا على الرُّها ١٠٩٧ وعلى إنطاكية ١٠٩٨ وبلغوا القدس واستولوا عليها ٤٩٢هـ ١٠٩٩م. وربما هلك في هذه
الحملة نصف مليون من
следующие страницы →