← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 37063

خطط الشام

محمد كرد علي

Полный текст (1 453 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

ولو تمكنوا من دمشق لمحو آثارها وأنسوا أخبارها، وأن ملكها يومئذ صاهر صاحب قبرس ليتقوى به. ولم يتعرض عسكر هولاكو إلى قتل ولا نهب وعصت قلعة دمشق عليه فحاصرها التتر، وجرى على أهل دمشق بسبب عصيان القلعة شدة عظيمة، ثم تسلموا القلعة بالأمان ونهبوا جميع ما فيها، وجدوا في خراب أسوار القلعة وإعدام ما بها من الزردخانات والآلات، ثم توجهوا إلى بعلبك ونازلوا قلعتها وأخذوا نابلس بالسيف وتسلموا قلعة عجلون واستولوا على قلاع الصلت وعجلون وصرخد وبصرى والصبيبة وهدموها ووقعوا على العرب عند زيزاء وحسبان فهزموهم، وغنموا أولادهم ونساءهم وأنعامهم واستاقوا الجميع، وهرب سلطان تلك الأرجاء الناصر يوسف بن محمد إلى البراري فساقوا خلفه وأخذوه ثم قتلوه. واستولى التتر من أرض الفرنج على صيدا ونهبوها وأسروا منها ثلاثمائة أسير. وعاثوا في حوران ونابلس وبلغت غاراتهم غزوة وبيت جبريل والخليل والصلت وما إليها وجاءوا بالأسرى إلى دمشق فمنهم من افتدى نفسه ومنهم من هرب. وظل التتر يتنقلون في الشام حتى فتحوه إلى غزة واستقرت شحائنهم فيه لأن الناصر صاحب دمشق لما بلغه أخذ حلب رحل من دمشق في عسكره إلى الديار المصرية وفي صحبته المنصور صاحب حماة، فلما رأى كبراء حماة تخلي ملكهم عنهم توجهوا إلى حلب ومعهم مفاتيح بلدهم وحملوها إلى هولاكو وطلبوا منه الأمان لأهل حماة وشحنة تكون عندهم فأمنهم هولاكو وأرسل إلى حماة شحنة رجلاً أعجمياً اسمه خسروشاه فقدم حماة وأمن الرعية. واستولى التتر ٦٥٨ على ميافارقين بعد أن حاصروها سنتين حتى فنيت أزوادهم وفني أهلها بالوباء والقتل فقتلوا صاحبها الكامل محمد بن المظفر ابن العادل أبي بكر بن أيوب وحملوا رأسه على رمح وطافوا به في الأرجاء فمروا بحلب وحماة ودمشق بالمغاني والطبول وعلقوه في شبكة بسور باب الفراديس إلى أن عادت دمشق إلى المسلمين. قال الذهبي: إن نصارى دمشق شمخت أثناء مجيء هولاكو إلى البلاد ورفعوا الصليب في البلد وألزموا الناس بالقيام له من الحوانيت، ونقضوا العهد

стр. 387

وصاحوا: ظهر الدين الصحيح دين المسيح. فلما انتصر المسلمون على هولاكو على عين جالوت بين بيسان ونابلس وقتل مقدمهم كتبغا جاء الخبر إلى دمشق في الليل فوقع النهب والقتل في النصارى وأُحرقت كنيستهم العظمى. وقال أبو الفداء: إن النصارى استطالوا بدمشق على المسلمين بدق النواقيس وإدخال الخمر إلى الجامع. قال في المذيل: إن النصارى بدمشق قد شمخوا بسبب دولة التتر وتردد ايل شبان وغيره من كبارهم إلى كنائسهم، وذهب بعضهم إلى هولاكو وجاء من عنده بفرمان لهم اعتناء منهم وتوجه في حقهم، ودخلوا به البلد من باب توما وصلبانهم مرتفعة وهم ينادون حولها بارتقاء دينهم دون دين الإسلام، ويرشون الخمر على الناس بأبواب المساجد، فركب المسلمين من ذلك همٌّ عظيم، فلما هرب التتر من دمشق أصبح الناس إلى دور النصارى ينهبونها ويخربون ما استطاعوا فيها وخربوا كنيسة اليعاقبة وأخربوا كنيسة مريم حتى بقيت كوماً والحيطان حولها تعمل النار في أخشابها، وقتل منهم جماعة واختفى الباقون وجرى عليهم أمر عظيم اشتفى به بعض الاشتفاء صدور المسلمين، ثم هموا بنهب اليهود فنهب قليل منهم ثم كفوا عنهم لأنهم لم يصدر منهم ما صدر من النصارى اه. اجتمعت العساكر الإسلامية بمصر هرباً من التتر، فلما انتظمت أحوالهم واستجمعوا قواهم عزم المظفر قطز مملوك المعز أيبك على الخروج إلى الشام لقتال التتر، وسار معه صاحب حماة المنصور وأخوه الأفضل علي حتى التقى مع التتر في الغور، وكان كتبغا نائب هولاكو على الشام ومعه صاحب الصبيبة الملك السعيد فانهزم التتر هزيمة قبيحة على عين الجالوت وقتل مقدمهم كتبغا واستؤسر ابنه وتفرقوا في الأرجاء ومنهم من قصد الشرق فأفناهم المسلمون، وجرد قطز ركن الدين بيبرس في أثرهم فتبعهم إلى أطراف الأصقاع الشرقية، وكان في صحبة التتر الملك الأشرف موسى صاحب حمص ففارقهم وطلب الأمان من المظفر قطز فأمنه، وأقره على ما بيده وهو حمص ومضافاتها، وأسرا صاحب الصبيبة وضربت عنقه، وأقر المنصور على حماة وبارين والمعرة وأخذ منه سلمية وأعطاها أمير العرب، ودخل دمشق فتضاعف شكر المسلمين على هذا النصر العظيم، فإن القلوب كانت قد يئست من النصرة على التتر

стр. 388

لاستيلائهم على معظم ديار الإسلام، ولأنهم ما قصدوا إقليماً إلا فتحوه، وما تواقعوا مع عسكر إلا هزموه. قال ابن أبي شامة: ومن العجائب أن التتر كسروا وأهلكوا بأبناء جنسهم من الترك وقيل في ذلك: غلب التتار على البلاد فجاءهم ... من مصر تركي يجود بنفسه بالشام أهلكهم وبدد شملهم ... ولكل شيء آفة من جنسه وقد رتب المظفر قطز شمس الدين أقوش البرلي أميراً بالسواحل وغزة وجهز عسكراً إلى حلب لحفظها، وفوض نيابة السلطنة بدمشق إلى الأمير علم الدين سنجر الحلبي ونيابة السلطنة بحلب إلى الملك السعيد بن بدر الدين لولو صاحب الموصل ولما استقر هذا في نيابة حلب سار سيرة رديئة وكان دأبه التحيل على أخذ مال الرعية. مقتل المظفر قطز وسلطنة الظاهر بيبرس وأحداث: سار الملك المظفر قطز إلى مصر بعد أن ظفر بالتتر ورد فلّهم إلى الشرق وكان اتفق بيبرس البندقداري وبعض أعيان الدولة على قتله، فساروا معه وقتلوه في القصير وتسلطن بيبرس البندقداري وتلقب بالملك الظاهر، ودخل مصر ففتحت له واستقرت قدمه في المملكة. ولما بلغ نائب السلطنة بدمشق علم الدين سنجر قتل قطز وسلطنة الظاهر جمع الناس وحلفهم لنفسه بالسلطنة، فأجابوه إلى ما أرادهم عليه، ولم يتأخر عنه أحد ولقب نفسه الملك المجاهد وخطب له بالسلطنة وضربت السكة باسمه وكاتب المنصور صاحب حماة في ذلك فلم يجبه وقال صاحب حماة: أنا مع من يملك الديار المصرية كائناً من كان. أما السعيد نائب السلطنة بحلب فحمله أمراؤها إلى الشغر وبكاس معتقلاً لما اندفع العسكر الحلبي من بين أيدي التتر على البيرة، وقدموا عليهم حسام الدين الجوكندار العزيزي. ثم سار التتر إلى حلب وملكوها وأخرجوا أهلها إلى قرنبيا شرقي حلب، فأفنوا غالبهم بالسيف، واستولوا على اعزاز وخربوا قلعتها، واستولوا على حارم وقتلوا أهلها عن آخرهم وسبوا النساء، وملكوا حلب وأعمالها نحو أربعة أشهر. وقارب التتر حماة فخرج منها صاحبها وباقي العسكر واجتمعوا بحمص مع سائر الأجناد فوقع بين التتر

стр. 389

وعساكر المسلمين مصاف في حمص، وكان التتر أكثر من المسلمين فانهزم التتر وهاموا على وجوههم إلى أفامية ومنها إلى الشرق، ومنهم من دخل في خدمة المسلمين. وجهز الملك الظاهر ٦٥٩ صاحب مصر عسكراً إلى الشام لقتال علم الدين سنجر المستولي على دمشق، فخرج هذا لقتالهم فانهزم إلى جهة بعلبك فتبعه العسكر وقبضوا عليه وحمل إلى الديار المصرية فاعتقل ثم أطلق واستقرت دمشق في ملك الظاهر بيبرس، وأقيمت له الخطبة بها وبحلب وحمص وغيرها، ثم استقر أيدكين البندقداري الصالحي في دمشق لتدبير أمورها. وفي سنة ٦٦٠ وصل من مصر إلى دمشق عسكر مقدمه الأمير عز الدين الدمياطي وقبض على علاء الدين طيبرس الوزيري نائب السلطنة بدمشق وقبض حواصله، وكان طيبرس قد أهلك أهل دمشق بإخراجهم من بلدهم والترسيم عليهم وإخراج عيالهم وإهانتهم، وضيق على الناس وخوفهم من التتر. ولما بلغ هولاكو وهو في بلاد العجم كسرة عسكره بعين جالوت وقتل نائبه كتبغا ثم كسرة عسكره على حمص ثانياً غضب من ذلك وأحضر الناصر ابن أيوب وأخاه الظاهر غازي وكانا في أسره وقال للناصر: أنت قلت إن عسكر الشام في طاعتك فغدرت بي وقتلت المغول فقال الناصر: لو كنت في الشام ما ضرب أحد في وجه عسكرك بالسيف ومن يكون ببلاد توريز كيف يحكم على بلاد الشام؟ فضربه هولاكو. فقال الناصر: يا خَوَند الصنيعة، فنهاه أخوه الظاهر وقال: قد حضرت ثم رماه فقتله. ثم أمر بضرب رقاب الباقين فقتلوا الظاهر أخا الناصر والصالح ابن صاحب حمص والجماعة الذين كانوا معهم واستبقوا العزيز بن الناصر لأنه كان صغيراً. وكان الملك الناصر يوسف هو آخر من ملك دمشق من بني أيوب. قبض عليه لما دخل دمشق جيش هولاكو فجهز وولده وأخوه ومعهم جماعة من أعيان أهل دمشق إلى مخيم هولاكو فأمر بقتلهم. والملك الناصر هو صاحب حلب تملك حران والرها والرقة ورأس عين

стр. 390

وحمص ودمشق وبعلبك والأغوار والسواحل إلى غزة، وعظم شأنه وكسر عساكر مصر وخطب له بمصر وكان قد غلب على الديار المصرية لولا هزيمته وقتل مدبره شمس الدين لولو الأرمني ومخامرة مماليك أبيه العزيزية. وكان الناصر حليماً وتجاوز به الحلم إلى حد أضر بالمملكة فكان إذا حضر إليه القاتل عفا عنه وقال: الحي أفضل من الميت. فانتشرت اللصوصية وأصبح المسافر في أيامه من دمشق إلى حماة وغيرها لا يقدر على السفر إلا برفقة من العسكر، وكثر طمع العرب والتركمان في أيامه. وبقتل الناصر والظاهر قل الرجال الذين يصلحون للملك من آل أيوب وضعفت عصبيتهم وأنصارهم من الأكراد وغيرهم، وكان انقراضهم بيد المماليك البحرية الذين غذوا بنعمتهم فلم يعرفوا لهم بيض أياديهم وبيد السفاك هولاكو وجماعة من التتر. وكان شأن بني أيوب في هذا المعنى شأن بني عباس مع الأتراك أدخلوهم في خدمتهم وأحسنوا إليهم ورفعوا منزلتهم وولوهم الأعمال، فما كان منهم إلا أن نقضوا بنيان تلك الدولة وفتحوا السبيل لعدوها يستبيح حماها ويستصفي أرضها. ولم يشبع المغول بما سفكوا من الدماء، وعادوا سنة ٦٥٩ إلى حلب فانهزم جميع أهل القرى والمدن فتقدم قائدهم أن يخرج أهل القرى والمدن إلى ظاهر البلد ويبقى أهل كل مدينة وقرية بمعزل بحيث يعدّونهم ويسيّرون كل قوم إلى مكانهم وموطنهم، ويسلمهم المغول كأنهم يسيرون إلى ضياعهم وعندما يبعدون يقولون لهم: أنتم لو كانت قلوبكم معنا صافية لما انهزمتم من قدامنا فقتلوهم عن آخرهم ولم يفلت منهم غير أهل حلب لأنهم لم ينتقلوا عنها. حروب الظاهر وفتوحه: وكان الملك الظاهر صاحب مصر والشام بين عاملين في خلال هذه المدة. عامل دفع المغول وعامل دفع الصليبيين، والغالب أنه ترجح عنده معاناة الثاني فأفلح فيه. وقد جهز سنة ٦٥٩ من مصر بدر الدين الأيدمري فتسلم الشوبك من المغيث صاحب الكرك ثم سير حملة إلى حلب ٦٦٠ وكان مقدمهم

стр. 391

شمس الدين سنقر الرومي فأمنت بلاد حلب وعادت إلى الصلاح بعد إفساد المغول فيها، ثم أوعز إلى صاحب حماة وصاحب حمص وسنقر الرومي أن يسيروا إلى إنطاكية للإغارة عليها، فساروا إليها ونهبوها ولم يتيسر لهم فتحها. وقبض الظاهر على نائبه بدمشق علاء الدين طيبرس الوزيري وكان رديء السيرة في أهل دمشق حتى نزح عنها جماعة كثيرة من ظلمه، وقتل الظاهر صاحب الكرك المغيث بتهمة أنه كتب إلى التتر يطمعهم في ملك مصر والشام وقيل: لأنه أكره امرأة الملك الظاهر لما قبض المغيث على البحرية وأرسلهم إلى الناصر يوسف صاحب دمشق، وهرب الظاهر وبقيت امرأته في الكرك، فانتقم الظاهر منه بأن أسلمه إلى زوجته في قلعة الجبل بمصر وأمرت جواريها فقتلنه بالقباقيب. وفي سنة ٦٦١ أرسل الظاهر وهو نازل على الطور عسكراً هدموا كنيسة الناصرة وأغاروا على عكا فغنموا وعادوا، ثم ركب الظاهر بنفسه وأغار ثانية على عكا وهدم برجاً كان خارج البلد. وأغار صاحب سيس على العمق والمعرة وسرمين والفوعة. ومات هذه السنة الملك الأشرف صاحب حمص وكان آخر من ملكها من بيت شيركوه فانقرض بموته ملكهم، وأولهم شيركوه بن شاذي. وكانت بقيت في أيدي الإسماعيلية إلى آخر سنة ٦٦٢ ثمان قلاع بالشام وهي الكهف والعليقة والقدموس والخوابي والمينقة ومصياف والرصافة والقليعة. وروى ابن ميسر أن التتر لما ملكوا الشام سلموا إليهم أربع قلاع، فلما كسرهم قطز عادت الأربع قلاع إليهم فتسلمها رئيسهم وقتل أصحابه الذين سلموها للتتر قال: وكان الضرر على المسلمين وملوكهم منذ خرج ابن صباح وإلى سنة بضع وعشرين وستمائة عظيماً. وقد استخدمهم الظاهر في قتل صاحب مرقبة والأمير ادوارد من أمراء إنكلترا. وفي سنة ٦٦٣ سار الملك الظاهر من مصر ونازل قيسارية وضايقها وفتحها من الفرنج وأمر بها فهدمت، ثم سار إلى أرسوف ونازلها وفتحها وفتح القليعات ٦٦٤ وحلبا وعرقة ونزل على صفد وضايقها وفتحها ثم قتل أهلها عن آخرهم. وجهز عسكراً ضخماً من دمشق وقدم عليهم المنصور صاحب حماة وأمرهم بالمسير إلى عمالة الأرمن فانهزموا وأسر ابنان لصاحبهم وامتلأت

стр. 392

أيدي العسكر الإسلامي من الغنائم. وعندما توجه الملك الظاهر من دمشق لملتقى عساكره العائدة من غزوة سيس أصدر أمره لما نزل على قارا بين دمشق وحمص بنهب أهلها وقتل كبارهم فنهبوا وقتل منهم جماعة، وكانوا نصارى يسرقون المسلمين ويبيعونهم خفية من الفرنج. وأخذت صبيانهم مماليك فتربوا بين الترك في الديار المصرية فصار منهم أجناد وأمراء. وشن الظاهر الغارة على الفرنج ٦٦٥ من أطرافهم واستدعى بالمجانيق من دمشق. وفي سنة ٦٦٦ توجه الملك الظاهر بعساكره المتوافرة من مصر إلى الشام ففتح يافا من الفرنج وهدمها وقلعتها وملك الباشورة بالسيف وعوض أهل القلعة أربعين ألف درهم، ثم قصد قلعة الشقيف تيرون فنزل تحتها في وادي العواميد وحاصرها فلم يقدر على أخذها، ثم صعد إلى أعلاها وكشف ماءها وبعد هزيع من الليل ذبح في قناتها عدة من الغنم والبقر وقطع كروشها ورماها فيها، فلما أصبحوا وجدوا ماءهم منتناً وهودم عبيط فسلموها بعد حصار عشرة أيام، ووجد بها أربعمائة وثمانين رجلاً فأرسلهم إلى الفرنج في صور، ورتب عليها قوماً من جماعته وبني برجاً على باب القلعة. ثم أغار الظاهر على طرابلس فقطع أشجارها وغور أنهارها وضرب أربعاً وعشرين من قراها. فانهالت عليه المردة من الجبال فذهب إلى حصن الأكراد، ومن هناك زحف على إنطاكية فنازلها بغتة، وبعد حصار أربعة أيام ملكها بالسيف فقتل أهلها وأحرق كنائسها وغنم منها أموالاً كثيرة، وأحصي من قتل بإنطاكية هذه المرة فكانوا نيفاً وأربعين ألفاً، ثم أطلق من كان بها م ن الأسرى، وفي رواية أنه قتل من حماتها بين ١٦ و١٧ ألف صليبي وأخذ مئة ألف أسير وأحرقها وقلعتها، ونال من غنائمها ما لا يدخل تحت حصر، وخرج جماعة من أهلها يطلبون الأمان وشرطوا شروطاً لم يجب الظاهر إليها وزحف عليها فملكها. وكانت إنطاكية للبرنس بيمند بن بيمند وله معها طرابلس، ولما فتحت إنطاكية هرب أهل بغراس منها وتركوا الحصن خالياً فأرسل الظاهر واستولى عليه. ووقع الصلح بين الظاهر وهيتوم صاحب سيس الأرمني على أنه إذا أُحضر

стр. 393

صاحب سيس سنقر الأشقر من التتر، وكانوا أخذوه من قلعة حلب لما ملكها هولاكو، وسلم مع ذلك بهسنى ودربساك ومرزبان ورعبان وشيح الحديد يطلق له ابنه ليفون الذي كان في أسر الملك الظاهر، فسلمه صاحب سيس البلاد خلا بهسنى ودخل صاحب سيس على أبغا ملك التتر وطلب منه سنقر الأشقر فأعطاه إياه، وتسلم الظاهر بلاطنوس من عز الدين عثمان صاحب صهيون، وأغار ٦٦٨ على عكا وتسلم حصن مصياف من الإسماعيلية وفتح من حصونهم الكهف والقدموس والمنيقة والعليقة وأمّر عليهم حسن بن المشغراني، وفرض عليه أن يرفع إليه في كل عام مئة ألف درهم. ونازل السلطان ٦٦٩ حصن الأكراد فملكه بالأمان وملك حصن عكار بعد حصاره له بالأمان، فتذلل له صاحب طرابلس وبذل له ما أراد وهادنه عشر سنين وتسلم حصن القرين بالأمان وهدمه. وأغارت التتر على عينتاب وعلى الرّوج وقسطون إلى قرب أفامية ثم عادوا. فاستدعى الظاهر عسكراً من مصر وتوجه بهم إلى حلب ونازل التتر على البيرة وأراد عبور الفرات إلى بر البيرة ونصبوا عليها المجانيق وضايقوها فقاتله التتر على المخاضة فاقتحم الفرات وهزم التتر فرحلوا عن البيرة. وشنّ الغارة ٦٦٩ بفرقة من العسكر ومعه ولده الملك السعيد بفرقة أخرى على جبلة واللاذقية والمرقب وعرقة والقليعات وحلبا وصافيتا والمجدل وأنطرطوس. وفي سنة ٦٧٣ توجه السلطان إلى ديار الأرمن ودخلها بعساكره المتوافرة وغنموا ثم عادوا إلى دمشق. وعاد التتر ٦٧٤ ونازلوا البيرة فتوجه الظاهر إليهم وبلغه رحيلهم وهو بالقطيفة فأتم السير إلى حلب وعاد التتر ٦٧٥ فزحفوا على الشام وخرج إليهم الظاهر وقاتلهم فكسرهم وقتل منهم خلائق وتبعهم إلى نحو الابلستين فكانت بينهما هناك وقعة قيل إنه قتل فيها من الفريقين نحو مئة ألف إنسان. ثم سار إلى قيسارية واستولى عليها ووصل إلى عمق حارم فدمشق. وفاة الملك الظاهر وسلطنة ابنه الملك السعيد ثم سلطنة المنصور قلاوون: توفي الملك الظاهر ٦٧٦ بعد أن بطش البطشة الكبرى بالصليبيين في الشام، ودفع عادية المغول عنه ما أمكن، وغزا الأرمن الذين أصبحوا يبدون

стр. 394

لدولته نواجذ الشر، فخرب ديارهم وأباد خضراءهم وغضراءهم. وكان ملكاً جليلاً شجاعاً عاقلاً مهيباً وصل إلى الملك بقتل آخر ملوك بني أيوب، وما زال يتدرج في مراتب القوة حتى ملك الديار المصرية والشامية وفتح الفتوح الجليلة. أصله مملوك قبجاقي الجنس وقيل برجعلي وكان ذا همة شماء يتنقل في ممالكه فلا يكاد يشعر به عسكره إلا وهو بينهم، ولولا أنه جد في قتال الصليبيين لما كفّر عما أتاه من قتل ابن أيوب، وبنو أيوب أحبهم الناس على علاتهم لغناء أكثرهم في خدمة الملة والدولة. ترجم سوبرنهايم في المعلمة الإسلامية للظاهر بيبرس بقوله: إنه كان السبب بتوسيد ملك الشام إلى قطز لما أبلى البلاء الحسن في وقعة عين جالوت فأقطع قطز الأمراء من بني أيوب الإقطاعات التي كانت لهم قبل غارات المغول، ولكن بيبرس الذي كان يرجو أن توسد إليه حلب مكافأة على شجاعته لم ينل شيئاً فعزم على الانتقام لنفسه من هذا الظلم، فقتل السلطان في الصيد ونادى به زعماء الجند وغيرهم سلطاناً، وكانت المملكة المصرية والشامية محاطة من كل جانب بالأعداء: في الشمال ملك أرمينية المسيحي، وفي الغرب الصليبيون ينزلون على جميع شاطيء الشام، وفي الداخل الحشيشية الإسماعيلية الأشداء، ومن الشرق المغول الطامعون في الغنائم والانتقام، وفي جنوبي مصر أهل النوبة المجاربون، وفي الغرب البربر الصعب قيادهم، وكان يخشى أن ينجم له ناجم في الداخل من بني أيوب ويسمو إلى السلطنة، فيجد على دعوته أنصاراً على أيسر وجه، فرأى أن يبايع لأحد ذرية بني العباس بالخلافة بعد أن قرضها المغول من بغداد، فتوفق إلى ذلك وبايع له في مصر، لأن من مصلحته أن يظهر أمام العالم الإسلامي بأنه حامي الخلافة، وبذلك أصبح له نفوذ على حكومات مكة والمدينة، وعرف كيف يداري معظم أمراء الفرنج الشرقيين. هادن الظاهر الاسبتار بحصن الأكراد والمرقب سنة خمس وستين وستمائة لمدة عشر سنين متوالية وعشرة أشهر وعشرة أيام وعشر ساعات على أن يكون النصف من غلات قرى جميع المملكة الحمصية والشيزرية والحموية وبلاد الدعوة للملك الظاهر، والنصف لبيت الاسبتار. واستقرت الهدنة بين الملك الظاهر بيبرس أيضاً وبين ملكة بيروت في سنة سبع وستين وستمائة

стр. 395

حين كانت بيدها لمدة عشر سنين متوالية على أن يكون جميع المترددين من بلاد الملكة إلى بلاد الظاهر وبالعكس آمنين مطمئنين على نفوسهم وأموالهم وبضائعهم براً وبحراً ليلاً ونهاراً، وعلى أن الملكة لا تمكن أحداً من الفرنج على اختلافهم من قصد مملكة السلطان من جهة بيروت وما إليها، وتمنع من ذلك وتدفع كل متطرق بسوء وتكون الأقاليم من الجهتين محفوظة من المتجرمين المفسدين. وعقدت هدنة بين الظاهر وولده الملك السعيد وبين الفرنج الاسبتارية على قلعة لدّ في سنة تسع وستين وستمائة على أن تكون قلعة لدّ والجهات المذكورة إلى آخر الزائد للملك الظاهر ولا يكون لبيت الاسبتار ولا لأحد من الفرنجة فيها تعلق ولا طلب بوجه ولا سبب. وعقد محالفات مع الملك مانفريد دي هوهانستوفن، ثم عقد محالفة مع شارل دانجو وجاك داراغون والفونس دي كاستيل، وعقد معاهدة مع ميشل باليولوغ الرومي الذي طرد الصليبيين، وكانت له صلات حسنة مع ملوك السلاجقة في آسيا الصغرى ومع صاحب اليمن. ثم إن الظاهر رأى في الصليبيين أشد الأعداء خطراً على المملكة واستفاد من تفرق كلمتهم وكان المدد الذي يأتيهم من أوروبا قد ضعف، وكان في موت شارل التاسع إنقاذ بيبرس من أعظم خصومه من الفرنج، وهكذا فإن الظاهر ظلّ ظافراً بجميع أعدائه، ولم يتوقف عن شيء لبلوغ غايته، وكثيراً ما كان يعد وعوداً كاذبة ويكتب كتباً مزورة ليحمل فيها قواد الحصون على الاستسلام له، وكان نجاحه مناط قريحته في التنظيم وسرعته وشجاعته المتناهية، وكان البريد يدور ويروح في المملكة بسرعة حتى ليصل الخبر من مصر للشام في ثلاثة أيام وكان أسعد سلطاناً من سلاطين المماليك وأقدرهم. وروى شمس الدين سامي أن السلطنة الإسلامية صارت ذات بهاء في أيامه وأنه مات مسموماً بدمشق. كان الظاهر قد حلف العسكر لولده بركة بن بيبرس ولقبه الملك السعيد وجعله ولي عهده إلا أنه خبط وخلط وأراد تقديم الأصاغر على الأمراء الأكابر ففسدت نيات الكبار عليه وقرروا خلعه من السلطنة، بعد أن دخل سيس ٦٧٧ وشن الغارة عليها وغنم، فحصره العسكر في قلعة الجبل بالقاهرة فخلع نفسه على أن يعطى الكرك فأجابوه إلى ذلك فلحق بها وهلك بعد قليل.

стр. 396

واتفق الأمراء لما خلع الملك السعيد نفسه على إقامة بدر الدين سلامش ابن الظاهر بيبرس في المملكة، ولقبوه العادل، وعمره إذ ذاك سبع سنين وشهور، ثم خلعوه وأجلسوا على تخت السلطنة الملك المنصور قلاوون الصالحي. ولما اضطرب أمر المملكة استأثر بالشام سنقر الأشقر الذي كان الظاهر اشترط على صاحب سيس أن يتوسط لدى ملك التتر لإطلاقه من الأسر ففعل، ونسي سنقر هذه اليد للظاهر، وجلس على سرير السلطنة بدمشق وحلف له الأمراء والعسكر وتلقب بالملك الكامل شمس الدين سنقر، فجهز المنصور قلاوون عساكر الديار المصرية مع علم الدين سنجر، فبرز سنقر بعساكر الشام إلى ظاهر دمشق، والتقى الفريقان فولى الشاميون وسنقر منهزمين، فجعل الأمير لاجين المنصوري نائب السلطنة بالشام، وهرب سنقر الأشقر إلى الرحبة وكاتب أبغا بن هولاكو ملك التتر وأطمعه في هذه الديار، وكان عيسى بن مهنا ملك العرب في الشام مع سنقر الأشقر وقاتل معه وكتب بذلك إلى أبغا أيضاً، موافقةً له، ثم سار سنقر الأشقر من الرحبة إلى صهيون واستولى عليها وعلى برزيه وبلاطنس والشغر وبكاس وعكار وشيرز وأفامية وصارت هذه القلاع له. وأحرق ٦٧٧ عسكر الشام عمالة الغرب وجبيل وبيروت وذلك أن قطب الدين السعد بعد أن استقطع قرية كفر عمية من أمراء الغرب آل تنوخ وجد فيها ذات يوم مقتولاً فاتهم بقتله نجم الدين بن جحى وكان أبوه وذو قرابته معتقلين في مصر فتوجهت اليه العساكر والعشران من ولاية بعلبك والبقاع وصيدا وبيروت وأحرقت قراه، وتفرق التنوخيون أيدي سبا إلى أن أمنهم الملك فرجعوا إلى مساقط رؤوسهم. وجاء التتر إلى حلب ٦٧٩ فعاثوا وقتلوا من كان بظاهرها وملكوا ضياعها ونهبوا وسبوا وأحرقوا الجامع والمدارس المعتبرة ودور السلطنة والأمراء وأقاموا بها يومين وعادوا من حيث أتوا، فهب الملك المنصور قلاوون إلى غزة لدفعهم فرحلوا قبل أن يوافيهم، قال ابن أبي الحديد: وكانت للتتر نهضات وسرايا كثيرة إلى الشام، قتلوا ونهبوا وسبوا فيها حتى انتهت خيولهم إلى حلب، فأوقعوا بها وصانعهم عنها أهلها وسلطانها، ثم عمدوا إلى بلاد كي خسرو صاحب الروم فجمع لهم هذا قضه وقضيضه وجيشه ولفيفه،

стр. 397

واستكثر من الأكراد العتمرية من عساكر الشام وجند حلب فيقال إنه اجتمع مائة ألف فارس وراجل فلقيه التتر في عشرين ألفاً، فجرت بينه وبينهم حروب شديدة قتلوا فيها مقدمته، وكانت المقدمة كلها أو أكثرها من رجال حلب وهم أنجاد أبطال فقتلوا عن آخرهم وانكسر العسكر الرومي، وهرب صاحب الروم حتى انتهى إلى قلعة له على البحر تعرف بإنطاكية فاعتصم بها، وتمزقت جموعه وقتل منهم عدد لا يحصى. واستأذن نائب السلطنة بحصن الأكراد في الإغارة على المرقب لما اعتمد أهله من الفساد عند وصول التتر إلى حلب فأذن له السلطان في ذلك، فجمع عساكر الحصون فاتفق هروب المسلمين ونزول الفرنج من المرقب فقتلوا من المسلمين جماعة. وترددت الرسل بين السلطان وسنقر الأشقر، واحتاج السلطان لمصالحته لقوة التتر وتفادياً من الاشتغال بالعدو الداخلي والعدو الخارجي، ووقع بينهما الصلح على أن يسلم سنقر قلعة شيزر إلى السلطان ويتسلم سنقر الشغر وبكاس، وكانتا قد ارتجعتا منه وحلفا على ذلك واستقر الصلح بينهما، كما استقر الصلح بين المنصور قلاوون وبين خضر بن الظاهر بيبرس صاحب الكرك. وبعد أن استقر الصلح بين الأميرين المتوثبين على السلطنة كان المصاف العظيم ٦٨٠ بين المسلمين وبين التتر بظاهر حمص، فجمع قلاوون العساكر من مصر والشام ومن جملتهم عسكر سنقر الأشقر، وجاء الأمراء كلهم في جيوشهم، وكان التتر في ثمانين ألف فارس وفي رواية مائة ألف منهم خمسون ألفاً من المغول والباقي حشود وجموع من أجناس مختلفة مثل الكرج والأرمن والعجم وغيرهم، والمسلمون في خمسين ألفاً فانهزم التتر وتبعهم المسلمون يقتلون ويأسرون. وعقد قلاوون هدنة مع المقدم افرتر كليام ديباجون مقدم بيت الداوية بعكا والساحل وبين جميع الإخوة الداوية بأنطرطوس لمدة عشر سنين، لا ينال بلاده ولا بلاد ولده ولا حصونهما ولا قلاعهما ولا ضياعهما ولا عساكرهما ولا عربهما ولا تركمانهما ولا أكرادهما ولا رعاياهما على اختلاف الأجناس ضر ولا سوء ولا غارة ولا تعرض ولا أذية. وسارت العساكر الإسلامية إلى فتح جبهة بشري ٦٨١ وحاصروا إهدن

стр. 398

حصاراً شديداً وبعد أربعين يوماً ملكوها فنهبوا وقتلوا وسبوا وهدموا القلعة التي في وسط القرية والحصن الذي على رأس الجبل، وفتحوا بقوفا وقضوا على أكابرها وهدموها وضربوا حصرون وكفر حارون وخربوا حدث البشري وبنوا برجاً قبالة المغارة ووضعوا فيه عسكراً يكمنون للعصاة وهدموا جميع الأماكن العاصية وملكوا قلعة حوفا بتسليط الماء عليها من فوقها فملكوها بقوة الماء لأنها داخلة الشير. وتوجهت العساكر أيضاً إلى أرض الأرمن فخربت فيها وسبت عقوبة لهم عمّا أتوه من معاونة المغول على المسلمين. وقصد المغول دمشق في سنة ٦٨٣ ثم ذهبوا إلى وادي التيم فأحرقوها وسبوا أهلها وقتلوا منهم سبعمائة نفس وملكوها وفتح السلطان حصن المرقب ٦٨٤ بعد أن نقب جنده حصنها بسرعة، وكان هذا الحصن للاسبتار فنزل أهله بالأمان. في هذه السنة عقد الملك المنصور وولي عهده الملك الصالح وولده الأشرف صلاح الدين هدنة مع دام مرغريت بنت سير هنري ابن الابرنسي مالكة صور جاء في كتابها وليس للفرنج أن يجددوا في غير عكا، وعثليث وصيدا مما هو خارج عن الأسوار في هذه الجهات الثلاث سوراً لا قلعة ولا برجاً ولا حصناً قديماً ولا مستجداً، وعلى أن شواني مولانا السلطان وشواني ولده إذا عمرت وخرجت لا تتعرض بأذية إلى البلاد الساحلية التي انعقدت الهدنة عليها، وإذا قصدت الشواني المذكورة جهة غير هذه الجهات وكان صاحب تلك الجهة معاهداً للحكام بمملكة عكا فلا تدخل إلى البلاد التي انعقدت عليها الهدنة ولا تتزود منها، وإن لم يكن صاحب تلك الجهة التي تقصدها الشواني معاهداً للحكام بمملكة عكا فلها أن تدخل إلى بلادها وتتزود منها، وإن انكسر شيء من هذه الشواني والعياذ بالله في مينا من المواني التي انعقدت الهدنة عليها وسواحلها فإن كانت قاصدة إلى من له مع مملكة عكا أو مع من له عهد فيلزم كفيل المملكة بعكا ومقدمي البيوت بحفظها وتمكين رجالها من الزوادة وإصلاح ما انكسر منها والعود إلى بلاد إسلامية ويبطل حركة ما انكسر منها أو يرميه في البحر، فإن لم يكن للذي تقصده الشواني معهم عهد وانكسرت فلها أن تتزود وتعمر رجالها من البلاد المنعقدة عليها الهدنة وتتوجه إلى الجهة المرسوم بقصدها ويعتمد هذا الفصل من الجهتين. وفتح

стр. 399

حصن الكرك ٦٨٥ بالأمان وجهز عسكراً كثيفاً من العساكر المصرية والشامية إلى قلعة صهيون فتسلمها من سنقر الأشقر بالأمان. ثم سار جيش السلطان إلى اللاذقية، وكان بها برج للفرنج يحيط به البحر من جميع جهاته، فركب طريقاً إليها في البحر بالحجارة وحاصروا البرج وتسلموه بالأمان وهدموه وفتح طرابلس ٦٨٨، وكان البحر يحيط بغالب أطراف هذه المدينة ولا تقاتل إلا من جهة الشرق، ولما نازلها نصب عدة منجنيقات كبيرة وصغيرة وألح عليها بالحصار ففتحها بالسيف، ودخلها العسكر عنوةً بعد حصار ٣٣ يوماً، فهرب أهلها إلى المينا وركبوا في المراكب وقتل غالب رجالها وسبيت ذراريهم، وغنم منهم المسلمون غنيمة عظيمة، وأمر السلطان فهدمت طرابلس ودكت إلى الأرض. وكان في البحر قريباً من طرابلس جزيرة وفيها كنيسة تسمى كنيسة سنطماس وبينها وبين طرابلس المينا، فلما أخذت طرابلس هرب إلى الجزيرة المذكورة وإلى الكنيسة التي فيها عالم عظيم من الفرنج والنساء، فاقتحم العسكر الإسلامي البحر وعبروا بخيولهم سباحة إلى الجزيرة، فقتلوا جميع من فيها من الرجال وغنموا من بها من النساء والصغار - نقلت معظم هذا من تاريخ أبي الفداء، ويقول ميشو: إن المسلمين لما استعادوا طرابلس أهلكوا ساكنيها من الصليبيين إلا قليلاً وأمر السلطان بإحراق المدينة وهدمها وكان فيها مصادر الثروة والرخاء وكل ما يزهو به السلام ويستخدم في الدفاع زمن الحرب فخرب كل ذلك تحت الفأس والمطرقة قال: لما أنزل الصليبيون عسكرهم على سواحل الشام سنة ١٣٦٦م واستولوا على طرابلس أوقدوا النار فيها وكان حظ طرطوس واللاذقية وعدة مدن فينيقية مثل ذلك. ولما فتحت طرابلس كتب محيي الدين بن عبد الظاهر كتاباً يصف هذا الفتح قال فيه: إن الحصار استمر من مستهل ربيع الأول إلى يوم الثلاثاء رابع عشر ربيع الآخر فزحف عليها في بكرة ذلك النهار زحفاً يقتحم كل هضبة ووهدة، وكل صلبة وصلدة، وطلعت سناجق الإسلام الصفر على أسوارها. وكان أخذها من مائة سنة وثمانين سنة في يوم الثلاثاء واستردت في يوم الثلاثاء وفي رسالة أخرى أنها قامت بيد الإفرنج مائة سنة وستاً وثمانين سنة.

стр. 400

وقال مؤرخو لبنان: إن الكسروانيين والجرديين نزلوا من الجبال لنجدة الفرنج في طرابلس وقتلوا من عسكر السلطان خلقاً كثيراً فبرز الأمر من حسام الدين باستئصالهم. ومن ذلك الوقت خربت كسروان والذين سلموا من أهلها تشتتوا في كل صقع. قالوا: ومن جملة أوامر حسام الدين إلى أمراء غرب بيروت التنوخيين إذا توجهوا إلى كسروان وجرده بجموعهما، أن كل من سبى امرأة منهم كانت له جارية، أو صبياً كان له مملوكاً، ومن أحضر منهم رأس رجل فله دينار. وذكروا أن الخراب استولى على الأقطار الشمالية بسبب تقلقل أحوال ملوك مصر والشام، والحروب الثائرة مع التتر من جهة ومع الفرنج من أخرى، فكان الناس يرغبون في سكنى الجبال العالية الصعبة المسالك وقدم إلى جبل لبنان في ذلك الحين خلق كثير ومنهم أهل وادي التيم وخلا هذا الوادي من السكان خمسة أعوام ولم يكن فيه بلد عامراً سوى حاصبيا وكذلك البقاع. ثم عاد الناس وعمروا بعض القرى في جبل حاصبيا فقط. وفاة قلاوون وسلطنة ابنه الأشرف خليل وإثخانه في فرنج الساحل: توفي المنصور قلاوون ٦٨٩ وكان ملكاً مهيباً حليماً قليل سفك الدماء كثير العفو، شجاعاً أقام منار العدل وأحسن سياسة الملك أحسن قيام وفتح الفتوح الجليلة التي لم يجسر أحد من الملوك مثل صلاح الدين وغيره على مثلها وهو الذي وطد حكم المماليك على الشام وأصلح كما في المعلمة الإسلامية بالتدريج ما أحدث المغول فيه من التخريب، وقام بأعمال مهمة من مثل ترميم قلعة حلب وبعلبك ودمشق. وهو الوحيد من ملوك المماليك الذين تسلسل الملك في أعقابهم وألفوا دولة فإن أعقابه حكموا إلى سنة ٧٨٣هـ ١٣٨٢م خمسة بطون. وقد عقد معاهدات مع الدول التي يخشى بأسها ويمكن الانتفاع بحسن الصلات معها، مثل المعاهدة التجارية مع جمهورية جنوة ومعاهدة دفاعية مع الملكين الفونس ملك قشتاله وجاك ملك صقلية. وعقدت هدنة بين الملك المنصور قلاوون الصالحي وولده الملك الصالح علي ولي عهده وبين حكام الفرنج بعكا وما معها من بلاد سواحل الشام في شهور سنة اثنتين وثمانين وستمائة وهي يومئذ بأيديهم لمدة عشر سنين وعشرة أشهر وعشرة أيام وعشر

стр. 401

ساعات على أن لا يكون للفرنج من البلاد والمناصفات إلا ما شرح في هذه الهدنة وعين فيها من البلاد، وعلى أن الفرنج لا يجددون في غير عكا وعثليث وصيدا مما هو خارج عن أسوار هذه الجهات الثلاث المذكورات لا قلعة ولا برجاً ولا حصناً ولا مستجداً. ومما جاء فيها أن شواني السلطان وولده إذا عمرت وخرجت لا تتعرض بأذية إلى البلاد الساحلية وإن انكسر شيء من هذه الشواني في مينا من مواني البلاد التي انعقدت عليها الهدنة وسواحلها فإن كانت قاصدة من له مع مملكة عكا ومقدمي بيوتها عهد فيلزم كفيل المملكة بعكا ومقدمي البيوت بحفظها وتمكين رجالها من الزوادة وإصلاح ما انكسر منها والعود إلى البلاد الإسلامية، ومتى تحرك أحد من ملوك الفرنجة وغيرهم من جُوّا البحر لقصد الحضور لمضرة السلطان وولده في بلادهما المتفقة عليها هذه الهدنة فيلزم نائب المملكة والمقدمين بعكا أن يعرفوا السلطان وولده بحركتهم قبل وصولهم إلى البلاد الإسلامية الداخلة في هذه الهدنة لمدة شهرين وإذا قصد البلاد الشامية عدو من التتر وغيرهم في البر وأغارت العساكر الإسلامية من قدام العدو ووصل العدو إلى القرب من البلاد الساحلية الداخلة في هذه الهدنة وقصدوها بمضرة فيكتب إلى كفيل المملكة بعكا والمقدمين بها أن يدرأوا عن بيوتهم ورعيتهم وبلادهم بما تصل قدرتهم إليه. وإن حصل جَفل من البلاد الإسلامية إلى البلاد الساحلية الداخلة في هذه الهدنة فيلزم كفيل المملكة بعكا والمقدمين بها حفظهم والدفع عنهم ومنع من يقصدهم بضرر ويكونون آمنين مطمئنين بما معهم. وعقد الملك المنصور قلاوون صاحب الديار المصرية ودمشق وحلب مع الأشكري صاحب القسطنطينية سنة ٦٨٠ هدنة على أن لا يحارب أحدهما الآخر ويرعبا التجار في بلادهما. وكانت سفراؤه تغدو وتروح إلى أمبراطور بيزنطية والأمبراطور رودولف دي هابسبورغ وملك اليمن وأمير سيلان وغيرهم من أمراء الشرق. ولهذا السلطان آثار جليلة في العمران في القدس ودمشق وغيرهما من ربوع الشام تدل على بعد نظره وحبه للمصالح. وجلس في السلطنة بعد قلاوون ابنه الأشرف صلاح الدين خليل وسار على قدم أبيه في جهاد الصليبيين. وكان أول عمل اتجهت إليه همته بعد أن قدم تجار الفرنج إلى عكا وقتلوا من كان بها من المسلمين ٦٨٩ أن نهض

стр. 402

من مصر لفتح عكا بالعساكر المصرية والشامية فهرب جماعة من أهلها من الفرنج في المراكب لما هاجمها المسلمون كما فعلوا في طرابلس على عهد والده واستنزل الأشرف جميع من عصى بالأبرجة التي كانت داخل البلد، وهي بمنزلة قلاع دخلها عالم عظيم من الفرنج وتحصنوا بها فاستنزلهم السلطان وأمر بضرب أعناقهم عن آخرهم حول عكا، ثم أمر بالمدينة فهدمت إلى الأرض ودكها دكاً. وكانت كما قال الذهبي من أحسن المدائن بالعمارة والبناء الفاخر فلما فتحها الأشرف وهدم سورها هرب أهل المدينة منها وصارت خراباً، وصار الناس من حينئذ ينقلون منها الرخام الملون مدة طويلة. ومما وجد مكتوباً على باب كنيسة من كنائس عكا أبيلت لابن ضامر الضبع: أم الكنائس إن تكن عبثت بكم ... أيدي الحوادث أو تغير حال فلطال ما سجدت على أبوابكم ... شمُّ الأنوف جحاجح أبطال صبراً على هذا المصاب فإنه ... يوم بيوم والحروب سجال ولما فتحت عكا رُعب الفرنج في الساحل فأخلوا صيدا فأخربها السلطان وجزيرتها وقلعتها الجنوبية والشمالية. واستولى على بيروت فهدم سورها ودك قلعتها وكانت حصينة جداً واستولى على صور وكان أهلها مثل سائر الساحل. وكذلك عثليث وكانوا أوقدوا فيها النار. وسلمت أنطرطوس بالأمان وطرد السلطان الفرنج من جبيل وهدمها ودك قلعتها. وهربوا من أنفة والبترون وصرفند وإسكندرونة بالقرب من عكا وذلك في مدة سبعة وأربعين يوماً وكان فتحاً مبيناً. خرب الساحل كما رأيت بهذه الضربة الأخيرة ولكن استقلت الشام ونجت من بقايا الصليبيين الذين كانوا ينغصون عيش الدولة والأمة، ولا يؤخذ على الأشرف استئصاله شأفة أعدائه وإهلاكه لهم عن آخرهم، فقد كان على الصليبيين بعد وقعة حطين وفتح القدس أن يغادروا القطر جملة واحدة وظنوا تسامح صلاح الدين يوسف معهم يومئذ ضعفا وأدرك كل من تولى زعامة الشام بعده أنه يستحيل الخلاص من الفرنج إلا بإفنائهم، وآخر الدواء الكي. الحملة الصليبية السابعة وانتهاء الحروب الصليبية: دخلت الجيوش الصليبية الشام سنة ٤٩١ وخرج منها آخر المنهزمين سنة

стр. 403

٦٩٠ أي إنهم ظلوا مئتي سنة يحاربون الشام ومصر. تعاقبت فيهما عدة دول إسلامية على البلاد، وكلها حاربت هؤلاء الدخلاء بما وسعها أن تحارب، وربما قتل من الفريقين خلال ذينك القرنين ما لا يقل عن بضعة ملايين من الأنفس، ولو لم تنقطع الرغبات في الغرب وتبطل النجدات بل الحملات الكبرى التي أصبح الباباوات والملوك يوجهونها في وجهات أُخرى لقتال المسلمين لطال أمدها أكثر مما طال. قلنا: إن الحملة الصليبية السادسة كانت بقيادة الأمير فريدريك الثاني، وهي الحملة التي عقدت معاهدة مع ملك مصر والشام تنازل فيها هذا عن القدس وبيت لحم والناصرة عشر سنين، فلما انتهت المدة عادت القدس إلى المسلمين وعندها عمد سان لوي ملك فرنسا أن يسترجعه منهم، وكان السبب في تأليف الحملة الصليبية السابعة والثامنة. جاء في الأولى إلى دمياط وانهزم مع جيشه هزيمة فاضحة في المنصورة بمصر وأُسر هو وجميع من معه من الرجال وعدتهم ثلاثون ألفاً، فاضطر أن يدفع فدية عظيمة عن نفسه وعن جماعته ثم عاد إلى فرنسا فزين له أخوه أن يغزو تونس ومنها يذهب ليفتح مصر والشام فهلك في تونس بالطاعون ١٢٧٠م وبذلك انتهت الحروب الصليبية. نشأت في فرنسا وانتهت بفشل ملكها ثم بهلاكه. ولقد عدّ الفرنج من الفوائد التي جنوها من الحروب الصليبية أنهم أوقفوا سير المسلمين عن التقدم، وتعلم ملايين منهم أُموراً ما كانوا يحلمون بوجودها، وأخذوا عن الروم والعرب ما كان عندهم من أسباب المدنية التي لم يكن للفرنج عهد بها. فإن كثيراً من أصناف البقول نقلوها إلى أوروبا وشاعت هناك ولم تكن تعهد عندهم، وقد تعلم صناعة الورق رجلان إفرنسيان كانا أسيرين في دمشق، وأدخلا صناعته إلى فرنسا، فكان للشام على فرنسا هذا الفضل، ومنها شاع صنعه في سائر ممالك الغرب، وتعلموا صنع الأقمشة الدمشقية والسيوف وغيرها من الصنائع الجميلة. قال مكسيم بتي في تاريخ الشعوب العام أثناء كلامه على إخفاق الحملة الصليبية الأولى ما تعريبه: لئن كان الصليبيةن متحمسين تحمساً دينياً فقد كان ينقص هذه الستمائة ألف رجل وحدة القيادة والتجانس والامتزاج،

стр. 404

وما كان لنواب البابا أدنى سلطة أدبية ولم تكن وحدة الغاية المراد بلوغها لتحول دون ظهور المطامع والمنافسات والدسائس. ويضاف إلى هذا السبب في الضعف أسباب أخرى مادية وهي صعوبة الطريق وقلة أسباب التموين وتدني القوى الحربية بسبب تفوق الجيوش في المدن المفتوحة أو رجوع بعض الصليبيين إلى الغرب إلى ما هنالك من قحط وأوبئة وخسائر في الحرب. وقال في الحملة الصليبية الثانية: إن قلة إيمان الكسيس وصعوبة التموين وقلة المؤنة جعلت الحملة شؤمى فقتل الثلاثمائة والخمسون ألف رجل الذين كانت تتألف منهم قتلاً ذريعاً في مريسوان واركلي. ومع كثرة ما بذله أخلاف صلاح الدين من الجهد في قتال الصليبيين أمثال العادل والكامل وبيبرس وقلاوون وابنه صلاح الدين خليل، فإن الصليبيين كان يتعذر القضاء عليهم في الشام لو لم ينقطع المدد عنهم من البحر وتنصرف وجهة الصليبيين إلى قتال العرب في الأندلس. وفي الحق أن تلك الحملات الصليبية كانت شعبة من شعب الجنون فقدت فيها أوروبا أكثر مما ربحت من الأنفس والأموال. وما يدرينا أن تتقدم دولة السلاجقة في آسيا الصغرى على سمت الشمال وتقضي على مملكة الروم البيزنطية ثم تتقدم في فتوحها إلى أوروبا لو لم يشتغل ملوك المسلمين بهذه الحملة قرنين كاملين. وكانت الشام من جملة ممالك السلجوقيين وربما تبعتها مصر ففتحها صلاح الدين أو غيره باسمهم بدلاً من أن يفتحها باسم نور الدين، وما نور الدين إلا صنيعة السلاجقة، وما جده وأبوه إلا عاملان من عمالهم. شغلت أوروبا بمسألة إنقاذ القبر المقدس من أيدي المسلمين قرنين، وتطوعت شعوبها في هذه السبيل، ومن الأمم من لم ينلها إلا قتل رجالها وذهاب أموالها وكان الرابح على الأكثر أهل إيطاليا فإنهم حاربوا حرباً تجارية ربحوا من سفنهم وتجارتهم وخصوصاً البنادقة والجنويون والبيسيون. أما الألمان والبريطانيون والفرنسيون والهولانديون والسويسريون والنروجيون فإنهم خسروا خسارة كبيرة. ساق الفرنج إلى الحروب الصليبية الدين والتجارة فلما فترت نغمة الدين بهلاك من كانوا يحسنون هناك الضرب على أوتارها، ولم ير التجار في هذا

стр. 405

الشرق ما يكفي لسد نهمتهم وأيقنوا أن الأمر يطول إذا أرادوا القضاء على جميع الممالك الإسلامية في آسيا فترت هممهم بالطبع، لكن الشام بعد ذلك وإن كانت الدول الأتابكية والنورية والصلاحية ودولة بيبرس وقلاوون وابنه يعمدون حالاً إلى ترميم ما خربه الأعداء لإيقانهم أنها بلادهم ولا بدلهم من دفع أعدائهم عنها، وأنهم يسترجعونها لا محالة وسيدالون منهم، مهما طال مقام من استصفوا بعض السواحل وبيت المقدس فكان الأمر كما اعتقدوا. وكلما طال احتلال الصليبيين كانت الأمة تستمرىء طعم الموت لطردهم، وكلما رأت من ملك أو أمير تغاضياً عنهم أو اتقاء عاديتهم بالمعاهدات والمهادنات كانت تستهين به وتدعو أن لا تدوم أيامه. وعلى ما بذل الصليبيون من استمالة جيرانهم ما عدّهم هؤلاء قط إلا غاصبين أرضهم، دخلاء على الملك الإسلامي. ولو لم يؤسس الدولة في الشام ومصر ملك عاقل عادل مثل نور الدين ويتم عمله عاقل عادل من طرازه أي صلاح الدين لما تمّ الفتح الأخير على يد الأشرف خليل، ولما تمم أخلافه بعده الخطة المرسومة. ولو كان الملك لا يوسد إلا للكفاة من أبناء الملك أو لأكبرهم سناً، ولو لم يكن شجر الخلاف بين آل أيوب، لضرب الصليبيون الضربة القاضية الأخيرة بعد مهلك صلاح الدين بعشر أو بعشرين سنة على الأكثر، إذ كان يتأتى للمسلمين أن يجمعوا قواهم بعد فشل جيش صلاح الدين على عكا بما جاء الصليبيين من النجدات العظيمة في البحر. ولكن مات صلاح الدين قبل أن يطبق خطته، وشغل أخوه وأولاده بالتنازع على الملك، وعدوا الهدنة الطبيعية التي مضت بين أخذ عكا واستلام القدس ثانية من المسلمين نعمة عليهم لتشبع نفس كل طامع منهم بالملك والسلطان، وغفلوا عن أعدائهم الذين لم يكد يغفل عنهم نور الدين وصلاح الدين سنة واحدة إلا ريثما يجمعان قواهما، وقد كانا لهذا الغرض يصانعان ملوك الأطراف ليسيروا معهما على قتال الأعداء، أما أخلافهم فكانت سياستهم في الأكثر موجهة إلى اختراع الطرق لقضاء بعضهم على بعض، أو لاستئثار قويهم بملك مصر أو دمشق أو حلب أو الكرك والشوبك أو ماردين أو خلاط، فشغلوا بداخليتهم أكثر من اشتغالهم بأمور الجهاد وهي أهمّ وأعظم، هذا وأكثر أولئك الملوك كانوا قد تشبعت نفوسهم بالتربية العالية والعلم والأدب الغزير،

стр. 406

وكانوا على معرفة تامة بفتح المعاقل والحصون، ومعرفة بعلل الحروب وقواعد السلم، وإعطاء العهد وعقد الهدنة والصلح، ورثوها واقتبسوها من أخلاق البانيين لمجدهم نور الدين وصنيعته صلاح الدين. ومما أخر القضاء عشرات من السنين على بقايا الصليبيين في الساحل ظهور التتر في القطر بعد قضائهم في منتصف القرن السابع على الخلافة العباسية، فأصبحت الشام بين عدوين أتى الأول من الغرب فأقام وطال مقامه، وجاءها الثاني من الشرق، والشر قد يأتي من الشرق، فكان يخرب في أصقاعها ويغنم ويقتل ثم يذهب ثم يعاودها. ولكن ما حدث من حروب الخوارزمية ثم أخلاف هولاكو في هذا القطر يعدّ مناوشات إذا قيس بالحروب والخراب الذي حدث بعد ذلك فأهلك الأخضر واليابس، وغدا القطر غرض النابل، وفريسة الصائل. وفي التاريخ العام أنه كان من نتائج الحروب الصليبية إذا صرف النظر عمن هلك فيها من ملايين الخلق، إحداث إمارات كاثوليكية في الشرق انتزعت من المسلمين والبيزنطيين واحتلها فرسان فرنسيون وتجار طليان. وقد طرد هؤلاء الأوروبيون لقلتهم بدون أن يتركوا سوى آثار معاقلهم في المواني وعلى صخور يونان والشام، ولكن هيأ الصليبيون لنصارى أوربا أن يكونوا على صلات متصلة مع الشرق مدة قرنين اه قلنا: وهذه النتيجة من ربط الصلات مع الشرق كان يتأتى لأوروبا الحصول عليها بدون إهراق هذه الدماء وإتلاف الأموال العظيمة وغرس البغضاء في نفوس من نزلوا عليهم. وفي تاريخ الشعوب العام أن من جملة فوائد الحروب الصليبية أنها أوقفت سير المسلمين نحو أوروبا، وقربت بين شعوب أوروبا وجمعتهم تحت لواء واحد وأشعرت قلوبهم حب الوحدة الأدبية وساعدت على إيجاد فكرة أوربية. وأخذ المسلمون والنصارى يعرف كل منهم الآخر ويعرفون كيف يحترم بعضهم بعضاً، وعقدت بينهم المعاهدات والصلات خلال المهادنات والانقطاع عن استعمال السلاح. وقد جهز ريشاردوس فئة من العرب جعلهم فرساناً، وعقد أنكحة بين الطائفتين ودخل التسامح المتبادل في الأخلاق. وما خلت الصناعات والهندسة والفنون والأزياء واللباس والفنون الحربية من تأثيرات الشرق وقد دخلت المدنية الشرقية في مدنية الغرب دون أن تستغرقها أهـ.

стр. 407

وفي تاريخ فلسطين أن من أضرار الحروب الصليبية في الشام إيقاد جذوة التعصب الديني بين المسلمين والمسيحيين، ورأى هؤلاء أن مسلمي العرب أحسنوا إليهم يوم الفتح أكثر مما رأوا من هؤلاء الفرنج الذين أنكروا أبناء دينهم. ومنها تخريب البلدان وقطع الأشجار حتى زادت الأسعار ستة أضعاف ما كانت عليه ومنها تلطيخ الدين المسيحي والازدراء بتعاليمه، لأن مسيحيي الصليبيين كانوا أبعد الناس عن دينهم. وقد أجمع المؤرخون على أن المسلمين تقيدوا بالفضائل الدينية وراعوا المصلحة الإنسانية أكثر من الفرنج الناكثي العهود والقاتلي الأسرى، والذين أفحشوا في سفك الدماء لما دخلوا القدس وحقروا الديانة المسيحية اه. لا جرم أن الصليبيين افتضحوا في هذا الشرق بأخلاقهم وقلة معرفتهم، وعرفوا بعد أن أخفقت الحملة الثامنة واصطلموا من الساحل مبلغ قوة أعدائهم، وأنهم في أرضهم، وهم يحتاجون إلى الرحيل أشهراً في البر وفي البحر. وذكر ميشو أن الفرنسيس والنور مانديين وسائر شعوب شمالي أوروبا المتوحشة في القرن الثاني عشر للميلاد كانوا في حالة البداوة وهذا ما ساعدهم على إعلان الحروب الصليبية في الشرق، فلما نشأت المدنية الحديثة في القرن السادس عشر وتسربت أولاً إلى الملوك أصبحوا لا يرون الاغتراب عن أوطانهم ولا الشعوب أن تفارق مساقط رؤوسها، وعمت الصناعات وحسنت الزراعة وانتشر العلم، وغدا ذكرى كل مدينة وكل أسرة وتقاليد كل شعب وقطر والألقاب والامتيازات والحقوق المستحصلة والأمل في تنميتها، كل ذلك قد غيّر من أخلاق الفرنج وبدل من ميلهم لحياة التنقل والارتحال وجعلها صلات تربطهم بالوطن. وقد كتب التوفيق للملاحة في القرن التالي واكتشفت أميركا واجتاز الملاحون رأس الرجاء الصالح فنشأ من هذه الاكتشافات تبدل كثير في التجارة، وأخذت الأفكار تتجه وجهة جديدة وأنشأت المضاربات الصناعية التي كانت قائمة بالحروب الصليبية تسير نحو أميركا والهند الشرقية، ففتحت أمام الغربيين ممالك كبرى وأقطار غنية تسد مطامعهم وتشبع نهمة التائقين إلى المجد والثروة والوقائع. فأنست حوادث العالم الجديد ما في الشرق من عجائب اهـ.

стр. 408

هذا ما قاله مؤرخ ثقة من مؤرخيهم في القرن الماضي، وإليك ما قاله أديب كبير من أدبائهم المحدثين كلود فارير: في سنة ٧٣٢ للميلاد حدثت فاجعة ربما كانت من أشأم الفجائع التي انقضت على الإنسانية في القرون الوسطى، فغمرت العالم الغربي مدة سبعة أو ثمانية قرون إن لم نقل أكثر في طبقة عميقة من التوحش، لم تبدأ بالتبدد إلا على عهد النهضة، وكاد عهد الإصلاح يعيدها إلى كثافتها الأولى، وهذه الفاجعة هي التي أريد أن أمقت حتى ذكراها، وأعني بها الغلبة المكروهة التي ظفر فيها على مقربة من بواتيه برابرة المحاربين من الفرنج بقيادة الكارولنجي شارل مارتل على كتائب العرب والبربر ممن لم يحسن الخليفة عبد الرحمن جمعهم على ما يقتضي من الكثرة فانهزموا راجعين أدراجهم. وفي ذلك اليوم المشئوم تراجعت المدنية ثمانية قرون إلى الوراء، ويكفي المرء أن يطوف في حدائق الأندلس أو بين العاديات التي لا تزال تأخذ بالأبصار مما يبدو من عواصم السحر والخيال إشبيلية وغرناطة وقرطبة وطليطله ليشاهد والألم الغريب آخذ منه ما عساها أن تكون بلادنا الفرنسية لو أنقذها الإسلام الصناعي الفلسفي السلمي المتسامح - والإسلام مجموعة كل هذا - من الأهاويل التي لا أسماء لها، وكان منها أن أنتجت خراب غاليا القديمة التي استعبدها أولاً لصوص أوسترازيا ثم اقتطع جزءاً منها قرصان النورمانديين ثم تجزأت وتمزقت وغرقت في دماء ودموع، وفرغت من الرجال بما انبعث في أرجائها من الدعوة للحروب، ثم انتفخت بالجثث بما دهمها من الحروب الخارجية والأهلية الكثيرة، حدث ذلك على حين كان العالم الإسلامي من نهر الوادي الكبير إلى نهر السند يزهر كل الإزهار في ظل السلام تحت أعلام أربع دولات سعيدة: الأموية والعباسية والسلجوقية والعثمانية.

стр. 409

دولة المماليك من سنة ٦٩٠ إلى ٧٩٠ فتوح أرمينية وعصيان الموارنة بعوامل صليبية: أصبحت مصر والشام بعد انقضاض الصليبيين من السواحل، ووضع السيف في بقاياهم، واعتصام جزء قليل منهم بالموارنة في لبنان مملكة واحدة لا يتخللها أرض لغير مالكها، ولا ينازعها سلطان من غير المسلمين، وأصبحت حوادثها وطنية محلية يدور محورها على الاستئثار بالملك، والذهاب بفضل السبق، والتفكر فيما يدفع العوادي عن حدود القطر أو يوسعها إلى المدى المقدّر لها، وبعد أن كانت الشام مصدر الأعمال والسياسة نازعتها مصر في هذا الشأن، فابتلع القطر المصري الشام وعده كما كان زمن الفاطميين جزءاً متمماً لمصر لا قطراً مستقلاً بنفسه وسياسته. أي إن القوة أصبحت بعد عهد العادل تستمد في الشام من مصر لأنها مقر السلطان، ومصر بين أقطار تحيط بها الصحاري من أطرافها، لا سبيل كل حين إلى غزوها كما تغزى الشام من أطرافها الأربعة، وليس في أمراء برقة وطرابلس وتونس والنوبة والسودان والحبشان من يستطيع أن يغزو مصر ويحلم بفتحها، ولذلك كانت الشام بعد غهد الأمويين أشبه بإمارة سلطانها الأكبر في مصر ويتولاها نائبه أو نوابه. ولم يكتب للشام أن تصبح دار ملك بعد عهد الدولتين النورية والصلاحية، وكان أهم عدو مجاور لها صاحب سيس، فإن الأرمن كانوا قد جمعوا شملهم بعد أن قضت على سلطانهم الدولة الأيوبية، وانتزعت منهم خلاط أوائل

стр. 410

القرن السابع، وكانت خلاط قاعدة أرمينية الوسطى أخذها بنو أيوب لمكانهم فيها من عصبية الأكراد، وهي قسم من أرمينية الكبرى وقاعدتها سيس، وقد ذهب الملك الأشرف سنة ٦٩١ في عساكره المصرية والشامية وقصد قلعة الروم وهي على جانب الفرات يقيم بها خليفة الأرمن كيتاغيكوس فأخذه ومن معه أسرى، ورمَّ ما تخرب من تلك القلعة الحصينة. تقدم أن فرنج الساحل لما أصابتهم الضربة القاضية اعتصم بعضهم بأهل جبل لبنان ونزلوا عليهم، وعاد آخرون إلى بلادهم في المراكب، وقد أثار هذا القسم اللاجئ إلى لبنان في نفوس بعض أهله فكره العصيان فعصوا، فتوجست دولة الأشرف منهم خيفة فأرسلت عليهم حملة من دمشق ٦٩١ بقيادة بدر الدين بيدرا، فسار إلى جبل كسروان في العسكر وعدة من الأمراء فانحل عزمه لما تمكن الكسروانيون من بعض العساكر في تلك الجبال ونالوا منهم، وعاد العسكر شبه المكسور وحصل لأهل الجبل الطمع والقوة، فأطلق محابيس لهم بدمشق من أرباب الجرائم العظيمة، وحصل لهم من جميع المقاصد ما لم يكن في حسابهم. قال مغلطاي: وكل ذلك من الطمع وسوء التدبير. وفي كتاب الهدنة التي عقدت بين الملك الأشرف صلاح الدين خليل بن الملك المنصور سيف الدين قلاوون صاحب الديار المصرية والبلاد الشامية بين حاكم الريدارغون صاحب برشلونة من بلاد الأندلس وأخويه دون وفلدريك ودون بيدرو وبين صهريه دون شانجه ملك قشتالة وطليطلة وليون وبلنسية وقرطبة وأشبيلية ومرسية وجيان والغرب الكفيل بمملكته أرغون وبرتقال دون ألفونس ملك برتغال في تاريخ ٦٩٢ أمر الملك دون حاكم وأخويه وصهريه يفسح كل منهم لأهل بلاده وغيرهم من الفرنج أنهم يجلبون من الثغور الآسيوية الحديد والبياض والخشب وغير ذلك. وأن سائر أصناف البضائع المتأخرة على اختلافها تستمر على حكم الضرائب المستقرة في الديوان المعمور. وجاء الأشرف ٦٩٢ لتجهيز العسكر لقصد سيس فوردت عليه رسل صاحبها يطلب الصلح ورضا السلطان عليهم، فرضي على أن يسلموا لنواب

стр. 411

السلطان ثلاث قلاع وهي: بهسنى ومرعش وتل حمدون. وكانت بهنسى قلعة حصينة في فم الدربند وباب حلب، فلما انتقلت من أيدي المسلمين إلى أيدي الأرمن وقت مجيء التتر كان منها على المسلمين أذى، فلما فتح السلطان قلعة الروم وأخذ خليفة الأرمن حصل للأرمن خوف عظيم فصانعوا عن أنفسهم بهذه القلاع. قال مغلطاي: ورسم السلطان في هذه السنة للأمير عز الدين الأفرم بأن يسافر إلى الشوبك وأن يخرب قلعتها فراجعه في إبقائها فنهره فسافر وأخربها وكان هذا غاية الخطأ وسوء التدبير فإن هذا الملك كان طالعه يقتضي الخراب فإنه أخرب في قلعة الجبل أكثر بنيانها، وكذلك في قلعة دمشق أخرب قاعات كثيرة وبظاهر دمشق من حد الميدان إلى تحت القلعة، وكان على يده خراب جميع الساحل وتعطلت بلاده من جميع الأصناف التي تجلب من البحر وبقيت الشام معطلة. قلنا: ولكن هذا السلطان وأبوه دفعا الصليبيين عن القطر واجتثا أصولهم وفروعهم وأدخلاه في عهدهما في دور عز وقوة ووحدة حقيقية. واتسعت مملكة قلاوون حتى خطب باسمه في إفريقية تونس قال ابن إياس: وكان من أجل الملوك قدراً وأعظمهم نهياً وأمراً وأكثرهم معروفاً وبراً، وقد جبلت القلوب على محبته سراً وجهراً اه. وقد خلف آثاراً مهمة ومصانع خالدة في مصر وبعض الشام تدل على ذوق وحسن هندسة، وتسلسل الملك في أولاده وأحفاده لأن الرعية كانت تحبه فأحبت آل بيته، وخفت وطأة المماليك في أيامه ثم عادت تدريجياً إلى القوة والعرامة. اغتيل ٦٩٣ الأشرف صلاح الدين خليل بيد بعض أعيان الدولة بمصر واتفق قاتلوه على سلطنة بيدرا وتلقب بالقاهر، ثم اتفق الحزب القوي منهم فبايعوا للناصر ولد المنصور ثم تغلب ٦٩٤ زين الدين كتبغا نائب السلطنة على سرير المملكة، واستحلف الناس على ذلك وخطب له بمصر والشام، ونقشت السكة باسمه وجعل الناصر في قلعة الجبل وحجب الناس عنه فتزعزعت أعصاب المملكة لهذه الحوادث المشئومة التي تورث النفوس كآبة وأعمال الناس فتوراً. ولما عاد العادل كتبغا من دمشق إلى مصر بالعساكر ٦٩٦ ووصل إلى نهر العوجا تفرقت مماليكه وغيرهم فركب حسام الدين لاجين المنصوري نائب

стр. 412

الملك العادل كتبغا ومعه فريق من الأمراء فهرب كتبغا إلى دمشق ودخل قلعتها واهتم في جمع العساكر والتأهب لقتال لاجين فلم يوافقه عسكر دمشق ورأى منهم التخاذل فخلع نفسه من السلطنة وأرسل إلى لاجين يطلب منه الأمان وموضعاً يأوي إليه فأعطاه صرخد. وأما حسام الدين لاجين فإنه لما هزم العادل كتبغا نزل بدهليزه على نهر العوجا واجتمع معه الأمراء الذين وافقوه على ذلك، وشرطوا عليه شروطاً التزمها، منها أن لا ينفرد عنهم برأي ولا يسلط مماليكه عليهم كما فعل بهم كتبغا. فأجابهم لاجين إلى ذلك وحلف لهم فعند ذلك حلفوا له وبايعوه بالسلطنة ولقب بالملك المنصور حسام الدين لاجين المنصوري، ورحل بالعساكر إلى الديار المصرية، وأرسل إلى دمشق سيف الدين قبجق المنصوري وجعله نائب السلطنة بالشام. ومن أهم ما وقع من الحوادث في عهد هذا الملك دخول غازان من أحفاد هولاكو ٦٩٦ دمشق ثم ارتجاعه عنها بعد أن بذل له أهلها مالاً عظيماً. ثم تجريد السلطان العسكر الكثيف من مصر والشام ٦٩٧ لشن الغارات على سيس فضاقت على الأرمن الأرض بما رحبت وهلكوا من كثرة ما قتل المسلمون منهم، وغنموا حتى اضطر ملكهم أن يبذل الطاعة لصاحب مصر والشام، والإجابة إلى ما يرسم به سلطان الإسلام، وإلى الاعتراف بأنه نائب السلطان في بلاده فطلب منه العسكر أن يكون نهر جيحان حداً بين المسلمين والأرمن، وأن يسلم كل ما هو جنوبي نهر جيحان من الحصون والمدن، فأجاب عظيمهم إلى ذلك وأخذ حموص وتل حمدون وسرفندكار ومرعش وحجر شغلان وغيرها من الحصون والقلاع. وفي سنة ٦٩٧ أيضاً وفد أحد مقدمي المغول إلى المنصور لاجين وطلب نجدة ليعود إلى الروم فجرد معهم من حلب عسكراً مقدمهم بكتمر الجلمي، وساروا مع المقدم سلامش المغولي حتى تجاوزوا بلد سيس فخرجت عليهم التتر واقتتلوا معهم، فقتل الجلمي وجماعة من العسكر الإسلامي وهرب الباقون. وفي سنة ٦٩٨ وحشت نفوس الدولة مما يأتيه منكوتمر من إمساك الكبار وسقي بعضهم، وذهب نائب دمشق قبجق بالعساكر فنزلوا بأرض حمص وهناك بكتمر السلحدار بطائفة من المصريين فتكلموا في مصلحتهم، وأن

стр. 413

منكوتمر لا يفتر عنهم فاتفقوا على المسير إلى غازان ملك التتر لعلمهم بإسلامه فسارا إلى حمص ونزلا بخواصهما، فأخذا على ناحية سلمية وعديا الفرات فلم يكن بعد عشرة أيام من مسيرهم إلا وقد جاء البريد بقتل المنصور حسام الدين لاجين المنصوري وقتل منكوتمر نائبه وعلم الأمراء المخامرون بقتلهما، فاتفق رأي أرباب الدولة في مصر على إعادة الناصر محمد إلى مملكته فجيء به من الكرك وجلس على سرير سلطنته للمرة الثانية. ووصلت هذه السنة إلى بيروت مراكب كثيرة وهي ثلاثون بطسة وفي كل واحدة سبعمائة مقاتل من الفرنج للطلوع إلى الساحل والإغارة على ديار المسلمين فأصابتهم عاصفة أغرقت سفنهم ورجع الباقون خائبين. وقائع التتر: لم تكد نازلة الصليبيين تنحسم حتى كان المصاف العظيم بين المسلمين والتتر في سنة ٦٩٩ فسار غازان بن أرغون خان بن هولاكو بن تولي بن جنكيز خان، بجموع عظيمة من التتر والكرج والمزندة وغيرهم وعبر الفرات ووصل بجموعه إلى حلب ثم إلى حماة ونزل على وادي مجمع المروج، وسارت العساكر صحبة الناصر إلى جهة المجمع، وكان سلار والجاشنكير متغلبين على المملكة فداخل الأمراء الطمع ولم يكملوا عدة جندهم فنقص العسكر كثيراً مع سوء التدبير ونحو ذلك من الأمور الفاسدة التي أوجبت هزيمة العسكر. والتقوا بالقرب من مجمع المروج شرقي حمص فولت ميمنة المسلمين ثم الميسرة وثبت القلب وأحاطت به التتر وجرى بينهم قتال عظيم وتأخر السلطان إلى جهة حمص، فولت العساكر الإسلامية تبتدر الطريق وتمت بهم الهزيمة إلى ديار مصر وانهزم السلطان إلى نحو بعلبك بعد أن تلاقى عسكر مصر وعسكر التتر على مرج راهط تحت جبل غباغب جنوبي دمشق ووقعت بينهما وقعة عظيمة. وكان مع العسكر المصري من العسكر الشامي وعربان من جبل نابلس نحو مائتي ألف إنسان في بعض الروايات ومع غازان مثل ذلك أو أكثر. تتبع التتر المنهزمين من المسلمين في وقعة مجمع المروج حتى بلغوا دمشق واستولوا عليها ونهبوا ضياعها وسبوا أهلها، وساروا في أثر الجفّال إلى غزة

стр. 414

والقدس والكرك. ولما استولى غازان على دمشق أخذ سيف الدين قبجق الأمان لأهلها ولغيرهم منه. وكانت قلعة دمشق عصت على غازان فحاصرها وكان الأمير بها أرجواش المنصوري فقام في حفظها أتم قيام وصبر على الحصار ولم يسلمها - هذا ما قاله أبو الفداء وابن إياس -. ووصف مغلطاي ما حل بدمشق وضواحيها من التتر وما جرى على العساكر المصرية والشامية، وما تم من تخريم الدور والمساكن بظاهر دمشق مثل الصالحية والحواضر البرانية من العقيبة والشاغور وقصر حجاج وحكر السماق وقد خرب منها واستبيح ما لم يصبه الحريق من الأماكن قال: إنهم أسروا من الصالحية نحو أربعة آلاف نسمة وقتلوا نحو ثلاثمائة أو أربعمائة أكثرهم في التعذيب على المال. ودام التتر نحو أربعة أشهر. وكان عدد من دخلوا دمشق من التتر أربعة آلاف مقاتل. وقد احترقت أماكن حول قلعة دمشق منها دار الحديث الأشرفية وما قبالتها إلى العادلية الصغرى والعادلية الكبرى وأحرقت دار السعادة وكانت مقر نواب السلطنة وما حولها، واحتاط التتر بهذه النواحي والأماكن التي لم يصل إليها الحريق فنهبت ونقضت أخشابها، وقلع ما فيها من الرخام وأخذ ما فيها من الأثاث، وكذلك فعل بجميع الصالحية. وعقيب أن تم كل هذا الحيف جاء رسول التتر إلى دمشق بالأمان ومما شرطه في تقليده وكان مكتوباً بالعربية، أن لا يتعرضوا لأحد من أهل الأديان على اختلاف أديانهم من اليهود والنصارى والصابئة، فإنهم إنما يبذلون الجزية عنهم من الوظائف الشرعية. وقال صاحب التتر: إنه حارب حكام مصر والشام لأنهم خارجون عن طريق الدين غير متمسكين بأحكام الإسلام، ناقضون لعهودهم، حالفون بالأيمان الفاجرة، ليس لديهم وفاء ولا ذمام، وشاع من شعارهم الحيف على الرعية، ومد الأيدي العادية إلى حريمهم وأموالهم، والتخطي عن جادة العدل والإنصاف. قال مغلطاي: إنه حمل إلى خزانة غازان ثلاثة آلاف ألف دينار وستمائة ألف دينار سوى ما لحق من التراسيم المقررات والبراطيل والاستخراج لغيره من الأمراء والوزراء وغير ذلك. وقال الصفدي: وإلى شيخ الشيوخ الذي نزل بالعادلية ما قيمته ستمائة ألف درهم وإلى الأصيل بن نصير الدين الطوسي مائة ألف درهم.

стр. 415

ولعلي الأوتاري الدمشقي في هذه الموقعة من قصيدة: أحسن الله يا دمشق عزاكِ ... في مغانيك يا عماد البلادِ وبرستاق نيربيك مع المز ... ة مع رونق بذاك الوادي وبأنس بقاسيون وناس ... أصبحوا مغنماً لأهل الفساد طرقتهم حوادث الدهر بالقت ... ونهب الأموال والأولاد وبنات محجبات عن الشم ... تناءت بهن أيدي الأعادي وقصور مشيدات تقضت ... في ذراها الأيام كالأعياد وبيوت فيها التلاوة والذك ... وعالي الحديث بالإسناد حرقوها وخربوها وبادت ... بقضاء الإله رب العباد وكذا شارع العقيبة والقص ... ر وشاغورها وذاك النادي أقام غازان بمرج الزنبقية من ضواحي دمشق. ثم عاد إلى بلاده تبريز وقرر في دمشق قبجق ولم يستفد إلا التخريب وقتل بعض جيشه وجيشي مصر والشام، فلما بلغ العساكر مسير غازان عن الشام خرجوا من مصر وخرج السلطان إلى الصالحية، ثم اتفق الحال على مقام السلطان بالديار المصرية ومسير سلار وبيبرس الجاشنكير بالعساكر إلى الشام فسارا بالعساكر، وكان قبجق وبكتمر والالبكي قد كاتبوا المسلمين في الباطن وصاروا معهم، فلما خرجت العساكر من مصر هرب قبجق ومن معه من دمشق وفارقوا التتر وساروا إلى مصر، وبلغ التتر بدمشق ذلك فخافوا وساروا من وقتهم إلى الشرق، ورتب جمال الدين أقوش الأفرم في نيابة السلطنة بدمشق، وأقر سنقر في نيابة السلطنة بحلب، وقطلوبك في نيابة السلطنة بالساحل والحصون، والأمير كتبغا زين الدين المنصوري بحماة. وسار جمال الدين أقوش من دمشق وصحبته من الرجالة والفلاحين جمع كثير إلى جبال كسروان لقتال أهلها عقوبة لهم عما قدمت أيديهم مما كانوا فعلوه مع المسلمين وأخذ عددهم، فدخل الكسروانيون تحت الطاعة وقرر عليهم جملة مستكثرة من المال فالتزموا به وحملوه وأقطعت ديارهم وأراضيهم. وكان الأرمن لما وصل غازان بجموع المغول إلى الشام طمعوا في الأرجاء التي افتتحها المسلمون منهم وعجز المسلمون عن حفظها، فتركها الذين بها من

стр. 416

العسكر والرجالة فاستولى الأرمن عليها، ولم يبق مع المسلمين من تلك القلاع غير قلعة حجر شغلان، واستولى الأرمن على غيرها من الحصون والعمالات التي كانت جنوبي نهر جيحان، فجردت مصر والشام عسكراً إلى سيس ونهبت وخربت. وعاد المغول فجرد صاحبهم غازان ٧٠٠ مرة ثانية عسكراً على الشام بدعوى أن عساكر صاحب مصر والشام أغارت على ماردين وبلادها فطرقت القطر على حين غفلة من أهلها وهتكوا المحارم فأتاه أهل ماردين وما إليها مستصرخين ملهوفين فحركته الحمية الإسلامية - وكان دان بالإسلام حديثاً - فلاقى العسكر وفرق شملهم، وسبب رحيله المرة الأولى عن الشام أن الرعية تضررت بمقامه لكثرة جيوشه ومشاركتهم الرعية في الشراب والطعام، فرحل وترك عندهم من يحرسهم من تعدي بعضهم على بعض ويحفظ الشام من أعدائه المتقدمين وأكراده المتمردين. ولما عبر المغول الفرات في المرة الثانية جفل الناس منهم، ودخلوا حلب وعاثوا في أرجائها، وسار نائب السلطنة بحلب إلى حماة ووصلت العساكر من دمشق واجتمعوا بظاهر حماة وأقام المغول بأرجاء سرمين والمعرة وتيزين والعمق وجبال أنطاكية وجبل السماق ينهبون ويقتلون، وسار السلطان من مصر بالعساكر المصرية ووصل إلى نهر العوجا فلم يمكنه اطراد السير لكثرة الأمطار والأوجال فرجع إلى مصر. وأقام المغول يتنقلون في الديار الحلبية نحو ثلاثة أشهر ثم عادوا إلى مواطنهم. والمغول هم والتتر شيء واحد والتتر صنف من أُمم المغول. فقول المؤرخين المغول أو التتر من الألفاظ المترادفة تقريباً. وفي سنة ٧٠٢ فتحت جزيرة أرواد وهي ليعقوب الطرطوسي وكان اجتمع فيها جمع كثير من الفرنج وبنوا فيها سوراً وتحصنوا وكانوا يطلعون منها ويقطعون الطريق على المسلمين المترددين في ذلك الساحل، فأقلع أسطول من مصر فجرى بين الفرنج والمسلمين قتال شديد انتصر فيه المسلمون وملكوا الجزيرة وقتلوا وأسروا جميع أهلها وخربوا أسوارها، وكان القتلى نحواً من ألفين والأسرى نحو خمسمائة. وفي هذه السنة نزلت الفرنج على نهر الدامور بين صيدا وبيروت، ورفعت الشكايات إلى نائب دمشق الأفرم في الجرديين

стр. 417

والكسروانيين - وكانوا أعواناً للفرنج والحكومة في دمشق تعمل جهدها لمنع الفرنج عن الاجتماع بأهل كسروان - فحشدت جيوش الشام لمقاتلتهم، فحمل الكسروانيون على الجيش الشامي فقتلوا أكثره وغنموا أمتعتهم وسلاحهم، وأخذوا أربعة آلاف رأس من خيلهم وقدمت الأكراد لنجدتهم، فصدهم كمينان في الفدار والمدفور فلم يخلص منهم إلا القليل وخربوا بعض الغرب، وكان أمراء الغرب التنوخيون مع جيش دمشق فعاد الجرديون فغزوا عين صوفر وشليخ وعين زيتونة وبحطوش وغيرها. ويقول صالح بن يحيى: إن السبب في قتالهم أن الهاربين من وجه التتر من العسكر ٦٩٩ حصل لهم أذية من المفسدين وخصوصاً من أهل كسروان وجزّين وأكثرهم أذية للهاربين أهل كسروان فإنهم بلغوا إلى أن أمسكوا بعضاً منهم وباعوهم للفرنج، وأما السلب والقتل فكان كثيراً إلى أن عاملت الدولة الكسروانيين بما تقدم. وفي هذه السنة عاودت التتر قصد الشام وساروا إلى الفرات وأقاموا عليها مدة في أزوارها وسار منهم عشرة آلاف فارس، وكانوا كلهم نحواً من خمسين ألفاً عليهم خطلوشاه نائب غازان، وأغاروا على أحد أرجاء القريتين وكانت العساكر قد تجمعت في حماة بقيادة أسندمر الكرجي نائب السلطنة بالساحل ومعاونة عسكر حلب وحماة فاقتتلوا مع التتر في الكوم قريب من عُرض بين تدمر والرصافة فانهزم التتر وقتلوا عن آخرهم، وكان المسلمون ألفاً وخمسمائة فارس والتتر ثلاثة أضعافهم. ثم سار التتر بجموعهم العظيمة صحبة قطلوشاه نائب غازان بعد كسرتهم على الكوم ووصلوا إلى حماة فاندفعت العساكر الذين كانوا بها بين أيديهم، واجتمعت عساكر مصر والشام بمرج الزنبقية ثم ساروا إلى مرج الصفّر لما قاربهم التتر وبقي العسكر منتظرين وصول الناصر، وسارت التتر إلى دمشق طالبين العسكر ووصلوا إليهم عند شقحب بطرف مرج الصفّر فالتقى الفريقان واشتد القتال فانهزم التتر ولحق المسلمون أثر المنهزمين إلى القريتين يقتلون فيهم ويأسرون. ووصل التتر إلى الفرات وهو في قوة زيادته فلم يقدروا على العبور والذي عبر فيها هلك، فساروا على جانبها إلى بغداد فانقطع أكثرهم على شاطئ الفرات، وأخذ العرب منهم جماعة كثيرة ورجع غازان من حلب

стр. 418

في ضيق صدر من كسرة أصحابه وتمزقهم لبعد المسافة وتخطف أهل الحصون لهم. قال شرف الدين الوحيد في انتصار التتر مرة وكسرتهم تارة أُخرى. وجاءت ملوك المغل كالرمل كثرة ... وقد ملكت سهل البسيطة والوعرا فأنصفت الأيام في الحكم بيننا ... فكانت له الأولى وكانت لنا الأخرى وقال شمس الدين السيطي: يا مرج صفر بيضت الوجوه كما ... فعلت من قبل والإسلام يؤتنف أزهر روضك أزهى عند نفحته ... أم يانعات رؤوس فيك تقتطف غدران أرضك قد أضحت لواردها ... ممزوجة بمياه الغل تغترف دارت عليهم من الشجعان دائرة ... فما نجا سالم منهم وقد زحفوا ونكسوا منهم الأعلام فانهزموا ... ونكصوهم على الأعلام فانقصفوا ففي جماجمهم بيض الظبا زبر ... وفي كلاكلهم سمر القنا قصف فروا من السيف ملعونين حيث سروا ... وقتلوا في البراري حيثما ثقفوا فما استقام لهم في أعوج نهج ... ولا أجارهم من مانع كنف غزوة الأرمن والكسروانيين وتزعزع السلطنة: ولما ارتاح ذهن صاحب مصر والشام من التتر عاد فجرد عسكراً من مصر وحماة وحلب ٧٠٣ ودخلوا سيس وحاصروا تل حمدون وفتحوها بالأمان وارتجعوها من الأرمن وهدموها إلى الأرض. ووقع الاتفاق مع صاحب سيس على أن يكون للمسلمين من نهر جيحان إلى حلب وللأرمن حد النهروان. وكان من نتائج معاونة التنوخيين في غرب لبنان لجيش دمشق على قتال الكسروانيين أن تأصلت العداوة بين الفريقين حتى إذا كانت سنة ٧٠٤ أرسل أقوش الأفرم نائب دمشق إلى الجبليين والكسروانيين الشريف زين الدين عدنان، يأمرهم أن يصلحوا شؤونهم مع التنوخية ويدخلوا في طاعتهم، ثم أرسل إليهم الأمام ابن تيمية في صحبة بهاء الدين قراقوش فلم يحصل اتفاق، فأفتى العلماء حينئذ بنهب ديارهم بسبب استمرارهم على العصيان وإبائهم الدخول في الطاعة، وفي الدر المنظوم أن أقوش فتح كسروان من جهتها الشمالية ولذلك دعيت فتوحاً وقال آخر: إن الأفرم جمع رجال الدروز ٧٠٦

стр. 419

وكانوا عشرة أمراء بعشرة آلاف مقاتل والتقت الجموع عند عين صوفر وجرى بينهم قتال عظيم وكانت الدائرة على الأمراء فهربوا بحرمهم وأولادهم وأموالهم ونحو ثلاثمائة نفس من رجالهم واجتمعوا في الغار غربي كسروان المعروف بغار تيبية فوق أنطلياس فدافعوا عن أنفسهم، ولم يقدر الجيش أن ينال منهم. ثم بذلوا لهم الأمان فلم يخرجوا فأمر نائب دمشق أن يبنوا على الغار سداً من الحجر والكلس وهالوا عليه تلاً من التراب وجعلوا قطلوبك حارساً عليهم مدة أربعين يوماً حتى هلكوا داخل الغار، ثم أحاط العسكر بتلك الجبال ووطئوا أرضاً لم يكن أهلها يظنون أن أحداً من خلق الله يصل إليها، فخربوا القرى وقطعوا الكروم وهدموا البيع وقتلوا وأسروا جميع من صادفوا من الدروز والكسروانيين وغيرهم فذلت تلك الجبال المنيعة بعد عزتها. ويقول مؤرخو لبنان: إن الأفرم في هذه الحملة كان في خمسين ألف فارس وراجل. ويقول أبو الفداء وابن الوردي: إن هذه الحملة ٧٠٥ كانت على بلاد الظنينين غيرهم من المارقين عن الطاعة وكانوا يتخطفون المسلمين ويبيعونهم من أعدائهم ويقطعون الطرق. وفي تاريخ بيروت أن سيف الدين أسندمر نائب طرابلس كان نسب إلى مباطنة الكسروانيين فأفحش فيهم القتل لينفي عنه هذه التهمة اللاحقة به وأن الكسروانيين بادوا وتشتتوا وأقطع هذا النائب بعضهم أملاكاً من حلقة طرابلس وجازى بعضهم بالرواتب. وفي سنة ٧٠٥ أرسل نائب السلطنة بحلب مع طشتمر مملوكه في عسكر حلب للإغارة على سيس أيضاً، وكان ضعيف العقل قليل التدبير، ففرط في حفظ العسكر ولم يكشف أخبار العدو واستهان بهم، فجمع صاحب سيس جموعاً كثيرة من التتر وانضمت إليهم الأرمن والفرنج ووصلوا على غرة إلى طشتمر فالتقوا بالقرب من أياس فلم يكن للحلبيين قدرة بمن جاءهم فتولوا يبتدرون الطريق. وتمكنت التتر والأرمن منهم فقتلوا وأسروا غالبهم واختفى من سلم في تلك الجبال.

стр. 420

ولم يحدث بعد ذلك من الكوائن المهمة شيء يستحق التدوين حتى سنة ٧٠٨ وقد خرج الناصر محمد بن قلاوون من مصر يظهر التوجه إلى الحجاز، فلما وصل إلى الكرك أمر الأمراء الذين حضروا في خدمته بالمسير إلى الديار المصرية وأعلمهم أنه جعل السفر إلى الحجاز وسيلة إلى المقام بالكرك. وكان سبب ذلك استيلاء سلار وبيبرس الجاشنكير على المملكة واستبدادهما بالأمور، وتجاوزا الحد في الانفراد بالأموال والأمر والنهي، ولم يتركا له غير الاسم فاشتور الأمراء فيما بينهم واتفقوا على أن تكون السلطنة لبيبرس الجاشنكير، فجلس على سرير السلطنة على أن يكون سلار مستمراً على نيابتها. وفي السنة التالية سار جماعة من المماليك على حمية من الديار المصرية مفارقين طاعة بيبرس الجاشنكير الملقب بالملك المظفر، ووصلوا إلى السلطان بالكرك وأعلموه بما الناس عليه من طاعته ومحبته، فأعاد السلطان خطبته بالكرك ووصلت إليه مكاتبات عسكر دمشق يستدعونه وأنهم باقون على طاعته، وكذلك وصلت إليه المكاتبات من حلب ثم جاء من الكرك إلى حمان، وعاد فرجع إلى الكرك واستمرت العساكر على طاعته وانحلت دولة بيبرس الجاشنكير وجاهره الناس بالخلاف بعد أن ساعفته الأيام، ولم يهم أنه ستخونه الأقدار، ولا تظنى أن ما بناه على شفا جرف هار. ولما تحقق الملك الناصر صدق العساكر الشامية وبقاءهم على طاعته وولائه عاود المسير إلى دمشق فسار إلى البرج الأبيض من أعمال البلقاء، فأطاعه جند دمشق وجند حماة والساحل، وطلب نائب السلطنة الأفرم الأمان فأمنه، ولما تكاملت العساكر الشامية عند السلطان بدمشق سار إلى مصر وبلغ بيبرس الجاشنكير ونائبه ذلك فجردا عسكراً ضخماً أقاموا في الصالحية بطريق مصر. ولما وصل السلطان إلى غزة قدم إلى طاعته عسكر مصر أولاً فأولاً ثم تتابعت الأطلاب والكتائب، وبويع له بالسلطنة للمرة الثالثة، ولما تحقق بيبرس الجاشنكير ذلك خلع نفسه من السلطنة وطلب الأمان وأعطاه السلطان صهيون ومئة مملوك ثم قبض عليه وقتل، وكذلك فعل بسلار. وأكثر مصارع العقول تحت بروق المطامع. وفي سنة ٧٠٩ وقعت فتنة في حوران بين اليمنية والقيسية وحشدوا وبلغت

стр. 421

المقتلة ألف نفس وكانت بقرب السويداء. وفي سنة ٧١٠ أقام السلطان ملكاً على حماة إسماعيل بن علي الملقب بأبي الفداء وهو آخر من بقي من سلالة الملوك الأقدمين في الشام. ولولا حسن سياسة أبي الفداء ما وصل إلى هذا المنصب لأن الدور أصبح دور المماليك والدخلاء وجميع مواطن النيابة أصبح فيها مماليك السلطان أو مماليك والده أو مماليك مماليك والده، وجميعهم مرتبون من الأبواب الشريفة. ولم يكن كل ملك أو قيل من هؤلاء الملوك والأقيال حراً بمملكته كما زعم بعضهم، بل كانوا حتى من تسلسل فيهم الملك في بلدان صغيرة من الشام أشبه بأصحاب إقطاعات لا يزالون في حربهم وسلمت تحت أمر السلطان. وإذا شذ في الأحايين بعضهم وعدوا على سلطانهم فإنهم لم يخرجوا عن كونهم ولاة أو عمالاً خرجوا على السلطان ليس إلا. الغزوات في الشمال وظهور دعوة جديدة: وفي سنة ٧١١ قصد قراسنقر كبير الأمراء في حلب أمير العرب مهنا بن عيسى وكان على مسيرة يومين من حلب يستنصره، وكان في ثمانمائة مملوك على الملك وكان يريد أن يبطش به. فركب مهنا فيمن أطاعه من أهله، واستنفر من العرب نحو خمسة وعشرين ألفاً، وقصدوا حلب وأحرقوا باب قلعتها وتغلبوا عليها، واستخلصوا منها مال قراسنقر ومن بقي من أهله ولم يتعدوا إلى سوى ذلك ودخلت سنة ٧١٥ فأرسل السلطان محمد بن قلاوون عساكر الشام ومصر إلى ملطية ففتحوها، وسبب ذلك أن حكومتها كانت تعتدي على أبناء السبيل ومن جاورها من سكان القلاع، وأن المسلمين كانوا بها يختلطون بالنصارى حتى إنهم زوجوا النصراني بالمسلمة، وثبت أنهم كانوا يطلعون التتر والأرمن على أخبار المسلمين، ثم رجع الجيش إلى مرج دابق قرب حلب، وترددت الرسل إلى صاحب سيس الأرمني في إعادة ما في جنوبي جيحان من البلدان وزيادة القطيعة أي الإتاوة، فجعلها نحو ألف ألف درهم. وصدر أمر السلطان بأن لا تكون بحماة حماية لدعوة الإسماعيلية أهل مصياف، بل يتساوون مع رعية حماة في أداء الحقوق والضرائب الديوانية وغير ذلك. وأغار سليمان بن مهنا بن عيسى بجماعة من التتر والعرب على التراكمين

стр. 422

والعرب النازلين قريب تدمر ونهبهم ووصل في إغارته إلى قرب البيضاء بين القريتين وتدمر وعاد بما غنمه إلى الشرق. وجهز نائب السلطنة ٧١٧ بحلب عدة كثيرة من عسكر حلب وغيرهم من التركمان والعربان والطماعة ما يزيد على عشرة آلاف فارس فساروا إلى آمد ونهبوا أهلها المسلمين والنصارى وبالغوا في النهب الحرام فخلت آمد من أهلها. وظهر في جبال بلاطنس من عمل اللاذقية رجل من النصيرية وادعى أنه محمد بن الحسن العسكري ثاني عشر الأئمة عند الإمامية، وقيل: زعم تارة أنه المهدي المنتظر، وأخرى أنه علي بن أبي طالب، وطوراً أنه محمد المصطفى وأن الأمة كفرة. فتبعه خلق من النصيرية نحو ثلاثة آلاف، وهجم مدينة جبلة والناس في صلاة الجمعة فنهب أموال أهل جبلة، وجرد إليه عسكر من طرابلس فلما قاربوه تفرق جمعه وهرب واختفى في تلك الجبال فتتبع وقتل وباد جمعه ولم يعد لهم ذكر، بعد أن قتل مائة وعشرون رجلاً من رجاله. وفي سنة ٧٢٠ تقدمت مراسيم السلطان بإغارة العساكر على سيس فسار الجند الشامي من الساحل ودمشق وحماة وحلب فنازلوا قلعتها حتى بلغوا السور، وغنموا منها وأتلفوا الزراعات وساقوا المواشي ونهبوا وخربوا. وسار جمع عظيم من العساكر الشامية والعرب في أثر آل عيسى، وكانت منازلهم في سليمة، حتى وصلوا إلى الرحبة فعانة فهرب آل عيسى إلى ما وراء الكبيسات، وأقام السلطان موضع مهنا محمد بن أبي بكر، ثم رضي السلطان ٧٢٢ على الأمير فضل بن عيسى وأقره على إمرة العرب موضع محمد بن أبي بكر أمير آل عيسى. وجردت بعض العساكر المصرية والشامية والساحلية إلى سيس ونازلوا اياس فهربت الأرمن منها وأخلوها وألقوا النار فيها فملكها المسلمون، وخربوا ما قدروا على هدمه وعاد كل عسكر إلى بلده. وهدأت الأحوال في هذه الحقبة ولم يحدث سوى أمور طفيفة مثل قدوم مراكب فرنج جنوية ٧٣٤ إلى بيروت، قاتلوا أهلها يومين ودخلوا البرج وأخذوا الأعلام السلطانية والمراكب. وكان السلطان يعتقل بعض الخوارج عليه أو من يرى في سيرهم ما يدعو إلى الشبهة ثم يطلقهم وينعم عليهم، وربما أخر

стр. 423

إهلاك من يخافهم على السلطنة مثل تنكز نائب الشام عشر سنين ثم قتله، وكان قتل خلقاً فارتاحت الناس، وما كانت أفكار السلطنة موجهة إلا إلى قتال الأرمن، فكانوا يغزون كل مرة وآخر ما نالهم من غزوة المسلمين غزوة عسكر حلب ٧٣٥، وكان الأرمن ملكوا مدينة سيس وطردوا من كان بها من المسلمين فخربوا في أذنة وطرسوس وأحرقوا الزروع واستاقوا المواشي وغنموا وأسروا وما عدم سوى شخص واحد غرق في النهر، وكان العسكر عشرة آلاف سوى من تبعهم، فلما علم أهل اياس بذلك أحاطوا بمن عندهم من المسلمين التجار وغيرهم وحبسوهم في خان ثم أحرقوه وقلّ من نجا، فعلوا ذلك بنحو ألفي رجل من التجار والبغاددة وغيرهم. وبعد مدة سار العسكر من مصر والشام بقيادة ملك الأمراء بحلب علاء الدين ألطنبغا إلى بلاد الأرمن ٧٣٧ ونزلوا على مينا أياس وحاصروها ثلاثة أيام، ثم قدم رسول الأرمن من دمشق ومعه كتاب نائب الشام بالكف عنهم على أن يسلموا المدن والقلاع التي شرقي نهر جيحان، فتسلموا ذلك منهم وهو ملك كبير ومدن كثيرة كالمصيصة وكوبرا والهارونية وسرفندكار واياس وباناس ونجيمة والنقير وغير ذلك، فخرب المسلمون برج اياس الذي في البحر. قال ابن الوردي: وهذا فتح اشتمل على فتوح، وترك ملك الأرمن جسداً بلا روح. وفي سنة ٧٤٠ وقع حريق بقيسارية القواسين والكفتين وسوق الخيل من دمشق دام يومين بلياليها فعدم فيها نحو خمسة وثلاثين ألف قوس وعدم الناس أموالاً عظيمة منها للتجارة ما مبلغه ألف ألف وستمائة ألف دينار وخربت أماكن كثيرة فوقعت التهمة على بعض كتاب النصارى وأقروا أن اثنين قدما من القسطنطينية ليجاهدا في الملة الإسلامية ومعابدها وقدما نفسيهما على ذلك وأنهما يعلمان صناعة النفط فقتل أحد عشر رجلاً وأنكر صاحب مصر على نائب دمشق تنكز قتل النصارى قائلاً إن ذلك إغراء لأهل القسطنطينية. سياسة المماليك مع أكبر عمالهم ووفاة الناصر وتولي المنصور: كانت حكومة المماليك تكثر من نصب الولاة وعزلهم ولا سيما في دمشق فتولي في كل وقت نائباً جديداً وربما في كل شهر، ولم تطل مدة واحد من

стр. 424

الولاة كما طالت نيابة تنكز فإن ولايته دامت من سنة ٧١٢ إلى ٧٤٠ قال الكتبي: وهابه الأمراء بدمشق ونواب الشام وأمن الرعايا، ولم يكن أحد من الأمراء ولا أرباب الجاه يقدر أن يظلم أحداً آدمياً أو غيره خوفاً من بطشه وشدة إيقاعه. قال: وكان الناس في أيامه آمنين على أموالهم ووظائفهم. وهو صاحب الأبنية العظيمة في دمشق وغيرها من الشام وكان ممن ينشط الزراعة ولما أخذه ملك مصر وقتله في الإسكندرية تأسف عليه أهل دمشق. وتوفي الناصر محمد بن قلاوون سنة ٧٤١ بعد أن خطب له ببغداد والعراق وديار بكر والموصل والروم، وضرب الدينار والدرهم هناك باسمه كما يضرب له بالشام ومصر، وتألم الناس لفقده لأنه أبطل المكوس وأنشأ جوامع ومدارس وكانت أيامه أيام أمن وسكينة، فتولى الملك بعده ابنه المنصور أبو بكر وكان تسلطن قبل موت والده. وملك الناصر محمد بن قلاوون ثلاث مرات مدتها ثلاث وأربعون سنة وتسعة أشهر وسبعة عشر يوماً، تملك المرة الأولى بعد وفاة أخيه الأشرف سنة كاملة، والمرة الثانية بعد قتل لاجين، ومدة ملكه ثانيةً عشر سنين وستة أشهر واثنا عشر يوماً، والدولة الثالثة أقام بها ثنتين وثلاثين سنة وثلاثة شهور وخمسة أيام، وكان في الثالثة حاكماً متصرفاً ليس له منازع يخالف أمره بخلاف المدتين الأوليين. وشأن ابن قلاوون قليل في الملوك، لأنه ندر من يتخلى عن الملك أو يخلع من الملوك أن يعود إلى دست السلطنة مرة ثانية فكيف بثلاث مرات. ومن غريب ما وقع له أيضاً أنه تسلطن ثمانية من أولاده لصلبه، وهذا مما يعد في باب سعادة آل قلاوون. وفي سنة ٧٤١ فتح علاء الدين أيدغدي الزراق ومعه عسكر حلب قلعة خندروس من الروم، وكانت عاصية وبها أرمن وتتر يقطعون الطرقات، وفي السنة التالية ٧٤٢ بايع المنصور أبو بكر الخليفة الحاكم بأمر الله أبا العباس أحمد بن المستكفي بالله أبي الربيع سليمان وكان قد عهد إليه والده بالخلافة فلم يبايع في حياة الناصر فلما ولي المنصور بايعه بمصر وجلس معه على كرسي الملك وبايعه القضاة وغيرهم، وكان الخليفة من أولاد العباس يقيم في مصر كعامل كبير محترم من عمال السلطنة ويبايع السلطان عند جلوسه

стр. 425

خلع الملك المنصور ومقتل غير واحد من اخوته الذين خلفوه: خلع المنصور أبو بكر فاحتج عليه قوصون الناصري ولي نعمة أبيه بحجج ونسب إليه أموراً، فأخرجه إلى قوص فقتله واليها، وأقام الملك أخاه الأشرف كجك وهو ابن ثمان سنين. أي إن الخوارج على السلطنة بعد أن سكنوا بحسن سياسة الناصر محمد بن قلاوون مدة بعد خلعه نفسه ومكثه في الكرك حتى رجع إلى السلطنة وقد أطاعه عسكر الشام ومصر، ثم عادوا يبدون نواجذ الشر ويقتلون ملكهم، فقتل الملك الجديد ونصب أخوه الصبي ليكون الحكم لقوصون الناصري كما وقع ذلك في أدوار مختلفة، ثم أرسل قوصون مع قطلبغا الفخري الناصري عسكراً لحصار أحمد بن الملك الناصر بالكرك، وسار الطنبغا نائب دمشق والحاج أرقطاي نائب طرابلس بإشارة قوصون إلى قتال طشتمر بحلب، لأن هذا أنكر على قوصون ما اعتمده في حق أخيه المنصور أبي بكر، ونهب الطنبغا بحلب مال طشتمر وهرب هذا إلى الروم، واستمال الناصر في الكرك قطلبغا الفخري، وكان ذهب لقتاله وحاصره أياماً فبايعه وبايع للناصر من بقي من عسكر دمشق المتأخرين عن المضي إلى حلب صحبة الطنبغا، ثم سار الفخري إلى ثنية العقاب وأخذ من مخزن الأيتام بدمشق مالاً ولما بلغ الطنبغا ما جرى بدمشق رجع على عقبه فأرسل إليه الفخري لما قرب من دمشق القضاة، وطلب الكف عن القتال، فقويت نفس الطنبغا وأبى ذلك، وطال الأمر على العسكر فلما تقاربوا بعضهم من بعض لحقت ميسرة الطنبغا بالفخري ثم الميمنة، وبقي الطنبغا وجماعته في قليل من العسكر، فهرب الطنبغا ومن معه من القواد إلى جهة مصر، فجهز الفخري وأعلم الناصر بالكرك وقد خطب له بدمشق وغزة والقدس، فلما وصل ألطنبغا إلى مصر وهو قوي النفس بقوصون تغير أمر قوصون. وكان قد غلب على الأمر لصغر الملك الأشرف، ثم قبض جماعة الأمراء على قوصون وأرسلوه إلى الإسكندرية وأهلك بها، وقبضوا على الطنبغا وحبسوه، وسافر الناصر أحمد من الكرك وعمل أعزيه لوالده وأخيه، وأمر بتسمير والي قوص لقتله المنصور وخلع الأشرف الصغير، وجلس الناصر على الكرسي هو والخليفة ثم أعدم الطنبغا وغيره، وتواتر عزل الولاة والنواب بحلب، جرى كل هذا في مدة يسيرة. وجرى
следующие страницы →